بحر المذهب للرويانيصفحات 58-97

الفَصْل وهذا كما قال إذا فرغ من الركعٍة الثانية رفع مكبرا واستوي جالسًا للتشهد الأول، وهذا الجلوس والتشهد في مسنوٌنان معًا.
وبه قال عمر بن عبد العزيز والأوزاعي ومالك وأبو حنيفة وجماعُة.
وقال الليث وأحمد وإسحق وأبو ثور وداود: هما واجبان، فإن تركهما عمدًا بطلت صلاته، وإن كان ناسيًا سجد للسهو، وهذا غلٌط لما روى المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا قام الإمام من الركعتين، فإن ذكر قبل أن يستوي قائمًا فليجلس، وإن استوي قائمًا فلا يجلس ويسجد للسهو).
وروى عبد ابن بحينة، قال: (قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من اثنتين من الظهر- أو العصر- فسبحوا له، فلم يرجع ومضى في صلاته، فلما كان في آخر صلاته، وانتظر الناس تسليمه سجد سجدتي السهو قبل التسليم)، ولأنه لو كان واجبًا لم يسقط بالسهو كالتشهد الثاني، فإذا ثبت ما ذكرنا فصفة الجلوس ههنا الافتراش، والجلسات المشروعة في الصلاةَ أربع، ويستحب في كلها الافتراش إلا في التشهد الأخير، فإنه يستحب فيه التورك.
وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور وصفة الافتراش قد ذكرناه.
وأما صفة التورك يجعل رجليه معاً ويخرجهما من تحت وركه اليسرى إلى أليمنى ويفضي بمقعدته إلى الأرض ويفرش اليسرى وينصب قدمه أليمنى ويضع بطون أصابعهما على الأرض، ويستقبل بأطرافهما القبلة.
وقال أبو حنيفة والثوري: يجلس في جميعهما مفترشاً.
وقال مالك: (يجلس في جميعهما متوركاً.
واحتّج أبو حنيفة بما روى أنس بن مالٍك رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (إذا جلست [90 أ/2] فاجعل عقبك تحت إليتيك).
واحتّج مالك بما روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (كان يجلس في وسط صلاته، وفى آخرها متوركاً)، وهذا غلُط لما روينا من خبر أبى حميد الساعدي في الجلستين نحو مذهبنا.
وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (كان يجلس بين الركعتين كأنه على الرضف).
والّرضف: الحجارة المحماة.
واحدتها: رضفة.
وهذا يدّل على أنه كان يخالف بينهما في الجلوس، ولأن خبرنا متأخر يحتمل أن ذلك نسخ، أو في

خبرنا زيادة وهي الفصل بين التشهدين، فكان أولى، وهذا الذي ذكرنا في الصلاةَ التي لها التشهدان.
فأما ما ليس فيها إلا تشهد واحد كالصبح والجمعة يجلس في تشهده متوركاً، ولو أدرك الإمام في الركعٍة الثانية من الصبح تشهد بها تشهدين يفترش في الأول مع الإمام ويتورك في الثاني، وكذلك لو أدركه في التشهد الأخير يجلس هو مفترشًا، والإمام متوركاً.
ثم عليه في (الأم)، ولو فاتته ركعٍة من المغرب، ولو أدرك الثانية بعد الركوع، فإّنه يتشهد أربع تشهداٍت فيها، يفترش في ثلاثة منها ويتورك في الرابع ثم عليه في (الأم).
قيل ويقعد مفترشًا، لأنه يريد أن يسجد بعد ذلك، فهو كالجلسة بين السجدتين بخلاف من لا سجوٌد عليه.
مَسْألةٌ: قال: (ويبسط يده اليسرى على فخده اليسرى ويقبض أصابع يده اليمنى على فخده اليمنى إلا المسبحة).
وهذا كما قال: الكلام ههنا في صورة وضع اليدين في التشهد، فإنها لا تختلف باختلاف التشهدين، وإن اختلفت صفة الجلوس فيهما، فيضع يده اليسرى على فخذه اليسرى ويبسطها عليها، ولكن يضم بعض أصابعها إلى بعض ويقيم إبهامها إليّها، ولا يفرقها.
لا يختلف القول فيه، وذكر بعض أصحابنا بخراسان وجهًا آخر أنه يفرق الأصابع، وهو غلط، ويستقبل بأطرافها القبلة.
وأما يده أليمنى [90 ب/2] يضعها على فخذه أليمنى، وكيف يضعها، فيه ثلاثة أقواٍل.
قال في (الآم): يقبض الخنصر والبنصر والوسطى، ويشير بالسبابة، ويرسل إبهامه على فخذه، ولا يضمها إلى أصابعه، وقال في (الإملاء): يقبض الخنصر والبنصر ويطلق الوسطى والإبهام، ويشير بالسبابة.
ونقل المزني، وثم عليه في (القديم): يقبض أصابع يده أليمنى إلا المسبحة، فعلى هذا في كيفية وضع الإبهام على هذا القول، وجهان: أحدهما: يضعها على حرف راحته أسفل من سبابته كالقابض ثلاثة وخمسين.
والثاني: يضعها فوق الوسطى، وهو الأصح المشهور.
وقد روي كل ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال ابن عمر رضي الله عنه (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبض في التشهد على أربع أصابع، ويشير بالسبابة، كأنه عاقد ثلاثة وخمسين).
وروى ابن الزبير رضي الله عنه (كان يضع إبهامه على الوسطى).
وروى وائل بن حجر رضي الله عنه (أنه كان حلق ثلاثين، وأشار بالسبابة).
وروى أبو حميد أنه بسط

الإبهام، فكيف ما وضع يده في ذلك أتى بالسّنة وهو بخلافهما، فإذا تقرر هذا، قال الشافعي: ويشير بها متشهدا.
وهذه الأسئلة مستحّبة على ما ثم عليه.
وروي في خبر أبي حميد: ولا يجاوز بصره إشارته، وهل يحركها؟ فيه وجهان: أحدهما: يحركها طول التشهد.
والثاني: لا يحركها، وهو الخلاف لما روى ابن الزبير رضي الله عنه، قال: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشير بالسبابة ولا يحركها، ولا يجاوز بها بصره)، فيستحب أن ينظر إلى السبابة إذا جلس، وهو معنى قوله ولا يجاوز بها بصره.
وقال أبو حنيفة: (لا يشير بها أصلًا)، وهذا غلط لما روينا من الخبر، فإذا قلنا: يحرك، أو قلنا: يشير ولا يحرك ينوي به الإخلاص لله عزّ وجلّ والتوحيد لا الإشارة إلى السماء.
قال أصحابنا: وإنما يشير عند قوله: [91 أ/2] إلا الله، ولا يشير عند قوله: لا إله، وهذا حسن ولو لم يفعل شيئًا من هذا بل جلس متربعًا أو مادًا رجليه فقد أساء ويجزئه.
فَرْعٌ قال في البويطي: وينظر المصّلي في صلاته إلى موضع سجوٌده، وإن رمى ببصره إمامه كان حسنًا، والخشوع أقصر.
وبه قال أبو حنيفة والثوري، وهذا لما روى ابن عباس رضي الله عنه، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا استفتح الصلاةَ لم ينظر إلا موضع السجوٌد)، ولأن هذا أبلغ في الخشوع.
وقال مالك: يكون بصره أمام قبلته.
قال شريك بن عبد الله: ينظر في حال قيامه إلى موضع سجوٌده، وفي ركوعه إلى قدميه، وفي السجوٌد إلى أنفه، وفي قعوده إلى حجره ويكره أن ينظر إلى أطراف قميصه، أو إلى شيء يقرأ أو صورة يتأملها، فإن فعل لم تبطل صلاته، وهذا لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلّى في خميصة لها أعلاُم، فلما فرغ، قال: (شغلتني أعلام هذه، اذهبوا بها إلى أبي جهم وائتوني بأنبجانيته)، والخميصة كساء مربع من صوف، والأنبجانية نسبة إلى [مْنِبج].
وقال من لا علم لها ولم يعد الصلاةَ فدل أنه لا يبطلها.
فَرْعٌ آخرُ لو نسي التشهد الأول وجلس على رجليه للاستراحة، ثم تذكر وهو جالس تشهد، وليس عليه سجود السهو، لأنه لم يزد في صلاته ولم ينقص، وإن ذكر بعدما نهض عاد

فجلس ما بينه وبين أن يستنم قائمًا، وعليه سجود السهو، لأنه زاد في صلاته، وهو القيام.
ومن أصحابنا من قال: إن كان نهوضه إلى الجلوس اقرب لا يسجد للسهو، لأنه قليل، وإن كان إلى القيام أقرب يسجد للسهو، لأنه قليل، وإن كان إلى القيام أقرب يسجد للسهو، وهذا حسٌن، ولو ذكر بعد اعتداله قائمًا لم يجز له العود، ويسجد للسهو، فإن عاد نُظِر، فإن كان جاهلًا لم تبطل صلاته، وإن كان عالمًا بأن ذلك لا يجوز بطلت صلاته كما لو تكلم في الصلاة.
مسألة: قال: "فإذا فرغ من التشهد قام مكبرًا".
وهذا كما قال: هذا اللفظ يدل على أنه لا يستحب الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في التشهد الأول، ونص على هذا في "القديم".
[91 ب/ 2].
وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأحمد وإسحق.
وقال في "الأم" و "الإملاء": يصلي فيه على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو الأصح.
وبه قال مالك، لأنه أحد التشهدين.
فرعٌ فيه الصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كالتشهد الأخير، واحتج من قال بالأول بما روي "أنه كان يجلس فيه كأنه على الرضف"، يعني في تخفيفه، قلنا: لأنه كان يترك الدعاء فيخف، وعندنا لا يستحب الدعاء في هذا التشهد، ولا الصلاة على الآل وجهاً واحدًا.
وقال مالك: يدعو في هذا التشهد أيضًا بما شاء كالتشهد الأخير، وهذا غلط، لأنه في التشهد الأخير غير عازم على القيام إلى ركعة أخرى، فهو مطمئن فيه فيدعو بخلاف التشهد الأول.
ومن أصحابنا من قال: يستحب الصلاة فيه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قولًا واحدًا، والذي نقل المزني متأول على أنه أراد به التشهد مع الصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن التشهد لا يتم إلا بها، ولو نسي فيه الصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإن قلنا: لا يستحب فيه، لا يسجد، وقيل: هل يسن فيه الصلاة على الآل؟ وجهان.
بناء على الوجوب في التشهد الأخير، وعند مالك يسن الدعاء فيه، وعندنا لا يسن، وإذا قلنا: يسن على الآل يسجد للسهو بتركها.
فرع يبتدئ التكبير ههنا في أول قيامه ويمدّه إلى استوائه.
وحكي عن مالك أنه قال: "لا يكبر حتى يستوي قائمًا، لأنه قيام إلى افتتاح ركعة، ولا يكبر إلا بعد اعتداله كالركعة الأولى"، وهذا غلط لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يكبر في كل خفض ورفع وقيام وقعود"، ولأن هذا يؤدي إلى أن يخلو موضع من الصلاة عن ذكرٍ، وهذا خلاف موضوع الصلاة، وفي الركعة الأولى يقوم إليها في غير صلاة بخلاف ههنا.
ثم قال الشافعي: "معتمدًا على الأرض بيديه"، وهذا سنة في قيامه من الجلوس،

وكذلك إذا سجد في الصلاة سجود القرآن [92 أ/ 2]، ثم أراد أن يقوم اعتمد على الأرض بيديه وقد ذكرنا ما يسن فيه ويكره له تقديم إحدى رجليه عند النهوض.
وروي عن مالك أنه قال: لا بأس به.
وروي عن مجاهد أنه رخص فيه للشيخ، وهذا لا يصح لأنه لم ينقل مالك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مع كثرة الواصفين صلاته.
وروي عن ابن عباس أنه قال: "هذه الخطوة الملعونة".
مسألة: قال: "ويصلي الركعتين الأخريين كذلك".
الفصل وهذا كما قال: أراد أنه تجب فيهما قراءة الفاتحة.
وبه قال الثوري والأوزاعي وأحمد.
وقال مالك في رواية ابن القاسم عنه: "إن ترك القراءة في ركعةٍ واحدة"، وقرأ في ثلاث ركعاتٍ أجزأه.
وقال في رواية أخرى مثل قولنا.
وقال الحسن وداود: "تجزئه القراءة في ركعة واحدة"، وروي هذا عن أحمد.
وقال أبو حنيفة: "لا تجب القراءة في الركعتين الأخريين من الظهر والعصر، ولا في الركعة الثانية من المغرب، ويلزمه القراءة في جميع صلاة الوتر بثلاث ركعات".
واحتجوا بما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: "اقرأ في الأوليين، وسبح في الأخريين"، وهذا غلط.
لقوله - صلى الله عليه وسلم - للأعرابي: "ثم افعل ذلك في صلاتك كلها".
وأما خبر علي رضي الله عنه، قلنا: رواه الحارث الأعور، وكان كذابًا.
ثم روي عن جابر رضي الله عنه أنه قال: "من صلى ركعة فلم يقرأ فيها، فلم يصل إلا خلف الإمام"، ولا خلاف أنه لا يجهر بهذه القراءة، وهل يسنّ فيهما قراءة السورة؟ قد ذكرنا.
فرع لو قرأ من المصحف وقلب الأوراق أحيانًا لا تبطل صلاته.
وبه قال مالك وأبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: تبطل صلاته إلا أن يقرأ آية قصيرة، أو كان يحفظ القرآن، لأنه عمل طويل، فهو كما لو تلقن من غيره، وهذا غلط لأن من جازت له القراءة ظاهرًا جازت ناظرًا كالآية القصيرة.
وقوله: إنه عمل طويل لا يصحّ، لأن الفكر [92 ب/ 2] والنظر لا يبطل الصلاة كما لو تفكر في إشغاله، وينظر إلى المارين، وأما إذا تلقن من الصلاة فسلم، بل لا تبطل به الصلاة.
مسألة: قال: "فإذا قعد في الرابعة أماط رجليه".

