أو بمثله أو بأردأ، وإن خلطها بشعير أو غير ذلك من الحبوب يلزمه تمييزها، وإن شق ولزمته مؤونة بذلك كما لو غصب طعاماً وحمله إلى بلد آخر لزمه رده إليه، وإن لزمته مؤونة عظيمة فيه، وكذلك لو خلطه بجنسه ولكنه يمكنه التمييز مثل صغار الحب بكبار الحب والبيضاء بالسمراء.
فرع آخر
لو غصب ألف درهم وخلطه بألف آخر غصبه من آخر ولا يتميز وهما سواء فيه وجهان أحدهما: يقسم بينهما، والثاني: هما بالخيار بين القسمة وبين مطالبة الغاصب بالمثل كما لو كانا مختلفين.
فرع آخر
لو غصب حنطةً فزرعها وهي بذر بعد وجمعها ممكن يلزمه جمعها وردها على قياس ما ذكرنا، وقال في "الحاوي" 1 إن قلت: مؤونة جمعها فللمالك أن يطالبه بجمعها وردها، وإن كان يكثر مؤونة جمعها فيه وجهان، وكذلك لو غصب حنطةً في بلد فنقلها إلى غيره هل يكلف الغاصب نقلها ورد عينها أو يجوز له رد مثلها؟ وجهان أيضاً.
فرع آخر
لو لم يمكن جمعها فالمالك بالخيار بين أن يطالبه بمثلها وبين أن يصير إلى نباتها وإمكان أخذها فإن أخذ المثل ملك المثل وزال ملكه عن البذر فإذا نبت لا حق له فيه لزوال ملكه عنه بالمثل، وإن صبر إلى نباتها وإمكان أخذها فذلك له لبقائها على ملكه فلو تلف الزرع في الأرض قبل أخذه فإن كان تلفه قبل إمكان أخذه في حال كونه حباً فنقله النمل أو بعد أن نبت على حدٍ لا يمكن أخذه فأكله الدود فعلى الغاصبه ضمانه بالقيمة دون المثل في أكثر أحوالها لأن إعواز [39/أ] أخذه قبل التلف بتعديه، وإن كان تلفه بعد إمكان أخذه بقلاً ذا قيمةٍ فالغاصب بريء من ضمانه لأنه بالترك بعد المكنة من الأخذ قاطع لتعدي الغاصب، وإن كان البذر صار بقلاً ذا قيمةٍ يمكن أخذه فإن رضي بأخذه بقلاً فهو أحق به فإن كانت قيمته أقل من قيمته حباً ضمن النقصان.
فرع آخر
لو كانت قيمته نقصت عن قيمة الحب في أول إنباته ثم زادت قيمته بعد تمامه فهل يضمن الغاصب لذلك النقصان؟ وجهان أحدهما: كما لو نقصت الجارية بمرضٍ ثم زال النقص بزوال المرض هل يضمن أم لا؟ وجهان أحدهما: لا يضمن لأنه نقص لم يستقر فجرى مجرى نقص السوق، والثاني: يضمن لأن الضمان قد لزم بحدوث النقص فلم يسقط بحادث زيادة لا يملكها.
فرع آخر
لو قال: لا أرضى به بقلاً وأريد مثل المغصوب مني حباً فيه وجهان أحدهما: يجاب إلى طلبته ليصل إلى مثل المغصوب منه، والثاني: لا يستحق ذلك لأن العين المغصوبة موجودة وإن انتقصت كالشاة إذا ذبحت والثوب إذا أخلق.
فرع آخر
لو كانت الأرض للغاصب فهل يجبر على استيفاء الزرع في أرضه إلى وقت حصاده؟ وجهان احدهما: لا يجبر عليه وله أخذ المغصوب منه بقلعه لحصول البذر في الأرض بالتعدي، والثاني: يجبر الغاصب على تركه إن بذل له المغصوب منه أجرة المثل من وقت التسليم إلى وقت الحصاد لحصول البذر في أرضه باختياره.
فرع آخر
لو صار سنبلاً فللمغصوب منه أخذه في سنبله، وليس له مطالبة الغاصب بالبذل لأنه في سنبله عاد إلى حاله قبل غصبه.
