ورواه علي بن أبي طالب وأبو هريرة وأبو حميد الساعدي في عشرة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورضي الله عنه واحتجوا بما روى مالكٌ بن الحويرث ووائل بن حجٍر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (كان يرفع يديه حيالَ أذنيه)، قلنا: رواية الجماعة أولى أو يحمل هذا على أن أطراف الأصابع كانت تبلغ الأذنين وقيل: أن الشافعي رضي الله عنه لما قدم العراق قدم عليه العلماء مثل: أبي ثور والحسين الكرابيسي وغيرهما، فسألهم عن الجمع بين أخبار رفع اليدين، فلم يذكروا شيئًا، فقال: إني أرى أن تكون كفاه
حذو المنكبين، ورأس إبهامه عند أصل الآذنين ورؤوس أصابعه عند فروع الأذنين، فاستحسنوا ذلك، فعلى هذا يرتفع الخلاف.
وقال ابن سريج: الرفع إلى المنكبين أو إلى الأذنين من الاختلاف المباح، وليس أحدهما أولى من الآخر.
فَرْعٌ
قال في (الأم): ويثبتهما مرفوعتين حتى يفرغ من التكبير، وجملة ذلك أنه إذا أراد أن يكبرّ أسبل يديه، ثم رفعهما مع ابتداء التكبير، فإذا حاذى بهما منكبيه أثبتهما مرفوعتين حتى يكمل التكبير، لأن الرفع أسرع من الإتيان بالتكبير، لأنه يستحب له ترتيل التكبير والرفع يحصل في وقت يسير، ولا يمكن في هذا القدر ترتيله فعلى هذا ينتهي الرفع قبل انتهاء التكبير.
وقال أبو إسحق: ينبغي أن يكون انتهاء الرفع مع انتهاء التكبير.
وبه قال صاحب (الإفصاح)، وهذا خلاف نصّه، وقد بّينا دليله، وقال بعض أصحابنا بخراسان: يرفع يديه [66 ب/ 2] غير مكبرّ ويكبرّ، ثم يرسلها غير مكبرّ، وهو رواية ابن عمر رضي الله عنه.
وهذا عندي غلط.
فَرْعٌ آخرُ
قال في (الأم): وينشر أصابع يديه إذا رفعهما للتكبير ويفرقهما، والدليل عليه ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (كان ينشر أصابعه للتكبير).
وذكر بعض أصحابنا أنه لا نصّ فيه، وهو سهٌو.
فَرْعٌ آخرُ
قال: ويرفع يديه في كل صلاة فريضة ونافلة، ولا فرق بين الإمام والمأموم.
قال: وكذلك إن كان يصّلي قاعدًا لمرض به رفع يديه.
قال: وإن ترك رفع اليدين حيث أم به كرهت ذلك ولا إعادة عليه ولا سجود، وهذا لأنه هيئة.
قال أصحابنا وكذلك إن كان مضطجعًا أو متكئًا يأتي بالرفع في مواضعه، لأنه لا مشّقة عليه.
وأما في صلاة الجنازة يرفع يديه في كل تكبيرة وكذلك في العيدين يرفع اليدين في كل تكبيرة في حالة القيام، وصلاة الاستسقاء كالعيدين سواء في هذا وفي صلاة الخسوف الركوعان يريد الرفع فيه في الركوع والرفع من الركوع وفي سجود التلاوة والشكر يرفع يديه عند التكبير لأنها تكبيرة الافتتاح.
فَرْعٌ آخرُ
لو أثبت يديه مرفوعتين حتى انتهى تكبيره أو أثبتهما هكذا بعد انقضاء التكبير لم يضره، ولم يؤمر به، وهذا لأنه لو ابتدأ رفع يديه في أثناء الصلاة لم تبطل.
فَرْعٌ آخرُ
لو كانت بيديه علة لا يقدر على رفعهما إلى الحد الذي ذكرنا ويقدر على رفعهما دون ذلك رفعهما إلى حيث يقدر.
وروى وائل بن حجر - صلى الله عليه وسلم - أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (يرفعون بأيديهم إلى صدورهم وعليهم برانس وأكسية)، وتأويله أنه كان عليهم ذلك لشدة البرد، وكان يشّق عليهم رفع اليدين إلى الموضع المسنون كاشفًا.
فَرْعٌ آخرُ
لو كانت بيديه ِعّلة يقدر على رفعهما مجاوز المنكبين ولا يقدر على الاقتصار على حذاء المنكبين لم يدع رفعهما وإن جاوز المنكبين، [67 أ/ 2] وتلك الزيادة مغلوٌب عليها لا تضره.
فَرْعٌ آخرُ
لو كانت علة فقدر على أحد الرفعين: إما فوق المكبين أو دون المنكبين ليأتي بالمأمور زيادة من غير اختياره.
فَرْعٌ آخرُ
لو كانت إحدى اليدين صحيحة والأخرى عليلة، صنع بالعليلة ما وصفنا، واقتصر الصحيحة على حذو المنكب.
فَرْعٌ آخرُ
لو أغفل الرفع في موضعه ثم ذكره فإن ذكره قبل انقضاء التكبير أتى به وإن ذكره بعد انقضاء التكبير لم يأِت به، لأن هيئته في وقت فإذا مضى لم يوضع في غيره.
مسألة: قال: (ويأخُذ كوعه الأيَسَر بكفيه اليمنى).
الفَصْل
وهذا كما قال.
جملة هذا أن وضع اليمين على الشمال ُسّنٌة في الصلاة بعد الفراغ من الرفع، وبه قال أبو حنيفة والثوري وأحمد وإسحق وأبو ثور، ويكره إرسال اليدين في ظاهر المذهب.
وقال أبو إسحق المروزي، قال الشافعي في (الأم): (القصد منه تسكين يديه، فإن أرسلهما ولم يعبث فلا بأس)، وعن مالك روايتان:
إحداهما: أنه مستحب.
والثانية: أنه مباحٌ.
وحكي عن مالٍك أنه قال: يضع اليمين على الشمال في نافلٍة يطول فيها القيام ولا يفعل في غيرها.
وروى ابن المنذر عن ابن الزبير أنه كان يرسل يديه.
وبه قالت الشيعة.
وروي ذلك عن الحسن وابن سيرين والنخعي.
وقال الليث: يرسل يديه إلا أن يطيل القيام فٌيْعِل.
وقال الأوزاعي من شاء فعل، ومن شاء ترك، وهذا غلط لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نؤخر السحور ونعجل الإفطار، وأن نمسك أيماننا على شمائلنا في الصلاة).
وروى أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (ثلاث من سنن المرسلين: تعجيل الإفطار وتأخير السحور ووضع اليمنى على الشمال في الصلاة.
وروي أنه لما نزل قوله تعالى [67 ب/ 2]: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2]، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لجبريل - عليه السلام -: (ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي؟، فقال: ليست هذه من نحائركم إنما هو وضع اليمين على الشمال في الصلاة).
وروى عقبة بن ظبيان عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قرأ هذه الآية: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، فوضع يده اليمنى على ساعده اليسرى، ثم وضعهما على صدره.
وروى أبو عثمان النهدي عن ابن مسعود رضي الله عنه (أنه كان يصلي فوضع يده اليسرى على اليمنى فرآه النبي - صلى الله عليه وسلم - فوضع يده اليمنى على اليسرى)، ولأن هذا أعون على خشوعه، وأتّم لخضوعه، فإذا تقرر هذا، كيف يصنع ذلك؟ فالسّنة أن يضع يده اليمنى على ظهر كّفه اليسرى، والرسغ والساعد ويأخذ كوعه الأيسر هكذا.
رواه وائل بن حجر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه فعل هكذا في صلاته.
وقال أبو حنيفة: يضع كفه اليمنى على ظهر كّفه اليسرى من غير أخٍذ.
وروي عنه أنه قال: يأخذ لرسوغه، وأما أين يضع اليدين؟ نقل المزني: ويجعلهما تحت صدره، وهو المروي عن علي رضي الله عنه.
وقال أبو إسحاق: تحت سّرته، وهو قول أبى حنيفة وإسحق وعن أحمد روايتان.
وروي هذا عن أبي هريرة رضي الله عنه، ورواه أبو جحيفة عن علي رضي الله عنه أيضًا.
والأول أولى لأن وضعها تحت الصدر أخشع ووضعها تحت السّرة أقرب إلى إرسالها، وأشبه به.
وقيل: هذه اللفظة توجد للشافعي، فيجوز أن يكون المزني سمعها من الشافعي، أو قالها من عند نفسه، وهو حسن وهو قول إمام مثل علي رضي الله عنه.
وذكر الإمام الجويني رحمه الله عن علي رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -
مسألة: (ثم يقول: وجهت وجهي).
الفَصْل
وهذا كما قال: إذا فرغ من التكبير استحب أن يبتدئ [68 أ/ 2]، فيقول: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا مسلمًا وما أنا من المشركين إن صلاتي وُنُسكي وَمْحياَي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، ولا يقول: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: 163]. لأن ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لأنه أولهم في هذه الأمة نصّ عليه.
ومعنى ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾، أي: قصدت بوجهي الله سبحانه.
وقال أبو حنيفة: يستفتح بقوله: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جُّدك وجلّ ثناؤك، ولا إله غيرك.
وبه قال الثوري وأحمد وإسحاق والأوزاعي.
وقال أبو يوسف يقول معه: وجهت وجهي أيضًا، وقد ذكر بعض أصحابنا أنه لو جمع بين الذكرين كان أولى، ولو أراد الاقتصار على أحدهما، فما تقدم أولى وقصد بهذا القائل الجمع بين المذهبين، والأخبار الواردة فيه.
واعلم أن هذا من الاختلاف المباح فأّيهما استفتح الصلاة يجوز وروي كلاهما عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فروى علي رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا افتتح الصلاة كبرّ، ثم قال: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ إلى آخره، غير أنه قال: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾.
وقالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا استفتح الصلاة، قال: (سبحانك اللهم وبحمدك...)، إلى آخره.
ومعنى قوله: وبحمدك، أي: وبحمدك سبحتك، ومعنى الجد: العَظم ههنا، وإنما قلنا: إني وجهت وجهي َأولى، لأنه َألَيق بالموضوع وهو من ألفاظ القرآن والتسبيح يعود في الركوع والسجود، وما ذكرناه إذا ترك لا يعود.
وروي عن أبي حنيفة أنه قال: يستحب أن يقرأ: وجهت وجهي إلى آخره قبل التكبير حتى لا يعقب التكبير بقراءة القرآن، وهذا غلط، لأنه لو كان قرآنًا لاقتصر على قوله: ﴿حَنِيفًا﴾ دون قوله: ﴿مُسْلِمًا﴾، ولقال: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ موافقًة للقرآن.
وقال: مالٌك: لا يدعو بشيء بعد الافتتاح، [68 ب/ 2] ويفتتح الصلاة بقول: الله
أكبر، ويقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
واحتّج بما روى أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفتح الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وهذا عندنا يجوز إذا ذكر التسمية في أول الفاتحة، ولكنه يكره، وهذا الخبر محمول على استفتاح القراءة وعّبر بالصلاة عنها.
قال الشافعي: ويستحب بعده: أللهم أنت الملك، لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، أنت ربى وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعها لا يغفر الذنوب إلا أنت وأهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنى سيئها، لا يصرف عنى سيئها إلا أنَت، لبيك وسعديك، والخير بيديك والشر ليس إليك والمهدي من هديت أنا بك وإليك لا منجا منك ولا ملجأ إلا إليك تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
وقوله: والشر ليس إليك، قال المزني: معناه لا يضاف الشر إليك، وإن كان هو الخالق له، لأنه إنما يضاف إليه محاسن خلقه، فيقال: خالق السماء والأرض، ولا يقال: خالق العذرة والخنازير، وإن كان هو الخالق لها في الحقيقة.
وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة: معناه، والشر لا يتقرب به إليك.
وهكذا قاله الخليل بن أحمد.
وقوله: أنا بك وإليك، يعني: انتمائي والتجائي.
وقال في (الأم): يأتي بهذا كله لا يغادر منه شيئًا رواه علي وأبو هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإن زاد فيه شيئًا أو نقص منه كرهته ولا يسجد للسهو عمد أو جهلُة لو نسيه.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو سها عنه في موضعه، ثم ذكره، وقد افتتح القراءة أو التعوذ لم يقله لأن هيئته فات وقتها، وإن ذكره قبل الأخذ في القراءة أتى به ولا يقوله إلا في أول ركعٍة، ولا يقوله فيما بعده بحاٍل.
فَرْعٌ آخرُ
قال: إذا اختلف الأمام [69 أ/ 2] فيما لا يجهر، ففات من الركعة ما إن قال: هذا لا يقدر أن يقرأ القران.
قرأ أم القرآن وتركه وإن لم يفت من الركعة ما لا يقدر عليه أوفات منها ما يقدر على بعضه، أحببت أن يقول ذلك، وإن لم يقله لم يقِض في الركعة بعدها.
وقال أصحابنا: الإمام يقول إلى قوله وأنا من المسلمين، ولا يقول ما بعده لئلا يطول الصلاة فيتأذى به المأموم المريض، أو من له عذر، وهذا صحيح، قال: رضي به
المأمومون، ولا مشّقة عليهم يستحب له كل ذلك.
قال: ويقوله في النافلة والفريضة.
َمسألة: (ثَُّم َيَتَعََّوُذ َفَيُقوُل: َأُعوُذ ِبالله ِمَن الَّشَْيطاِن الَّرجيِم).
وهذا كما قال: إذا فرغ من دعاء الافتتاح أتى بالتعوذ، وهو سنة في الصلاة.