الفصل وهذا كما قال: إذا رفع رأسه من السجدة الثانية من الركعة الأخيرة، جلس متشهدًا والجلوس والتشهد فرضان وكذلك الصلاة على الرسول - صلى الله عليه وسلم -، والسلام فرضان آخران.
وبه قال عمر وابن عمر وأبو مسعود البدري والحسن وأحمد رضي الله عنهم.
وقال: عليّ بن أبي طالب وسعيد بن المسيب والنخعي والزهري ومالك والأوزاعي والثوري: الجلوس فيه والتشهد معًا ليسا بواجبين.
وقال أبو حنيفة: الجلوس فيه قدر التشهد واجبٌ، وقراءة التشهد لا تجب.
واحتجوا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعلم الأعرابي المسيء صلاته قراءة التشهد، وهذا غلط لما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: كما نقول قبل أن يفرض علينا التشهد.
والسلام على الله على عباده السلام على جبريل، السلام على ميكائيل فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا تقولوا: السلام على الله، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله والصلوات" إلى آخره.
وروي عن علقمة عن عبد الله بن مسعود، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، ويقول "تعلموا فإنه لا صلاة إلا بالتشهد".
وأما خبر الأعرابي فيحمل أنه كان قبل فرض التشهد، أو كان يعلم التشهد فلم يذكر له، فإذا تقرر هذا، فإن سلم قبل التشهد، فإن كان عامدًا بطلت صلاته، وإن كان ناسيًا نُظِر، فإن ذكر قبل تطاول الفصل بنى وإن ذكر بعد تطاول الفصل استأنف والرجوع في طوله إلى العُرف.
قسم الكلام في التشهد في فصلين؛ في الأفضل وفي أقل ما يجزئ.
فأما الأفضل ما روى سعيد بن جبير وطاوس عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[93 أ/ 2] يعلمنا التشهد كما يعلّمنا السورة من القرآن، فقال: "قولوا: التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله".
هذا رواه الشافعي، وهو اختيار أصحابنا بخراسان.
ورواه أبو داود، فقال: "السلام" بالألف واللام، وهما صحيحان، لأن التنوين يقوم مقام الألف واللام، وهو اختيار أصحابنا بالعراق.
وقال مالك: وأهل المدينة الأفضل تشهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد علم الناس التشهد على المنبر، فقال: "التحيات الزاكيات لله الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله، السلام عليمنا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله

إلا الله، واشهد أن محمدًا عبده ورسوله".
وقال أبو حنيفة وأهل الكوفة: الأفضل، ما رواه عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "التحيات لله والصلوات والطيبات، والسلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله".
وبه قال الثوري وأحمد وإسحق واختاره ابن المنذر وجماعة من السلف، وما قلناه أولى، لأن فيه زيادة كلمة: المباركات.
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ألقاه إلقاءً شائعًا ظاهرًا وعلّمه كما يعلّم القرآن، وهو متأخر موافق للقرآن.
قال الله تعالى: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: 61].
وقال تعالى: ﴿وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: 181]، وكل موضع ذكر الله تعالى التحية منه، فإنه سلام بغير ألف ولام.
وأمّا خبر عمر رضي الله عنه، فليس بمسنٍد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فما رويناه أولى، فإذا تقرر هذا، قال صاحب "الإفصاح": قال بعض أصحابنا: الأفضل أن يبتدأ فيقول: بسم الله وبالله، التحيات المباركات الزاكيات [93 ب/ 2] الطيبات، فيجمع به من الزيادات المرورية.
وقال ابن المنذر: ليس في شيء من الأخبار الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التسمية.
وقد روى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطبنا فعلّمنا سنتنا وبين لنا صلاتنا، وقال: "إذا كان عند القعدة، فليكن من أول قول أحدكم: التحيات"، فحصل وجهان.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه سمع رجلًا يقول: بسم الله، فانتهره، فإن قيل: روى جابر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول ذلك.
قلنا: رواية أيمن عن ابن الزبير وأيمن ضعيف.
قلت: سمعت فيه خبرًا بإسناد صحيح عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: "بسم الله، وبالله التحيات لله"، وبهذا أقول فإنه زيادة.
وروي عبد الغفاري في تشهد عمر رضي الله عنه: "قال: قل: بسم الله، خير الأسماء".
وروي جابر: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "يعلّمنا التشهد: بسم الله، وبالله التحيات لله".
وأمّا أقل ما يجزئ منه، فهو خمس كلمات: التحيات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا

رسول الله، ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال في "الأم": لو اقتصر على هذا كرهته وأجزأه، وهذا لنه يأتي على معنى الجميع.
وقال ابن شريح: أقل التشهد أن يقول: التحيات لله، سلامٌ عليك أيها النبي، سلام على عباد الله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فاكتفى بذكر السلام عن ذكر الرحمة، واكتفى بذكر عباد الله عن قوله: علينا، لأن الكل عباد الله، ولم يشترط الصالحين، لأن الإضافة تدل على ذلك كقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: 42]، الآية.
ولم يعد ذكر الشهادة، لأن حرف العطف دليل عليه.
وقال القاضي الحسين: يكفي أن يقول: أيها النبي، وعلى عباد الله [94 أ/ 2]، وإعادة لفظ السلام قبل قوله: عباد الله لا يشترط، بل يكفي حرف العطف.
فرع لو قال: صلى الله عليه محمد بدل قوله: أللهم صلِّ على محمد، وجهان.
والموالاة شرط بين كلمات التشهد حتى لو تركها لا يحتسب، ولو قال: اللهم صلِّ على الرسول، لا يجوز حتى يسمي محمدًا.
وأمّا سر التحيات، قال ابن عباس رضي الله عنه: التحيات العظمة والصلوات: الصلوات الخمس والطيبات: الأعمال الصالحة.
وقال أبو عبيد: قال أبو عمرو: التحيات: الملك، وأنشد قول زهير: وّكُلُّ مَا نَالَ الفَتَى قَدْ نِلتُهُ إِلَّا التَّحِيَّةْ وقيل: الطيبات: هو الثناء على الله تعالى.
وقيل: معناها الحلالات.
فأمّا السلام، ففيه قولان: أحدهما: اسم السلام، والسلام: هو الله تعالى، كما يقال: اسم الله عليك.
والثاني: معناه سلم الله عليك تسليمًا وسلامًا.
فَرْعٌ آخرُ قال في "الأم": "لو قدّم بعض ألفاظها على بعض أجزأ كما يجزئه في الخطبة"، وهذا نص على أنه لا يجب الترتيب فيه والتحرير أنه ذكر واجب من غير جنس المعجز، فلا يجب الترتيب فيه كالخطبة.
فَرْعٌ آخرُ قال: يلزم كل مكلف من المسلمين أن يتعلم التشهد والصلاة على الرسول - صلى الله عليه وسلم - كما يتعلم عدد الركعات والركوع والقراءة، فإن كان لا يحسنها نُظر، فإن كان ذكيًا واتسع

الوقت، ففرضه التعليم، وإن قصر حتى فات التعليم صلّى وأعاد، وإن ضاق الوقت على الذكي أو اتسع على البليد فلم يتعلم صلّى على حسب حاله، فإن كان يحسن غير ذلك من الذكر أتى به، وإن كان لا يحسن أجزأه بغير ذكرٍ.
وجملته أن الحكم فيهما كالحكم في القراءة، ولو بدل عربية فيها بغيرها لا يجوز، لأنه تغيير نظمه.
فَرْعٌ آخرُ قال: المستحب لمن كان إمامًا أن يرتّل التشهد بحيث يعلم أن ثقيل اللسان خلفه [94 ب/ 2] قد أتى به، فإن حذف ذلك ولم يرتب كره وأجزأه.
فَرْعٌ آخرُ قال: السنة، إخفاء التشهد، وكذلك كل ذكر حال السجود وغيره إلا السلام.
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "من السنة الإسرار بالتشهد".
مسألة: قال: "ثم يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ". هذا كما قال: الصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركنٌ من أركان الصلاة لا تتم الصلاة إلا به، وبه قال ابن مسعود وأبو مسعود البدري رضي الله عنهما وإسحق وأحمد في رواية.
وقال مالك وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي: "يستحبّ ذلك، ولا يجب"، واحتجّوا بما روى ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "علّمه التشهد، ثم قال: "إذا قلت هذا أو قضيت هذا، فقد تمت صلاتك".
وهذا غلط لما روت عائشة رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لا يقبل الله صلاة إلا بطهور، والصلاة عليَّ".
وروي أنه - صلى الله عليه وسلم -، قال: لا صلاة لمن لم يتشهد، ولم يصلِّ عليّ".
وأما خبرهم نحمله على أنه كان في الأول، أو معناه: قارب التمام كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من وقف بعرفه فقد تم حجّه"، أي: قارب التمام بدليل أنه يجب الخروج من الصلاة بالإجماع، فإذا ثبت هذا، فالأفضل فيها أن يقول ما روى كعب بن عمرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في الصلاة: "أللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد، وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
وروي أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: 56]، الآية.
قالوا: يا رسول الله قد عرفنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ فقال: "قولوا: اللَّهم صلِّ على محمد" على ما رواه كعب ولم يرو في الخبر، قوله: وارحم محمدًا وآل محمد، ولا قوله: "ترحّمت على إبراهيم"، وليس بفصيح أيضًا، لأنه يقالُ:

رحمته، ولا يقالُ: [95 أ/ 2] ترحمته، ولأن الترحم معنى التكلف، وليس ذلك من صفات الله تعالى، ويرجع معناه إلى الشفقة والرقّة، ولا يجوز ذلك على الله تعالى.
ذكره القفّال: والواجب الصلاة على محمد - صلى الله عليه وسلم - وحده فيقول: "أللهم صلِّ على محمد".
وأما الصلاة على آل محمد يستحب ولا يجب، وهو المذهب.
ومن أصحابنا من قال: إنها واجبة، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: قولوا: "اللهم صلِّ على محمد وعلى آلِ محمد".
وروي هذا عن أحمد، وقد روى أبو سعيد الأنصاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "من صلّى صلاة ولم يصلِّ عليّ وعلى آل بيتي لم تقبل"، وهو خلاف الإجماع، ولا يجب ذكره في الأذان، والإيمان فكذلك في الصلاة بخلاف ذكر الرسول - صلى الله عليه وسلم -. وأما تفسير الآل، قال الماسرجسي: سمعت أبا إسحق المروزي يقول: المراد بآل محمد ههنا بنو هاشم وبنو المطلب، كما أن المراد بذي القربى في تحريم الصدقات المفروضات وسهم ذوي القربي من خمس خمس الفيء والغنيمة هؤلاء وهذا لأن الآل منقلب عن أهل وهؤلاء أهل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو مذهب الشافعي.
وقيل: المراد به من كان على دينه، وهم جميع أمته لقوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 46]، وأراد به من كان على دينه.
وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن آل محمد، فقال: "كل مؤمنٍ تقي إلى يوم القيامة"، والأول أصح.
ثم إذا فرغ من الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وآلهِ دعا بما أحب من أمر دين ودنيا.
قال أصحابنا: ويستحب أن يقول ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا تشهّد أحدكم، فليستعذ بالله من أربع: من عذاب النار، وعذاب القبر، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجّال ثم يدعو لنفسه بما بدا له".
وروى أبو داود بإسناده عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: كان رسول الله [95 ب/ 2]- صلى الله عليه وسلم - يعلّمنا كلماتٍ، ولم يكن يعلّمناهنّ كما يعلّم التشهد، وهي: أللهم ألفّ بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، وأهدنا سبل السلام، ونجّنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وأزواجنا وذريتنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمك، وأتمها علينا وأثبتها".
وروى عليّ رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول من التشهّد والسلام: "أللهم اغفر لي ما قدمت وما أخّرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخّر، لا إله إلا أنت"، وجملته أن كل دعاء يجوز خارج

