لا يحصل مقصوده بالأخذ بالشفعة، وقال القاضي الطبري: لو قال الشفيع: أنا آخذه وأقر له حق التطرق فيه كان ذلك له بشرط أن يكون حق التطرق لازمًا لا يجوز له الرجوع فيه.
فرع آخر
إذا قلنا بالوجه الثالث: فأخذ الحصة من العرصة بالشفعة واستحق المشتري الاستطراق إلى داره في العرصة نظر في أخذ الحصة، فإن أخذها جميع الشركاء في العرصة فله حق الاستطراق على جميعهم حتى لو اقتسموا كان له أن يستطرق حصة من شاء منهم، وإن أخذ الحصة أحدهم فيه وجهان أحدهما: أنه يستحق الاستطراق في حصة الأخذ منه بالشفعة دون غيره من الشركاء حتى لو اقتسموا لم يكن له استطراق حصة غيره لأن طريق الدار في حصته، والثاني: يستحق الاستطراق على جميعهم لأن حقه منفعة شائعة في جميع العرصة فلم تصح إجارتها بالقسمة.
فرع آخر
لو اتسعت العرصة عن استطراق الشركاء لو اقتسموا وكان نصفها لو اقتسموه كافيًا لاستطراقهم فالشفعة في الفاضل عن استطراقهم واجبة وجهًا واحدًا ولا يملك المشتري فيه استطراقا وفي وجوبها على المستطرق ثلاثة أوجه على ما ذكرنا، وأعلم أن الشافعي قال ها هنا: وأما عرصة الدار تكون محتملة للقسم وللقوم طريق إلى منازلهم فإذا بيع منها شئ ففيه الشفعة وصورة هذه العرصة أن تكون الأرض الفضاء المملوكة للشركاء فلما اقتسموها لبناء المنازل تركوا في وسطها عرصة تكون لهم سكة واسعة كالرحبة يتطرقون منها إلى منازلهم، فإن كانت هذه الرحبة بحيث تحتمل القسمة فباع بعضهم حصته منها تثبت الشفعة للشركاء في الحصة المبيعة لأنها حصة شائعة في عقاٍر مملوٍك محتمل للقسمة، وإن كانت هذه العرصة [88/ ب] متضايقة بحيث لا تحتمل القسمة فباع بعضهم حصته فلا شفعة وبيان العرصة التي تحتمل القسمة والتي لا تحتملها ي أن تكون بحيث لو قسمت بقي للقوم طريق إلى منازلهم ولفظ الشافعي ها هنا مشكل لأنه قال: تكون محتملة للقسم وللقوم طريق إلى منازلهم ومعناه بعد القسم طريق إلى منازلهم والواو واو الحال، ولو كان يريد صفتها قبل القسم لكان يقول: وللقوم طريقًا إلى منازلهم خيرًا لقول: تكون محتملةٌ للقسم.
مسألة: قال: "ولولي اليتيمِ وأبي الصَّبيِّ أن يَأخُذا بالشفعةِ ".
الفصل
وهذا كما قال: إذا ثبتت الشفعة للصبي وهو في حجر الأب أو الجد أو الوصي أو القيّم من جهة الحاكم فإن لمن يليه أن يأخذ الشفعة له ثم لا يخلو إما أن يكون الحظ
في الأخذ أو [في] الترك، فإن كان في الأخذ فعليه الأخذ وإذا أخذه ملكه المولى عليه فإن عفا فقد فعل ما لا يجوز له فعله، ولا يصح العفو وللصبي الأخذ بالشفعة إذا بلغ وهل يكون على الفور مع الإمكان أو على التراخي؟ على ما بيناه وبه قال محمد وزفر.
وقال أبو حنيفة: يصح عفوه ولا يثبت له بعد البلوغ لأن من ملك الأخذ ملك العفو وهذا غلط لأنه إسقاط حق للمولى عليه لا حظ له فيه فلم يصح كالإبراء وإسقاط الرد بالعيب، وقال ابن أبي ليلى: لا يجوز للوليّ أن يأخذ الشفعة لليتيم أصلاً لأنها موقوفة على شهوات النفوس ولأن من لا يملك العفو لا يملك الأخذ ولا ينتظر لأن فيه إضرارًا بالمشتري فبطلت، وقال الأوزاعي: تثبت الشفعة وليس للولي أن يأخذها بل يتأخر إلى البلوغ وهذا غلط لأنه خياٌر ثبت لدفع الضرر عن المال فملكه الولي في حق الصبي كخيار الرد بالعيب وليس كالعفو لأنه إسقاط وهذا توفير فو كما يملك استيفاء الدين ولا يملك الإبراء عنه [89/ أ].
واحتج الأوزاعي بالقصاص لا يستوفيه الولي ويؤخر استيفاؤه إلى ما بعد البلوغ، قلنا: المقصود من القصاص التشفي ودرك الغيظ ولا تدخل فيه النيابة وها هنا الغرض إزالة الضرر عن المال وتدخله النيابة فافترقا، ولو أخذ الشفعة له ثم بلغ فأراد الرد ليسترد الثمن ليس له ذلك، وإن كان الشقص عند البلوغ متراجع القيمة لأن الاعتبار بساعة الأخذ وكانت المصلحة في أخذه بالشفعة، وإن كان الظ في الترك لا يجوز له الأخذ، فإن خالف وأخذ كان الأخذ باطلاً لا يملكه المولى عليه ولا الولي أيضًا لأنها تستحق بالشركة الموجودة حين البيع ولا شركة ل بخلاف ما لو اشترى شيئًا للصبي لا غبطة له فيه يلزم الولي الشراء، وإن عفا الولي ها هنا وتركها هل يسقط بعفوه حتى إذا بلغ ليس له الأخذ المذهب أنه يسقط.
وحكي أبو إسحاق عن بعض أصحابنا أنه قال: لا يصح عفوه وللصبي الأخذ بالشفعة إذا بلغ لأنه ملك الآن ووجود معتبر في أخذ الولي لا في أخذ المالك وهذا غلط لأن أخذه صحيح عند الغبطة فعفوه صحيح عند الغبطة كالرد بالعيب والرضا به، وقيل: فيه قولان ذكره الربيع وغيره وهذا الثاني اختيار أبي إسحاق وبه قال زفر ومحمد وهذا غير مشهور وقد روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الصبي على شفعته حتى يدرك فإن أدرك فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك".
فرع
لو استوي الحظ في الأخذ والترك ففي أخذ الولي ثلاثة أوجهٍ أحدها: لا يأخذ الشفعة ما لم يظهر له الحظ في أخذها، والثاني: يلزمه أخذها لأن الأخذ حظ ما لم يظهر ضرر، والثالث: أنه مخير بين أخذها وتركها لاستواء الحالين، فإذا قلنا: ليس له الأخذ فإذا بلغ هل الأخذ وجهان.
فرع آخر
لو كان لجماعة أيتام [89/ ب] وصي واحد فباع لأحدهم شقصًا في شركة أحدهم كان له أخذه بالشفعة للآخر.
فرع آخر
لو كان حق الشفعة للوصي فيما باع لليتيم قال ابن الحداد: لا شفعة له لأنه منَّهم في نقصان ثمنه، فإن رفعه إلى الحاكم فباعه كان له الشفعة لأن التهمة قد زالت، ومن أصحابنا من قال: له الشفعة لأن الشفعة يستحقها على المشتري بعد صحة البيع حكاه ابن القفال في "التهذيب" ولو باع الأب أو الجدّ وله الشفعة كان له الأخذ بالشفعة لأنهما غير متهمين فيه.
فرع آخر
لو اشترى الوصيّ لليتيم شقصًا وله فيه الشفعة ليس له أخذه بالشفعة لأنه يوجب بذلك العهدة على اليتيم إن استحق ذلك، وفيه وجه آخر له أخذه بالشفعة لأنه لا تهمة فيه.
فرع آخر
لو كانت دار بين رجلين نصفين فوكَّل أحدهما الآخر ببيع نصفها الربع من نصيبه والربع من نصيب شريكه فباعه فللموكل أن يأخذ ربع شريكه بالشفعة.
وهل للوكيل أن يأخذ ربع الموكل؟ الوجهان كما ذكرنا في الوصي قال ابن الحداد: لا شفعة للوكيل لمكان التهمه والوجه الثاني له الشفعة وهو اختيار ابن سريج، ومن أصحابنا من فرق بين الوكيل والوصي فقال: الوكيل ينوب عن حيّ جائز التصرف يقدر على استدراك ظلامته إن جر نفعًا إلى نفسه بخلاف الوصي في حق اليتيم.
فرع آخر
قال ابن الحداد: لو وكله بشراء شقص فاشتراه الوكيل كانت له الشفعة ووافقه سائر أصحابنا، وقال أبو حنيفة: لا شفعة له بخلاف وكيل البائع وهذا بناء على أصله إن الملك ينتقل إلى ملك وكيل المشتري أولاً ثم ينتقل إلى الموكل وعندنا الفرق بينهما أن في الشراء لا تهمة لأن له أن يشتريه بأرخص ما يكون بخلاف البيع.
فرع آخر
لو خلف حملاً وشقصًا من دارِ وأوصى إلى رجل بالقيام [90/ أ] في تركته والنظر لحمله فبيع الشقص من الدار في شركة الحمل ليس له أن يأخذ بالشفعة للحمل ما لم يضع لأنه لا يُدرى أحملٌ هو أو ريح، وإن كان حملاً لا يُدرى أحيّ أم ميت ذكرًا أو أنثى، فيأخذ من التركة ما يخصه فإذا وضعته له الأخذ الآن ولا يسقط بالتأخير لأنه معذور.
فرع آخر
لو حجر على الحر بفلس فبيع في شركته ما تجب فيه الفعة كان العفو والأخذ إليه ولا اعتراض للغرماء عليه لأنه تصرف في الذمة والتصرف في الذمة لا يدخل تحت الحجر.
فرع آخر
المكاتب يأخذ بالشفعة ولا اعتراض لسيده عليه إذا كان له فيه غبطة.
فرع آخر
لو اشترى المأذون نصف دارِ ثم بيع باقيها في شركته كان له الأخذ بالشفعة، لأنه لما جاز له أن يشتريها ابتداء جاز له أخذها بالشفعة، فإن عفا عنها فلسيده إبطال عفوه وإن عفا السيد سقطت الشفعة وليس للمأذون الاعتراض عليه.
فرع آخر
لو كانت دار بين ثلاثة للواحد الربع، وللآخر الربع، وللثالث النصف فقارض صاحب الربع صاحب الربع الأخر على ألفٍ فاشترى المقارض من صاحب النصف نصف ما في يديه من مال القراض قال ابن سريج: لا شفعة في هذا المبيع لا للعامل ولا لرب المال لأنه اشترى لمال القراض وإن باع صاحب النصف ما بقي له منها وهو الربع من أجنبي كان المبيع مستحقًا بالشفعة أثلاثًا ثلثه للعامل بربعه، وثلثه لرب المال بربعه وثلثه لمال القراض بربعه لأن مال القراض بمنزلة شريك ثالث فيفرد له ثلث الشفعة.
فرع آخر
لو دفع إليه ألفًا قراضًا فاشترى به شقصًا يساوي ألفًا وكان رب المال هو الشفيع ل له أخذه بالشفعة أم لا؟ قال ابن سريج: فيه ثلاثة أقوال وأراد [90/ ب] ثلاثة أوجه:
أحدها: يأخذه من العامل برمته لا بالشفعة لأنه ملكه ولا فضل في المال يأخذه ويفسخ القراض.
والثاني: يأخذه بالشفعة وليس له أخذه بغير الشفعة لأن رب المال لا يملك أخذ مال القراض من يد العامل إلا ناضًا فيأخذه بالشفعة ها هنا ويدفع إليه ألفًا وقد نضَّ مال القراض، فإن شاء أقره قراضًا بحاله وإن شاء قبضه وفسخ القراض.
والثالث: ليس له أخذه بحاٍل لا بالشفعة ولا بحق القراض فعلى هذا إن باعه العامل من أجنبي هل لرب المال أخذه من الأجنبي بالشفعة؟ وجهان هذا إذا كان الشفيع رب المال، وإن كان العامل هو الشفيع وهو أن يشتري شقصًا في شركة نفسين نظر، فإن لم يكن في المال ربحٌ كان له أخذه بالشفعة لأنه وكيل المشتري له، فإن كان في المال ربحٌ فهي مبنية على القولين متى يملك حصته من الربح فإن قلنا: لا يملك بالظهور أخذ الكل بالشفعة ورد الفضل في مال القراض وإن قلنا: يملك بالظهور أخذ أصل المال
وحصة رب المال من الربح بالشفعة، وأما حصة نفسه قال ابن سريج: فيها ثلاثة أوجهٍ التي ذكرناها إذا كان رب المال هو الشفيع.