وبه قال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي وأحمد وإسحق.
وقال مالٌك: لا يتعّوذ في المكتوبة ويتعّوذ في قيام رمضان.
وحكي عن النخعي وابن سيرين: أنهما كانا يتعّوذان بعد القراءة.
وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه، واحتّج بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98]، وهذا غلط لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول قبل القراءة: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، ومعنى الآية، فإذا أردت قراءة القرآن كقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6]، أي: أردتم القيام إلى الصلاة.
والدليل على مالك أن يقول: صلاة تتضمن قرآنًا فتضمن تعّوذًا كقيام رمضان.
فَرْعٌ
قال الشافعي: (وأحب أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لأنه موافق للآية) وبه قال أبو حنيفة وقال أصحابنا: الأحسن أن يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
وقال أحمد: يقول هكذا ويزيد أنه هو السمع العليم، وهذا غلٌط، لأنه ذكره مرًة، فلا معنى لتكراره.
وقال الثوري: يقول [69 ب/ 2]: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم.
واحتّج بقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: 36]، وهذا غلٌط، لأن قوله: ﴿إِنَّهُ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ليس بداخل في الأمر بالاستعاذة، وإنما هو خبٌر بعده والأمر ما قبله،
وهو الذي يقول، وقال الحسن بن صالح يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
وبه قال ابن سيرين.
فَرْعٌ آخرُ
لو استعاذ بالله بأي كلام استعاذ به جاز كقوله: أعوذ بالرحمن الرحيم من الشيطان الرجيم، أو أعوذ بكلمات الله من الشيطان الرجيم.
وقال أصحابنا: قوله؛ أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم أولى من قوله: أعوذ بالله العلي من الشيطان الغوي.
فَرْعٌ آخرُ
قال في (الأم): (ويقوله في أول ركعٍة، ثم قال: وقد قيل: إن قاله حين يفتتح
القراءة في كل ركعٍة فحسٌن ولا أمُر به في شيء من الصلوات أمري به في أول ركعٍة).
واختلف أصحابنا في هذا، فقال أبو حامٍد المسنون في الركعة الأولى لا غير قولًا واحدًا، لأن الشافعي قال: ولا آمر به.
وبه قال ابن سيرين وأبو حنيفة، لأن الصلاة كالفعل الواحد فيكفي استعاذة واحدة كالتوجه.
وقال بعض أصحابنا: فيه قولان:
أحدهما: هذا.
والثاني: يستحب في كل ركعة لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: 98]، وهذا يريد القراءة في كل ركعة، ويفارق التوجه، لأنه للاستفتاح، وذلك لا يتكرر في الصلاة بخلاف القراءة.
وقال القاضي الطبري: قوٌل واحٌد أنه يستحب في كل ركعة إلا أنه في الركعة الأولى أكد وكلام الشافعي في (الأم) يقتضي هذا، وبه يفتي كثير من أصحابنا، وهذا اختياري، وهو الصحيح.
فَرْعٌ آخرُ
إذا قلنا: يستحب في الركعة الأولى خاّصة لو نسيه في الأولى أش به في الركعة الغانية، ومتى ذكر أتى به [70 أ/ 2] في ابتداء القراءة، ويفارق دعاء الاستفتاح، لأّن محله.
قال: فلا يأتي به في الركعة الثانية، وههنا القراءة تتكرر وإنما يتعوذ في الابتداء لجميع القراءة، فإذا نسيه في بعضها أتى به في الباقي، ولو تركه أصلًا، قال: أكره ذلك ولا تبطل صلاته، ولا يسجد للسهو، وإن كان ناسيًا أيضًا.
فَرْعٌ آخرُ
قال بعض أصحابنا بخراسان: يستحب أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفثه ونفخه، لأنه روي مثل هذا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذا حسٌن، ولكن الشافعي لم يذكره.
فَرْعٌ آخرُ
هل يجهر به في صلاة الجهر.
قال الشافعي رضي الله عنه في (الأم): (كان ابن عمر رضي الله عنه يتعّوذ في نفسه، وكان أبو هريرة رضي الله عنه يجهر به وأيهما فعل أجزأه).
وقال في (الإملاء): يجهر به فإن أخفت أجزأه، فقال أبو حامٍد: فيه قولان:
أحدهما: أنه مخّيٌر وهما سواء، وهو قوله في (الأم).
والثاني: يجهر به، وهو ظاهر المذهب، وهذا لأن هذه مراد للقراءة، فكان بصفتها كالتأمين، ولأن أبا هريرة رضي الله عنه جهر به في جماعٍة ولم ينكر عليه، ولأن روى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول قبل القراءة: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، فلولا أنه كان
يجهر به، وإلا لم يسمع ذلك.
وقال صاحب (الإفصاح): يستحب له ترك الجهر قولًا واحدًا، لأن الشافعي قال: وأيهما فعل جاز، وإن كنت أستحب له ترك الجهر، لأن سنة الجهر بالقرآن والأذكار التي جعلت علمًا على الإتباع.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: قوله: القديم أنه يجهر بها، وقوله الجديد: لا يجهر، وهو المذهب، قلت: حصل ثلاثة أقوال:
أحدها: يستحب الجهر بها.
والثاني: يسحب الإسرار بها.
والثالث: هما سواء، والأظهر الصحيح عندي ما اختاره صاحب (الإفصاح).
مسألة: قال: (ثم يقرأ [70 ب/ 2] مرتلًا بأم القرآن).
وهذا كما قال: الصلاة تفتقر إلى القراءة.
وبه قال جمهور العلماء، وحكي عن الحسن بن صالح والأصم أنهما قالا: القراءة مستحّبة في الصلاة، وليست بواجبٍة.
واحتجّ بما روي عن عمر - صلى الله عليه وسلم - أنه صلّى فنسي القراءة، فقيل له في ذلك، فقال: كيف كان الركوع والسجود قالوا؛ حسنًا.
قال: فلا بأس، وهذا غلٌط لما روى عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب).
وروى ابن عمر رضي الله عنه أن رجلًا سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنقرأ في الصلاة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: (أو تكون صلاة بلا قراءة).
وأما خبر عمر رضي الله عنه، قلنا: يحتمل أنه ترك ما زاد على الفاتحة أو ترك الجهر بها بدليل ما ذكرنا.
فإذا تقرر هذا، في (الأم): قال الله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 4]، والترتيل ترك العجلة في القراءة عن الإبانة، وكلما زاد على أقل الإبانة في القراءة كان أحب إلّي ما لم تبلغ الزيادة تمطيطًا وأحب ما وصفت لكل قارئ، في صلاة وغيرها، وأما للمصلي أشد استحبابًا مني للقارئ في غير الصلاة.
قال: ولا يجزئه أن يقرأ في صدره ولا ينطق بلسانه لأنه ليس بقراءة بل هو تفّكر، ولو أيقن أنه لم يبَق من القراءة شيء إلا نطق به أجزأه، وإن لم يرتله، وهو بأن يسمع نفسه حروفه، وإن لم يسمع هو لشغل قلبه أجزأه، لأنه قرأ بحيث يسمع، فإذا تقرر هذا، فالقراءة التي لا تجزئ الصلاة إلا بها، فاتحة الكتاب، فإن أخّل بحرف منها لم تجزه الصلاة، وفيها أربع عشرة تشديده، فإن أخّل بواحدٍة منها لم تجزه، ثلاٌث في بسم الله الرحمن الرحيم في اللام من اسم الله تعالى، والراء والراء من الرحمن
الرحيم.
وفي قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ تشديدتان اللام من اسم الله تعالى، والباء في رب وفى ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ تشديدتان: الراء، والراء، [71 أ/ 2] وفي ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ تشديده، وهي في الدال، وفي ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ تشديدتان في الياء من إياك وإياك، والصاد في ﴿الصِّرَاطَ﴾، واللام من ﴿الَّذِينَ﴾.
وفي قوله: ﴿ولا الضالين﴾ تشديدتان في الضاد واللام.
وهذا لم يذكره الشافعي، ولكن أصحابنا ذكروه لأن عند أهل اللغة التشديد يقوم مقام الحرف.
وبه قال عمر وابن عباس وخوات بن جبير وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة رضي الله عنه والثوري ومالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود رحمهم الله.
وقال أبو حنيفة: القراءة غير متعينة في الصلاة والمشهور عنه أنه يجب قراءة آية إما طويلة، وإما قصيرة حتى لو قال: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾.
وروي عنه أنه قال: يجوز أقل من آية إذا كان يقع عليه اسم القرآن.
وأصحابه بخراسان يقولون: هذا هو الصحيح والأول أشهر.
وقال أبو يوسف ومحمد: إن قرأ آيًة طويلًة كآية المدثر وآية الكرسي يجوز وإن كانت آياٍت قصارًا لم َيُجز أقلّ من ثلاث آيات، وربما ينسب هذا إلى أبي حنيفة.
واحتجوا بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للأعرابي: (المسيء صلاته، ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن)، وهذا غلٌط لما ذكرنا من الخبر.
وأمّا خبرهم روى الشافعي بإسناده عن رفاعة بن رافع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للأعرابي: (ثم اقرأ بأم القرآن وما شاء الله أن تقرأ)، ثم نحمله على الفاتحة، فإنها التي تتيسر على جميع الناس في الغالب، ولأن القراءة ركٌن من أركان الصلاة فكان متعينًا كالركوع والسجود.
مسألة: قال: (يبتدئها ببسم الله الرحمن الرحيم).
وهذا كما قال: بسم الله الرحمن الرحيم آيٌة تامة من الفاتحة، ومن كل سورة.
وحكي أبو حامد عن بعض أصحابنا أنه قال للشافعي قول آخر أنها من الفاتحة.
وحكاه ابن القطان أيضًا، وقال: لا يعرف [71 ب/ 2] هذا القول عنه، وهو على ما ذكر، ومن أصحابنا من قال: هي في سائر السور بعض آية في أحد القولين كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]، وبقولنا، قال ابن عباس وأبو هريرة وسعيد بن جبير وعطاء والزهري وأحمد وإسحق وأبو عبيد.
وروي عن الزهري أنه كان يفتح ببسم الله الرحمن الرحيم، ويقول آية من كتاب الله تعالى تركها الناس.
وقال ابن المبارك: من ترك بسم الله الرحمن الرحيم، فقد ترك مائة وثلاث عشر آية.
وقال أبو حنيفة ومالك والأوزاعي وداود: التسمية ليست من القرآن إلا في سورة النمل، فإنها بعض آيٍة هناك وإنما ذكرت في رأس سائر السور تبركًا.
وقال الكرخي: إنها آية في مكانها ليست من السور.
وروي هذا عن أحمد، وعن أحمد رواية أخرى أنها من الفاتحة.
وحكي عن مالك أنه قال: لا يقرأها في الصلاة أصلًا إلا في قيام رمضان، فإنه يقرأها في ابتداء السورة بعد الفاتحة، لا في الفاتحة.
ووافقنا أبي حنيفة أن الفاتحة سبع آيات إلا أنه يجعل الآية السابعة من قوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، وعندنا من قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ﴾، وما قلناه أولى، لأن أواخر آيات هذه السورة كلها مجرورة وممدودة، فينبغي أن تكون آخر الآية السادسة فيها كذلك، والمشهور من مذهب أبى حنيفة أنه لا يأتي بالتسمية إلا في أول الركعة كالتعوذ.
واحتجوا بما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يقول الله تعالى: حمدني عبدي، فإذا قال العبد: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، يقول الله تعالى: أثنى علّي عبدي، فإذا قال العبد: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، يقول: الله مجدني عبدي، فإذا قال العبد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، يقول الله تعالى: هذه بيني وبين عبدي، [72 أ/ 2] فإذا قال العبد: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخر السورة، يقول الله تعالى: هذه لعبدي، ولعبدي ما سأل).
ولم يذكر بسم الله الرحمن الرحيم منها.
وقوله: فتمت الصلاة، أي: القراءة.
وحقيقة هذه التسمية منصرٌف إلى المعنى لا إلى الألفاظ، وذلك أن نصف هذه السورة ثناء ونصفها مسالٌة ودعاٌء.
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (سورة ثلاثون آية شفعت لقارئها ألا وهي: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: 1]، وهي ثلاثون آية سوى بسم الله الرحمن الرحيم، وهذا غلط لما روت أم سلمه رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (قرأ في الصلاة: بسم الله الرحمن الرحيم وعدها آية، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ آيتين)، وهذا نصّ.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا قرأتم الحمد فاقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم، فإنها أم الكتاب، وإنها السع المثاني)، وبسم الله الرحمن الرحيم آية منها، وقال جابر رضي الله عنه، قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة، قلت: أقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قال: قل بسم الله الرحمن الرحيم).
وأما خبر أبي هريرة رضي الله عنه، قلنا: روى العلاء بن عبد الرحمن عن أبي
السائب عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال في هذا الخبر: فإذا قال العبد؛ بسم الله الرحمن الرحيم يقول الله تعالى: ذكرني عبدي.
وأما سورة الملك، قلنا: قد ذكرنا قولًا: أن التسمية بعض آيٍة منها، مضمومة إلى الآية الأولى منها، ويحتمل أنه قال ذلك قبل نزول بسم الله الرحمن الرحيم، أو أراد ما يختص بهذه السورة من آياتنا.
وحكي شيخنا أبو سهل الأبيوردي أن خطيب بخارى من جملة العلماء الزهاد رأى خبرًا عن رسول الله.
أنه قال: من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] [72 ب/ 2] ألف مرة رفع الله تعالى عنه وجع السن ولا يتجع أبدًا).