الصلاة من أمر الدين والدنيا يجوز في الصلاة.
وقال أبو حنيفة: "لا يدعو إلا بما يشبه ألفاظ القرآن والأدعية المأثورة، ولا يدعو بما يشبه كلام الناس".
ومن أصحابنا من قال: لا يطلب إلا من الله تعالى، يدعو به فيها، وما يجوز أن يطلب من المخلوقين إذا دعا به في الصلاة بطلت صلاته، وهذا غلط لقوله - صلى الله عليه وسلم - في خبر ابن مسعود رضي الله عنه بعد ذكر الشهادتين في التشهد: "ثم ليتخير أحدكم من الدعاء ما أعجبه"، ولأن دعاء الله تعالى يجوز خارج الصلاة، فجاز في الصلاة كالدعاء المأثور.
مسألة: قال: "ويدعو قدرًا أقل من التشهد والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ". وهذا كما قال: هذا نقل المزني.
وقال في "الإملاء": ويدعو بقدر التشهد، ولم يذكر الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا ليس باختلاف القول، فإن الأقل من قدر التشهد، والصلاة على الرسول - صلى الله عليه وسلم - كقدر التشهد، وقد بيّنه في "الأم"، فقال: "أرى إذا كان إمامًا أن يدعو أقل من قدر التشهد والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - قليلًا [96 أ/ 2] ليخفف على من خلفه".
وهذا خلاف النص الذي ذكرنا، ولم يذكره أحدٌ من أهل العراق.
مسألة: قال: "ويفعلون مثل فعله إلا أنه إذا أسر قرأ من خلفه، وإذا جهر لم يقرأ من خلفه"، وهذا كما قال: أراد به أن المأموم يتبع الإمام فيفعل مثل فعله في كل ما ذكرناه ويتأنى الإمام في الخفض والرفع بحيث يمكن من خلفه أن يتبعه ويقتدي به من غير مشقة.
وأمّا القراءة، فاختلف قول الشافعي فيها، قال في "الأم" و "الإملاء"، وكتاب الجمعة من "الجديد": "المأموم كالمنفرد يقرأ فيما يسرّ به ولا يقرأ فيما يجهر به".
وبه قال مالكٌ وأحمد وإسحق وداود وعبد الله بن المبارك.
وروى ذلك عن عائشة وأبي هريرة والزهري رضي الله عنهم، وقال في البويطي و "الأم": "يلزمه أن يقرأ فيما أسرّ وجهر"، وهو الصحيح.
وقال الربيع: رجع الشافعي عن القول الأول.
وبه قال عمر وابن عباس وأبي بن كعب وعليّ في رواية رضي الله عنهم، والليث والأوزاعي وأبو ثور وابن المنذر.
وقال أبو حنيفة والثوري وسفيان بن عيينة: "لا يقرأ المأموم بحالٍ".
وروي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وأنس وجابر وعليّ وفي رواية رضي الله عنهم، واحتجوا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من كان له إمامٌ فقراءة الإمام له قراءة"، وهذا غلط لما روى أبو داود بإسناده عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، قال: كنا خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الفجر، فقرأ

رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فثقلت القراءة عليه، فلما فرغن قال: "لعلكم تقرؤون [96 ب/ 2] خلف إمامكم؟ " قلنا: نعم هذا يا رسول الله، قال: "لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرا بها"، والهذ سرد القراءة، وتداركها في سرعة واستعجال.
وقيل: أراد بالهذ الجهر بالقراءة، وكانوا يلبسون عليه قراءته بالجهر، وإنما نهى عن الجهر، أو عن الزيادة على الفاتحة، ويحمل خبرهم على هذا أيضًا.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ن قال: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج، فهي خداج، فهي خدام غير تام".
قال أبو السائب رواية عن أبي هريرة، فقلنا: يا أبا هريرة، فإني أكون أحيانًا وراء الإمام فغمز ذراعي، وقال: اقرأ يا فارسيّ في نفسك، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين.... ". الخبر.
وقوله: فهي خداج"، أي: ناقصة نقص فساد وبطلان.
تقول العرب: أخدجت الناقة إذا ألقت ولدها، وهو دم ولم يستبن خلقه.
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطب الناس فقال: من صلى صلاة مكتوبة فليقرأ فيها بأم القرآن، وقرآن معها، فإن انتهى إلى أم القرآن فقد أجزأت عنه ومن كان مع الإمام، فليقرأ قبله، وإذا سكت، ومن صلى صلاة لم يقرأ فيها فهي خداج".
فرع ثلاثة إذا قلنا: لا يقرأ خلف الإمام: أحدها: إذا جهر في صلاة السر، هل يقرأ المأموم؟ وجهان: والأصح يقرأ لأنه جهر في غير موضعه.
والثاني: لو أسّر في صلاة الجهر، هل يقرأ؟ وجهان: أحدهما: يجب، لأنه لم يتوجه عليه فرض الاستماع.
والثاني: لا يجب اعتبارًا بأصل الصلاة.
والثالث: إذا كان على بعد من الإمام بحيث لا يسمع، هل يجب أن يقرأ؟ وجهان: أحدهما: يقرأ.
والثاني: لا يقرأ، لأن الصلاة مما يجهر فيها، والبعد عن الإمام لا يجوز أن يكون سببًا لإيجاب الفرض على المأموم.

فَرْعٌ آخرُ قال في البويطي: [97 أ/ 2] وأحبّ أن يكون ذلك في سكتة الإمام قبل أن يقرأ لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان إذا كبرّ في الصلاة سكت هنيهةً قبل أن يقرأ، قلت: بأبي أنت وأمي ما تقول في سكتتك بين التكبير والقراءة.
قال: أقول "أللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بني المشرق ولالمغرب، ونقني من الذنوب كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني بماء الثلج والبرد".
وقال سمرة رضي الله عنه: "حفظت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سكتتين في الصلاة سكتة إذا كبرّ حتى يقرأ، وسكتة إذا فرغ من قراءة فاتحة الكتاب"، فأنكر عليه عمر، فكتب في ذلك إلى أبيّ بن كعب رضي الله عنه، فكتب إليه أن سمرة قد حفظ.
ولا ينبغي أن يقرأ معه.
وروي أنه كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث سكتات في الصلاة، وقال أصحابنا: سكتة بعد الإحرام، وأخرى بعد الفاتحة، وأخرى في الركعة الثانية، ولو قرأ قبل أن يبتدئ الإمام يجوز، وفيه وجهٌ أنه لا يجوز كما لو رفع قبله، وهذا لا يصحّ، لأنه لا يظهر به المخالفة.
ولهذا له أن يؤخّر القراءة عن قراءته بخلاف الركوع، ولو كان في صلاة السرّ، فالأولى أن يؤخرّ مقدار ما يعلم أن الإمام قرأ الفاتحة، فإن قرأ قبله، فقد ذكرنا، ولو علم أنه لا يمكن من قراءتها بعد قراءته يقرأ معه.
وأما قراءة السورة لا يختلف المذهب أنه تسن له قراءة السورة مع الفاتحة في صلاة السرّ أو كان في صلاة الجهر في موضع لا يسمع قراءة الإمام، لأنه غير مأمور بالإنصات إلى غيره، فهو كالإمام والمنفرد، وإن كان الإمام يجهر بالقراءة، وهو يسمع قراءته اقتصر على الفاتحة، ولا يستحب الزيادة فيها.
وهذا لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلّى صلاة الظهر بالقوم، فلما انفتل، قال: "أيكم قرأ: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1]، فقال رجل: أنا، فقال: "علمت أن بعضكم خالجنيها"، ومعناه: [97 ب/ 2] جاذبنيها، وإنما أنكر عليه مجاذبته في قراءة السورة حين تداخلت القراءتان وتجاذبتا ونهى عن قراءة السورة خلفه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: الأصحّ أنه لا يقرأ خلفه سوى الفاتحة بحالٍ، وفيه وجهان، وهو غلطٌ ظاهٌر، وهكذا نقول فيمن تباعد عن الخطيب ولا يسمع خطبته، يقرأ القرآن في نفسه، وذكروا وجهًا آخر أنه لا يقرأ شيئًا، وليس بشيء.
فَرْعٌ آخرُ المنفرد يجهر في صلاة الجهر سنّة عندنا خلافًا لأبي حنيفة، والأصل في هذا أن الجهر عنده شرع للإمام للإسماع، فإن المأموم لا يقرأ.
وعندنا يجهر، لأنه سنّة مقصودٌة.

فَرْعٌ آخرُ لو نسي الفاتحة حتى ركع الإمام، فيه ثلاثة أوجٍه: أحدها: يركع معه ويعيد ركعةً في آخرها، وهو الأصح.
والثاني: يقرأها ويتابع الإمام، لأن النسيان عذرٌ كما لو تأخر عن الإمام بعذٍر.
والثالث: يقرأها وحكمه حكم من تخلف بغير عذر، لأن الناسي لا يخلو عن تفريط.
فَرْعٌ آخرُ قال بعض أصحابنا: هل يسن للمأموم قراءة السورة؟ في ثلاثة أوجه، فإذا قلنا: يسنّ: هل يسنّ في الركعتين الأخيرتين؟ وجهان كالمنفرد.
مسألة: قال: "ثم يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله".
الفصل وهذا كما قال: جملته أن الخروج من الصلاة ركن يتعين فيه السلام مع القدرة، ولا يقوم غيره مقامه، وبه قال الثوري وجماعٌة.
وقال أبو حنيفة: الخروج من الصلاة واجبٌ، ولكن لا يتعين له السلام، فيخرج منها بكل ما ينافي الصلاة من فعله كالحدث ونحوه، ويسنّ أن يكون السلام، وهذا غلط لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وتحليلها التسليم"، ولأنه ذكر في أحد طرفي الصلاة، فكان واجبًا كالتكبير في أول الصلاة.
ثم أعلم أن التسليمة الأولى عندنا في الصلاة.
وقال أصحاب أبي حنيفة: ليست من الصلاة، بل يخرج بها من الصلاة، وهذا غلط، لأنه ذكر شرع في محل [98 أ/ 2] من الصلاة، فلا يجوز أن يرد عليه ما يفسد الصلاة، فكان فيها، فإذا تقرر هذا، فالكلام فيه في فصلين: أحدهما: في الكمال.
والثاني: في الإجزاء.
فأمّا الكمال، فإن كان المسجد كبيرًا وكثر الناس واللغط في المسجد يسلم تسليمتين، تسليمة عن يمينه وتسليمة عن شماله، وإن كان المسجد صغيرًا أو كبيرًا وقلّ الناس فيه، فيه قولان في "القديم": يقتصر على تسليمة واحدة، لأنه بلغنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "سلّم واحدة، وأنه سلّم اثنين"، فيحمل على حالين.
وقال في "الأم": "يسلّم تسليمتين"، وهذا أصح لما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "لم أنسَ تسليم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن يمينه وشماله: السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله"، ولأنه زائد فكان أولى.
وبه قال أبو بكر الصديق وعليّ بن أبي طالب وعمار بن ياسر وأبو مسعود الأنصاري رضي الله عنهم، وأبو حنيفة والثوري وأحمد وإسحق رحمهم الله.

وقال مالك والأوزاعي: يسلم تسليمة واحدة بكل حال.
وروي عن ابن عمر وأنس بن مالك، وسلمة بن الأكوع وعائشة والحسن وابن سيرين وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم، واحتج بما روت عائشة رضي الله عنها، قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسلم في الصلاة تسليمة واحدة، تلقاء وجهه، وكان يميل إلى شقّه الأيمن قليلًا"، قلنا: قبل رواية عمرو بن أبي سلمة، وهو ضعيف، فإن ثبت لعله كان في الأول، ثم نسخ.
وذكر بعض أصحابنا بخراسان: إن قوله القديم مثل قول مالك، وهو غلط، فإذا قلنا: يسلم تسليمة واحدة، نقل كما روت عائشة رضي الله عنها، وإذا قلنا: يسلم تسليمتين سلم عن يمينه وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، حتى يرى بياض خديه إمامًا، كان أو مأمومًا.
واختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من قال: معناه حتى يُرى خدُّه الأيمن عن الجانب الأيمن وخده الأيسر [98 ب/ 2] عن الجانب الأيسر، ومنهم من قال: معناه حتى يرى خداه من الأيمن، ثم من الأيسر، وعليه يدلّ خبر ابن مسعود رضي الله عنه، واللفظ يحتمل الوجهين.
وفرع الشافعي على هذا فقال: "إذا سلم الإمام تسليمة واحدة على اعتقاده، فالمأموم يسلم تسليمتين ولا يتبعه فيما يفعل"، لأنه خرج من إمامته، وبهذا فارق إذا ترك الإمام التشهد الأول تابعه المأموم، ولا يقرأه، لأنه لم يخرج عن إمامته ههنا، فيلزمه متابعته.
وما قدر الإجزاء فتسليمة واحدة، قال في "الأم": أقل ما يكفيه من تسليمه السلام عليكم، فإن نقص منه حرفًا عاد فسلم، فإن لم يفعل حتى قام عاد فسجد للسهو، ثم سلم، فإن تطاول الفصل استأنف الصلاة قولًا واحدًا.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يبني أم يستأنف؟ قولان.
كما لو ترك سجود السهو وتطاول الفصل بعد السلام هل يعيد؟ قولان: وهذا ضعيف، لأن ههنا ترك ركنًا بخلاف ذاك.
وقال الحسن بن صالح رضي الله عنه: عليه تسليمتان، وهذا أصحّ الروايتين عن أحمد.
واحتجوا بخبر ابن مسعود رضي الله عنه في السلام، وهو غلطٌ لخبر عائشة رضي الله عنها في السلام، وخبرهم محموٌل على الاستحباب.
فرع لو قال: سلام عليكم، ولم يُنَوِّنْ لا يجوز قولًا واحدًا، وإن قال: سلامٌ عليكم بالتنوين، فيه وجهان:

أحدهما: لا يجوز، لأنه أسقط حرفين، وهو ظاهر قوله في "الأم".
والثاني: يجوز، لأن التنوين يقوم مقام الألف واللام، وهو الأقيس، لأنه يجزئه في التشهد بكلا اللفظين: السلام وسلامٌ.
ومن قال بالأول: أجاب عن هذا بأن الخبر ورد هناك بكلا اللفظين، ولم يرد في آخر الصلاة، إلا بالألف واللام.
فَرْعٌ آخرُ لو قدّم وأخّر، فقال: عليكم السلام، قال أبو إسحق: "يجزئه"، ونص على جوازه في كتاب "استقبال القبلة" في آخر "باب السلام"، فقال: "لو قال [99 أ/ 2] هكذا كرهته، ولا إعادة عليه"، وهو كالتشهد، يجوز تقديم وتأخيرها.
وقال القاضي أبو حامد في "الجامع" من أصحابنا من قال: لا يجوز، ويلزمه أن يأتي مرتبًا، وهذا ضعيٌف.
فَرْعٌ آخرُ كيف ينوي عند السلام؟ فإن كان منفردًا نوى عن يمينه الخروج من الصلاة والسلام على الحفظة، وهم الملائكة، وإن كان إمامًا نوى عن يمينه ثلاثة أشياء: الخروج من الصلاة، والسلام على الحفظة، والسلام على من على يمينه من المأمومين.
ونوى عن يساره شيئين: السلام على الحفظة، وعلى المأمومين الذين عن يساره.
وأما المأموم ينظر، فإن كان على يمين الإمام نوى عن يمينه ثلاثة أشياء: الخروج من الصلاة، والسلام على الحفظة، والسلام على الحاضرين من ناحيته في صفّه.
ووراءه: وقدّامه، وينوي عن يساره ثلاثة أشياء: السلام على إمامه، والسلام على الحفظة، والسلام على الحاضرين من ناحيته.
وإن كان على يسار الإمام نوى عن يمينه أربعة أشياء: الخروج من الصلاة، والسلام على الإمام، والسلام على الحفظة، والسلام على الحاضرين وعن يساره، ينوي شيئين: السلام على الحفظة، والسلام على الحاضرين.
والأصل فيه ما روى سمرة رضي الله عنه، قال: أمرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن نسلّم على أنفسنا، وأن يسلّم بعضنا على بعض"، وقيل: يسلّم على مسلمي الجن والإنس والملائكة، وإن كان حذاء الإمام من خلفه.
قال في "الأم": "هو بمنزلة كونه على يسار الإمام"، فإن نوى السلام على إمامه في الأولى وإلا نواه في الثانية.
وقال بعض أصحابنا: هو بالخيار ههنا إن شاء يردّ على الإمام عن يمينه، وإن شاء ردّ على الإمام عن يساره.
ذكره أبو حامٍد.
فَرْعٌ آخرُ لا يختلف المذهب أن ما عدا نيّة الخروج من الصلاة مستحبٌة غير واجبٍة.
وأما نية الخروج منها

قال أصحابنا: لا نص فيه للشافعي لو اختلف أصحابنا فيها، فقال عامة أصحابنا: هي واجبة.
وهو ظاهر نص القاضي في البويطيّ، [99 ب/ 2] فإنّه قال: ينوي بالتسليمة الأولى الخروج من الصلاة، وهو اختيار ابن أبي أحمد، وهذا لأنه ذكر في أحد طرفي الصلاة، فكان واجبًا كالطرف الآخر.
وقال أبو حفص بن الوكيل وجماعة من أصحابنا: لا يجب ذلك كما لا يجب عليه نية الخروج من الحج، وهذا لأن نية الصلاة في الابتداء قد اشتلمت على جميع أقوالها وأفعالها المشرعة فيها والسلام من جملتها، فلم يحتج إلى نيٍة منفردٍة، وهو اختيار القاضي الطبري، وهو الصحيح عندي، وعند مشايخ خراسان، ولهذا لو نوى الخروج من الصلاة من غير تعيين الصلاة التي هو فيها، يجوز بالإجماع، فلو كانت النية واجبة ي آخرها لوجب تعيينها كما في ابتدائها.
فَرْعٌ آخرُ لو عيّن فأخطأ، قال بعض أصحابنا بخراسان: إن قلنا: نية الخروج لا تشترط لم يضره، وإن قلنا: تشترط لم يصحّ سلامة فيسجد للسهو ثم يسلم مرة أخرى، ولو تعمد إلى هذا بطلت صلاته.
وعندي أنه لا يصح سلامه بحال على الوجهين جميعًا لأن نية الخروج وإن كانت لا تشترط فإذا أتى بها على الخلاف يمنع احتساب السلام.
فَرْعٌ آخرُ إذا فرغ من السلام يستحب أن يدعو إمامًا كان أو منفردًا، والمستحب أن يكون الدعاء ما روى ابن الزبير رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سلّم من صلاته، يقول بصوته الأعلى: "لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا نعيد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله، مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون".
وقال الشافعي في كتاب الصلاة: وبأي دعاء دعا جاز.
وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول: "اللهم أنت السلام، ومنك السلام، وإليك يعود السلام"، وكلما أكثر من الدعاء بعد المكتوبة كان أحب إليّ رجاء الإجابة.
فَرْعٌ آخرُ الأفضل الإخفات في هذا الدعاء إذا كان منفردًا أو مأمومًا والإمام ينظرُ [100 أ/ 2]، فإن لم يكن بالناس حاجة إلى تعلمه، فالأفضل الإخفات أيضًا، وإن كان بهم حاجة إلى تعلمه، فالأفضل الإعلان بقدر ما يرى أنهم حفظوه، ثم يرجع إلى الإخفات، وعلى هذا يحمل جهر النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا نريد الإخفات أن يذكر في قلبه بل ينطق بقدر ما يسمع نفسه.

قال الله تعالى: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: 110]، يعني: به الدعاء، ومعناه: لا تجهر برفع صوتك ولا تخافت بها حتى لا تسمع نفسك.
قال الشافعي: وعامة الرواية سوى رواية ابن الزبير من غير ذكر الجهر.
فَرْعٌ آخرُ قال بعض أصحابنا: يستحب إذا صلى الصبح أن يشتغل بذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس لما روى أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لئن أجلس مع قوم يذكرون الله من الصبح إلى طلوع الشمس أحبّ إليّ مما طلعت عليه الشمس"، الخبر.
مسألة: قال: "ويثب ساعة ما يسلم إلا أن يكون خلفه نساء فيثبت لينصرفن قبل الرجال".
وهذا كما قال: أراد به أن الإمام يسرع القيام ساعة السلام فعبّر عن سرعة قيامه بالوقوف، وإنما قال ذلك لخبر روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: "إذا سلّم إمامكم ولم يقم فأنحوه، ولأنه لو أقام على حاله لا يأمن أن يلحقه السهو أو الشك في السلام، وربما يدخل داخلٌ فيعتقد أنه جالسٌ في الصلاة فيدخل معه، ثم إن كانت صلاة يُنتفّل عقبيها يثبت عقيب السلام، وإن كانت صلاة يلا ينتفل عقيبها يتحول عن مكانه أو ينصرف.
وقيل: يقبل بوجهه على القوم إذا لم يرد الانصراف ولا التنفل ويتبعه المأموم في هذا، فإن مكث الإمام ولم يثبت فالمستحب للمأموم أن يتوقف ولا يقوم ويتبعه فإنه ربما يتذكر سهوًا فيسجد له فإن وثب وتركه، فلا شيء عليه.
قال في "الأم": "وللمأموم أن ينصرف إذا قضى الإمام السلام قبل قيام الإمام وإن أخّر ذلك [100 ب/ 2] حتى ينصرف بعد الإمام أو معه كان ذلك أحبّ إليّ"، وقال في "الأم": "وإذا أراد الانصراف، فإن كان له حاجة انصرف حيث ما توجهت به حاجته يمينًا وشمالًا وتلقاء وجهه، ومن ورائه".
والحاجة كالدخول إلى منزله.
وهذا يتصوّر إذا كان في مسجد له أبواب كثيرة، أو كان في فضاء، فإن كان للمسجد باب واحد خرج منه، وإذا خرج انصرف على ما ذكرناه، وإن لم يكن له حاجة، فالمستحب أن ينصرف عن يمينه، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يحبّ التيامن في كل شيء".
وقال القفّال: "أراد بالانصراف عن اليمين أنه يقعد على الجانب من المحراب الذي كان يلي يمينه عند الاستقبال للقبلة والانصراف عن اليسار أن يقعد عن الجانب الآخر الذي كان يلي يساره عن استقباله"، وهذا هو المسنون عند أبي حنيفة، وعندنا ذلك هو

المستحب المسنون.
وفي كيفية الانتقال، اختلف أصحابنا، قال الأكثرون: يفتل يده اليسرى ويكون يمينه إلى القبلة، واليسار إلى القوم، ويجلس على الجانب الأيمن من المحراب.
وقال بعضهم، وهو اختيار القفّال: يفتل يده اليمنى ويكون يساره إلى القبلة ويمينه إلى الناس كما قلنا في الطواف، يجعل الكعبة عن يساره واليمين إلى الناس، ويجلس على يمين المحراب، ولأنه أحين في الأدب فربما يقتدي به واحدٌ، فإذا فعل ذلك كان مقبلًا بوجهه فيه، ولا يكون موليًا ظهره عليه، وعلى أي الجانبين قعد، فلا بأس، وقيل: ظاهر هذا أنه لا يشتغل بالدعاء في الجلوس بعد السلام.
وذكر أبو حامد: ويثبت ساعة يفرغ من الدعاء، وهو خلاف النص، ولا يفوته الدعاء بالقيام والإقبال على القوم بالوجه فيدعو في تلك الحالة الدعاء المشروع، ولو كان خلفه رجال ونساء.
وقال الشافعي: "يثبت عقيب السلام في موضعه حتى ينصرف النساء".
قال في "القديم": لا يلحقهن سرعان الرجال فيختلطون بهم، والأصل في هذا [101 أ/ 2] ما روت أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "كان إذا سلّم قام النساء حين يقضي صلاته فيمكث يسيرًا قبل أن يقوم".
قال الزهري: نرى، والله أعلم، أن مكثه لينصرف النساء قبل أن يدركهن الرجال.
وقال الحسن: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلّون في المسجد الجامع فمن كان بيته من قبل بني تميم انصرف عن يساره ومن كان بيته مما يلي بني سليم انصرف عن يمينه، فمن بالبصرة، وهذا يدلّ على ما سبق.
فرع قال الشافعي: إذا أراد التنفل بالصلاة، فالأفضل أن يتنفل في بيته.
وقيل: إلا يوم الجمعة، فإنه ينتفل ظاهرًا في المسجد، وهو الأولى لما روى زيد بن ثابت رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة".
وهذا مع قوله - صلى الله عليه وسلم -: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في غيره".
وروى عبيد الله عبد الله بن عمر عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا"، ولأن المسجد بني للجماعة

والنافلة لم تسن لها الجماعة فكانت في البيت أولى، ولأنها في البيت أسلم من الرياء، والفرائض بُعدى عن الرياء حيث كان يفعلها العامة والخاصة، ولأن الفرائض شعار الإسلام، فاستحب فيها الإظهار بخلاف النافلة.
فَرْعٌ آخرُ جرت عادة بعض الناس يسجدون بعد الفراغ من الصلاة فيدعو فيها وتلك سجدة لا يعرف لها أصل ولم تنقل عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - والصحابة رضي الله عنهم.
مسألة: قال: "ويقرأ بين كل سورتين: بسم الله الرحمن الرحيم".
وهذا يوهم أن بسم الله الرحمن الرحيم، تسنَ في أول كل سورة، والمذهب خلافه، وهذا اللفظ متأول على أنه قصد به الرّد على من قال: لا يقرأ بها أصلصا، وقد مضى حكم هذا.
والمزني أحلّ به في موضعه، [101 ب/ 2] وذكره ههنا.
وقوله: فعله ابن عمر، أراد به أنه كان يجهر به.
مسألة: قال: "فإن كانت الصلاة ظهراً أو عصرًا أسَرَّ القراءة في جميعها".
وقد مضى بيان هذا، والجهر والإسرار من جملة هيئات الصلاة.
وقيل في تفسير قوله تعالى ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: 110]، أراد: اجهر في البعض وخافت في البعض.
مسألة: قال: "وإذ رفع رأسه من الركعة الثانية من الصبح وفرغ من قوله: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، وهو قائم قال: اللهم اهدني فيمن هديت".
الفصل وهذا كما قال: جملته أن القنوت في صلاة الصبح مستحب إذا رفع رأسه من الركعة الثانية، فإن تركه عامدًا أو ناسيًا سجد للسهو، وبه قال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأنس رضي الله عنهم، والحسن ومالٌك وابن أبي ليلى والحسن بن صالح والأوزاعي.
وقال أبو حنيفة: لا يستحب ذلك.
وبه قال الثوري، وروى ذلك عن ابن عباس وابن عمر وابن مسعود وأبي الدرداء رضي الله عنهم وربما يقولون: إنه بدعة.
وقال أبو حنيفة: "لو قنت إمامه سكت هو ولم يقنت قنوته"، وقال أبو يوسف: "قنت بقنوته"، ويرى هذا عن محمد، وحكى الساجي عن أحمد أنه قال: "لا بأس بالقنوت فيها".
وروي عن أحمد أنه قال: "القنوت للأئمة يدعون للجيوش، فإذا ذهب إليه ذاهب، فلا بأس، وإمام الجيوش والسلطان فعله".
وقال إسحاق: "هو سنّة عند الحوادث لا تدعه إلا به".
واحتجوا بما روت أم سلمة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن القنوت في الفجر".
وروى ابن مسعود وأنس

رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "قنت شهرًا ثم ترك".
وهذا غلط لما احتجّ الشافعي، وهو ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "قنت قبل قتل أهل بئر معونة، ثم قنت بعد قتلهم في الصلاة سواها"، أي: في سائر الصلوات سوى الصبح، مع الصبح [102 أ/ 2] ثم ترك القنوت في سواها.
وهذه إشارةٌ إلى قصة نذكرها، وذلك أن رجلًا يقال له: أبو البراء ولقبه ملاعب الأسنة من سادات نجد من المشركين قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفدًا من قبل نجٍد فأهدى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قلم يقبل هديته، وقال: "لا نقبل هدية مشرك، فإن أحببت أن أقبل هديتك فأسلم"، فقال: اعرض عليّ الإسلام، فعرض عليه، وتلا عليه القرآن، فلم يسلم، وقال: ما تقوله حسنٌ، ولكني وفد قومي، فأرى أن تبعث من أصحابك من يعرض عليهم الإسلام ويقرأ عليهم القرآن، فإني أرجو أن يسلموا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إني أخاف على أصحابي نجدًا"، فقال: أنا جارٌ لهم، إني خفير، وندب النبي - صلى الله عليه وسلم - ستين رجلًا من أصحاب الصفة وأمَّر عليهم رجلًا منهم يقال له: المنذر بن عمرو فلما بلغوا بئر معونة من أرض نجد اجتمع عليهم رِعْلٌ، وذكوان وعصية من قبائل نجد ولم ينفذوا أمان أبي البراء، فقتلوهم إلا رجلين منهم، أحدهما عمرو بن أميّة، والآخر أنصاريّ كانا ذهبا في طلب بغير لهما ضلّ، فلما وجدا وانصرفا، فالتقتهما جارية فقالت: هل أنتما من أصحاب هذا الرجل الذي يزعم أنه نبيَّ؟ قالا: نعم، فقالت لهما: النجاة، النجاة، فقد قتل أصحابكما في بطن هذا الوادي، فقال الأنصاري لعمرو بن أمية: ما ترى؟ قال: أرى أن نركب البعير ونلحق برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فنخبره به، فقال الأنصاري: أمّا أنا فلا أرغب عن مصرع صرع فيه المنذر بن عمرو، فوالله لا يردنّ الجنة قبلي، فقال له عمرو: اصبر إذًا حتى أركب البعير وأتوارى، ثم أنت أعلم، قال: نعم، فركب عمرو وسل الأنصاري سيفه وأقبل على أهل الوادي، فقاتل حتى قتل، فأنزل الله تعالى: (أخبورا إخواننا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا إن الله كان غفورًا رحيمًا)، وكان ذلك من القرآن، ثم نسخت تلاوته، [102 ب/ 2] فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك يقنت في جميع الصلوات يدعو على أولئك الكفار باللعنة شهرًا، حتى نزل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: 128]، فنهاه الله عن اللعنة عليهم إذ كان في سابق علمه تعالى أن يُسلم بعضهم، وذلك أنه روي أن رجلًا منهم أسلم بعد ذلك فسئل عن سبب إسلامه، فقال: "إني طعنت يوم بئر معونة رجلًا من المسلمين بحربتي في صدره فنفذ فيه حتى خرج من ظهره، فكأني أنظر إلى بريق سنان رمحي من ظهره، وهو يبتسم في وجهي وأخذ شيئًا من دمه فرمى نحو السماء فقال: فزت وربّ الكعبة، فقلت في نفسي: بم فاز هذا الرجل؟ أليس قد قتلته؟ ثم أُخبرت أنه الشهادة، فقلت: إنه حق، فأسلمت، فلما نزلت هذه الآية ترك النبي - صلى الله عليه وسلم -

القنوت في الصلوات سوى الصبح، وفي الصبح لم يزل يقنت حتى فارق الدنيا".
رواه أنس بن مالك.
وروي أنه سأل أنس: هل قنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الصبح؟، قال: نعم.
قال: قبل الركوع أو بعد الركوع؟، فقال: بعد الركوع، ثم قال: وقنت عمر وعلي رضي الله عنهما بعد الركعة الأخيرة، وإنما لم يذكر عثمان، لأنه في أيامه قدّم القنوت على الركوع ليدرك الناس تلك الركعة، فإنه كان يسفر بصلاة الفجر لأجل أن عمر رضي الله عنه قتل في صلاة الصبح، وكان يفلس بها".
وأمّا خبر أم سلمة نحمله على الدعاء على اللعان أنه تركه ونهى عنه.
ثم صفة القنوت أن يقول: "اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، تباركت وتعاليت".
وجملته ثماني كلمات.
رواه الشافعي بإسناده عن أبي الجوزاء أنه قال للحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، هل عندك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيء، فقال: "كلمات أقولهنّ [103 أ/ 2] في قنوت التوتر"، وذكر هذه الكلمات، وقد زاد بعض أصحابنا: "ولا يعزّ من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، فلك الحمد على ما قضيت، استغفرك وأتوب إليك".
وقالوا: لو قال هذا كان حسنًا.
وقال القاضي الطبري قوله: لا يعزّ من عاديت ليس بحسن، لأنه لا تضاف العداوة إلى الله تعالى، وهذا فيه نظرٌ، لأن مثل هذا جاء في القرآن العظيم: قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 98]، فلا بأس بهذه الألفاظ، وإذا كان إمامًا، قال أصحابنا: الأفضل أن يعم، فيقول: "اللهم، اهدنا" حتى يكون الدعاء له ولغيره من المأمومين، ولو دعا بغير هذا الدعاء جاز، وإن كان المستحب ذلك.
وقال بعض أصحابنا: لو قنت بما روي عن عمر رضي الله عنه كان حسنًا، وهو ما روى نافعٌ عن ابن عمر، قال: قنت رضي الله عنه بعد الركوع في الصبح، فسمعته يقول: "اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ولا نكفر بك، ونؤمن بك ونخلع من يكفرك، اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك الجد بالكفار مُلحق.
اللهم أغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، وأصلح ذات بينهم، وألّفة بين قلوبهم، واجعل في قلوبهم الإيمان

والحكمة وثبتهم على ملّة رسولك، وأوزعهم أن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه، وانصرهم على عدوك وعدوهم، إله الحق واجعلنا منهم.
وروي أن عثمان رضي الله عنه لما كان يجمع القرآن لا يثبت إلا ما اجتمع عليه عدد من الصحابة، فانفرد واحدٌ من الصحابة براوية هاتين السورتين: "اللهم إنا نستعينك" إلى آخره، فقال عثمان رضي الله عنه: "اجعلوها في القنوت"، وإنما أمر به حتى لا تضيّعا، ويستحب أن يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد الدعاء لما روي في حديث الحسن في الوتر، أنه قال: "تباركت وتعاليت" [103 ب/ 2] وصلّى الله على النبيّ وسلم.
أورده أبو عبد الرحمن النسائي في سننه، وقيل: لا يستحب، ولكن يجوز لأنه لم يصحّ الخبر.
وأما القنوت فيما عدا الصبح، فلا يستحب إذا لم يكن نازلة ويُنهى عنه، فإن نزل نازلة بالمسلمين، ولن تنزل إن شاء الله قنت فيها كلها إن شاء الإمام، ثم إذا زالت النازلة ترك القنوت.
وقال الطحاوي: "القنوت في سائر الصلوات لم يذكره غير الشافعي"، وهذا غلط لما رُوي عن علي رضي الله عنه أنه قنت في صلاة المغرب، وهذا محمول على نزول النازلة.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يقنت إلا أن يدعو لأحٍد، أو يدعو على أحٍد.
كان إذا قال: "سمع الله لمن حمده"، قال: "ربنا لك الحمد" وذكر الدعاء.
وقال بعض أصحابنا: إذا لم يكن نازلة، قال في "الأم": "لا يقنت".
وقال في "الإملاء": "إن شاء قنت وإن شاء ترك، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قنت فيها وترك، ولا يقال في هذا: ناسخٌ ومنسوخٌ"، وفي نظر.
والصحيح ما تقدم، وقيل: يقنت في الجمعة والعشاءين وإن لم يكن نازلة فإذا قلنا لا يقنتا فلا كلام وإذا قلنا يقنت فالقنوت بعد الركوع في آخر الصلاة.
وروي عن ابن عمر أنه قال: كان بعض الصحابة يقنت قبل الركوع وبعضهم بعد الركوع، فإن كانت الصلاة مما تسرّ فيها القراءة أسرّ به، وإن كان مما يجهر فيها بالقراءة جهر به، وقال أبو العوام بن حمزة المازني: قلت لأبي عمرو البهزي: القنوت قبل الركوع أو بعده؟ فقال: بعده، فقلت له: عمنّ أخذت هذا؟ فقال: عن أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم.
وحكي عن مالك والأوزاعي وابن أبي ليلى أنه قبل الركوع، وأما المأموم ماذا يفعل في حال قنوت الإمام؟ قال بعض أصحابنا: هل يقنت معه المأموم؟ أم يؤمّن على

دعائه؟ لا نص للشافعي فيه، ولكنه قال: إذا مرّت به آية رحمة سألها، ولذلك المأموم فشرك بينهما في الدعاء، فينبغي أن يكون ههنا مثله.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: [104 أ/ 2] "إذا دعا الإمام فأمّنوا على دعائه".
وقيل في الكلمات التي ليست بدعاء فالمأموم يسكت أن يقول مثله أو يقول: أشهد.
وروى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يدعو على الكفّار ونخن نؤمّن خلفه".
وهذا يدل على أنه يؤمّن، ولا يدعو.
وقال بعض أصحابنا: هذا فيما كان دعاء، فأمّا ما كان ثناء على الله تعالى، فينبغي أن يقول مثله، وقيل: المأموم بالخيار في ذلك إن شاء أمّن في الكل، وإن شاء قرأ معه، فإن التأمين على الدعاء يجري مجراه، فاستويا في حقه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يجهر في القنوت أم يسرّ؟ وجهان.
فإذا قلنا: يجهر، فالمأموم يؤمّن، وإذا قلنا: يسرّ، فالمأموم يقنت أيضًا.
وأمّا رفع اليدين فيه، فلا نص فيه.
وقال أصحابنا: يستحب رفع يديه عند الدعاء لما روي عن عثمان رضي الله عنه أنه "كان يرفع يديه حتى يبدو ضبعاه"، أي عضداه.
وروي أن عمر "قنت ورفع يديه حتى رأي بياض إبطيه".
وروي عن أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "رفع يديه على الكفار".
وروي عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما أنهما "رفعا أيديهما إلى صدورهما".
ومن أصحابنا من قال: يقتضي المذهب أنه لا يرفع، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - "لم يرفع اليد إلا في ثلاثة مواطن في: الاستسقاء، والاستنصار، وعيشة عرفة".
ولأنه دعاء في الصلاة فلم يستحب له رفع اليد كالدعاء في التشهد.
وقال القاضي الطبري مرةً: أنه لا يرفع وهو اختيار القفّال.
وقال مرةً: أنه يرفع، والأولى عندي هذا، وأنا أرفع اليدين فيه.
وقال بعض أصحابنا: يستحب أن يمسح يديه على وجهه عند الفراغ من الدعاء لما روي محمد ابن كعب عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: إذا دعوت فادع الله ببطون كفك، ولا تدع بظهورهما، فإذا فرغت فامسح راحتيك على وجهك"، [104 ب/ 2] ولا يمسح يديه على غير وجهه من بدنه، فإن فعل ذلك كان مكروهًا.
وروى بعض أصحابنا بخراسان: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان إذا قنت يرفع يديه شاهرًا، ثم يمسح بهما على وجهه".
وفي هذا نظر وأنا لا أفتي بهذا.
فرع قال بعض أصحابنا: لو أراد أن يدعو في القنوت لقوم أعيانهم، أو على قوم

بأعيانهم، جاز لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "اللهم العن رعلاً وذكوان وعصية، وأنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام"، الخبر.
وفي هذا نظرٌ عندي.
مسألة: قال: "والجلسة فيها كالجلسة في الرابعة".
وأراد بها التورك.
وقد ذكرنا ذلك، وذكر بعد هذا كيفية التشهد، وقد مضى ذلك.
مسألة: قال: "ومن ذكر صلاة، وهو في أخرى أتمها ثم قضى".
وهذا كما قال: من فاتته صلوات تركها عامدًا أو ناسيًا، أو نام عنها حتى فاتت أوقاتها استقرت في الذمّة وسقط الترتيب فيها، ويجوز أن يقدمها على صلاة الوقت، ويجوز تقديم صلاة الوقت عليها قلّت أو كثرت إلا أنه إن ذكرها، وهو في صلاة أخرى أتمها، ثم قضى ضيقًا كان الوقت أو واسعًا، وإن ذكرها قبل أن يتلبس بها، فإن كان الوقت ضيقاً بحيث إن قضاها فاتت صلاة الوقت فيكون قد صلاها قضاء، فالأولى تقديم صلاة الوقت والقضاء بعدها، وإن كان الوقت واسعاً، فالمستحب أن يصلي الفائتة أولاً، ثم الحاضرة ويُراعي الترتيب للخروج من الخلاف، فإن خالف فصلى الحاضر أولاً جاز.
وبه قال الحسن وطاوس وشريح.
وقال أبو حنيفة ومالك: إذا ذكر صلاة فائتة، وهو في حاضرة بطلت التي هو فيها ويجب عليه أن يقضي ما فاته ثم يصلي الحاضرة، وإن ضاق الوقت يصلي الحاضرة أولاً، ثم الفائتة، وإذا اجتمعت عليه فوائت فإن الترتيب فيها واجب ما لم يبلغ ست صلوات، فإن بلغت ست صلوات فقد دخلت في حد التكرار، فلا يلزم الترتيب، وفي خمس صلوات، هل يلزم [105 أ/ 2] الترتيب؟ روايتان، ويسقط هذا الترتيب عند النسيان، وقال أحمد وإسحق: "إذا ذكرها، وهو في الصلاة مضى فيها واجبًا، وصلّى الفائتة، ثم أعاد صلاة الوقت، ويلزم الترتيب بكل حالٍ حتى لو فاتته صلاة في أول بلوغه، ثم ذكرها، وقد صار شيخًا يلزمه إعادة ما بعدها".
وبه قال الزهري وربيعة، وذكر بعض أصحابنا: أنه يسقط هذا الترتيب عند النسيان، وإذا ضاق الوقت فيه روايتان عنه.
وقال الليث: "إن كانت ست صلوات لا يلزم الترتيب، وفيما دونها يلزم الترتيب مع اتساع الوقت وضيقه، والذكر والنسيان، فإن ذكرها، وقد صلّى صلاة الوقت يصلّي الفائتة، وأعاد صلاة الوقت، وإن ذكرها، وهو متلبسٌ بصلاة الوقت مضى فيها مستحبًا، وأعاد الفائتة وصلاة الوقت"، وهذا غلط لما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا نسي أحدكم صلاة، فذكرها وهو في صلاة مكتوبة، فليبدأ بالتي هو فيها، فإذا فرغ منها صلّى

