وإذا عمل الراوي بغير روايته لم يقدح في صحة الرواية؛ لأن أبا هريرة روى غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعاً، وأفتى بغسله ثلاثا، فعملوا على روايته دون فتياه، لجواز أن يكون قد نسى الرواية فأفتى بغيرها؛ وروايته حجة وفتواه ليست بحجةٍ.
وأما تفسير الراوي للحديث الذي رواه، فإن كان من الصحابة الذين سمعوا لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم وشاهدوا مخرج كلامه حمل على تفسيره، كما فسر ابن عمر- رضي الله عنهما- افتراق المتباعدين أنه بالأبدان دون الكلام، فحمل على تفسيره.
وإن كان هذا المحدث من دون الصحابة لم يكن تفسيره حجةً؛ لأنه وغيره سواء.
وأما أحوال الإسناد: فصحته معتبرة بثلاثة شروط أن يكون الإسناد متصلاً بالرسول صلى الله عليه وسلم، فإن كان مرسلاً أو منقطعاً لم ينجز.
والمرسل: أن يروى التابعي عنه صلى الله عليه وسلم وهو لم يشاهده ولا يريه عن صحابي شاهده.
والمنقطع أن يكون من الروايتين رجل لم يذكر، فالمنقطع لا يكون حجة، ووافقنا أبو حنيفة فيه.
والمرسل عن أبى حنيفة حجة وربما جعله أقوى من المسند لثقة التابعي بصحته في إرساله.
[113/ أ] ولا يكون عند الشافعي- رضي الله عنه- حجة، ولا يجوز العمل بت إذا انفرد حتى يسمى راوية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه قد يجوز أن يسمعه عن مثله من التابعين، ويجوز أن يسمعه عمن لا يوثق بصحته، وقد قال الشافعي: "ومرسل سعيد بن المصيب عندنا حسن"، وهذا لأنه ما أرسل حديثاً إلا وقد وجد مسنداً عن أكابر الصحابة رضي الله عنهم.
وأما رواية الصحابة فلا مرسل فيها؛ لأنه إن قال: سمعت فلا شبه في صحته، وإن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فالظاهر أنه عن سماعه منه، وإن سمعه من غيره فليس يرويه إلا عند مثله؛ لأن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم محكوم بعد التهم، وجميعهم مقبول الرواية عنه لقوله صلى الله عليه وسلم: "أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم".
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس كل ما حدثتكم بت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن سمعت وحدثني بت أصحابه.
فأجرى عليه أهل العلم وأصحاب الحديث أحكام المسند.
والثاني: أن تكون الرواية عن مسمى مشهور سمى بت، حتى لا يقع التدليس في اسمه، فإن لم يسمه وقال: أخبرني الثقة، وأخبرني من لا أتهم، لم يكن حجة في صحة النقل؛ لأنه قد يثق بت ويكون مجروحاً عند غيره.
فإن قيل: ذكر الشافعي مثل هذا.
قلنا: قد اشتهر من عناه بهذا، وأراد بمن يثق بت إبراهيم بن إسماعيل، فصار كالتسمية له وإن كان الأولى أن يصرح باسمه، لكنه ربما أشكل عليه في وقت الحديث اسم الرواة، وهو واحد في عدد ثقاتٍ، فيتخرج أن يسمى بت من لا يقطع بصحته، فعدل عنه إلا ما لأجرح فيه [114/ أ] فقال: أخبرني الثقة، فلا وجه لمن أنكره عليه من أصحاب الحديث مع ظهور العذر فيه.
والثالث: أن يعرف عدالة كل واحد من الرواة حتى يتصل ذلك بالصحابة، وليست رواية العدل عن غيره دليل على عدالته؛ لأن العدل قد يروى عن عدلٍ وغير عدلٍ.
وقال الشعبي في روايته: حدثني الحارث الأعور وكان والله كاذباً.
فإن قيل: (أفيجوز) أن يروى عن غير عدلٍ.
قيل: يجوز في المشاهير ولا يجوز في المناقير، ويجوز أن يروى المتقدم على المتأخر، فقد روى ابن سيرين، عن خالد الحذاء، عن أبى قالبة حديث القرعة، وسمع إبراهيم من الأعمش حديث قيام المأموم عن يمين الإمام.
وإذا كانت عدالة الرواة شرطاً في صحة الحديث، فحالهم ثلاثة أقسام: أحدها: أن يعلم عدالتهم فيحكم بصحة الحديث.
والثاني: أن يعلم جرحهم أو جرح أحدهم فلا يحكم بصحته.
والثالث: أن يجهل أحوالهم، فعند أبى حنيفة يقبل ما لم يعلم الجرح، وعند الشافعي لا يقبل إلا أن يعلم التعديل فيكشف عن عدالتهم.
فإن شهد قوم بالتعديل وقوم بالجرح، فالجرح أولى ولا يقبل الجرح حتى يذكر ما بت صار مجروحاً.
فإن وجدوه كذب في حديث يرد جميع أحاديثه المتقدمة، ووجب نقض ما عمل بت منها وإن لم ينقض بشهادة من حدث فسقه؛ لأن الحديث حجة لازمة لجميع الناس وفي جميع الإعصار، فكان حكمه أغلظ من الشهادة الخاصة، وفي تعديل الرواة وجهان:
أحدهما: أنه يجرى مجرى الخبر؛ لأنه حكم على غائب فلا يقبل في تعديله أقل من شاهدين.
وفي جواز أن يكون المحدث أحدهما [114/ ب] وجهان، كما لو عدل شهود الفرع شهود الأصل.
وأما الجرح فلا يقبل فيه أقل من شاهدين؛ لأنها شهادة على باطن مغيب.
فأما الصحابة رضي الله عنهم فلا يعتبر فيهم إلا صحبتهم، فإذا صحت قبلت أحاديثهم إذا خرجوا عمن اشتهر النفاق؛ لأن الله تعالى اختار لرسوله صلى الله عليه وسلم من رضي عنهم ووصفهم بالرحمة، فقال تعالى: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح: 29].
فأما من عرف من الرواة بالتدليس فصفتان: أحدهما: من عرف بتدليس متون الأحاديث، فهذا مجروح العدالة مطروح الأحاديث وهو ممن يحرف الكلم عن مواضعه.
والثاني: من عرف منه تدليس الرواة مع صدقة في المتون.
فقد حكي أن شريكاً وهشيماً والأعمش كانوا مدلسين.
وقيل: إن التدليس في أهل الكوفة أشهر منه في أهل البصرة، واتهم سفيان بن عيينة بالتدليس في حديثٍ رواه عن عمرو بن دينارٍ وكان بينه وبين عمرو بن دينار في ذلك الحديث ثلاثة رجالٍ، فقيل له بعد الرواية عنه من حدثك بهذا؟ فقال: حدثني على بن ألمديني، عن أبى عاصم، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار فاعله بعض أصحاب الحديث من أجل هذا، ونسب إلى التدليس وإن كان ثقة عدلاً.
ثم لا يخلو حال التدليس في أسماء الرواة من إحدى حالتين:
إحداهما: أن يكون في إبدال الأسماء بغيرها فيعدل عن اسم زيد بن خالد فيشمسه بعمرو بن بكر لنزول من عدل عن اسمه وارتفاع من عدل إلى اسمه، فهذا كذب يرد حديثه بت.
والثانية: أن يكون التدليس في إطراح اسم الراوي الأقرب وإضافة الحديث إلى من هو أبعد، كأذى حكي عن سفيان بن عيينة [في حديثه عن عمرو بن دينار] وبينهما في بعض [115/ أ] الأحاديث رجال، وإن سمع منه أكثرها فلا يكون هذا التدليس مجروحاً، ولكن لا يقبل حديثه إذا روى عن فلانٍ، حتى يقول: "حدثني" أو "أخبرني"، فإذا قال ذلك زال احتمال التدليس فيقبل حديثه.
وشدد بعض أصحاب الحديث حال التدليس، فيقبل حديثه حتى يقول: "سمعت"، ولا يقبله إذا قال: "حدثني" أو "أخبرني" كما يقبل من مالك، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما.
وأما القسم الخامس في نقل السماع فللراوي في نقل سماعه أربعة أحوالٍ: أحدها: أن يروى ما سمعه بألفاظه وعلى صفته.
والثاني: أن يروى معناه بغير لفظه.
والثالث: ينقصم.
والرابع: أن يزيد عليه.
فأما الحالة الأولى فلا يخلو مصدره من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون ابتداءً أو جواباً.
فإن كان ابتداءً وحكاه فقد أدى الأمانة فيه كقوله صلى الله عليه وسلم:"مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم".
وإن كان جواباً عن سؤال فهو على ثلاثة أضرب:
أحدهما: أن يكون الجواب مغنياً عن ذكر السؤال كما سئل الله صلى الله عليه وسلم عن التوضؤ بماء البحر، فقال:"هو الطهور ماؤه، الحل ميتته"، فالروي فيه مخير بين ذكر السؤال وتركه".
والثاني: يفتقر الجواب إلى ذكر السؤال كما سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال:"أينقص الرطب إذا يبس؟ " فقيل: نعم، فقال:"فلا يجوز أن يقتصر على رواية الجواب حتى يذكر السؤال؛ لأن قوله:"فلا إذاً" لا يفهم إلا بذكر السؤال.
والثالث: أن يكون إطلاق الجواب يحتمل أمرين، فإذا نقل السؤال بقى أحد الاحتمالين، كما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم [115/ ب] صلى الله عليه وسلم عن الناقة تذبح فيوجد في جوفها جنين ميت أيؤكل؟ فقال:"ذكىته ذكاه أمه".
فلو قاله ابتداءً لا حتما أن تكون ذكرته مثل ذكوة أمه، ويحتمل أن يستباح بزكاة أمه، فإذا ذكر السؤال صار الجواب محمولا على أنه بسباح في هذا من هو أصل الخبر كالصحابي ومن تفرغ عليه من التابعين ومن دونهم.
والحالة الثانية: أن يروى معنى الحديث بغير لفظة، فهو ثلاثة أضرب:
أحدها: أن يكون في الأوامر والنواهي كقوله صلى الله عليه وسلم:"لا تبيعوا الذهب بالذهب"، فيروى: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الذهب بالذهب إلا سواء بسواء.
وبقوله صلى الله عليه وسلم:"اقتلوا الأسودين في الصلاة"، فهذا جائز؛ لأن افعل أمر ولا تفعل نهى، وكان الراوي فيهما مخيراً، وسترى في هذا التخيير من كان أصل الخبر من الصحابة، ومن صار فارغاً فيه كالتابعين ومن بعدهم.
والثانية: أن يكون في نقل كلامٍ قاله بألفاظ ويكون الكلام يحتمل الألفاظ أو خفي المعنى، كقوله صلى الله عليه وسلم:"لا طلاق في الإغلاق".
فينبغي أن ينقله بلفظه ولا يعبر عنه بغيره [ليكون مات ضمنه من الاحتمال والخفاء] فإنه لم يذكره محملاً ولا خفياً إلا لمصلحة وليكل استنباطه إلى العلماء.
والثالث: أن يكون المعنى جلياً غير محتمل، كقوله صلى الله عليه وسلم:"الخير كثير وقليل فاعله"، فلا يجوز لمن سمع كلامه من التابعين ومن بعدهم أن يورد المعنى بغير لفظه حتى ينقل اللفظ على صفيته، ويورد المعنى [116/ أ] بألفاظه.
وهل يجوز لمن شاهده صلى الله عليه وسلم من الصحابة وعرف مخرج كلامه، أن يورد المعنى بغير لفظة؟ وجهان لأصحابنا: أحدهما: لا يجوز كغيره من التابعين.
والثاني: يجوز له؛ لأنه أعرف بفحواه من غيره.
وقال صاحب"الحاوي": والذي أراه أنه كان يحفظ اللفظ لم ينجز أن يرويه بغير لفظه؛ لأن في كلام الرسول صلى الله عليه وسلم من الفصاحة ما لا يوجد في كلام غيره، وإن لم يحفظ اللفظ جاز أن يورد معناه بغير لفظه؛ لأن الراوي قد يحمل أمرين؛ اللفظ والمعنى، فإن قدر عليهما لزم أداءهما وإن عجز عن اللفظ وقدر على المعنى لزم أداؤه لئلا يكون مقصراً في نقل ما تحمل، فربما تعلق بالمعنى من الأحكام ما ليجوز أن يكتمه، وقد قال الله تعالى: ﴿ولا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: 283] الآية.
والحالة الثالثة: أن ينقص من ألفاظه، وهذا على ثلاثة أضرب:
أحدها: أن يصير الباقي منه مبتزا لا يعلم معناه فليصح ذلك منه، وعليه أن يستوفيه لتتم فائدة الخبر.
والثاني: أن يكون الباقي مفهوماً ولكن يكون ذكر المتروك يوجب اختلاف الحكم في المذكور، مثل قوله صلى الله عليه وسلم لأبى بردة بن تيار وقد ضحى قبل الصلاة قال:"أعد أضحيتك"، فقال: ليس عندي إلا جزعة من المعز، فقال:"تجزيك ولا تجزئ أحداً بعدك".
فلو روى الناقل:"تجزيك" لفهم أنها تجزي جميع الناس، فلما قال:"ولتجزي أحداً بعدك"، دل على اختصاصه بهذا الحكم فلا يجوز تركه وإن كان ما (رواه) مفهوماً.
والثالث: أن يكون الباقي مفهومًا مستقل الحكم، كقوله صلى الله عليه وسلم: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته"، فيجوز أن يقتصر [في الرواية على أحدهما] فيروي: "هو الطهور ماؤه" أو يروي "الحل ميتته" لأنهما كلمات فلم يلزم الجميع [116/ ب] بينهما في الرواية إلا أن يتعين عليه فرصة الإبلاغ عند الحاجة إليه فيلزمه أداء ما تحمل كالشاهد.
والحالة الرابعة: أن يزيد في الخبر، وهو على ثلاثة أضربٍ: أحدهما: أن تكون الزيادة شرحًا للحال كما نهى صلى الله عليه وسلم عن تقلي الركبان، وأن يبيع حاضر لبادٍ، فيزيد فيه ذكر السبب الذي دعاه إلى هذا القول فيصح هذا من الصحابي؛ لأنه قد شاهد الحال دون التابعي.
والثاني: أن تكون الزيادة تفسيرًا لمعنى الكلام كنهيه صلى الله عليه وسلم عن المحاقلة والمزابنة، فيجوز للراوي من صحابي وتابعي أن يفسر معناها في روايته، فتصير الزيادة تفسيرًا فيجوز، ولكن إن فسرها الصحابي لزم قبول تفسيره بغير دليلٍ، وإن فسرها التابعي لم يلزم قبوله إلا بدليل.
والثالث: أن تخرج الزيادة عن شرح السبب وتفسير المعنى فما هي إلا كذب صريح، وقد نزه الله تعالى عن صحابة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار".
وأما الأصل الثاني من أحكام المتون المنقولة والسنن المروية، فجمع ما ذكرنا أن كتاب الله تعالى يشتمل عليه من الأقسام الستة وهي العموم والخصوص، والمفسر والمجمل، والمطلق والمقيد، والإثبات والنفي، والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ فمثلها موجود في السنة وأحكامها على ما ذكرناه في الكتاب.
ثم تختص السنة بأصول تشتمل عليها ثلاثة أقسام؛: ما يؤخذ من السنة والثاني ما يجب بيانه بالسنة والثالث ما يلزم العمل به من السنة فأما الأول عن الرسول صلى الله عليه وسلم من ثلاثة أوجهٍ أحدها: [117/ أ] من قوله.
والثاني: من فعله.
والثالث: من إقراره.
فأما أقواله فهو مطاع فيها، قال الله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء:59] الآية.
وهي على أربعة أضربٍ؛ أمر، ونهي، وخبر، واستخبار فيطاع في أوامره ويتبع في نواهيه ويصرف في خبره ويجاب عن استخباره.
ثم ينقسم قسمين؛ أحدهما: ما ابتدأه.
والثاني: ما كان جوابًا عن سؤال.
فأما المبتدأ من قوله فيشتمل على خمسة أقسامٍ؛ عبادات، ومعاملات، وترغيب، وترهيب وتأديب.
فأما العبادات: فتردد بين وجوب وندبٍ.
وأما المعاملات: فتردد بين إباحةٍ وحظرٍ.
وأما الترغيب بالثواب فداعٍ إلى الطاعة.
وأما الترهيب بالعقاب فزاجر عن المعصية.
وأما التأديب: فباعث على الجملة والألفة.
وبهذا تتم مصالح الدين والدنيا.
وأما ما كان جوابًا عن سؤالٍ فينقسم ثلاثة أقسامٍ:
أحدها: ما قابل السؤال فلم يزد عليه ولم ينقص منه، كما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاستطاعة في الحج، فقال: "زاد وراحلة"، وهذا حد الجواب أن يكون مطابقًا للسؤال.