فوجع سّنُه فقرأها ألف مرة، فلم يزل الوجع وزاد فنام فرأى في المنام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسأله عن وجع السن وعما فعل، فقال: رأيت خبرًا عنك يا رسول الله كذا، وفعلت كذا، فلم يسكن وجعي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لأنك قرأتها بلا تسمية فاقرأها بالتسمية)، فانتبه فقرأها مع التسمية فرفع الله تعالى عنه وجع السن، ولم يعد.
قال هذا الخطيب: فاعتقدت مذهب الإمام الشافعي في هذه المسألة، ولا أصلي إلا بالتسمية في أول الفاتحة، فإن قيل: لو كانت قرآنًا لم يجز فيها الاختلاف، قلنا: تقابل بأنه لم يكن قرآنًا لما أضيفت إليه بمثل خط سائر القرآن ثم أصلها من القرآن بلا خلاف.
والخلاف ههنا في موضعها، فإن قيل: القرآن لا يثبت إلا بالتواتر قطعًا.
قلنا: من أصحابنا من قال: نحن نثبتها حكمًا لا قطعًا، وهو أنا نوجب قراءتها في الصلاة، فيجوز إثبات ذلك بأخبار الأحاد وهو الأصح.
ومن أصحابنا من قال: يثبت قطعًا لكونها في المصحف بخط القرآن ولم نكفر جاحدها كما لم نكفر مثبتها لحصول الاختلاف بنوع من الشبهة كما كانت الشبهة لابن مسعود رضي الله عنه في المعوذتين.
وقال: إنهما ليستا من القرآن، فإذا تقرر هذا، قال في البويطي: يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم قبل أم الكتاب، وقبل السورة.
وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وسعيد بن جبير وعطاء وطاوس ومجاهد رضي الله عنه، وعند أبي حنيفة يقرؤها في صلاة الجهر.
وبه قال علي وابن مسعود وعّمار والثوري والأوزاعي وأحمد وأبو عبيد رضي الله عنه.
وقال مالك: المستحب أنه لا يقرأها أصلًا في شيء من الصلوات.
وبه قال الأوزاعي في روايٍة.
[73 أ/ 2] وقال الحكم وإسحق وابن أبي ليلى: الجهر والإخفات فيها سواء، وكلاهما حسٌن، واحتجوا بما روى قتادة عن أنس أنه قال: صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنه، فلم أسمع أحدًا منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وهذا غلٌط لما روى ابن عباس رضي الله عنه (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم).
وروى النعمان بن بشير أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (أّمني جبريل - عليه السلام -، فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم).
وروي عن نعيم ين عبد الله المجمر قال: صليت خلف أبي هريرة رضي الله عنه فقرأ ببسم الله الرحمن الرحيم قبل أم الكتاب وقبل السورة وكبرّ في الخفض والرفع، وقال: أنا أشبهكم صلاة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال عطاء: قال أبو هريرة: (ما أسمعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسمعنا كم وما أخفى عنا أخفينا عنكم).
وروى الشافعي بإسناده عن أنس رضي الله عنه قال: صلّى معاوية بالمدينة صلاة يجهر فيها بالقراءة، فقرأ ببسم الله الرحمن الرحيم لأم القرآن، ولم يقرأها للسورة بعدها حتى قضى تلك الصلاة، فلما سلم ناداه من سمع ذلك من المهاجرين والأنصار من كل مكان؛ يا معاوية أسرقت الصلاة أم نسيت؟ فلما صلّى بعد ذلك قرأ ببسم الله الرحمن الرحيم للسورة بعد أم القرآن، وهذا إجماٌع.
وروي عن مسلم بن حيان، قال: صليت خلف ابن عمر، فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في السورتين، فقلت له: لقد صليت صلاة ينكرها كثير من الناس، فقال: وما ذاك؟ فقلت: جهرت ببسم الله الرحمن الرحيم في السورتين، قال: نعم صليت خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى ُقبض، فكان يجهر بها في السورتين حتى قبض، وخلف أبى الصديق فكان يجهر بها في السورتين حتى قبض، فلا أدع الجهر بها حتى أموت [73/ ب].
وأما الخبر الذي ذكروا، قلنا: روينا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه (كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم)، فيحتمل أنه لم يسمع ذلك لصغره أو أُبعده، وأخبارنا المثبتة أولى،
فَرْعٌ
قال في (الأم) لو أغفل أن يقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم وقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ إلى آخر السورة كان عليه أن يعود فيقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، ويأتي ببقية السورة، وهذا لأنه يجب الترتيب في القراءة ولا يجوز أن يغيرها فيقرأ آيًة بعد آية بعدها، فإذا ترك آية وجبت عليه إعادتها وإعادة ما بعدها كما أنه لا يجوز أن يغير حروف الكلمة الواحدة أو الكلمتين، فيقول: موضع لله الحمد، كذلك ترتيب الآيات لا يجوز تغييرها، وكذلك لو قرأ بعد التسمية ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وترك ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وأتى بالحمد لله، وما بعده كما لو نسي القراءة، فركع وأتى بالقراءة والركوع.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو بدأ فقرأ في الركعة غيرها، ثم قرأها أجزأت عنه.
قال أصحابنا: أراد إذا قدم السورة على الفاتحة لم يمنع ذلك صحة قراءة الفاتحة،
ويستحب إعادة السورة لتقع في موضعها، نصّ عليه.
فَرْعٌ آخرُ
لو سكت في أثناء القراءة طويلًا، ولم ينِو قطعها أو تعايا فيها، فوقف أو أدخل فيها آية من سورة أخرى ناسيًا لم يكن ذلك قطعًا لقراءته، ألا ترى أنما يأتي به في الصلاة على طريق السهو لا يكون قطعًا لصلاته، فكذلك لا يكون قطعًا لقراءته.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: في السكوت الطويل من غير نية القطع وجهان، لأن التلاوة في العادة تكون موصولة فحمل مطلق الخطاب على المعهود، وهو خلاف النص في الذكر الطويل ناسيًا.
فَرْعٌ آخرُ
لو عمد فقرأ فيها آية من غيرها كان ذلك قطعًا لها، فيلزمه استئناف القراءة، وكذلك لو دخل فيها عمدًا سائر الأذكار من التسبيح والتهليل، ونحو ذلك وكذلك لو سكت في أثنائها ونوى قطع القراءة.
وقال بعض أصحابنا: [74 أ/ 2] هذا في السكوت الطويل، ولو سكت قليلًا مع نية القطع، فيه وجهان:
أحدهما: وهو الأصح عند أصحابنا يكون قطعًا للقراءة، لأنه اقترن الفعل بالقطع.
والثاني: لا يكون قطعًا، لأن النية لا تأثير لها والسكوت القليل بمجرده لا يضر، وهو الأشبه عندي.
فَرْعٌ آخرُ
لو نسي فقرأ غيرها في أثنائها ثم تذكر فمّر على قراءة غيرها كان قطعًا لقراءته، وإن عاد إليها حال ذكره بني عليه، وهو كما لو تكلم في الصلاة ناسيًا، يبطلها، فإن تذكر ودام على الكلام أبطلها.
فَرْعٌ آخرُ
قال: ولو قرأ منها شيئًا ثم نوى قطعها ولم يسكت لم يكن ذلك قطعًا، لأن فعله مخالف لنيته، والاعتبار فيها بالفعل دون النية، ويفارق هذا نيته لقطع الصلاة، وهو فيها لأن الصلاة تحتاج إلى النية، فإذا غيرها بطلت، والقراءة لا تحتاج إلى النية، وإنما تحتاج إلى الفعل خاصة.
فَرْعٌ آخرُ
لو أمن في خلال الفاتحة متابعة الإمام لم يكن قطعًا للقراءة، لأن هذا موضعه، وهو مأمور به عند تأمين الإمام، كما لو مّر بآية فقال: اللهم اغفر لي، لا يكون قطعًا
لقرائته.
وبه قال صاحب الإفصاح والقاضي، والطبري والقفال وهو الصّحيح وبه قال أبو حامٍد: تنقطع القراءة ويستأنفها، لأن الشافعي قال: لو عمد فقرأ فيها من غيرها استأنفها، وهذا اختيار القاضي أبي علي الزجاجي رحمه الله وجماعة، وقيل: نص عليه في (الإملاء): قياسه سجوٌد التلاوة، والفتح على الإمام لأنه أطول وهذا لأن هذه ليست من مصلحة التلاوة وتقطع نظمها فإن كان ناسيًا أو جاهلًا لا يضر.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: وعلى الوجه الأول لو فتح على الإمام في آيًة أو سجد للتلاوة معه لا يقطعها؛ لأنه من صلاح صلاته، وإن فتح على غيره أو أجاب مؤذنًا فيها بطلت قراءته، ولو ترك منها آيًة عمدًا وقرأ ما بعدها مثل أن [74 ب/2] يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ كان قطعًا لها كما لو أدخَل فيها آيًة من غيرها.
فَرْعٌ آخرُ
لو ترك قراءة الفاتحة ناسيًا لم تجز صلاته في قوله (الجديد)، وكان يقول في (القديم): تجوز لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه صلّى المغرب، فلم يقرأ فيها، فقيل له في ذلك، فقال: كيف كان الركوع والسجوٌد، فقالوا: حسنًا، فقال: لا بأس، وهذا غلٌط، لأنه ركن من أركان الصلاةَ، فلا يسقط بالنسيان كالركوع.
وخبر عمر رضي الله عنه محموٌل علي ما ذكرنا فيما تقدم.
فَرْعٌ آخرُ
قال: إذا أدرك الإمام قائمًا، فأحرم خلفه وقرأ بعضه القراءة ثم ركع الإمام يركع معه وصار مدركاً للركعٍة ويسقط عنه من القراءة ما عجز عنه، وأراد إذا لم يشتغل بالثناء.
وقال القفال: فإن لم يفعل هكذا حتى رفع الإمام رأسه من الركوع في أحد الوجهين، أو حتى سجد في الوجه الثاني بطلت صلاته.
ومن أصحابنا من خّرج فيه وجهًا آخر أنه يجب عليه إتمامها ثم يتبعه، لأنه إذا وجب بعضها وجب كلها، وهذا خلاف نصّ الشافعي.
وحُكي عن محمد بن خزيمة من أصحابنا أنه قال: إذا أدركه راكعًا لا يحتسب له بالركعة لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال: (من أدرك الإمام راكعًا، فليركع معه وليعد الركعٍة)، وهذا خلاف إجماع علماء العصر، وقد روى أبو هريرة أيضًا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا جئتم إلى الصلاةَ، ونحن سجوٌد فاسجدوا ولا تعدوها شيئًا، ومن أدرك الركوع فقد أدرك الصلاةَ).
فَرْعٌ آخرُ
لو أدرك الإمام في أول صلاته، وكان الإمام سريع القراءة والمأموم بطيء القراءة
ففرغ الإمام من القراءة وركع والمأموم لم يتّمم القراءة بعد، فيه وجهان:
أحدهما: يتبعه ويسقط الباقي عنه للعجز.
والثاني: لا يسقط ولكنه يخرج من صلاته، والأولى أن لا يصلي [75 أ/ 2] خلف من تكون صفته كذلك، لأن هذا يتكرر في كل ركعٍة ويكثر ويكون ذلك عذراً في مفارقة الإمام والخروج من إمامته، وهذا أظهر عندي لئلا يؤدي إلى ترك المبالغة في أكثر الصلاةَ لو ترك الصلاةَ المفروضة، وفيه وجه ثالث: يلزمه إتمام الفاتحة في كل ركعٍة ولا يضر التأخر عنه، لأنه معذوٌر.
فَرْعٌ آخرُ
لو أدرك من القيام قدرًا يمكنه قراءة الفاتحة إلا أنه يشتغل بقراءٍة دعاء الاستفتاح، فركع الإمام، وهو في أثنائها، فإن أمكنه إتمامها ويدرك معه الركوع فعل، وإن قرأ منها قدر دعاء الاستفتاح بعد ركوعه ثم ترك الباقي وركع معه، فقد أدرك الركعٍة أيضًا، ولو عرف أنه إذا أتّمها أدرك معه الاعتدال أتّمها أيضًا، ولو عرف أنه لا يدركها إلا في السجوٌد تبعه في الركوع، ولا تحتسب له هذه الركعٍة، وهذا هو الصّحيح عندي.
وقال القفال: يتّم الفاتحة ويمضي خلفه بكل حالٍ ويكون معذّورًا في التخلف عن الإمام بسبب القراءة، فإن لم يتّم الفاتحة في هذه الحالة وركع بطلت صلاته.
مَسْألةٌ: قالَ: (وإذا قال: ﴿ولا الضالين﴾ [الفاتحة: 7] قال: ﴿آَمِّينَ﴾ [المائدة: 2] يرفع بها صوته).
وهذا كما قال: جملُة هذا أن التأمين مسنوٌن لكل مصًّل إمامًا كان أو مأمومًا، أو منفردًا ذكرًا كان أو أنثى حرًا كان أو عبدًا، فإن كانت صلاته لا يجهر فيها بالقراءة لم يجهر بها، وإن كانت صلاته يجهر فيها بالقراءة جهر بها الإمام والمنفرد، وبه قال أبو هريرة وابن الزبير رضي الله عنه وعطاء وأحمد وإسحاق وداود.
وقال أبو حنيفة والثوري: لا يجهر بها بحاٍل، وعن مالك روايتان:
إحداهما: لا يقولها الإمام أصلًا، والمأموم يؤّمن سّرًا، وروي هذا عن أبي حنيفة.
والروأيًة الثانية: يقولان سّرًا.