مسألة: قال: "وإن اشترى شَقصًا على أَنَّهُمَا جميعًا بالخيارِ".
الفصل:
وهذا كما قال: وقت وجوب الشفعة حين ينتقل ملك الشقص من مالكه إلى من ملكه منه بالعوض الذي ذكرناه فإذا اشترى شقصًا تثبت فيه الشفعة واشترط خيار الثلاث لا يخلو إما أن يشترط لهما أو للبائع دون المتري أو المشتري دون البائع، فإن اشترط لهما أو للبائع وحده فالشفعة لا تثبت للشريك حتى تنقضي مدة الخيار أو يجبر البائع البيع لأن أخذ الشفيع بالشفعة يسقط حق البائع من الخيار ولا سبيل له إلى إسقاطه، وإن كان الخيار للمشتري دون البائع فللشافعي في ملك المبيع [91/ أ] في مدة الخيار أقوال فإن قلنا: الملك للبائع أو موقوف فلا شفعة له، وإن قلنا: الملك للمشتري هل للشفيع أن يأخذ منه بالشفعة؟
روي المزني عن الشافعي أن له الشفعة ونصَّ عليه في "الأم "لأن نفس الملك أقوى من حق الملك وللشفيع انتزاع نفس ملكه فكان له انتزاع حق ملكه وهذا اختيار المزني وهو قول أبي حنيفة، ونقل الربيع قولاً آخر أنه لا شفعة فيه حتى يتم البيع برضاه أو تمضي أيام الخيار، قال أبو إسحاق: ولعل هذا أصح القولين وهو اختيار القفال وبه قال مالك وأحمد فيكون أمر الشفعة موقوفًا فإن اختار إنفاذ البيع وانقضت أيام الخيار فالشفعة واجبة، وإن رده لم يكن فيه شفعة ولم يكن للشفيع أن يلزم المشتري ما لم يلزم المشتري نفسه وهذا لأنه إنما شرط الخيار لنفسه لينظر هل الحظ ل في إتمام البيع وضمان العهدة للشفيع، أو في إبطاله وتركه فإذا جعلنا للشفيع أخذه بالشفعة بطل هذا الغرض له قال أبو إسحاق: ويخالف هذا الرد بالعيب لأن غرض المشتري من الرد استدراك الظُّلامة، ألا ترى أنه لو ارتفع العيب بطل الرد فإذا أعطاه الشفيع ما وزن من الثمن فقد زالت الظلامة عنه فلا غرض له في رده فيصير كأن العيب قد ارتفع.
فرع
لو قال المشتري: اشتريته بشرط الخيار، وقال الشفيع: من غير شرط الخيار، قال أبو حامد في "الجامع ": القول قول المشتري مع يمينه.
فرع آخر
لو ادعى البائع اشتراط خيار الثلاث وأنكره المشتري والشفيع قال أبو حنيفة وأبو يوسف: القول قول البائع ولا شفعة.
وقال محمد: القول قول المشتري وفيه الشفعة، وعندنا يتحالفان فإذا تحالفا ففي
بطلان البيع وجهان، فإن قلنا: بطل البيع لا شفعة وإن قلنا: لا يبطل إلا بفسخ الحاكم قيل للمشتري: أنت بالخيار بين إمضاء البيع بخيار ثلاثة أيامٍ للبائع، وبين فسخه وخيار ذا على الفور [91/ ب] لأنه خيار حكم فإن اختار المشتري فسخه بطل البيع ولا شفعة وليس للشفيع أن يجبر المشتري على إمضاء البيع بخيار الثلاث لأنه إجبار على التزام عقدٍ، وإن اختار المشتري إمضاء البيع بخيار الثلاث للبائع ثبت للبائع خيار الثلاث فإن اختار فيها فسخ البيع انفسخ ولا شفعة، وإن تم البيع استحق الشفعة.
فرع آخر
إذا شرط الخيار لهما وتم البيع له الشفعة على ما ذكرنا وبماذا يصير مالكًا لها ثلاثة أقوالٍ ولو انفسخ البيع بينهما إما بفسخ البائع وحده، أو بفسخ المشتري وحده لا شفعة وهل بطلت بعد أن وجبت لو لم يكن وجبت على الأقاويل الثلاثة.
فرع آخر
إذا ثبت الخيار في الشقص الذي يملك به الشفعة، فإن كان خيار عيب لا يمنع الشفعة لبقائه على ملك مشتريه ما لم يرده، وإن كان بخيار الرؤية لم يملك به الشفعة سواء قلنا بصحة البيع أو فساده لأنه لم يستقر ملكه وإن صح، وأما البائع فإن قلنا: ببطلان البيع يملك به الشفعة، وإن قلنا بصحة البيع ل يملك به البائع الشفعة؟ وجهان مبنيان على اختلاف أصحابنا في لزوم البيع في خيار الرؤية قبل وجود الرؤية، وأما خيار المجلس فلا يملك البائع فيه شفعةَ بالشقص الذي في مجلس بيعه وخياره سواء قلنا: ملكه انتقل إلى المشتري بالعقد أو قلنا: لا ينتقل إلا بانقضاء الخيار لأنا إن قلنا بزوال ملكه لا شفعة له بما زال ملكه عنهن وإن قلنا ببقاء ملك فبيعه رضًا منه بإسقاط شفعته.
وأما المشتري فإن فسخ العقد فلا شفعة له بما لم يستقر ملكه عليه وإن تم له البيع.
فإن قلنا: إنه لا ينتقل إليه الملك إلا بانقضاء الخيار فلا شفعة له لأنه كان غير مالك.
وإن قلنا: ينتقل الملك إليه بالعقد أو قلنا مراعَى ففي استحقاق الشفعة به وجهان: أحدهما: له الشفعة لدخوله في ملكه.
والثاني: لا شفعة له به لأن ملكه غير مستقر لا يجوز أن يعارض [92/ أ] عليه فلم يجز أن يملك به، وأما خيار الثلاث فإن كان لهما فحكمه حكم خيار المجلس وكذا إن كان الخيار للمشتري وحده، وإن كان الخيار للبائع وحده فيه ثلاثة أوجهٍ: أحدها: لا شفعة لواحد منهما أما البائع فلِما في بيعه من الرضا بإسقاط حقه، وأما المشتري فلعدم ملكه أو لعدم استقراره.
والثاني: أنها للبائع لأن في اشتراطه الخيار لنفسه تمسكًا بما تعلق به من حقوقه، والثالث: أنه موقوف فإن تم البيع فالشفعة للبائع اعتبارًا بما يُقضي إليه أحوالهما.
مسألة: قال: "ولو كان مع الشقصِ عَرَضٌ والثمنُ واحدٌ".
الفصل
وهذا كما قال: إذا اشترى شقصًا وسيفًا أو عبدًا وشقصًا أو عرضًا وشقصًا صفقةً واحدةٌ كان للشفيع الشفعة بحصته من الثمن ولا حق له فيما بيع معه ولا خيار للمشتري، وإن تبعَّضت الصفقة عليه لأنه دخل على بصيرة من الأمر فيقوَّم الشقص والسيف ويُقسَّط الثمن عليهما فيؤخذ بالحصة، فإن كان الثمن ثلاثمائةٍ وقيمة السيف عشرةٌ وقيمة الشقص عشرين كان الشقص بثلثي الثمن والسيف بثلثه فيكون الشفيع بالخيار بين أن يأخذ الشقص بمائتين أو يدع، وإن كانت قيمة الشقص عشرة وقيمة السيف عشرين كان الشقص مبيعًا بثلث الثمن وعلى هذا القياس وقد ذكرنا قول مالك فيه.
فرع
لو باع شقصين من أرضين أو دارين، فإن كان شفيع أحدهما: غير شفيع الاخر كان لكل واحدٍ منهما أخذ الشقص الذي له فيه حق الشفعة، وإن أدى إلى تبعيض الصفقة ويكون جمعه بينهما في صفقةٍ واحدة رضاَ منه بالتبعيض ولأنه أخذ جميع ما وجب له بالشفعة فكان ذلك له، وإن كان شفيعهما واحدًا فإنَّ أحدهما: كان له وإن أراد أن يأخذ أحدهما: ويترك الآخر فالذي نصّ عليه الشافعي أن له ذلك كما يكون ذلك للشفيعين ولأنه أخذ بالشفعة جميع ما بيع في شركته كما لو كان كل المبيع، وخرّج [92/ ب] بعض أصحابنا فيه قول آخر أنه لا يجوز لأن فيه تبعيض الصفقة على المشتري من غير رضاه.
مسألة: قال: "وعهدةُ المشتري على البائعِ، وعهدةُ الشَّفيعِ على المشتري ".
وهذا كما قال: إذا سلم المشتري ثمن الشقص إلى البائع وقبض الشقص فجاء الشفيع وأخذ من المشتري ثم استحق الشقص رجع الشفيع بالعهدة على المشتري، ورجع المشتري على البائع لأن الشفيع ملكه عن المشتري وملك المشتري عن البائع وهذا معنى قول الشافعي: عهدة المشتري على البائع وعهدة الشفيع على المشتري، وإن لم يكن المشتري قبض الشقص من البائع وقلنا: للشفيع أن يأخذ من يد البائع فأخذه يصير في الحكم كأنه أخذه من المشتري وتكون عهدته على المشتري أيضًا وبه قال مالك وأبو حنيفة وأبو يوسف وأحمد.
وقال محمد: إن أخذ من يد المشتري رجع بالعهدة عليه، وإن أخذ من يد البائع رجع بالعهدة عليه، وحكي هذا عن أبي حنيفة، وقال ابن أبي ليلى وعثمان البتي: يرجع بالعهدة على البائع بكل حال وذا غلط لأنه استفاد الملك من جهته فعليه عهدته، وإن كان مستغنيًا عن عقدٍ يستأنفه ولهذا لو أراد البائع تسليم الشقص إلى الشفيع دون
المشتري فليس له ذلك لأن المشتري هو الذي استحق على البائع الملك بالعقد.
فرع
لو اشترى شقصًا على أن المشتري بالخيار ثم أسقط المشتري خياره ثم أراد الشفيع الأخذ بالشفعة هل يأخذه في الحال قبل انقضاء الخيار المشروط له أو له التاخير إلى انقضائه؟ قال والدي رحمه الله: هذا مبني على ثبوت الشفعة فيه قبل غسقاط الخيار، فإن قلنا: لا يثبت فعلى هذا غذا انقطع الخيار يلزم المشتري تعجيل الأخذ لأن الشفعة على الفور، وإن قلنا: تثبت الشفعة له قبل انقضاء الخيار وهو الصح يحتمل أن يقال: لا يلزمه التعجيل كما لو اشترى شقصًا بثمن مؤجل [93/ أ] لا يلزم الشفيع تعجيل الأخذ وله التربُّص إلى انقضاء الأجل، وإن سقط الأجل قبله بموته ويحتمل أن يقال: لابد من التعجيل، والفرق أن الثمن المعجل أزيد من الثمن المؤجل وهذا المعنى لا يوجد هاهنا.
باب
قال المزني: هذه مسائل أجبت فيها على معنى قول الشافعي رحمة الله عليه.
مسألة: قال: "وإذا تبرَّأ البائعُ من عيوبِ الشفعة ".
الفصل
وهذا كما قال: إذا باع شقصًا واشترط البراءة من العيوب كان البيع جائزًا على ما اختاره المزني وقد ذكرنا حكم هذه المسألة في كتاب البيع وقيل: لم يرد أنه باع بشرط البراءة، ولكنه أراد أنه اشتراه وهو عالم بعيوبه أو كان غير عالمِ فعلم ورضي به وأصل الباب في هذا أن الشفيع بمنزلة المشتري الثاني من الأول لأنه يأخذ منه بالثمن وإنما يفترقان في شيئين أحدهما: أن الشفيع ينتزعه من المشتري بغير اختياره بخلاف المشتري الثاني، والثاني: أن الشفيع يأخذه بالثمن الذي ملك به المشتري والمشتري الثاني يملكه بما يتفقان عليه من الثمن، فإذا ثبت هذا الأصل فاشترى الشقص وأخذه الشفيع منه وكان الشقص معيبًا لم يخل من أربعة أحوالِ، إما أن يكون المشتري والشفيع جاهلين بالعيب أو عالمين به أو يكون المشتري جاهلاً به دون الشفيع، أو عالمًا به دون المشتري، فإن كانا جاهلين به كان للشفيع رده على المشتري فإذا رده إليه كان المشتري بالخيار بين أن يرده على البائع أو يمسكه، وإن كانا عالمين به استقر الشراء والأخذ بالشفعة معًا، وإن كان المشتري جاهلاً دون الشفيع سقط رد الشفيع ولا يملك المشتري رده لأنه خرج عن يده ولا يطالب بالأرش لأنه استدرك ظلامته وقيل: لأنه لم ييأس من الرد فإن عاد إلى المشتري بوجهٍ من وجوه الملك هل له رده على البائع؟ وجهان مبنيان على [93/ ب] اختلاف التعليلين فإن قلنا بالعلة
الأولى لا يرد وإن قلنا بالعلة الثانية يرد، وأعلم أن المزني ذكر أنه فرع هذه المسألة وهي منصوصة عن الشافعي في القديم ورواها عن عليّ رضي الله عنه.