والثاني: أن يكون الجواب أزيد من السؤال، كما سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ماء البحر فقال: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته"، فتكون الزيادة على السؤال بيان شرع مبتدأ.
والثالث: أن يكون الجواب أنقص [من السؤال] فله أربعة أحوال:
أحدها: أن يكون نقصان الجواب لخطأ السائل، كما سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يلبس المحرم، فقال: "لا يلبس قميصًا ولا عمامة".
والثاني: أن يكون في كتاب الله تعالى بيان كيفية السؤال، كما سأل عمر -رضي الله عنه- رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكلالة فقال: [117/ ب] "يكفيك آية الصيف".
والثالث: أن يكون في بعض الجواب تنبيه على بقية الجواب، كما سُئل عمر عن قبلة الصائم، فقال: أرأيت لو تمضمضت.
والرابع: أن يكون لتوقفٍ عنه، فإن لم يكن له تعلق بالديانات لم يلزمه إتمام الجواب، وإن كان له تعلق بالديانات لزم إتمام الجواب لما فيه من إظهار دين الله تعالى، وليس يتوقف إلا ليتوقع أمر الله تعالى وبيانه، كما سأله صلى الله عليه وسلم أشيد بن حضير عن الحيض، فتوقف حتى نزل فيه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222] الآية.
وأما أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم فضربان: أحدهما: ما يتعلق بالديانات كأكله ومشربه وملبسه فيدل على الإباحة، لأن أفعاله صلى الله عليه وسلم تتردد بين الحسن والجائز، ولا يفعل ما يقبح في العقل أو يكره في الشرع، فيكون التآسي به أبرك من المخالفة له، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21]، إلا أن يقوم دليل على اختصاصه بالإباحة، كما في الناكح فلا يجوز إتباعه فيه.
والثاني: ما اختص بالديانات فله ثلاثة أحوالٍ:
أحدها: أن يأمر بإتباعه فيها، كما قال صلى الله عليه وسلم: "صلوا كما رأيتموني أصلى".
وقال صلى الله عليه وسلم في الحج: "خذوا عني مناسككم".
فيكون إتباعه فيها فرضًا لاقتران أمره بفعله.
والثانية: أن ينهى عن إتباعه فيها، كما نهى صلى الله عليه وسلم عن الوصال وانتهى الناس، ثم إنه صلى الله عليه وسلم واصل فواصلوا، فقال صلى الله عليه وسلم: "إني لست مثلكم، إني أطعم وأسقى".
فلا يجب علينا إتباعه فيه لنهيه، وهذا كله على ثلاثة أضرب: أحدها: ما كان له مباحًا وعلينا محظورًا كالمناكح.
والثاني: ما كان له مستحبًا ولنا مكروهًا كالوصال.
والثالث: [118/ أ] ما كان عليه فرضًا وعلينا ندبًا، كالسواك والوتر والأضحية وغيرها كما في الخبر.
والحالة الثالثة: أن تتجرد أفعاله عن أن يأمر بها أو ينهى عنها، فإتباعه فيها ندب، وهل يكون فرضًا أو مستحبًا؟ فيه وجهان: قال الأكثرون: يستحب إلا أن يقترن بها أمر؛ لأنه قد كان يستيسر بكثير من أفعاله، فلو كان إتباعه فيها فرضًا لأظهرها كما أظهر أقواله ليكون البلاغ بها عامًا.
والثاني: إتباعه فيها فرض ما لم ينه عنه.
وروي أن رجلًا أرسل إلى أم سلمة يسألها عن قبلة الصائم، فقالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قبل وهو صائم.
فقال الرجل: لسنا كرسول الله صلى الله عليه وسلم، إن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأعاد زوجته لتسأل، فذكرت أم سلمة ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إني لأرجو أن أكون أتقاكم لله وأعلمكم بحدوده" فدل على وجوب إتباعه في أفعاله.
وأما إقرار رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما أقرهم عليه من بياعاتٍ ومعاملاتٍ، ومأكولٍ ومشروبٍ، وأبنية ومقاعد في الأسواق، فجميعها في الشرع مباح؛ لأنه لا يستجيز أن يقر الناس على منكرٍ محظورٍ، كما وصفه الله تعالى في قوله: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ [الأعراف: 157] الآية، فدل أن ما أقر عليه خارج عن المنكر وداخل في المعروف.
واختلف العلماء في حكم الاستباحة لذلك بعد الإقرار عليه على وجهين: أحدهما: أنها مستباحة بالعرف المتقدم دون الشرع.
والثاني: أنها مستباحة بالشرع حتى أقروا.
وهذا الوجهان من الاختلاف في أصول الأشياء قبل مجيء الشرع، هل كانت على الإباحة حتى حظرها الشرع، أو كانت على الحظر حتى أباحها الشرع.
وأما القاسم الثاني فيما يجب بيانه بالسنة [118/ ب] فعلى أربعة أضربٍ:
أحدها: ما لزمه بيانه في حقوق الله تعالى وحقوق عباده، وهو بيان ما أجمله الله تعالى في كتابه العزيز من الصلاة والزكاة، فالرسول صلى الله عليه وسلم مأخوذ ببيانه في حق الله تعالى ليقام بحقه فيها، ومأخوذ بيانه في حقوق العباد ليعلموا ما كلفوا منها.
والثاني: ما لزم الرسول صلى الله عليه وسلم بيانه في حقوق الله تعالى دون عباده، وهو تخصيص العموم يلزم بيانه في حق الله تعالى لاستثنائه له، ولا يلزم في حقوق العباد؛ لأنهم على العموم ما لم ينقلوا عنه.
والثالث: ما لزمه بيانه في حقوق العباد دون حقوق الله تعالى، وهو ما يستحق الثواب بفعله ولا يجب العقاب بتركه، كنوافل العبادات وأفعال القلوب.
والرابع: ما اختلف فيه وهو ما استأنف الرسول صلى الله عليه وسلم بيانه من الأحكام التي ليست في كتاب الله تعالى، كالحكم بالشفعة للجار، والقضاء بالدية على العاقلة، وإعطاء السلب للقاتل، وأن لا ميراث لقاتل ونحو ذلك، فيلزم الرسول صلى الله عليه وسلم بيانه في حقوق
العباد، لأنه لا طريق لهم إلى العمل إلا منه، وفي لزوم بيانها في حقوق الله تعالى وجهان مبنيان على اختلاف أصحابنا في أنه هل يجوز للرسول صلى الله عليه وسلم أن يحكم فيها باجتهاده؟ وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأن الاجتهاد فضيلة، فكان النبي صلى الله عليه وسلم بها أحق، والدليل عليه أيضًا قصة داود وسليمان -صلّى الله عليهما- في حكم الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم، فعلى هذا يكون هذا البيان لازمًا في حقوق الله تعالى.
[119/ أ] والثاني: ليس له الاجتهاد؛ لأنه لا يسوغ الاجتهاد مع وجود النص وأوامر الله تعالى نصٌ، وعلى هذا لا يكون هذا البيان لازمًا في حقوق الله تعالى.
وقال صاحب "الحاوي": "الأصح عندي من إطلاق هذين الوجهين في اجتهاده أن يكون اجتهاده معتبرًا بالحكم، فإن كان مما يشارك فيه أمته، كنهيه عن الكلام في الصلاة، وكنهيه صلى الله عليه وسلم عن الجمع بين المرأة وعمتها لم يكن له أن يجتهد فيه حتى يأخذه عن أمر الله تعالى ووحيه، كما قال صلى الله عليه وسلم لابن مسعود - رضي الله عنه: "إن الله تعالى يحدث من أمره ما يشاء، وأن مما أحدث أن لا تتكلموا في الصلاة".
وإن كان مما لا يشارك فيه أمته، كقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ميراث لقاتل" وكحده صلى الله عليه وسلم لشارب الخمر، جاز أن يحكم فيه برأيه واجتهاده، وإنما كان كذلك لأن الأحكام هي إلزام من أمر المأمور فما دخل فيه أن يكون مأمورًا به، وما لم يدخل فيه جاز أن يكون آمرًا به؛ لأن المأمور غير الآمر".
وأما القسم الثالث فيما يلزم به من السنة فنقول: السنة إذا جاءت بحكمٍ فلا يخلو من أحد أمرين؛ إما أن تنفرد السنة بذلك الحكم، أو يقترن بها فيه أصل آخر.
فإن انفردت بذلك الحكم وجب العمل بها في التزام ذلك الحكم؛ لأنها أصل في أحكام الشرع سواء وافقها القياس أو لا.
وقال أبو حنيفة: إن خالفت القياس الذي لا يحتمل كان العمل على القياس أولى من الأخذ بالسنة وهذا لا يصح؛ لأن القياس فرع السنة ولا يجوز [119/ ب] أن يكون رافعًا للسنة.
وإن اقترن بالسنة في ذلك الحكم أصل آخر فهو على ثلاثة أضربٍ، كتاب الله تعالى، والسنة، والإجماع.
فأما الأول: فلا يخلو الكتاب من أن يكون موافقًا لحكم السنة أو منافيًا له.
فإن كان موافقًا له صار ذلك الحكم ثابتا بأصلين الكتاب والسنة.
ونظر فيهما فإن تقدمت السنة به على الكتاب كان وجوبه بالسنة والكتاب مؤكدًا، وإن تقدم الكتاب به على السنة كان وجوبه بالكتاب والسنة.
وإن كان الكتاب منافيًا للسنة في ذلك الحكم فأثبته أحدهما ونفاه الآخر فهو على ثلاثة أضربٍ: أحدها: أن يتقدم الكتاب فيكون العمل على الكتاب دون السنة؛ لأن الكتاب لا ينسخ بالسنة.
والثاني: أن تتقدم السنة على الكتاب، فيكون العمل عند الشافعي بالسنة دون
الكتاب؛ لأن عنده السنة لا تنسخ بالكتاب، وعلى قول ابن سريج يكون العمل على الكتاب دون السنة، وتكون السنة منسوخة بالكتاب.
والثالث: وإن وردا موردًا واحدًا ولا يتقدم أحدهما على الآخر، فلأصحابنا فيه ثلاثة أوجهٍ:
أحدها: يؤخذ فيه بكتاب الله تعالى؛ لأنه أصل السنة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "ما آتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله تعالى، فإن وافقه فاعرضوه على كتاب الله تعالى، فإن وافقه فاعملوا به، وإن خالفه فاتركوه".
والثاني: يؤخذ بحكم السنة لاختصاصها بالبيان، فالله تعالى يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: 7].
والثالث: يجب التوقف عنهما حتى يقوم الدليل على ثبوت أحدهما.
وقال صاحب "الحاوي": [120/ أ] "والصحيح عندي أن ينظر في حكم السنة، فإن كان تخصيصًا حمل على السنة؛ لأن عموم الكتاب مخصوص بالسنة، وإن كان نسخًا عمل على الكتاب دون السنة؛ لأن الكتاب لا ينسخ بالسنة".
وأما الضرب الثاني في مقابلة السنة بالسنة، فإن اتفقا وكان الفعل فيهما موافقًا للقول، تأكد الحكم باجتماعهما فيه ووجب العمل به، وإن تنافيا فيه وكان الفعل في السنة مخالفًا للقول، مثل أن يرد عن الرسول صلى الله عليه وسلم قول فيعمل بخلافه، والأحكام قد توجد من فعله كما توجد من قوله، فهذا على ثلاثة أضربٍ:
أحدها: أن يمكن استعمالهما على ما لا يتنافيان، مثل نهيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بعد العصر، ثم صلى بعد العصر.
فحمل نهيه عن الصلاة التي لا سبب لها، ويحمل فعله على الصلاة التي لها سبب فيجب العمل بها، ويحمل كل واحدٍ منهما على ما يوجبه استعماله.
والثاني: أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم مخصوصًا بذلك الفعل، كما بين اختصاصه بالوصال بعد نهيه عنه فيؤخذ بعموم نهيه صلى الله عليه وسلم، ويعدل عن عمومه في حقه بفعله.
والثالث: أن لا يمكن استعمالهما ولا يبين اختصاصه بأحدهما، فهذا يوجب أن يكون المتأخر منهما ناسخًا للمتقدم، والظاهر من مذهب الشافعي -رضي الله عنه- أن القول لا ينسخ إلا بالقول، والفعل لا ينسخ إلا بالفعل.
وقال بعض أصحابنا: يجوز نسخ كل واحد منهما بالآخر؛ لأن كل واحد منهما سنة يؤخذ بها.
وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في السارق: "فإن عاد في الخامسة فاقتلوه"، ثم رفع [120/ ب] إلى النبي صلى الله عليه وسلم في المرة الخامسة فلم يقتله، فدل على أن القتل منسوخ.
وقال صلى الله عليه وسلم: "الثيب بالثيب جلد مائةٍ والرجم"، ثم رجم ماعزًا ولم يجلده، فدل على أن الجلد منسوخ، فعلى مذهب من جوز نسخ القول بالفعل جعل فعله المتأخر ناسخًا لقوله المتقدم.
وعلى الظاهر من مذهب الشافعي أن القول لا ينسخ بالفعل، لكن يستدل بفعله المخالف لقوله على أنه قد تقدم على فعله قول فنسخ القول الأول، ثم ورد فعله المخالف بعد قوله الناسخ، فاقتصر الناس على نقل الفعل دون القول لظهور النسخ فيه.
فإن لم يعلم المتقدم من المتأخر عدل عنهما إلى عمل الصحابة بأحدهما، وكان عمله بأحدهما دليلًا على نسخ الآخر، وإن لم يكن في العمل بيان وجب التوقف عنهما حتى يقوم الدليل على ثبوت أحدهما.
وأما الضرب الثالث: في مقابلة السنة بالإجماع فهو على ثلاثة أضربٍ: أحدها: أن يكون الإجماع موافقًا للسنة في العمل بها، كما قال صلى الله عليه وسلم: "لا ميراث لقاتل، ولا وصية لوارث"، فيكون الحكم ثابتًا بالسنة والإجماع دليل على صحة النقل، فيصير هذا الخبر في حكم المتواتر وإن لم يكن متواترًا.
والثاني: أن ينعقد الإجماع على خلاف السنة، فيدل ذلك على أنها منسوخة أو نقلها غير صحيح، فيكون ذلك موجبًا لترك السنة والعمل على الإجماع.
والثالث: أن يعمل فيها بعض الصحابة ويتركها بعضهم، فالعمل بالسنة واجبٌ [121/ أ] وإن تركها بعضهم؛ لأن التارك لها محجوج بها.
ولو رويت سنة لمن غاب عن الرسول صلى الله عليه وسلم فعمل بها ثم لقيه هل يلزمه سؤاله عنها؟ فيه وجهان: أحدهما: يلزمه ليكون على يقين من وجوب العمل بها.
والثاني: لا يلزمه؛ لأنه لو لزمه السؤال إذا حضر للزمه الهجرة إذا غاب.
وقال صاحب "الحاوي": "الصحيح عندي أن وجوب السؤال مختلف باختلاف السنة، فإن كانت تغليظًا لم يلزمه السؤال، وإن كانت ترخيصًا لزمه السؤال؛ لأن التغليظ التزام والترخيص إسقاط".
وإذا ظفر الإنسان براوي حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعلق بالسنن والأحكام، فإن كان من العامة المقلدين لم يلزمه سماعه؛ لأن فرضية السؤال عن نزول الحوادث به، وإن كان من الخاصة المجتهدين لزمه سماع الحديث ليكون أصلًا في اجتهاده، ونقل السنن من فروض الكفايات، فإذا نقلها من فيه كفاية سقط فرضها عن الباقين [وإذا قصر ناقلوها عن الكفاية] وإلا خرجوا أجمعين.
والذي يدخل في فرض الكفاية من قبلت منه الرواية دون من لم تقبل، وعلى محتمل السنة أن يرويها إذا سئل عنها، ولا يلزمه روايتها إذا لم يُسئل، إلا أن يجد الناس على خلافها فيلزمه روايتها ليعملوا بها.
وأما الأصل الثالث من أصول الشرع وهو الإجماع: والإجماع أن يستفيض إثبات أهل العلم من دلائل الأحكام وطرق الاستنباط على قولٍ في حكم لم يختلف فيه أهل عصرهم، وتكون استفاضته عند أمثالهم من أهل العلم بعد عصرهم، فتعتبر الاستفاضة
عن أهل العلم، وفي أهل العلم [121/ ب] ولا يكون لقول من خرج عن أهل العلم تأثير من وفاقٍ أو اختلافٍ، فهذا حد الإجماع وهو حجة في الأحكام.
وأنكر قوم مكان الإجماع وإن كان دليلًا، وأنكر قوم أن يكون دليلًا وإن أمكن، وقد دللنا على بطلانه فيما تقدم، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: 15] فدل أمره بإتباعهم على إمكان اتفاقهم ووجوب إجماعهم، ثم نهى الله تعالى عن مخالفتهم بقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: 115]، فصار محظورًا ثم أكده بقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103].