واحتّج مالك بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (إذا قال الإمام: (ولا الضالين)، (فقولوا: (آَمِّينَ)، فدّل على أن الإمام لا يقولها، [75 ب/2] وهذا غلط لما روى وائل بن حجر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قال: (ولا الضالين)، قال: آَمِّينَ، ورفع بها صوته)، وروي نحو هذا عن علي رضي الله عنه، وهو معنى قول الشافعي رضي الله عنه، وبالدلالة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه جهر بها، أي: وقلت هذا بما روي في هذا الخبر، واحتّج الشافعي رضي الله عنه أيضًا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا أمّن الإمام أّمنت الملائكة،
فأّمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة ُغفر له ما تقدم من ذنبه).
قال الزهري عقيب هذا الخبر: وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (آَمِّينَ).
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا صلّى قال: (آَمِّينَ) حتى يسمع لصوته طنين.
وأما خبرهم فلا حّجة فيه لأن القصد به أن يوافق تأمينه تأمين الملائكة والإمام.
وليس فيه أن الإمام لا يؤّمن أصلًا.
وأما المأموم هل يجهر بها؟ قال في (الجديد): يسمع نفسه.
وقال في (القديم): يجهر بها.
واختلف أصحابنا فيه على طريقين، فمنهم من قال: فيه قولان سواء كان المسجد صغيرًا أو كبيرًا:
أحدهما: لا يجهر بها، لأنه ذكر مسنوٌن في الصلاةَ، فلا يستحب للمأموم الجهر كالتكبيرًات.
والثاني: وعليه الأكثرون أنه يجهر بها لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -.كان إذا قال: (ولا الضالين)، قال: (آَمِّينَ).
ويقول من خلفه، حتى أن للمسجد لضّجة.
وروى عطاء أن ابن الزبير رضي الله عنه قال: كان يؤّمن ويؤّمنون وراءه حتى أن للمسجد للَّجة.
وروى نعيم المجمر أن أبا هريرة رضي الله عنه، قال: آَمِّينَ، وقال الناس: آَمِّينَ.
ومن أصحابنا من قال: هذا على اختلاف حالّين، فالذي قال في (الجديد): إذا كان المسجد لطيفًا يبلغ صوت الإمام آخر الصفوف، والذي قال في (القديم): إذا كان المسجد كبيرًا مثل جامع لا يبلغ صوت الإمام آخر الصفوف، فيستحب للمأمومين أن يجهروا حتى يعلم تأمين الإمام آخر الصفوف [76 أ/2] بتأمينهم.
وأما قول الشافعي في (المختصر): (ويسمع من خلفه أنفسهم)، قيل: أراد لا يجهرون بالتأمين، وقيل: أراد لا يجهرون بالقراءة، والأول أظهر.
فَرْعٌ
قال في (الأم): لو نسي التأمين أو جهل أمن المأموم وجهر صوته بها حتى يسمعها الإمام فيؤمّن).
فَرْعٌ آخرُ
قال: (لو نسي حتى استفتح السورٍة لم يؤّمن لأن محلها فات، وهي هيئة في وقت، فيفوت بفوات وقتها).
وقال في (الحاوي): (وهل يعود إلى التأمين إذا قدر قبل الركوع؟ وجهان مخرجان من اختلاف قوليه نسي تكبيرات العيد حتى أخذ في
القراءة، هل يأتي بها أم لا؟).
فَرْعٌ آخرُ
قال: وقول آمين في الصلاةَ يدّل على أن لا بأس أن يسأل العبد ربه عزّ وجلّ في الصلوات كلها أمر الدين والدنيا، وإنما كان كذلك، لأن معناهُ: اللهم اسمع واستجب.
فَرْعٌ آخرُ
قال: (ولو قال: آمين رب العالمين، وغير ذلك من ذكر الله كان حسنًا).
فَرْعٌ آخرُ
قال: في آمين لغتان:
إحداهما: أمين بقصر الألف.
والثانية: آمين بمَّد الألف والتخفيف فيهما.
وأنشد في المقصورة قول الشاعر:
تباعدَ عني فَطْحَلٌ إِذا سَأَلتُهُ أمينٌ فَزَاد اللهُ ما بَيْنَنا بُعْدا
وأنشد في الممدودة:
يا ربّ لا تسلبني حبها أبداً ويرحم الله عبداً قال آمينا
فإن شدّد الميم وإنما معناهُ قاصدين، قال الله تعالى: ﴿آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة:2]
أي: قاصدين، ولا يكون معناهُ معنى الدعاء، فإن تعمّد ذلك وعرف معناهُ بطلت، لأنه من كلام الآدميين، ذكره والدي الإمام رحمه الله وبعض أصحّابنا.
فَرْعٌ آخرُ
إذا دخل وقت الصلاة ولا يعرف الفاتحة ولا هناك من يعلمه، وهناك مصّحف القرآن لغيره ولا سبيل له إلى تعلمها إلا من المصّحف وصاحب المصّحف غائب، هل له أخذه والنظر فيه؟ قال والدي الإمام: يحتمل أن يقال: يجوز له ذلك، بل يلزمه للضرورة من جهة الشرع، لعلمنا أن الصلاةَ لا تجزيء إلا بالفاتحِة [76 ب/2] مع إمكان قراءتها بوجٍه، وهو كما يباح أخذ مال الغير وأكله للضرورة، ولأن صاحب المصّحف لو كان حاضرًا عالمًا بالقرآن يلزمه تعليمه بنفسه ولو لم يعلم هو، يلزمه تمكينه من مصّحفه، فإذا لم يكن حاضرًا جاز له أخذه أيضًا، فإذا صح أن له الأخذ، هل يلزمه كراء المثل؟ وهل يضمن؟ قال والدي: سمعت بعض أصحابنا يقول: يجري
هذا مجرى العاريَّة يلزم عليه ضمان العين دون المنفعة، ويحتمل أن يقال: لا يلزمه الضمان، لأن الأخذ ههنا باستحقاق، ألا ترى أنه لو كان المالك حاضرًا استحق عليه الدفع إليه وبعدما دفع ليس له الاسترجاع قبل استيفاء منفعته.
مَسْألةٌ: قال: (ثُّم يقرأ بعد أم القْرآن بُسورٍة).
وهذا كما قال ما زاد على قدر الفاتحة مستحب، ولا يجب قراءة الفاتحة فقط.
وبه قال جماعة العلماء، وقال عثمان ابن أبي العاص يجب قراءة الفاتحة وقدر ثلاث آياتٍ.
وروي هذا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وروي عنهما أنه يلزم قراءة شيء بعد الفاتحة من غير تقدير، وبه قال أحمد، واحتجوا بما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (أن أنادي لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فما زاد).
وروي أنه قال: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وشيء معها).
وروى أبو سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (لا صلاةَ لمن لم يقرأ في كل ركعٍة بالحمد وسورٍة في الفريضة وغيرها).
وهذا غلٌط، لما روى عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا صلاة إلا بقراءٍة ولو بفاتحة الكتاب).
وروى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (صلى صلاة لم يقرأ فيها إلا بفاتحة الكتاب) وخبرهم محموٌل على نفي الفضيلة، أو معناهُ: لا صلاةَ، إلا بفاتحة الكتاب جوازًا وشيء معها كمالًا.
فَرْعٌ آخرُ
لا خلاف أنه تسن قراءة السورٍة بعد الفاتحة في الركعتين الأوليين، وهل تسن قراءتها في الركعتين الأخريين [77 أ/ 2] من الظهر والعصر والعشاء، والركعٍة الثالثة من المغرب؟ قولان فقال في (القديم): ورواه المزني والبويطي أنه لا يقرأها.
وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد، وهو الأشهر لما روى أبو قتادة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،كان يقرأ في صلاةَ الظهر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورٍة، وكان يطيل في الأولى ما لا يطيل في الثانية، وكان يقرأها في الأخريين بفاتحة الكتاب في وقال في كل ركعٍة).
وقال في (الأم): يقرأها، وهو الأصح عندي وعند جماعة من أصحاب الماوردي.
أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (يقرأ في الظهر
في الركعتين الأوليين في كل ركعٍة ثلاثين آيًة، وفي الأخريين نصف ذلك)، وهذا أكثر من قدر الفاتحة.
وروي عن أبى عبد الله الصنابحي أنه قال: (صليت خلف أبى بكر الصديق رضي الله عنه المغرب فدنوت منه حتى أن ثيابي لتكاد تمّس ثيابه فقرأ في الركعٍة الأخيرة بأم الكتاب.
وهذه الآيًة: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ [آل عمران:8]) ولأن هاتين الركعتين ساوتا الأوليين قي الواجب من القراءة، فكذلك في المستحب.
وأما خبرهم، قلنا: نحمله على الجواز وما قلناه أولى لأنه إثبات زيادة.
فَرْعٌ آخرُ
ظاهر ما قاله الشافعي في (الأم): أنه يسوي بين الركعتين الأوليين في القراءة، لأنه قال: فيه واجب أن يكون أقل ما يقرأ مع أم الكتاب في الركعتين الأوليين قدر أقصر سورٍة في القرآن مثل: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، ونحوها.
وفي الأخريين أم القرآن وآيًة وما زاد كان أحب إلّي ما لم يكن إمامًا يثقل على الناس.
قاله أكثر أصحابنا هذا هو المستحب فيسوي في القراءة في الأوليين ويسوي في الأخريين فإن فاضل جاز، وهذا لخبر أبي سعيد الخدري على ما ذكرنا.
وقال الماسرجسي: من أصحابنا يستحب أن يطول الركعٍة الأولى في جميع الصلوات [77 ب/ 2] ليلحق القاصد، ويستحب ذلك في الفجر أكثر مما يستحب في غيرها.
وقال أبو قتادة: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (يطول في الركعٍة الأولى من صلاةَ الفجر ويقصر في الثانية).
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: يستحب ذلك في الفجر دون غيرها.
وقال الثوري ومحمد: يستحب أن يطيل الأولى في كل الصلوات.
واحتجوا بخبر أبي قتادة الذي ذكرنا، قلنا: يحتمل أنه كان ذلك لأنه أحَس بدخول مأموم فطّول أو زاد القيام فيها لدعاء الاستفتاح، لأن الأخريين متساويتان، فكذلك الأوليان.
فَرْعٌ آخرُ
قال بعض أصحابنا: قراءة سورٍة كاملٍة عقيب الفاتحة أولى من قراءة آياٍت من سورًة للخبر في ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه كان يفعل هكذا.
فَرْعٌ آخرُ
قال بعض أصحابنا السّنة: أن يقرأ في الركعٍة الثانية سورةً بعد السورٍة التي قرأها في الركعٍة الأولى، فإن اتفق قراءة سورٍة الناس في الركعٍة الأولى، ففي الثانية يقرأ سورة البقرة، ولو قرأ سورة قبل تلك السورة جاز لما روينا أن أبا بكٍر الصديق رضي الله عنه قرأ في الركعٍة الثانية من المغرب: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾، [آل عمران: 8] الآيًة.
فَرْعٌ آخرُ
قد ذكرنا أن القراءة واجبة فلا يجوز أن يقرأها بالفارسية ولا بسائر اللغات، ولا يبدل لفظًا بلفٍظ آخر بالمعنى.
وقال أبو حنيفة: هو بالخيار إن شاء قرأ بالفارسية وإن شاء قرأ بالعربية.
وقال أبو يوسف ومحمد: إن كان يحسن العربية لا يجوز أن يقرأ بالفارسية، وإن كان لا يحسنها جاز بلساٍن آخر تفسرها، وهذا غلط لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (لا صلاةَ إلا بقرآن)، وتفسير القرآن لا يكون قرآنًا، لأن القرآن معجز بلفظه ونظمه.
وهذا خلافه.
مَسْألةٌ: قال: (فَإذا َفَرَغ ْمنها َوَأراَد َان َيْرَكَع ابَتَدَأ ِباَّلْتكبيِر َقاِئمًا).
الفَصْل
وهذا كما قال: [78 أ/ 2] إذا فرغ من القراءة ركع عقيب الفراغ منها والركوع ركن من أركان الصلاةَ، فإذا جاء وقت الركوع فعل ثلاثة أشياء في حالٍة واحدٍة، فيرفع يديه حذو منكبيه مكبرا آخذاً في الانحناء، ورفع اليدين مستحب في الركعٍة الأولى في ثلاثة مواضع: إذا كبرّ للافتتاح، وإذا كبرّ للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع.
وفي الركعات التي بعدها يستحب رفع اليدين في كل ركعٍة في موضعين: إذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع.
وبه قال أبو بكر الصديق وابن الزبير وابن عمر وابن عباس وأبو سعيد الخدري وأنس والحسن وعطاء ومجاهد والقاسم بن محمد والأوزاعي والليث وأحمد وإسحاق ورواه ابن وهٍب عن مالك.
وقال أبو حنيفة والثوري وابن أبي ليلى: لا يستحب رفع اليدين إلا عند تكبيرة الافتتاح.
وبه قال الشعبي والنخعي.
وروي هذا عن مالٍك وعليه أصحابه اليوم.
واحتجوا بما روى البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا افتتح الصلاةَ رفع يديه إلى قريب أذنيه، ثم لا يعود).
وروي نحوه عن ابن مسعود مرفوعًا، وهذا غلط لما روى الشافعي بإسناده عن سالم عن أبيه عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (إذا افتتح الصلاةَ رفع يديه حذو منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وبعدما يرفع رأسه من الركوع، ولا يرفع بين السجدتين).
قال الشافعي: وروى هذا غير ابن عمر اثنا عشر رجلًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. ورواه أبو حميد الساعدي في عشرة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أحدهم أبو قتادة.
