مسألة: قال: "ويقبل كل كتاب لقاضٍ عدل ولا يقبله إلا بعدلين".
الأصل في جواز العمل على كتب القضاة، الكتاب، والسنة، والإجماع.
أما الكتاب: فقصة سليمان عليه السلام لبلقيس في قوله تعالى: ﴿إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29)﴾ [النمل:29] الآية، فأنذرها بكتابه ودعاها إلى دينه، وجعله بمنزلة كلامه، واقتصر منه على أن قال: ﴿أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ واتُونِي مُسْلِمِينَ (31)﴾ [النمل:31]، فأوجز واقتصر، وهكذا تكون كتب الأنبياء عليهم السلام، ومعناه: لا تعصوني، وقيل: لا تخالفوني ﴿واتُونِي مُسْلِمِينَ (31)﴾ لديني، وقيل: مستسلمين لطاعتي، وهو أول من افتتح ب ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30)﴾، ولما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتح كتبه بها.
وأما السنة: فما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى ملوك الأمم يدعوهم إلى الإسلام، كتب إلى اثني عشر ملكًا منهم كسرى ملك الفرس، وقيصر ملك الروم، فأما كسرى فكتب إليه: من محمد بن عبد الله إلى كسرى بن هرمز أن أسلم تسلم والسلام.
فلما وصل إليه كتابه مزقه، فقال صلى الله عليه وسلم: "يُمزق ملكه".
وكتب إلى قيصر: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله إلى قيصر عظيم الروم، ﴿يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران:64]، فلما وصل إليه كتابه قبله ووضعه على رأسه، فقال عليه الصلاة والسلام: "ثبت ملكه" فكان كما قال صلى الله عليه وسلم في كسرى وقيصر.
وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمرو بن حزام كتابًا ذكر فيه الأحكام والزكوات والديات، فصارت في الدين شرعًا ثابتًا، وعملًا مستفيضًا.
وجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشًا وأمر عليهم عبد الله بن جحش، ودفع إليه كتابًا وقال: " لا تفضه حتى تبلغ موضع كذا، فإذا بلغته ففضه واعمل بما فيه" ففضه في الموقع الذي أمره وعمل بما فيه وأطاعه الجيش عليه.
وروي عن الضحاك بن سفيان قال: ولأني رسول الله صلى الله عليه وسلم على بعض الأعراب، ثم كتب إلي يأمرني أن أورث امرأة أشيم الضبابي
من دية زوجها.
وأما الإجماع: فهو أن الخلفاء الراشدين كتبوا إلى أمرائهم وقضاتهم بما عملوا من الديانات والسياسات.
وكتب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- عهده على قضاء البصرة، وهو مشهور جعله المسلمون أصلًا للعهود.
وكتب إلى أبي هريرة -رضي الله عنه- أما بعد فإنه حصر بنا فالوحا الوحا.
وكتب إلى ابن عباس -رضي الله عنهما- أما بعد، فإن الإنسان ليسره درك ما لم يكن ليفوته ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه، فلا تكن بما نلت من دنياك فرحًا، ولا بما فاتك منها ترحًا، ولا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل، ويؤخر التوبة بطول أمل، فكأن قدر والسلام.
وقال ابن عباس -رضي الله عنهما- فما انتفعت ولا اتعظت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل هذا الكتاب.
ولأن الحكام من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا كانوا يكتبون، يكتب بعضه إلى بعض، ويعملون عليه ولم ينكره منكر.
ولأن ضرورات الحكام إليها داعية، فإن من له حق على رجل في بلد غير بلده لا يمكنه إتيانه ولا مطالبته إلا بكتاب القاضي، فوجب قبوله.
ثم اعلم أن لوجوب قبولها ثلاثة شروط:
أحدها: أن يكون الثاني عالمًا بصحة ولاية الأول.
والثاني: أن يكون عالمًا بصحة أحكامه وكمال عدالته.
والثالث: أن يعلم صحة كتابه فيما تضمنه من حكمه.
واختلف العلماء فيما يعلم به صحة كتابه، فذهب الشافعي وأبو حنيفة -رضي الله عنهما- وأكثر الفقهاء إلى أنه لا يجوز أن يقبله إلا أن يشهد به شاهدان على ما نذكره، فأما بالخط أو الختم فلا يجوز.
وذهب قضاة البصرة الحسن، وسوار بن عبد الله وعبيد الله العنبري، وهو قول أبي يوسف، وأبي ثور وإسحاق وأبي عبيد، وهو رواية عن مالك، ومال إليه من أصحاب الشافعي الإصطخري، أنه إذا عرف القاضي [أن] المكتوب إليه خط القاضي الكاتب وختمه، واتصلت بمثله كتبه جاز أن يقبله ويعمل بما تضمنه، لأن كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كانت مقبولة يعمل بما فيها من غير شهادة.
ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: "شاهداك أو يمينه"، فجعل الحكم مقصورًا على الشهادة دون الكتب، ولأن نقل ما غاب عن القاضي لا يثبت إلا بالشهادة دون الخط، كالشهود إذا كتبوا بشهادتهم، وكذلك الدعاوى والأقارير والعقود لا تثبت بمجرد الكتاب دون الشاهدين، وهذا كله لأن الخطوط تشتبه على ما ذكرنا، وأما كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت ترد مع رسل يشهدون بها، وإنها تجري مجرى الأخبار التي يخف حكمها، لعموم التزامها بخلاف هذا.
ثم اعلم أنه يجوز أن يكتب قاضي مصر إلى قاضي مصر، وقاضي قرية إلى قاضي قرية، وقاضي بلد إلى قاضي قرية، وقاضي قرية إلى قاضي بلد، لأن كل واحد من
هؤلاء ينفذ قضاؤه وحكمه فيقبل كتابه.
ثم ينظر فإن كان كتب بحكم حكم به فيجوز قبول ذلك والعمل به سواء كان بينهما مسافة.
[نعتبر فيها شهادة شهود الفرع على شهادة شهود الأصل، أو لا يكون بينهما هذه المسافة، وإن كان كتب بشيء ثبت عنده ولم يحكم به يعتبر أن يكون بينهما مسافة يقبل فيها شهادة شهود الفرع، والفرق إنه إذا حكم حاكم يكتب بما نفذه وأمضاه وما حكم به حاكم يلزم كل حاكم تنفيذه وإمضاؤه فلم يعتبر قرب المسافة، وأما إذا لك يحكم فإنه خبره بذلك هو بمنزلة الشهادة على الشهادة فاعتبر فيه بعد المسافة وتعذر إثبات شهود الأصل ذلك عند الحاكم الثاني وقدر المسافة مسافة القصر وقال بعض أصحابنا بخراسان فيه وجهان أحدهما: هذا، والثاني: نعتبر مسافة الشهود لأداء الشهادة إليه لم يمكنهم الرجوع إلى المنزل قبل الليل.
وقال أبو حامد: لا يقول ثبت عندي لأن الثبوت حكم كقوله حكمت وإنما يقول شهدًا عندي لفلان بكذا إذا كان قصده نقل الشهادة فإن قال: ثبت عندي فهو حكم لا يشترط فيه المسافة والصحيح عند أكثر أصحابنا أن الثبوت لا يكون حكمًا لأن الحكم هو الإلزام والثبوت ليس إلزامًا، وهو في ثبوت الحق كالإقرار ونص عليه في الأم فقال: كتابه كتابان؛ أحدهما: كتاب يستأنف المحكوم إليه به، والثاني: كتاب حكم منه، وقد ذكرنا ما يفعل به وحكي الطحاوي عن أبي حنيفة وأصحابه أنه يجوز للحاكم المكتوب إليه أن نقبله، وإن كانت المسافة قريبة وقال بعض المتأخرين من أصحابه هذا مذهب أبي يوسف ومحمد والذي يقتضيه مذهب أبي حنيفة أنه لا يجوز ذلك كما في الشهادة على الشهادة وأحتج من أجازه بأن كتاب الحاكم بما ثبت عنده فجاز مع القرب ككتاب الحكم وهذا لنه نقل الشهادة إلى المكتوب إليه فلا تجوز مع القرب كالشهادة على الشهادة ويفارق كتاب الحكم لأنه ليس بنقل وإنما هو خبر بفعله فافترقا ثم قال الشافعي رضي الله عنه: ينتجه ويقرأ عليهما الفصل والكلام إلا أن يكون في كيفية التجميل والأداء فأما التجمل فيحتاج الحاكم الكاتب أن يحضر شاهدين من أهل بلد الحاكم المكتوب إليه أو بمن يريد الخروج إليه ويقرأ الكتاب عنهما أو يقرؤه غيره وهو يسمعه قال الشافعي رضي الله عنه: وأحب الشاهدين أن ينظرا في الكتاب لئلا يحرف شيء منه، فإن لم ينظرا جاز لأنهما يؤديان ما سمعاه فإذا سمعا ذلك وضبطاه قال الحاكم لهما: اشهدا إني كتبت إلى فلان ابن فلان بما سمعتما في هذا الكتاب].
قال الشافعي رضي الله عنه: وينبغي أن يأمرهم بنسخ كتابه في أيديهم ويوقعوا شهادتهم فيه قال أصحابنا: والاحتياط أن يكون ذلك قبل أن يقرأ الكتاب
عليهم فينسخ كل واحد منهما لنفسه نسخة تكون معه، فإذا قرأ الحاكم كتابه نظر في نسخته وقابل ليكون ضابطًا لما في الكتاب لئلا ينسوا ذلك، وقوله: ويوقعوا شهادتهم فيه، يعني في الكتاب الذي في أيديهم ويحتمل أن يريد بقوله فيه، أي في كتاب القاضي والاحتياط أن يوقعوا شهادتهم في كتاب القاضي وفي النسخة التي في أيديهم ليحفظوا من النسخة لفظ شهادتهم فإن ضبط ما يحتاج إليه من كتاب القاضي وحفظ من غير نسخ لم يحتج إلى ذلك؛ لأن المعول على ما علمه وشهد به إلا أن يكون مختومًا لأن الاعتماد على حفظهما لما فيه، ولو اقتصر القاضي فقال لهما: هذا كتابي إلى فلان القاضي أجزأ وإن لم يقل اشهدا بما فيه، وإن أدرج الكتاب وختمه استدعى شاهدين وقال لهما: هذا كتابي إلى فلان قد أشهدكما على نفسي بما فيه لم يصح التحمل وبه قال أبو حنيفة، وقال أبو يوسف: إذا ختمه بختمه المشهور جاز أن يتحمل الشهادة عليه مدرجًا فإذا وصل الكتاب شهد عنده أنه كتاب فلان إليه ويذكر هذا عن أبي حنيفة وهو غير مشهور عنه، واحتج بأنهما شهدا بما في الكتاب فلا حاجة بهما إلى معرفة تفصيله كما لو شهدا لرجل بما في هذا الكيس من الدراهم جازت شهادتهما، وإن لم يذكروا قدرها وهذا غلط [2 أ/ 12]؛ لأنهما شهدا بما هو مجهول عندهما فلا تصح شهادتهما كما لو شهدا على أن لفلان على فلان مالًا وأما ما قاس عليه فلا يصح لأن تعيينها يغني عن معرفة قدرها وهما الشهادة بما في الكتاب دون الكتاب وهما لا يعرفانه فلا يجوز.
وقال الشافعي رضي الله عنه: وقبضا الكتاب قبل أن يغيبا عنه.
وأما صفة الأداء: فإنهما إذا وصلا إلى الحاكم الثاني يقولان: نشهد أن هذا الكتاب قُرئ على فلان القاضي وسمعناه وأشهدنا أنه كتبه إليك وهذه الشهادة بعد قراءة الكتاب.
قال الشافعي رضي الله عنه: فإن لم يقرأ الكتاب ولكنهما سلماه إليه وقالا إنه كتب إليك بهذا لم يجز خلافًا لأبي حنيفة.
وإذا شهدوا بذلك قبله القاضي إن كانوا عدولًا عنده وأمضاه إن كان حكمًا وحكم به إن كان تثبيتًا بالبينة أو بالإقرار عنده.
والحكم المبرم تارة يكون ببينة، وتارة يكون بإقرار، وتارة بعلم وقع له إذا جوزنا له أن يقضي بعلمه، وتارة بالنكول ورد اليمين، ولو كتب بحصول النكول ورد اليمين عنده من غير أن يبرم الحكم ليبرمه المكتوب إليه جاز، ولو كتب بعلم نفسه إلى غيره ليقضي المكتوب إليه بموجب علمه لم يجز لأنه إذا لم يبرم الحكم [2 ب/ 12] بنفسه بعلمه بل أخبره غيره بعلمه فهو شاهد إن شهد به وبالكتبة لا يحصل شيء لا الشهادة ولا غيرها، ثم إن كتب بثبوت الشيء عنده بالبينة من غير إبرام الحكم لابد أن يذكر ما تلك البينة فإنه قد تكون البينة عنده شاهدًا ويمينًا أو نكولًا محضًا، والمكتوب إليه لا يرى ذلك حجة.
ولا يجوز أن يقضي باجتهاد الكاتب بل ينبغي أن يحكم باجتهاد نفسه.
وأما إذا كتب الحكم المبرم يكفيه أن يقول: ثبت عندي الأمر ببينة أو بحجة أو جبت الحكم ولا يحتاج أن يذكر كيف ذاك، لأن الثاني ينفذ قضاءه لا غير فهو كالوكيل له والنائب عنه، والاجتهاد إلى من يقضي لا إلى من ينوب عنه فينفذه، وإذا كتب بسماع البينة فلابد من أن يسمي الشاهدين فيقول: شهد عندي فلان وفلان وقد ثبت عدالتهما فإن المشهود عليه ربما يمكنه إثبات جرحها عند القاضي المكتوب إليه فيكون الجرح أولى من التعديل، وإذا لم يسمها لم يدر المكتوب إليه بماذا يحكم بل يكون تقليدًا للحاكم الكاتب لا مجتهدًا.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: يجوز أن يكتب ثبت عندي بشهادة العدول ولا يسميهم فإن لم تثبت عدالتهم سماهم وهذا ضعيف، ولو ثبت الحكم بالشهود ولم يسمهم بالعدالة هل يكون الحكم بعد تعديلًا أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: يكون تعديلًا لأنه ذكرهم للحكم بشهادتهم تعديل فلا يحتاج إليه ثانيًا، والثاني: لابد من أن يصفهم بالعدالة وبما يجوز به قبول الشهادة لأنه قد يجوز أن يكون الحكم بظاهر التوسم والسمت، وقال أبو حنيفة: لا يتصور الكاتب بالقضاء المبرم إلا أن يقضي على حاضر ويبرم عليه ثم يهرب بماله فيكتب إلى قاضي البلد الذي هرب إليه ليأخذه به أو يكون عن الغائب نائب حاضر فيجوز القضاء على الحاضر والغائب، فأما من عير هذا فلا يقضي على الغائب بل يكتب سماع الشهادة ليبعث الحاكم المكتوب إليه بذلك الرجل المشهود عليه إليه فيعيد الشهود الشهادة علة وجهه ثم يقضي عليه.
ولا يقبل شاهد وامرأتان في الشهادة بالكتاب لأن المقصود منه إثبات الكتاب وهو ليس بمال ولا يقصد منه المال ويطلع عليه الرجال فلا يقبل فيه شهادة النساء، وعند أبي حنيفة يقبل فيه شاهد وامرأتان، وأما شهود الكتاب فعدالتهم ينبغي أن تثبت عند القاضي المكتوب إليه لا عند الكاتب، ولو عدلهم القاضي الكاتب لا يثبت، وقال القفال الشاشي: يثبت، وهو غلط لأنه يؤدي إلى تزكية نفسه بنفسه وقوله وهذا لا يجوز.
واعلم أن صاحب "الحاوي" ذكر في هذا الباب ترتيبًا حسنًا فأوردته على وجهه وذلك لوجوب قبول الكتاب ثلاثة شرائط على ما ذكرنا، قسّم الكلام [3 ب/ 12] في صحته ولزوم الحكم به يشتمل على أربعة فصول: أحدهما: فيما يثبت به القاضي من أحكامه، والثاني: فيمن يكاتبه القاضي بحكمه، والثالث: فيما يجب به قبول كتبه، والرابع: فيما يمضيه القاضي المكتوب إليه من حكمه.
فأما الأول فأحكامه تنقسم أربعة أقسام: أحدهما: أن يحكم بحاضر على حاضر على غائب بحق غائب، والرابع: أن يحكم لحاضر على غائب بحث حاضر.