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الأمة المجتمعة حجة على من شذ عنها"، ثم أخبر أنهم لا يجتمعون إلى على حق، فقال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110] الآية.
ثم جعل أهل كل عصرٍ حجة على من بعدهم من الإعصار ليستديم الإبلاغ، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143].
ثم اختلف العلماء في أمة كل نبي هل يكون اجتماعهم حجة؟ فقال بعض المتكلمين: إجماع غير هذه الأمة لا يكون حجة، وبه قال ابن أبي هريرة؛ لأن اليهود والنصارى أجمعوا على قتل عيسى - عليه السلام- وأخبر الله تعالى بكذبهم.
وقال آخرون منهم: يكون حجة على من بعدهم من أمتهم؛ لوجوب العمل بشرائع الأنبياء في عصرٍ بعد عصرٍ ما لم يرد نسخًا.
وأما إجماعهم على قتل عيسى -عليه السلام- فإنما أجمعوا على نقل القتل المأخوذ عن آحاد [122/ أ] فتعترضهم الشبهة ويجوز عليهم الكذب، والإجماع في النقل حق وإن كان القتل باطلًا.
وعلى هذا تعلق بالإجماع أربعة أحكام إمكان وجوده، ولزوم حجته، واشتماله على الحق، ووجوده في كل عصر.
ثم الكلام فيه يشتمل على أربعة فصولٍ:
أحدها: ما ينعقد عنه الإجماع.
والثاني: ما ينعقد به الإجماع.
والثالث: ما يستقر به الإجماع.
والرابع: في معارضة الاختلاف والإجماع.
فأما الأول فهو ينعقد عن دليلٍ أوجب اتفاقهم عليه؛ لأن ما لا يوجب له يتعذر الاتفاق فيه، والدليل الداعي إليه يكون من سبعة أوجهٍ:
أحدها: أن ينعقد عن تنبيه من كتاب الله تعالى، كإجماعهم على أن ابن الابن في الميراث كالابن.
والثاني: أن ينعقد عن استنباط من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، كإجماعهم على توريث كل من الجدتين السدس.
والثالث: أن ينعقد عن الاستفاضة والانتشار، كالإجماع على أعداد الركعات وترتيبها في الركوع والسجود.
والرابع: أن ينعقد عن العمل به، كالإجماع على نُصب الزكوات.
والخامس: أن ينعقد عن المناظرة والجدال، كإجماعهم على قتال ما نعى الزكاة.
والسادس: أن ينعقد عن توقيف، كإجماعهم أن الجمعة تسقط فرض الظهر.
والسابع: أن ينعقد عن استدلال وقياس، كإجماعهم على أن الجواميس في الزكاة كالبقر.
فإن تجرد الإجماع عن دليل يدعو إليه ووجد الاتفاق عليه فهل يصح وينعقد؟ قال جماعة من أهل العلم: يجوز لقوله صلى الله عليه وسلم: [122/ ب] "ما رأه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن".
وهذا قول من جعل الإلهام دليلًا.
وقال الجمهور: لا يجوز أن ينعقد إلا بدليلٍ؛ لأن إثبات الشرع بغير دليل لا يجوز، ولأن اتفاق الكافة بغير سبب لا يوجد.
وإذا انعقد الإجماع عن أحد أدلته، فهل يقطع بصحته؟ وجهان:
أحدهما: أنه يقطع بصحته لقيام الحجة به.
والثاني: أن الإجماع غير معصومٍ عن السهو والغلط اعتبارًا بأهله في انتفاء العصمة عن آحادهم، فكذلك عن جماعتهم، ولا يكون قيام الحجة موجبًا لعصمته، كما تقوم الحجة بخبر الواحد وإن كان غير معصومٍ.
وأما ما ينعقد به الإجماع فانعقاده معتبرٌ بأربعة شروطٍ:
أحدها: أن يعتبر فيه قول الخاصة من أهل العلم دون العامة، لقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: 18]، فخص أهل العلم بهذه المنزلة، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "العلماء ورثة الأنبياء".
وروي أن أبا طلحة الأنصاري -رضي الله عنه- خالف الصحابة وقال: البرد لا يفطر الصائم؛ لأنه ليس بطعامٍ ولا شرابٍ.
فردوا قوله ولم يعتدوا بخلافه؛ لأنه كان من عامة الصحابة دون علمائهم.
والثاني: يعتبر فيه قول علماء الأمصار كلهم.
وقال مالك رحمه الله: الإجماع معتبر بأهل المدينة وهذا باطل؛ لأن الأحكام مستنبطة من الكتاب والسنة لا من الأمكنة، وقد قال تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 59]، ولم يأمر برده إلى أهل المدينة.
والثالث: أن لا يظهر في أحدهم الخلاف فيه، فإن تظاهر أحدهم [123/ أ] بخلافٍ، فإن كان يدفع خلافه نصٌّ كان خلافه مرتفعًا والإجماع بغيره ينعقد، كما خالف ابن مسعود -رضي الله عنه- الصحابة في الفاتحة والمعوذتين ولم يجعلهن من القرآن، فلا يعتد بخلافه لوجود النص، وقد انعقد الإجماع على أنهن من القرآن.
وكما
ذهب حذيفة بن اليمان إلى أن أول الصوم أسفار الصبح، فلم يعتد بخلافه وأجمعوا على أن أوله من طلوع الفجر.
وإن كان لا يدفع قول مخالفيه نصٌّ فيكون خلافه مانعًا من انعقاد الإجماع، سواء كان من أكابر أهل العصر أو من أغرهم سنًا، كما خالف ابن عباس -رضي الله عنه- جميع الصحابة في العول، وقال:"من شاء باهلته عند الحجر الأسود"، فصار خلافه خلافًا والإجماع بخلافه مرتفعًا.
وقال أحمد: خلاف الواحد لا ينقص الإجماع، ويكون محجوجًا بمن عداه، وهذا غلط؛ لأن أبا بكر -رضي الله عنه- خالف جميع الصحابة في قتال أهل الردة، ثم بان الحق معه، وقد قال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء﴾ [البقرة: 269].
والرابع: أن ينتشر في جميع أهل العصر فيكونوا فيه بين معترفٍ به أو راض له، فإن انتشر فيهم فأمسكوا عنه من غير أن يظهر منهم اعترافٌ أو رضي فهو ضربان:
أحدهما: أن يكون في عصر الصحابة.
والثاني: أن يكونوا في غيره من الأعصار.
فإن كان ذلك في غير عصر الصحابة فلا يكون انتشار قول الواحد منهم مع إمساك غيره إجماعًا ولا حجة؛ لأنهم قد يعرضون عما لا يتعين فرضه عليهم.
وإن كان في عصر الصحابة الذي قد خصَّه الله تعالى بفضل أهله، وقال صلى الله عليه وسلم: "أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم" فإذا قال الواحد منهم قولًا أو حكم به فأمسك الباقي فهو على ضربين: أحدهما: أن يكون مما يخاف [123/ ب] فوت استدراكه، كإراقة دمٍ أو استباحة فرج فيكون إجماعًا؛ لأنهم لو اعتقدوا خلافه لأنكروه، إذ لا يصح منهم أن لا يتفقوا على إقرار منكرٍ، وإن كان مما لا يفوت استدراكه كان حجة؛ لأن الحق لا يخرج عن عصرهم، وفي كونه إجماعًا يمنع من الاجتهاد وجهان لأصحابنا:
أحدهما: يكون إجماعًا لا يسوغ معه الاجتهاد؛ لأن عدم الخلاف مع الانتشار يمنع من إثبات الخلاف.
والثاني: لا يكون إجماعًا والاجتهاد معه جائز؛ لأن من نسب إلى ساكتٍ قولًا أو اعتقادًا فقد افترى عليه.
وإن لم ينتشر في كلهم ولا يرد فيه خلافٌ من أحدهم لا يكون إجماعًا، وهل يكون حجةً يعتبر بما يوافقه من قياس أو يخالف؟ فله أربعة أحوالٍ:
أحدها: أن يكون القياس موافقًا لقوله فيكون قوله حجة بالقياس.
والثانية: أن يكون قوله مخالفًا للقياس الجلي، فالعمل بالقياس الجلي أولى.
والثالثة: أن يكون مع قول الصحابي قياس جلي، ويخالف قياسٌ خفيٌّ فقوله مع القياس الجلي أولى.
والرابعة: أن يكون مع قوله قياسٌ خفي ويخالفه قياس جلي.
قال في "القديم": قوله مع القياس الخفي أولى وألزم من القياس الجلي؛ لأن
الصحابة أهدى إلى الحق، ثم رجع وقال في "الجديد": القياس الجلي أولى بالعمل من قوله مع القياس الخفي؛ لأنهم كانوا يحاجون بالقياس حتى قال ابن عباس رضي الله عنه: ألا يتقي الله زيد بن ثابت، يجعل ابن الابن ابنًا ولا يجعل أب الأب أبًا.
فإذا لزمهم العمل بالقياس كان لغيرهم ألزم.
وأما ما يستقر به الإجماع فيعتبر بأربعة شروطٍ.
أحدها: العمل باتفاقهم عليه، سواء اقترن بقولهم عمل أو لا.
وقال بعض الناس: لابد أن يقترن به عمل؛ لأن العمل تحقيق [124/ أ] للقول، وهذا لا وجه له؛ لأن حجج الأقوال أكثر من حجج الأفعال، وإن انفراد كل واحدٍ منهما كان حجة فلا يلزم اجتماعهما إذا لم يختلفا.
فإن تجرد الإجماع في القول عن عمل يوافقه أو يخالفه كان القول إجماعًا، وإن تجرد الإجماع في العمل عن قول يوافقه أو يخالفه كان إجماعًا.
ولو أجمعوا على القول واختلفوا في العمل بطل الإجماع إن لم يكن لاختلافهم في العمل تأويل.
وإن أجمعوا على العمل واختلفوا في القول بطل الإجماع، ولم يكن لاختلافهم في القول تأويل لما يلزم من اتفاقهم في القول والعمل، فإن جهل الاتفاق والعمل يثبت بذلك إجماع ولا خلاف لترددهما بين اتفاقٍ يكون إجماعًا، وافتراقٍ يكون خلافًا.
والثاني: أن يستديموا ما كانوا عليه من الإجماع ولا يحدث من أحدهم خلاف، فإن خالفهم واحد بعد إجماعهم بطل الإجماع وساغ الخلاف؛ لأنه لما جاز أن يحدث إجماع بعد الخلاف جاز أن يحدث خلافهم بعد الإجماع.
وروي أن عليًّا -رضي الله عنه- خالف في بيع أمهات الأولاد بعد إجماعه مع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما على أن بيعهن لا يجوز، فبطل بخلافه الإجماع في تحريم بيعهن.
وقد قيل: إن رضي الله عنه رجع بعد هذا حين قال له عبيدة السلماني: يا أمير المؤمنين، إن رأيك مع الجماعة أحب إليَّ من رأيك وحدك.
فإن كان هذا الرجوع صحيحًا كان تحريم بيعهن إجماعًا.
والثالث: أن ينقرض عصرهم حتى يؤمن حدوث الخلاف بينهم، فإن بقاء العصر ربما أحدث من بعضهم خلافًا كما خالف ابن عباس رضي الله عنهما في العول بعد موت عمر رضي الله عنه، فقيل له: ألا قلته في أيامه؟ فقال: هبته وكان امرءًا مهيبًا.
ولا يعتبر في انقراض [124/ ب] العصر موت جميع أهله لأن هذا أمر يضيق ولا ينحصر، وقد تتداخل الأعصار ويندرج الناس من حالٍ بعد حالٍ، ويختلفون في الأعمار والآجال، وإنما المعتبر في انقراضه أمران:
أحدهما: أن يستولي على العصر الثاني غير أهل العصر الأول.
والثاني: أن ينقرض فيهم من بقي من أهل العصر الأول؛ وهذا لأن أنس بن مالك وعبد الله بن أبي أوفي رضي الله عنهما عاشا إلى عصر التابعين وطاولوهم فجمعوا بين عصرين، فلم يدل ذلك على بقاء عصر الصحابة فيهم.
ثم إذا كان انقراض العصر شرطًا في استقرار الإجماع فهو معتبر في الأحكام التي لا
يتعلق بها إتلاف وإهلاك واستهلاك، ولا يستقر إجماعهم فيها إلا بانقراضهم عليها.
فأما الأحكام التي يتعلق بها إتلاف واستهلاك لا يمكن استدراكه، فقد اختلف أصحابنا في انقراض العصر، هل يكون شرطاً والإجماع مستقر بالاتفاق عليه، وليس لأحدهم أن يستحدث فيه خلافاً؛ لأنهم في عظائهم الأمور، لا يجوز أن يتفقوا على الإجماع عليها إلا بعد وضوح الحق منها، كما أجمعوا مع أبي بكر- رضي الله عنه- على قتال مانعي الزكاة وفيه إراقة الدماء، فلم يكن لأحدهم بعد الإجماع وما سفك فيه من الدماء أن يخالف فيه؛ لأنه يجعل ما تقدم من إجماعهم منكراً، ولا يجوز أن تجتمع الأمة على منكر.
والرابع: أن لا يلحق بالعصر الأول من ينازعهم من أهل العصر الثاني، فإن لحق بعض الصحابة بعض التابعين فخالفهم في إجماعهم فقيه وجهان:
أحدهما: لا يرتفع الإجماع؛ لأنهم بمشاهدة النبي صلى الله عليه وسلم أحفظ لشريعته وقد أنكرت عائشة- رضي الله عنها- على أبي سلمة بن عبد الرحمن منازعته الصحابة، وقالت: أراك كالفروج إذا اجتمع مع الديكة صايحتها.
[125/أ]
والثاني: أن خلافه يمنع الإجماع؛ وقد قال علي رضي الله عنه: اعرف الحق تعرف أهله.
فإذا استقر الإجماع بهذه الشروط الأربعة وجب أن يكون إجماع أهل العصر حجة على من بعد من أهل الأعصار المتأخرة ويكون حجة على الصحابة، وإجماع التابعين حجة تابعي التابعين ولا يكون حجة على التابعين، هكذا حكم الإجماع في كل عصر ثان.
وقال داود: الإجماع اللازم مختص بعصر الصحابة لاختصاصه بنزول الوحي فيهم، وهذا غلط؛ لأن وضوح الحق مستمر في كل عصر؛ لأنه لا يخلو عصر من قائم لله بحجته.
الفصل الرابع: في معارضة الإجماع والاختلاف: فينقسم أربعة أقسام:
أحدها: أن يحدث الخلاف بعد تقدم الإجماع في عصر واحد، مثل أن يتقدم إجماع الصحابة ثم يحدث من أحدهم خلاف، فهذا الخلاف مانع من انعقاد الإجماع.
والثاني: أن يحدث الإجماع بعد تقدم الخلاف في عصر واحد فيرتفع به الخلاف المتقدم كاختلاف الصحابة في قتال مانعي الزكاة، ثم وافقوا أبا بكر الصديق- رضي الله عنه- فيرتفع به الخلاف بالإجماع، وفي هذا الإجماع وجهان:
أحدهما: أنه أوكد من إجماع لم يتقدمه خلاف؛ لأنه يدل على ظهور الحق بعد التباسه.
والثاني: أنهما سواء؛ لأن الحق يقترن بكل واحد منهما.
والثالث: أن يحدث الخلاف بعد تقدم الإجماع في عصرين مختلفين، كإجماع
الصحابة وخلاف التابعين لهم، فهو على ضربين:
أحدهما: أن يخالفوهم مع اتفاق الأحوال في المجمع عليها، فهذا الخلاف الحادث مطرح والإجماع المتقدم منعقد؛ لأن حجة الإجماع قاهرة.
والثاني: أن يحدث في المجمع عليه [125/ب] صفة زائدة أو ناقصة فيحدث الخلاف فيها بحدوث ما اختلف من صفاتها، فيكون الإجماع في الصفات منعقداً، وحدوث الاختلاف في الصفات المختلفة سائغاً عند الشافعي رضي الله عنه وجمهور العلماء.
وقال داود وبعض أهل الظاهر: يستصحب حكم الإجماع واختلاف الصفات الحادثة لا يبيح اختلاف الحكم فيها إلا بدليل قاطع، وجعلوا استصحاب الحال حجة في الأحكام، ومثال هذا أن ينعقد الإجماع على إبطال التيمم برؤية الماء قبل الصلاة، فإذا رأوه في الصلاة أبطلوا تيممه استصحاباً لبطلانه قبل الصلاة من غير أن يجمعوا بينهما بقياس، كما لو استيقن الطهر وشك في الحدث وجب أن يستصحب حكم اليقين ويلغي حكم الشك، وهذا فاسد.