وقال الحسن: رأيت أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. يرفعون أيديهم إذا كبروا، وإذا ركعوا،
وإذا رفعوا رؤوسهم من الركوع كأنهم المراوح.
وروى أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم -.قال: (من صلّى ولم يرفع يديه [78 ب/ 2] إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع لعنته أعضاؤه).
وأما حديث البراء، قلنا: قال سفيان بن عيينة، حدثنا يزيد بن أبى زياد بمكة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء، ولم يقل: ثم لا يعود، فلما قدمت الكوفة سمعته يحدث به، فيقول: ثم لا يعود وظننت أنهم لّقنوه.
وقال الحميد بن زيد: هذا ساء حفظه في آخر عمره واختلط، ثم تأويله، ثم لا يعود
في الركعٍة الثانية في ابتدائها.
فَرْعٌ
المستحب أن يرفع يديه مع ابتداء التكبير، ثم ينتهي رفعهما قبل انتهاء التكبير، وينبغي أن يكون في التكبير، وهو يهوي راكعًا حتى ينتهي التكبير مع انتهاء ركوعه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان:
أحدهما: أنه يمدّ التكبير مداً لا يخلو شيء من صلاته عن الذكر.
والثاني: يحذفه حذفًا، وبه قال أبو حنيفة وابن المبارك، وهو اختيار القفال، والأول أصح، وهو قوله (الجديدة).
وهو اختيار أصحابنا بالعراق.
وقال سعيد بن جبير وعمر بن عبد العزّيز: لا يكبرّ في ركوعه، ولا في شيء من صلاته سوى موضع الافتتاح، وهذا غلط لما روي عن علي بن الحسين رضي الله عنه، قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - (يكبرّ لخفض ورفع حتى لقي الله تعالى).
وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان (يكبرّ في كل خفض ورفع وقيام وقعود).
ومثل هذا عن أبي بكر وعمر رضي الله عنه.
فَرْعٌ آخرُ
لو نسي رفع اليدين، ثم ذكر فإن ذكر قبل الفراغ من التكبير أتى به، وإن ذكر بعد الفراغ من التكبير لم يقضه ولا يسجد لتركه ذلك ساهيًا كان أو عامدًا، ولو أراد أن يسجد للتلاوة في أثناء الصلاةَ لا يرفع يديه في تكبيره لافتتاح السجوٌد.
مَسْألةٌ: قال: (ويضع راحتيه على ركبتيِه ويفرق بين أَصابعه).
وهذا كما قال: الكلام الآن في كيفية الركوع وفيه فصلان:
أحدهما: في بيان كماله.
والثاني: في بيان أقلّ ما يجزئ منه.
فأما الكمال: هو أن يضع [79 أ/2] راحتيه على ركبتيه، ويفرق بين أصابعه ويقبض عليها ويمدّ ظهره ولا يرفعه ويجتهد أن يكون مستويًا في ذلك كله.
وقال في (القديم): يكون رأسه وعنقه حيال ظهره.
وقال في (الإملاء): (ولا
يتباذخ)، يعني لا يخرج صدره ويطأ من ظهره حتى يكون كالسرج، ولا يحدودب، فيجعل ظهره كأنه حدبة بأن يطأطئ كتفيه ويعلى وسط ظهره، ويجافي مرفقه عن جنبيه.
وحكي عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: يطبق إحدى راحتيه على الأخرى ويجعلهما بين الركبتين.
وحكي مثل ذلك عن صاحبيه: الأسود بن يزيد وعبد الرحمن بن الأسود
وكان ابن مسعود يروي ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذا غلط لما روى أبو مسعود البدري رضي الله عنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان (إذا ركع وضع راحتيه على ركبتيه وفرّج بين أصابعه).
وروي عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص، أنه قال: (صليت إلى جنب أبي فطبقت يدي وجعلتهما بين ركبتي، قال: فضرب أبي في يدي فلما انصرفت، قال: يا بني إنا كنا نفعل ذلك فأمرنا أن نضرب الأكف على الركب).
وهذا يبين النسخ.
والدليل على ما ذكرناه من الهيئات ما روي أن أبا أحمد الساعدي رضي الله عنه، قال في عشرة من الصحابة منهم: أبو قتادة: (أنا أعلمكم بصلاةَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قالوا: فلم، فو الله ما كنت بأكثرنا له تبعًا ولا أقدمنا له صّحبة.
قال: بلى، قالوا: فاعرض، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. إذا قام إلى الصلاةَ يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يكبرّ حتى يقر كل عظم في موضعه معتدلًا، ثم يقرأ، ثم يكبرّ ويرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه [79 ب/2]، ثم يعتدل ولا ينصب رأسه ولا ثم يرفع رأسه، فيقول: سمع الله لمن حمده، ثم يرفع يديه حتى يحاذي منكبيه معتدلًا، ثم يقول: الله أكبرّ، ثم يهوي إلى الأرض فيجافي يديه عن جنبيه، ثم يرفع رأسه ويثني رجله اليسرى، فيقعد عليها ويفتح أصابع رجليه إذا سجد، ويسجد ثم يقول: الله أكبرّ، ويرفع ويثني رجله اليسرى، فيقعد عليها، حتى يرجع كل عظم إلى موضعه، ثم يصنع في الأخرى مثل ذلك، ثم إذا قام من الركعتين كبرّ ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما يكبرّ عند افتتاح الصلاةَ، فإذا كانت السجدة التي قبلها التسليم أخر رجله اليسرى وقعد متوركاً على شقّه الأيسر، قالوا: صدقت).
وروي أنه قال فيه: وإذا ركع أمكن كفيه من ركبتيه وفرّج من أصابعه وهصر ظهره غير مقنع رأسه، ولا صافح لخده.
وروي كان لا يصبي رأسه ولا يقنعه.
يقال: أصبى الرجل رأسه إذا خفضه جدًا، وقوله: لا يقنعه، أي لا يرفعه.
والإقناع رفع الرأس، وقوله: يفتح أصابع رجليه، أي يلينها حتى تنثني فيوجهها نحو القبلة.
والفتح ليٌن
واسترسال في جناح الطائر.
وقوله: يهصر ظهره، يعني يثني ظهره ويحفظه.
وقوله: ولا يصافح خدّه، أي يبرز صفحة خدّه ممايلًا في أحد الشّقين.
وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: (وليعدل ظهره).
(ونهى أن يدبح الرجل في الصلاةَ كما يدبح الحمار).
وأراد أن يطأطئ رأسه في الركوع حتى يكون أخفض من ظهرِه.
وروي ابن قتيبة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن التدبيح في الصلاةَ، وفسره بهذا التفسير.
وروي عن عائشة رضي الله عنهأن النبي - صلى الله عليه وسلم - (كان في ركوعه مستويًا بحيث لو صب على ظهره ماء لا يستمسّك).
وروي: ما انصّب.
وأما أقلّ ما يجزئ في الركوع، فهو أن ينحني حتى تبلغ راحتاه ركبتيه حتى لو أراد [80 أ/2] وضعهما عليهما أمكنه ذلك، ثم يمكث بعد ذلك قليلًا حتى يطمئن، والُطمأنينة فيه واجبة.
وقال أبو حنيفة: يجوز ما يقع اسم الركوع عليه، وهو أن ينحني قليلًا من غير طمأنينة، وهذا غلط لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخلَ المسجد، فدخلَ أعرابي فصلّى وأساء الصلاةَ، ثم جاء وسلّم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فردّ عليه
السلام، وقال: (ارجع فصلِّ، فإنك لم تصلِّ)، فرجع وصلّى، ثم عاد وسلم، فردّ عليه
السلام، وقال: (ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ)، فرجع وصلّى ثم عاد فسّلم، فردّ عليه
السلام، وقال: (ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ)، فقال: والذي بعثك بالحق لا أحسن غيرها، فعلمني ما يجزيني، فقال: (توضأ كما أمرك الله، ثم استقبل القبلة وقل: الله أكبرّ ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعًا ثم ارفع رأسك حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تعتدل جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا ثم، ثم، ثم افعل ذلك في كل ركعٍة).
وروي: (ثم افعل ذلك في صلاتك كلها)،.
وروى أبو قتادة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (أسوأ السراق سرقة الذي يسرق من صلاته)، قيل: كيف يسرق من صلاته.
قال: (لا يتّم ركوعها ولا سجوٌدها).
فَرْعٌ آخرُ
لو كان أقطع اليدين أو كانتا عليلتين.
قال الشافعي: (ركع بحيث لو كانتا صحيحتين وضعهن على الركبتين، وإن كانت أحدهما صحيحة والأخرى عليلة قبض الركبة بالصحيحة وأرسل العليلة).
فَرْعٌ آخرُ
قال: (لو أتى من الركوع بقدر الأجزاء أو الكمال، ثم سقط على وجهه قبل أن يعتدل قائما يلزمه أن ينتصب قائمًا، فيحصل له منه الرفع من الركوع والسجوٌد عن قيام).
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو ترك وضع يديه على ركبتيه ثم اعتدل قائمًا فشك، هل أتى بقدر الأجزاء من الركوع أم لا؟ فعليه أن يعود لركوعه، لأن الأصل براءة الركوع من ذمته، حتى يتحقق براءتها منه 0
فَرْعٌ آخرُ
إذا أدرك المأموم الإمام راكعا فقد أدرك الركعٍة لأنه أدرك معظم الركعٍة وهو أنه أدرك اثنين من الأركان الثلاثة، فإن ركع قبل رفع الإمام، فلا إشكال في أدارك الركعٍة، وإن رفع الإمام قبل أن يركع، فهو لا يكون مدركًا للركعٍة، وإن أخذ هذا يركع وأخذ الإمام يرفع، ُنِظَر، فإن لحق بإمامه قبل أن يرفع عن قدر الأجزاء فقد أدرك الركعٍة وإن رفع عن قدر الأجزاء [80 ب/ 2] قبل أن يصير المأموم إلى حّد الأجزاء لم يدرك الركعٍة.
فَرْعٌ آخرُ
لو رفع المأموم رأسه قبل الإمام فالمستحب أن يعود إلى الركوع، وإن كان قد أسقط عن نفسه الفرض، لأن عليه متابعة الإمام، فإن لم يعد حتى رفع الإمام رأسه، قال: كرهته له، ويعتد له بتلك الركعٍة، لأنه خلاف يسير.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو تعمد إلى رفع رأسه قبله يكره ذلك لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار).
وروي: رأس كبٍش.
وقال صاحب (الإفصاح): إذا لم ينِو الخروج من صلاته يحتمل أن يقال: بطلت صلاته، وهذا خلاف نص الشافعي.
وقال ابن عمر رضي الله عنه: لا صلاةَ لمن فعل ذلك، وعندنا يؤمر أن يعود إلى موضعه 0 وبه قال أكثر الفقهاء، وقال بعضهم مكث في ركوعه بعد أن يرفع الإمام رأسه بقدر ما كان ترك منه.
فَرْعٌ آخرُ
لو ركع الإمام ورفع ثم ذكر أنه ترك الذكر في الركوع لم يكن عليه العود للذكر، لأنه سنة فات وقتها، فإن خالف وعاد للذكر.
قال الشافعي: (لا تبطل صلاته)، وقال الربيع فيه قوٌل آخر: بطلت صلاته.
قال أصحابنا: ليست على قولين، وإنما هي على اختلاف حالتين، فالذي قال: لا تبطل إذا كان جاهلًا بأن كان يرى أن التسبيح في الركوع فرٌض، والذي قال: لا تبطل إذا كان عالمًا بأنه ليس بفرٍض، ولا يجوز العود له، وقيل: فيه قولان، ولا يصحّ.
فَرْعٌ آخرُ
إذا قلنا: تصحّ صلاته لو أدركه رجٌل في هذا الركوع فركع معه، قال الشافعي رضي الله عنه: (لا يكون مدركًا للركعٍة، ولا يحتسب له بهذه الركعٍة من صلاته، لأنه لا يعتّد بهذا الركوع من صلاةَ الإمام).
وقال في (الإفصاح): يحتمل أن يكون مدركًا قياسًا على ما قاله فيمن قام إلى الخامسة، فأدركه رجل في هذه الركعٍة يحتسب له بها، وإن لم تكن محسوبة للإمام، وهذا غلط، لأن من أدرك الإمام في الركعٍة الخامسة في أول الركعٍة وصلاها معه يعتدّ له بها فعلها بنفسه، فيتعلق الاحتساب بفعله، لا بفعل الإمام حتى لو أدركه راكعًا في هذه الركعٍة الخامسة لا يعتدّ له بهذه الركعٍة، لأن الاحتساب يتعلق بفعل الإمام، ولا يحتسب ذلك للإمام فكيف للمأموم.
وذكر الإمام السنجي وجهًا آخر: أنه لا يعتدّ له وإن أدركه في أول الخامسة، لأنها لغٌو في حق الإمام [81 أ/ 2]، وهكذا نقول لو كان الإمام جنبًا، فأدركه رجل في الركوع لا يعتدّ له بهذه الركعٍة، لأنه لا يحتسب للإمام به.
فَرْعٌ آخرُ
لو ركع الإمام، فلما أراد أن يعتدل قائمًا سقط على وجهه فعليه أن ينتصب قائمًا على ما ذكرنا فلو كبرّ رجل خلفه فركع وقد انتهى الإمام في أثناء قيامه إلى حّد الركوع واجتمعا على هذه الصفة لم يعتدّ له بهذه الركعٍة أيضًا، لأن الركوع قد سقط عنه قبل سقطته.
مَسْألةٌ: قال: (يقول إذا ركع: سبحان ربي العظيم ثلاثًا، وهذا أدنى الكمال).
وهذا كما قال: الذكر في الركوع والسجوٌد مستحب وليس بفرٍض، وهو التسبيح.