فرع آخر
لو أخذ العشر من الغاصب فإن كان والياً لا يجزى أخذه لجوره ضمن الغاصب ذلك، ولو أن الإمام أخذه لا ضمان على الغاصب لجوازه عن فرضه.
فرع آخر
لو غصب دقيقاً فنخله واستهلك نخالته فيه وجهان أحدهما: يضمن قيمة النخالة، والثاني: يضمن [39/ ب] أغلظ الأمرين من قيمة النخالة أو من نقص الدقيق بنخل النخالة وقد مضى نظير هذين الوجهين في استهلاك التراب من الأرض.
مسألة 1: قال: "ولو أغلاه على النارِ".
الفصل
وهذا كما قال: إذا غصب زيتاً فأغلاه على النار لا يخلو من أربعة أحوال إما أن لا ينقص قيمته ولا مكيلته، أو نقصت مكيلته ولم تنقص قيمته، أو نقصت قيمته دون مكيلته، أو نقصت قيمته ومكيلته، فإن لم تنقص بأن غصب صاعين يساويان أربعة فأغلاهما وقيمتهما بعد الغلي أربعة ومكيلتهما صاعان يردان على المغصوب منه ولا شيء على الغاصب، وإن نقصت مكيلته دون القيمة بأن صار إلى صاع وقيمته أربعة ضمن الصاع الناقص بصاع مثله لأنه تلف بفعله ولا يجبر نقصان العين بزيادة القيمة، وفيه وجه آخر أنه يجبر ذلك بزيادة القيمة وليس بشيء وقيل: فيه وجهان ولا يصح ذلك لأن المنصوص ما ذكرنا، وإن نقصت القيمة دون المكيلة مثل أنه لم ينقص كيلهما ولكن أصابهما حر النار فتغير لونهما أو طعمهما فصارت قيمتهما درهمين فعليه أرش
النقصان ويسترجع المغلي، وإن نقصت كلتاهما فصارت قيمتهما درهماً ورجعا إلى صاعٍ فعليه ضمان الصاع التالف وما نقص من القيمة أيضاً لأن كل واحدٍ منهما يضمن بالانفراد فيضمن عند الاجتماع.
فإن قيل: إذا غصب زيتاً فخلطه بأردأ منه فنقصت قيمته قلتم: المالك بالخيار إن شاء أخذ مثل زيته، وإن شاء أخذ من عينه مثل مكيلته من غير أرش النقصان فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن ها هنا يأخذ عين ماله فجاز أن يأخذ معها ما نقص من قيمته وليس كذلك في الخلط لأنه يأخذ بدل ماله ولا يجوز أن يأخذ بدل مكيلته وزيادة دراهم لأنه ربا وهذا كما نقول: لو غصب ديناراً فقرضه أخذه وما نقص من قيمته وان أتلفه لم يجز أن يأخذ ديناراً رديئاً [40/أ] وأرش النقصان، فإذا تقرر هذا رجعنا إلى لفظ الكتاب فمن أصحابنا من يقرأ: وما نقصت مكيلته أو قيمته بفتح التاء، ومنهم من يقرأ: أو قيمته بضم التاء وفي بعض النسخ وما نقصت مكيلنه وقيمته بحذف الألف وفي بعضها أو قيمته بإثبات الألف فمن قرأ: أخذه وما نقصت مكيلتُه وقيمتُه بحذف الألف وضم التاء من القيمة فمعناه إذا كان عين الزيت ناقصة والقيمة ناقصة أخذ العين الناقصة وغرم كلا النقصانين.
ومن قرأ بإثبات الألف وضم التاء فمعناه تنويع الحالتين في النقصان أي إن كان النقصان واقعاً في المكيلة دون القيمة أخذه وما نقصت مكيلته، وإن كان النقصان واقعاً في القيمة دون المكيلة أخذ المكيلة بتمامها أو غرمه نقصان القيمة.