ولكل حال تجددت حكم توقف على الدليل، يجوز أن يكون مساوياً، ويجوز أن يطون مخالفاً، ويكون الإجماع حجة في الحال التي ورد فيها، ولا يكون حجة في غيرها إلا أن يكون القياس موجباً لاستصحاب حكمه، فإن الإجماع لا الإجماع، وإنما كان كذلك لأنه لما ساغ الاجتهاد فيما عدا حالة الإجماع، ولم يسغ الاجتهاد في حالة الإجماع دل على افتراقهما فيه، ولم يلزم أن يساويه في حكمه، وأما حما الطهارة على اليقين فلأن الشرع لم ينصب عليها دليلاً وقد نصب على الأحكام دليلاً.
وذهب بعض أصحابنا إلى أن استصحاب الحال إن لم يعارضه دليل يجوز أن يجعل دليلاً، وقوله مدفوع بما ذكرناه.
ويتفرغ على هذا إذا اختلف أهل الاجتهاد في حكم فأثبته بعضهم ونفاه بعضهم.
وقال داود وأهل الظاهر: لا دليل على النافي، ويجب الدليل على المثبت استصحاباً لحكم الأصل في التفي كما تجب البينة على المدعي دون المنكر.
وعند الشافعي [126/ أ] والجمهور يجب الدليل على النافي كوجوبه على المثبت، وأنه لا يجوز له نفي الحكم إلا بدليل، كما لا يجوز له إثباته إلا بدليل؛ لأن الله تعالى نصب على الأحكام أدلة النفي والإثبات، والنافي للحكم مثبت لضده فلم يجز نفيه إلا بدليل.
فأما وجوب البينة على المدعي دون المنكر، فلأن يمين المنكر كبينة المدعي، فصارا مجتمعين في البينة وإن اختلفا في صفتها.
والرابع: أن يحدث الإجماع بعد الخلاف في عصرين مختلفين، كاختلاف الصحابة في حكم على قولين فيجمع التابعون على أحدهما، فظاهر مذهب الشافعي- رضي الله عنه- والجمهور أن حكم الاختلاف ثابت، وأن ما يعقبه من الإجماع غير منعقد؛ لأن انقراض الصحابة على قولين في حكم إجماع منهم على تسويغ الاجتهاد في ذلك
الحكم، وفي انعقاد الإجماع بعد إبطال ما أجمعوا من تسويغ الاجتهاد، فصار في إثبات إجماع التابعين إبطال لإجماع الصحابة فلم يجز.
وقال الحارث بن أسد المحاسبي وتابعه بعض أصحابه يزول حكم الاختلاف بما يعقبه من الإجماع كما يزول اختلاف الصحابة إذا تعقبه إجماعهم، وهذا فاسد؛ لأن إجماع الصحابة لا ينعقد إلا بانقراضهم، فوقع الفرق بين انقراضهم على وفاق أو خلاف.
وعلى هذا لو اختلفت الصحابة على قولين في حكم صار ذلك إجماعاً منهم على إبطال ما عدا القولين، ولم يجز لمن بعدهم من التابعين إحداث قول ثالث.
مثاله: أن الصحابة انقرضوا على قولين في اني عم أحدها أخ من أم، أحدهما التسوية بينهما في الميراث، والثاني الأخ للأم منهما أولى بكل الميراث، فخالفهم من التابعين سعيد بن جبير فجعل ابن العم الذي ليس بأخ لأم أحق بالميراث، فخالفهم في القولين بإحداث قول ثالث.
وذهب بعض من ينتسب إلى العلم إلى تسويغ هذا؛ لأن الاختلاف [126/ب] موجب لتسويغ الاجتهاد، وهذا غلط؛ لأن في انقراض الصحابة على قولين إجماعاً منهم على إبطال ما خرج عن القولين، وأن الحق في أحدهما، فلم يجز للتابعي أن يبطل ما انعقد إجماعهم عليه، [فهذا حكم الإجماع وما يتعلق به ويتفرغ عليه وهو من دلائل السمع] ويجوز نقل الإجماع بأخبار الآحاد؛ لأنه ليس أوكد من سنن الرسول صلى الله عليه وسلم.
فإن نقل الراوي أنهم أجمعوا على كذا فقطع بإجماعهم عليه قبلت منه، وأثبت الإجماع بقوله سواء كان الراوي من أهل الاجتهاد أو لم يكن.
وإن قال الراوي لم أعرف بينهم اختلافاً فيه، فإن لم يكن من أهل الاجتهاد ولا ممن أحاط علماً بالإجماع والاختلاف لم يثبت الإجماع بروايته.
واختلف أصحابنا في ثبوته بها إن كان من أهل الاجتهاد والتقدم في العلم بالإجماع والاختلاف، فأثبت بعضهم الإجماع وجعل نفي الاختلاف إثباتاً للإجماع.
وقال بعضهم: لا يثبت الإجماع بهذا النفي ولكل من القولين وجه.
وأما الأصل الرابع من أصول الشرع وهو القياس فله مقدمتان؛ أحداهما: الاجتهاد، والثانية: الاستنباط.
فأما الاجتهاد فهو مأخوذ من جهد النفس وكدها في طلب المراد به، كما أخذ جهاد العدو من جهد النفس في قهر العدو.
والاجتهاد هو طلب الصزاب بالأمارات، الدالة عليه.
وقال ابن أبي هريرة: إن الاجتهاد هو القياس، ونسبه إلى الشافعي رضي الله عنه من
كلام اشتبه عليه في كتاب "الرسالة".
والذي قال الشافعي رضي الله عنه في هذا الكتاب: أن معنى الاجتهاد معنى القياس، يريد به أن كل واحد منهما يتوصل به إلى حكم غير منصوص عليه.
والفرق بين الاجتهاد والقياس: أن الاجتهاد هو ما وصفناه من أنه طلب الصواب بالأمارات الدالة عليه.
[127/أ] والقياس: هو الجمع بين الفرع والأصل لاشتراكهما في علة الأصل، فافترقا، غير أن القياس يفتقر إلى الاجتهاد، وقد لا يفتقر الاجتهاد إلى القياس على ما سنوضحه، فلذلك جعلنا الاجتهاد مقدمة للقياس.
والدليل على أن الاجتهاد له أصل يعتمد عليه في الأحكام، خبر معاذ رضي الله عنه حيث قال: أجتهد رأيي، فدل على أن الاجتهاد عند عدم النص أصل في أحكام الشرع.
ثم الكلام في الاجتهاد يشتمل على أربعة فصول؛ أحداهما: فيمن يجوز له الاجتهاد.
والثاني: في وجوه الاجتهاد.
والثالث: فيما يجب بالاجتهاد.
والرابع: في حكم الاجتهاد.
فأما الأول فضربان؛ مجتهد في عموم الأحكام، ومجتهد في خصوص الأحكام.
فأما المجتهد في جميع الأحكام فالمعتبر في جواز اجتهاده أربعة شروط:
أحدها: إشرافه على نصوص الكتاب والسنة، فإن قصر في أحدهما لم يجز أن يجتهد.
والثاني: علمه بوجوه النصوص في العموم والخصوص، والمفسر والمجمل، والمقيد والمطلق على ما بيناه من قبل، فإن قصر فيها لم يجز أن يجتهد.
والثالث: الفطنة والذكاء ليصل به إلى معرفة المسكوت عنه أمارات المنطوق به فإن قلت: فيه الفطنة والذكاء لم يصح منه الاجتهاد.
والرابع: أن يكون عارفاً بلسان العرب وموضوع خطابهم ومعاني كلامهم؛ لأن الكتاب والسنة وهما أصل الشريعة وردا بلسان العرب.
وإذا كان كذلك كان معرفة لسان العرب فرضاً على كل مسلم من مجتهد وغير مجتهد، إلا أن غير المجتهد يلزمه من فرضه ما اختص بتكليفه من الشهادتين وما تضمن [127/ب] الصلاة من القراءة والأذكار، ولا يلزمه معرفة ما عدا ذلك إلا بحسب ما يندرج إليه في نوازله وأحكامه، وقد قال الشافعي: "على كل مسلم أ، يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده في أداء فرضه كما عليه أن يتعلم الصلاة والأذكار".
وقال أبو حنيفة: لا يلزمه معرفة لسان العرب؛ لأنه يجوز له القراءة والأذكار بغير العربية.
وأما المجتهد فيلزمه مع حقوق الاجتهاد أن يكون عارفاً بلسان العرب، والذي يلزم في حقه أن يكون محيطاً بأكثره ليرجع فيما عزب عنه، إلى غيره، كما أن جميع السنة لا يحيط بها واحد من العلماء، وإنما يحيط بها جميع العلماء، فإذا كان المجتهد محيطا بأكثرها صح اجتهاده، وليرجع فيما عزب عنه إلى من علم به، ثم هذا المجتهد
إن قصد (بالاجتهاد) العلم صح اجتهاده وإن لم يكن عدلاً، وإن قصد به الحكم والفتيا كانت العدالة شرطاً في نفوذ حكمه وقبول فتياه وإن لم يكن شرطاً في صحة اجتهاده.
وأما المجتهد في حكم خاص فحكمه في صحة اجتهاده معتبر بما يجتهد فيه، فإن كان اجتهاده في القبلة كان الشرط في صحة اجتهاده صحة البصر ومعرفة دلائل القبلة، وإن كان اجتهاده في العدالة والجرح كان صحة اجتهاده معتبر بأسباب الجرح والتعديل، وما يراعى من غلبة أحدهما على الآخر في الصغائر وتغليب الحكم في الكبائر وإن كان اجتهاده في المثل من جزاء الصيد كان صحة اجتهاده معتبراً بمعرفة الأشياء في غير ذي المثل، وعلى هذا.
[128/ أ] فإذا تقرر ما ذكرنا من شروط الاجتهاد المعتبر في المجتهد، تعلق به فصلان؛ أحدهما: جواز اجتهاد الأنبياء.
والثاني: جواز الاجتهاد في زمان الأنبياء.
فأما الأول فقد اختلفوا فيه؛ فقيل: لا يجوز للأنبياء- صلوات الله وسلامه عليهم- أن يجتهدوا، ولا لنبينا صلى الله عليه وسلم أن يجتهد لقدرتهم على النص بنزول الوحي، ولهذا توقف في إحرامه حتى نزل الوحي، والوحي ينقسم إلى ما هو قرآن يتلى، وإلى ما لا يتلى، ولهذا قال تعالى: ﴿ومَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى (3) إنْ هُوَ إلاَّ وحْيٌ يُوحَى (4)﴾ [النجم: 3، 4].
وظاهر مذهب الشافعي وبه قال الجمهور: يجوز للكل ذلك؛ لأنه لو كان لا يجوز لما أخطأ داود وأصاب سليمان عليهما السلام، وقد قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [الأنبياء: 79]، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم اجتهد في أسارى بدر على ما ذكرنا، وقال لعمر رضي الله عنه: "أرأيت لو تمضمضت" حين سأله عن قبلة الصائم هل يفطر أم لا.
وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال " من اغتسل من الجنابة خلق الله تعال من كل قطرة تقطر منه ملكاً يتسغفر له إلى يوم القيامي" فقال رجل: يا رسول الله، أنقضي أو طارنا ونؤجر عليها؟ فقال صلى الله عليه وسلم "ثكلتك أمك، حسبتك من فقهاء المدينة، أرأيت لو وضعتها في حرام، أفتحتسبون بالحرام ولا تحتسبون بالحلال" أي تتوقعون المثوبة بالحلال وهذا قياس.
وأما توقفه في اللعان وغيره فليعلم هل ينزل عليه نص فلا يجتهد.
فإذا ثبت هذا فقد اختلف أصحابنا في وجوبه وجوازه [128/ب] على وجهين:
أحداهما: يجوز ولا يجب؛ لأن للأحكام أصلاً هو الكتاب.
والثاني: أنه واجب عليه؛ لأن أحكام الكتاب مأخوذة من سنته إذا خلا منها.
وقال صاحب "الحاوي" "الأصح عندي أنه يجب عليه الاجتهاد في حقوق الآدميين، ويجوز له الاجتهاد في حقوق الله تعالى؛ لأنهم لا يصلون إلى حقوقهم إلا باجتهاده، فلزمه وإن أراد الله تعالى منه الاجتهاد في حقوقه أمره".
ثم إذا اجتهد هل يستنتج الاجتهاد برأيه أو يرجع فيه إلى دلائل الكتاب؟ وجهان:
أحدهما: أنه يرجع في اجتهاده إلى الكتاب؛ لأنه أعلم بمعاني ما خفي منه من
جميع أمته، فكان اجتهاده بياناً وإيضاحاً.
والثاني: وهو الأظهر أنه يجوز أن يجتهد برأيه ولا يرجع إلى أصل من الكتاب؛ لأن سنته أصل في الشرع مثل الكتاب، وقد ندب الله تعالى إليها بقوله ﴿ومَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: 7] الآية، وقال صلى الله عليه وسلم "إنما أجتهد رأيي فيما لم ينزل علي فيه شيء".
واختلفت أصحابنا في عصمة الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- من الخطأ في اجتهادهم علو وجهين:
أحدهما: أنهم معصومون في اجتهادهم من الخطأ لتسكن النفوس إلى التزام أوامرهم بانتفاء الخطأ عن اجتهادهم.
وهذا مقتضى الوجه الذي يقال فيه إنهم لا يجتهدون إلا عن دليل من نص.
والثاني: أنهم غير معصومين من الخطأ لوجوده منهم، لكن لا يقرهم الله تعالى عليه ليزول الارتياب به، وإن جاز أن يكون غيرهم من العلماء مقراً عليه؛ لأن داود- عليه السلام- قد أخطأ في اجتهاده، فاستدركه الله تعالى بإصابة سليمان- عليه السلام- واجتهد [129/ أ] النبي صلى الله عليه وسلم في أساري بدر بعد مشاورة أبي بكر وعمر- رضي الله عنهما- وأخذ منهم الفداء، فأنكره الله تعالى، وهذا يقتضي الوجه الذي يقال فيه إنهم يجوز أن يجتهدوا بالرأي من غير استدلال بنص.
وقال ابن أبي هريرة: نبينا صلى الله عليه وسلم معصوم الاجتهاد من الخطأ دون غيره من الأنبياء صلوات الله عليهم؛ لأنه لا نبي بعده يستدرك خطأه لإنختام النبوة به، وغيره من الأنبياء قد بعث بعده من يستدرك خطأه.
وهذا لا وجه له؛ لأن جميع الأنبياء- عليهم السلام- غير مقرين على الخطأ في وقت التنفيذ، ولا يهملون فيه على التراخي حتى يستدركه نبي بعد نبي، فاستوي فيه جميع الأنبياء.
فأما أمور الدنيا فيجوز فيه على الأنبياء الخطأ والسهو؛ لأنه روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع ضجة بالمدينة، فقال: "ما هذا؟ " فقيل: إنهم يلقحون النخل، فقال: " لأي نفع ذلك، إنهم إن تركوه لم يضرهم" فبلغهم ذلك فتركوه، ففسد حمل النخل، فقال صلى الله عليه وسلم: "ما كان من أمر دينكم قردوه إلى، وما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم به".
وأما جواز اجتهاد غير الأنبياء في زمان الأنبياء، كاجتهاد الصحابة في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم فينقسم ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون المجتهد غائباً عن مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم لا يقدر على سؤاله في وقته فله حالتان: إحداهما: أن يكون له ولاية منه، كعلي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل- رضي الله عنهما- حين بعثهما إلى اليمن، فيجوز اجتهادهما؛ لأن معاذاً قال: أجتهد رأيي، فاستصوبه وحمده، وسواء اجتهد في حق نفسه أو في حق غيره، ولا يلزمه إذا
قدم على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يسأله [129/ب] فيما اجتهد فيه وإن كان سؤاله مستحباً، ويكون ما اجتهد فيه أثراً متبوعاً ما لم يرد عن الرسول صلى الله عليه وسلم خلافه، كما اتبع معاذ في قوله: "أيما رجل انتقل من مخلاف عشيرته إلى غير مخلاف عشيرته فصدقته في مخلاف عشيرته" والمخلاف القربة.
وإنما اختص المولى بذلك؛ لأن في الولاية إذناً بالاجتهاد فيما تضمنها.
والثانية: أن لا يكون للمجتهد ولاية فله حالتان:
إحديهما: أن يظفر بأصل من كتاب أو سنة فيجوز اجتهاده في الرجوع إلى الاستدلال بالظاهر منها، ولا يلزمه إذا قدم على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يسأله عما اجتهد فيه؛ لأنه قد اجتهد بأصل لازم.
والثانية: أن يقدم أصلاً من كتاب أو سنة فلا يجوز أن يجتهد في حق غيره لعدم ولايته.