التي نسي"، ولأن هذه الصلوات فاتت أوقاتها، فلا يجب الترتيب في قضائها كالست.
واحتجّوا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا صلاة لمن عليه صلاة"، وروى نافعٌ عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "من نسي صلاة فذكرها وهو مع الإمام، فإذا فرغ منها قضى فائتة، ثم أعاد التي صلّى مع الإمام".
أمّا الخبر، تحمله على نفي الكمال أو أراد: لا نافلة لمن عليه فريضةٌ.
وأما الخبر الآخر فيحمل الإعادة على الاستحباب.
فرع إذا نسي صلاة من صلوات الليل فذكرها بالنهار لا يجهر فيها بالقراءة، رواه أبو ثور عن الشافعي، وقال أبو ثور: يجهر فيها ليكون القضاء كالأداء كما لو قضى صلاة النهار بالليل لا خلاف أنه لا يجهر فيها، وهو غلط عندي.
وفي النوافل يسرّ بالقراءة [105 ب/ 2] في النهار ويجهر في الليل، والأول أصح لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا رأيتم من يجهر بالقراءة في صلاة النهار فارموه بالبعر".
وروى بريدة مرفوعاً "من جهر في صلاة النهار فارجموه بالبعر"، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "صلاة النهار عجماء"، ولأن الجهر سنّة متعلقة بالوقت، فقامت بفوات الوقت.
وقال أبو حنيفة مثل ذلك إلا أنه يقول: "إذا كان إمامًا يجهر، وإذا كان منفردًا لا يجهر"، وإن قضاها ليلاً لا نص فيه للشافعي، والذي يجيء على مذهبه أنه يجهر فيها، لأنا إن اعتبرنا أصلها فهي مما يجهر فيها، وإن اعتبرنا الوقت، فالوقت وقت الجهر.
وقال الأوزاعي: إن قضاها نهارًا أسرّ فيها، وإن قضاها ليلاً فهو بالخيار بين الجهر والإسرار.
مسألة: قال: "لا فرق بين الرجال والنساء في عمل الصلاة".
الفصل وهذا كما قال: الصلاة تشمتك على واجبات ومسنونات وهيئات فالواجبات القيام والقعود والركوع ونحو ذلك.
والمسنونات: التشهد الأول، والقنوت ونحو ذلك.
وأما

الهيئات؛ فالرجل يخالف المرأة في بعضها، فالرجل يجافي مرفقيه عن جنبيه راكعًا وساجدًا، ويقل بطنه عن فخذيه ساجدًا، والمرأة تضم مرفقيها إلى جنبيها، ولا تقل بطنها عن فخذيها لأنها عورة، وهذا أستر لها.
وأما في الجهر والقراءة: فالمرأة كالرجل ما لم يسمعها الرجال الأجانب وإنما يسمعها النساء أو ذوي محارمها من الرجال، فإن كان يسمع الرجال الأجانب فالسّنة لها الإسرار بخلاف الرجل وهو معنى قول الشافعي: "وتخفض صوتها"، وهذا لأن صوتها كالعورة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لم يرد الشافعي أنها تسرّ كما صلاة السرّ، بل أراد تسمع من يليها قليلًا ولا تجهر [106 أ/ 2] بحيث يسمع أهل المسجد كلهم بخلاف الرجل، فإنه يستحب له ذلك عند الإمكان.
وقال بعضهم: لا يزيد على إسماعها نفسها، وهو غلط ظاهرٌ وما تقدم أصحّ.
وأما في التشهدين: تجلس كما يجلس الرجل.
وقال أبو حنيفة: "تجلس كأستر ما يكون".
وقال الشعبي: "تجلس كما يتيسر عليها".
وكان ابن عمر رضي الله عنها يأمر نساءه أن يجلسن متربعات، وهذا غلط، لأنه ليس في هذا ترك الستر، فكان مسنونًا في حقها كوضع اليمين على الشمال.
مسألة: قال: "وتكتف جلبابها".
وهذا كما قال: الجلبات: الشملة التي تشتمل بما فوق الثياب، وقال أبو عبيد: هو الخمار والإزار.
وقال الخليل بن أحمد: الجلباب أوسع من الخمار وألطف من الإزار.
وقوله: تكثف، أي: تجعله كثيفًا حتى لا يصفها، والكثيف: الثخين.
وقيل: تكثف وتكفت.
والكفت: الشدّ، والكفت: الجمع، أي: تجمع.
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ الأَرْضَ كِفَاتاً﴾ [المرسلات: 25]، أي: نضمهم ونجمعهم، إنما كان ينبغي للمرأة أن تفعله لأنها عورة، فلا ينبغي أن تصفها ثيابها.
قال: "وتجافيه راكعة وساجدة لئلا تصفها ثيابها".
أراد به تجافي عن نفسها ثيابها لأنها لو ضمت ثيابها حكي ضمها خلقتها من السمن والهزال، وهذا مستحب.
وقال بعض أصحابنا: يستحب لها أن تصلي في أستر موضع، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "صلاة المرأة في قعر بيتها أفضل من صلاتها في صحن دارها".
مسألة: قال: وإن نابها شيء في صلاتها صفقت".

الفصل وهذا كما قال الرجل إذا نابه شيء في صلاته، مثل إن سها إمامه، أو رأى أعمى متردٍّ في بئر، أو طرق عليه الباب، وهو في الصلاة، فله أن يسبّح يقصد به الإعلام والتحذير، والإذن بالدخول.
ولو قرأ: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمْ الْبَابَ﴾ [المائدة: 23]، أو قال: ﴿يَا يَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: 12] [106 ب/ 2]، أو ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: 12]، بقصد الأمر بالقراءة جاز، وهذا إذا قصد به قراءة القرآن مع أمره به، فإن لم يقصد به قراءة القرآن أصلًا، بطلت صلاته، لأنه خطابٌ آدمي.
وقال أبو حنيفة: إن قصد به إفهام الآدمي، بطلت صلاته إلا أنه ينبّه إمامه أو المارّ بين يديه، وكذلك لو أرتج على الإمام له أن يفتتح القراءة عليه وعلى غيره، وسواء كان الغير في الصلاة أو في غيرها، ولا فرق بين أن يكون ذلك ابتداء من جهته أو جوابًا.
والمستحب للمرأة أن تصفق في كل ما يسبّح فيه الرجل، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إذا ناب أحدكم شيء في صلاة فليسبح، فإنما التسبيح للرجال والتصفيق للنساء".
وأصل الخبر ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج ليصلح بين قبليتين فأبطأ، فقال بلالٌ لأبي بكر الصديق: استأخر مجيء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفاقيم لتصلي بالناس؟ فقال أبو بكر: شئت، فأقام وتقدم أبو بكر فلما أحرم حضر النبي - صلى الله عليه وسلم - فجعل الناس يصفقون ويخرقون الصفوف وكان أبو بكر لا يلتفت فلما أكثرو علم أنه جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فالتفت فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أحرم، فأشار إليه أن اثبت مكانك، فرفع أبو بكر يده فحمد الله شكرًا، إذ رضيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لذلك المقام ثم استأخر، وتقدم الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فلما فرغ من الصلاة، قال للناس: "أحسنتم"، يعني: حين لم يؤخروا الصلاة انتظارًا لي.
وقال لأبي بكر: "هلّا ثبت مكانك إذ أمرتك"، فقال: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال للقوم: "ما لي رأيتكم تصفقون؟ من نابه شيء في صلاة فليسبّح، فأما التسبيح للرجال والتصفيق للنساء"، فإن لم يتسع الإمام أنه سها لا يعمل بقول المأموم، لأن من شك في فعل نفسه لا يرجع إلى قول غيره، كالحاكم [107 أ/ 2] إذا نسي حكمه، فشهد عنده شاهدان أنه حكم، وهو لا يذكره.
وقال أبو هريرة رضي الله عنه مثل هذا.
وقال مالك: "المرأة تسبّح كالرجل".
فرع التصفيق ليس أن تضرب كفًا على كف، لأن ذلك يشبه اللهو، بل تضرب كفها اليمني على ظهر كفها اليسرى، وهو اختيار القفال والقاضي الطبري وهو الأصح، والأصابع من الكلف.
وقيل: هو أن تضرب ظهر كفها اليمنى على بطن كفها الأيسر.

وقيل: تضرب بإصبعي يمينها على ظهر كفّها الأيسر، وقيل: على بطن كفها الأيسر.
وقيل: أن تضرب أكبر أصابع يدها اليمنى على ظاهر أصابعها اليسرى.
وروي في الخبر: "التصفيح للنساء" وفي معناهما واحد، وقيل: التصفيح: أن تضرب إصبعي اليمنى على باطن أصابعها اليسرى، وهذا لأن ضرب اليد أستر لها ولو صفّق الرجل للتنبيه أو سبحت المرأة فقد خالفا السنّة ويجوز.
فَرْعٌ آخرُ لو صفقت المرأة، أو الرجل على وجه اللعب لا الإعلام بطلت صلاتها قليلًا كان أو كثيرًا، لأن اللعب ينافي الصلاة فاستوى قليله وكثيره كالضحك والقهقهة، ذكره القاضي الطبري.
فَرْعٌ آخرُ لو عطس رجل فشمتهُ وهو في الصلاة فقال: يرحمك الله، بطلت صلاته، لأنه كلام وضع لمخاطبة الآدمي كردّ السلام، ذكره صاحب "الإفصاح".
وبه قال عامّة أصحابنا، وهو المذهب.
وقال القاضي الطبري: "وجدت فيما جمعه عبد الرحمن بن أبي حاتم من "مناقب الشافعي" يقول: روى يونس بن عبد الأعلى قال: سمعت الشافعي يقول في الرجل يكون في الصلاة فيعطس رجل لا بأس أن يقول له المصلي: يرحمك الله، فقلت له: ولِمَ؟ قال: لأنه دعاء، وقد دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - لقوم في الصلاة، ودعا على آخرين".
وهذه رواية صحيحة، فوجب أن تكون أولى مما قاله أصحابنا [107 ب/ 2]، وأنا رأيت عن الإمام أبي عبد الله الخياطي حكى عن البويطي عن الشافعي هكذا.
وهذا هو الصحيح عندي إذا كان قصده الدعاء لا الخطاب وما تقدمّ أشبه بالسنية، بدليل ما روي عن معاوية بن الحكم السلمي، قال: صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أماه، ما شأنكم تنظرون إليّ، فجعلوا يضربون أيديهم على أفخاذهم، فعرفت أنهم يصمتوني، فلما صلّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأبي وأمي ما ضربني ولا كهرني ولا سبّني، ثم قال: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن".
وقوله: ما كهرني، أي: انتهرني، ولا أغلط لي.
وقرأ بعض الصحابة: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: 9].
فَرْعٌ آخرُ قال الإمام أبو سليمان الخطابي: "فإن عطس وهو في الصلاة هل يحمد الله