ومن قرأ أخذه وما نقصت مكيلته أو قيمته بفتح التاء وإثبات الألف فمعناه إذا كان النقصان واقعاً في المكيلة وذلك النقصان غير متناه كان المالك بالخيار إن شاء أخذ ما وجد من زيته بنقصه ورجع على الغاصب بأرش النقصان، وإن شاء تركه في يد الغاصب وغرمه مثل زيته إن كان المثل موجوداً أو قيمته إن كان المثل مفقوداً.
فإن قال قائل: على هذه القراءة إذا كان الزيت من ذوات الأمثال كيف يجوز إذا كان النقصان غير متناه أن يخيره الشافعي بين أخذ زيته وأخذ قيمته وهلاَّ قال: أخذه وما نقصت مكيلته أو مثله؟ قلنا: لعله عبّر عن المثل بالقيمة كما يعبر مجازاً عن القيمة بالمثل، وقال الشافعي في كتاب الطهارة في مسألة الجنب والميت: فإن خافوا العطش شربوه ويمّموه وأدوا ثمنه في ميراثه وأراد بالثمن المثل، والثاني: لعله صور المسألة عند عدم المثل والمثل إذا كان معدوماً كان المرجع إلى القيمة وهذه القراءة أضعف القراءات لهذا السؤال.
فرع
إذا أغلاه على النار فنقص من قيمته دون مكيلته ولم يكن النقص منتهياً بل يحدث نقص آخر بعده فإن كان ما ينتهي إليه من النقص الثاني [40/ب] محدوداً فليس له إبدال الزيت بغيره وينتظر حدوث نقصانه فيرجع به، ولو تلف الزيت قبل انتهاء نقصانه فهل يرجع بما كان ينتهي إليه من نقص؟ وجهان مخرجان من القولين فيمن قلع سن صبي لم
يُثغر فانتظرنا النبات فمات قبل معرفتنا أنه نبتت أم لا هل يستحق ديته؟ قولان: أحدهما: لا أرش لعدم حدوثه ولو كان باقياً فطالب بالأرش قبل حدوث النقص لم يكن له أيضاً.
والثاني: له أرش للعلم به، ولو كان باقياً فطالب بالأرش قبل حدوث النقص لم يكن له أيضاً.
فرع آخر
لو لم يملك الزيت ولكنه باعه قبل انتهاء نقصانه فإن أعُلم به المشتري فلا ود له لعلمه نصيبه، وللمالك أن يرجع على الغاصب بنقصه لأنه عاوض عليه ناقصاً، وإن لم يُعلم المشترى به فله الرد بحدوث نقصه، فإن لم يرض به ورده رجع المالك بأرشه على الغاصب، وإن رضي به ولم يرده ففي رجوعه على الغاصب بأرش نقصه وجهان أحدهما: لا يرجع لأنه بالمعاوضة سليماً قد وصل إليه من جهة المشتري تمام ثمنه، والثاني: يرجع لضمانه له بالغصب ولا يكون حدوث رضا المشتري به براءة للغاصب منه، وإن كان ما ينتهي إليه من النقص في الثاني.
غير محدود فقد ذكرنا قولين وقيل وجهان.
فرع آخر
لو غصب عصيراً فأغلاه حتى صار رُبّاً ونقصت مكيلته قال ابن سريج: يرده ولا يلزمه نقصان المكيلة لأن العصير إذا أغلي تداخلت أجزاؤه ويكون نقصان المكيلة بتداخل الأجزاء وذهاب الرطوبة المائية لا بتلفها، وليس كذلك في الزيت فإن نقصانه بتلف بعض الأجزاء، قال صاحب "الإفصاح": هذا عندي غير صحيح لأن النقصان قد حصل فيه من طريق المشاهدة كما في الزيت والأول أصح لأن أجزاء العصير كلها موجودة فيه، وإن كانت قد اجتمعت وثخنت، ألا ترى أنه إذا وُزن يحصل منه مثل وزن العصير، وقوله: إن النقصان حصل من طريق المشاهدة لا يصح لأنه لو غصب دقيقاً ولتَّه بدهن أو عجنه بماء قد نقص مكيلته من طريق المشاهدة ولا يلزمه [41/أ] النقصان لأن الأجزاء موجودة كذلك ها هنا.