أما اجتهاده في حق نفسه، فإن كان فيما يخاف فواته جاز اجتهاده فيه، وعليه إذا قدم على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يسأله عنه، وليس له أن يهاجر إليه من أجل السؤال، وإن كان مما يخاف فواته ففي جواز اجتهاده وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لأنه لا يصح منه أن يشرع، وعليه أن يسأل ليعمل بما كلف.
والثاني: يجوز أن يجتهد إذا كان من أهل الاجتهاد، ويعمل باجتهاده لقوله صلى الله عليه وسلم: "بعثت بالحنيفية السمحة السهلة البيضاء".
فعلى هذا في جواز تقليده في اجتهاد وجهان:
أحدهما: لا يجوز لغيرة ممن ليس من اهل الاجتهاد أن يقلده فيه لوجود ما هو أقوى منه، فعلى هذا لا يلزم المجتهد إذا قدم علىلرسول صلى الله عليه وسلم أن يسأله عما اجتهد فيه [ولا يجوز أن يعمل به في المستقبل حتى يسأل إن حضر.
والثاني: يجوز لغيره أن يقلده كما يجوز أن يقلد العالم وإن وجد من هو أعلم منه، فعلى هذا يلزم المجتهد إذا قدم على الرسول أن يسأله عما اجتهد فيه لئلا يصير مشرعاً بغير أصل].
والقسم الثاني: أن يكون المجتهد حاضراً في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وغائباً عن مجلسه، [130/أ] فإن رجع في اجتهاده إلى أصل من كتاب أو سنة صح وجاز أن يعمل به ويفتي؛ لأن العجلاني سأل بعض الصحابة بالمدينة عن قذف امرأته بمن سماه، فقال له: حد في جنبك إن لم تأت بأربعة شهداء، ثم سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما قيل له، فتوقف حتى نزلت عليه آية اللعان، ولم ينكر على العجلاني سؤال غيره، ولا أنكر على من أجابه مع حضوره.
وإن لم يرجع المجتهد إلى أصل من كتاب ولا سنة، فقد جوز بعض أصحابنا
اجتهاده وقال بعضهم: لا يجوز اجتهاده.
وقال صاحب "الحاوي": "الذي عندي أنه يصح اجتهاده في المعاملات دون العبادات؛ لأن العبادات تكليف يتوقف على الأوامر بها، والمعاملات تخفيف تعتبر النواهي عنها"
والثالث: أن يكون المجتهد حاضراً في مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم فاجتهاده معتبر بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالاجتهاد صح اجتهاده، كما حكم النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ- رضي الله عنه- في بني قريظة، فحكم بقتل من جرت عليه المواشي واسترقاق من لم تجر عليه، فقال صلى الله عليه وسلم: "هذا حكم الله من فوق سبعة أرقعة".
وإن لم يأمره بالاجتهاد لم يصح اجتهاده إلا أن يعلم فيقره عليه، فيصير بإقراره عليه صحيحياً كما قال أبو بكر الصديق- رضي الله عنه- بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم في سلب القاتل وقد أخذه غير قاتله: "لاها الله إذا تعمد إلى أسد من أسد الله تعالى يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه"، فأقره على هذا القول فصح اجتهاده حين أقره عليه.
وأما الفصل الثاني في وجود الاجتهاد: فهو ما لم يرد في الكتاب والسنة بيان حكمه، فقد قيل: إن الذي تضمنه كتاب الله تعالى من الأحكام [130/ب] يشتمل على نحو خمسمائة آية، والذي تضمنه السنة منها نحو خمسمائة حديث، ونوازل الأحكام أكثر من أن تحصى ولا تقف على هذا العدد، ولا يجوز أن تكون الأمة مضاعفة لا ترجع إلى أصل من كتاب ولا سنة توصلهم إلى العلم بأحكام النوازل، وقد قال الله تعالى: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: 3]، وروى المطلب بن حنطب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما تركت شيئاً مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به، ولا تركت شيئاً مما نهاكم عنه إلا وقد نهيتكم عنه".
فدلت الآية في إكمال الدين، ودل الخبر في استيفاء الأوامر والنواهي على أن الأحكام المسكوت عنها أصلاً في الكتاب والسنة يتوصل بها إلى معرفة ما أغفل بيانه فيها، وهو الاجتهاد فيما تضمنها من الأمارات الدالة، واستخراج ما تضمنها من المعاني المستنبطة، ليكون الدين قد كمل والأحكام قد وضحت، فإن النصوص على الحوادث معدول عن استيعابه لأمرين: أحدهما: أنه شاق في الإحاطة بجمعية.
والثاني: ليتفاضل العلماء في استنباطه.
فصح لهذين المعنيين أن يكون الاجتهاد في الشرع أصلاً يستخرج به حكم ما لم يرد فيه نص ولا انعقد عليه إجماع.
واعلم أنه مضى الاجتهاد في أعصار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولابد من إيضاح اجتهاد العلماء فيما بعدهم، وهو ينقسم ثمانية أقسام:
أحدها: ما كان حكم الاجتهاد مستخرجاً من معنى النص كاستخراج علة الربا من البر، فهذا صحيح غير مدفوع عند جميع القائلين بالقياس.
والثاني: ما كان مستخرجاً من شبه النص، كالعبد في ثبوت تملكه لتردد شبهه بالحر في أنه يملك؛ لأنه مكلف.
وشبه بالبهيمة في أنه لا يملك لأنه مملوك، وهذا صحيح [131/ أ] وليس بمدفوع عنه عند من قال بالقياس ومن لم يقل، غير أن من لم يقل بالقياس جعله داخلاً في عموم أحد الشبهين، ومن قال بالقياس جعله ملحقاً بأحد الشبهين.
والثالث: ما كان مستخرجاً من عموم النص، كالذي بيده عقدة النكاح في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 237]، يعم الأب والزوج والمراد به أحدهما، وهذا صحيح يوصل إليه بالترجيح.
والرابع: ما كان مستخرجاً من إجمال النص، كقوله تعالى في متعة الطلاق: ﴿ومَتِّعُوهُنَّ عَلَى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلَى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: 237]،فصح الاجتهاد في قدر المتعة باعتبار حال الزوجين.
والخامس: ما كان مستخرجاً من أحوال النص، كقوله تعالى في المتمتع: ﴿ومَتِّعُوهُنَّ عَلَى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلَى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: 236]، فاحتمل صيام الثلاثة قبل عرفة وبعدها، واحتمل صيام السبعة إذا رجع في طريقه وإذا رجع في بلده، فصح الاجتهاد في تغليب إحدى الحالتين على الأخرى.
والسادس: ما كان مستخرجاً من دلائل النص، كقوله تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: 7] الآية، فاستدللنا على تقدير نفقة الموسر بمدين بأنه أكثر ما جاءت به السنة في فدية الأذى، أن لكل مسكين مدين.
واستدللنا على تقدير نفقة المعسر بأقل ما جاءت به السنة في كفارة الواطء أن لكل مسكين مداً.
والسابع: ما كان مستخرجاً من أمارات النص كاستخراج دلائل القبلة، فيمن خفيت عليه من قوله تعالى: ﴿وعَلامَاتٍ وبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16)﴾ [النحل: 16]، فصح الاجتهاد في القبلة بالأمارات الدالة عليها من مطالع النجوم.
والثامن: ما كان مستخرجاً من غير نص ولا أصل، فقد اختلفت أصحابنا في صحة الاجتهاد عليه بغلبة الظن على وجهين:
أحدهما: لا يصح حتى يقترن بأصل؛ لأنه لا يجوز أن يرجع في الشرع [131/ ب] إلى غير أصل، وهذا ظاهر مذهب الشافعي رضي الله عنه، ولذلك أنكر القول بالاستحسان، لأنه تغليب ظن بغير أصل.
والثاني: يصح الاجتهاد به؛ لأن الاجتهاد في الشرع أصل فجاز أن يستغنى عن أصل.
وقد اجتهد العلماء في التعزيز على ما دون الحدود بآرائهم في أصله من ضرب وحبس، وفي تقديره بعشر جلدات في حال، وبعشرين في حال، وبثلاثين في حال، وليس لهم في هذه المقادير أصل مشروع.
والفرق بين الاجتهاد بغلبة الظن وبين الاستحسان؛ أن الاستحسان يترك له القياس،
والاجتهاد بغلبة الظن مستعمل مع عدم القياس.
وأما الفصل الثالث فيما يجب بالاجتهاد: فالذي يجب على المجتهد أن يقصد باجتهاده طلب الحق عند الله تعالى، وإصابة العين التي يجتهد فيها، وهذا هو الظاهر من مذهب الشافعي، ويشبه أن يكون من مذهب المزني أن عليه أن يقصد باجتهاده طلب الحق عند نفسه؛ لأن ما عند الله لا يعلم إلا بالنصوص، وعلى كلا المذهبين عليه أن يتوصل باجتهاده إلى طلب الحق وإصابة العين، فيجتمع فيه بين هذين الشرطين.
وقال بعض أهل العراق من الفقهاء والمتكلمين: إن الذي على المجتهد هو الاجتهاد ليعمل بما يؤدي إليه اجتهاده، فيجعلون عليه الاجتهاد ولا يجعلون عليه طلب الحق بالاجتهاد، ويقال: إنه مذهب أبي يوسف.
وأما أبو حنيفة رحمه الله فقيل: مذهبه فيه مختلف، فيجعل عليه في بعض الأحكام طلب الحق بالاجتهاد كقولنا، ويجعل عليه في بعض الأحكام الاجتهاد ليعمل بما يؤدي إليه اجتهاده كقول أبي يوسف.
وقد اختلطت مذاهب الناس في هذا حتى التبست واشتبهت.
واستدل من أوجب عليه الاجتهاد دون طلب الحق بالاجتهاد [132/ أ] وهو مذهب من جعل عليه الاجتهاد بغير أصل، بأن ما أخفاه الله تعالى لا طريق لنا إلى إظهاره، وفي التزامه تكليف ما خرج عن القدرة كاختراع الأجسام وقلب الأعيان، وهذا غلط؛ لأن الاجتهاد واستدلال الحكم هو الحق المطلوب به، فلم يجز أن يختص الوجوب بالاستدلال دون الحكم المطلوب؛ لأن الاستدلال مقصود بمدلول عليه، وقد نصب الله تعالى على ما أخفاه أمارات توصل إليه فلم يخرج عن الاستطاعة.
وأما الفصل الرابع في حكم الاجتهاد: فلا يخلو حال الحكم المجتهد فيه من أن يتفق عليه أقاويل المجتهدين أو تختلف.
فإن اتفق صار إجماعاً تعين فيه الحق وسقط فيه الاجتهاد من بعده، كسقوط الاجتهاد مع نصوص الكتاب والسنة؛ لأن الإجماع حجة ناطقة بعد الكتاب والسنة.
وإن اختلفت أقاويل المجتهدين فهو على ضربين:
أحدهما: أن يكون الاختلاف في أصول التوحيد وصفات الذات، فالحق فيها في واحد، وهو الذي كلف العباد طلبه وما عداه باطل، فمن أصابه فقد أصاب عند الله وأصاب الحق، ومن أخطأه فقد أخطأ عند الله وأخطأ في الحق.
وقال عبيد الله العنبري: كل مجتهد مصيب في الأصول، وهذا خطأ فأحسن؛ لأن أصول التوحيد وصفات الذات لا تختلف فلا يجوز الاختلاف فيها، وأحكام الشرع قد تختلف بحسب المصالح في الأعيان والأزمان، فجاز أن يكون الاختلاف مسوغاً فيها.
والضرب الثاني: الاختلاف في الأحكام الشرعية كاختلاف الصحابة- رضي الله عنهم- في أحكام الصلاة، والزكاة، والصيام، ومقاسمة الإخوة للجد، فذهب الأكثرون إلى أن الحق في جميعها، وأ، كل مجتهد مصيب فيها عند الله تعالى، ومصيب في الحكم؛ [132/ب] لأن جواز اختلاف الجميع دليل على صحة الجميع، وهو قول أبي
الحسن الأشعري والمعتزلة، وقالوا: ليس في الحادثة أشبه مطلوب.
وقال أصحاب الأشعري بخراسان: لا يصح هذا المذهب عنه، والمشهور عند أهل العراق ما ذكرناه، ولأنه من أدى اجتهاده إلى حكم يلزمه العمل به ولا يحل له مخالفته، فدل على أنه الحق، ولو كان الحق واحداً لكان إليه طريق، وكان من عدل عنه مفرطاً مذموماً كمسائل الأصول.
وذهب الشافعي وأبو حنيفة ومالك وأكثر الفقهاء إلى أن الحق في أحدها، وإن لم يتعين لنا فهو عند الله تعالى متعين، لاستحالة أن يكون الشيء الواحد في الزمان الواحد في الشخص الواحد حلالاً وحراماً؛ لأن ما حل لشخص في حال لم يكن حراماً عليه في تلك الحالة فينافيه ويناقضه، ولأن الصحابة ومن بعدهم تناظروا، واحتج كل واحد على قوله وخطأ بعضهم بعضاً، ولهذا قال علي، وعثمان، وعبد الرحمن- رضي الله عنهم إن كانا قد اجتهدا فقد أخطأ، وهذا يقتضي أن كل واحد منهم يطلب إصابة الأشبه، ولأنهم فد اختلفوا في اجتهادهم في القبلة إلى أربع جهات لا يدل على أن القبلة في الجهات الأربع، وإن جاز لكل واحد منهم أن يصلي إلى الجهة التي يؤدي اجتهاده إليها كذلك هنا.
وأما قولهم أنه لو كان كذلك لكان مفرطاً مذموماً.
قلنا: يجوز أن يعذر في الخطأ لعموم طريقه، لقوله صلى الله عليه وسلم: "وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر".
وقال بعض المتكلمين: ليس عند الله تعالى شيء مطلوب، ولا يجب على المجتهد أ، ينظر في دليل ولا شيء يتوصل به إلى مطلوب، وإنما يعمل على غالب ظنه وما يقوي في نفسه، كما يعمل في المعاملات بغالب ظنه وبما يقوي في نفسه، وهذا خطأ فاحش؛ [133/أ] لقوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: 79]، فأخبر أنه خص سليمان عليه السلام بالفهم، وعلى قولهم يكون داود وسليمان سواء.
فإذا تقرر هذا فاعلم أن الفقهاء اختلفوا هل كل مجتهد فيها مصيب أم لا؟ فعند الشافعي أن المصيب منهم واحد وإن لم يتعين، وأن جميعهم مخطئ إلا ذلك الواحد، فمن أصاب الحق فقد أصاب عند الله تعالى في الحكم، ومن أخطأ الحق فقد أخطأ عند الله تعالى وأخطأ في الحكم، وبه قال مالك وجماعة.
وقال أبو يوسف وطائفة: كل مجتهد مصيب، وأن الحق في واحد، فمن أصابه فقد أصاب ما عند الله تعالى وأصاب الحكم، ومن أخطأ فقد أخطأ ما عند الله تعالى وأصاب في الحكم.
وقال بعض أصحابنا المتأخرين: مذهب الشافعي- رضي الله عنه- هذا وغلطوا فيه، وإنما تعلقوا بقول الشافعي في مواضع: "أدى ما كلف"، فظنوا أنه أراد بذلك أنه أصاب ولم يرد هذا، بل أراد أنه في معنى من أدى ما كلف في أنه لا يأثم.
وقال القاضي الطبري: نص في القديم والجديد على ما ذكر أولاً، ولا أعلم أحداً من أصحابه اختلف على مذهبه في ذلك، وإنما نسب إليه قوم من المتأخرين ممن لا معرفة لهم بمذهبه، وتشبثوا بألفاظ ليس فيها دليل عند من فهم من مذهبه، وإذا أردت
أن تعرف ذلك فكل موضع رأيت فيه قوله: "أدى ما كلف" ونحو ذلك.
فاقرأ الباب من أوله واقرأ ما قبله وبعده فإنك تجد للشافعي- رضي الله عنه- نصاً [133/ب] أن الحق في واحد وما عداه خطأ.
وقال أبو إسحاق: يشبه أن تكون المسألة على قولين؛ لأن الشافعي ذكر قولين فيمن أخطأ القبلة بيقين هل تلزمه الإعادة أم لا؟ والأصح أن عليه الإعادة، ومن يقول كل مجتهد مصيب يقول: لا إعادة عليه، وكذلك قال: إذا دفع الزكاة إلى من ظاهره الفقر فبان عنياً، هل تلزمه الإعادة؟ فيه قولان.
وهذه الطريقة اختيار أبي حامد، وهو الذي حكاه عن أبي إسحاق، والصحيح عن أبي إسحاق ما ذكرنا.
واختلف القول عن أبي حنيفة رحمة الله، فقيل: إنه ذكر في بعض المسائل كقولنا، وفي بعضها كقول أبي يوسف.