فأما الأول فالحق على ثلاثة أضرب أحدهما: أن يكون عينًا حاضرة فيحكم القاضي بها لمن استحقها، إما بإقرار أو ببينة وينتزعها من يد المحكوم عليه ويسلمها إلى المحكوم له ولا يجوز في مثل هذا أن يكتب به القاضي إلى غيره سواءً أقام المحكوم عليه أو هرب، والثاني: أن يكون
الحق في يد المحكوم عليه مقيمًا بعد الحكم استوفاء منه ولم يكتب به إلى غيره وإن هرب بعد الحكم عليه وقبل استيفائه منه جاز للقاضي أن يكتب إلى قاضي البلد الذي هو فيه الهارب بما حكم عليه من قصاص أو حد أو غيره ليستوفيه القاضي المكتوب إليه وهذا حكم على حاضر فيجوز أن يكتب به من لا يرى القضاء على الغائب، والثالث: أن يكون الحق في ذمة المحكوم عليه من الأموال الثابتة في الذمم فإن كان المحكوم عليه مقيمًا استوفاه القاضي منه له ولم يكتب به [4 أ/ 12] إلى غيره، وإن هرب قبل استيفاء الحق منه فإن كان له مال استوفاه من ماله ولم يكتب به إلى قاضٍ غيره، وإن لم يكن له مال حاضر كتب وهو قضاء على حاضر.
وأما القسم الثاني: أن يحكم لحاضر على حاضر بحق غائب فهذا يكون في الأعيان وهذا مما يكتب بمثله القضاة، وثبوت استحقاقه قد يكون من ثلاثة أوجه: أحدهما: أن يقر به المطلوب، والثاني: أن يثبت باليمين بعد النكول، والثالث: أن يثبت بالبينة فإن ثبت استحقاقه بإقرار القاضي فيما يكتب به من حكمه مخيرًا من أن يذكر ثبوت استحقاقه بإقراره أو لا يذكره، فإن المقر لو أقام بينة باستحقاقه لم تقبل منه، وإن ثبت يمين الطالب بعد النكول لزم القاضي فيما يكتب من حكمه أن يذكر ثبوت ذلك عن يمينه بعد نكوله لأن المطلوب لو أقام به بينة قبلت منه وإن ثبت الاستحقاق ببينة شهدت به على المطلوب ففي وجوب ذكرها في كتاب القاضي وجهان: أحدهما: لا يلزمه ويكون مخيرًا كالإقرار، والثاني: يلزمه لأنه قد يجوز أن يعارضها المطلوب ببينة أخرى فيكون ببينة ويده أحق من بينة بغير يد.
وللقاضي الخيار من أن يسمي شهود البينة أو لا يسميهم إذا وصفهم بالعدالة، فإن لم يصفهم بالعدالة فقد ذكرنا وجهين.
وأما القسم الثالث: وهو أن يحكم لحاضر على غائب بحق غائب، فإن كان الغائب وقت الحكم حاضرًا ثم غاب فهو حكم لحاضر على حاضر، وإن كان غائبًا عند الحكم عليه نفذ حكمه إن كان يرى جواز القضاء على الغائب ولم ينفذ إن لم يره.
فإن كتب وهو لا يرى القضاء على الغائب بسماع البينة عليه ولم يذكر الحكم بها فإن ذكر الشهادة ولم يذكر ثبوت الحق بالشهادة جاز أن يكتب به ويكون القاضي المكتوب إليه هو الحاكم بها ويكون في كتاب القاضي كالشهادة على الشهادة.
وإن ذكر ثبوت ذلك عنده بالشهادة ففي كون الثبوت حكمًا وجهان:
فإذا قلنا يكون حكمًا لا يجوز أن يكتب به لأنه لا يرى الحكم على غائب، وإذا نفذ القضاء به على ما فصلناه بالحق المحكوم به على أربعة أضرب: أحدهما: أن يكون في ذمته، والثاني: أن يكون في بدنه، والثالث: أن يكون عينًا غير منقولة في بلده، والرابع: أن يكون عينًا منقولة في بلده، فأما الأول: فيستوفي منه إن أيسر به وينظر به إن أعسر، وأما الثاني: فإن كان الحق لآدمي كالقصاص استوفاه المكتوب إليه، وقال أبو حنيفة: لا يجوز فيه كتاب القاضي إلى القاضي ولا يستوفي [حدود الأبدان بكتب القضاة وإن كانت من حقوق الآدميين] لتغليظها وهذا لا يصح لأنه حق لآدمي لا شبهة فيه فجاز كتاب القاضي إلى القاضي كالأموال ونقول: كما جاز فيه الشهادة على
الشهادة جاز فيه كتاب القاضي إلى القاضي.
وأما حقوق الله تعالى تدرأ بالشبهات وذكر في "الأم" يقبل كتاب القاضي إلى القاضي في حقوق الناس من الأموال والجراح والقول في الحدود التي لله تعالى واحد من قولين، وذكر بعض أصحابنا أنه لا يقبل في الحدود قولًا واحدًا وهو غلط، وأما الثالث: فالحكم على الغائب لا يكون إلا بالبينة فإن ثبت عنده عدالة شهودها حكم بثبوتها وجاز أن يكتب إلى قاضي البلد الذي فيه الملك المستحق دون قاضي البلد الذي فيه المحكوم إن كان في عينه، وإن لم تثبت عنده عدالة الشهود وهم غرباء وذكر الطالب أن له بينة بتزكيتهم يقيمها عند قاضي بلدهم فللشهود ثلاثة أحوال: أحدهما: أن يكونوا من أهل البلد الذي فيه الملك وهو على العود إليه، فلا تسمع شهادتهم، وإن سمعها لم يكتب بها وقال للطالب: اذهب مع شهودك إلى قاضي بلدهم وبلد ملكك ليشهدوا عنده بما شهدوا به عندي، فإن كتب القضاة مختصه بما لم يمكن ثبوته بغيرها وثبوت هذا بالشهادة ممكن فلم يحكم فيه بالمكاتبة كالشهادة على الشهادة لا يحكم بها مع القدرة على شهود الأصل.
والثانية: أن يكون الشهود من البلد الذي فيه الملك ولا يريدون العود إليه والبينة بتعديلهم فيه فيجوز أن يكتب القاضي بشهادتهم فيصير التعديل والحكم مختصًا بالقاضي المكتوب إليه، ويكون كتاب القاضي مقصورًا على نقل الشهادة ولا وجه لكاتبه الثاني إلى الأول بالتعديل ليقول الأول الحكم لأن الثاني قادر على تنفيذ الحكم فلم يحتج إلى الأول والثالثة: أن يكون الشهود في غير البلد الذي فيه الملك فيجوز للقاضي بعد سماع شهادتهم أن يكتب إلى قاضي بلدهم ويسأله عن عدالتهم فإن عرفها كتب بها إلى القاضي الأول ليتولى الأول الحكم بشهادتهم ويكون الثاني حاكمًا بعدالتهم ولا يجوز أن يقبل كتاب الثاني إلا بشهادة لأن كتاب الأول استخبار، وكتاب الثاني حكم.
وأما الرابع فإذا أحضر الطالب البينة بعبد ادعاه في يد المطلوب بغصب وحلاه الشهود بحليته ونعتوه باسمه وجنسه وصفته ففي الحكم بشهادتهم على ما ينقل من الأعيان الغائبة قولان: أحدهما: وهو المنصوص، وحكاه الشافعي عن أبي حنيفة ومحمد واختاره المزني لا يجوز حتى يشير الشهود إليها بالتعيين وهذا أصح وهو المعمول عليه لأن الصفات تتشابه والحلي تتماثل فلم يجز الحكم بها مع الاحتمال حتى يزول بالتعيين ويفارق ما لم ينقل لتعيينه بحدوده وموضعه بلا إشكال، ولأن المشهود به مجهول فلا يكفي فيه الوصف كما لا يكفي الوصف في المشهود له والقول الثاني أضافه كثير من أصحابنا إلى الشافعي رضي الله عنه وهو حكاية عن غيره يجوز لحفظ الحقوق على أهلها وقوع العلم بالصفات كما في العقود، وخرج ابن سريج وجهًا ثالثًا فقال: إن كان العبد المدعى غيبته يختص بوصف يندر وجوده في غيره كشامة في موضع من جسده أو أصبع زائدة أو كان مشهورًا من عبيد السلطان لا يشركه غيره في اسمه ومنزله وصفته يجوز الحكم به وإلا فلا يجوز وأجري ذلك مجرى الأنساب فيمن غاب إذا رفعت حتى تراخت وزال الإشكال فيما حكم بالشهادة، وإن قربت حتى اشتبه الاشتراك فيما لم يحكم بالشهادة إلا مع التعيين ولهذا التخريج وجه
ولكنه نادر وإطلاق القول يكون على الأعم الأغلب، فإذا قلنا بالقول الأول ففي جواز سماعها والمكاتبة بها قولان: أحدهما: لا تسمع لإيراد للحكم وهو لا يحكم، والثاني: نص عليه في كتاب الدعوى يجوز أن تسمع ويكتب به إلى قاضي البلد الذي فيه العبد المطلوب فإذا وصل الكتاب إليه لم يحكم بالعبد إلا مع التعيين من وجهين: أحدهما: أن لا يتكلف الثاني الكشف عن عدالتهم، والثاني: أن لا يتكلف الشهود إعادة شهادتهم، وإنما يقتصرون على الإشارة بالتعيين فيقولون: هذا هو العبد الذي شهدنا به لفلان عند القاضي فلان.
وقال صاحب "الحاوي": وفيها فائدة ثالثة عندي وهي أن يموت العبد فيستحق بهذه الشهادة على المطلوب ذي اليد قيمته علة نعته وصفته، وإذا قلنا يجوز الحكم أحضر القاضي المكتوب إليه العبد وصاحب اليد وقال هذا العبد المنعوت بهذه الصفة فإن اعترف بها حكم عليه بتسليم العبد إلى طالبه، وإن أنكر أن يكون هو الموصوف المحكوم به ففيه قولان:
أحدهما: حكاه الشافعي عن ابن أبي ليلى وبه قال أبو يوسف: يختم القاضي في عنق العبد ويسلمه إلى الطالب المشهود له مضمونًا عليه ويأخذ منه كفيلًا به وينفذه إلى القاضي الأول ليحضر الشهود لتعيينه فإن عينوه وقال إنه العبد الذي شهدنا به للطالب حكم له به وكتب إلى القاضي الثاني باستحقاق الطالب له وبرأه الكفيل من ضمانه.
وإن لم يشهدوا به للمطلوب بعينه ألزمه رده على من كان في يده وأخذه بنفقة عوده وبضمان نفسه إن تلف وضمن منفعته إن كان له منفعة في الزمان الذي فوتها عليه.
ولو كان بدل العبد أمة قال أبو يوسف: لا يسلمها إلى الطالب لأنها ذات فرج وربما كانت أم ولد لصاحب اليد وسوى أن أبي ليلى بين العبد والأمة في التسليم ولكنه أوجب في تسليم الأمة أن تضم إلى أمين ثقة تحفظ به حذرًا من التعرض لإصابتها.
قال الشافعي رضي الله عنه: وهذا استحسان وليس بقياس فأخذ بهذا القول من أصحابنا الإصطخري مذهبًا لنفسه ولا يصح تخريجه على مذهب لأنه متروك الاستحسان بالقياس وقد جعله استحسانًا وقد اختار القفال ما قال أبو يوسف.
والقول الثاني: حكاه الشافعي رضي الله عنه عن بعض الحكام أم ينادي القاضي على العبد فيمن يزيد فإن انتهى ثمنه قال لمدعيه: ادفع ثمنه يكون موضوعًا على يد عدل وخذ العبد معك فإذا عينه شهودك حكم به القاضي لك وكتب برد الثمن عليك، وإن لم يعينوه لك لزمك رده واسترجاع الثمن وهذا القول إن أجاب إليه الطالب جاز العمل عليه، وإن لم يجب إليه لم يجبر عليه.
قال صاحب "الحاوي": والأصح عندي من هذا كله أن يقبل القاضي الثاني
الكتاب ويحكم بوجوب ما تضمنه من العبد الموصوف فيه، ويخير صاحب اليد في العبد بين أحد ثلاثة أحوال: من أن يسلمه بالصفة المشهودة بها إلى طالبه فيبرم الحكم بها، ومن أن يمضي بالعبد مع طالبه على احتياط من هرب إلى القاضي الأول فإن عينه الشهود سلمه إلى الطالب بحكم وإلا خلى سبيل العبد مع صاحب اليد، ومن أن يعدل بالطلب إلى دفع قيمة العبد الموصوف دون العبد الذي في يده فأي هذه الثلاثة فعل صاحب اليد فقد خرج به من حث الطالب، وإن امتنع من كلها وقد ثبت استحقاق العبد الموصوف فلا يجوز أن يسقط شهادة العدول وأخذه القاضي جبرًا فدفع قيمة العبد الموصوف لأنه قد صار بالاشتباه غير مقدور عليه فجرى مجرى العبد المغصوب إذا أبق لزمه دفع قيمته، ولا يلزمه تسليم العبد لما ذكرنا من الاشتباه ولا يجبر على السفر بالعبد إلى القاضي الأول لأنه لا إجبار عليه في السفر بماله، ولا على المحاكمة إلى قاضي بلده والله أعلم بصوابه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان في المنقول: هل يقبل كتاب القاضي إلى القاضي؟ فيه ثلاثة أقوال أحدهما: لا يقبل، والثاني: ينتزع من يده ويختم في عنقه إن كان عبدًا وفي الجارية: وجهان: هل ينفذها إلى الكاتب أم لا؟ والثالث: منتزع من يده ويدفع إليه قيمته على ما ذكرنا، وقد الشافعي القول الثالث ومال إلى الثالث وفي هذا نظر والاعتماد على ما سبق.
وأما القسم الرابع: وهو أن يحكم الحاكم لحاضر على غائب بحق حاضر فهذا يكون في الأعيان المستحقة بالشهادة فلا يقف الحكم فيها على مكاتبة قاضٍ آخر وينفرد بالحكم فيها بعد سماع البينة إن كان ممن يرى القضاء على الغائب وسواء كانت العين منقولة أو لا.
فإن سأله المحكوم له أن يكتب له كتابًا باستحقاق الملك الحاضر إلى قاضي البلد الذي فيه المحكوم عليه، فإن كانت العين المحكوم بها منقولة لم نكتب بها لانبرام الحكم بها وانقطاع العلائق فيها، وإن كانت غير منقولة كالعقار أجابه إليه وكتب له به، وإن كان الحكم قد أنبرم لأنه قد يجوز أن يستحق على ذلك أجرًا يطلب بها المحكوم عليه.
ويتفرع على هذا أن رجلًا لو حضر قاضي بلد وذكر له أنني اتبعت في خلطة فلان الغائب سهمًا من دار في بلدك وعفا عن شفعته ولي بينة قد أحضرتها فيشهد عليه بالعفو فاسمعها واكتب على قاضي البلد الذي فيه الشفيع فلست آمن إن خرجت إليه أن يطالبني بالشفعة ويجحد العفو لم يسمع القاضي بينته ولم يكتب له بشيء لأن سماعها بعفو الغائب يكون بعد دعوى الغائب فلم يجز أن يسمع عليه بينة فيما لم يدعه.
وهكذا لو قال الحاضر لفلان الغائب عليّ ألف درهم وقد دفعتها إليه، وقد أبرأني منها وهذه بينتي فاسمعها فإني لا آمن إن خرجت إليه أن يجحد القبض والإبراء
ويطالبني واكتب إلى قاضي بلده لم يسمعها ولم يكتب لأن الغائب لم يطالب فلم تسمع البينة على غير مطالب، وهكذا لو قال الحاضر: إن فلانًا الغائب باعني هذه الدابة أو وهبها لي وهذه بينتي ولست آمن أن يجحد بي فاسمعها لي لم يسمعها لأن سماعها يكون بعد جواب الغائب إن أنكر، وكذلك لو أن امرأة ادعت أن زوجها طلقها وهو غائب أو حاضر وهؤلاء شهودي عليه بالطلاق الثلاث ولست آمن أن يتعرض فاسمع بينتي لا تسمع لأنه لم يتعرض لها فلم تصح هذه الدعوة، فإن تعرض لها الزوج أحضره لم تسمع البينة قبل حضوره وإنكاره، فإن كان الزوج غائبًا وأرادت الزوجة أن تخرج إلى بلده ففي سماع بينتها إذا ادعت أنه قد تعرض لها وجهان:
أحدهما: لا يسمعها، والثاني: يسمعها بخلاف الأملاك لما يلزم من فضل الاحتياط في الفروج، ولو أنه تذكر خروجها إلى بلده لم تسمع بينتها وجهًا واحدًا وعلى هذا لو كانت أمة في يد رجل فأحضرها إلى القاضي وذكر أنه اشتراها من فلان الغائب ودفع إليه ثمنها، وسأل القاضي أن يسمع بينته على ما قال لم يسمعها منه، فإن استحقت الأمة من يده ببينة شهدت بها لمستحقها جاز للقاضي حينئذٍ أن يسمع بينته بابتياعها من الغائي؛ لأنه مستحق للرجوع بدركها بعد الاستحقاق بخلاف ما قبل الاستحقاق.