فرع
لو ادعى المشتري علم الشفيع بعيبه عند أخذه وأنكر الشفيع فشهد البائع عليه بعلمه، فإن كان برئ إلى المشتري من عيبه تقبل شهادته لأنه لا يدفع بها عن نفسه.
وإن لم يبرأ إليه من عيبه لا تقبل لأنه يدفع بها عن نفسه.
فرع آخر
لو ظهر المشتري على عيبِ في الشقص فأمسك عن رده انتظارًا للشفيع، فإن كان الشفيع غائبًا لم يلزمه انتظاره وبطل بالإمساك خياره لأن حضور الشفيع من تعلق حقه بالشقص عذر في الإمساك ولا يكون عذرًا إن كان غائبًا.
مسألة: قال: "وإنْ كانَ المشتري اشترَاهَا بدنانير بأعيانِها ثمَّ أخذَهَا الشَّفيعُ بوزنِها فاستُحقَّتْ".
الفصل
وهذا كما قال: إذا اشترى شقصًا بدنانير وأخذ الفيع بوزنها ثم استحقت الدنانير لا يخلو إما إن استحقت دنانير الشفيع أو دنانير المشتري، فإن استحقت دنانير المشتري لا يخلو إما أن تكون معيَّنة أو غير معينة فإن كانت معينة انفسخ العقد وبطلت الشفعة لأن الدنانير تتعيَّن بالتعين عندنا خلافًا لأبيِ حنيفة فإذا كانت مستحقةَ كان البيع باطلاً والشفعة تبطل أيضًا لأنها تُستفاد ببيع صحيح وهذا بيعٌ باطلٌ، وإن كانت في الذمة كان البيع صحيحًا والشفعة ثابتة على المشتري بدلها للبائع، وإن استحقت دنانير الشفيع فإن كان الشفيع عالمًا بأن الدنانير التي وزنها مغصوبة هل تبطل شفعته؟ وجهان أحدهما: تبطل لأنه لما أخذه بما لا يجوز أخذه كان مفرطًا وهذا هو الصحيح، واختاره الداركي وجماعة، والثاني: لا تبطل لأن الشفيع لا يتعلق بالنقد الذي دفعه إليه وإنما استحق أخذه يمثل ما وزن [94/ أ] المشتري، فإذا خرج ما أعطاه مستحقًا أعطاه بدل الذي ثبت في ذمته عند المطالبة وإن لم يعلم لا تبطل شفعته، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان أخذ بدنانير معينة فيه وجهان علم أو لم يعلم، وإن كان أخذ يثمنٍ في الذمة ثم عين المغصوبة لا يبطل وجهًا واحدًا، وإن كان عالمًا وقيل: عيّن أو لم يعيَن لا يبطل شفعته وجهًا واحدًا وهذا اختيار المزني والقفال لأن الشفعة يصح أخذها وطلبها دون ذكر الثمن فلا معنى لتعيينه.
فرع
إذا قال الشفيع: أخذت الشفعة بهذه الدنانير فيه وجهان أحدهما: قال أبو إسحاق
وابن أبي هريرة: لا يتعين لأنه تملكها استحقاقًا فعلى هذا له أن يأتي ببدلها وهو على شفعته فإن أعسر بطلت شفعته، والثاني: حكاه أبو حامد تتعين لأنها ملحقة بعقد البيع لاستحقاق الثمن فيها فعلى هذا قد صار بتعينها مبطلاً لشفعته بغيرها.
مسألة: قال: "ولو حطَّ البائعُ عنِ المشتري بعدَ التَّفرُقِ".
الفصل
وهذا كما قال: إذا حطَّ البائع عن المشتري بعض الثمن أو كله، فإن كان بعد التفرق فهو هبة من البائع للمشتري ولا يجب على المشتري أن يحطه عن الشفيع، وكذلك إن زاد في الثمن بعد التفرق لم يلحق بالعقد وأخذ الشفيع بالثمن الأول، وإن كان الحط أو الزيادة قبل التفرق فالمذهب أنه يلحق العقد، لأن الثمن لم يستقر بعد فكان الاعتبار بالثمن الذي يفترقان عليه، وقيل: فيه وجه آخر لا يلحق أصل العقد إذا قلنا: الملك للمشتري، وإذا لحق العقد لزم في حق الشفيع، وقال أبو حنيفة: إن حطَّ البعض لحق العقد ولزم في حق الشفيع، وإن حط الكل فلا يلق أصل العقد ولا يلزم في حق الشفيع قال: والزيادة لا تلزم الشفيع أصلاً وإن لحق العقد، وقال ابن أبي ليلى: يلحق حط بعض الثمن أصل العقد ولا يحط عن الشفيع، وإن كان قبل التفرق، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا حط الثمن قبل التفرق هل يبطل البيع؟ وجهان أحدهما: يبطل لأنه خلا عن الثمن، والثاني: [94/ ب] لا يبطل ويكون كالإبراء ثم هل يكون بيعًا أو هبةَ؟ وجهان فإن قلنا: هبة لا شفعة، وإن قلنا: بيع تثبت الشفعة.
فرع
إذا أخذ المشتري من البائع أرش العيب لتعذر الرد أو صالح البائع على الأرش وقلنا: يجوز في أحد الوجهين بأخذ الشفيع بالباقي من الثمن بعد الأرش لأنه حطَّ باستحقاق لفقد جزء من المبيع بخلاف الحط تبرُّعًا.
مسألة: قال: "ولو ادعىَ عليهِ أنهُ اشترَى شقْصًا له فيه شفعةٌ".
الفصل
وهذا كما قال: إذا ادعى رجل على رجل أنه اشترى شقصًا وله فيه شفعة، فإن هذه الدعوى تسمع إذا كانت محصورة وحصرها أن يقول: اشترى كذا وكذا سهمًا من الدار أو الضيعة التي موضعها في موضع كذا وحدودها كذا من فلان ابن فلان بكذا وكذا درهمًا وأنا أستحقه بالشفعة، فإذا بيَّن الدعوى على هذا الوجه سمعها الحاكم وطالب المدعى عليه بالجواب قال: فإن أقرَّ سلمه إليه بالثمن الذي وقع العقد عليه، وإن أنكر وقال: ما اشتريته وإنما رهنتنيه أو وهبه لي أو ورثته أو اشتريته قبل شراء هذا المدعي لنصيبه أو قال: اشتريته ولكنه لا يستحق عليّ بالشفعة فهذه كلها أجوبة صحيحة ويكون
القول قوله مع يمينه وعلى المدعي البينة كما نقول في سائر الدعاوى فإذا قامت البينة ثبت ما أدعاه وأخذه بالشفعة، وإن لم يكن له بينة فإنا نعرض اليمين على المدعى عليه ويحلف على حسب ما وقعت الدعوى والإنكار، فإذا ادعى أنه اشتراه وأنكر حلف أنه لم يشتره وسقطت الدعوى.
ومن أصحابنا من قال: يحلفّه على أنه لا يستحق عليه بالشفعة ولا يحلف على أنه اشتراه لأن الشفعة هي المقصودة بالدعوى، ومن قال بالأول أجاب عن هذا وقال: هذا احتياطٌ بارد من الحاكم لأن المدعى عليه لما أنكر الشراء وأجابه به [95/ أ] وسمع ذلك دل على أنه يمكنه أن يحلف عليه، وإن قال: اشتراه بعدي وأجاب بأني اشتريته قبله حلف أنه اشتراه قبله وإن قال: أستحقه عليه بالشفعة وقال: لا شفعة لك حلف أنه لا يستحقه بالشفعة، ولو قال المدعي: اشتريت شقصًا ولي فيه الشفعة، وقال في الجواب: لا شفعة لك فيه أو لا يستحقه بالشفعة حلف أنه لاشفعة له فيه ولا يحلفه أنه ما اشتراه لأنه قد يشتريه في شفعته ثم تبطل شفعته، فلو حلَّفنا على أنه ما اشتراه ظلمناه وإن نكل عن اليمين رد اليمين على المدعي، فإذا حلف حكمنا له بالشقص وينظر في تحليفه، فإن كان أنكر الشفعة أنه لا يستحقها عليَّ حلف أنه يستحقها عليه بالشراء الذي ادعاه، وإن كان أنكر الشراء حلف الشفيع أنه لقد اشتراه وهل يلزمه أن يقول في يمينه فإنه يستحق الشفعة فيه أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يلزمه وهو اختيار أبي إسحاق، وإن أحلفه الحاكم عليه كان استحبابًا لأن هذا من حقوق المالك فما لم يطالب به لم يلزم.
والثاني: أنه لازم لأن نقل الأملاك لا يجوز بالأمر المحتمل وقد يجوز أن يكون عفا بعد الشراء، ثم إذا حكم ل بالشفعة ففي الثمن ثلاثة أوجهٍ أحدها: يؤخذ منه ويدفع إلى المالك لئلا يؤخذ الشقص من يده بغير بدلٍ فإن امتنع يقال له: إما أن تقبض أو تبرأ، والثاني: أنه يوضع في بيت المال ما لم يدعه المالك ثمنًا، فإذا ادعاه دفع إليه، والثالث: يقر في ذمة الشفيع ما لم يأت المالك مطالبًا.
وإن قال في جوابه: اشتريته لزيدٍ، فإن كان زيد حاضرًا أحضر مجلس الحكم وسئل عنه فإن صدقه أخذ منه بالشفعة وإن كذبه فإن البيع قد لزم المدعى عليه ويأخذ الشفيع منه، وإن كان زيد غائبًا فإن الحاكم يأخذ الشقص من المدعى عليه بالثمن الذي وقع العقد عليه وبسلمه إلى الشفيع [95/ ب] وسجل به سجلاً، ويُحكى فيه صورة الحال على وجهها وأن زيدًا على حجته إذا قدم فإذا قدم كانت الخصومة بينه وبين الشفيع على حسب ما بيناه لأنا لو قلنا: يتوقف إلى حضوره أدى إلى إسقاط الشفعة لأن أحدًا لا يعجز عن مثل هذا الإقرار.
وإن قال صاحب اليد: هذا الشقص لفلان ينظر، فإن كان المقر له غائبًا لم يكن للشفيع فيه الشفعة إلى أن يقدم الغائب فيسأل عن جهة الملك، فإن كان مما تجب به الشفعة حكم بها، وإن كان مما لا تجب به الشفعة لم يحكم بها وأما الذي في يده
الشقص فلا يطالب ببيان جهة الملك للغائب بعد إقراره بأن الشيء لغيره فإن إقراره فيه غير مقبولٍ.
وقال في "الحاوي ": قال البغداديون من أصحابنا: صورة المسألة في شقص مشتركٍ انتقل الملك إلى رجل فقال الشفيع: انتقل إليك بالبيع، وقال المالك: ملكته بهبةٍ وقد ذكرنا حكمها، وقال البصريون: وهو الشبه صورة المسألة في أن صاحب اليد في الشقص المشترك قال عند ادعاء الشفعة عليه لنا وكيل الغائب فيه ولم أملكه عنه فيكون القول قوله لليد والإنكار فإن حلف برئ، وإن نكل عن اليمين ردت اليمين على الشفيع، فإن حلف حكم له بالشفعة ولا يكون ذلك حكمًا على الغائب بنقل ملكه إلى الشفيع وإنما يكون رفعًا ليد الحاضر.