وقال أهل الظاهر والحسن وأحمد وإسحق: يجب تسبيحه واحدة حتى لو تركها عمدًا بطلت صلاته ولو تركها ساهيًا سجد للسهو.
وقال داود: هي واجبة إلا أنه إذا تركها
عمدًا لا تبطل صلاته.
وهكذا الخلاف في تكبيرًات الركوع والسجوٌد والتسميع.
وقوله: رب اغفر لي بين السجدتين.
واحتجوا بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علّم رجلًا الصلاةَ، وقال: ثم قل: (الله أكبرّ، ثم اركع، هذا غلٌط لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للأعرابي المسيء صلاته، (ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع رأسك حتى تعتدل قائمًا)، الخبر.
ولم يأمره بالتكبير ولا بالتسبيح وما ذكروه من الخبر محموٌل على الاستحباب.
واحتجوا بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سبّح، فقال: (سبحان ربي العظيم في الركوع).
وقال: (سبحان ربي الأعلى في السجوٌد)، ثم قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي)
قلنا: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل في صلاته المسنون والمفروض، فنحن نفعل المسنون مسنونًا، والمفروض مفروضًا حتى يكون كفعله سواء، واحتجوا أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: 74]، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (اجعلوها في ركوعكم) ولما نزل قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى:1] قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (اجعلوها في سجودكم).
قلنا: أراد استحبابًا لأن عندهم يجوز ذكر آخر غير هذا.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا ركع أحدكم فليضع يديه على ركبتيه، ثم يمكث حتى يطمئن كل عظٍم في مفاصله [81 ب/2]، ثم يسّبح ثلاث مراٍت، فإنه يسبح الله عزّ وجلّ من جسده ثلاثة وثلاثون وثلثمائة عظم وثلثمائة وثلاثة وثلاثون عرقًا، وإذا سجد، فليسّبح ثلاثًا، فإنه يسّبح من جسده مثل ذلك).
واحتجوا بما روي أنه علّم رجلًا الصلاةَ، قال له: (إذا ركعت فقل: سبحان ربي العظيم ثلاثًا)، وذلك أدناه، (وإذا سجدت فقل: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا، وذلك أدناه).
وقال على رضي الله عنه: علمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا، قلنا: معناهُ، وذلك أدنى الكمال.
والكمال أقلّ وأكثر كما الثلاث، ولأن عندهم لا يجب التثليث، فلا حّجة فيه 0
واحتجوا بأن في القيام يجب الذكر، وكذلك في الركوع والسجوٌد، قلنا: لأن القيام ينقسم إلى عادٍة وعبادٍة، فيحتاج إلى التمييز بالذكر والركوع في نفسه عبادٌة لا تشاركه العادة، فلا حاجة فيه إلى الذكر.
والدليل على الفرق أنه لا يجبر الذكر بالسجوٌد عند النسيان في القيام بخلاف الذكر في الركوع.
فَرْعٌ
قال بعض أصحابنا.
أتم الركوع في التسبيح إحدى عشر تسبيحه أو تسع وأوسط الكمال خمس وأدنى الكمال ثلاٌث، كما قال الشافعي، وحكي الطحاوي عن الثوري أنه كان يقول: ينبغي للإمام أن يقول: سبحان ربي العظيم خمسًا، حتى يدرك الذي خلفه ثلاثًا.
وقال ابن المبارك: الأفضل للمنفرد خمٌس وللإمام ثلاث، وهذا أحَسن مما قال الثوري.
والدليل على ما ذكرنا.
ما روى عقبة بن عامر رضي الله عنه، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ركع قال: (سبحا ن ربي العظيم ثلاثًا، وإذا سجد قال: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا)، ولأن المأموم يسجد معه فما أمكن الإمام من ذلك أمكن المأموم.
وقيل: أعلى الكمال أن يسبح ثلاثًا، ثم يزيد عليها ما قال الشافعي.
روي عن علي بن أبي طالب وأبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا ركع، قال: (اللهم لك ركعت ولك أسلمت وبك أّمنت وأنت ربي خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظامي وشعري وبشري، وما استقلت به، فدمى لله رب العالمين)، وهذا أفضل من جنس التسبيحات [82 أ/ 2].
قال في (الأم): وأحب أن لا يقتصر على هذا إمامًا كان أو منفردًا، وهو تخفيٌف لا يثقل، وهذا صّحيح.
قال: فإن زاد من جنس التسبيحات، فلا بأس، فيسبح في الركعتين الأوليين إحدى عشرة، وفى الأخريين سبعًا سبعًا، لما روى معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال: (كنا نصلي خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فيسبح في الركعتين الأولتين في الركوع والسجوٌد إحدى عشرة، وفي الأخيريين سبعًا سبعًا).
ذكره في (الإفصاح)، وقال في (الحاوي): الإمام يقتصر على التسبيح َوْحَده ليخفف على من خلفه.
فَرْعٌ آخرُ
قال ابن المنذر، قيل لأحمد بن حنبل يقول: سبحان ربي العظيم وبحمده، فقال: أما أنا فلا أقول: وبحمده، وعندي يقول ذلك لما روى حذيفة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في ركوعه: (سبحان ربي العظيم وبحمده) ثلاثًا، ولأنه زيادة حمٍد، ومعناهُ، وبحمدك سبحتك.
وروى أبو داود بإسناده عن عائشة رضي لله عنها، قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول
في ركوعه وسجوٌده: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي).
يتأول القرآن، وأراد- قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: 3].
فَرْعٌ آخرُ
لو ترك الذكر كله فيه لم يسجد للهو عامدًا كان أو ساهيًا.
قال الشافعي: ويكره أن يقرأ القرآن في ركوعه وسجوٌده، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عنه، وذلك ما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إني ُنهيت أن أقرأ راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب).
وأما السجوٌد فاجتهدوا في الدعاء فقمٌن أن يستجاب لكم).
وقوله: فإنه فقمٌن أي: جدير وحري أن يستجاب لكم، ويقال: قمن بفتح الميم، فإن قرأ فيه عامدا أو ساهيا سجد للسهو، وهذا لأن كل موضع شرعت فيه القراءة كرهت فيه غير القراءة، فلذلك كل موضع شرع فيه غير القراءة من الذكر كرهت فيه القراءة.
وقال في (الحاوي): إن قرأ غير الفاتحة جازت الصلاةَ، وإن أساء وفي سجوٌد، وجهان [82 ب/2]، وإن قرأ الفاتحة، هل تبطل صلاته؟ وجهان:
أحدهما: تبطل لأنه أتي بركٍن منها في غير محله.
والثاني: لا تبطل لأن القراءة ذكر فخفف عن حكِم الأفعال في إبطال الصلاةَ، ولكنه يسجد من أخلها سجوٌد السهو وجهًا واحدًا.
مَسْألةٌ: قال: (وإذا أَراد أن يرفع ابتدأ بقوله مع الرفع: سمع الله لمن حمده).
الفَصْل
وهذا كما قال إذا فرغ من الركوع يلزمه أن يرفع رأسه منه، ويعتدل قائما، ويطمئن فيه لا يجزئه غير ذلك.
وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: لا يجب شيء من ذلك، بل ينحط من ركوعه ساجدًا.
واختلف أصحاب مالٍك في ذلك على قولين، وهذا غلط لخبر الأعرابي الذي ذكرنا، ولأنه ركن هو خفض فالرفع منه فرٌض كالسجوٌد، فإذا تقرر هذا يفعل ثلاثة أشياء في حالٍة واحدٍة: يرفع صلبه ويرفع يديه، ويقول: سمع الله لمن حمده، فإذا انتصب قائمًا يقول: ربنا لك الحمد، سواء كان إمامًا أو مأمومًا، أو منفردًا.
وبه قال أبو برزة من الصحابة وعطاء وابن سيرين وإسحاق.
وقال أبو حنيفة ومالك: الإمام يقول: سمع الله لمن حمده، والمأموم يقول: ربنا لك الحمد.
واختاره ابن المنذر.
وقد قال أبو حنيفة: المنفرد يجمع بينهما.
وقال الثوري وأبو يوسف ومحمد وأحمد: يأتي الإمام بهما، والمأموم لا يزيده على قوله: ربنا لك الحمد.
واحتجوا بما روى أبو هريرة رضي الله عنهأن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد)، وهذا غلط لما روى ابن عمر رضي الله عنهأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قال: (سمع الله لمن حمده، قال: ربنا ولك الحمد)، وقال: (صّلوا كما رأيتموني أصلي) وذلك عام في الإمام والمأموم.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبرّ فكبرّوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد فقولوا مثل ذلك).
وأما خبرهم يحتمل أنه قال ذلك، لأنهم لا يسمعون الإمام يقولها، فإنه [83 أ/2] إنما يجهر بسمع الله لمن حمده، وحده ولم يأمرهم بها لأن المأموم يقتدي بالإمام في جميع الأذكار، فلا يخفى عليهم ذلك.
وذكر الطحاوي أن الشافعي خالف الإجماع في هذا، وقد روينا عن جماعة ما قلنا: حتى يعلم بطلان قوله، فإذا تقرر هذا، فمعناهُ الدعاء لحامد الله تعالى بالإجابة كأنه يقول ليسمع الله، وليستجيب لمن يقول: ربنا لك الحمد بعد قوله: سمع الله لمن حمده ليصير بذلك من الحامدين، فيستحق إجابة الله تعالى وسماعه لحمده، ولهذا قال أبو حنيفة: الإمام يقول: سمع الله لمن حمده، ولا يأتي بالحمد، لأنه يندب من خلفه إلى الحمد، والقوم يقولون: ربنا لك الحمد، ولا يقولون: سمع الله لمن حمده، لأنهم منتدبون إلى ما ندبهم الإمام إلّيه، وعندنا لكل واحٍد منهما، يستحب ذلك، فكأنه ندب نفسه إلى الحمد، ثم ينتدب إلّيه غيره كالمنفرد ويجمع بينهما لهذا المعنى، وهذا كما إذا قرأ فاتحة الكتاب، يقول: آمين، لأن النصف الأخير من الفاتحة دعاء من القارئ فندب القارئ إلى أن يقول: آمين على دعاء نفسه كما ندب السامع إلّيه كذلك ههنا.
فَرْعٌ آخرُ
قال في (الأم): وإن شاء قال: اللهم ربنا لك الحمد، وهذا لأنه رواه علّي وأبو هريرة رضي الله عنه بهذا اللفظ، قال: ولو قال: من حمد الله سمع له لم يكن عليه إعادة، وأجزأه، وأن يقول: سمع الله لمن حمده اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان أحّب إلّي، قال: ولو قال: لك الحمد ربنا اكتفى وأن يقول: ربنا ولك الحمد اقتداء برسول - صلى الله عليه وسلم - كان أحّب إلّي.
واعلم أنه روي: ذلك الحمد بالواو.
وروي من غير الواو، والواو فيه زيادة يقال: يعنى هذا الثواب بعشرة، فيقول: هو لك بعشرة.
فَرْعٌ آخرُ
قال ويستحب أن يزيد عليه ما روي عن علي رضي الله عنه أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقول إذا رفع
رأسه: (ربنا لك الحمد، ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعده،.
وعند أبي حنيفة لا يسن ذلك.
قال: والدعاء الكامل ما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم -، يقول ذلك ويزيد (أهل الثناء والمجد [83 ب/2] حق ما قال العبد: كلنا لك عبُد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجّد، ويستحب أن يقول هذا كّل مصلٍّ من إماٍم ومأموم ومنفرد.
ذكره أبو حامٍد، وقال بعض أصحابنا: هذه الزيادة يستحب للمنفرد دون الإمام لئلا يطول على القوم، وهذا أصح عندي.
فَرْعٌ آخرُ
لو اعترضته علة منعته من الركوع سجد عن ركوعه، فإن زالت العّلة نظر، فإن كان زوالها قبل سجوٌده عاد إلى القيام، وإن زالت قد وضع جبهته على الأرض، لم يعد لقيامه، لأنه قد سقط عنه، فإن خالفه وقام نظر، فإن كان عالمًا عامدًا بطلت صلاته، وإن كان جاهلًا أو ناسيًا لم تبطل صلاته وسجد للسهو.
فَرْعٌ آخرُ
قال: ولو قرأ في اعتداله القرآن كان عليه سجوٌد السهو، وإن طال القيام بعد الرفع يذكر الله تعالى، ويدعو ساهيًا لا ينوي به القنوت، فلا سجوٌد عليه للسهو، ولو أطال القيام ينوي به القنوت كان عليه سجوٌد السهو.
والفرق أن الدعاء لغير القنوت غير مقصود ودعاء القنوت مقصود، فإذا أتى به في غير موضعه ساهيًا سجد كالقراءة.
مَسْألةٌ: قال: (فإذا هوى ليسجد ابتدأ التكبير قائمًا).
الفَصْل
وهذا كما قال: إذا فرغ من الذكر حال الانتصاب ابتدأ بالسجوٌد والتكبير معًا، ولا يرفع يديه ههنا ويكون في التكبير، وهو يهوي حتى ينتهي التكبير مع أول السجوٌد، واختار القفال ههنا أن يحذفه ولا يمدّه، وذكر أنه أحد القولين، فإذا سجد وضع على الأرض ما كان إليّها أقرب ركبتيه ثم يديه ثم أنفه وجبهته دفعًة واحدًة.
وبه قال أبو
حنيفة وإسحق وأحمد في أصح الروايتين.
وروي ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو مذهب النخعي والثوري.
وقال الأوزاعي: يضع يديه قبل ركبتيه.