وهكذا لو ادعت الأمة أنها حرة الأصل وأقامت بينة بحريتها فسأل صاحب اليد أن يسمع ببينته ابتياعها من الغائب سمعها لاستحقاقه الرجوع بدركها، ولو قالت الأمة: أنا حرة الأصل وعدمت البينة ولم يتقدم إقرارها بالرق قبل قولها في حريتها وأحلفت لصاحب اليد لأن حرية الأصل لا يطرأ عليها الرق، فإن سأل صاحب اليد أن يسمع بينته بابتياعها من الغائب ليرجع بدركها عليه لك يسمعها ولم يكاتب بها.
والفرق بين المسألتين أن بينتها بالحرية مسموعة على كل ذي يد ثابتة وزائلة وقولها في الحرية مقبول على غير ذي اليد الثابتة، ولا يقبل على ذي اليد الثابتة ويستحق صاحب اليد إحلاف البائع أنها ليست بحرة فإن سأل القاضي أن يكتب له بما حكم به من حريتها كتب له بإحلاف البائع ولم يكتب له برجوع الدرك على البائع ويتفرع على هذا أن يشهد عند القاضي شاهد واحد بملك لرجل فذكر المشهود له [9 أ/ 12] أن له شاهد آخر في بلد آخر وسأل القاضي أن يكتب إلى قاضي ذلك البلد بما شهد به الشاهد عنده فهذا معتبر بالملك في بلد القاضي الآخر كتب إليه شهادة من شهد عنده ليتولى ذلك الحاكم تكميل البينة وتنفيذ الحكم، وإن كان الملك في بلد القاضي لم يكتب له الشهادة وأخذ كتاب ذلك القاضي إليه بما شهد به الشاهد الآخر ليتولى هذا القاضي تنفيذ الحكم بالشاهدين.
وعلى هذا لو أن رجل أو امرأة ادعى أن له ولدًا آخر، أو في بلد آخر وسأل القاضي سماع البينة بنفسه وحريته أو بأنه ولد على فراشه ليكتب به إلى قاضي ذلك البلد فلهذا الطالب في طلبه ثلاثة أحوال:
أحدهما: أن يطلب ذلك لن الولد قد مات فيجوز للقاضي أن يسمع بينته به ويكتب به إلى قاضي ذلك البلد ليحكم بميراث ولده.
والثانية: أن يذكر القاضي أن الولد حي وأنه في يد من استرق سمع البينة بنفسه وحريته وكتب به إلى قاضي ذلك البلد سواء ذكر اسم المسترق أو لم يذكره، ولو كان هذا في ملك لم تسمع البينة إلا بعد تسمية صاحب اليد لأن الملك ينتقل والحرية لا تنتقل، فإن كانت البينة شهدت لحرية الولد ولم تشهد بنسبه لم يسمعها ولم يكتب بها لأن الطالب إذا لم يثبت له نسب لم يثبت له حق في الطلب، ولو كانت البينة تشهد بالنسب دون الحرية فإن كان ثبوته موجبًا للحرية سمعها وكتب بها، وإن لم توجب الحرية لم يسمعها ولم يكتب بها.
الثالثة: أن لا يذكر الطالب استرقاق الولد ولا موته ولا يجوز أن يسمع البينة ولا يكتب بها لأنه لا يتعلق بها الحال حق لطالب ولا مطلوب.
وأما الفصل الثاني فيمن يكاتبه القاضي بحكمه على أربعة أقسام: مكاتبة القضاة، ومكاتبة الأمراء، ومكاتبة الشهود، ومكاتبة المحكوم عليه.
وأما قاضي البلد الذي فيه الملك المحكوم به وليس لمكاتبة غيرهما من القضاة وجه لأنه لا يتعلق على غيرهما شيء من حكمه، فإذا كتب إلى قاضي البلد الذي فيه الخصم المطلوب فانتقل المطلوب إلى بلد آخر أوصل الطالب كتابه إلى ذلك القاضي ويتنجز به كتابه إلى قاضي البلد الذي انتقل إليه، وجاز للقاضي الثاني أن يكتب به إلى قاضي البلد فإن عاد الطالب إلى القاضي الأول وسأله أن يكتب له إلى القاضي الثالث فالأولى القاضي الأول أن يستفيد منه الكتاب الأول ويكتب له كتابًا إلى القاضي الثالث، فإن لم يستعيده وذكر في الكتاب الثاني أنه قد كان كتب له هذا بعد الحكم إلى فلان الغائب حتى لا يتوصل بالكتابين إلى أن يأخذ بحق حقين.
وإن قال الطالب خصمي في بلد كذا ولا آمن أن ينتقل منه إلى غيره وسأل كتابين لم يجز أن يكتبهما وهو بالخيار بين أن يكتب إلى قاضي البلد الذي كان فيه المطلوب ليتنجز به الطالب كتاب ذلك القاضي إن خرج المطلوب إلى غيره، وأما أن يكتب كتابًا مرسلًا إلى من وصل كتابه إليه من سائر القضاة.
وهكذا لو لم يعرف البلد الذي فيه المطلوب كتب كتابًا مطلقًا يعم به جميع القضاة فأي قاضٍ كان المطلوب في بلده جاز أن يقبل كتابه، وقيل: فيه وجه لا يلزمه أن يكتب على هذا الوجه ما لم يكن مستقرًا في موضع، ولو كتب القاضي له كتابًا وتسلمه منه ثم ذكر أنه قد ضاع كتب له غيره على مثل نسخته لا يتغير فيه لفظ ولا معنى وذكر فيه أن الطالب قد كان تنجز غيره مثله وذكر أنه ضاع منه ليلًا يتم بالكتابين احتيال.
ويجوز أن يكون كتاب القاضي إلى القاضي على أحد ودهين: إما بالحكم بالحق ليكون الثاني مستوفيًا، وإما بثبوت الحق ليكون الثاني حاكمًا.
وأما الثاني: فهو مكاتبة أمير البلد الذي فيه الخصم المطلوب أو الملك المحكوم به
دون غيره من الأمراء ولا يكتب إليه إلا بما حكم به وأمضاه ليكون الأمير مستوفيًا له ولا يكون حاكمًا به، لأن الأمراء أعوان على استيفاء الحقوق وليسوا بحكام وهو معنى قول الشافعي رضي الله عنه، ويكتب الأمير إلى القاضي والقاضي إلى الأمير.
وذكر بعض أصحابنا بخراسان أنه قبول حكم من الأمير وإن لم يكن فيه شرائط القضاء وهو غلط، ويجوز أن يتولى الرجل القضاء والإمارة لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذًا أميرًا وقاضيًا، ثم هذه المكاتبة مقصورة على أحد ثلاثة أمور:
أحدها: أن يكتب إليه بما حكم به للطالب من ملك في بلده ليمكنه [10 ب/ 12] من التصرف فيه ويرفه عنه يد من سواه فهذا يجوز إذا أمن عدوان الأمير، فلو كان لبلد الملك أمير وقاضٍ كانت مكاتبة الأمير بذلك أولى من مكاتبة القاضي لأنه بالبلد أخص ما لم يعارض القاضي فيه.
والثاني: أن يكتب بما حكم به على الخصم المطلوب ليستوفيه الطالب فهذا يجوز أن يكتب به الأمير، فلو كان لبلد هذا المطلوب أمير وقاضٍ كانت مكاتبة القاضي أولى لأن القاضي بإلزام الحقوق أخص.
والثالث: أن يكتب إليه بإحضار المطلوب إليه فهذا يعتبر بولاية القاضي، فإن كان بلد الأمير داخلًا في ولايته جاز أن يكتب إليه بإحضار المطلوب ولزم الأمير إنفاذه إليه، وإن كان خارجًا من ولايته لم يجز للقاضي أن يكتب إلى الأمير بإحضاره ويلم يجز للأمير أن ينفذه إليه.
وأما القسم الثالث: فليس للشهود تنفيذ حكم ولا استيفاء حق وإنما هي وثائق فيما يتحملون من الحقوق ليشهدوا بها لمستحقيها عند مستوفيها فللقاضي في مكاتبته ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يكاتبهم بتنفيذ الحكم فهذا منه استخلاف لهم على الحكم وهو استئناف ولاية لا يصح إلا بثلاثة شروط: أن يكونوا من أهل علمه، وأن يكونوا من أهل الاجتهاد، وأن يذكر لفظ التنفيذ ويصير هذا تقليدًا خاصًا في هذا الحكم دون غيره على إجماع فيه ولا ينفرد به أحدهم.
والثانية: أن يكاتبهم [11 أ/ 12] باستيفاء الحق ليعتبر شرطان: أحدهما: أن يكونوا من أهل علمه، والثاني: أن يكونوا من أهل الاجتهاد، والثالث: أن يكاتبهم إشهادًا لهم على حكمه ليكونوا وثيقة للطالب يتحملون عنه إنفاذ حكمه له فيجري هذا فجرى الشهادة على شهادة فيصح أن يكاتبهم به، وإن كانوا من غير أهل علمه ويصح أن يتحملوه عنه إذا أشهدهم شهود المتحملين للكتاب، فيصح أن يؤدوا ذلك إذا تعذر ثبوته لمن تحملوا ذلك عنه وهو القاضي أو شهود الكتاب كما نقوله في الشهادة على الشهادة.
وأما القسم الرابع: فالكتاب إلى المحكوم عليه إلزام له وحكم عليه، فإن كان من غير أهل علمه لم يجز أن يكتب إليه ولا يجب إذا كتب إليه أن يلتزم كتابه ولا يقبله لأنه في طاعة غيره من القضاة، وإن كان من أهل علمه جاز أن يكتب إليه ولزمه إذا وصل إليه أن يقبله لأنه ملتزم بطاعته، فإن خرج إلى الطالب من حقه وإلا لزمه المسير مع الطالب إلى القاضي إذا دعاه إليه إن كان على مسافة أقل من يوم وليلة، وإن كان على أكثر منها لم يلزمه الحضور إلا بالاستحضار.
وأما الفصل الثالث منها وهو فيما يجب به قبول كتابه فقد ذكرنا أنه لا يقبل كتاب القاضي في الحكم إلا بشاهدين يتحملان الكتاب عنه ويشهدان به عند القاضي المكتوب إليه وإذا كان كذلك فلتحملها الكتاب شروط ولأدائها للكتاب شروط: فأما شروط تحمله فثلاثة: أحدها: أن يعلما ما فيه وعلمهما به يكون من أحد ثلاثة أوجه:
أحدها: إما أن يقرأه القاضي عليهما وإما أن يأمر من يقرأه عليهما بحضرته، وإما أن يقرأه الشاهدان عليه فإن لم يعلما ما فيه فقد ذكرنا أنه لا يجوز، فإن أراد الشاهدان في الكتاب المختوم أن يشهدا بالكتاب ولا يشهدان بما فيه ففيه وجهان:
أحدهما: يجوز لأنها شهادة بكتاب معين، والثاني: لا يجوز لأن الشهادة به لا تفيد لأن المقصود بها ما فيه، ولا يجوز للمكاتب قبوله للحكم بما فيه إلا بشهادة غيرهما.
والشرط الثاني: أن يقول القاضي لهما: هذا كتابي إلى القاضي فلان فاشهدا عليّ بما فيه فإن لم يقل لهما: هذا كتابي إلى فلان واقتصر بهما على عنوانه لم يجز.
ولو قال لهما: هذا كتابي إلى فلان ولم يستدعهما للشهادة ولا أشهدا عليّ بما فيه ففي صحة العمل والإجزاء بهذا القول وحده وجهان: مخرجان من الوجهين إلى جواز الشهادة على المقر بالسماع من غير استدعاء المقر للشهود، فإن قلنا بجوازه جوز هذا في التحمل والأداء، وإن قلنا: لا يجوز هناك لا يجوز هنا.
والشرط الثالث: أن لا يغيب الكتاب عنهما بعد تحمل ما فيه إلا أن يكونا قد كتبا فيه شهادتهما ليتذكرا به صحة الكتاب ومعرفته، فإن غاب الكتاب عنهما قبل إثبات خطهما فيه لم يصح إلا أن يعيد القاضي قراءته عليهما ويقول لهما: هذا كتابي الذي أشهدتكما عليّ ما فيه إلى القاضي فلان؛ لأنه قد يتحمل أن يبدل في الغيبة بغيره.
وأما شروط أدائه إلى القاضي المكتوب إليه فثلاثة شروط: أحدها: أن يستديما الثقة بصحة الكتاب إما بأن لا يخرج عن أدائها، وإما بأن يكونا قد أثبنا فيه خطوطهما حتى تتحقق علامتهما فيه فإن تشككا فيه لم يصح أداؤهما فيه، والثاني: أن يصل إلى القاضي بمشهدهما إما من أيديهما أو من يد الطالب بحضرتهما فإن لم يشاهدا وصوله لم يصح الأداء، والثالث: أن يشهدا عند القاضي بما فيه بلفظ الشهادة دون الخبر، فإن قالاه بلفظ الخبر دون الشهادة، أو شهدا بالكتاب ولم يشهدا بما فيه لم يصح الأداء للحكم.
وأما الفصل الرابع: وهو فيما يمضيه القاضي المكتوب إليه من حكمه فكتابه على ضربين: أحدهما: أن يكون مقصورًا علة فصل ما ثبت عنده من إقرار أو شهادة فيثبت بالكتاب عند الثاني ما ثبت عند الأول من إقرار أو شهادة، ويتولى الثاني إنفاذ الحكم فيه باجتهاده فإن اختلف اجتهادهما فيه كان محمولًا على اجتهاد الثاني دون الأول لاختصاص الثاني بتنفيذ الحكم فيه، والثاني: أن يكون الكتاب مشتملًا على ذكر الشهادة وإمضاء الحكم بها فلا يخلو حال حكمه عنده من ثلاثة أضرب:
أحدها: أن يكون عنده جائزًا لا يخالف فيه، فعليه إمضاؤه، والثاني: أن يكون عنده باطلًا لامتناع الاجتهاد فيه فعليه أن ينقضه وهل يتوقف على المطالبة بالنقض قد ذكرنا.
والثالث: أن يكون حكمه محتملًا للاجتهاد فيؤدي إلى اجتهاده فيه [12 ب/ 12] إلى غير ما حكم به الكاتب فليس له أم يمضيه لاعتقاده أنه باطل، وليس له أن ينقضه لاحتماله في الاجتهاد وليس له أن يأخذ المطلوب بأدائه لأنه غير مستحق عنده وليس له أن يمنع الطالب منه لنفوذ الحكم به وقال للمطلوب: لا أوجبه عليك ولا أسقطه عنك، وقال للطالب: لا أوجبه لك ولا أمنعك منه، فإن تراضيتما أمضيته على مراضاتكما، وإن تنازعتما تركتكما على منازعتكما وقطعت التنافر بينكما، وخرج في هذه القضية أن يكون فيها حاكمًا أو مستفتيًا.
ثم اعلم أن الأحوط في كتب القضاة أن يكون في نسختين: أحدهما: مع الطالب مختومة والأخرى مع الشاهدين مفضوضة يتدارسانها ليحفظا ما فيها حتى إن ضاعت إحدى النسختين أو كلاهما أمكن الشاهدين إذا حفظا ما في الكتاب أن يشهدا بما فيه فإن اقتصر على نسخة واحدة جاز.
وفيه حالتان: إحداهما: أن يدفع الكتاب إلى الشاهدين من دون الطالب فيجوز وهو مخير بين ختمه وتركه والأولى أن لا يختمه ليتدارساه ويحفظا ما فيه حتى يشهدا به لفظًا إن ضاع منهما.