تعالى؟ قال بعض العلماء: يحمد الله تعالى.
وروي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: "العاطس في الصلاة يجهر بالحمد"، وكذلك قال النخعي ومحمد، وهو مذهب الشافعي، قال: إنه يستحب أن يكون في نفسه"، وهذا غريب.
فَرْعٌ آخرُ إذا سلم رجل على المصلي، قال في "القديم": "يرد بالإشارة بيده وبرأسه ولا يتكلم".
وبه قال جميع أصحابه، وهو مذهب مالكٍ وأحمد وأبي ثور.
وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما، ولو قال: عليك السلام بطلت صلاته، لأنه خطابٌ لآدمي على طريق الجواب فجرى مجرى سائر الكلمات ويخالف تشميت العاطس في قول، لأنه موضوع للدعاء لا للخطاب.
وقال الحسن وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وقتادة: يرد لفظًا، واحتجوا بأن ردّ السلام واجب، والكلام الواجب لا يبطل الصلاة، وقال أبو ثور وعطاء والنخعي، والثوري يؤخر الردّ حتى يفرغ من الصلاة، [108 أ/ 2] ثم يردّ بالكلام"، وحكي عن الثوري أنه قال: "إن كان المسلم حاضرًا فعل هكذا، وإن كان قد ذهب اتبعه بالردّ".
وقال النخعي: "ردّ عليه بقلبه".
وقال أبو حنيفة: "لا يردّ أصلًا، لا بالقلب ولا بالإشارة، لأن العمل يكره في الصلاة"، وهذا كله غلط لما روي أن ابن مسعود رضي الله عنه لما قدم من الحبشة سلّم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في الصلاة، فلم يردّ عليه، قال ابن مسعود: فأخذني ما قربُ وما بعُد فلما فرغ، قلت: يا رسول الله أنزل فيَّ شيء؟ فقال: "لا، ولكن الله يحدث من أمره ما يشاء وإن مما أحدث لا تكلموا في الصلاة"، وهذا دليل على الحَسَن ومن تابعه.
وروي ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا سُلّم على أحدم وهو في الصلاة، فليُشر ولا يتكلم".
وروى ابن عمر رضي الله عنه، قال: "دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسجد عمرو بن عوف يصلي ودخل معه صهيب، فدخل رجال من النصار فسلموا عليه، فسألت صهيبًا: كيف كان يصنع إذا سلّم عليه؟ فقال: كان يشير بيده"، وفي هذا نص فيما قلناه، وأما قوله: (إن ردّ السلام فرض)، قلنا: إنما يكون فرضًا إذا وقع في موقعه، وههنا الأولى أن لا يسلّم لأن المصلي مشغول بصلاته، فهو كمن سلّم على من هو قاعد لحاجته لا يرد عليه، وقد نص الشافعي إلى أن الداخل على الإمام في حال خطبته يكره له أن يسلم، فينبغي أن يكون المصلي أولى به.
وبه قال عطاء وأبو مجلز والشعبي وإسحاق، وروي ذلك عن جابر رضي الله عنه،

وعن مالك روايتان في هذا، وكان أحمد بن حنبل لا يرى به بأسًا، وروي ذلك عن ابن عمر رضي الله عنه.
فَرْعٌ آخرُ إذا كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - دعا مصليًا فأجابه بالكلام لم تبطل صلاته، لأن إجابته في الصلاة واجبة.
والواجب فيها لا يبطل الصلاة كالقراءة.
قال الله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: 24].
[108 ب/ 2] وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سلم على أبي بن كعب، وهو يصلي فلم يجب، فخفف الصلاة، ثم انصرف إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: السلام عليك يا نبيّ الله، وقال: "وعليك السلام ما منعك أن تجييني إذ دعوتك؟ " فقال: كنت أصلي، فقال: "أفلم تجد فيما أوحي إليّ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾؟ فقال: بلى يا رسول الله لا أعود".
فَرْعٌ آخرُ إذا رأى المصلي أعمى يتردى في بئر أو صيبًا يقع في نار، يلزمه أن يصبح به، وينذره وإذا فعل ذلك، حكى الدارمي عن أبي إسحق أنه قال: لا تبطل صلاته.
وقال سائر أصحابنا: بطلت صلاته لأن الوقوع غير متحقق، وليس كذلك لدعاء الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فإنه أمرٌ متحقق وهذا لا يصحّ، لأن هذا التوهم لا يمنع الوجوب فلا تمنع منه الصلاة، وهذا أظهر، وإن أخرج زكاته في الصلاة بطلت صلاته، لأن إخراجها لا يتعين عليه في الصلاة، وإن كان واجبًا.
فصل في النواهي في الصلاة روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن القِران في الصلاة" وأراد والله أعلم القران بين أذكارها كالقران بين الإحرام والتوجه، وبين التوجه والاستعاذة، والقراءة والتكبير.
وما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن الشكال في الصلاة"، ومعناه أن يلصق إحدى رجليه بالأخرى.
وما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كره الشكال في الخيل" أراد أن يكون ثلاث قوائم منه محجلة وواحدة مطلقة.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى أن يصلي الرجل مختصرًا".
قال أبو عبيد: "هو أن يضح يديه على خصره في الصلاة".
وروي أنه "نهى عن الاختصار في الصلاة"، ومعناه ما ذكرنا.
ويقال: إن هذا من فعل اليهود.
وروي في بعض الأخبار: أن إبليس - لعنه الله - أهبط إلى الأرض كذلك، وهو فعل أهل

المصائب يضعون أيديهم على الخواصر [109 أ/ 2] إذا قاموا في المأتم.
وقيل: معنى الاختصار وهو أن يمسك بيديه مخصرة، أي: عصًا يتوكأ عليها.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لا غرار في الصلاة ولا تسليم".
والغرار: النقصان في عدد الركعات أو في الركوع والسجود، ولا تسليم، أي: لا يسلم عليه فيها.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى أن يصلي الرجل حتى يحتزم".
قال ابن قتيبة: حتى يحتزم بثوبه، فيتزر إن كان إزازًا ويزره عليه إن كان قميصًا.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن اشتمال الصماء".
قال أبو عبيد: هو أن يشتمل على منكبه ويسدله على قدميه ويلقي ما فضل من منكبه الأيمن على منكبه الأيسر.
وقيل: إنما سمي صماء، لأنه يصير كصخرة صماء لا يبين فيه شق.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن السدل في الصلاة"، وأراد به سدل اليدين.
وقيل: السدل إرسال الثوب حتى يصيب الأرض وكان سفيان يكرهه في الصلاة، وكان الشافعي يكرهه في الصلاة وغيرها.
وقال مالك: "لا بأس به في الصلاة"، وبه قال عطاء ومكحول والزهري والحسن وابن سيرين ويكره في غير الصلاة، لأن المصلي ثابتٌ مكانه، فلا يرون فيه خيلاء وفي غير الصلاة خيلاء فنهى عنه.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى أن يصلي الرجل وهو زناء" يعني حاقنًا ضاق به الأمر.
وروي أنه - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لا يصلين أحدكم وهو يدافع أخبثيه".
وروي: وهو ضام ركبتيه.
وروي: صريحًا به.
قال: "إذا وجد أحدكم الغائط فليبدأ به قبل الصلاة"، لأن هذا العذر يمنعه من الخشوع في الصلاة والخشوع شرط.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كره أن يصلي الرجل وبه طوف.
قال: قطرب: الطوف الحدث من الغائط والبول".
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - " [109 ب/ 2] نهى عن كفل الشيطان في الصلاة".
قال قطرب: هو أن يصلي الرجل وهو عاقد شعره من ورائه.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن قعدة الشيطان في الصلاة".
قال أهل العراق: هي الجلسة قبل القيام إلى الركعة الثانية، ولا يوجد هذا عن المفسرين لغرائب الحديث.

وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن نقرة الغراب في الصلاة"، وهي أن ينقر إذا سجد من غير أن يطمئن.
وروى أبو قتادة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن النفخ في الصلاة"، وهو أن ينفخ في موضع سجوده.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن التفات الثعلب في الصلاة"، وهو أن يلتفت يمينًا وشمالًا بسرعة.
وروى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن الصلب في الصلاة"، وهو أن يضع يديه على خصريه ويجافي مرفقيه.
وروى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى أن يرفع الرجل أصابعه، وهو في الصلاة".
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن التثاؤب في الصلاة، وقال: "إذا تثاءب أحدكم وهو في الصلاة فليرده ما استطاع، فإن أحدكم إذا قال: ها ها ضحك منه الشيطان".
وروي أنه قال: "إذا تثاءب أحدكم فليمسك يده على فيه، فإن شيطان ينتقل ما بين لحييه".
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن صلاة العجلان"، وهذا لئلا يترك شيئًا من سنن الصلاة.
ويكره أن يلتفت الرجل في صلاته من غير حاجة لما روى أبو ذرّ رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لا يزال الله تعالى مقبلًا على عبده في صلاته ما لم يلتفت، فإذا ألتفت صرف عنه وجهه".
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا التفت العبد في صلاته.
يقول الله تعالى: عبدي إلى من تلتفت؟ أنا خير لك ممن تلتفت إليه" [110 أ/ 2].
وقالت عائشة رضي الله عنها: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن التفات الرجل في الصلاة، فقال: "اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد"، وإن احتاج إلى الالتفات لا يكره لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يلتفت في صلاته يمينًا وشمالًا"، فإن التفت من غير حاجة لا تبطل صلاته أنه عملٌ قليل، إلا أن يستدبر القبلة أو صرف صدره عن القبلة، فتبطل صلاته

وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى أن يوطن الرجل الصلاة في المسجد كما يوطن البعير"، وهو أن يألف مكانًا معلومًا من المسجد لا يصلي إلا فيه كالبعير يتخذ مكانًا لا يبرك إلا فيه.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن التمطي في الصلاة".
وروى أن الحسن البصري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن الصلاة في أرض مزبلة".
ويكره أن يرفع بصره إلى السماء في الصلاة لما روى أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة ولينتهين عن ذلك أو لتخطفنَّ أبصارهم".
ويكره أن ينظر إلى ما يلهيه لما روينا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى وعليه خميصة ذات أعلام، فلما فرغ، قال: "ألهتني أعلام هذه".
وقد ذكرناه.
ويكره أن يكف شعره وثوبه في الصلاة لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نُهي أن يكف شعره وثوبه".
ويكره أن يمسح الحصى في الصلاة لما روى أبو ذر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الرحمة تواجهه فلا يمسح الحصا"، وأراد بمسح الحصا تسويته ليسجد عليه.
وأكثر العلماء كرهوا هذا.
وقيل: أراد العبث بها.
وقال مالك: "لا بأس به"، وكان يسوي الحصا في صلاته غير مرة.
وروى معيقيب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تمسح لحصا، وأنت تصلي، فإن كانت لابدّ فاعلًا فواحدة تسوية الحصا" [110 ب/ 2].
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى أن يغطي الرجل فاه في الصلاة".
رواه أبو هريرة رضي الله عنه، وهذا لأن عادة العرب التلثم بالعمائم على الأفواه، فنهوا عن ذلك في الصلاة إلا أن يعرض للمصلي التثاءب، فيغطي فمه عند ذلك للخبر الذي تقدم.
وروى سعيد المقبري: أن أبا رافع مولى النبي - صلى الله عليه وسلم - "مرَّ بالحسن بن علي رضي الله عنهما، وهو يصلي قائمًا وقد غرز ضفره في قفاه فحله أبو رافع فالتفت الحسن إليه مغضبًا، فقال أبو رافع: أقبل على صلاتك ولا تغضب، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

يقول: "كفل الشيطان"، يعني: مقعد الشيطان، يعني معرز ضفره ويريد بالضفر المضفور من شعره، وأصل الضفر: الفتل، واصل الكفل: أن يجمع الكساء على سنام البعير، ثم يركب وإنما أمره بإرسال الشعر ليسقط على الموضع الذي يصلي فيه صاحبه من الأرض فيسجد معه.
وقد روي في السجود: "أمرت أن لا أكفّ شعرًا ولا ثوبًا".
وروى أن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن الصلاة في سبعة المزبلة والمجزرة والمقبرة والحمام ومحجة الطريق ومعاطن الإبل وفوق ظهر بيت الله الحرام".
وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الأرض كلها مسجٌد إلا الحمام والمقبرة"، وإنما منع من المزبلة والمجزرة لأجل النجاسة، فإذا تحقق طهارة الموضع جازت الصلاة إلا أنها مكروهة لأنه موضع النجاسة، وإن تحقق النجاسة فلا تجوز الصلاة فيه بلا خلافٍ.
وإن شكّ في نجاسته، فيه وجهان بناء على أن الاعتبار بالأصل أو بالغالب.
وأمّا المقبرة، فإن كانت جديدة تجوز الصلاة فيها، ولكنه يكره.
وقال مالك: "لا بأس بالصلاة في المقابر".
وحكي عن الحسن أنه صلّى في المقابر، وقال أبو ثور: لا يصلي في حمام ولا مقبرة، ولا تجوز لظاهر الخبر.
وأما الحمام، اختلف أصحابنا [111 أ/ 2] في المعنى الذي كرهت الصلاة، فمنهم من قال: إنما منع من الصلاة فيه لأجل النجاسة، فإنه محل النجاسات، وعليه نص في "الأم"، فعلى هذا إن علم نجاسته لم تجز، وإن علم طهارته كره، وجاز وإن جهل أمره فوجهان على ما ذكرنا أو على هذا لا ينهي عن الصلاة في المسلخ، لأنه ليس بمحل النجاسة.
ومن أصحابنا من قال: إنما نهى عنها لأجل أنه مأوى الشياطين لكشف عورات فيه، ولهذا لما نام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الوادي ولم ينتبه حتى أيقظهم حرّ الشمس، قال: "ارتفعوا عن هذا الوادي فإن به شيطانًا"، ولم يصل فيه، فعلى هذا المسلخ وبيوت الحمام سواء؛ لأن العورات تكشف في المسلخ ويكون النهي نهي كراهة، فإن صلى جازت الصلاة.
وقيل: النهي عن الصلاة في الحمام لأنه يكثر دخول الناس فيه فلو كان الحمام في داره هل يكره الصلاة فيه؟ وجهان، وحكي عن رجل أنه قال: "لا تجوز الصلاة في الحمّام ولا في سطحه" والنهي يعتمد.
وأمّا محجة الطريق فلأجل أنه لا يحصل الخشوع فيها لشغل القلب بالعوارض وقيل لأن الغالب فيها النجاسة وقيل لأنه يكثر فيها