وبه قال زفر، وقال أصحاب مالك إن شاء وضع التدين وإن شاء وضع الركبتين، ووضع اليدين أحَسن.
واحتجوا بما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (إذا سجد أحدكم فلا
يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه).
وروى ابن عمر رضي الله عنه نحوه، وهذا غلط [84 أ/ 2] لما روى وائل بن حجر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -. كان (إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفعه يديه قبل ركبتيه)، ولأن اليدين تسبقان الركبتين في الرفع فوجب أن تتأخر عنهما في الوضع كالجبهة مع اليد.
وأما خبرهم، قلنا: روي أنه منسوخ.
وقد قال سعد رضي الله عنه (كنا نضع اليدين قبل الركبتين، فأمرنا بوضع الركبتين قبل اليدين)، فإن خالف فوضع يديه أولًا أجزأه وترك المستحب، فإذا تقرر هذا فالكلام الآن في السجوٌد في فصلين:
أحدهما: في أعضاء السجوٌد.
والثاني: في نفس السجوٌد.
فأما الكلام في أعضائه ففي فصلين:
أحدهما: في الكمال.
والثاني: فيما يقع به الأجزاء، فالكمال أن يقع غلى الأرض ثمانية أعضاء: الأنف والجبهة واليدين والركبتين وأطراف أصابع القدمين لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (أمرت أن أسجد على سبع، وأن لا أكف الشعر والثياب الجبهة والأنف واليدين والركبتين والقدمين).
ومد الجبهة والأنف معًا لاتصاله بها ومقارنته لمساواتها.
وقوله: لا أكف الشعر، قال عطاء: معناهُ، الشعر عن الأرض.
وكانوا يكرهون أن يسجد وهو قاُص شعره، وكذلك الثياب لا يجمعها ويدعها تقع على الأرض.
وروي: لا يكفت شعرًا ولا ثوبًا، أي: لا يجمع.
وأما الأجزاء، فلا يختلف المذهب أن السجوٌد على الجبهة، ولا يجوز ترك فرضها فيه عند القدرة، ولا خلاف عندنا أن وضع الأنف لا يجب، وإنما هو شرط الكمال، فإن اقتصر على وضع الجبهة أجزأه وإن اقتصر على الأنف لم يجزه.
وبه قال الحسن وعطاء وطاوس وابن سيرين والثوري وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور ومالك.
وقال سعيد بن جبير: يجب السجوٌد عليهما حتى لو أخّل بأحدهما لم يجز، وبه قال النخعي وعكرمة وإسحق والأوزاعي وأحمد في رواية.
واحتجوا بما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلًا ما يصيب أنفة من الأرض، فقال: (لا صلاةَ لمن لا يصيب أنفه من الأرض ما يصيب الجبين)، أو قال: «ما يمس الجبين)، وهذا غلط لما روي عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: (أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يسجد على سبع)، ولم يذكر [74 ب/2].
الأنف.
وقال جابر: (رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سجد بأعلى جبهته على قصاص الشعر، وعلى
هذا لم يسجد على الأنف.
وأما خبرهم، قلنا: قال، الدارقطني هو مرسل ثم نحمله على الفضيلة.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: يتعين الأجزاء لكل واحٍد من الجبهة والأنف على الانفراد فعلى أيهما سجد جاز لأن الأنف والجبهة عضُو واحُد، وهذا غلط لما ذكرنا من الخبر.
وروى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (إذا سجدت فأمكن جبهتك من الأرض).
وروى ابن عباس أنه قال: (مكن جبهتك من الأرض حتى تجد حجمها).
وما ذكره يبطل بعظم الرأس، فإنه متصل بعظم الجبهة، ولا يجوز السجوٌد عليه، وكذلك لا خلاف أنه يجوز السجوٌد على حّده.
وأما غير الجبهة والأنف من أعضاء السجوٌد من اليدين والركبتين والقدمين.
قال في (الإملاء): يجب وضعها في السجوٌد، وبه قال أحمد وإسحاق.
وروى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (إذا سجد أحدكم فوضع جبهته فليضع يديه، وإذا رفع رأسه، فليرفع يديه فإنهما يسجدان له كما يسجد وجهه).
وثم في (الأم) عنى قولين:
أحدهما: المشهور وظاهُر المذهب.
والثاني: لا يجب وضعها.
وبه قال أبو حنيفة ومالك وأكثر الفقهاء، وهو الأصح.
واحتجوا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: (سجد وجهي للذي خلقه).
الخبر فدّل على أن السجوٌد للوجه فقط، ولأنه لا يجب كشفها في السجود، فلا يجب وضعها.
ووجه القول الآخر خبر ابن عباس رضي الله عنه.
فَرْعٌ
إذا قلنا: لا يجب وضعها فالواجب وضع الجبهة فقط فلو تمكّن من وضعها دون سائر الأعضاء أجزأه وكما شاء وضع هذه الأعضاء مكشوفة ومستورة وراحتيه أو ظهور كفيه.
الباب واحُد.
فَرْعٌ آخرُ
لو كانت بجبهته علة يدني جبهته من الأرض أقصى ما يمكنه ولا معنى لوضع الأنف.
وحكي عن أبى يوسف أنه قال: إن كانت بجبهته علة جاز السجوٌد على الأنف، وإن لم يكن علة لا يجوز.
فَرْعٌ آخرُ
إذا قال: يجب وضع الأعضاء كلها فالكمال أن يضع بطون كفيه وأصابعهما على الأرض وكذلك ركبتيه وبطون أصابع رجليه، فإن اقتصر على وضع بعض كل واحد منها من الأصابع، [85 أ/ 2] أو راحتيه أجزأه.
ثم عليه في (الأم).
فَرْعٌ آخرُ
الكمال في الجبهة أن يضع بضعها كلها على الأرض، فإن اقتصر على وضع بعضها.
قال في (الأم): (كرهته وأجزأه) وقال أيضًا: (لو عصبت جبهته بخرقة مشقوقة فوضع موضع الشق على الأرض جاز ولو سجد على عظم رأسه وشيء من جبهته أجزأه).
فَرْعٌ آخرُ
كشف الجبهة واجُب.
وعليه أن يسجد على الأرض، أو على حائل منفصل منه كالبساط والحصير، فإن سجد على ما هو حامله من طرف الرداء أو كور العمامة لا يجوز.
وبه قال علي وابن عمر وعبادة بن الصامت رضي الله عنه ومالك.
وقال أبو حنيفة: يجوز السجوٌد على كور العمامة وكمه، ولو سجد على يده، ويجوز.
وبه قال الحسن وحكاه صاحب (الشامل) عن مالٍك وأحمد وروي عن شرح أنه كان يسجد على برنسه.
واحتجوا بما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (أنه سجد على كور العمامة)، وهذا غلط لما روى خباب ابن الأرت رضي الله عنه، قال: (شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حّر الرمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا)، أي: لم يقل شيئًا وروى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (إذا سجدت فمكن جبهتك من الأرض ولا تنقر نقرًا).
وروى ابن عبد الحكم في كتابه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلًا يسجد وقد اعتّم على جبهته فحسر عنها وقال: إذا سجدت فمّكن جبهتك من الأرض).
وأما خبرهم لا أصل له ثم إن صّح نحمله على أنه سجد على بعض جبهته معه.
وقد روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (إذا سجد أحدكم فليضع جبهته بين يديه، فإذا رفع رأسه فليرفع يديه فإنهما يسجدان لله كما يسجد وجهه).
فَرْعٌ آخرُ
قال: ولو انقلب يريد السجوٌد، فماست جبهته الأرض أجزأه السجوٌد، ولا فرق بين
أن لا ينقلب وبين أن ينقلب إلى السجوٌد من غير تعود في أن السجوٌد معتد به.
[85 ب/2]
فَرْعٌ آخرُ
قال: ولو أنه هوى ليسجد، فسقط على بعض جسده ثم انقلب على وجهه فماّست جبهته الأرض لم يعتدّ بهذا السجوٌد، لأنه انقلب لغير إرادة السجوٌد وانعطفت نيته الأولى، كما لو نوى فتوضأ ثم غسل بعض الأطراف لتبرد أو تتنظف لم يجز، لأنه فعل لغير الطهارة.
قال: ولو هوى على وجهه يريد السجوٌد فوقع على جبهته وكان على إرادته لم يحدث غير السجوٌد إرادًة أجزأه.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو سجد على ذيل رجل آخر أو ظهره ولم يكن مرتفعًا بحيث يخرج هذا الساجد عليه عن صورة الساجدين يجوز.
فَرْعٌ آخرُ
لو سجد على موضع عاٍل، فإن كان بحيث لا يكون ظهره أعلى من رأسه ورقبته، لا يجوز لأنه لا يسمى سجوٌدا، وإن كان ظهره أعلى من رأسه ورقبته يجوز، ويكره إذا لم يكن له عذر.
فَرْعٌ آخرُ
إذا قلنا: يجب وضع سبعة أعضاء في السجوٌد، هل يجب كشفها، قال في (الأم).
ولا أحب كشف الركبتين بل أحب أن يكونا مستورتين، ولا أحب تخفيف الثياب عنهما، لأن سترهما من تمام ستر العورة وأما القدمان إن كانت في الخفين أجزأه السجوٌد عليهما فيهما، وإن كانتا في النعلين، فالمستحب أن ينزع النعلين ويكشف عن موضع السجوٌد منهما، فيسجد على الأرض وعلى حائل ينفصل عنه، فإن لم يفعل أجزأه.
وأما اليدان، فيه قولان.
قال في (الأم): وفي السبق والرمي الكشف مستحُب غير واجٍب وهذا أصح.
وقال في موضٍع آخر.
وقيل: فيه قوُل آخرُ يجب كشفهما ووجهه خبر خباب بن الأرت، ووجه القول الأول أنه عضو أعضاء السجوٌد، ولا يبرز في العادة إلا لحاجة فلا يجب كشفه في السجوٌد كالقدمين.
وأما خبر خباب، قلنا: نحمله على أنه لم يشكهم من أجل الجبهة.
فَرْعٌ آخرُ
إذا قلنا لا يجب كشفهما فحكمهما حكم الرجلين، وإذا قلنا: يجب كشفهما فحكمهما حكم الجبهة، ولو وضع ظاهُر الكفين مكشوفًا على هذا القول.
ثم في (الأم) أنه لا يجوز.
وأما نفس السجوٌد فالكمال فيه التخوية، [86 أ/ 2] فهي أن يجافي مرفقيه عن جنبيه، ويقل بطنه عن فخذيه لما روى البراء بن عازب رضي الله عنهأن النبي - صلى الله عليه وسلم - (كان إذا سجد خوي)، وفي رواية (لجج)، واللجج التخوية.
وروى يزيد بن الأصم عن ميمونة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (كان إذا سجد جافى يديه حتى لو أرادت بهيمة أن تمّر تحته مّرت).
وروى ابن بحينة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (كان إذا سجد فّرج يديه عن جنبيه).
وروى أحمد بن جري صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (كان إذا سجد جافى عضديه على جنبيه حتى نأوي له).
أورده أبو داود ومعنى نأوي له، أي: نرق له.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - من خلفه فرأيت بياض إبطيه وهو مجنح قد فّرج يديه.
وقوله: هو مجنح، أي: رفع مؤخره ومال قليلًا.
قال الشافعي: (يجافي حتى إن لم يكن عليه ما يستره رأيت عفرة إبطيه)، أي: سواد إبطيه ويكنى عن ذلك العفرة، كما يقال للحبشي أبو البيضاء ويفّرج بين فخذيه ورجليه ويضع يديه حذو منكبيه.
قلنا: رواه وائل بن حجر رضي الله عنه.
وقال أبو حنيفة: يضع حذو أذنيه ويضم أصابعه بعضها على بعض ويضم الإبهام إليّها ضمًا بخلاف الركوع.
والفرق أن هناك يقبض على ركبتيه.
والتفريق أمكن له بخلاف السجوٌد، ولأنه يستحب أن يستقبل بكلها القبلة، ولا يستحب ذلك في الركوع أن يوجهها نحو القبلة، فلهذا يضم الأصابع ههنا دون الركوع ويرفع ظهره، ولا يحدودب ولا يعمد رفع وسطه عن أسفله وأعلاه، ويكون على صدور قدميه وعلى أصابع رجليه، فيضع بطول أصابع رجليه على الأرض لتكون رؤوس الأصابع إلى القبلة، وهكذا فسره بعد ذلك.
قال: ويوجه أصابعه نحو القبلة ولم يقله، أي: رؤوس الأصابع.
كما ذكرنا في أصابع اليد.
وقال القفال: من أصحابنا من قال قوله: ويوجه أصابعه نحو القبلة لم يقل به الشافعي، وهو بخلاف قوله، ويكون على أصابع رجليه، لأنه إذا نصب الأصابع، [86 ب/ 2] فظهورها إلى القبلة، فإن أضجعها وحّول
رؤوسها إلى القبلة لم يكن على أصابع رجليه.
وفي هذا نظُر، وقد بّينا ما يزيل الإشكال، ويكره أن يفرش ذراعيه في السجود.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (نهى عن افتراش السبع في الصلاةَ).
قال أبو عبيد: هو أن يلصق ذراعيه بالأرض في سجوٌده.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (إذا سجد أحدكم فلا يفترش ذراعيه افتراش الكلب)، وافتراش الذراعين ما ذكرنا.
وروى البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (إذا سجدت فضّم كفيك وارفع مرفقيك)، وقيل في أدب الصلاةَ: ادعم على راحتيك، وأبدل ضبعيك.
والإدعام: مأخوُذ من الدعامة.
والضبعان: العضدان، وأبدادهما: هو نزعهما، يقال: أبد فلاُن يده إذا مدها.