والثانية: أن يدفع إلى الطالب دون الشاهدين فعلى القاضي من الاحتياط أن يختمه بخاتمه، وعلى الشاهدين من الاحتياط بالشهادة به أن يوقعا فيه خطهما ليكون ذلك علامة لهما في نفي الارتياب عنهما ويكون ختمهما [13 أ/ 12] في داخل الكتاب وختم القاضي على ظهره معطوفًا فإن اقتصر الشاهدان على الخط جاز، وإن تركا زيادة الاحتياط فإذا وصل الكتاب بالشاهدين إلى القاضي يقول الطالب للقاضي: أنا أستعديك على فلان في حق لي عليه أو في يده وقد منعني عنه، ويجوز أن لا يذكر الكتاب ولا حضور الشهود ولا يصف الحق لأنه مجلس استعداء لا دعوى، فإذا حضر جدد الطالب الدعوى ووصفها وسأل القاضي الخصم فإن اعترف لم يحتج الطالب إلى إيصال الكتاب وحكم له بإقراره، وإن أنكر عرفه الطالب أن حقه عليه قد ثبت عند القاضي فلان وهذا كتابه إليك بثبوته عنده وكان الطالب هو المباشر لتسليم الكتاب من يده إلى القاضي ويذكر له حضور شهوده، فإذا وقف القاضي على عنوانه وختمه سأل الشاهدين عنه قبل فضه سؤال الاستخبار لا سؤال شهادة، فإذا أخبراه أنه
كتاب القاضي إليه فضه وقرأه والأولى أن يفضه ويقرأه بمحضر المطلوب فإن قرأه بغير محضر منه جاز خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: لا يجوز أن يفضه ويقرأه قبل حضوره بناءً على أنه لا يقضي على الغائب عنده، وهذا لا يصح لأنه لا يتعلق بالقراءة حكم ولا إلزام، فإذا قرأه القاضي سأل الشاهدين عما فيه سؤال استشهاد لأن بهذه الشهادة يجب الحكم بما في الكتاب [13 ب/ 12] ولا يجوز أن يكون هذا إلا بعد حضور الخصم غالبًا عند الاستخبار، ويجب أن يكون حاضرًا عند الاستشهاد، فلو اقتصر القاضي على الاستشهاد دون الاستخبار جاز، ولو اقتصر على الاستخبار دون الاستشهاد لم يجز لاختصاص الحكم بالشهادة دون الخبر والأولى بالقاضي أن يجمع بينهما على ما ذكرنا ليكون الاستخبار لاستباحة قراءته والاستشهاد لوجوب الحكم به فإذا ثبتت الشهادة بصحة الكتاب وقبله بالشاهدين وقع خطه فيه بالقبول وحكم به على المطلوب.
فإن كان الكتاب بعين قائمة من أرض جاز أن يرد الكتاب إلى الطالب ليكون حجة باقية في يده فإن سأل الطالب الإشهاد على نفسه بقبوله والحكم بمضمونه لزمه، وإن كان الكتاب بدين في الذمة فاستوفاه القاضي فطالبه لم يجز أن يرد الكتاب إلى الطالب لنه قد سقط حقه به، والمقصود بالكتاب حفظ ما فيه من نسيان أو خطأ، وبالختم الاحتياط والتكرمة، وقد قيل في تأويل قوله تعالى: ﴿إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل:29] أي أنه مختوم والمعمول به عليه فيه ما يشهد به شاهدان.
فإن انكسر الختم قال الشافعي رضي الله عنه:
شهدوا بعلمهم عليه لأن المعوّل على شهادتهم دون الكتاب والختم خلافًا لأبي حنيفة، وقال الحسن بن زياد: أراد أبو حنيفة إذا لم يحفظ الشهود ما فيه [14 ا/ 12] وكذلك لو ضاع الكتاب فلا بأس لأن الاعتماد على حفظ الشهود دون نفس الكتاب خلافًا لأبي حنيفة.
وكيفية الشهادة.
أن يشهدوا أن فلان ابن فلان القاضي كتب إليك بكذا وأشهدنا على ذلك، ولو كان الكتاب باقيًا فأراد الشاهدان أن يشهدا بما فيه ولا يوصلانه حرم إمساكه عليهما ولم يمنع من صحة شهادتهما لأن الكتاب أمانة مؤداة في أيديهما، فإن انمحق ما في الكتاب لم يلزمه إيصالهما لأنه ليس بكتاب، وإن انمحق بعضه لزم إيصاله إن بقى أكثره، وإن لم يبق أكثره لا يلزمه.
ولو تغيرت حال القاضي الكاتب بما يمنعه من الحكم فيكون ذلك بأحد أربعة أمور: بموتٍ أو عزلٍ أو جنونٍ أو فسقٍ فإن كان بموتٍ أو عزلٍ فعند الشافعي رضي الله عنه حكم كتابه ثابت وقبوله واجب وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: لا يقبل وسقط حكم كتابه، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان بسماع البينة خرج بموته عن أن يكون
بينة وهو غلط، وقال أبو يوسف: إن مات قبل خروج الكتاب من يده سقط حكمه، وإن مات بعد خروج الكتاب من يده يقبل ويعمل عليه.
ووجه الاختلاف أن أبا حنيفة أجرى عليه حكم الفرع اعتبارًا بمن شهد عنده، والشافعي رضي الله عنه أجرى عليه حكم الأصل اعتبارًا بمن أشهد على نفسه واعتباره بالأصل أولى من اعتباره بالفرع، لأنه لكا كان فرعًا لأصل وأصلًا لفرع كان اعتبار حكم الجاني أولى من اعتبار حكم قد زال لأن المعوّل في الكتاب على الشاهدين اللذين يشهدان على الحاكم وهما حيان.
موت الحاكم بمنزلة موت شاهدي الأصل أو شهدا على شهادتهما ثم ماتا، فإن الشهادة لا تبطل.
وإن تغيرت بفسق أو جنون، فإن كان الكتاب بحكم أمضاه ويقبل، وإن كان بشهادة ثبتت عنده فإن تغيرت حاله بعد قبول كتابه ثبت حكمه، وإن تغيرت قبل قبوله سقط حكمه كالشهادة على الشهادة إذا فسق فيه شهود الأصل بعد قبول شهادة الفرع صحت، ولو فسقوا قبل قبول شهادة الفرع سقطت الشهادة.
ولو تغيرت حال القاضي المكاتب سقط أن يكون قابلًا أو حاكمًا به، وهل يجوز لمن تقلده بعده أن يقوم مقام الأول في قبوله؟ فيه وجهان: أحدهما: وهو مذهب البصريين وبه قال أبو حنيفة رحمه الله: لا يجوز لأن كتاب القاضي بمنزلة الشهادة على الشهادة عند المكتوب إليه، وإذا شهد شاهدان عند قاضٍ لم يحكم بشهادتهما غيره، والثاني: يجوز وهو مذهب البغداديين لأن المعمول من الكتاب ما يؤديه شهوده من حكم الأول بمضمونه فكان ثبوت الشهادة عند القاضي كثبوتها عند الأول، وحكي أن قاضيًا [12/ 15 أ] بالكوفة كتب إلى إياس بن معاوية وهو قاضي البصرة كتابًا بحكم فوصل بعد عزل إياس بن معاوية وولى الحسن البصري فقبله الحسن وحكم به.
ولو كان أحد القاضيين من قبل الآخر فتغيرت حال المولى بموتٍ أو عزلٍ لم يعزل المولى وليس له أن يقبل كتابه، ولو كان القاضي واليًا من قبل الخليفة فمات الخليفة لم ينعزل به القاضي وجاز له قبول كتابه.
والفرق أن الخليفة يستنيب القاضي في حق المسلمين لا في حق نفسه فلم ينعزل بموته بخلاف القاضي مع خليفته فعلى هذا الفرق يجوز للقاضي أن يعزل خليفته بغير موجب.
قال صاحب "الحاوي": وهذا قول الجمهور ولأن موت الخليفة لو عزل القضاة أدى إلى وقوف الأحكام في جميع الدنيا وفي ذلك ضرر عظيم وليس كذلك موت القاضي فإنه لا يؤدي إلى ذلك وهذا اختيار أبي إسحاق وابن أبي هريرة وصاحب "الإفصاح"، وقال القاضي الطبري: لا يختلف أصحابنا في الخليفة أنه إذا مات أو خلع
لا يعزل القضاة، ورأيت لمن خلع الطائع لله بحكم القضاة الأربعة ببغداد على عادتهم قبل أن يبايع القادر بالله، قال: وكذلك يستخلف للمسلمين فيجب أن لا ينعزل خليفته بموته وعزله أيضًا، ولهذا يشترط أن يكون من يوليه عدلًا مرضيًا فلو كان بمنزلة النائب والوكيل جاز أن يجعله إلى من يختاره من فاسق وغيره وهذا اختيار القفال.
قال: وعزل القاضي لا يوجب عزل القوام الذين ولاهم أمور الأيتام والأوقاف، ويوجب عزل وجل كتب إليه في تزويج امرأة بعينها ونحو ذلك من الأمور الخاصة، وذكر ابن أبي أحمد في أدب القضاة: أنه لا خلاف بين الفريقين في أن موت الإمام لا يوجب عزل قضاته.
وقال بعض أصحابنا: ينعزل القضاة أيضًا بموت الخليفة، وهذا اختيار والدي رحمه الله لأن تصرفهم بإذن مطلق فهم كالوكيل، والفرق بين هذا وبين الإمامة إذا صحت بمبايعة واحد أو جماعة لا تبطل بموتهم، أن العاقد لا يملك عزل الإمام فلا ينعزل بموته، والقاضي يملك عزل خليفته فانعزل بموته.
وقال في "الشامل": لو عزله الإمام من غير موجب لم ينعزل ويحق على قول من قال خليفة القاضي لا ينعزل بموته، أنه ليس له عزله مع سلامة حاله أيضًا.
فرع
لو وصل الكتاب إلى المكاتب وهو في غير موضع علمه لم يكن له أن يقبله، ولو أن قاضيين اجتمعا في غير موضع عملهما لم يكن لأحدهما: أن يؤدي إلى الآخر ما يحكم به، ولا أن يقبل منه ما حكم به، ولو اجتمعا في بلد أحدهما: مثل قاضي البصرة والكوفة إذا اجتمعا في البصرة لم يجز لقاضي البصرة بما أداه إليه قاضي الكوفة، ولو أداه قاضي البصرة إلى قاضي الكوفة فأداؤه مقبول؛ لأنه يؤدي في عمله ويصير قاضي الكوفة [12/ 16 أ] بسماعه منه عالمًا به وليس بحاكم فيه لأنه في غير عمله، فإذا صار إلى عمله ففي جواز حكمه به قولان كالقاضي في جواز حكمه بعمله.
فرع آخر
لو لم يكتب الحاكم الأول شيئًا بل أشهد شاهدين على حكم وأذن لهما في أداء الشهادة عنده أو عند أي حاكم من حكام المسلمين جاز، ولو ترك القاضي الكاتب اسم نفسه في الكتاب أو اسم القاضي المكتوب إليه لم يضر لما ذكرنا أن الحكم يتعلق بما يؤديه الشهود من مضمونه.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا يجوز أن يقبل الكتاب إلا أن يكون معنونًا في داخله، فإن لم يكن فيه عنوان على ظاهره لم يجز أن يقبله، وقال أيضًا: لا يقبل معنونًا بالاسم وحده إذا كتبه حتى يجمع بين اسمه واسم أبيه، وحده لكل واحد من الكاتب والمكاتب فإن اقتصر على اسمه واسم أبيه ولم يجز إلا أن يكون اسم الأب مشهورًا (لا) يشركه غيره
أو تكون الكنية مشهورة لا يشركه غيره فيها.
فرع آخر
اعلم أن عنوان الكتاب في داخله عرف قديم، وعلى ظاهره عرف مستحدث، والعرف المعمول به أولى من العرف المتروك، وليس يجمع بينهما في عصرنا إلا في كتب الخلفاء خاصة.
واعلم أن العرف في عصرنا مستعمل باستيفاء النسب في العنوان من الأدنى إلى الأعلى وبالاقتصار فيه من الأعلى إلى الأدنى.
فأما ما يبدأ به في العنوان من اسم الكاتب والمكاتب فقد جاءت الأخبار باستعمال الأمرين في عصر الصحابة، فروي أن العلاء بن الحضرمي كان يبدأ باسمه في مكاتبة النبي صلى الله عليه وسلم فيكتب من العلاء بن الحضرمي إلى محمد رسول الله وكان خالد بن الوليد يكتب لمحمد رسول الله من خالد بن الوليد ويكتب إليه النبي صلى الله عليه وسلم من محمد رسول الله إلى خالد بن الوليد فمن بدأ باسمه فهو على الأصل لأنه من الكاتب إلى المكاتب ومن قدم اسم المكاتب فلتعظيمه، وعرف الناس في عصرنا في كتب الملوك فمن دونهم أن يقدم في كتبهم اسم المكاتِب على اسم المكاتَب إلا الخلفاء خاصة فإنهم يقدمون في كتبهم أسماءهم على أسماء المكاتب فأي الأمرين عمل عليه في كتب القضاة ففيه سلف متبوع وقد صار تقديم اسم الكاتب في عصرنا مستنكرًا فكان العمل بما لم يتناكر أولى وإن جاز خلافه.
فرع آخر
قال بعض الفقهاء: كتب الخلفاء والأمراء إلى القضاة تقبل من غير شهادة في التجمل والأداء للعرف المستمر وصيانة السلطان على تكلف ما يباشر غيره وهذا فاسد لأنه لما لم تنفذ كتب القضاة في الأحكام إلا بالشهادة مع ظهورهم كان كتب الخلفاء والأمراء مع احتجابهم أولى ولأن القضاة فرع الخلفاء وحكم الأصول إن لم يكن أقوى لم يكن أضعف، فأما كتبهم في الأوامر والنواهي دون الأحكام والحقوق فمقبولة على ما جرت به العادة في أمثالها مختومة مع الرسل الثقات لأنها تنتشر ولأن التزوير فيها يظهر والختمة فيها تمنع التزوير، والاستدراك فيها ممكن بخلاف كتب الحكم.
فرع آخر
قال أبو حنيفة: لا يقبل كتاب قاضي الرستاق والقرية وجعل قبول الكتب موقوف على قضاة الأمصار لأنهم أحفظ لنظام الأحكام وهذا لا يصح لأن لقبول كتب القضاة شروطًا إن وجدت تقبل وإلا فلا تقبل فلا فرق بين القضاة في ذلك.
فرع آخر
لو كتب قاضي أهل البغي فإن كان من الخطابية لا يقبل، وإن كان ممن تقبل شهادته
فيه قولان: أحدهما: نص عليه في كتاب أهل البغي يقبل لأن أحكامهم ممضاة, وقال في "القديم": ليس لقاضي أهل العدل أن يقبل كتابه, وقال في هذا الباب: ويقبل كل كتاب لقاضي عدل وهذا يدل على أنه لا يقبل كتاب من ليس من أهل العدل وإنما يقبل كتابه وإن لم تنتقض أحكامه لأن الحكم لا ينتقض إلا بعد العلم بفساده في الكتاب لا يقبل إلا بعد العلم بصحته.
فرع آخر
لو كان الكتاب في الابتداء من آمل إلى قاضي همذان, فلما بلع الكتاب إلى الذي قال الشهود يتخلف هنا فللمدعي أن يقول القاضي الذي أسمع شهادتهما وأعطني بذلك كتابًا إلى المكتوب إليه, وإن لم يفعل المدعي ذلك بل أشهد بشهادتهما شاهدين آخرين في قول, وأربعة في قول وجرح شهود الفرع إلى همذان يجوز لأن شهادة الفرع تقبل في شهادة الكتاب إذا كان في الكتاب أمر يثبت بشهود الفرع, وقال القاضي الطبري: ولو كان المكتوب إليه حيًا كاتبًا لحكم وهو قادر على عرض الكتاب عليه فحمل الكتاب إلى غيره وشهد شاهدان بأن هذا كتاب فلان عمل به أيضًا في قياس المذهب.
فرع آخر
قال في "الأم" إذا كان فيه قاضيان كبغداد فكتب أحدهما: إلى الآخر بما ثبت عنده من البينة لم ينبغ له أن يقبلها حتى تعاد عليه وإنما يقبل البينة في البلدة الثانية التي لا يكلف أهلها إتيانه ولا يجوز أن يحكم بشهادة الفرع وشاهدا الأصل في ذلك البلد يمكن سماع الشهادة منهما بخلاف كتاب الحكم فإنه لا يعتبر فيه بعد المسافة, وكذلك لو كان في البلد قاضيان لا يتميز عمل أحدهما: عن عمل الآخر, فحكم أحدهما باجتهاده ثم رفع إلى الآخر يلزمه إمضاؤه, وإن سمع الشهادة وثبتها ولم يحكم بها ثم رفع إليه لا يحكم بها حتى تعاد الشهادة عنده وهذا يدل على أنه يجوز أن يكون في البلد قاضيان ينفذ ولاية كل واحد منهما في جميع البلد.
فرع آخر
قال أصحابنا: وليس للقاضي أن يسمع الشهادة ولا الدعوى في غير عمله, ولا أن يحكم في غير عمله, ولا أن يكتب كتابًا يشهد عليه فيه في غير عمله, ولا أن يفتح كتابًا أو يسمع الشهادة على القاضي الكاتب بما كتب, وإذا فعل ذلك لم يكن له حكم وأعاده إذا رجع إلى عمله فإن أذن الخليفة للقاضي المقيم عن غير عمله في الشهادة على نفسه فيما يكتب من الكتب من خلفائه وقبول كتبهم وسماع الشهادات فيما يتعلق بعمله في أي بلد هو فيه كان جائزًا.
فرع آخر
لو نادى أحد القاضيين الآخر وكل منهما في موضع ولايته سمعت بينة كذا فاحكم بها والشهود ماتوا أو غابوا بعدما شهدوا عند هذا المخبر يجوز له أن يحكم بها فإن كانوا باقيين حضورًا لا يحكم على ما بيناه.