المار فلا يمكن الخشوع، فعلى هذا لو صلى في قارعة الطريق لا يمرّ أحد فيها، هل يكره؟ فيه وجهان.
وأمّا في معاطن الإبل وظهر بيت الله الحرام فسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
فصل في الخشوع في الصلاة قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2)﴾ [المؤمنون: 2]ـ فدل ترك الخشوع على عدم الفلاح.
وروى شداد بن أوس رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: "أول ما يرفع من الناس الخشوع"، وهذا كالمشاهد في زماننا هذا، لأنهم يقتصرون على الجائز والمباح.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من هانت عليه صلاته كان على الله أهون" والخشوع أن يفعل ما أمر به، ويجتنب ما نهي عنه، وأن يخلي نفسه من حديث النفس [111 ب/ 2] وأفكار الدنيا.
وكان علي رضي الله عنه "إذا دخل عليه وقت الصلاة يصفرّ وجهه تارةٌ ويخضرّ تارةً، ويقول: أتتني الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض والجبال، فأبين أني حملها وأشفقن منها وحملتها أنا، فلا أدري أُسيء فيها أن أُحسن؟ ". وروي أنه قيل له: إنك تلقى الأقران وتشهد الحروب، ولا نرى بك ما نرى عند الصلاة؟ فقال هذا.
وقال عبد الله بن الشخير رضي الله عنه: "أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي، ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء".
والأزيز الالتهاب والحركة.
وروى أبو داود "في صدره أزيز كأزيز الرحا من البكاء"، وأزيز الرحا صوتها وحركتها.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يقبل الله صلاة امرئ لا يحضر فيها قلبه".
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن رجلين من أمتي يصليان ركوعهما واحدٌ وسجودهما واحدٌ وما بين صلاتيهما كما بين السماء والأرض ومن الخشوع أن ينظر في حال قيامه إلى موضع سجوده وفي حال جلوسه إلى حجره".
وقال مالك: "الخشوع أن ينظر تلقاء وجهه" وما قلناه أولى لوجهين: أحدهما: أنه مروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن خلفائه.
والثاني: أنه أغضّن لطرفه وأجزى أن لا يشغل عن صلاته.
ومن الخشوع أن يكون المصلي قريبًا من محرابه ليصده عن مشاهدة ما يلهي ويمنعه من مرور ما يؤذي.
لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "ارهقوا

القبلة"، يعني ادنوا منها، فإن لم يكن محرابٌ اعتمد القرب من حائط أو سارية، فإن لم يكن وضع بين يديه شيئًا أو خط خطاً، ومن الخشوع أن لا يضع [112 أ/ 2] رداءه عن عاتقه بين يديه، ولا يكثر الحركة والالتفات ولا يقصد فعل شيء أبيح له فعله في الصلاة.
ومن الخشوع أن لا يلبس ثوبًا يلهيه ويعتمد لبس البياض ولا يصلي متلثّمًا ولا مغطى الوجه فإنه مكروه.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلًا يصلي، وقد غطى لحيته، فقال: "اكشف وجهك".
ومن الخشوع أن لا ينتحنح في صلاته ولا يبصق.
وروى حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "من تفل تجاه القبلة جاء يوم القيامة وتفله بين عينيه"، فإن غلبه البصاق فألقاه على الأرض لم تبطل صلاته.
وروي أن عثمان رضي الله عنه "أول من رسم الخلوق في المسجد لينمحي به أثر البصاق".
فرع إن كان حاقنًا ويخاف فوت الصلاة لضيق وقتها، فيه وجهان: أحدهما: يؤخرها حتى يأتي الخشوع، ويكون عذرًت في التأخير كما لو خاف ذهاب الوقت لو تطهّر لا يترك الطهارة.
والثاني: يصليها على حاله ثم يستحب له أن يعيد لأنه يؤدي إلى فوات الصلاة.
مسألة: قال: "وعلى المرأة إذا كانت حرة أن تستتر في صلاتها".
الفصل وهذا كما قال: يجب ستر العورة على الرجل والمرأة في الصلاة قولاً واحدًا.
وأما في غير الصلاة ينظر فإن كان هناك من ينظر إليه، فعليه الستر، وإن كان خاليًا في بيته، فيه وجهان.
والمذهب المنصوص أنه يجب سترها لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "فالله أحق أن يُستحى منه"، ومن أصحابنا من قال: لا يجب ذلك.
وقال مالك: "ستر العورة ليس بشرط من شرائط الصلاة بل هو واجب في الصلاة وغيرها".
واحتج بأن وجوبه لا يختص بالصلاة فلا يكون من فروضها، فإذا عدم فيها لم يبطلها كالصلاة في الدار المغصوبة، وهذا غلط لما روت عائشة رضي الله عنها [112 ب/ 2] أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لا يقبل الله صلاة امرأةٍ حاضت إلا بخمار".
أي

بلغت حال الحيض، وما ذكروه يبطل الإيمان والطهارة أيضًا، فإنه تجب لمس المصحف وفقدهما يبطل الصلاة، فإذا تقرر هذا، فالكلام الآن في قدر العورة، فهو من الرجل ما بين سرته وركبته، وليست السرة ولا الركبة منها.
نص عليه في عامة كتبه.
وبه قال مالك وأحمد في رواية وقال أبو حنيفة: الركبة من العورة.
وبه قال عطاء، وهذا غلط لما روى أبو أيوب الأنصاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "وما فوق الركبة من العورة وما أسفل السرّة من العورة".
وقال ابن عباس رضي الله عنه: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يأتزر تحت سرّته وتبدو سرّته ولقي الحسن بن علي أبو هريرة رضي الله عنهم، فقال: "أرني الموضع الذي قبله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرفع الحسن ثوبه فقبل سرّته"، ولأنها حدّ العورة فأشبهت السّرة.
واحتج بما روي أبو الخصوب عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "الركبة من العورة".
قلنا: أبو الخصوب لا يثبته أهل الأخبار فخبرنا أولى أو أراد استحبابًا.
وحكى الداركي عن الترمذي أن الشافعي نصّ في موضع على أن السرّة والركبتين من العورة، وهذا لا يعرف في شيء من كتبه، ولكنه قول بعض أصحابنا.
وقال داود بن الجرير: العورة هي السوأتان: القبل والدبر من الرجل والمرأة.
وروي ذلك عن أحمد، واحتج بما روت عائشة رضي الله عنها، قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مضطجعاً في بيته كاشفًا عن فخده، فاستأذن أبو بكر فأذن له، وهو على تلك الحال، ثم استأذن عمر، فأذن له، وهو كذلك، ثم استأذن عثمان، فجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسوّى ثيابه، فدخل فتحدث، فلما خرج، قلت: يا رسول الله [113 أ/ 2] دخل أبو بكر، فلم تهتش له، ثم دخل عمر، فلم تهتش له، ولم تباله، ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "ألا استحي من رجل تستحي منه الملائكة"، فلو كان الفخذ عورة لغطاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند دخول أبي بكر وعمر.
وهذا غلط لما روى جرهد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "رآه في المسجد قد كشف عن فخذه، فقال: غطّ فخدك، إن الفخذ من العورة".
وروى الدارقطني بإسناده أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال لعلي: "لا تكشف فخذك ولا تنظر إلى فخذ حيّ ولا ميت".
وأمّا ما روي عن عائشة رضي الله عنها قلنا: روي كاشفًا عن ساقيه، ويحتمل أن يكون الموضع المكشوف لم يكن من الناحية التي جلس فيها أبو بكر وعمر، ويحتمل

أن يكون جائزًا ثم نسخ بما ذكرنا.
وأما المرأة فكل بدنها عورة إلا الوجه والكفين فمتى صلت، وقد كشف بعضها، وإن كان شعرة بطلت صلاتها.
وبه قال الأوزاعي ومالك وأبو ثور إلا أنا ذكرنا عن مالك ما قال في حكم الصلاة، وروي ذلك عن ابن عباس وعطاء، وقد قال مالك لو تركت الستر ووقت الصلاة باق أعادتها، وأصحابه يقولون: كل موضع يقول مالك: يعيد إن كان الوقت باقيًا يريد الإعادة استحبابًا.
وقال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: يجب عليها ستر جميع بدنها حتى ظفرها وإن انكشف منها شيء بطلت صلاتها.
وروي هذا عن أحمد.
وروي عن أحمد وداود: كل بدنها عورة إلا وجهها فقط.
واحتجا بقوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: 31]، والظاهر الوجه، وهذا غلط، لأن ابن عباس رضي الله عنه قال: إلا ما ظهر منها: الوجه والكفين.
وروت عائشة رضي الله عنها: أن امرأة رمت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من وراء ستر بثياب فقبض ذلك.
وقال: "ما أدري أيد امرأة أم رجل"، [113 ب/ 2] فقالت: بل امرأة، فقال: "لو كنت امرأة لغيرت أظفارك" يعني بالحناء، فلو كانت يدها عورة لم ينظر إليها.
وقال أبو حنيفة والثوري والمزني: قدم المرأة ليست بعورة.
وعن أبي حنيفة رواية: أنها عورة.
وذكر بعض أصحابنا بخراسان: أن في أخمض قدميها وجهين.
وقيل: قولين.
وهذا غلط لما روت أم سلمة رضي الله عنها، قالت: قلت: يا رسول الله "أتصلي المرأة في درع وخمار، وليس عليها إزار؟ فقال: "نعم، إذا كان سابغًا يغطي ظهور قدميها".
قالوا: القدمان يظهران منها في العادة كالكفين، قلنا: لا نسلم بل تستران في العادة، ولهذا لا يجب كشفهما في الإحرام بخلاف الكفين.
وقال أبو حنيفة أيضًا: العورة عورتان مخففة ومغلظة، فالمخففة ما بين السرة والركبة من الرجل وجميع بدن المرأة إلا ما ذكرنا.
والمغلظة: السوأتان من الرجل والمرأة، فإن ظهر من المغلظة قدر درهم لا تبطل صلاته وإن زاد بطلت وإن انكشف من المخففة قدر ربع عضو فأكثر لا تصح الصلاة وإن كان دون ذلك يصح.
وقال أبو يوسف: يُعفى عن أقل من النصف وعندنا لا فرق.
ولا يُعفى عن قليله وليس فيما قدره توقيف ولا اتفاق، فلا يجوز القول به.
فإذا تقرر هذا فالمستحب لها أن تصلي في ثلاثة أثواب: قميص سابغ يغطي قدميها وخمار يغطي رأسها وعنقها، وإزار غليظ فوق القميص والخمار هو الجلباب الذي ذكره الشافعي، نص عليه في "الأم"

وروي عن عمر وابن عمر وعائشة رضي الله عنهم أنهم قالوا: يستحب للمرأة أن تصلي في ثلاثة أبواب، وأما الواجب الخمار والقميص السابغ لما ذكرنا من خبر أم سلمة رضي الله عنها.
مسألة: قال: "وإن صلت الأمة مكشوفة الرأس أجزأها".
وهذا كما قال: قد ذكرنا عورة المرأة الحرة، فأما عورة الأمة لم يذكر الشافعي [114 أ/ 2] قدرها، ولكنه قال: تصلي بغير قناع.
واختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من قال: إنها كالرجل عورتها ما بين السرة والركبة، وهو اختيار أبي إسحق والقاضي الطبري وجماعة، وهو ظاهر المذهب لأنها سلعة من السلع يضطر الناس إلى النظر إلى صدرها كما يضطرون إلى النظر إلى الإشهار لأن من لم يكن رأسه عورة لم يكن بدنه عورة كالرجل.
ومن أصحابنا من قال: جميع بدنها عورة إلا ما تمس الحاجة إلى كشفه عند التقلب من الرأس والوجه واليدين والساقين وما عدا ذلك عورة.
وقال صاحب "الإفصاح": "عورتها كعورة الحرة" إلا أن لها كشف الرأس لما روي أن عمر رضي الله عنه: "رأى جارية متقنعة لآلِ أنسٍ فَعَلاها الدرة.
وقال: أتتشبهين بالحرائر يا لكعاء.
وروي أنه قال: "اكشفي رأسك ولا تشبهي بالحرائر يا لكاع".
وقال ابن المنذر: "كان الحسن البصري يوجب على المرأة الخمار إذا تزوجت أو يتخذها سيدها لنفسه وروي عنه: إذا ولدت".
فرع أم الولد والمكاتبة والمدبرة والمعتق بعضها سواء في قدر العورة، ذكره جميع الصحابة.
وقال في "الحاوي": "في المعتق نصفها وجهان: أحدهما: هنا، وهو أنها كالأمة في صلاتها ومع الأجانب وكأمة الغير مع سيدها.
والثاني: أنها كالحرائر في صلاتها ومع سيدها والأجانب، وهذا أصحّ لأنه إذا اجتمع التحليل والتحريم كان حكم التحريم أغلب" وهذا غريب جيد.
وقال محمد بن سيرين: أم الولد لا تصلي إلا متقنعة لثبوت سبب الحرمة لها، وهو رواية عن أحمد.
وروي عن مالك مثله، وهذا غلط لأنها مضمونة بالقيمة فأشبهت القن.
فَرْعٌ آخرُ لو دخلت في الصلاة مكشوفة الرأس، ثم عتقت قبل الفراغ منها فعليها أن تستتر ثم

جارٍ التحميل