والدليل على صحة قولنا إن الحق لما كان في واحد لم يكن المصيب إلا واحداً ولو كان كل مجتهد مصيباً، وقد نسب الله تعالى نبيه داود عليه السلام إلى الخطأ، وسليمان عليه السلام إلى الإصابة يقول تعالى ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: 79] الآية، وأيضاً روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر" فنسبه إلى الخطأ وإن جعل له أجراً.
فإن قيل: لو اختلفا في الإصابة لما شرك بينهما في الأجر.
قلنا: ولو اتفقا في الإصابة لما فاضل بينهما في الأجر.
فإن قيل: لما استجازوا أن يولوا من خالفهم في الاجتهاد دل على أن كل مجتهد مصيب.
قيل: قد أ، كر علي- رضي الله عنه- على شريح القاضي حين خالفه في ابني عم أحدهما أخ لأم، وقال: "علي بالبعد الأبطر، وعزله عن القضاء"، على أ، نفوذ الاجتهاد عين الحكم، وقد يجوز أن يتفقا عليه [134/ أ] وقت الحكم.
فإذا صح أن الواحد هو المصيب منهم، وإن كان غير متعين بالمصيب مأجور على الاجتهاد وعلى الصواب، والمخطئ غير مأجور على الخطأ، ولكن مذهب الشافعي أنه مأجور على الاجتهاد وإن أخطأ فيه لقصده الصواب وإن لم يظفر به، وإنما لا يؤجر على الخطأ: لأن الأجر للترغيب في الصواب ولا ترغيب في الخطأ.
قال أبو إسحاق: ويجوز أن يؤجر على قصده وإن كان الفعل خطأ، كما لو اشترى رقبة فأعتقها تقرباً إلى الله عز وجل، ثم وجدها حر الأصل فقد تلف ثمنها وهو مأجور، وإن لم يصح شراءه وعتقه لم يقع لما أتى به من القصد إلى فك رقبة والتقرب به إلى الله تعالى، وقد نص الشافعي على هذا.
وأيضا فلا بد للمجتهد أ، يعدل باجتهاده عن طرق فاسدة يتضح له فسادها إلى طريق مشتبه يظن فيه الحق بعدوله عن تلك الطريق الفاسدة اجتهاده صحيح فأثيب على ذلك.
قال أبو إسحاق وفيه وجه آخر أنه يؤجر على نيته وعلى نفس اجتهاده، ولا يؤجر على الحكم لخطئه فيه.
فأما اجتهاده: فما بلغ منه فهو صواب وما بقى عليه من اجتهاده إلى بلوغ معرفة الحق فهو معذور في تخلفه عنه؛ لأن فهمه بلغ بعض طريقه ولم يبلغ به أقصى ما طلبه فهو فيما أتى به مأجور ومصيب فيه، ومنزلته منزلة الحاج الذي أمر بقطع المساقة ليبلغ به إلى بيت الله الحرام، فسلك بعض الطريق ثم ضعف عن باقية أ, تلفت راحلته، يؤجر [134/ب] على القدر الذي قصده.
وعبر القفال عن هذا فقال: لا يستحق الأجر في قصده الخطأ الموضوع عنه، وإنما يستحق الأجر على إنشاء قصد الثواب.
مثاله: أن يقوم ليخرج إلى مكة فأخطأ في نصف الطريق وعدل إلى طريق آخر، فثوابه من ابتداء قصده إلى موضع عدوله إلى الخطأ.
قال: وهذا معنى قول الشافعي: "لا يؤجر على الخطأ إنما يؤجر على قصد الثواب".
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "نية المؤمن خير من عمله"، ولهذا ثلاث تأويلات:
أحدها: أن نيته في الاجتهاد خير من خطئه في الاجتهاد.
والثاني: يعني أن نيته خير من خيرات عمله.
والثالث: أن النية أوسع من العمل؛ لأنها تسبق الأقوال والأفعال فيعجل الثواب عليها.
وقال القاضي الطبري: ما قاله أبو إسحاق أولا أصح؛ لأن ذلك الاجتهاد خلاف الاجتهاد الذي يصيب به الحق فلا يؤجر عليه ولا على بعض أجزائه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: ثواب المخطئ على ماذا؟ فيه قولان.
أحدهما: على الاجتهاد كرجلين سلكا الجامع من طريقين فأفضل أحدهما الطريق أثيب عليه وإن لم يصل إلى الجامع.
والثاني: على القصد كرجلين رميا إلى كافر فأصابه أحدهما دون الآخر، يثاب المخطئ على القصد، وإطلاق القولين خطأ على المصيب.
وقال الأصم وابن عليه: هو مأثوم على الاجتهاد لخطئه فيه.
[135/أ] وقالت طائفة من أهل العراق: هو غير مأجور عليه ولا مأثوم فيه.
وهذا خطأ للخبر الذي ذكرنا.
وقال الإمام أبو القاسم الصميري: كل مجتهد مصيب في أنه أدى ما كلف من الاجتهاد وإن أخطأ الحكم الذي أراده الله تعالى إلا واحداً، وهذا لا يصح؛ لأنه كلف الاجتهاد المؤدي إلى الصواب، ولم يكلف الاجتهاد المؤدي إلى الخطأ.
وأما الاستنباط وهو المقدمة الثانية من مقدمتي القياس، فهو من نتائج الاجتهاد، فكان فرعاً وأصلاً للقياس؛ لأن الوصول إلى استنباط المعاني بعد الاجتهاد في الدلائل، وصحة القياس يكون بعد استنباط المعاني، ولذلك صار الاستنباط فرعاً للاجتهاد وأصلاً للقياس.
والاستنباط يختص باستخراج المعاني من ألفاظ النصوص
مأخوذ من استنباط الماء إذا استخرج من حفرته.
وقد جعل الله تعالى الأحكام أعلاماً من أسماء ومعاني: فأما الأسماء فهي ألفاظ ظاهرة تعرف بالبديهة.
والمعاني: علل باطنة تعرف بالاستنباط، ويكون الحكم بالاسم مقصوراً عليه وبالمعنى متعدياً عنه، فصار معنى الاسم أخص بالحكم من الاسم لعموم المعنى بالتعدي وخصوص الاسم بالوقوف، ولئن كانت المعاني تابعة للأسماء؛ لأنها مستودعة فيها فالأسماء تابعة لمعانيها لتعديها إلى غيرها.
فإن تورعنا في تعليق الأحكام كان ما يدل عليه في إثبات القياس كافياً، وإذا كان كذلك وجب أن يستنبط [135/ب] معاني الأحكام بالاجتهاد، ليعلم بالقياس حكم ما يرد فيه نص من معاني ما ورد فيه النص، فما وجد فيه معنى النص شاركه في حكمه قياساً، وما عدم فيه معنى النص خالفه في حكمه عكساً، فيكون القياس موجباً لحكم الإثبات في الطرد، وحكم النفي في العكس.
ومن أصحابنا من جعله موجباً لحكم الطرد في الإثبات ولم يجعله موجباً لحكم العكس في النفي، وهو قول من اعتبر في صحة العلة الطرد دون العكس، وزاد قول من اعتبر صحتها بالطرد والعكس.
والفرق بين المعاني والعلل أن المعنى ما وجب به الحكم في الأصل حتى تعدى إلى الفرع، والعلة اجتذاب حكم الأصل إلى الفرع، فصار المعنى ما ثبت به حكم الأصل، والعلة ما ثبت به حكم الفرع.
ثم هما بعد هذا الفرق يجتمعان من وجهين ويفترقان من وجهين:
فأما الاجتماع: أن حكم الأصل موجود في المعنى والعلة.
والثاني: أن المعنى والعلة موجودان في الفرع والأصل.
وأما الافتراق: فالعلة مستنبطة من المعنى وليس المعنى مستنبطاً من العلة لتقدم المعنى وحدوث العلة.
والثاني: أن العلة قد تشتمل على معاني، والمعنى لا يشتمل على علل؛ لأن الطعم والجنس معنيان وهما علة الربا.
وعبر بعض الفقهاء عن المعنى بالعلة، وعن العلة بالمعنى، ولم يذكر فرقاً بينهما، إما اتساعاً وإما استرسالاً، والتحقيق فيهما ما ذكرناه من الفرق.
فإذا تقررت هذه الجملة وجب على المجتهد في استنباطه المعاني والعلل أربعة شروط يعتبر بها صحتها ثم تختص العلل دون المعاني بشرطين مختلفين فيهما.
فأما [136/أ] أحد الأربعة: فأن يكون المعنى مؤثراً في الحكم، فإن لم يؤثر فيه لم يجز أن يكون معنى للحكم ولا علة له، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرجم ماعزاً لاسمه ولا لهيئة جسمه ولكن للزنا، فصار الزنا علة الرجم، وكما أثبت الرسول صلى الله عليه وسلم الربا في البر، لا أنه مزروع، ولكن لأنه كطعوم فكان الطعم علة الربا دون الزرع.
والثاني: أن يسلم المعنى والعلة على الأصول ولا يرد فيهما نص ولا إجماع؛ لأن القياس فرع لهما يستعمل عند عدمهما فلم يجز أن يكون دافعاً لهما، فإذا رده أحدهما بطل.
والثالث: أن لا يعارضهما من المعاني والعلل ما هو أقوى منهما، فإن الأقوى أحق بالحكم من القياس، وما أدى إلى إبطال الأقوى فهو الباطل بالأقوى.
والرابع: أن يطرد المعنى والعلة فيوجد الحكم بوجودهما فيسلما من نقص أو كسر.
فإن عارضهما نقص أو كسر فعدم الحكم مع وجودهما فسد المعنى وبطلت العلة؛ لأن فساد العلة يدفعها وفساد المعنى لا يدفعه؛ لأن المعنى لازم والعلة طارئة؛ لأن الكيل إذا بطل أ، يكون علة الربا في البر لم يبطل أن يكون الكيل باقياً في البر، فيصير التعليل باطلاً والمعنى باقياً.
ولا يجوز تخصيص المعاني والعلل المستنبطة لتسلم من النقص المعترض أو يكون دخول النقص عليهما بارتفاع الحكم مع وجودهما دليلاً على فسادهما.
فأما العلل المنصوص عليها فقد اختلف أصحابنا في جواز تخصيصها على وجهين:
أحدهما: لا يجوز تخصيصها اعتباراً بالعلل المستنبطة.
والثاني: يجوز تخصيصها؛ لأنها لفظ منطوق به، فجرت مجرى تخصيص العموم كما علل رسول الله صلى الله عليه وسلم المنع من بيع الرطب بالتمر بأنه ينقص [136/ب] إذا يبس.
وحكي عن أبي حنيفة أنه جوز تخصيص العلل المستنبطة من النصوص عليها، ولم يفسدها بمعارضة النقض لخروجها منها بالتخصيص، بدليل أنه لما جاز تخصيص العموم كان تخصيص العلل أولى؛ لأنها قد تستنبط من عموم مخصوص هي له فرع وهو لها أصل، وهذا لا يصح من وجهين:
أحدهما: أنه لما كان سلامة الطرد معتبراًُ في العلل العقلية وجب أن يكون معتبراً في العلل الشرعية؛ لأن أحكام الشرع لا تخرج عن قضية العقل.
والثاني: أن تكون العلة إذا عارضها نقص لم يكن التعليل بالمنتقض أولى بالتعليل من الناقص، فتعارضا بهذه المقابلة فوجب العدول عنها إلى ما لا تعارض فيه.
وأما الشرطان المختلف فيهما في تصحيح العلل:
أحدهما: عكس العلة هل يكون معتبراً في صحتها؟ وجهان:
أحدهما: قال ابن أبي هريرة وجماعة: لا يعتبر، فإنه إذا ثبت الحكم بوجودها صحت وإن لم يرتفع بعجمها؛ لأن المقصود بها ثبات الحكم دون نفيه، وكما يصح المعنى إذا اطرد ولم ينعكس.
والثاني: أن صحة العكس معتبر فيها؛ لأن علل الشرع معتبرة بعلل العقل في الطرد والعكس، ولأن عدم التأثير في ارتفاعها يدل على عدم التأثير في وجودها، والفرق بين المعنى والعلة في اعتبار العكس ما قدمناه من الفرق.
والثاني: وقوف العلة على حكم النص وعدم تأثيرها فيما عداه كوقوف علة الربا في الذهب والفضة عليها تعليلاً بأنها أثمان.
واختلف أصحابنا في أنها هل تكون علة لثبوت الربا، فقال أبو بكر القفال: أشار إليه في أصوله ولا تكون علة؛ لأن العلة ما جذب حكم الأصل إلى فروعه، ويجعل
ثبوت الربا في الذهب والفضة بالاسم دون المعنى.
وقال جمهور أصحابنا: [137/أ] إنها علة وإن لم تتعد عن حكم الأصل؛ لأن وقوفها يوجب نفي حكم الأصل عن غيره، كما أوجب تعديها ثبوت حكم الأصل في غيره، فصار وقوفها مؤثراً في النفي كما كان تعديها مؤثراً في الإثبات، فاستفيد بوقوفها وتعديها حكم غير الأصل، فعلى هذا يكون ثبوت الربا في الذهب والفضة بالمعنى دون الاسم، فصارت صحة المعاني معتبرة بأربعة شروط، وفي صحة العلل وجهان:
أحدهما: تعتبر صحتها بأربعة شروط لما قدمناه من فرق ما بين المعاني والعلل.
فإذا تقرر هذا وجب على المستنبط أن يعتبر بها حكم الأصل في الكشف عن معانيه، فإن لم يجد فيها ما يؤثر في الحكم، كأعداد الركعات ونصب الزكوات، علم أن معانيه غير معقولة، وأن الحكم فيها مقصوراً على الاسم ومعتبر بالاسم، وإن كان في معاني الأصل ما يكون مؤثراً في الحكم سير جميع معانيه ولم يقتصر على المعنى الأول؛ لجواز أن يكون بعده ما هو أقوى منه، ليكون حكم الأصل معتبراً بأقوى معانيه.
ثم لا يخلو معاني الأصل من أن يكون الحكم متعلقاً بجميعها أو ببعضها، فإن تعلق بجميع معاني الأصل كالربا في الذهب والفضة فهي العلة الواقفة، وهل يكون ثبوت الحكم في الأصل بالمعنى أو الاسم، فعلى ما ذكرناه من الوجهين، وإن تعلق الحكم ببعض معانيه فهو على ضربين؛ أحدهما: أن يصح تعلق الحكم بأحد معانيه.
والثاني: أن لا يصح.
فإن صح تعليقه بأحدها فهو على ضربين:
أحدهما: أن تتفق أحكامها في الفروع، فيوجب كل واحد منهما بوجوب غيره، فيكون المستنبط مخيراً في تعليق الحكم بأيها شاء، كما يجوز أ، يثبت حكم الأصل بأي دلائله شاء.
[137/ب] والثاني: أن تختلف أحكام المعاني في الفروع، فيوجب كل واحد غير ما يوجب الآخر، كتعليل الربا في البر بأنه مقتات وبأنه مأكول، وبأنه مكيل، ولكل واحد من هذه المعاني فروع تجتذبها ليست في غيره، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون أحدهما داخلاً في الآخر، فيكون الحكم معتبراً بالمعنى للأعم دون الأخص في تعليل الربا في البر بأنه مقتات، وتعليله بأنه ماكول والقوت يدخل في المأكول، فكان تعليله بالأكل منه بالقوت لعموم الأكل وخصوص القوت.
والثاني: أن لا يدخل أحدهما في الآخر، كالتعليل بالأكل والتعليل بالكيل، فهو على ضربين:
أحدهما: أن يكون أحد المعنيين أكثر فروعاً من الآخر، فيكون أكثرها قروعاً أولى وتعليل الحكم به أحق لكثرة بيانه بكثرة فروعة.
والثاني: أن تتقارب فروعهما، فهو على ضربين:
أحدهما: أن تكون شواهد أكثر الأصول مع أحدهما، وشواهد أقلها مع الآخر فيكون أكثرها شواهد أولى، وتعليل الحكم به أحق لقوته بكثرة شواهده.
والثاني: (أن) تتساوى شواهد الأصول لكل واحد منهما ولا يترجح أحدهما على الآخر بشيء، فيتعلق حكم الأصل بكل واحد من المعنيين، ويكون اجتماعهما معاً علة في فروع الأصل، لقوة العلة باجتماعهما واستيعابهما لفروعهما.
وأما إذا لم يصح تعليق حكم الأصل بأحد معانيه لدخول الكثير عليه، وجب أن يضم إليه معنى آخر منمعاني الأصل، فيجمع فيه بين معنيين، فإن سلما بالاجتماع من كسر يدخل عليهما صارا جميعاً معنى الحكم في الأصل، وعلة الحكم في الفرع، وإن لم يسلم المعنيان من كسر ضممت إليهما معنى ثالثاً، فإن سلمت صار جميعها معنى الحكم في الأصل وعلة الحكم في الفرع، وإن لم تسلم المعاني الثلاثة [138/ أ] من كسر ضممت إليها رابعاً وخامساً، كذلك أبداً حتى يجمع بين معاني الأصل، فيتبين باجتماع معانيها وقد قل حكمه وعدم تعديه.