فرع آخر
لو أخبره فقال: أقر عندي المدعى عليه بكذا يقبل قوله إذا ثبت أنه الآن منكر فإن كان مصرًا على إقراره ولم يدرك كيف الحال لا يقضي بل يسأله ليقر بين يديه فيقضي ولا معنى لقبوله مع البينة مع المقر الذي لا يتعذر إقراره وعلى هذا إذا أقام البينة على غائب لابد من أن يقول خصمي الغائب جاحد للحق الذي أدعيه, فإن قال: أخشى أن يجحد ولا أدري جاحد أو مقر لم يسمع.
فرع آخر
يجوز للقاضي أن يسمع شهادة واحدة ويكتب به ليحلف مع شاهدة الأول ويستحق حتى لو لم يكن إلا امرأة واحدة شهدت له كتب بذلك القدر.
فرع آخر
لو قال لي: لي شهود الأصل بذلك وشهود الفرع هنا على شهادتهم فأقبل مني شهود الفرع واكتب لي بذلك فإني لا آمن إذا أتيت ذلك البلد أن يكون شهود الأصل قد ماتوا لا يقبل هذا بل يقول: اذهب فأقم هناك شهود الأصل فإن ماتوا قبل ذلك فأقم شهود الفرع إما هنا أو هناك.
فرع آخر
لو حكم الحاكم على الغائب بمال وكتب إلى حاكم بلد فيه المحكوم عليه فأمره الحاكم الثاني بتوفيره فوفر ثم طالب المدعي برد حججه التي كانت له عليه لم يلزم ردها لأنها ملكه, كما لا يلزم البائع دفع كتاب الأصل إلى المبتاع ويطالب بالإشهاد على نفسه بالقبض.
فرع آخر
هل تجب شهادة القاضي على نفسه ببراءته منه بقبض مستحقه؟ فيه وجهان: أحدهما: وهو اختيار الاصطخري: يجب عليه ذلك لما ظهر من ثبوت الحق عنده, والثاني: يجب الإشهاد على القابض وحده, ولا يجب على القاضي لأن أسجال الحكام تختص بإثبات الحقوق, دون إسقاطها.
فرع آخر
لو سأل القاضي الثاني أن يكتب له براءة لزمه, فإن سأله أن يكاتب الحاكم الكاتب فيعرفه خروجه من الحق فهل يلزمه ذلك؟ فيه وجهان على ما ذكرنا, واختار
الإصطخري أنه يلزمه فإذا قلنا: لا يلزمه فعاد إلى الخصم بعد ذلك فطالبه بالحق مضى المدعى عليه إلى البلد الآخر وأخذ كتابه إلى القاضي بالقضاء.
فرع آخر
هل يجوز للقاضي أن يكاتب حاكمًا فاسقًا عنده في تثبيت حق أو استيفائه فيه وجهان والأصح أن له ذلك.
فرع آخر
لو لم يذكر القاضي الكاتب أسماء الشهود فسأل الخصم القاضي المكاتب أن يكاتب القاضي الكاتب يسأله عن أسماء الشهود لم يلزمه إجابته, ولم يجز أن يكتب به لأن فيه اعتراضًا على القاضي المكاتب في أحكامه وشهوده.
فرع آخر
لو سأل المحكوم له أن يذكر أسماء شهوده لم يلزمه تسميتهم, ولكن لم يكن للقاضي أن يسأله عنهم.
فرع آخر
لو خرج الخصم إلى القاضي الكاتب وسأله عن تسمية شهوده, فإن كانوا ممن استقرت عنده عدالتهم وهو ممن لا يعاد المسألة عنهم لتقديم شهادتهم لم يلزمه تسميتهم له, وإن سماهم فأقام البينة بجرحهم عنده نقض حكمه وكتب بنقضه إلى قاضيه ليسقط عنه الحق الذي كاتبه به [12/ 19 ب].
فرع آخر
لو أقام البينة بجرحهم عند القاضي المكاتب لم يسمعها لأنه لا يعلم أنهم شهود الحكم إلا بقول الخصم.
فرع آخر
لو كان في الكتاب تسمية الشهود فأراد المحكومة عليه أن يقيم البينة على جرحهم قبلت إذا ذكروا سبب الجرح وعينوه بالاسم والحلية, ولو قال: أمهلوني حتى أذهب إلى القاضي الكاتب وأصحح عنده جرحهم قال بعض أصحابنا بخراسان: يمهل, والصحيح أنه لا يمهل أكثر من ثلاثة أيام.
فرع آخر
لو سأل المحكوم عليه إحلاف الطالب على عدالة الشهود لا يحلف لأن تعديل الشهود إلى الحاكم لا إليه.
فرع آخر
لو سأل إحلافه على أن لا ولادة بينه وبينهم ولا شركة لا يلزم إحلافه لاختصاصه بالمحكومة له دون الحاكم.
فرع آخر
لو سأل إحلافه على أن لا عداوة بينه وبينهم فهذا مما يخفى عليه فلا يلزم إحلافه.
فرع آخر
لو ادعى فسق الشهود الذين شهدوا عليه بالحق حكي الشافعي رضي الله عنه في اختلاف العراقيين عن أبي حيفة رحمه الله أنها لا تسمع ويؤخذ بالحق لأنه لا يعلم ما حد بعده من نوبة من تقدم بجرحه, وحكي عن ابن أبي ليلى [12/ 20 أ] أنه يسمع, وإذا قامت البينة به يبطل به الحكم ثم ذكر مذهبه فقال: ينظر فإن جرحهم بما ترد به الشهادة مع العدالة كالعداوة والولادة, والشركة فيما شهدوا به تسمع الدعوى والبينة ويبطل بها الحكم عليه, وإن جرحهم بالفسق ففه ثلاثة أحوال: إحداها: أن يشهدوا بفسقهم في وقت شهادتهم فتسمع ويبطل بها الحكم, والثانية: أن يشهدوا بفسقهم بعد الحكم لا تسمع لأنه لا يؤثر, والثالثة: أن يشهدوا بفسق الشهود قبل سمع شهادتهم فيعتبر ما بين زمان الجرح والشهادة, فإن كان الزمان قريبًا لا يتكامل صلاح الحال في مثلها سمعت ويبطل الحكم, وإن تطاول لم تسمع لأن الحال يصلح مع تطاول الزمان ويرتفع الفسق.
فرع آخر
لو لم يذكر القاضي في كتابه سبب حكمه وقال: ثبت عندي بما تثبت بمثله الحقوق فسأله المحكوم عليه عن السبب الذي حكم به عليه نظر, فإن كان حكم عليه بإقراره ولم يلزمه أن يذكره له لأنه لا يقدر على دفعه بالبينة, فغن كان قد حكم عليه بالشهادة ويمينه لزمه أن يذكره له لأنه يمكنه دفعه بالبينة, وإن كان قد حكم عليه بالشهادة فإن كان الحكم بحق في الذمة لم يلزمه ذكرها لأنه لا يقدر على دفعها بمثلها, وإن كان الحكم بيمين قائمة يلزمه أن يذكرها لأنه لا يقدر على مقابلتها بمثلها فترجح بينته باليد.
فرع آخر
لو سأل الطالب أن يحكم له بشاهد ويمين, فإن كان حنفيًا لم يحكم له والحاكم يسمع شهادة شاهده, وإن كان شافعيًا فإن كان الحكم على حاضر جاز إن علم به, وإن كان على غائب ففي جواز الحكم به فيما يكتب به إلى غيره وجهان: أحدهما: يجوز لأنه قول معروف ومذهب مشهور, والثاني: لا يجوز لأن المخالفين يرون نقض الحكم به فلم له تعريض حكمه للنقض, وقال صاحب "الحاوي" الأولى من إطلاق الوجهين أن يقال: يعتبر رأي القاضي الكاتب فإن كان يرى القضاء به كتب إليه, وإن كان لا يرى القضاء به لا يكتب إليه (به)
فرع آخر
لو أراد القاضي في حكمه بالشاهد واليمين أن لا يذكره في كتابه ويطلق الحكم بالبينة أو بثبوت الحق عنده جاز لأنه يحكم باجتهاد نفسه ولا يحكم باجتهاد غيره.
مسألة: قال: "وإن أنكر المكتوب عليه لم يأخذه به حتى تقوم بينة بأنه هو".
صورة المسألة أن يدعي حقًا على غائب وسأل الحاكم سماع البينة عليه فالحاكم يسمع البينة لأنا لو قلنا: لا يسمع لكان من عليه حق به بينة يهرب إلى بلد آخر حتى لا تسمع البينة عليه فيؤدي إلى ضياع الحقوق, فإن سأل الحاكم البينة, وسأله المدعي أن يحكم بالحق فإنه لا يحكم إلا بشرطين: أحدهما: أن تثبت عنده عدالة الشهود ظاهرًا وباطنًا على ما ذكرنا, والثاني: أن يحلفه على أن حقه ثابت عليه فيحلف بالله الذي لا إله إلا هو أنه حقه عليه ما قبضه ولا شيئًا منه ولا أبرأه ولا أحال به عليه وأنه ثابت عليه إلى هذا الوقت, وإنما حلفناه على ذلك لأنه يمكن أن يكون حدث بعد البينة قضاء وأبرأه لمن عليه الحق, ولو ادعى ذلك سمعت دعواه وحلف الخصم عليه, فإذا كان غائبًا لا يعبر عن نفسه حلف الخصم واحتياطًا وهكذا الكل من ادعى على من لا يعبر عن نفسه كالطفل والمجنون والميت وأقام بينة, فإنه يحلف مع البينة للمعنى الذي ذكرنا وليس هذا الاستحلاف لثبوته البينة ولكن لإمكان إن حدث بعد البينة قضاء أو إبراء, فإذا حلف المدعي وثبت عند الحاكم عدالة الشهود وسأله الخصم الحكم حكم به, وقال مالك وأحمد وابن شبرمة والليث والأوزاعي, وحكي عن أحمد في رواية أنه لا يحلف لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه قلنا: الحاكم مأمور بالاحتياط في حق الغائب والخبر محمول على الحاضرين, وقال شريح وعمر بن عبد العزيز والثوري وأبو حنيفة وأصحابه لا يحكم على الغائب إلا أن يكون خصم حاضر من وكيل أو شفيع واحتجوا بما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على قلبي وقال: إن الله عز وجل سيهدي قلبك ويثبت لسانك, فإذا اختصم إليك اثنان فلا تقضي للأول حتى تسمع من الآخر فإنك لا تدري كيف تقضي؟ فقال: ما زلت بعد ذلك قاضيًا, وروي فما شككت في قضاء بعد, ودليلنا ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهند امرأة أبي سفيان أم معاوية: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف, وروي: ما يكفيك وبنيك وهذا قضاء على الغائب بعلم نفسه, وروي أن معاوية قال لأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما: أنشدك الله أتعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اختصم إليه الخصمان ضرب لهما أجلًا فوفى أحدهما: ولم يف الآخر, يعني: حضر أحدهما: ولم يحضر الآخر قضى عليه فقال: أما إذا أنشدتني فقد كان يفعل ذلك.
ولأن أبا حنيفة رحمه الله وافقنا أنه لا تسمع البينة عليه فنقول: بينة عادلة مسموعة
طلب صاحبها القضاء بها فوجب أن يلزمه القضاء بها كما لو كان حاضرًا, أو كما لو كان له تعلق بالحاضر وقد قال أبو حنيفة رحمه الله: لو ادعت أن لها زوجًا غائبًا وله مال في يد رجل وهي محتاجة إلى النفقة, واعترف لها بذلك فإن القاضي يقضي لها عليه بالنفقة.
وحكي عن أبي عبيدة أنه قال: يجوز القضاء على الغائب إن تبين للحاكم أن فراره واستخفاءه للفرار من الحق والمعاندة للخصم.
فإذا تقرر هذا فاعلم أن أقل ما يجزيه أن يحلفه [12/ 22 أ] أن حقه هذا الثابت عليه, وإذا حكم الحاكم ينظر فإن كان ادعى عينًا حاضرة سلمها إليه لأنه قد ثبت استحقاقه لها, وإن كان أدى حقًا في الذمة نظر فإن كان له مال من غير جنسه بيع وقضى الحق من ثمنه, وإن لم يكن له مال حاضر أو كان قد ادعى عينًا غائبة فقال الخصم: اكتب لي كتابًا إلى حاكم البلد الذي هو فيه بما ثبت عندكم كتب له كتابًا صفته بسم الله الرحمن الرحيم, حضر فلان ابن فلان ويرفع في نسبه وذكر قبيلته وصناعته بما يتميز عن غيره فادعى ضامن صفته كذا على فلان ابن فلان وأقام شاهدين فلان وفلان فشهدا بعد ما عرفنا الشهود عليه من اسمه ونسبه وقد عرفت عدالتهما وحلفته على الحق وحكمت عليه به, وسألني أن أكتب له بذلك محضرًا.
ثم لا يخلو إما أن يقدم الغائب قبل وصول الكتاب على الحكام أو لا يقدم, فإن قدم فجاء المدعي إلى الحاكم واستعداه عليه وسأله إحضاره فعل ذلك فإن أحضره أخبره بما جرى, فإن أقر بالحق ألزمه إياه, وإن أنكر وقال: لا حق له علي لم يلتفت إلى إنكاره, فإن ادعى القضاء قيل له: ثبت الحق بالبينة, وحلف المدعي أنه ما اقتضاه فعليك أن تقيم البينة على القضاء, فإن قال: أنظروني حتى أقيم البينة أنظر ثلاثًا, إن قال: البينة التي شهدت بالحق مجروحة لم يلتفت دعواه تلك حتى يقيم البينة بالجرح فإن سأل الأنظار ثلاثًا, وإن لم يقدم الغائب حتى وصل الكتاب إلى الحاكم استدعى الخصم وأخبره بورود الكتاب عليه, فإن قال: لا حق له علي لم يلتفت إلى قوله وحكم عليه, وإن ادعى القضاء لم يسمع إلا ببينة, وإن سأل إحلاف الطالب لم يكن له لأن القاضي الكاتب أحلفه, وإن أقر فيحكم بإقراره دون الكتاب, وإن أقر بالحق لغير هذا الطالب, فإن كان الحق عينًا قائمة بطل إقراره بها, وكان الطالب المحكوم له بها أحق, وإن كان الحق في الذمة يؤخذ بإقراره لغير الطالب ويؤخذ بالكتاب للطالب, وإن أنكر الحق وأقر بأنه المسمى في الكتاب يؤخذ بالحق وكتاب القاضي أوكد من الشهادة لأنه عن شهادة اقترن بها حكم وإن أنكر الحق وأنكر أيضًا أن يكون المسمى في الكتاب وهي مسألة الكتاب قال الحاكم للمدعي: إنما حكم لك على فلان ابن فلان وقد أنكر هذا أن يكون فلان ابن فلان فأقم البينة بذلك فإن لم يقمها فالقول قول المدعى عليه فيحلف أنه ليس هو فلان ابن فلان وتسقط الدعوى, وقال القفال: لو قال: لا أحلف هكذا ولكني أحلف أنه لا حق له علي فإن كان ما يدعيه لا
يلزمني توفيره علي له ذلك, كما لو ادعى عليه دارًا أنه باعها منه وقبض الثمن ولزمه تسليمها إليه فقال: لا أجيبك عن هذا بل أحلف أنه لا يلزمني تسليمها إليك قبل منه [12/ 23 أ] لأنه قد يبيعها منه ثم يتقابلان, وإن أقام البينة أن فلانًا ابن فلان قال له الحاكم, هل تقر بهذا؟ فإن أنكر وقال: لست أن فلان ابن فلان, لم يلتفت إلى إنكاره, وإن قال: أنا فلان ابن فلان ولكن لست أنا المحكومة عليه وإنما المحكومة عليه غيري وهو مشارك لي في اسمي ونسبي قلنا لا نعلم من هو بهذا الاسم والنسب غيرك فأقم البينة أن لك مشاركًا فيه, فإن لم يقم البينة حكم عليه, وإن أقام البينة عليه نظر؛ فإن كان الذي أقام البينة به يخالفه في الصناعة أو غيرها حكم عليه, وإن كان يوافقه في جميع الأحوال لا يحكم عليه لأنه لا يعلم من الذي عليه فيتوقف عن ذلك حتى تقوم البينة أن هذا فلان الذي حكم عليه, وإن أقام البينة باسم ميت قد عاصره الميت فإن كان موته بعد الحكم منعت هذه المشاركة من تعيين الحكم على الحي مأخوذ بالحق, فصار كما لو شارك فيه حيًا موجودًا وإن كان موته قبل الحكم ففيه وجهان: أحدهما: يثبت به حكم الاشتراك ويمنع من الحكم بالحق على الحي للاحتمال وأن الحق قد ثبت على الميت كثبوته على الحي, والثاني: لا يثبت به حكم الاشتراك لأن مطلق الأحكام متوجه في الظاهر إلى الأحياء دون الأموات وقال في "الحاوي": إذا وصل كتاب القاضي بشروطه وجب على القاضي المكاتب إحضار الخصم المطلوب ومسائلته عما تضمنه كتاب القاضي من الحكم عليه وله في الجواب عنه ستة أقوال: أحدهما: أن يقر به, والثاني: أن يقر ويدعي القضاء, والثالث: أن يقر بالحق لغير هذا الطالب, والرابع: أن ينكر ويقر بأنه المسمى في الكتاب, والخامس: أن ينكر أنه المسمى في الكتاب, وهو على ضربين: أحدهما: أن ينكر الاسم المذكور ويدعي غيره من الأسماء فله ثلاثة أحوال: أحدهما: أن يعرف بما ادعاه من الأسماء المذكورة في الكتاب فلا يلزمه الحكم حتى تقوم الشهادة, والثاني: أن يعرف بالأسماء المذكورة في الكتاب فيحكم عليه ولا يقبل ما ادعاه من الاسم, والثالث: أن يكون مجهول الحال فلا يحكم عليه إلا بالبينة, والثاني: أن يعترف بالاسم ويذكر أنه اسم لغيره شاركه فيه وغيره هو المحكوم عليه دونه وهو على ضربين: أحدهما: أن يعلم اشتراك جماعة في الاسم المذكور وأقله أن يشاركه في واحد فلا يحكم عليه إلا ببينة على ما ذكرنا, والثاني: أن لا يعلم من شاركه في الاسم والنسب فيؤخذ به, فإن أقام بينة بأن غيره يسمى بمثل اسمه ونسبه فهو على ضربين: أحدهما: أن يقيمها باسم حي موجود, والثاني: أن يقيمها باسم ميت؛ وقد ذكرنا ذلك, والسادس: أن ينكر ويعترف بالاسم ويدعي جرح الشهود الذين شهدوا عليه وقد ذكرنا شرحه.