ثم في الثمن وجهان: أحدهما: يوضع في بيت المال حتى يحضر الغائب، والثاني: يقر في ذمة الشفيع إلى قدوم الغائب ويمكن من التصرف في الشقص بما لا يؤدي غلى استهلاكه، وإن باعه لم يمنع من بيعه لأن الغائب على حقه فيه مع بقاء عينه وهل يؤخذ بكفيل فيما حصل له عليه؟ وجهان أحدهما: يؤخذ به حفظًا لحق الغائب، والثاني: لا يؤخذ به لأننا على غير يقين من استحقاقه.
ولو قال في جواب الدعوى الأول: اشتريته لابني الطفل [96/ أ] أو الأجنبي طفل لي علي ولاية تثبت الشفعة له على الصحيح من المذهب لأن شراء الولي لمن يلي علي صحيح كشرائه لنفسه وقوله فيه مقبول.
ومن أصحابنا من قال: لا تثبت الشفعة لأن هذا إقرار يثبت به حق في مال الطفل ولا يقبل إقرار الأب والولي على الطفل بما يوجب حقًا في ماله فإذا كان كذلك لم تثبت الشفعة وهذا ضعيف، ولو قال: ليس هذا بشريك فعليه إقامة البينة على الشركة والقول قول المشتري مع يمينه ويحلف أنه لا يعلم أن له شركة لأنه يحلف على نفي فعل الغير، وإن نكل عن اليمين رددناها إلى الشفيع ويحلف على البتّ أن له شركة في هذه الدار أو في هذ الضيعة.
مسألة: قال: "ولوْ أقامَ الشفيعُ أنهُ اشتراهَا من فلانٍ الغائبِ بألفِ درهمٍ ".
الفصل
وهذا كما قال: إذا كان الدار في يد رجلين يد كل واحد منهما على نصفهما فقال أحدهما لصاحبه: ذا النصف الذي في يديك قد اشتريته أنت من فلان الغائب بألفِ ولي الشفعة وأقام بذلك بينةٌ فقال ل صاحبه: ما باعنيها الغائب بل أودعنيها فهي في يدي وديعة له وأقام بذلك بينةٌ نظر، فإن كانت البينتان مطلقتين أو مطلقة ومؤرخة قدمنا بينة الشفيع لأنها أثبت شراء وأوجب شفعة وبينة الإيداع لا تمنع الشراء، وكيف يعمل
بالثمن؟ على ما ذكرنا من الأوجه الثلاثة، وإن كانتا مؤرختين بوقتٍ واحدٍ كانتا متعارضتين، وإن كانتا مؤرختين بوقتين مختلفين، فإن كانت الوديعة سابقة فإن بينه البيع لا تعارض بينه الوديعة، وإن كان البيع سابقًا فكذلك لجواز أن يكون قد اشتراه ثم غصبه البائع عليه ثم رده إليه بلفظ الإيداع أو باعه النصف فأمسكه البائع لاستيفاء الثمن فيعذر عليه إيفاء الثمن فقال البائع: خذه وديعة عندك حتى إذا سلمت الثمن قبضته بعد ذلك قبض مبيع ولأن البيع ينافي الوديعة فكانت بينة البيع أولى، وهكذا إذا قال في الجواب: هو رهن أو إجارة [96/ ب] أو عارية كان الحكم على ما ذكرناه في الوديعة، ولو كانت المسألة بحالها فأقام الشفيع البينة بالشراء من فلان الغائب بألفٍ وأقام المدعى عليه البينة أنه ورثها من فلان الغائب فهما متعارضتان إذا كان التاريخ واحدًا لأن الميراث يمنع الشراء، فإذا قلنا: يسقطان فكأنه لا بينة مع واحدٍ منهما.
وإن قلنا: يستعملان فله موضع يذكر فيه.
وفرع أبو العباس هاهنا فقال: فإن كانت بحالها فادعى أحدهما: أن الذي هي في يديه اشتراها من زيد الغائب بألفٍ وأقام بذلك بينةً وأقام من هي في يديه البينة أن عمرًا الغائب أودعنيها، وأنه أودعني ما هو ملكه وكانت بينة الشراء مطلقة قدمت ببينة الإيداع ها هنا وسقطت بينة الشراء وتقر في يد من هي في يديه وكتب إلى عمرِو في ذلك فإن قال: صدق والشقص لي في يديه سقطت الشفعة والشيء وديعة على ما هي عليه، وإن عاد الجواب من عمرو ما أودعته ولا حق لي فيها قضينا للمدعي ببينة الشراء وسلمنا الشقص إليه ويكون معترفًا بالثمن لمن لا يدعيه عليه وقد مضى حكمه، فإن كانت بحالها ولم تكن هكذا ولكن شهدت بينة الشفيع بأن زيدًا باعه وهي ملكه وكانت بينة الإيداع مطلقة قدمنا ببينة الشراء وحكمنا عليه بالشفعة ولم يراسل ها هنا زيد بشيء لأنه لو أنكر الشراء لم يلتفت إليه.
مسألة: قال: "ولوْ أنَّ رحلينِ باعاَ منْ رجلٍ شِقصًا فقالَ الشفيعُ: أنا آخذ ما باع فلان".
الفصل
وهذا كما قال: إذا كانت الدار بين ثلاثة نفرٍ أثلاثًا فباع اثنان منهم نصيبهما من رجلٍ واحدٍ وكان المشتري واحدًا والبائع اثنين فالشفيع بالخيار بين أن يأخذ الكل منه، أو يدع الكل أو يأخذ ما باع أحدهما دون الآخر وهكذا إن كان البائع واحدًا والمشتري اثنين فللشفيع أن يأخذ ما باع أحدهما دون الأخر لأن عقد الواحد مع الاثنين في حكم العقدين المفردين.
وقال أبو حنيفة: يجوز [97/ أ] هذا بعد القبض ولا يجوز قبله وهذا غلط لأنهما مشتريان فجاز للشفيع أخذ نصيب أحدهما كما لو كان بعد القبض في روايةٍ، وقال
أيضًا في المسألة لا يفرق الشفيع الصفقة على المشتري وليس له أن يأخذ ما باع أحدهما دون الآخر، وبه قال مالك، وهذا غلط لأن البائع اثنان فأشبه إذا باعا بعقدين، ولو كانت المسألة بحالها فباع اثنان نصيبهما من رجلين صفقةٌ واحدةٌ فهي بمنزلة أربعة عقودٍ فالشفيع بالخيار بين أن يدع الكل أو يأخذ الكل أو يأخذ من بعضهم دون بعضٍ كيف شاء، كما لو باع واحدٌ منهم نصيبه من رجل واحدٍ في أربعة عقودٍ في كل عقدٍ ربع ملكه كان الشفيع بالخيار على ما ذكرته.
فرعان لأبي العباس رحمه الله أحدهما: قال: لو كانت دار بين ثلاثةٍ أثلاثًا فباع أحدهم نصيبه من ثلاثة أنفسٍ صفقةً واحدةً كان للفيع أن يأخذ الكل وأن يأخذ من بعضهم دون بعضٍ فإن أخذّ من واحدٍ وعفا عن الآخرين كان ذلك له وليس للذين عفا عنهما مشاركة الفيع فيما أخذ من الثالث لأن ملك البائع انتقل غلى الثلاثة دفعةً واحدةً في زمانٍ واحدٍ لم يسبق بعضهم بعضًا، فو كما لو اشتري اثنان دارًا صفقةً ملك كل واحدٍ نصفها وليس لأحدهما مطالبة شريكه بالشفعة لأن ملك أحدهما ما سبق الآخر.
والفرع الثاني: قال: لو كانت دار بين اثنين فباع أحدهما نصيبه من ثلاثة أنفسٍ في ثلاثة عقودٍ عقدًا بعد عقدٍ ثم علم الشفيع بالشفعة كان له أخذ الكل وبعض دون بعضٍ فإن أخذ من الأول وعفا عمن بعده لم يكن لمن بعده مشاركته في الشفعة لأنهما ملكًا بعد وجوب الشفعة، وإن أخذ من الثاني لم يشارك الثالث أيضًا وإن أخذ من الثالث وعفا عن الأول، والثاني كان لهما مشاركته في الشفعة، فإذا شاركاه فهل يستحقان على عدد الرؤوس أو الأنصباء على القولين.
فرع آخر
لو كانت دار بين أربعة لكل واحدٍ منهم ربعها [97/ ب] فباع ثلاثة منهم نصيبهم منها لم يخل من أحد أمرين إما أن يبيعوا من ثلاثة نفرٍ، أو من وادٍ فإن باعوا من ثلاثةٍ لم يخل من احد أمرين إما أن يكون الكل في زمانٍ واحدٍ أو كل واحدٍ على الإنفراد لم يسبق بعضهم بعضًا فالشفيع بالخيار على ما ذكرنا، وغن كل البيع من واحدٍ بعد واحدٍ فله أخذ الكل وترك الكل من بعضٍ دون بعضٍ فإن أخذ من بعضٍ دون بعضِ نظر، فإن أخذ من الأول وعفا عن الثاني والثالث لم يشاركاه في الشفعة وإن أخذ من الثالث وعفا عن الأولين كان لهما مشاركته في الشفعة، وإن باعوا نصيبهم من واحدٍ لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون صفقةً واحدةً، أو عقدًا بعد عقدٍ، فإن كان صفقةً واحدةَ كان له أن يأخذ الكل ويدع الكل ويأخذ البعض ويدع البعض فإن أخذ الكل أو ترك الكل فلا كلام، وإن أخذ بعضًا دون بعضٍ انفرد به ولم يشاركه المشتري فيما أخذ لأن الملك في زمانٍ واحدٍ، وإن كان عقدًا بعد عقدٍ فقد ملك المشتري ثلاثة أرباعها في ثلاثة عقود فللشفيع أخذ بعضها دون بعض فإن أخذ الأول أو الأول والثاني لم يشاركه المشتري فيما أخذ وإن عفا عن الأول، والثاني وأخذ الثالث، فالمشتري شفيع فهل
يستحق الشفعة فيما ملكه من الربع الثالث؟ على وجهين على مذهب المزني وابن سريج له الشفعة.
ومن أصحابنا من قال: لا شفعة له فإذا قلنا: لا شفعة له لأنه لا يملك الشفعة فيما اشتراه لنفسه كان للشفيع كل الربع الثالث بالشفعة، وإذا قلنا: للمشتري الشفعة فله الربعان الأولان وللشفيع في الدار ربعها والمستحق بالشفعة الربع الرابع فكيف يقسم بينهما؟ على قولين فإذا قلنا: على عدد الرؤوس كان الربع بينهما نصفين، وإذا قلنا: على قدر الأنصباء كان الرابع بينهما على الثلث والثلثين ثلثاه للمشتري وثلثه للشفيع.
فرع آخر
لو كانت الدار بين ثلاثة فوكل [98/ أ] أحدهم لواحدٍ منهم فباع نصيبه ونصيب موكله صفقةً واحدةً كان للثالث الشفعة وهل له أن يأخذ أحد النصيبين دون الآخر؟ وجهان أحدهما: له ذلك لأن المالك اثنان فهو كما توليا العقد، والثاني: ليس له ذلك لأن العاقد واحدٌ في الطريق.
مسألة: قال: "ولوْ زعمَ المشتري أنهُ اشتراهَا بألف درهمٍ فأخذهَا الشفيعُ ".
الفصل
وهذا كما قال: إذا زعم المشتري أنه اشتراه بألفٍ فادعى البائع أنه باعه بألفين وأقام على ذلك بينةً يلزم المشتري للبائع ألفان ولم يكن للمشتري أن يأخذ من الشفيع إلا ألفًا واحدًا لأنه يزعم أن الألف الثاني ظلم من جهة البائع فلا يرجع بالظلم إلا على الظالم، ولو قال المشتري: كنت نسيت وقد تذكرت الآن لم يقبل رجوعه عنه في حق الشفيع، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: المشتري يطلب بألفين لأن الحاكم إذا حكم عليه بالبينة فقد أبطل إقراره وهذا غلط لما ذكرنا، وحكي عنه أنه قال: إن كان الشفيع أخذ الشقص من يد البائع حكم بها على الشفيع دون المشتري، وإن كان أخذه من يد المشتري حكم با على المشتري بناء على أصله في عهده المبيع.
فرع
لو كان هذا المشتري عقد الشراء بنفسه ليس له إحلاف الشفيع إذا قال: غلطت والبائع صادق في دعوى البيع بألفين، وإن كان اشترى بالوكيل ففي إحلاف الشفيع وجهان أحدهما: له ذلك لإمكان ما قالهن والثاني: ليس له ذلك كما لو تولى عقده.
فرع آخر
لو لم يكن للبائع بينة على المشتري يتحالفان، وقال أبو حنيفة: القول قول المشتري مع يمينه بناءٌ على أصله أنه صار مستهلكًا بالأخذ بالشفعة ولا يثبت التحالف بعد التلف.