ومنع أبو حنيفة تعليق الحكم بما لم يتعد معانيه وأبطل به العلة الواقفة.
وخص بعض أصحابنا معاني العلة، ومنع من تعليق الحكم بأكثر من أربعة أصناف.
ولو تعارض التعليل بمعنيين أحدهما منصوص عليه والآخر مستنبط، كان معنى النص أولى من معنى الاستنباط، كما يكون الحكم بالنص أولى من الحكم بالاجتهاد، وذلك مثل تعليل مال الفيء بقوله تعالى: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ [الحشر: 7]، وتعليل تحريم الخمر بقوله تعالى: ﴿إنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ والْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: 91] الآية.
وكما علل النبي صلى الله عليه وسلم بيع التمر بالرطب بقوله: "أينقص الرطب إذا يبس.... " الخبر، فهذا التعليل كله عن نص الشافعي رضي الله عنه لا يجوز أن يدفع بعل مستنبطة.
إذا ثبت ما ذكرنا من مقدمتي القياس، فالقياس موضوع لطلب أحكام الفروع المسكوت عنها من الأصول المنصوصة بالعلل المستنبطة من معانيها، ليلحق كل فرع بأصله حتى يشركه في حكمه لاشتراكهما في المعنى والجمع بينهما بالعلة، فصار القياس إلحاق الفرع بالأصل بالعلة الجامعة بينهما في الحكم.
واسم القياس مأخوذ في اللغة من المماثلة، يقال: هذا قياس هذا أي مثله؛ لأن القياس هو الجمع بين المتماثلين في الحكم.
وقيل: إنه مأخوذ من الإصابة، يقال: قسست الشيء إذا أصبته؛ لأن القياس يصيب به الحكم.
والقياس: أصل من أصول الشرع وحجة [138/ب] يستخرج بها أحكام الفروع المسكوت عنها، يجب العمل به عند عدم النصوص في الإجماع، واختلفوا في طريق إثباته، فقال الأكثرون: هو دليل بالشرع.
وقال بعضهم: هو دليل بالعقل وهو ضعيف.
وقال النظام، وداود، والقاساني، والمغربي، والنهرواني، والشيعة: لا يجوز أن يعمل به في الشرع، ولا القول به، ولا يستدل به على حكم في فرع، والأحكام متعلقة بالأسماء دون المعاني.
وعندنا يتعلق الحكم بمعانيها إذا عقلت، وبالأسماء إذا جهلت ويكون اختلافهما
على ما ورد الشرع بها.
واختلفوا في طريق نفيه، فقال بعضهم: منفي بالعقل وحده.
وقال بعضهم: منفي بالشرع وحده.
وحكي عن داود أنه قال: لم يرد الشرع به، ولو ورد به لجاز أن يكون دليلاً فيه.
وقيل: إنه قال: العقل لا يوجبه والشرع لم يوجبه، وهذا كله غلط، وهذا الخلاف خلاف حادث بعد أن تقدم الإجماع بإثباته من الصحابة والتابعين قولاً وعملاً.
أما العمل: فإنهم اختلفوا في مسائل، مثل قوله: أنتعلي حرام، ومقاسمة الجد الإخوة، وذهب كل واحد منهم مذهباً، ولا يجوز أن يكونوا قالوا ذلك توقيقاً؛ لأن أحداً منهم ما أظهر فيه توقيفاً، فثبت أنهم قالوه اجتهاداً وقياساً.
وأما القول: قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في الكلالة: أقول فيها برأيي.
وعن عمر- رضي الله عنه- مثل ذلك.
وقال ابن مسعود رضي الله عنه في مسألة المفوضة أقول برأيي، فإن أصبت فمن الله تعالى، وإن أخطأت فمني ومن الشيطان [139/أ] والله ورسوله منه بريئان، وغير هذا من الألفاظ في مسائل كثيرة، ما تدل على الاجتهاد والقياس، فدل ذلك على صحة ما قلناه.
وأيضا قال الله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر: 2]، وفي الاعتبار وجهان: أحدهما: أنه مأخوذ من العبور، وهو أن يجاوز المذكور إلى غير المذكور، وهذا هو القياس.
والثاني: مأخوذ من العبرة، وهو اعتبار الشيء بمثله، ومنه عبرة الخراج، أن يقاس خراج عام بخراج عام غيره في المماثلة.
وفي كلا الوجهين دليل على القياس؛ لأنه أمر أن يستدل بالشيء على نظيره، وبالشاهد على الغائب.
وأيضا قال تعالى: ﴿وضَرَبَ لَنَا مَثَلاً ونَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس: 78] الآية، فجعل خلق الأحياء دليلاً على خلق الموتى، وهذا دليل مستمر في قضايا العقول، ولولا القياس لما صار دليلاً.
وأيضاً قال الله تعالى: ﴿ولَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ وإلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83]، وأولوا الأمر هم العلماء، والاستنباط هو القياس، فصارت هذه الآية كالنص في إثباته.
وروي في خبر معاذ- رضي الله عنه- أنه قال: "أجتهد رأيي" وهذا دليل على جواز الاجتهاد عند عدم النص، وأن ليس كل الأحكام مأخوذة عن نص، فصار القياس أصلاً بالنص.
وروي أنه صلى الله عليه السلام قال في خبر عمر رضي الله عنه: "أرأيت لو تمضمضت" وهذا قياس.
وأيضاً لما استقر في العقل أن يستدل بالشاهد على الغائب، ويجمع بين المتماثلين في الشبه، ويسوي بين المتفقين [139/ب] في المعنى، وجب أن يكون في قضايا السمع استدلال بالشاهد على الغائب، والجمع بين المتماثلين في الشبه والمتفقين في المعنى استدلالاً بالعقل والسمع.
أما العقل فشواهده واضحة.
وأما السمع فقد يستقر بالشاهد على الغائب في القبلة بقوله تعالى: ﴿وحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144].
وفي الجمع بين المشتبهين في المماثلة وجزاء الصيد بقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95].
وفي التسوية بين المتفقين في المعنى لاعتبار الرق في حد العبد بالزنا بحد الأمة بقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المُحْصَنَاتِ﴾ [النساء: 25] الآية.
فإن قيل: أحكام العقل متفقة وأحكام السمع مختلفة فلم يجز اعتبار أحدهما بالآخر.
قلنا: نحن نقيس على أحكام السمع ما وافقها كما نقيس على أحكام العقل ما وافقها، فصار كل واحد منهما أصلاً لفروعه في المماثلة.
فإذا تقرر هذا فالقياس قياسان؛ قياس معنى وقياس شبه.
والفرق أن قياس المعنى ما لم يكن لفرعه إلا أصل واحد أخذ حكمه من معناه.
وقياس ما تجاذبته أصول فليحق بأقواها شبهاً به، فصار قياس المعنى أقوى من قياس الشبه على الوجهين.
ثم قياس المعنى ينقسم قسمين؛ خفي وجلي.
فأما الجلي فيكون معناه في الفرع زائداً على معنى الأصل.
والخفي يكون معناه في الفرع مساوياً لمعنى الأصل.
والقياس الجلي على ثلاثة أضرب:
أحدها: ما عرف معناه من ظاهر النص بغير [140/أ] استدلال، ولا يجوز أن يرد التعبد فيه بخلاف أصله، وذلك مصل قوله تعالى: ﴿فَلا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: 23]، فدل تحريم التأفيف ببديهة النص على تحريم الضرب والشتم لما فيه من إهانة الأبوين والأذى.
ويجوز أن يحرم التأفيف ويبيح الضرب والشتم، فصار تحريم الضرب والشتم مأخوذاً من تحريم التأفيف قياساً، ومثله قوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7] الآية.
فلا يجوز أن يجازي على قليل الطاعة ولا يجازى على كثيرها، ويعاقب على قليل المعصية ولا يعاقب على كثيرها.
وقال القفال الشاشي: حكم ذرة ونصف ذرة بمنزلة، وإنما قال هذا حتى لا يقول مهوس الكثير ذرات والاسم متناول لها، ومثله قوله: ﴿ومِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مَنْ إن تَامَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾ [آل عمران: 75] الآية، فالأمين على القنطار هو على الدينار آمن والخائن في الدينار هو في القنطار أخون.
ومثله قوله تعالى: ﴿وإن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾ [الأنبياء: 47] وقوله تعالى: ﴿ولا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: 124].
وقال بعض مشايخنا: لا يسمى هذا قياساً؛ لأن العرب وضعت هذه اللفظة للتنبيه على ما زاد عليه، فيكون النهي عن الضرب والشتم باللفظ دون المعنى، وسماه بعضهم مفهوم الخطاب، وقيل: هو فحوي الخطاب، قالوا: والقياس ما خفي حكم المسكوت عنه بالاستدلال من المنصوص عليه، فما خرج عن الخفاء لم يحتج إلى الاستدلال فليس بقياس.
وقال نفاة القياس: مثل هذا لا يكون قياساً، [140/ب] بل هو نص.
وقيل: إنه تنبيه وهذا غلط؛ لأن النص ما عرف حكمه من اسمه.
والقياس ما عرف حكمه من اسم غيره وقد وجد هنا؛ لأن اسم التأفيف لا ينطلق على الضرب كما لا
ينطلق الضرب على التأفيف، فصار تحريم الضرب مأخوذاً من معنى التأفيف لا من اسمه، فإن امتنعوا أن يسموه قياساً فقد سلموا معناه وخالفوا في اسمه، والمخالفة في الاسم ساقطة مع تسليم المعنى.
وأيضاً فالمعاني تتنوع إلى جلي تسبق بديهته إلى الفهم من غير استدلال، وإلى خفي لا يفهم إلا بالفكر والاستدلال، كالأسماء تتنوع إلى واضح تعرفه الخاصة والعامة، وإلى غامض تعرفه الخاصة دون العامة، كنهية صلى الله عليه وسلم أن يصلي الرجل وهو زناء، وقوله صلى الله عليه وسلم "لا جلب، ولا جنب، ولا خلاط، ولا وراط".
ونهى صلى الله عليه وسلم عن الملاقيح والمضامين.
ثم اختلاف الأسماء وفي الوضوح والغموض لا يمنع أن تكون كلها نصوصاً، وكذلك اختلاف المعاني في الجلاء والخفاء لا يمنع أن تكون كلها قياساً.
واعلم أن هذا الوجه من القياس أقرب وجوه القياس إلى النصوص لدخول فرعها في النصوص، ولا خلاف بين أصحابنا في جواز تخصيص العموم به، وهل يجوز به النسخ أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: وهو قول الأكثرين: لا يجوز؛ لأن القياس فرع للنص الذي هو أقوى، فلا يجوز أن يكون ناسخاً له.
والثاني: وهو اختيار ابن أبي هريرة وجماعة يجوز؛ لأنه لما جاز [141/أ] أن يرد التعبد في فرعه بخلاف أصله، صار الفرع كالنص فجاز به النسخ.
فإن كان أصله نصاً في القرآن جاز أن ينسخ به القرآن دون السنة، وإن كان أصله نصاً في السنة جاز أن ينسخ به السنة دون القرآن.
ومن هذا اختلف أصحابنا في قوله تعالى: ﴿إن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: 65] الآية، مع قوله: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال: 66] الآية، أن نسخ مصابرة عشرين مائتين بمصابرة عشرين أربعين، علم بالقياس بظاهر الكلمة، فمنهم من قال: علم بالقياس؛ لأن الله تعالى لم ينص على حكم العشرين، وإنما قسناه على نسخ ظاهر الكلمة، ومنهم من قال: علم بظاهر الكلمة.
والضرب الثاني: ما عرف معناه من ظاهر النص بغير استدلال بالإجماع، ولكن يجوز أن يرد التعبد فيه بخلاف أصله، مثل نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأضحية بالعوراء، والعرجاء، فكانت العمياء قياساً على العوراء والقطعاء قياساً على العرجاء، لأن نقصها أكثر والنص للنقص وإن جاز أن يرد التعبد بإباحة العمياء والقطعاء مع تحريم النص وأباح ما عداه، فحرم التضحية بالعوراء والعرجاء وأباح التضحية بالعمياء والقطعاء، وأثبت بعضهم تحريم جميعه بالتنبيه دون النص، فهذا الضرب من القياس يجوز تخصيص العموم بمثله، ولا يجوز به النسخ بالاتفاق لجواز ورود التعبد في الفرع بخلاف أصله.
ومن هذا الجنس قوله صلى الله عليه وسلم [141/ب] " لا يقضي القاضي وهو غضبان" وقد أجمعوا
على أن منعه لأنه يزعجه ويغير طبعه، فكان النعاس الغالب، والجوع الشديد والشبع المثقل، والحزن المفرط قياساً عليه لوجود معناه فيه.
ومثله قوله صلى الله عليه وسلم في الفأرة إذا ماتت في السمن: "إن كان جامداً فألقوها وما حولها، وإن كان مائعاً فأريقوه".
وأجمعوا على أنه لنجاسة الفأرة.
وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه" فكان التغويط مثله.
وقال صلى الله عليه وسلم: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليهرقه وليغسله سبع مرات" فكان إذا بال الكلب فيه مثله.
فإن قيل: لا نعلم كل هذا قياساً، وإنما علمناه إجماعاً.
قلنا: المجمعون إنما قالوا ذلك من طريق القياس دون غيره، ولو كان هناك سبب جمعهم عليه لعرفناه ولنقل إلينا كما نقل إجماعهم.
والضرب الثالث: ما عرف معناه من ظاهر النص باستدلال ظاهر يعرف بمبادئ النظر، وذلك مثل قوله وتعالى: ﴿فَإذَا أُحْصِنَّ فَإنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المُحْصَنَاتِ مِنَ العَذَابِ﴾ [النساء: 25]، ولم يكن المعنى إلا نقص الرق بالعبد قياس عليه بهذا المعنى، كقوله صلى الله عليه وسلم: "من أعتق شركاً له في عبد قوم عليه الباقي" فكانت الأمة قياساً.
وكقوله تعالى في يوم الجمعة: "وذروا البيع" [الجمعة: 9]، فعقد النكاح قياس على البيع، فهذا الضرب لا يجوز النسخ به ويجوز تخصيص العموم به عند أكثر أصحابنا.
وقال بعضهم: لا يجوز تخصيص العموم به لخروجه عن الجلاء بالاستدلال، وهكذا غلط، لأنه قد صار بجلاء الاستدلال كالجلي بغير استدلال.
وهذه الضروب الثلاثة [142/ أ] من القياس يجوز أن ينعقد بها الإجماع وينقض بها حكم من خالفها من الحكام.
وأما القياس الخفي: فهو ما خفي معناه فلم يعرف إلا بالاستدلال، ويكو معناه في الفرع مساوياً لمعنى الأصل، وهو على ثلاثة أضرب: أحدهما: ما كان معناه لائحاً.
والثاني: ما كان غامضاً.
والثالث: ما كان مشتبهاً.
فأما الأول: فيعرف باستدلال متفق عليه مثل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء:23] الآية، فكان عمات الآباء والأمهات في التحريم قياساً على الخالات لاشتراكهن في الرحم.
وكقوله تعالى في نفقة الولد في صغره: ﴿فَإنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6]، فكانت نفقة الوالد عند عجزه في كبره قياساً على نفقة الولد لعجزة في صغره، والمعنى في هذا الضرب لائح لتردده بين الجلي والخفي، وهو من ضروب الخفي بمنزلة الأول من ضروب الجلي، ويجوز أن ينعقد الإجماع بمثله وينقض به حكم الحاكم إذا خالفه، وهل يجوز تخصيص العموم به؟ فيه وجهان.
وأما الثاني: فهو ما كان معناه غامضاً للاستدلال المختلف فيه فتقابلت معانيه حتى غمضت، مثاله: تعليل الربا في البر المنصوص عليه، فيقابل فيه التعليل بالأكل ليقاس
عليه كل مأكول، والتعليل بالقوت ليقاس عليه كل مقتات، والتعليل بالكيل ليقاس عليه كل مكيل.
ومثل هذا الضرب لا ينقض به حكم الحاكم ولا يخص به العموم.
وأما الثالث: وهو ما كان مستبهماً احتاج نصه ومعناه إلى استدلال كالذي قضي به الرسول صلى الله عليه وسلم أن الخراج بالضمان يعرف بالاستدلال، أن الخراج هو المنفعة والضمان هو ضمان البيع، ثم عرف معنى المنفعة بالاستدلال، فتقابلت المعاني بالاختلاف فيها، فمن علل [142/ ب] لها بأنها آثار فلم يجعل المشتري إذا رد بالعيب مالكاً للأعيان من الثمار والنتاج، ومن علل لها بأنها ما خالفت أجناس أصولها، فجعله مالكاً للثمار دون النتاج، وعللها الشافعي بأنها إنما يجعله مالكاً لكل نماء من ثمار ونتاج، فمثل هذا الضرب ينعقد الإجماع في حكم أصله، ولا يتعقد في معناه ولا ينقض بقياسه حكم، ولا يخص به عموم وهو مما تقدمه وإن قاربه في حكمه.