فرع
القاضي في تسمية الشهود في كتابة مخير بين أمرين: إن شاء سماهم وهو أولى عندنا [12/ 24 أ] وأحوط للمحكوم عليه, وإن شاء لم يسمهم وهو أولى عند أهل الكوفة وأحوط للمحكوم له, فإن لم يسمها قال: شهد عندي به رجلان حران وعرفتهما بما يجوز به قبول شهادتهما, وإن سماهما قال: شهد عندي به فلان وفلان وقد ثبت عندي عدالتهما.
فرع آخر
لو لم يقل: وقد ثبت عندي عدالتهما فهل يكون تنفيذه للحكم بشهادتهما تعديلًا منه؟ فيه وجهان.
فرع آخر
لو كان الحكم على الغائب بإقراره ذكر في كتابه أنه أقر عندي طوعًا منه في صحة من جواز أمر, ولو اقتصر في كتابه على الحكم عليه بإقراره ولم يقل في صحة منه وجواز أمر فهل يقوم حكمه عليه مقام ذكره له فيه وجهان كما قلنا في العدالة.
فرع آخر
لو كان الحكم عليه بنكوله ورد اليمين ذكره القاضي مشروحًا في كتابه, واعلم أنه يصير الحق ثابتًا على الغائب من أحد ثلاثة أوجه: أحدها: بإقراره وهو الأقوى, والثاني برد اليمين وهو الأضعف, والثالث بالشهادة على إقراره وهو الأوسط, وإن لم يذكر القاضي ما حكم به منها في كتابه, وقال ثبت عندي بما ثبت بمثله الحقوق فهل يجوز؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز لأن كل واحد من الثلاثة يثبت به الحق, والثاني لا يجوز لاختلاف أحكامها لأنه في الإقرار لا تسمع منه الدعوى في الأعيان وتسمع منه البينة في النكول وتتعارض به البينة في الشهادة فيرجح وجود اليد عندنا ويرجح عدمها عند أبي حنيفة, وإذا اختلف الحكم بالحق في جانب المحكوم عليه في كل واحد من الوجوه الثلاثة لم يجز للقاضي إغفال ذكرها لما فيه من إسقاط حجة المحكوم عليه, وينبغي للقاضي أن يكتب بعد إنفاذ حكمه أنه قد جعل كل دعوى حق وحجة على ما كان له من حق أو حجة.
فرع آخر
لو أتى بما هو حجة وهي دفع لحجة صاحبها الحق, وكان القاضي باع شيئًا وصرفه في الحق لم يبطل ذلك البيع لأنه باع بولاية الحكم حين جاز له البيع في الظاهر.
فرع آخر
لو كان القاضي كتب بالحكم المبرم ولم يذكر الحلف جاز ولكن ينبغي للقاضي أن يذكر في الكتاب أنه حلفته ثم يدعي هناك الإبراء أو الأداء فيحلفه المكتوب إليه على ذلك بمطالبته ذلك ويجب التحليف إذا أراد قضاء الدين من (ماله) بحضرته.
فرع آخر
حكم الممتنع المتعنت والمتواري في البلد حكم الغائب, فأما من هو حاضر في البلد ولم يمتنع ولم يتوار عن مجلس الحكم فهل يجوز أن يسمع عليه البينة أم لا؟ قال القفال: فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز بل يأخذ بالأقرب وهو استحضاره فربما يقر, والثاني: يجوز أن يسمع عليه البينة لأن في البينة من الفوائد ما ليس في الإقرار مثل بينة الوارث على المريض بلا خلاف وإقرار المريض للوارث لا يقبل في أحد القولين ونحوه, قال: ثم لا يبرم الحكم حتى يستحضره فيقول: سمعت عليك البينة بكذا ويمكنه من دفعها فإن لم يدفعها قضى عليه حينئذ وقال غيره: هل يحكم عليه بها من غير حضوره؟ وفيه وجهان: أحدهما: يحكم عليه لأن الحجة هي البينة وقد أحدثه والثاني وهو المذهب لا يحكم عليه بل يستدعيه ويسأله عن الدعوى لأنه يمكنه ذلك من غير ضرر بصاحب الحق وربما كان عنده قدح في البينة أو حجة يدفعها ويفارق الغائب لأن في تأخر القضاء ضررًا على صاحب الحق, ولو كان حاضرًا في مجلس فيه طريقان: أحدهما: هل يجوز سماع البينة قبل السؤال عنه, فيه وجهان, وقيل: وجهًا واحدًا لا يجوز.
فرع آخر
إذا كان للحكم اتصال بالحاضر فقد ذكرنا أن أبا حنيفة رحمه الله وافقنا فيه على جواز القضاء على الغائب ولكنه يقول للحاكم أن ينصب على الغائب وكيلًا مسخرًا ليجيب عن الدعوى ويذب عن الغائب فيسمع البينة على وجهه, ويقضي, وعندنا لا فائدة في هذا الوكيل المسخر الذي لم يوكله الغائب وكذلك على مذهبه لا يسمع الدعوى على ميت أو صبي حتى ينصب قيم لذلك الصبي أو عن ذلك الميت فتكون الدعوى وسماع البينة على وجهه وعندنا لا يجب ذلك.
فرع آخر
القضاء على الغائب إنما يكون في حقوق الآدميين ويجوز في القصاص وحد القذف بلا خلاف على المذهب, ولو قامت البينة على السرقة حكم بالغرم ولم يحكم بالقطع ولا يحكم عليه في الحدود التي هي حق الله تعالى لأنه مأمور بالاحتياط في إسقاطه ولا ضرر على الغير في تأخير حكمه إلى وقت حضوره هكذا ذكر أهل العراق وقالوا: لا يختلف فيه أصحابنا, وقال القفال: فيه وجهان: أحدهما: هذا وهو المذهب, والثاني يقضي عليه بها ويكتب إلى قاضي البلد الذي فيه المدعي حتى يجحده.
باب القسام
مسألة: قال: "وينبغي أن يعطى أجر القسام من بيت المال لأنهم حكام الفصل".
الأصل في الحكم بالقسمة الكتاب والسنة والإجماع, أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾] النساء: الآية 8 [وقوله تعالى ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾] القمر: الآية 28 [وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى لم يرض في قسمة الصدقات بملك مقرب ولا بنبي مرسل حتى تولى قسمتها بنفسه وقسم غنائم بدر بشعب من شعاب الصفراء, وقسم غنائم خيبر على ثمانية عشر سهمًا وروي أنه اختصم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان في مواريث فقال: اذهبا فاقتسما واستهما وتحللا, وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الشفعة فيما لم يقتسم, فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة, وأما الإجماع فلا خلاف بين المسلمين في جوازها ووجوبها وكان للخلفاء الراشدين رضي الله عنهم قسام وكان قسام علي رضي الله عنه عبد الله بن يحيى يعطيه رزقه من بيت المال.
وقول الشافعي رضي الله عنه القسام حكام أراد به أن القاسم بمنزلة الحاكم لأن الحاكم يجتهد ويعمل على ما يؤدي إليه اجتهاده فيحكم به ويلزم ذلك, والقاسم بهذه الصفة أيضًا لأنه إذا عدل السهام وأقرع لزم ذلك لقوله, ويخالفون الحكام من وجهين: أحدهما: أن حكمه مختص بالحري في تمييز الحقوق وإفرازها, وحكم الحاكم مختص بالاجتهاد, والثاني أن استعداء الخصوم إلى الحكام دون القسام, واعلم أن القاسمين أعوان الحكام فيلزم الحاكم أن يختار لنظره من القاسمين من تكاملت فيه شروط القسمة على ما تقدم بيانه وقد ذكرنا أنه لا بد من أن يكون عدلًا عارفًا بالحساب والمساحة والفرائض وغيرها من الفقه أو يكون إذا عرفه القاضي وفهمه كيف الحكم فيه عرفه ليمكنه من القسمة على حسب ذلك غير أنه إن كان فقيهًا جاز أن يوليه الأمر ليتمه باجتهاده, وإن لم يكن فالقاضي يخبره بأني حكمت بأن الدار والأرض بين هذين على كذا سهمًا فاقسم بينهما هكذا ثم يكون وكيلًا للقاضي في ذلك لا متوليًا للأمر بولاية نفسه, ثم إنما ينصب قاسمًا ويعينه الأمير إذا اكتفى الناس بقاسم واحد وإلا فلا يعين بل يدع الناس يطلبون القسام لأنفسهم, وكذا أمر الكاتب لأنه إذا عين واحدًا أمره بأخذ أجرته من صاحب القسمة وإلا وفى في ذلك ويضر ذلك بالناس, وإنما جاز للقاسم طلب الأجرة ممن أحل له وكذلك الكاتب, ولم يجز ذلك للقاضي والمزكي والمفتي لأنهم يعملون الشرع وينوبون عن كافة المسلمين فإن الحكم والفتوى من فرائض الكفايات وكذلك الشهادة والتزكية.
والقسمة والكتبة لا تفرض على الأعيان ولا على الكتابة إذ تعدل في ذلك حق الله
تعالى بخلاف القسمة, ولأن القاسم عملًا يباشره, والقاضي يقضي على الأوامر والنواهي التي لا يصح الاعتياض, وإنما يأخذ القاضي المصدق من بيت المال لانقطاعه إلى الحكم لا أنه يأخذه أجره عن الحكم كما نقول في رزق الإمام والمؤذن والمفتي والمزكي.
وأما الشاهد قال أصحابنا: إن كانت الشهادة تعينت عليه وهو مكفي لم يجز له أخذ الجعل عنها, وإن لم يكن له كفاية وكان ينقطع بأدائها عن كسبه جاز له أخذ الجعل على القضاء ولا فرق بينهما ذكره القاضي الطبري.
وقال ابن أبي أحمد: لا يجوز أن يدفع شيئًا من بيت المال إلى الشاهد لأن أداء الشهادة فرض عليه, ولأن أخذ أجرة على الشهادة يوقع تهمة فيها وهو قول بعض أصحابنا بخراسان, ولو كثرت القسمة واتصلت فرضت أرزاقهم مشاهرة من بيت المال من سهم المصالح, وإن قلت القسمة أعطوا منه أجرة كل قسمة وهذا لأن القاضي لا يستغني عن المكاتبة فإن عدل المقتسمون عنهم إلى قسمة من تراضوا به من غيرهم جاز ولم يعترض عليهم, وجاز أن يكون من ارتضوه عبدًا أو فاسقًا وكانت أجرته في مالهم.
ثم اعلم أن الكلام في فصلين: أحدهما: في عدد الأقسام, والثاني في حكم الأجرة, فأما العدد فإن تراضوا بالعدد على ما اتفقوا من واحد واثنين ولا يقبل الحاكم قول هذا القاسم لأنه ليس بنائب عنه ولا يسمع شهادته لأنه على فعله, وإن أمر الحاكم بالقسمة ففي القسمة تعديل وحكم, والتعديل معتبر باثنين كالتقويم فإن كان فيها تعديل وتقويم لم يجز فيها أقل من قاسمين, وإن لم يكن فيها تعديل ولا تقويم قال الشافعي رضي الله عنه في موضع أمر الحاكم الشركاء أن يجتمعوا على قاسمين, وقال في موضع آخر: القاسم حاكم فاختلف أصحابنا فيه فقال أكثرهم فيه قولان:
أحدهما: يجزئ واحد كيال واحد, والثاني: لابد من اثنين كما في التقويم وجزاء الصيد لا بد من مجتهدين ولا يمتنع أن يكون كالحاكم ويجمع من اثنين كما قال تعالى:} فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا {] النساء: الآية 35 [ومن أصحابنا من قال: هما على اختلاف حالين فإن كان في الشركاء طفل أو غائب فلا بد من اثنين, وإن كانوا حضورًا يجيبون عن أنفسهم جاز واحد ويقبل الحاكم هنا قول القاسم للاستتابة كما يقبل قول خلفائه, فإن جازت بقاسم واحد قبل قول الواحد, وإن لم يجز إلا قاسمين قبل قول الاثنين ولا يفتقر القاسم إلى لفظ الشهادة.
وقال بعض أصحابنا فيه وجهان وليس بشيء.
وأما أجرتهم ففيها أربعة أحوال: أحدهما: أن يتفقوا على أجرة معلومة فيتقدر بها, والثانية: أن يتطوعوا فلا أجرة لهم, والثالثة: أن يتفقوا على أجرة مجهولة يلزم أجرة المثل, والرابعة: أن لا يجزي إلا أجرة ذلك ولم يكن من الأرباب بذل ولا من القاسم
طلب فإن كان الحاكم أمر بها تحسب أجره المثل, وإن كانوا دعوا إليها فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: وهو ظاهر مذهب الشافعي رضي الله عنه لا أجره, والثاني: وهو ظاهر مذهب المزني له الأجرة, والثالث: وهو إن جرت عادته بأخذ الأجرة فله الأجرة, وإن لم تجر عادته فلا أجرة, ولو استأجروه على التفاوت وعرف نصيب كل واحد منهم جاز وله أن يشترط على صاحب القليل جعلًا كثيرًا ويرضى من صاحب الكثير يجعل قليل لأنها عقود, وإن ذكر جملة الأجرة في عقد واحد فإن قال: آخذ من صاحب النصف خمسة, ومن صاحب الثلث عشرة, ومن صاحب السدس خمسة عشر.
ولو استأجروه بأجرة واحدة أو استأجروه بأجرة مجهولة ففي المسمى لزمهم أجرة المثل يلزمهم ذلك على قدر الأنصباء لا على عدد الرؤوس, وقال بعض أصحابنا: هو قول مخرج للشافعي رضي الله عنه تخريجًا من الشفعة فإنها بعدد الرؤوس في أحد القولين, واحتج بأن عمله في نصيب كل واحد منهم كعمله في نصيب الآخر تساوت الأنصباء أو اختلفت قلنا: ليس كذلك لأن عمله في أكثر النصيبين أكثر لأنه لو كان المقسوم مكيلًا أو موزونًا فكيل الكثير أكثر من كيل القليل, وكذلك الوزن, ثم يبطل بأجرة الحافظ فإن حفظ القليل والكثير سواء وتختلف الأجرة باختلاف القدر, وقال أبو يوسف ومحمد: القياس يقتضي أن يكون على عدد الرؤوس ولكنا أوجبناها على قدر الأنصباء استحسانًا.
وأما قول الشافعي رضي الله عنه فاستأجرهم بما شاء أراد لا ينبغي للقاضي أن يضرب للقسام راتبًا معلومًا ولكن يستأجر الخصم بما شاء ورضي به القاسم, والشافعي قال بما شاء ولم يقل بما شاءا جميعًا لعلمه أن القاسم يستكمل حقه وربما يستكره المقتسم على ما فوق حقه..
فرع
لو كان القاسم اثنين فلهما في الأجرة ثلاثة أقوال: أحدها: أن يستحقا أجرة المثل فلكل واحد ذلك, والثاني: أن يكون لكل واحد منهما أجرة مسماة, فيختص كل واحد منهما بأجرته قلت أو كثرت, سواء تساويا فيها أو تفاضلا, والثالث: أن يسمي لهما أجرة فليس على المقتسمين غيرها, وفي اقتسامهما لها وجهان: أحدهما: أنها بينهما نصفين اعتبارًا بالعدد, والثاني: أنها على أجر مثلهما اعتبارًا بالعمل.