فرع آخر
لو كان الشفيع مصدّقًا للبائع جاز أن يشهد له على المشتري إن كان عدلاً لأنه يستضر بها ولا ينتفع وليس للمشتري أن يرجع بها على الشفيع إذا غرمها لأنه لا يدَّعيها، وإن تعذر غرم المشتري لها بعيبه أو عسرة فهل يستحق البائع أخذها من الشفيع أم لا؟ وجهان أحدهما: [98/ ب] لا يستحق أخذها منه وإن صدقه عليها لوجوبها على غيره وإقرار الشفيع بها لغيره، والثاني: يستحق أخذها منه لأنه عقد البيع منتقل غليه وثمنه مستحق عليه.
فرع آخر
لو كان الشفيع مكذبًا للبائع وتحالف البائع والمشتري لا تبطل الشفعة بتحالفهما، سواء قلنا: البيع يبطل بالتحالف أو لا يبطل لإستقرار الشقص على ملك الشفيع بالأخذ بخلاف ما لو تحالفا قبل الأخذ.
فرع آخر
لو أقام البائع البينة على الألفين وكان المشتري مستنيبًا في عقده ولم يعقد بنفسه في وجهان أحدهما: يرجع بها عليه لأنه لم يتقدم منه تكذيبٌ لبينته، والثاني: لا يرجع بها لأنه قد اقر باستيفاء حقه وهو الظاهر من قول المزني واختاره القاضي أبو حامد رحمه الله.
مسألة: قالَ: "ولو كانَ الثمنُ عبدًا فأخذَه الشفيعُ بقيمةِ العبدِ ثمَّ أصابَ البائعُ بالعبدِ عيبًا".
الفصل
وهذا كما قال: إذا اشترى شقصًا بعبدٍ وأخذه الشفيع بالشفعة وأعطى المشتري قيمة العبد ثم أصاب بالعبد عيبًا لم يخل من أحد أمرين، إما أن يعلم بالعيب قبل أن حدث بالعبد ما يمنع الرد، أو علم بعد ما حدث به ما يمنع الرد، فإن كان قبل الحدوث رده على المشتري فإذا رده لم يخل الشفيع من أحد أمرين إما أن يكون قد أخذ الشقص بالشفعة، أو لم يكن أخذ، فإن كان قد أخذ لم يكن للبائع الرجوع في الشقص لأن ملك المشتري قد زال عنه فيرجع بقيمة الشقص لا ببدل العبد لأن البائع قد فسخ العقد وقد كان له أخذ الشقص أو كان موجودًا فكان له قيمته إذا كان مفقودًا والقيمة أقل ما كانت من وقت عقد البيع أو قبض المشتري، ثم إن عاد إلى المشتري هذا الشقص بوجهٍ من الوجوه لم يجب رده على البائع ولا له رده علاه ولا للبائع مطالبته به بحلاف الغاصب إذا غرم الآبق ثم رجع يلزمه رده إلى المالك، وللمالك أن يسترده لأن هناك بالتغريم لم يملك وها هنا ملك بالتغريم فافترقا وإن لم يعد إليه استقر [99/ أ] الشقص
للشفيع بقيمة العبد واستقر الشقص للمشتري بقيمة الشقص وانقطعت العلائق بين المشتري وبين البائع وهل بين الشفيع وبين المشتري تراجع أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا تراجع بينهما لأن الرد بالعيب فسخ في الحال غير مستدٍ إلى حالة العقد.
والثاني: بينهما تراجع لأن الشفيع يأخذ الشقص من المشتري بالثمن الذي يستقر على المشتري وها هنا استقر قيمة الشقص فعلى هذا يقابل بين قيمة العبد وقيمة الشقص، فإن كانت القيمتان سواء فلا كلام، وإن كان بينهما تفاضل تراجعا به، فإن كانت قيمة الشقص أكثر من قيمة العبد رجع المشتري على الشفيع بتمام قيمة الشقص، وإن كانت قيمة الشقص أقل من قيمة العبد رجع المشتري عليه بذلك الفضل وهذا لأنه انفسخ العقد الأول بهذا الرد وصار الثمن قيمة الشقص، وإن لم يكن أخذ الشفيع الشقص من المشتري واجتمع الشفيع والبائع ففي أحقهما بالشقص وجهان من اختلاف الوجهين إذا كان الشقص صداقًا وينازعه الشفيع والزوج المطلق قبل الدخول فإن قلنا هناك: الزوج أحق فها هنا البائع أحق ولا شفعة وإذا قلنا: هناك الشفيع أحق فها هنا الشفيع أحق ووجه هذا أنه استحق الشفعة بالبيع والبائع إنما يستحق أخذ الشقص بالرد بالعيب بعده فحق الشفيع أسبق ووجه الوجه الأول أن الشفيع إنما يساحق أخذه بالشفعة إذا لم يثبت للبائع على المشتري حق الفسخ وها هنا ثبت له ذلك فإذا قلنا البائع أحق أخذه وانصرف وإن قلنا: الشفيع أحق فبكم يأخذه؟ وجهان:
أحدهما: بقيمة العبد الذي كان ثمنًا لأنه استقر عليه عقد البيع.
والثاني: بقيمة الشقص الذي صار مغرومًا واستقر للبائع على المشتري، وإن كان هذا بعد حدوث عيب آخر عنده منع الرد كان له الرجوع بأرش العيب على المشتري، فإذا رجع به هل يرجع المشتري به على الشفيع؟ نظر، فإن كان الشفيع أخذه بقيمة عبدٍ [99/ ب] سليم لا عيب فيه لم يرجع بشيء، وإن كان أخذه بقيمة عبدٍ معيب من أصحابنا من قالَ: فيه وجهان:
أحدهما: لا يرجع عليه المشتري لأنه استحقه ما سمى في العقد.
والثاني: يرجع على المشتري لأن الثمن استقر على المشتري مع الأرش، ومن أصحابنا من قال: يرجع ها هنا على الشفيع وجهًا واحدًا لأنه من تمام الثمن وهذا أصح بخلاف ما تقدم من المسألة.
مسألة: قال: "ولو استحقَ العبدُ بطلت الشفعةُ ".
الفصل
وهذا كما قال: إذا باع شقصًا بعبدٍ فأخذه الشفيع ثم استحق العبد يبطل البيع
والشفعة أيضًا بخلاف المسألة قبلها لأنه صح البيع وحصل الملك للمشتري هناك وها هنا بخلافه، ولو اقر المتبايعان والشفيع أن العبد كان حر الأصل يبطل البيع والشفعة أيضًا وإن أنكر الشفيع ما قالا لم يقبل قولهما عليه والشفعة له باقية، وقال بعض أصحابنا: يرجع البائع على المشتري بقيمة الشقص لخروجه عن يده وفواته وقيل: لا يتراجعان بشيء لأن الشفيع ينكر استحقاق قيمة الشقص فلا يطالبه بها وهذا أشبه، ولو كان الثمن معيّنًا فأخذ الشفيع الشفعة من المشتري ثم تلف الثمن في يد المشتري قيل القبض بطل البيع والشفعة معًا ولم يكن للمشتري أن يدفع بدل الثمن ولا يصح ذلك وإن اتفقا عليه.
مسألة: قال: "ولوْ صالحَهُ منْ دعواه على شقصٍ".
الفصل
وهذا كما قال: إذا ادعى رجل على رجل شقصًا في يده فصالحه منه على مالٍ أخذه نظر، فإن كان الصلح على الإنكار فو باطل ولا شفعة، وإن كان بعد الإقرار له فالصلح صحيح ويأخذ الشفيع الشقص منه بمثل المال الذي يذله له إن كان له مثل أو قيمته إن لم يكن له مثل، وإن ادعى أجنبي على أحدهما ألفًا فصالحه منه على الشقص الذي في يده، فإن كان على إقرارٍ صار كأنه اشترى ذلك بألفٍ ففيه الشفعة، وقد ذكرنا ذلك، وإن كان على إنكارٍ فالصلح باطل.
فرع
لو وهب شقصًا من رجل فهل للشفيع الشفعة؟ مبني على أن الهبة هل تقتضي الثواب؟ وفيه قولان فإذا قلنا: لا يقتضي الثواب [100/ أ] لا شفعة وإذا قلنا: يقتضي الثواب تثبت الشفعة فيها ويأخذ الشفيع بقدر الثواب، وحكي عن ابن أبي ليلى أنه قال: تثبت الشفعة فيها بقيمة الشقص وهو رواية عن مالك لأن الشفعة لإزالة الضرر وهو موجود ها هنا وهذا غلط لأنه ملكًا بغير بدلٍ فأشبه إذا ورثها، ولو كانت الهبة بشرط الثواب، فإن كان معلومًا وقلنا: يصح كان ذلك بيعًا وتثبت الشفعة تقابضًا أو لم يتقابضا، وبه قال زفر.
وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا تثبت حتى يتقابضا، لأن الهبة لا تلزم إلا بالقبض وهذا قول بعض أصحابنا وهذا غلط لأنه ملكها بعوضٍ فلا يفتقر إلى القبض لحصول الملك كالبيع الصريح ولا يصح اعتبار لفظ الهبة لأن العوض يصرفها عن مقتضى لفظها ويصير لفظها عبارة عن البيع، ولو شرط ثوابًا مجهولاً نقل الربيع عن الشافعي أنه إذا أثابه الموهوب له أخذ الشفيع بمثله إن كان له مثل أو بقيمته إن لم يكن له مثل حكاه القاضي أبو عليّ الزجاجي والمشهور أن الهبة باطلة ولا شفعة قال: وفيه قول آخر لا شفعة في الهبة أصلاً لأن الهبة مخصوصة.
فرع آخر
لو حضر رجل مغنمًا فأعطاه الإمام لحضوره شقصًا من دارٍ وطالبه الشفيع بالشفعة، فإن كان أخذه رضخًا لا شفعة لأن الرضخ عطية تبرع، وإن أخذه بسهمٍ مستحق فيه وجهان أحدهما: لا شفعة لأن الغنائم مستفادة بغير بدلٍ كإحياء الموات، والثاني: تثبت الشفعة لأنه قد اعتاضه بدلًا عن حضورٍ وعملٍ فعلى هذا يأخذه الشفيع بقدر سهمه من المغنم.
مسألة: قال: "ولوْ أقامَ رجلانِ كلُّ واحدٍ منهما بيّنهً أنه اشترى منْ هذهِ الدار شقصًا".
الفصل ?
وهذا كما قال: إذا كانت الدار بين رجلين لكل واحدٍ منهما نصفها وادعى كل واحدٍ منهما على صاحبه أن النصف الذي في يديه يستحقه عليه بالشفعة رجعنا إليهما في وقت [100/ ب] الملك فإن قالا: ملكناها معًا في زمان واحد بالشراء من رجل واحد أو من رجلين فلا شفعة لأحدهما: على صاحبه وإن قال كل واحدٍ منهما: أنا السابق فلي الشفعة لا يخلو من ثلاثة أحوال إما أن لا يكون هناك بينة أو يكون مع أحدهما بينة، أو مع كل واحدٍ منهما بينة، فان لم يكن مع واحدٍ منهما بينة فكل واحد منهما مدعٍ ومدعّي عليه فإن سبق أحدهما فادعى على صاحبه قلنا له: أجب عن الدعوى فإن قال في الجواب: ملكي هو السابق قلنا: هذا ليس بجواب بل قد أعدت الدعوى فأجب عن الدعوى فإن قال: لا يستحق علىّ الشفعة فالقول قوله فإن نكل رددنا اليمين على المدعى، فإذا حلفا قضينا له بالشفعة وسقطت دعوى صاحبه لأنه لم يبق له ملك يستحق به الشفعة فإن لم ينكل وحلف سقطت دعوى صاحبه، ويقال: لك الدعوى بعد هذا فإذا ادعى عليه نظر، فإن نكل عن اليمين حلف هو واستحق الشفعة، وإن حلف ولم ينكل سقطت الدعوى وبقيت الدار بينهما على ما كانت عليه هذا إذا لم يكن هناك بينة، فإن كانت مع أحدهما بينة نظر، فإن شهدت له بالتاريخ مثل إن قال: ملكتها منذ سنة أو منذ شهر فلا فائدة: هذا التاريخ لأنا لا نعرف به وقت ملك الآخر فإن زادت على هذا فأخبرت أنه ملكه قبل ملك صاحبه قضينا بالبيئة وحكمنا له بالشفعة، وإن كان مع كل واحدٍ منهما بينة لم يخل من أحد أمرين إما أن تكونا متعارضتين أو غير متعارضتين، فإن لم تكونا متعارضتين بأن شهدت إحداهما أنه ابتاع النصف من زيد وشهدت الأخرى أنه ابتاع النصف من عمرو فلا تعارضه ها هنا لإمكان أن يكون كل واحدٍ منهما اشترى نصيبه مفردًا فلا يخلو حال البينتين من أربع أحوال إما أن تكونا مؤرختين تاريخًا واحدًا أو مؤرختين تاريخًا مختلفًا أو إحداهما مطلقة والأخرى [101/
أ] مؤرخة أو كانتا مطلقتين، فإن كانتا مؤرختين تاريخًا واحدًا بأن شهدت إحداهما أنه اشترى من زيد وقت طلوع الشمس والأخرى أنه اشترى من عمرو وقت طلوع الشمس فالملك حصل لهما في وقتٍ واحدٍ فلا يستحق أحدهما على الأخر شفعة، وإن كانتا مؤرختين تاريخًا مختلفًا فالذي ملك أولًا يستحق الشفعة على صاحبه لأن ملك صاحبه طرأ عليه، وإن كانت إحداهما مطلقة والأخرى مؤرخة فهو كما لو لم يكن مع أحدهما: بينة لأنا لا نعلم أيهما سبق الملك، وكذلك إن كانتا مطلقتين، وإن كانتا متعارضتين وهو أن تشهد كل واحدة منهما أن هذا هو السابق لصاحبه ففي المتعارضتين قولان أحدهما: تسقطان، والثاني: تستعملان.