وأما قياس الشبه: فهو ما تجاذبته الأصول، فأخذ من كل أصل شبهاً، وأخذ كل أصل منه شبهاً، وهو نوعان: قياس تحقيق يكون الشبه في أحكامه.
وقياس تقريب يكون الشبه في أوصافه، وقياس التحقيق مقابل لقياس المعنى الجلي وإن ضعف عنه.
وقياس التقريب مقابل لقياس المعنى الخفي وإن ضعف عنه.
وأما قياس التحقيق فثلاثة أضرب:
أحدهما: أن يتردد حكم الفرع بين أصلين ينتقص برده إلى أحدهما ولا ينتقص برده إلى الآخر قرده إلى الأصل الذي لا ينتقص برده إليه وإن كان أقبل شبهاً دون الآخر.
وإن كان أكثر شبهاً كالعبد هل يتردد بين الحر والبهيمة، فلما انتقص برده إلى الميراث حين لم يملك به وجب رده إلى البهيمة لسلامته من النقص، وإن كان شبهه بالأحرار أكثر.
والثاني: أن يتردد الفرع بين أصلين يسلم من النقص في رده إلى كل واحد منها وهو بأحد الأصلين أكثر شبهاً مثل أن يشبه أحدهما من وجه والآخر من وجهين أو أحدهما في وجهين والآخر من ثلاثة أوجه يرد إلى الأكثر مثاله: في الجناية على طرف العبد يتردد بتردده إلى الحر في تقدير الجناية على أطرافه وبتردده على البهيمة في وجوب ما نقص من قيمته وهو يشبه البهيمة في أنه مملوك وموروث ويشبه الحر في أنه آدمي مخاطب مكلف يجب في قتله القود والكفارة فوجب رده إلى الحر [143/ أ] في تقدير أرش طرفة دون البهيمة لكثرة شبه بالحر.
والثالث: أن يتردد الفرع بين أصلين مختلفي الصفتين، ويوجد في الفرع بعض كل واحد من الصفتين ولا يكمل فيه إحدى الصفتين، لكن يوجد فيه الأكثر من إحدى الصفتين والأقل من الأخرى، فيجب رده إلى الأصل الذي فيه أكثر صفاته.
مثاله: ثبوت الربا في السقمونيا لما تردد بين الخشب في الإباحة، لأنه ليس بغذاء وبين الطعام في التحريم، لأنه مأكول فكان رده إلى الغذاء في التحريم وإن لم يكن غذاء، وفي رده إلى الخشب في الإباحة وإن لم يكن غذاء، لأن الأكل أغلب بصفاته.
وأما قياس التقريب فثلاثة أضرب:
أحدهما: أن يتردد الفرع بين أصلين مختلفي الصفتين، وقد جمع الفرع معنى الأصل فيترجح في الفرع اغلب الصفتين.
مثاله في المعقول: أن يكون أحد الأصلين معلولا بالبياض والآخر معلولا بالسواد، ويكون الفرع جامعاً بين السواد والبياض فيعتبر حاله، فإن كان بياضه أكثر من سواده رد إلى الأصل المعلول بالبياض، ولم يكن للسواد فيه تأثير، وإن كان سواده أكثر من بياضه رد إلى الأصل المعلول بالسواد دون البياض، ولم يكن للبياض فيه تأثير.
مثاله في الشرع: الشهادات أمر الله تعالى فيها بقبول العدل ورد الفاسق، وقد علم أن أحداً غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا بمحض الطاعة حتى لا يشوبها بمعصية من الصغائر، فوجب اعتبار الأغلب من حاليه كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ، فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ، وأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ، فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة:6 - 9]، [143/ ب] فإن كانت الطاعات أغلب عليه حكم بعدالته، ولا تأثير لما فيه من معصية، وإن كانت المعاصي أغلب عليه حكم بفسقه، ولا تأثير لما فيه من طاعة.
وقال أبو حنيفة: هذا الضرب لا يكون قياساً، لأن ما استخرج علة فرعه من أصله، وهذا قد استخرج علة أصله من فرعه.
ولأن القياس إنما يصح إذا كان معنى الأصل موجوداً بكماله في الفرع، فإذا وجد بعض أوصافه لا يصح إلحاقه به، وهذا لا يصح، لأن صفة العلة مستخرجة من الفرع وحكم العلة مستخرج من الأصل، والجمع بينهما موضوع بحكم العلة دون صفتها.
ومثال هذا: ما نقول في الماء المطلق إذا خالطه مائع طاهر كماء الورد فلم يغيره نظر، فإن كان الماء أكثر حكم له بالتطهير وإن كان فيه ما ليس بمطهر، فإن كان ماء الورد أكثر حكم به غير مطهر، وإن كان فيه ما هو مطهر، ولأن الحادثة إذا أشبهت كل واحد من الأصلين في بعض الأوصاف فلا بد من تعرف حكمها، ولا نصفيها يحتاج أن يلحق بأصله، ولا يجوز إلحاقها بغير هذين الأصلين، لأنه لا يجوز إلحاقها بما لا يشبهها، ولا يمكن إلحاقها بهما لتضادهما فكان إلحاقها بأكثرها شبهاً أولى.
وقال القاضي الطبري: هذا النوع من القياس ضعيف، لأنه مقيس على ما يلحق به من غير علة وذلك لا يجوز، ولا الوصف الذي أشبه الأصل فيه من أن تكون علة الأصل وليس بعلة، فإن علته فهو قياس العلة لا قياس الشبه، وإن لم تكن علته فلا يصح القياس عليه بغير علته.
قال: ومعنى هذا [144/ أ] عندي إذا تردد فرع بين أصلين وقاس كل واحد من الخصمين على أصله فعله ظاهرها الصحة إلى الترجيح، فيغلب أحد الأوصاف بكثر الشبه، فيكون ذلك على سبيل الترجيح.
والثاني: أن يتردد الفرع بين أصلين مختلفي الصفتين والصفتان معدومتان في الفرع، وصفة الفرع تقارب إحدى الصفتين وإن خالفتها.
مثاله في المعقول: أن يكون أحد الأصلين معلولا بالبياض والأصل الآخر معلولا بالسواد، والفرع أخضر لا أسود ولا
أبيض، فيرد إلى أقرب الأصلين شبها بصفته، والخضرة أقرب إلى السواد فيلحق به.
ومثاله في الشرع: قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ [المائدة:95].
وليس المثل من النعم مشبهاً للصيد في جميع أوصافه، ولا منافياً له في جميع أوصافه، فاعتبر في الجزاء أقرب الشبه بالصيد.
وقال أبو حنيفة: مثل هذا لا يكون قياساً، لأن القياس ما وجدت أوصاف أصله في فرعه، وأوصاف الأصل في هذا غير موجودة في الفرع فصار قياساً بغير علة، ولهذا لا يصح، لأن الحادثة لا بد من حكم، والحكم لا بد له من دليل، فإذا لم يكن في الكتاب ولا في السنة ولا في الإجماع دليل عليها لم يبق لها أصل غير القياس، فكان أقرب بها شبهاً بأصل القياس هو علة القياس له، وقد جعله بعض أصحابنا اجتهاداً محضاً ولم يجعله قياساً، وهذا الاجتهاد لا بد له من أصل يعتبر فيه شبه الأصل فصار قياساً.
والثالث: أن يتردد الفرع بين أصلين مختلفي الصفتين، والفرع جامع لصفتي الأصلين وأحد الأصلين [144/ ب] من جنس الفرع دون الآخر.
مثاله: أن يكون الفرع من الطهارة وأحد الأصلين من الصلاة والثاني من الطهارة، فيكون رده إلى أصل الطهارة لمجانسته أولى من رده إلى أصل الصلاة.
واعلم أن هنا أصلاً رابعاً اختلف أصحابنا في جواز وجوده، وهو أن يتردد الفرع بين أصلين فيه شبه كل واحد من الأصلين، ولا يترجح أحدهما على الآخر بشيء، فمنع كثير من أصحابنا في وجوده، وأحال تكافئ الأدلة، لأنه لا يجوز أن يتعبد الله تعالى عبادة بما لم يجعل لهم طريقاً يوصلهم إلى عمله، ولكن ربما خفي على المستدل لقصوره في الاجتهاد، فإن أعوزه الترجيح بين الأصلين عدل إلى التماس حكمه من غير القياس.
وذهب الأكثرون إلى جواز وجوده، لأنه لما جاز أن يكون من الأدلة غامضة لما علمه فيها من المصلحة جاز أن يكون فيها متكافئة لما يراه من المصلحة، وليس يخلو أن يكون لها حكم مع التكافيء.
فعلى هذا اختلفوا في حكم ما تكافأت فيه الأدلة، وتردد بين أصلين حاظرا ومبيح على وجهين:
أحدهما: المجتهد بالخيار في رده إلى أي الأصلين شاء، لأن الله تعالى لو لم يرد كل واحد مهما لنصب على مراده منهما دليلاً.
والثاني: يرده إلى أغلظ الأصلين حكماً، وهو الحظر دون الإباحة احتياطاً، لأن أصل التكليف موضوع على التغليظ.
فصارت أقسام القياس على ما شرحناه اثني عشر فسماً، ستة منها مخنصة بقياس المعنى، منها ثلاثة أقسام في الجلي وثلاثة في الخفي، وستة أقسام مختصة بقياس الشبه، منها ثلاثة في قياس التحقيق، [145/ أ] وثلاثة في قياس التقريب.
فإذا تقرر هذا فالذي ثبت بالقياس في الشرع هو الأحكام المستنبطة من النصوص.
فأما الأسماء والحدود والمقادير، هل يجوز استخراجها بالقياس؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز إذا تعلق بالأسماء أحكام كتسمية النبيذ خمراً لوجود معنى الخمر
فيه، ويجوز أن يثبت حد الخمر ثمانين قياساً على حد القذف، كما قال على رضي الله عنه: إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذي، وإذا هذي افترى، وحد المفتري ثمانون ويجوز أن تثبت المقادير قياساً كما قدرنا أقل الحيض وأكثره وأقل السفر وأكثره، وهذا اختيار ابن أبي هريرة، لأن جميعها أحكام.
والثاني: لا يجوز، لأن الأسماء مأخوذة من اللغة دون الشرع، ومعاني الحدود غير معقولة، والمقادير مشروعة.
وإنما صير إلى هذه الأمور المقدرة إلى القول والثاني النظر، الفكر بالقلب والعقل والجدل، وهو الاحتجاج باللسان، وفي الفرق بين الدليل والحجة وجهان؟ أحدهما: الدليل ما دلك على مطلوبك والحجة ما منعت منت ذلك.
والثاني: الدليل ما دلك على صوابك والحجة ما دفعت قول مخالفك.
وفي الفرق بين النص والظاهر وجهان: أحدهما: النص ما كان لفظ دليله، والظاهر ما سبق مراده إلى لفظ سامعيه.
والثاني: النص ما لم يتوجه إليه احتمال، والظاهر ما سبق إليه احتمال.
وفي الفرق بين الفحوى ولحن القول وجهان:
أحدهما: الفحوى ما نبه عليه اللفظ، ولحن القول ما لاح في أثناء اللفظ.
والثاني: الفحوى ما دل على ما هو أقوى منه، ولحن القول ما دل على مثله، والله أعلم بالصواب [145/ ب].
مسألة: قال: "وإن لم يكن في عقله ما إذا عقل القياس عقله، وإذا سمع الاختلاف ميزة، فلا ينبغي له أن يقضي ولا لأحد أن يستقضيه".
جملة هذا أن الشافعي - رضي الله عنه- ذكر الشرائط المعتبرة فيمن يلي القضاء، وهي ثلاث شرائط، إحداهما: أن يكون من أهل الاجتهاد.
والثانية: أن يكون عدلاً.
والثالثة: أن يكون كاملاً.
فأما كونه من أهل الاجتهاد فهو أن يكون عالماً بكتاب الله تعالى، ولا نقول يجب عليه أن يحفظ القرآن، بل يجب أن يعرف الأحكام فيعرف العام والخاص، والمحكم والمتشابه، والمطلق والمقيد، والمجمل والمفسر، والناسخ والمنسوخ، ويعرف السنن التي تتعلق بالأحكام، ويعرف الإجماع والاختلاف على ذكرنا بالشرح فيمن يستشيره القاضي، ولا يجوز أن يكون القاضي عامياً، وبه قال أحمد.
واختلف أصحاب أبو حنيفة، فقال بعضهم وهو الأظهر: يجوز أن يكون القاضي عامياً يحكم بالتقليد، لأن الغرض فيه فصل الخصومات ورد المظالم، ويمكن ذلك بالتقليد كما تقلده المقوم ويحكم بالقيمة.
وقال بعضهم: مذهبه نحو مذهبنا.
والدليل على صحة ما ذكرنا أن الحكم أكد من الفتيات، فإذا لم يجز أن يفتي بالتقليد فلأنه لا
يجوز الحكم أولى، وهذا لأن الحرية شرط في القضاء وإن لم تكن شرطاً في الفتيا.
فإن قيل: أليس يجوز أن يخبر بكل ما سمع؟ قيل: هذا خطأ، لأنه لا يجوز أن يكون مفتياً بكل ما سمعه، وإنما يجوز أن يخبر عن رجل بعينه من أهل الاجتهاد، فيكون مقولاً بخبره لا بفتواه، ويخاف قول المقوم لأن ذلك لا يمكن الحاكم أن يعرف القيمة بنفسه بخلاف الحكم.
فإن قيل: هذا الذي ذكرتم من الشرائط يمنع القضاء والاستشارة، لأنه لا تكاد توجد [146/ أ] هذه الأوصاف.
قيل: قيد بينا أنه يعتبر معرفة حمل هذه العلوم دون التبحر في كلها، ويعرف من لسان العرب ما يفهم به عن الله تعالى، وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، ويعرف في القياس ما يميز به بين القياس الصحيح وبين الفاسد، وبين الجلي والخفي، وقياس العلة وقياس الشبه، وهذا كله يجمعه فقهاءنا في هذا الزمان، وفيما قبله ولله الحمد.
ولهذا قال الشافعي رضي الله عنه: "وعمل الناس بخلافه فإنهم لا يولون إلا فقيهاً في الجملة"، إلا أن الناس اليوم تسمحوا بالعلم بالقضاء وجعلوه في العامة الذين لا يعرفون من ذلك شيئاً، وإنما أحسن أحوالهم أن يقلدوا من يعتقد مذهب السلف الذين ينتمون إليه ويعتقدون مذهبه، وإذا اختلف الفتاوى عليهم لم يقدروا على التمييز عنها، فدافعوا بالخصوم حتى يصطلحوا أو يقضوا بينهم بما وافق.
هداهم الله عز وجل وهو المستعان، ومن كان هكذا فهو القاضي الذي توعده رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنار، فقال في الحديث الصحيح: "القضاة ثلاثة... " الخبر، فجعل الجاهل بمنزلة العالم إذا جار وجعلهما جميعاً من أهل النار، فمن عرف هذا الحديث ثم ولى القضاء مع الجهل فما له حظ في الدين.
وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا حكم الحاكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد" فدل على أن طريق الحكم هو الاجتهاد دون التقليد.
وأما العدالة: فما يعتبر في الشاهد يعتبر فيه.
وقال الأصم: يجوز أن يكون الفاسق أميراً، لقوله صلى الله عليه وسلم: "سيكون بعدي أمراء يؤخرون الصلاة عن أوقاتها، فصلوها لوقتها، ثم صلوا معهم واجعلوا صلاتكم معهم سبحة".
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:6]، ولأنه شرط في الشهادة [146/ ب] ففي القضاء أولى، لأنه أقوى منها.
وأما الخبر الذي ذكرنا قلنا: أراد يؤخرون الصلاة عن أول أوقاتها، أو نقول: سماهم أمراء على طريق المجاز.
وأما الكمال: فيحتاج أن يكون كاملاً في الخلق، فأن لا يكون أعمى ولا أخرس ولا أصم، لأن فقد هذه الحواس يمنع الحكم بين الخصوم بنفسه ولا يفرق الأعمى بين الطالب والمطلوب.
وقال مالك: يجوز قضاء الأعمى كما تجوز شهادته.
وقيل: فيه وجه آخر يجوز كما جاز أن يكون نبياً وهو شعيب ويعقوب صلى الله عليهما.
وقال ابن سريج: يجوز قضاء الأخرس كما تجوز شهادته إذا كان مفهوم الإشارة.