فرع آخر
لو أفرد العقد مع واحد ولا يقال: أجرت نفسي منك لأفرز نصيبك وهو النصف من هذه الدار على كذا فإنما يصح إذا رضي الآخر بالقسمة أو كانت بحيث لا يحتاج إلى رضاهم فإما حيث يحتاج إلى الرضى ولم يرضوا بعد فعقده فاسد في نصيب هذا.
فرع آخر
إذا طلب أحد الشريكين القسمة والشيء مما يجاب فيه إلى القسمة دون رضى الآخر فالأجرة تلزمهما جميعًا ولا يختص بالتزامها هذا الذي يطلب القسمة وبه قال أبو يوسف ومحمد وأحمد, وقال أبو حنيفة: الأجرة على طلب القسمة لأنها حق له, وهذا لا يصح لأن الأجرة تجب لإفراز الأنصباء وهم فيها سواء الأجرة عليهم كما لو تراضوا عليها.
فرع آخر
قال الشافعي رضي الله عنه: ولو كان في جملتهم يتيم ففي نفسي من أحمل عليه شيئًا وهو ممن لا رضي له شيء, فاختلف أصحابنا فيه هل أشار بذلك إلى القسمة أو الأجرة فقيل: أشار إلى أصل القسمة فخرجوها على وجهين: أحدهما: يمنع, والثاني: يجاب وقيل: أشار إلى أجرة القسمة لأن القسمة لا تمتنع بحق الصغير إذا احترزها الكبير لأن الصغر لا يمنع الحقوق فهل يلزمه أجرة القسمة؟ فيه وجهان: أحدهما: يلزمه الحاكم ولم يسقط منها مع عدم حفظه بها كما يلزمه مما لاحظ له فيه مؤنه وكلفة, والثاني: يقول الحاكم لشركاء الصغير إن أردتم القسمة التزمتم قسطه من الأجرة ولم يوجب في ماله ما لاحظ له منه وهذا اختيار أكثر أصحابنا بخراسان.
مسألة: قال: "وإذا تداعوا إلى القسمة وأبى شركاؤهم فإن كان ينتفع كل واحد منهما بما يصير إليه مقسومًا أجبرتهم على القسمة".
اعلم أن الملك إذا كان مشتركًا بين اثنين وأكثر فطلب بعضهم القسمة فلا يخلو إما أن ينتفع كل واحد منهم بهذه القسمة بحيث لا ضرر على أحدهم أو كان على واحد منهم ضرر وينتفع بها كل واحد منهم مثل أرض من شريكين أو دار واسعة أو دور مختلفة تقسم فنصيب كل واحد منهم دار بحكم هذه القسمة فإنه يجاب كل شريك دعا إلى القسمة ويجبر الممتنع عليه بعدما لم يحتج في القسمة إلى أن يرد أحدهم على الآخر بعض قيمة ما يصير إليه وهذا لأن المالك يحتاج أن ينتفع بملكه منفعة تامة, وإذا كان مشتركًا لم يمكنه ذلك لأنه إذا طلب الزراعة والعمارة ربما لم يجبه الشركاء إليه, فإذا طلب إقرار لملكه لينتفع به أجيب إليه, وإن كان يلحق كل واحد منهم ضرر بالقسمة لم يجبر الحاكم الممتنع عليها, ولكن إذا رضوا بالقسمة سألوا الحاكم أن ينصب من يقيم بينهم قسمة مراضاة أجاب إلى ذلك.
وإنما لم يجبر لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام من ضار الله به, ومن شاق شق الله عليه", وروى بصير مولى معاوية مرسلًا أن النبي صلى الله عليه وسلم: "نهى عن قسمة الضرار" وروى محمد بن أبي بكر بن حزم عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تعضية
على أهل الميراث إلا ما حمل القسم" يعني: لا يبعض على الوارث.
وقال مالك: يجبر الممتنع على القسمة مع دخول الضرر على الطالب والمطلوب لينفرد بملكه ويده وهو في قسمة الحمام الصغير وهذا لا يصح لأنها قسمة على جميع الشركاء فيها ضرر فلا يجبر عليها كما لو كان بينهما جوهرة فدعوا إلى قسمتها.
وقال بعض أصحابنا: لو قسموها فيما بينهم جاز, ولكن لو سألوا الحاكم أن يقسمها بينهم لم يجبهم إلى ذلك لأن فيها ضررًا وهذا اختيار القاضي الطبري, وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان تذهب المنفعة بالكلية كالجوهرة تكسر فلا يجابون إليها, وإن تراضوا لأنه سفه, وإن كان لا تذهب منفعته بالكلية كالجوهرة تكسر فلا يجابون إليها, وإن تراضوا لأنه سفه, وإن كان لا تذهب منفعته بالكلية وينتفع به في الجملة ولكن ينتفع كل واحد منهم بحصته من ذلك الوجه, مثل حمام يقسم بين اثنين فلا يصلح كل نصف إذا أفرد أن يكون حمامًا ولكن يمكن أن يتخذ منه شيء آخر يقسم الحاكم بينهم برضاهم, وهكذا يقسم السيف بينهم برضاهم لأنه إذا قسم يحصل من نصيب كل واحد منهم سكين أو خنجر أو نحو ذلك فللمالك أن يفعل ذلك في ملكه وهذا حسن ولكن ظاهر المذهب ما اختاره القاضي الطبري لأن السفه في الكل لا يخفي والضرر ظاهر.
وإن كان على بعض الشركاء في ذلك ضرر فإن كان الطالب لا ضرر عليه فيها فإن كانت بين رجلين لأحدهما: خمسة أسداسها, وللآخر السدس فطلب صاحب الأكثر القسمة وهو ينتفع بحصته مفرزة, وصاحب الأقل ينتفع بحصته مفرزة أجبر الممتنع عليها وبه قال أهل العراق, وقال أبو ثور: لا يجبر الممتنع عليها بل يترك مشتركًا, وقال ابن أبي ليلى وأحمد: لا يجاب إلى القسمة ولكن يباع ويقسم الثمن بينهم لأنه طلب منه قسمة يستضر بها فلا يجاب إليه كما لو كان الاستضرار بالقسمة, وأما الذي ذكروا فلا يصح لأن الاعتبار بالطلب لأن من له الحق إذا طلب بيع مسكن من عليه الحق ليستوفي حقه يجاب إليه, وإن استضر به من عليه الحق, وكذلك يستوفي صاحب الدين حقه ممن عليه الدين, وإن استضر من عليه الدين بأن يذهب عن يده رأس ماله ويصير معسرًا.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان سواء تذهب المنفعة من نصيب الشريك أصلًا أو تذهب عن أن ينتفع به من الوجه الذي ينتفع به قبل القسمة وهذا خلاف المنصوص, ولعله جعل قول أبي ثور وجهًا في المسألة ولم يعرف النص الصريح هنا.
وإن كان على الطالب في قسمتها ضرر بأن طلب صاحب السدس القسمة قال أبو إسحق: لا يجبر الممتنع من القسمة ولا يجاب إلى ما يلتمسه لأنه يطلب ضرر نفسه وهو الصحيح المشهور من المذهب, ومتن أصحابنا من قال: يجبر الممتنع عليه لأن له
غرضًا في تمييز بأن يزيل سوء المشاركة ومؤنة المقاسمة وبه قال أبو حنيفة, وهذا لا يصح لما ذكرنا ويفارق هذا كله إذا كان للطالب فيها منفعة لأنه طلب ما ينتفع به فأجبر صاحبه عليه وهنا طلب ما يستضر به وفيه المال وسفه ظاهر فلا يجاب إليه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان عليه ضرر ولكنه يمكن الانتفاع به من وجه, وإن لم ينتفع به منفعة الأصل يجاب إليه.
وإن كان لا ينتفع به أصلًا لا يجاب إليه, واعلم أن الضرر الذي ذكرنا إن ينتقص قيمة ما يصير إليه فظاهر كلامه أنه تنقص ونقصان القيمة يتبع نقصان المنفعة ولا يفترقان, قال: وقال بعض أصحابنا: فيما يعتبر فيه دخول الضرر وجهان: أحدهما: وهو ظاهر مذهب الشافعي وبه قال أبو حنيفة إنه نقصان المنفعة دون القيمة.
والثاني: وهو الأشبه يعتبر بكل واحد من نقصان المنفعة أو نقصان القيمة لأن في كل واحد منهما ضررًا.
ولو كانت دار نصفها لواحد ونصفها لعشرة نفر ولا يمكن الانتفاع بكل عشر من هذا النصف على حدته بوجه وأمكن الانتفاع بنصف الدار فدعا صاحب عشر نصف الدار إلى القسمة لم يجب إليه على ما ذكرنا من المذهب وإن اجتمع العشرة وقالوا: نفرز نصيبنا عن النصف الذي لصاحبنا أو قال صاحب النصف: أفرز نصيبي وأدع النصف مشاعًا بين العشرة فلكل واحد منهم ذلك وهو قول الشافعي رضي الله عنه.
وأقول لمن كره القسمة لقلة حصصهم: إن شئتم جمعنا حقوقكم وكانت مشاعة بينكم لتنتفعوا بها فإن قال قائل: حصصهم ملك لهم يفعلون به ما شاءوا فما فائدة قول الشافعي؟ يقال لهم: إن شئتم, قلنا: لعل متوهم يتوهم أن نصيب بعضهم إذا صار مقسومًا له وجب أن يصير سائر الأنصباء مقسومة ممتازة فأبان أن ذلك ليس من شرط القسمة ويجوز أن يقسم بعضهم حصته وتبقي حصة الآخرين مشاعة كما كانت, وعلى هذا لو كانت الأرض لستة نفر فصارت سهامهم فطلب واحد منهم القسمة قسمت أسداسًا وأقر سدسها له وكانت خمسة أسداسها مشتركة بين الباقين, وإن طلبها اثنان ليجوز أشهمهما مجتمعين قسمت أثلاثًا, وأفرز لطالبي القسمة ثلثها مشتركة بينهما وكان الثلثان مشتركًا بين الباقين وعلى هذا القياس إذا طلب الثلاثة والأربعة.
مسألة: قال: "وينبغي للقاسم أن يحصي عدد أهل السهام ومبلغ حقوقهم".
الفصل
الكلام في هذا في كيفية القسمة والقسمة على ضربين: قسمة فيها رد, وقسمة لا رد فيها, فأما التي فيها رد سيجيء حكمها, وأما التي لا رد فيها وهي قسمة الإجبار فلا
تخلو من أربعة أحوال: إما أن تكون الأنصباء متساوية والأجزاء متعادلة, أو أن تكون الأنصباء متساوية والأجزاء مختلفة القيمة, وأن تكون الأنصباء مختلفة والأجزاء مختلفة القيمة, وأنه تكون الأنصباء والأجزاء متعادلة, أو تكون الأنصباء [12/ 32 أ] مختلفة والأجزاء مختلفة, فإن كانت الأنصباء متساوية والأجزاء متعادلة فإن كانت الأرض بين نفسين لكل واحد منهما النصف, أو بين ثلاثة لكل واحد منهم الثلث وذراع منها من أول القراح يساوي درهمًا وكذلك من وسطه وآخره فإنه يقسم ذلك بالأجزاء فتمسح الأرض وتذرع ويجعل نصفها جزءًا والباقي جزءًا آخر ثم يقرع بينكما, ويمكن هنا إخراج الأسماء على الأجزاء فهو أن يكتب اسم كل واحد من المالكين في رقعة ويجعل رقعتين متساويتين, ثم تدرج في بندقتين من طين وتطرح في حجر رجل لم يحضر الكتبة والبندق ثم يقال: أخرج على الأول, فإذا أخرج فض ذلك ويجعل الجزء الأول لمن خرج اسمه ويتعين الآخر لصاحبه.
وأما إخراج الأجزاء على الأسماء فهو أن يكتب الجزء الأول في رقعة والجزء الثاني في رقعة أخرى ويخرج واحد على اسم أحد الرجلين فيجعل له الجزء ويتعين الآخر لصاحبه, فإذا خرجت القرعة لزمت القسمة وتعينت الحقوق وليس لأحدهما: الامتناع بعد ذلك منها.
قال: ولو أمر الصغير أو الأعجمي من العبد بإخراجه كان أولى لأنه أبعد من الحيلة, وقال أصحابنا: فإن كان هناك سمع أدرج فيه كان أخف وأنظف.
قال الشافعي رضي الله عنه: توزن, ومنهم من يقرأ بوزن يعني ينبغي أن تكون البنادق مستوية [12/ 32 ب] الوزن ليكون أبعد من التهمة فإن استوت ألقاها في حجر من لم يحضر البندقة وهذا أيضًا للاحتياط.
قال الشافعي: ولا الكتاب, يعني: ينبغي أن لا يكون من دفعت البنادق إليه حاضر حين يكتب الأسامي في الرقاع وتدرج في البنادق والأصل في الرقعة قصة مريم عليها السلام في قوله تعالى:} إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ﴿] آل عمران: الآية 44 [, وقوله تعالى: {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾] الصافات: الآية 141 [ولو اقتصر لعل أن أقرع بينهم عصا أو أقلام جاز, وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير وكتب على أحدها: لله وقسمها على خمسة أجزاء وأقرع بالنوى وهذا لأن ما حضره رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون أخف حالًا لأنه أبعد من الحيف وإنما يمكن الاحتياط في موضع التهمة فكذلك حكمها بعده إن كانت عند حاكم تنتفي عنه التهمة كان حكمها أخف, وإن كانت في موضع التهمة كان حكمها أغلظ, وإن كانت الأنصباء متساوية الأجزاء مختلفة القيمة يعدل بينهما بالقيمة في الإخراج على ما ذكرنا, وإن كانت الأنصباء مختلفة
والأجزاء معتدلة بأن يكون لواحد السدس ولآخر النصف والآخر الثلث.
قال الشافعي رضي الله عنه: قسمه على أقل السهمان وهو السدس, وقال أبو إسحاق: وإن كان فيهم من له سدس وربع فهو من اثني عشر, وإن كان من له سدس وثمن [12/ 33 أ] فهو من أربعة وعشرين فيقسم أبدًا من أقل ما تخرج منه السهام كلها وهذا لأنه لو أقسم على أكثر السهمان لم يمكنه أن يعطي الأقل من الأكثر ويمكنه أن يعطي الأكثر من الأقل, فإذا تقرر هذا تجعل الدار في مسألتنا ستة أسهم لأن أقل السهمان السدس فيجعل لصاحب السدس سهمًا ولصاحب الثلث سهمين ولصاحب النصف ثلاثة أسهم فتقسم الدار على ستة أجزاء فيمكنه أن يعطي النصف من الستة وهو ثلاثة أسهم, ولو أنه جعل الدار نصفين أو ثلاثًا لم يمكنه أن يعطي السدس هذا يعني قولنا: يمكنه إعطاء الأكثر من الأقل إذا قسمها على نسبة الأقل ولا يمكنه إعطاء الأقل من الأكثر ثم يجعل على كل سهم علامة ثم يكتب الرقاع.
واختلف أصحابنا في عددها فقال أبو إسحاق: يكتب ستة رقاع على عدد السهام, ويكتب اسم صاحب النصف في ثلاثة رقاع, واسم صاحب الثلاث في رقعتين, واسم صاحب السدس في رقعة, فيكتب اسم كل واحد منهم المعروف به أو يكتب صاحبه فإنه يعرف بذلك أيضًا وأيهما كتب أجزاؤه, وإنما قلنا: يكتب ستة رقاع لتكون رقاع من كثر نصيبه أكثر فيخرج اسمه أسرع من اسم من قل نصيبه, ثم يخرج ذلك على الأجزاء فإن خرج اسم صاحب السدس على السهم الأول حصل له ثم يقرع بين الآخرين فإن خرج اسم صاحب الثلث حصل له الثاني والثالث بلا قرعة ويتعين الثاني لصاحب النصف, وإن خرج في الابتداء لصاحب النصف حصل له ثلاثة أجزاء, ويقرع بين الآخرين, فإن خرج لصاحب السدس حصل له الجزء الرابع ويتعين الثاني لصاحب الثلث, وإن خرج لصاحب الثلث في الابتداء فله سهمان ثم يقرع بين الآخرين, فإن خرج لصاحب النصف فله الجزاء الثالث والرابع والخامس, ويتعين الباقي لصاحب السدس, وإن خرج لصاحب السدس فله الجزء الثاني والثالث بعد الذي خرج له بلا قرعة لأنا لو أقرعنا بينه وبين غيره في الحق الثاني ربما لا يخرج عليه فيحصل له ذلك من موضع آخر وينقطع نصيبه فيستضر به وفي هذا القسم لا يمكن إخراج الأجزاء على الاسم لأنه لو أخرج ذلك ربما يخرج الجزاء الرابع لصاحب النصف فيقول: هو أحد جزأين من الذي قبله, ويقول الآخر: بل يأخذ من الذي بعد فيؤدي إلى الخصومة والاختلاف فلم يجز.