وفي كيفية الاستعمال ثلاثة أقوال القرعة والوقف والقسمة فإن قلنا: توقف وقفناه وإن قلنا: تقرع أقرعنا فمن خرجت قرعته قدمنا بينته وهل يحلف مع القرعة؟ وجهان، وإن قلنا: يقسم نظر، فإن كانا في الملك متساويين فلا فائدة في القسمة، وإن كانا فيه متفاضلين لأحدهما الثلث وللآخر الثلثان أخذ صاحب الثلث من صاحب الثلثين السدس بما يخصه من الثمن.
مسألة: قال: "ولوْ أن البائع قال: قدْ بعتُ شقصي من فلانِ بألفِ".
الفصل
وهذا كما قال: إذا كانت الدار بين رجلين نصفين فادعى أحدهما: أنه باع نصيبه من فلان بألف درهم رجعنا إلى فلان فإن قال: صدق قضينا بالشفعة للشفع، وإن أنكر فلان الشراء فقد اعترف المالك بالبيع وأنكره للمشتري فهل للشفيع الشفعة؟ قال المزني: له الشفعة وصوَّبه سائر أصحابنا وبه قال أبو حنيفة وأحمد لأن البائع أقر بحقٍ للمشتري وبحق للشفيع فإذا سقط حق المشتري بإنكاره لم يسقط حق الشفيع كما لو أقر لاثنين بحق فرَّده أحدهما، وقال ابن سريج: لا شفعة للشفيع لأن البيع لم يثبت في حق المشتري والشفعة إنما تستحق على المشتري لا على [101/ ب] البائع ولأن الأصل المشتري والشفيع فرع فهو كما لو أقر أحد الأخوين بأخ ثالث وأنكر الآخر لا يثبت الإرث كما لا يثبت الأصل وهو النسب، فإن قلنا بهذا فالخصومة كن البائع والمشتري فالقول قول المشتري فإن حلف برئ وإن نكل عن اليمين حلف البائع وثبت البيع ووجب له الثمن على المشتري وقضينا للنفع بالشفعة على المشتري، وإذا قلنا: له الشفعة وهو المذهب وبه قال مالك لا يخلو البائع من أحد الأمرين إما أن يختار محاكمة المشتري أو لا يختار فإن اختار ترك محاكمته قلنا للبائع: تسلَّم أنت الثمن من الشفيع وسلّم الشقص إليه وتكون عهدة الشفيع ها هنا على البائع دون المشتري لأنه لما لم يلزمه الشراء مع إنكاره لم يلزمه عهدته، وإن اختار محاكمة المشتري هل له ذلك؟ وجهان:
أحدهما: ليس له ذلك لأنه حصل له الثمن وهو مقصوده فلا فرق بين أن يحصل ذلك له من المشتري أو من الشفيع ولأنه لا يؤمن إن أحلف أن يحكم بفسخ العقد وفيه إبطالّ لحق الشفيع فليس له ذلك.
والثاني: له ذلك لاستحقاق اليمين عليه بإنكاره ولما فيه من البنية بوصول الملك إلى مستحقه ولا يبطل بذلك حق الشفيع ولأنه قد تكون معاملة المشتري أسهل من معاملة الشفيع وهذا أصح فإذا قلنا: له محاكمة المشتري فالقول قول المشتري مع يمينه فإن حلف سقطت دعوى البائع ويأخذ الشفيع منه الشقص على ما ذكرنا، وإن نكل عن اليمين حلف البائع وثبت الشراء والشفعة وتكون عهدة الشفيع على المشتري وعهدة المشتري على البائع هذا كله إذا اعترف البائع بالبيع دون قبض الثمن فإن اعترف بالبيع وقبض الثمن أيضًا وأنكر المشتري الكل فهل للشفيع الشفعة؟ يبنى على المسالة الأولى فإن قلنا هناك: لا شفعة كما قال ابن سريج فها هنا أولى، وإن قلنا هناك: تثبت الشفعة فها هنا وجهان:
أحدهما: [102/ أ] لا شفعة لأنه لا يمكن دفعه إليه من غير ثمن ولا يمكن دفعه بالثمن لأن الثمن يستحقه المشتري ولا يمكن إجبار المشتري على قبض الثمن بعد يمينه أنه ما اشتراه وهذا اختيار أبي إسحاق وابن أبي هريرة.
والثاني: وهو قول الأكثرين له الشفعة لأن البائع أقر بحقي للمشتري وللشفيع معًا، فإذا لم يقبل المشتري كان للشفيع أن يقبل ويأخذ ثم إذا أخذ فهو معترف بالثمن للمشتري وهو ينكره فيه ثلاثة أوجه على ما بيناه وقيل: هل يقبض منه الثمن؟ وجهان فإذا قلنا: يقبض فيه وجهان أحدهما: يوضع في بيت المال موقوفًا للمشتري، والثاني: يدفع إلى البائع ويسترجع من البائع ما أقر بقبضه من المشتري ليكون هو الموقوف للمشتري في بيت المال ذكره في "الحاوي"، وحكي بعض أصحابنا عن ابن سريج أنه قال: في الصورة الأولى إذا أراد الشفيع دفع الثمن يرفع الأمر إلى القاضي ليقيم رجلًا مقام المشتري ويقبض له الثمن كيلا يكون متطوعًا بما أعطى ويصير ماله بعرض الهلاك لو أقر المشتري بالشراء وقال: دفعت الثمن من غير إذني والشقص لي، فإذا كان القابض قبضه بأمر الحاكم صح قبضه في حقه.
وقال بعض أصحابنا: لا يحتاج إلى هذا فإن الشفيع يقول: دفعت الثمن إلى البائع للضرورة وحين أنكرت أذن لي الشرع يدفعه فصار كأني دفعت بإذنك.
واعلم أن المزني صوّر هذه المسألة حيث يكون البائع مع الإقرار بالبيع مقرًا بالقبض والإقباض والمشتري منكر فيحتمل أن كون هذا منه توسعًا في الكلام عند تصوير المسألة ولا فائدة في هذا التقييد ويحتمل أن يكون مراده يذكر هذا القبض قطع نوع من التوهم وهو أن البائع إذا أقر بأن المشترى قبض الشقص والمشتري جاحد فعلى الشفيع [102/ ب] تسليم الثمن
إلى البائع وربما يتوهم متوهم أن البائع بعد اعترافه بالإقباض لا يستحق على الشفيع بالثمن وليس كذلك بل يستحق ذلك إذا لم نعترف بقبض الثمن لأن شقصه لا يزول عن ملكه إلا بثمنٍ يصل إليه إما من جهة المشتري، وإما من جهة الشفيع.
ثم اعلم أن هذا التصوير الذي ذكره إنما يستقيم مع جوابه إذا كان المشتري معترفًا بأن الشقص الذي قبضه البائع ملك البائع حصل في يده عارية أو وديعة فأما إذا قال المشتري: هو ملكي فالجواب أن القول قوله مع يمينه، فإذا حلف المشتري نظر إلى الشفيع، فإن كان يصدق البائع في عين الشقص الذي حلف المشتري عليه فلا سبيل للشفيع على البائع لأن البائع غير متعدٍ بتسليم الشقص إلى المشتري، وإن كان الشفيع يكذب البائع في العين ويقول: إن الشقص الذي اعترفت بالشفعة لي فيه غير هذا النقص الذي حلف المشتري عليه فالقول قول الباني مع يمينه.
مسألة: قال: "ولو كانَ للشَّقصِ ثلاثٌة شفعاءٍ فشهدَ اثنان".
الفصل
وهذا كما قال: إذا كانت الدار بين أربعة نفرٍ فباع أحدهم نصيبه من أجنبي وجاء الثلاثة يطالبون المشتري بالشفعة فادعى المشترى أن أحدهم عفا عن الشفعة وشهد له الشفيعان الآخران نظر، فإن كانا مقيمين على طلب الشفعة لم تقبل شهادتهما للتهمة لأنهما يجرّان إلى أنفسهما غنمًا وشهادة الجار إلى نفسه غنمًا لا تقبل كما لا تقبل شهادة الدافع عن نفسه غرمًا، وإن كانا قد عفوا عن الشفعة قبلت شهادتهما لأنه لا تهمة عليهما، وإن كانا مقيمين على طلب الشفعة فرددنا شهادتهما ثم عفوا وأعادا الشهادة لم تقبل شهادتهما كالفاسقين إذا أعادا الشهادة بعد التوبة لا تقبل شهادتهما، وإن كان قد عفا أحدهما دون الآخر قبلت شهادة [103/ أ] العافي دون الذي لم يعف وقضينا بشهادته مع اليمين ومن الذي يحلف مع الشاهد نظر، فإن كان الذي ردت شهادته عفا عنها حلف مع شاهده واستحق الشفعة على المشتري لأنه لا شفيع غيره، فإن كان الذي ردت شهادته قد عفا عنها بعد ذلك حلف المشتري مع الشاهد وحصل الشقص له لأنه لم يبق من يطالب بالشفعة.
فرع
لو شهد البائع على الشفيع بالعفو قال ابن القفال في "التهذيب": نظر، فإن كان لم يقبض الثمن من المشتري لم تقبل شهادته لأنه يجوز أن يفلس المشتري فيرجع البائع بالشقص فيكون قد أثبت بشهادته لنفسه حقًا، وإن كان قد قبض الثمن وسلم الشقص قبلت شهادته.
فرع آخر
لو شهد السيد على مكاتبه بالعفو عن الشفعة قبلت شهادته لأن ذلك شهادة عليه، وإن شهد بالشراء فيما للمكاتب فيه الشفعة تقبل شهادته أيضًا ذكره القاضي الطبري رحمه الله.
مسألة: قال: "ولو ادعى الشفيع على رجل أنه اشترى هذا الشقص الذي هو في يديه من صاحبي الغائب".
الفصل
وهذا كما قال: إذا كانت دار بين رجلين أحدهما: حاضر والآخر غائب ونصيب الغائب في يد وكيل له حاضر ثم إن المالك الحاضر ادعى أن الوكيل الحاضر اشترى نصيب موكله بألفٍ وأقام بذلك شاهدين سمع الحاكم ذلك وقضى بالشراء وأوجب للحاضر الشفعة قال المزني رحمه الله: هذا قضاء على الغائب ووافقنا فيه الكوفيون وقد ناقضوا أصلهم، واختلف أصحابنا في هذا على وجهين:
أحدهما: أن هذا قضاء على غائب لأن الدعوى والشهادة عليه بالبيع.