ثم إذا دخَل في السجوٌد على الوجه الذي ذكرنا مكث في السجوٌد مقدار ما يطمئن فيه.
والطمأنينة في السجوٌد واجبة، وهى أن يسكن مقدار ما تسكن جوارحه خلافًا لأبي حنيفة.
مَسْألةٌ: قال: (ويقول في سجودة: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا وهو أدنى الكمال).
وهذا كما قال: الكلام الآن في أدنى الكمال وأعلاه.
وجملته أن الذكر في السجوٌد مسنوٌن، وهو أن يقول: سبحان ربى الأعلى، وأدنى الكمال أن يقول ثلاثًا، وأعلى الكمال أن يضيف إلّيه ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في سجوٌده: (اللهم لك سجدت، ولك أسلمت، وبك أّمنت، وأنت ربي، سجد وجهي للذي خلقه، وشّق سمعه وبصره، تبارك الله أحَسن الخالقين).
ورواه علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ذكره في (الأم).
قال: ويجتهد في الدعاء لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا من الدعاء.
أما الدعاء بعد الكمال فمستحب.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو في سجوٌده، فيقول: اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجلّه آخره وأوله علانيته وسّره) [87 أ/2].
وحكي عن الشافعي رحمة الله عليه أنه كان يقول في سجوٌده: وسجد وجهي حقًا حقًا تعبدًا ورقاً.
وقال في (الأم): (ويدعو بعد هذا الذكر بما أحب رجاء الإجابة).
ويستحب الدعاء للإمام ما لم يثقل على المأمومين، وإن كان مأمومًا اجتهد في الدعاء ما لم يخالف الإمام في الإتباع.
وقال في (الإملاء): لا يزيد على الدعاء الذي ذكرناه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، والأول أصح لما روينا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (فأكثروا من الدعاء).
وقيل: قال في (الأم): (الدعاء بعد الكمال يأتي به الإمام أيضًا كما يأتي بها على الكمال).
وقال في (الإملاء): لا يزيد الإمام على الكمال.
وهذا أصح عندي لئلا يؤدي إلى المشقة بالمأمومين.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لو أتى بذكر آخر سوى التسبيح فيه جاز، وإن كان الأفضل التسبيح لما روي عن عائشة رضي الله عنها، قالت: افتقدت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من فراشي ليلة النصف من شعبان، فأخذني ما يأخذ النساء من الغيرة، فطلبته فلم أجده، [فظننُت أَّنما انسَّل إلى بعض نسائه، فإذا أنا به ساجُد كالثوب الطريح، فسمعته] يقول: (سجد لك سوادي وخيالي وأّمن بك فؤادي، وهذه يدي التي جنيت بها على نفسي يا عظيم، يا رجاء كل عظيم، اغفر الذنب العظيم، فإنه لا يغفر الذنب العظيم إلا الرب الكريم، ثم رفع رأسه ثم سجد، وقال: (أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك أقول كما قال أخي داود: أعفر وجهي في التراب لسيدي، وحق لسيدي أن أسجد له).
فلما فرغ من صلاته، قال: ما لك؟ أخذك شيطانك؟ فقلت: بأبي أنت وأمي أنت في واد، ونحن في واد).
ومعنى ذلك الاستغفار من التقصير في بلوغ لواجب من حق عبادته والثناء عليه.
وقوله: لا أحصي ثناء عليك، أي لا أطيقه ولا أبلغه.
وقال بعض أصحابنا: لو قال في سجوٌده: سّبوح، قّدوس، رب الملائكة، والروح القدس.
فهو حسن لما روت عائشة رضي الله عنه، قالت: كان رسول الله [87 ب/ 2]- صلى الله عليه وسلم - يقول ذلك في سجوٌده.
مَسْألةٌ: قال: (ثم يرفع مكبرًا كذلك حتى يعتدل جالسًا على رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى).
وهذا كما قال إذا انتهى الدعاء في السجوٌد يرفع مكبرّا، ويكون ابتداء الرفع مع ابتداء التكبير، فيكون فيه، وهو يرفع حتى يكون انتهاء التكبير مع انتهاء الجلوس.
والجلوس ركن، والطمأنينة فيه ركنُ.
وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجب هذا الجلوس أصلًا، ويكفيه أدنى رفع حتى لو رفع قدر ما يسع من الأرض وجبهته حدّ سيٍف.
وقال بعض أصحاب أبي حنيفة: يجب أن يرفع حتى يصير إلى الجلوس أقرب منه
إلى السجوٌد، وفي الركوع يجب أن يرفع حتى يكون إلى القيام أقرب منه إلى الركوع، وهذا ليس بمشهور، فإذا ثبت هذا فصفة الجلوس أن يكون مفترشًا، وهو أن يفترش رجله اليسرى، فتجعل ظهرها إلى الأرض ويجلس عليها، وينصب أليمنى ويضع بطون أصابعها على الأرض، ويستقبل بأطرافها القبلة.
والإقعاء مكروه، وهو أن يضع إليتيه على عقبيه ويقعد عليها مستوفزًا غير مطمئن على الأرض وذلك اقعاء الكلاب والسباع، إنما أن تقعد على مؤخرها وتنصب أفخاذها
وقال أبو عبيد: هو أن ينصب رجليه في هذا، وقال غيره: هو أن يفترش رجليه وكلاهما مكروه، وبهذا قال جماعة العلماء.
وروي كراهته عن على وابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنه.
وروي عن على رضي الله عنهأن النبي - صلى الله عليه وسلم - (نهى عن الإقعاء في الصلاةَ) وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (نهى عن عقب الشيطان في الصلاةَ).
قال ابن قتيبة: هو أن يضع إليتيه على عقبيه في الصلاةَ من السجدتين.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه سئل عن الإقعاء، فقال: هو سنة نبيكم، وقال طاوس، قلنا لابن عبا س في الإقعاء، فقال: هو السّنة، قلنا: إنا لنراه.
جفا بالرجل، فقال: سنة نبيك.
وقال أحمد بن حنبل: أهل مكة يستعملون الإقعاء.
وقال طاوس: رأيت العبادلة يفعلون ذلك [88 أ/ 2]، ابن عمر وابن عباس وابن الزبير رضي الله عنه، قلنا: قد كان هذا وُنِسخ بدليل ما ذكرنا وقد وصف أبو حميد صلاةَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يذكر هذا.
وقد روي عن ابن عمر أنه قال لبنيه: لا تقتدوا بي في الإقعاء، فإني إنما فعلت هذا حين كبرّت.
وقال صاحب (الإفصاح): حكي عن الشافعي قول آخر: أنه يجلس على صدور قدميه، والأول أصح، فإذا تقرر هذا يستحب أن يقول في هذه الجلسة: رب اغفر لي وارحمني وأجرني وأهدني.
وروي: اللهم اغفر لي وارحمني وعافني وأهدني وارزقني.
وقال القفال: روى الشافعي بإسناده عن علي رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول فيه: (اللهم اغفر لي وارحمني وأجرني وأهدني).
وأصحابنا رووا زيادة، وقد ذكرنا، وهذا حسن، ولو بلغ الشافعي لقال، وزادت أم سلمه رضي الله عنها: (وأهدني للسبيل الأقوم).
وقال أبو حنيفة: لا يسّن ذلك، وهذا غلط لما ذكرنا، ولئلا يخلو هذا الفعل عن الذكر.
قال الشافعي: (ثَّم َيْسُجُد َسْجَدًة ُاخَرى َكذلِك)، وهذا صّحيح.
مسألة: قال: (فإذا استوى قاعدًا نهض معتمدًا على يديه).
وهذا كما قال: أراد إذا استوي قاعدًا بعد السجدتين والجلسة أنه يرفع من السجدة الثانية مكبرّا فيستوي جالسًا، ثم ينهض.
وهذه رواية المزني.
وقيل: يستحب أن يكون بقدر الجلسة بين السجدتين، ولا يزيد عليها.
وقال في (الأم): يقوم من السجدة الثانية، ولم يأمر بالجلوس.
وقال فيه أيضًا: إذا أراد القيام من السجدة الثانية كبرّ مع رفع رأسه حتى يكون انقضاؤه مع استوائه جالسًا، فلم يستحب الجلوس من السجدة الثانية إلا للشّهد.
فاختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: المزني ثقة فتضم روايته إلى ما قاله في (الأم) ففي المسألة قولان.
وعلى هذا القول في الصلاةَ أربع جلسات، وتسمى هذه الجلسة، جلسة الاستراحة، وهي مستحبُة غير واجبة.
ومن أصحابنا من قال: هو اختيار أبى إسحق، هذا على اختلاف حالين، فإن كان كبيرًا ضعيفًا جلس للاستراحة كما [88 ب/2] نقل المزني، ومن كان شابًا قويًا لا يجلس كما قال في (الأم).
وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد وإسحق: لا يستحب هذا الجلوس أصلًا، واحتجوا بما روى وائل بن حجر رضي الله عنه بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - (كان إذا رفع رأسه من السجوٌد استوي قائمًا بتكبيره).
وهذا غلط لما روى أبو حميد الساعدي في صفة صلاةَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذا الجلوس.
وهذه الرواية في عشرة من الصحابة، فكانت أولى.
وروي أن مالك بن الحويرث رضي الله عنه حكي صلاةَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال: (فلما قام من السجدة الثانية من الركعٍة الأولى جلس ثم نهض معتمدًا على يديه).
فإذا تقرر هذا.
قال أبو إسحاق: إذا جلس قضى تكبيرة مع جلوسه، ثم نهض إلى القيام من غير تكبير، لأن التكبير للرفع من السجوٌد دون الذهاب إلى القيام، ولا يجوز أن يبتدئ للقيام بالتكبير، لأنه يؤدي إلى الموالاة بين التكبيرتين، ويخالف إذا قام إلى الثالثة من التشهد حيث يكبرّ، لأنه لا يؤدي إلى الموالاة بين الكبيرتين لأنه تخلل التشهد بينهما.
وكذلك بين السجدتين تخّلل الدعاء المأمور فيه عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -. قال هذا القائل وقال بعض أصحابنا: المذهب أنه يكبرّ رافعًا من السجوٌد وينهيه مع انتهاء الانتصاب لئلا ينفّك بعض هذا الفصل عن الذكر، وما ذكره أبو إسحق ليس بشيء، وهذا أصح عندي، لأنه أشبه بأفعال الصلاةَ، فإنه لم يشرع فيها فعل يخلو عن ذكر، وهذه الجلسة لا تكون من الأولى ولا من الثانية، بل هي فصُل للجلوس كالتشهد الأول، فلا بدّ فيها من الذكر، ولكنه يطّول التكبيرات، ولا يطول الجلوس، ويأتي بهذا بأسهل ما يمكن وما قاله أبو إسحق: اختيار القاضي الطبري.
وقال القفال: كلام الشافعي في صلاةَ العيد يدّل على أنه يكبرّ بين جلوسه وقيامه، ولا يبتدئ عند الرفع، لأنه قال: يكبرّ في الثانية خمسًا سوى تكبيرة القيام من الجلوس، وقيل: رجع القفال عن هذا، وتأويل قوله: القيام من الجلوس [89 أ/ 2] على المقارنة، وأراد تكبيرة الرفع، ثم اعلم أنه ينهض من هذا الجلوس معتمدًا على الأرض بيديه.
وبه قال ابن عمر وعمر بن عبد العزّيز ومالك وأحمد.
وعند أبي حنيفة: يقوم من السجدة الثانية على صدور قدميه.
وبه قال على وابن مسعود رضي الله عنه، وهو مذهب الثوري، وهذا غلط لما ذكرنا من الخبر، لأنه أشبه بالتواضع وأعوذ للمصلي على الصلاةَ وأحرى أن لا ينقلب.
مَسْألةٌ: قال: (ولا يرفع يديه في السجود ولا في القيام من السجود).
وهذا كما قال عندنا: لا يرفع يديه إلا في ثلاثة مواضع على ما ذكرنا.
وقال أبو علي في (الإفصاح): (يستحب رفع اليدين كلما قام إلى الصلاةَ من سجوٌد أو تشهد).
واختاره ابن المنذر، وقال: هذا باب أغفله كثير من أصحابنا قد ثبت فيه حديث أبي حميد الساعدي.
وروي في حديث علي رضي الله عنه أيضًا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (كان إذا قام من السجدتين رفع يديه وكبرّ).
وقال الإمام أبو سليمان الخطابي حديث أبي حميد الساعدي قال به عشرة من الصحابة.
وقد قال به جماعة من أهل الحديث، ولم يذكره الشافعي.
والقول لازُم به على أصله في قبول الزيادة، ولا أعلم أحدًا من الفقهاء ذهب إلى ما رواه علّي رضي الله عنه، وإن صّح الخبر فالقول به واجُب.
وقيل: إنما لم يذكره الشافعي لخبر ابن عمر الذي تقّدم ذكره فلعل ذلك نسخ.
وحكي عن أحمد أنه قال: يستحب رفع اليدين في ابتداء كل ركعٍة، وهو غلط عندي، بل مذهبه رفع اليدين عند القيام من التشهد الأول لا هذا.
مَسْألةٌ: قال: (ثم يفعل في الركعة الثانية مثل ذلك).
وهذا كما قال: الركعٍة الثانية مثل الركعٍة الأولى في أفعالها وأذكارها سوى تكبيرة الافتتاح، [89 ب/ 2] ودعاء الاستفتاح، ورفع اليدين في ابتدائها، وهذا لأن أبا حميد قال: (وصلّى ركعٍة أخرى مثل ذلك).
مسألة: قال: (ويجلس في الثانية على رجله اليسرى).