فإن قيل: أليس في العتق تكتب الحرية والرق ولم تكتب أسماء العبيد, قلنا: قال بعض أصحابنا: هناك قولان على سبيل التخريج, من هنا فيكتب أسماء العبيد,
ومنهم من فرق بأن هناك لو كتب أسماء الأحرار ربما يؤدي إلى تفريق ملك واحد فلا يجوز إلا أن يكتب أسماء المستحقين, وفي العتق يجوز كلاهما لأنه لا يوجد هذا المعنى.
ومن أصحابنا من قال: يكتب ثلاث رقاع وهو اختيار ابن أبي هريرة وهو ظاهر كلام الشافعي فيكتب رقعة لصاحب السدس, ورقعة لصاحب الثلث, ورقعة لصاحب النصف, وهذا لأن صاحب النصف إذا خرج اسمه على الأول أعطيناه ثلاثة أسهم بلا قرعة أخرى فلا فائدة في أن يكتب له ثلاثة أرقاع, ويكون تعبًا في الحقيقة, وقيل: المذهب الأول لأن لصاحب النصف والثلث مزية على صاحب السدس بكثرة ملكهما, فلو كتبنا لكل واحد رقعة سوينا بينهما ولا سبيل إلى ذلك, والفائدة في كتبه ثلاث رقاع لصاحب النصف أنه ربما يكون له غرض في أن يأخذ نصيبه من الأول, فإذا كتب له ثلاث رقاع فذلك لخروجه اسمه في الأول.
وإن كانت الأنصباء مختلفة والأجزاء مختلفة فإنه يعدل بين الأجزاء والقيمة, ثم يكتب اسم الملاك في ثلاث رقاع ويخرج على ما ذكرنا في القسم قبله سواء, إلا أن في ذلك القسم التعديل أن يكون بالأجزاء وهنا التعديل بالقيمة.
ثم قال الشافعي رضي الله عنه: ثم يسمي السهمان أولًا وثانيًا وثالثًا, يعني يسمى أحد الطرفين من الدار السهم الأول, ويسمى الذي يليه السهم الثاني ويسمى الذي يليه السهم الثالث, فإن قال قائل: ما بال الشافعي اقتصر في تسمية السهام على الأول والثاني والثالث وقد جعلت الدار ستة أجزاء فلم يذكر تسمية الرابع والخامس والسادس؟ قلنا: إنما اقتصر على الأول والثاني والثالث لوقوع الاكتفاء بتسميتها والاستغناء عن تسمية الرابع على ما بينا أنه إذا خرج سهم صاحب النصف فهو له والسهمان اللذان يليانه على ما شرحناه.
مسألة: قال: "وإذا كان في القسم رد لم يجز حتى يعلم كل واحد منهما موضع سهمه وما يلزمه ويسقط عنه".
قد ذكرنا حكم القسمة التي لا رد فيها, فأما القسمة التي فيها رد وهو أن يكون قراح فيه بئر أو نخلة أو شجر وغيرها, أو مجلس مبني لا يحتمل القسمة فيكون القراح قيمته مائة, وقيمة البئر أو النخل أو المجلس المبني مائتان فإن هذه القسمة لا يجبر واحد منهما عليها ولا بد فيها من أن يقرع بينهما بتراضيهما, فإذا خرجت القرعة على
أحدهما: كان بالخيار إن شاء رضي به مع الذي يرده, أو يأخذه ويكون المال الذي يرده على صاحبه معلومًا لهما وهو معنى قوله: وما يلزمه ويسقط عنه يعني ما يلزمه من العوض وما لا يلزمه, فإذا وقع الرضى بذلك بعد القرعة لزمهما وكان ذلك بمنزلة البيع هذا مذهب الشافعي رضي الله عن وقوله: أجزته لا بالقرعة أراد به أن هذه القسمة بيع قولًا واحدًا والبيع ولا يجوز بالقرعة وإنما القولين في قسمة [12/ 35 أٍ] ليس فيها رد هل هي بيع أو إفراز حق؟ وقال الاصطخري: إذا تراضيا على الإقراع فخرجت القرعة على أحدهما: لزمه كما نقول إذا كانت الأجزاء مختلقة القيمة ولا رد فيها وهذا غلط, لأن الأجزاء المختلفة إذا لم يكن فيها رد لا يعتبر التراضي وأجبر الممتنع منهما على القسم بخلاف هذا, فدل على الفرق بينهما.
وقال في "الحاوي": لهما في هذه المسألة أربعة أحوال إحداهما: إذا تراضيا بهذه القسمة ويتفقا على من يأخذ الأعلى ويرد من يأخذ الأدنى ويسترد فقد تمت القسمة بينهما بالمراضاة بعد تلفظهما بالتراضي لأن البيع لا يصح إلا باللفظ ويكون تلفظهما بالرضي جاريًا مجرى البذل والقبول ولهما خيار المجلس, وإن شرط في حال الرضى خيار الثلاث صح, وقال مالك: إذا كان الرد فيهما قليلًا صحت, وإن كان كثيرًا لا يصح وهذا لا يصح لأنها جارية مجرى البيع, ولا فرق بين القليل والكثير.
والثانية: أن يتنازعا في طلب الأغلى ويتزايدا ويتنازعا في طلب الأدنى ويتناقضا ثم يستقر الأمر بينهما على من يأخذ الأعلى ويرد من يأخذ الأدنى ويسترد فيتم هذه القسمة بالمراضاة ويبطل ما تقدم من تقويم القاسمين بما استقر بينهما من الزيادة أو النقصان.
والثالثة: أن يتنازعا أخذ الأعلى فيطلبه كل واحد من غير زيادة فلا يجبر ويقطع التنازع وتصير الأرض بينهما على الشركة كالجوهرة.
والرابعة: أن يتنازعا ويتراضيا بالقرعة وفي جواز الإقراع بينهما وجهان: أحدهما: لا يجوز لأنه بيع وليس في البيع إقراع, والثاني: يجوز تغليبًا لحكم القسمة واعتبارًا بالمراضاة فعلى هذا إن كان القاسم من قبل الحاكم فلا خيار لهما بعد القرعة, وإن كان من قبلهما ثبت لهما بعد القرعة خيار وفيه وجهان: أحدهما: أن يختار النصيب على الفور, والثاني: أنه كخيار مجلس يعتبر بالافتراق.
مسألة: قال: "ولا يجوز أن يجعل لأحدهما: سفلًا وللأخر علوًا".
الفصل
صور المسألة: أن تكون دار بين شريكين فطلب أحدهما: أن يقسم بينهما ويجعل العلو لأحدهما: والسفل للآخر لا يجبر على هذه القسمة؛ لأن العلو والبناء إنما يدخل
في القسمة تابعًا للعرصة ولا يدخل متبوعًا, ألا ترى أنه لو كان بين رجلين عرصة فطلب أحدهما: القسمة لم يجبر عليه فإذا أراد أن يجعل العلو لواحد والسفل لآخر يريد أن يجعل العلو والبناء متبوعًا في القسمة فلا يجبر على ذلك.
وقال في "الأم": في تعليل هذه المسألة لأن أصل الحكم أن من ملك السفل ملك ما تحته من الأرض وما فوقه من الهواء فإذا أعطي كل واحد منهما على غير أصل ما يملك الناس, وأيضًا فإن العلو مع السفل يجري مجرى الدارين المتلاصقين لأن كل واحد منهما مسكن منفرد, ولو كان بينهما دار ولم يكن لأحدهما: أن يطالب بأن يجعل إحدى الدارين نصيبً كذلك هنا.
وقول الشافعي رضي الله عنه: إلا أن يكون سفله وعلوه لواحد مشكل ومعناه لا يجوز أن يجعل لأحدهما سفلًا وللآخر علوًا ولا تصح القسمة إلا أن يكون سفل كل سهم وعلوه لواحد فأوجز المزني وأسقط هذا الاختيار, فإن تراضيا عليه جاز لأن أكثر ما فيه أن يكون بمنزلة الملكين المتجاورين ولو تراضيا في الملكين المتجاورين وأن يجعل لكل واحد دارًا منفردة لجاز كذلك هنا.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: يقسمه الحاكم بينهما فيجعل ذراعًا من السفل بذراعين من العلو لأن عنده صاحب العلو لا ينتفع بالقرار وصاحب السفل ينتفع بالقرار, وقال أبو يوسف: يقسمها ذراعًا بذراع, وقال محمد: أقسمه بالقيمة وهذا لأنها دار واحدة فإذا قسمها على ما تراه جاز وهذا غلط ما ذكرنا, وأما ما ذكروه لا يصح لأن الهواء لصاحب العلو وله أن يصنع به ما لا يضر بصاحب السفل, ولو طلب أحدهما: أن يقسم السفل بينهما ويترك العلو على الإشاعة لم يجز الآخر على ذلك لأن القسمة ترد لتمييز حق أحدهما: عن الآخر, وإذا كان العلو مشتركًا لم يحصل التمييز.
فرع
إذا كان في الأرض زرع وأراد أحد الشريكين قسمة الأرض نظر؛ فإن أراد قسمة الأرض دون الزرع أجبر الآخر عليها, لأن الزرع في الأرض كالفرش في الدار لا يمنع القسمة, ولا فرق بين أن يكون خرج الزرع أو لم يخرج, وإن أراد قسمة الزرع خاصة نظر, فإن كان حبًا لم يجز وكذلك إن كان حبًا مشتدًا لم يجز لأنه مجهول, وإن كان قد خرج ولم يصر حبًا حكي الشيخ أبو حامد: أنه لا يجبر الممتنع على القسمة لأنه لا يمكن تعديله ولأن الإجبار إنما يكون على ما يبقى ويدخر ولا يقصد بالزرع التبقية وقال القاضي الطبري: في هذا نظر وعندي أنه مبني على القولين, فإن قلنا: إنه إفراز حق يجبر وهذا أشبه لأنه إذا أمكن تعديله مع الأرض أمكن منفردًا, وإن أراد قسمة الأرض مع الزرع فإن كان الحب لم يخرج لم يجز لجهالته؛ ولأنه بيع الحب بالحب ومعهما غيرهما فلا يجوز,
وكذلك إن كان الحب اشتد في السنابل, وإن قلنا: إفراز حق أيضًا لأنه معلوم ومجهول, وإن كان الزرع أخضر جازت قسمته مع الأرض ويكون تبعًا لها ويجوز مطلقًا, ولو طلب أحدهما: أن يقسم الزرع مع الأرض قال بعض أصحابنا: لا يجبر أن لأن الإجبار على ما يبقى ويدخر والصحيح أنه على ما ذكرنا.
فرع آخر
اعلم أن الأرض المشتركة ضربان: أحدهما: أن تكون متساوية الأجزاء يدخلها قسمة الإجبار على ما ذكرنا, والثاني أن تكون مختلفة الأجزاء بعضها عامرًا وبعضهما خرابًا, أو بعضها قويًا وبعضها ضعيفًا أو في بعضها شجرًا وبناء فهو على ضربين:
أحدهما: أن يمكن التساوي الشريكين بالقسمة في جيده ورديئة مثل أن يكون الجيد في مقدمها والرديء في مؤخرها, فإذا قسمت نصفين صار إلى كل واحد الجيد والرديء على السواء فيجبر أيضًا.
والثاني: أنه لا يمكن تساويهما فهذا على أربعة أضرب: أحدهما: أن تقسم قسمة تعديل بالقيمة على زيادة الزرع مثاله: أن تكون الأرض ثلثين جربيًا وتكون عشرة أجربة من جيدها بقيمة عشرين جريبًا من رديها فيجعل أحد السهمين عشرة أجربة, والسهم الآخر عشرين جريبًا فهل يجبر؟ قولان: أحدهما: لا يجبر لتعذر التساوي في الزرع, والثاني: يجبر وهو اختيار أبي حامد لوجود التساوي في التعديل فعلى هذا في أجره القاسم وجهان: أحدهما: سواء لتساويهما في أصل الملك, والثاني: على صاحب العشرة ثلث الأجرة وثلثاها على الآخر لتفاضلهما في المأخوذ بالقسمة.
والضرب الثاني: أن يكون القسمة رد وقد ذكرنا فيها أربعة أقوال.
والضرب الثالث: أن تقسم الأرض بينهما بالسوية ويترك البناء والشجر على الشركة, فإن تنازعا فيه لم يجبر الممتنع, وإن تراضيا به دخل في الأرض قسمة الإجبار ما كانا مقيمين على هذا الاتفاق زالت قسمة الإجبار.
والضرب الرابع: أن يقسم القاضي الأرض بينهما بالسوية ويكون ما فيه الشجر والبناء بينهما على الشركة ففي حكم هذه الأرض إذا تميز بناؤها وشجرها عن بياضها وجهان؛ أحدهما: أن حكمهما حكم أرض واحدة لاتصالها فعلى هذا لا تدخل قسمة الإجبار في بياضها لأنها لا تدخل في شجرها وبنائها, والثاني: أن حكم شجرها وبنائها متميز عن حكم بياضها فصارت باختلاف الصفتين كالأرضين المفترقتين وتدخل قسمة الإجبار في البياض كما لو انفرد ولا تدخل قسمة الإجبار من البناء والشجر كما لو انفرد.
فرع آخر
لو كانت الأرض ما يصح فيها قسمة التعديل وقسمة الرد فدعا أحدهما: إلى قسمة التعديل ودعا الآخر إلى قسمة الرد فإن قلنا: يجبر على قسمة التعديل كان القول قول
من دعا إليها, وإن قلنا: لا يجبر لم يترجح قول واحد منهما ووقفت على مراضاتهما بأحدهما.
فرع آخر
قسمة الدار المشتركة تكون على الضروب الأربعة فإذا قسمت على إجبار أو تراض وكان لكل واحد من السهمين طريق منفرد يختص به أمضيت القسمة عليه وإن لم يكن لواحد منهما طريق إلا أن يجد من الملك ما يكون طريقًا لهما وجب أن يخرج من الملك قبل القسمة فيما يكون طريقًا لهما مشتركًا بينهما, ثم يقسم بعده ما عداه.
وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى إذا تنازع في عرفهم أن يجعل سبعة أذرع وروي أنه قال: إذا تنازعتم في طريق فاجعلوه سبعة أذرع, وهذا يجوز أن يكون محمولًا على عرف المدينة فإن البلاد تختلف طرقها بحسب اختلافها وقد يحتاج إلى الأكثر من هذا ويتحمل أنه قال على معنى الإرفاق والاستصلاح دون الحصر والتحديد وهذا في الطرق العامة, فأما في هذا الاستطراق الخاص بين هذين الشريكين, قال أبو حنيفة: تكون سعت بقدر ما تدخله الحمولة ولا يضيق بها, وعند الشافعي يكون معتبرًا بما تدعو الحاجة إليه في الدخول والخروج وما جرت العادة بحمل مثله إليها ولا يعتبر بسعة الباب لأنهما قد يختلفان في سعة الباب كما اختلفا في سعة الطريق ولأن طريق الباب في العرف أوسع من الباب.
مسألة: "قال وإذا ادعى بعضهم غلطًا كلمة البينة".
صورة المسألة: أن يقسم رجلان أرضًا ثم ادعى أحدهما: غلطًا عليه وإن لم يحصل له كمال حقه فلا يخلو إما أن يكون ذلك قسمة إجبار, أو قسمة مراضاة فإن كانت قسمة إجبار لم تقبل دعواه ويكون القول قول الشريك الذي يدعي أن حقه في يده مع يمينه لأن الظاهر من القسمة الصحة, ولا يحلف القاسم لأنه حاكم, وإن أقام البينة وهي أن يأتي بقاسمين عدلين أنه حيف عليه ونقص من حقه نقضت القسمة, لأن ذلك ليس بأكثر من الحكم ولو قامت البينة أن الحاكم غلط في حكمه نقض كذلك ههنا, وإن كانت قسمة مراضاة فإن كانا اقتسما لأنفسهما من غير قاسم لم تقل دعواه لأنه رضي بأخذ حقه ناقصًا وأقر باستيفاء حقه, وفي الدعوى يكذب نفسه فلا يقبل بخلاف المسألة الأولى لأنه أقر في فعل الغير فيقبل قوله: إني أقررت ورضيت على ظاهر أن الغيب مصيب فبان لي الخطأ.
فإن ادعى في هذه المسألة أن صاحبه يعلم الغلط قال بعض أصحابنا بخراسان: يلزمه اليمين أنه لا يعلم, وقال أيضًا: لو ادعى من حيث المشاهدة أن فيه غلطًا وأني