والثاني: ليس هذا بقضاء على غائب لأن المزني لم يذكر أن يحلف المدعي مع الشاهد فثبت أنه قضاء على وكيل حاضر، فإذا قلنا: إنه قضاء على حاضر فلا كلام وإذا قلنا: قضاء [103/ ب] على غائب نقول: هم ناقضوا لأنهم إنما يمنعون القضاء على غائب إذا لم يتعلق بحق حاضر، فأما إذا كان هناك خصم حاضر يقضى عليه وفي هذا الموضع خصم حاضر وهو الذي يدعي عليه أنه اشترى ثم الثمن لا يدعي هذا المشتري فيأتي فيه الأوجه الثلاثة، وإن لم يذكر البينة قبض الثمن قبض الحاكم الثمن من المشتري للبائع ومن الشفيع للشفع للمشتري، واعلم أن المزني قيد هذه المسألة بذكر دفع الثمن ولا تتوقف الشفعة على دفع المشتري ثمن الشقص إلى البائع بل إذا انبرم البيع كانت الشفعة ثابتة فيحتمل أنه جعل ذلك بسطًا في عبارة الدعوى وتأكيدًا، وكذلك في الشهادة فإن الشهود متى ما شهدوا عند الحاكم على أنه اشترى ودفع الثمن إلى البائع كانت شهادتهم أوضح لأن دفع الثمن بعد البيع دلالة ظاهرة على الانبرام.
مسألة: قال: "ولو اشترى شِقصًا وهو شقيعٌ فجاء شفيعٌ آخر".
الفصل
وهذا كما قال: إذا كانت دار بين ثلاثة شركاء فباع أحدهم نصيبه من آخر فقد حصل بائع وشفيع وشفيع هو المشتري فهل يستحق الشفيع المشتري الشفعة قيما اشتراه؟ قال المزني: هما في المبيع شريكان ولكل واحد منهما نصف المبيع، واختلف أصحابنا فيه على وجهين قال أكثر أصحابنا كما قال المزني، وقال ابن سريج: للشريك الذي لم
يشتر أن يأخذ الثلث كله بالشفعة وليس للمشتري أخذ شيء منه لأنا لو قلنا: تثبت له الشفعة لكان يأخذ من ملك نفسه وذلك لا يجوز وبه قال الحسن البصري وعثمان البتي وهذا غلط لأن المشتري شريك كالآخر فليس لذلك أن ينفرد بجمع المشفوع.
واعلم أنا لا نقول: إنه أخذ الشفعة من نفسه ولكن نقول: لا يقدم الشريك الآخر عليه لأنه لا مزية له عليه فيجعل للشريك الآخر أخذ للنصف فحسب والنصف الآخر نقرّه في ملك المشتري لأنه شريك فإذا أقررناه حصل الملك بالابتياع لا بأخذه بالشفعة [104/ أ].وقال المزني في تعليل هذه المسألة لأنه مثله وليس له أن يلزم شفعته غيره فسمى ما تبقى في هذا المشترى شفعة له وهذه التسمية مجاز لا حقيقة لأن ما ملكه الإنسان بالشراء لا يسمى شفعة وإنما استجاز المزني إطلاق اسم الشفعة على الباقي من هذا الشقص لأنه بجملته لو حصل لأجنبي بالشراء لا لواحدٍ من الشركاء كان لهذا الشريك المشتري فيه هذه الحصة من الشفعة فسماه شفعة على هذا المعنى والله أعلم.
فإذا قلنا بقول ابن سريج قلنا للشريك الآخر: لا شفيع ها هنا غيرك فأنت بالخيار بين أخذ الكل أو الترك وليس لك التبعيض وإذا قلنا بقول عامة أصحابنا: فإن اختارا كان الثلث بينهما نصفين، وإذا عفا الشفيع بقي الثلث كله للمشتري وإن قال المشتري: رضيت أن يأخذ الشفيع الكل لم يلزم الشفيع أن يأخذ الكل بل له أن يأخذ النصف ويترك النصف على ما ذكرنا فيما تقدم، فإن قيل: قد بعضتم الصفقة على المشتري قلنا: لأن المشتري لما دخل فيه رضي بالتبعيض، فإن قيل: إذا كان المشتري أجنبيًا فجاء أحد الشفعاء لم يكن له تبعيض الصفقة على المشتري فما الفرق؟
قلنا: الفرق أن الشريك إذا اشترى كان بمنزلة أخذ الشقص بالشفعة وآكد منه كما إذا طلق الرجل امرأته طلقة واحدة ثم عقد النكاح عليها في حال العدة كان بمنزلة الرجعة عند بعض أصحابنا فإذا كان كذلك فإذا أخذ الشفيع بالشفعة لم يجز أن يلزم شريكه أخذ ما دخل في ملكه وليس كذلك الأجنبي إذا اشترى فإنه لم يملك شيئًا منه بما هو أكد من الآخذ بالشفعة مع كونه شريكًا فافترقا.
مسألة: قال: "ولو شجَّةُ موضحًة عمدًا".
الفصل
وهذا كما قال: إذا صالح من أرش الموضحة على شقصٍ فالكلام أولًا في الصلح ثم في الشفعة، وجملته أن الواجب في الموضحة خمس من الإبل أخماسًا إن كانت خطأ أو أثلاثًا إن كانت شبه عمد أو عمدًا، فإن كانت عمدًا فالوجوب على الجاني، [104/ ب] وإن كانت خطأ أو عمد خطٍأ فالوجوب على العاقلة فإذا صالح نظر، فإن كانت الإبل موجودة فإن لم يعرفا الأوصاف التي بقيت بها في الذمة وهي العدد والسّن
وأنها من نتاج قومه أو بلده فصالحه منها على شقٍص لم يصح الصلح، فإن عرفا الأوصاف الثلاثة فهل يصح الصلح؟ قولان: أحدهما: يصح لأنه لو أحضرها بهذه الأوصاف لزمه قبولها، والثاني: لا يصح لأن السّلم فيها بهذا القدر لا يصح حتى توصف الألوان ونحوها مما يختلف الثمن لأجله، فإذا قلنا: الصلح صحيح يأخذ الشفيع بقيمة خمٍس من الإبل أقلها قيمًة إذا كانت بالأوصاف التي ذكرناها، فإن لم تكن الإبل موجودة قال في القديم: تجب خمسون دينارًا أو ستمائة درهم، وقال في الجديد: تلزم قيمتها بالغة ما بلغت، فإن عرفا البدل المقدَّر ومقداره أو عرفا مقدار القيمة فصالحه منها صح الصلح ويأخذ الشفيع بمثل ذلك، وإن لم يعرفا أو عرف أحدهما: دون الآخر لم يصح الصلح ولا شفعة، وقال بعطر أصحابنا بخراسان: إذا كانت الجناية عمدًا وقلنا: الواجب هو القود فحسب هل يصح الصلح مع كون الدية مجهولة عند المتعاقدين؟ قولان بناًء على أن مطلق العفو هل يوجب المال أم لا؟ فإن قلنا: لا يوجب جاز وكأن المصالحة وقعت عن نفس القود وهو معلوم، وإن قلنا: يوجب المال لم يجز إلا أن يكون معلومًا على ما ذكرنا لأنه مصالحة عن المال.
مسألة: قال: " ولوْ اشترى ذمَّي منْ ذمي شِقصًا بخمٍر"
الفصل
وهذا كما قال: إذا اشترى مشرك من مشرك شقصًا فإن للشريك المشرك أن يطالب بالشفعة إن كان الثمن حالًا والعقد صحيحًا، وإن تبايعا بخمٍر أو خنزير فلا شفعة، فإن كانوا تعاقدوا وتقابضوا وسلَّم المشتري الشقص لم نتعرض لهم فيه ولو كان الشريك مسلمًا لا شفعة له وإن تقابضوا لأنه لا عوض هناك يمكن أخذها منه، وقال أبو حنيفة: له الشفعة بقيمة الخمر وللذمي الشفعة بمثل الخمر بناءً على أصله أن الخمر مال [105/ أ] لهم وهذا غلط لأنه وقع العقد بثمن حراٍم فلا شفعة كما لو وقع بميتة أو دم.
مسألة: قال: "والمسلمُ والذميُّ في الشفعة سواءٌ".
وهذا كما قال: إذا باع ذمي شقصًا من ذمي وكان شريكه فيه مسلمًا يستحق الأخذ بالشفعة، ولو باع من مسلم وشريكه ذمي فالذمي يستحق الشفعة على المسلم وبه قال كافة العلماء، وقال الشعبي والحسن وعثمان البتي والحارث العكر وأحمد والحسن بن صالح ابن حي: لا شفعة للذمي على المسلم لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا شفعة لذمي على مسلّم"، وروي: "لا شفعة لنصراني" وهذا غلط للعمومات الواردة في الشفعة ولأنه خيار يثبت لدفع الضرر عن المال فاستوي فيه المسلم والذمي كالرد بالعيب، وأما للخبر لا أصل له.
فرع
تثبت الشفعة للبدوي على الحضري خلافًا للشعبي وتثبت الشفعة للغائب على الحاضر خلافًا للنخعي وتثبت الشفعة في دور مكة، وقال أبو حنيفة: لا تثبت بناءً على قوله: لا يجوز بيعها.
فرع آخر
لو كان أحد الشريكين غائبًا وله وكيل فقال الوكيل: قد اشتريت منه نصيبه فهل يكون للحاضر أخذه بالشفعة، قال ابن سريج: فيه وجهان أحدهما: ليس له لأن إقراره لا يقبل على موكله ويكتب الحاكم إلى حاكم البلد الذي فيه الغائب ليستدعيه ويسأله عنه، والثاني: يؤخذ عنه بالشفعة وبه قال أبو حنيفة ويذكر الحاكم في السجل صورة الحال وينظر في الغائب فإن صدَّقه صح أخذه السابق، وإن كذّبه ولا بينة هناك كان القول قوله مع يمينه، فإذا حلف استحق الشقص وأجرة المثل في مدة ما أمسكه الشريك وأرش النقص إن دخل فيه النقص وهل يرجع الشفيع على الوكيل لأنه غرَّه؟ وجهان وقد مضى نظير هذه المسألة.
فرع آخر
لو أحال المشتري البائع على الشفيع بثمن الشقص فوزنه له عن المشتري برئ المشتري من الثمن ومن الشفعة.
فرع آخر
لو [105/ ب] اشترى رجل من رجل شقصًا وله شفيعان فقال المشتري: اشتريت لأحدهما: فصدقه المشترى له وكذبه الآخر وقال: بل اشتريته لنفسك كان النقص بين الشفيعين نصفين لأن للمكذب أن يأخذ نصف الشقص سواء اشتراه لنفسه أو لشريكه وعلى ما قال ابن سريج: أنه لا يكون للمشتري الشريك شفعة تجب ها هنا أن لا يكون للمكذب شفعة لأن شراء الشريك بتصادقهما عليه ولم يوجد ذلك، ولو قال الأخ المكذب: حلّفوا أخي أن الشقص اشتري لي لم يحلّف لأنه لا فائدة في استحقاقه على ما بيناه من أن الحكم لا يختلف بين أن يكون اشتراه لنفسه أو للشريك.
فرع آخر
لو قال المشتري في هذه المسألة: اشتريت هذا الشقص من رجل لا يملكه فصدقه أحد الأخوين وكذبه الآخر لا شفعة للمصدق لأنه أقر أنه لا يملكه، ولو قال: ملكت هذا الشقص بهبٍة فصدقه أحدهما في ذلك وكذبه الأخر وقال: ملكته بالابتياع بطلت شفعة المصدق لأنه أقر أنه ملك بالهبة ولا شفعة في الهبة، وأما المكذب يدعى أنه ملك الشقص بابتياع وأنه يستحق عليه الشفعة فيه وهو ينكر فإن أقام للمدعي بينة بالبيع استحق وإلا فالقول قول المنكر مع يمينه ولا شفعة.
فرع آخر
لو اشترى شقصًا فيه شفعة فمات الشفيع وله وارثان فقال المشتري: إن الوارثين قد عفوا ولا بينة له بذلك فأنكر فحلف الواحد ونكل الآخر لم يكن للمشتري أن يحلف من أجل نكول الناكل، لأنه لو صح عفوه كان للذي لم يعف أن يطلب جميع الشقص بالشفعة فلا يفيده اليمين شيئًا فإذا ثبت هذا فإن الوارث الحالف لا يستحق الكل إلا بيمين منه لقد عنا صاحبه هذا الناكل عن اليمين، فإذا حلف أخذ الكل، وإن لم يحلف كان الناكل على شفعته وأخذا معًا ذكره ابن الحداد.
فرع آخر
لو اشترى [106/ أ] شقصًا فيه شفعة ثم ارتد فقتل أو مات قبل رجوعه إلى الإسلام كان للشفيع الأخذ بالشفعة لأنها وجبت له ويكون المطالب بذلك الإمام أو من ينوب عنه، وهكذا لو ارتد الشفيع وقتل بالردة أو مات كانت الشفعة للمسلمين والنظر في ذلك إلى الإمام.
فرع آخر
لو بيع شقصٌ وله شفيعان فعفا أحد الشفيعين والآخر غائب ثم مات الغائب والحاضر العافي وارثه كان له أن يأخذ بالشفعة، لأنه وإن عفا فإنما يأخذها من وجٍه غير الوجه الذي عفاها منه، وكذلك لو شهد شاهد بدين لأبيهما فقال أحدهما: لا أحلف مع الشاهد فمات أخوه وهو وارثه كان له أن يحلف ويأخذ ما يصيب الأخ من الدين لأن هذا لبس أتى اليمين عليه ذكره ابن الحداد، وعلى هذا لو ورث رجلان الشفعة عن أبيهما فعفا أحدهما: ثبت للآخر استيفاء الكل فإن مات والعافي وارثه ثبات له استيفاؤه بالنيابة عن موروثه.
فرع آخر
لو كانت الأرض بينهما نصفين فباع أحدهما قطعة بعينها بطل البيع في نصيب شريكه وهل يبطل قي نصيب نفسه؟ قولان فإذا قلنا: لا يبطل أخذه شريكه بالشفعة فيكون له نصف تلك القطعة المبيعة بالشفعة.
فرع آخر
لو كان في يد رجل نصف دار فادعى مدٍع عليه أنه يستحق سدسها فأنكر المدعى عليه وانصرف المدعي ثم قال له المدعى عليه: خذ مني السدس الذي ادعيته منها بسدس دارك فأجابه إلى هذا صح ولم يكن صلحًا على الإنكار ووجبت الشفعة للشفيع يأخذها من المدعي بقيمة سدس داره.
فرع أخر
لو كانت دار بين شريكين نصفين فوكل أحدهما شريكه في بقع نصف نصيبه وهو ربعها وقال: إن اخترت أن تبيع نصف نصيبك مع نصيبي صفقًة واحدًة فافعل فباع
الوكيل نصفها الربع بحق الوكالة والربع بحق الملك صح في الكل [106/ ب] والموكل شريك حين بيع نصيب الوكيل والوكيل شريك حين بيع نصيب الموكل فللموكل الشفعة فيما باعه الوكيل من نصيب ننه وهل للوكيل الشفعة فيما تولى بيعه من نصيب الموكل؟ قد ذكرنا وجهين.
فرع آخر
إذا اشترى بعيرًا وشقصًا بعبٍد وجاريٍة وقيمة البعير والشقص مائتان كل واحٍد منهما مائة وكذلك العبد والجارية قيمتهما مائتان كل واحٍد منهما مائة تليت الشفعة في الشقص بنصف قيمة العبد والجارية فإن تلف البعير قبل القبض بطل فيه العقد، وهل يبطل في الشقص على القولين في تفريق الصفقة؟ فإن قلنا: يبطل بطل في الكل وسقطت الشفعة وإن قلنا: يصح في الشقص صح فيه بنصف العبد والجارية وأخذه الشفيع بقيمة ذلك، وإن تلف العبد بطل العقد فيه وهل يبطل في الجارية؟ على طريقين فإذا قلنا: يصح في الجارية بطل العقد في نصف البعير ونصف الشقص وأخذ الشفيع نصف الشقص بنصف قيمة الجارية.
فرع آخر
قال ابن سريج: لو كانت دار بين اثنين فادعى أحد الشريكين على الآخر بأن النصف الذي في يده اشتراه من زيد وصدّقه زيد على ذلك، وقال الشريك: ما اشتريته وإنما ورثته مني أبي ولا شفعة لك فأقام الشفيع شاهدين شهدا بأن زيدًا ملك هذا الشقص ميراثًا عن أبيه ولم يشهدا بأكثر من ذلك، قال محمد بن الحسن: تثبت الشفعة للشفيع ويقال له: إما أن تدفع الشقص إليه وتأخذ الثمن أو ترده على البائع ليأخذه الشفيع من البائع ويأخذ الثمن فيدفعه إليك قال: وإنما كان كذلك لأن الشاهدين شهدا لزيد بالملك وعليه بالبيع، وقال ابن سريج: هذا غلط ولا شفعة لهذا المدعي بذلك لأن البينة لم تشهد بالبيع، أما إقراره فليس بينه وبين المشتري منازعة فثبت إقراره وإنما نقرّ [107/ أ] على المشتري بالشفعة وليست الشفعة من حقوق العقد على البائع فلا يقبل فيها قول البائع ولا شهادته مقبولة لأنه يشهد على فعل نفسه قال: وهذا بمنزلة أن يحلف رجل: إني ما اشتريت هذه الدار من زيد فيقول زيد: أنا بعتها منه وقد كانت ملكًا لزيد فإنه لا يقبل إقراره عليه في الحنث في يمينه كذلك ها هنا.
فرع آخر?
لو كانت الدار بين أربعة أرباعًا اشترى اثنان منهم من واحد نصيبه وهو الربع استحق الذي لم يشتر عليهما الشفعة واستحق كل واحٍد من المشتريين الشفعة على صاحبه.
وفرع أبو العباس هذا على ما قاله المزني من أن المشتري إذا كان شريكة لا يسقط حقه من الشفعة وجعل الدار ثمانية وأربعين سهمًا، فالربع اثنا عشر بينهما، وذكر فيها أربع مسائل إحداها أن يطالب كل واحد منهم بشفعته فيقتسمون السبع أثلاثًا فيحصل لكل
واحٍد منهم أربعة أسهم.
والثانية أن يعفو كل واحٍد من المشتريين عن صاحبه ويطالب الذي لم يشتر فإنه يأخذ من كل واحٍد منهما نصف ما في يده لأنه فيما اشتراه كل واحٍد شريكه في الشفعة إذ لا شفعة فيه إلا لهما فيحصل للذي لم يشتر نصف السهم ستة أسهم، ولكل واحٍد من المشترين ثلاثة أسهم.
والثالثة أن يعفو الذي لم يشتر خاصًة فكل واحٍد من المشتريين يأخذ نصف ما في يده فيكون ذلك بقدر ما اشتراه لكل واحٍد ستة أسهم.
والرابعة أن يعفو الذي لم يشتر عن أحدهما دون الأخر فإنه يأخذ ممن لم يعف عنه سهمين ويبقى معه أربعة يأخذ منهما المعفو عنه سهمين، ويأخذ الذي لم يعف عنه من المعفو عنه ثلاثة أسهم نصف ما في يده لأنه لا شفيع في هذا السهم سواهما فيحصل مع كل واحٍد [107/ ب] منهما على خمسة ومع العافي سهمان.
وفرع أبو العباس على ذلك إذا كان أحدهما حاضرًا والآخر غائبًا والحكم في ذلك على ما ذكرنا فلا فائدة في تكراره.
فرع آخر
قال ابن الحداد: ولو كانت دار بين ثلاثة نصفها لأحدهم والنصف الآخر بين الآخرين نصفين فاشترى صاحب النصف من أحد شريكيه ربعه، والثالث: غائب، ثم باع صاحب الثلاثة الأرباع، ربعًا منها لرجلٍ ثم قدم الشريك الغائب كان له أن يأخذ ما يحصه من البيع الأول بالشفعة، ويأخذ المبيع الثاني جميعه لأنه لا شفيع فيه سواه، فإن أراد أن يأخذ حقه من الأول وعنا عن الثاني قال ابن الحداد: أخذ من المشتري الثاني سهمًا من ستة، ومن الأول سهمين من ستة فرض الربع ستة أسهم والأصل أربعة وعشرون لأنه أقل عدد ينقسم منه وإنما كان كذلك لأن صاحب النصف لما اشترى الربع كان الربع المشترى بينه وبين الشريك الغائب نصفين وهذا على المذهب، والمشهور في أن المشتري يشارك الشفيع إذا كان شريكًا فيما اشتراه وعلى أحد القولين في أن الشفعة على عدد الرؤوس فإذا باع الربع مما في يده وفي يده ثلاثة أرباع فقد باع ثلث ما في يده وهو ستة أسهم وبقي في يده اثنا عشر سهمًا وللغائب بشفعته ثلاثة أسهم فإذا قدم أخذ من المشتري سهمًا ثلث ما استحقه لأنه حصل له ثلث ما كان في يد بائعه وأخذ من الأول سهمين.
فأما إذا قلنا: إن الشفعة على قدر الأنصباء فالذي يستحق الغائب سهمان من الستة لأن ملكه مثل نصف ملك المشتري حصل في المبيع من السهمين ثلثها فيأخذ من المشتري الأول سهما وثلثًا، ومن الثاني ثلثي سهم هذا إذا عنا عن الثاني، وإن عفا عن الأول فأخذ من البيع الثاني أخذ من المشتري ما اشتراه وهو [108/ أ] ستة أسهم لأن شريكه بائع فلا تثبت له الشفعة، وإن أراد أن يأخذ الشفعة بالعقدين أخذ جميع ما في يد الثاني وأخذ من الأول إن قلنا: إن الشفعة على عدد الرؤوس سهمين، وإذا قلنا: على قدر النصيب سهمًا وثلثًا.
فرع آخر
قال ابن الحداد: إذا اشترى شقصًا فيه شفعة وأوصى به ومات ثم جاء الشفيع والموصى له يطالبان به كان للشفيع، ويدفع الثمن إلى الورثة دون الموصى له لأنه لم يوص له إلا بالشقص وقد سقط حقه.
فصل
في الحيل في إبطال الشفعة بالجوار مباحة قبل العقد وبعده لأنها حيلة في إبطال ما ليس بواجب، وأما الحيلة في إبطال الشفعة بالمشاركة نظر، فإن كان بعد وجوبها لا يحل ذلك لأنه حق وجب، وإن كان قبل وجوبها قال ابن سريج: يكره ذلك فإن فعل صح، وقال أبو بكر الصيرفي في كتاب" الحيل": هو مباح.
ومن جملة الحيل ما يُزهّد الشفيع في الآخذ لكثرة ثمنها مثل أن يكون ثمن الشقص مائة فيشتريه بألف ثم يدفع المشتري إلى البائع بالثمن ما قيمته مائة كالثوب ونحوه فيكون الثمن ألفًا والذي دفع مائة أو يبيع من الذي عزم على البيع جارية وهي تساوي مائة فإذا ثبت الألف على البائع أخذ منه شقصًا بالألف الذي هو ثمن الجارية فيملكها المشتري بألٍف وهى تساوي مائة فلا ينشط الشفيع لأخذه، إلا أن في المسألة الأولى الغرر يكون على المشتري للشقص لأنه يثبت عليه الألف وربما لا يرضى الثاني أن يأخذ منه ما يساوي مائة، وفى المسألة الثانية الغرر على بائع الشقص لأنه ربما لا يختار صاحب الجارية أن يأخذ منه النقص بألٍف فتبقى الجارية التي تسوى مائة بألٍف في يده وهذا اتفاًق، ومن ذلك أن يشتري بألٍف وقيمتها مائة ثم يبريه عن تسعمائة وفيه [108/ ب] غرر على المشتري أيضًا وهذا عند الشافعي ومن ذلك أن يهب البائع الشقص من المشتري ويهب للمشتري الثمن من البائع.
ومنها أن يكون الثمن جزافًا فيزن مائة في التقدير ويطرح فيها شيئًا من الفضة جزافًا فلا يعلم مبلغ الثمن، فإذا جهل مبلغه سقطت الشفعة.
ومنها أن يشتري نصيب الباني من بناء الدار سوى العِرصة فلا شفعة ثم يهب نصيبه من العرصة فلا شفعة أيضًا.
ومنها أن يكون الشقص يساوي ألفًا فيبيع نصفه منه ويهب منه النصف ويكتب الوثيقة أنه باع نصفه منه بألٍف ووهب النصف فلا يستحق الشفيع الموهوب ويأخذ المبيع بالألف ولا يرضى بذلك فيترك الشفعة وهذا أسلم.
وأما الحيل على قول أبي حنيفة أن الشفعة تثبت للجار هو أن يهب له بعض الدار ثم يشتري ما بقي أو يشتري منه كل الدار إلا العرصة التي عليها سور الدار، فإذا لم يدخل ذلك في البيع لم تجب الشفعة للجار ثم يقر له بالعرصة، أو يشتري كل البناء دون العرصة ثم يهب له العرصة فالشفعة في كل هذا لا تجب.
فإن كان قراحًا اشتراه إلا قدر شبرًا أو ذراع من جانب الشفيع فيزول الملاصقة وتسقط الشفعة إذا لم يكن شريكًا في الطريق ومن هذا الجنس كثير وفيما ذكرناه كفاية وبالله للتوفيق.