فرع آخر
لو غصب لبناً فعمله جبناً رجع به جبناً وبالنقص إن كان في قيمته وهل يرجع بنقص مكيلته؟ فيه وجهان كما قلنا في العصير إذا أغلي فانتقص مكيلته.
مسألة 1: قال: "وكذلك لو خلطَ دقيقاً بدقيقٍ فكالزيتِ".
وهذا كما قال: إذا غصب دقيقاً فخلطه بدقيق من عنده قال الشافعي ها هنا: هو كالزيت إذا غصبه ثم خلطه بزيت من عنده، واختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال وهو الصحيح: معناه أنه يصير شريكاً للغاصب كما نقول في الزيت ولكن لا يجوز قسمة الدقيق، كما لا يجوز بيع بعضه ببعضٍ بخلاف الزيت لأنه إذا غصب زيتاً فخلطه بزيت من عنده يجوز لهما أن يقتسماه لأن بيع الزيت بعضه ببعض متماثلين جائز وتشبيه الشافعي إياه بالزيت في ثبوت
الشركة بالبيع دون المقاسمة، ومنهم من قال: قول الشافعي: أنه كالزيت أراد في أنه يصير مستهلكاً فتضمن قيمته ولم يرد به أنه كالزيت في أن له مثلاً وهذا لأنه لا مثل للدقيق لاختلاف طحنه المفضي بالصنعة والعمل إلى عدم تماثله ويفارق الحنطة التي ليس للآدميين صنعة في كبر حبها وصغره وهذا اختيار أبي إسحاق وابن أبي هريرة فعلى هذا إذا خلط الدقيق بالدقيق فيه وجهان أحدهما: يلزمه قيمته، والثاني: يكونان شريكين فيه فيقتسمان ثمنه، ولو أرادا الاقتسام فيه وجهان بناءً على أن القسمة بيع أو إقرار حقٍ، ومن أصحابنا من قال: إن كانت قيمتها متفاوتة لا تجوز القسمة لأنه إذا قسم على القيمة يتفاوت، وإن كانت قيمتها متساوية فعلى وجهين على ما ذكرنا.
وقال أبو الطيب بن سلمة: تجوز القسمة بكل حال لأنه لا ربا في القسمة وهذا لا يصح لأنا إذا قلنا: إنها بيع فالربا فيهما واحد وان قلنا: إقرار حق لا يمكن إيصال كل واحدٍ منهما إلى حقه لجواز أن يكون بعضه أنقص من بعض فيأخذ المكيال من الناعم أكثر فلا تكون قسمة عدل، وقال ابن سريج: هو كالزيت في أن له مثلاً لظاهر كلام الشافعي ها هنا وهذا لأنه لا تتماثل أجزاؤه وإن تفاوت [41/ب] الطحن في النعومة والخشونة وهذا أقرب من تفاوت الحنطة في صغر الحب، وقد روى الكرابيسي عن الشافعي أنه يجوز بيع الدقيق بالدقيق فيكون كالزيت من كل وجهٍ وهذا ضعيف لما ذكرنا ولم تصح رواية الكرابيسي عن الشافعي.
مسألة 1: قال: "ولو كانَ قمحاً فَعَفَّنَ عندهُ ردَّهُ وقيمةَ ما نقص".
وهذا كما قال: إذا غصب حنطةً أو غيرها من الحبوب فعفنت لطول مكثها أو بلها بالماء فإن استقر نقصها ردها وما نقص، وغن لم يستقر فقد ذكرنا فيه الخلاف، وأعلم أن الشيخ أبا حامد جعل العفن كالبلّ، وقال القاضي الطبري: العفن ليس من فعله فلا يضمن ما يتولد منه بخلاف البل فيردها وما نقص به قولا واحدا وهذا أصح، فإن قيل: العفن مضمون عليه لوجوده في يده كالبل الذي حصل بفعله فكل ما تولد منهما سواء في الضمان ولهذا لا فرق بين أن يبتل بما، المطر أو بفعله أو بفعل غيره قلنا: النقص إذا حصل بالبل ثم زاد فتلك الزيادة متولدة من البلل فضمن، وأما العفونة تزيد ببقائه ومكثه في يده كما في الأصل حصل بذلك لا أن بعضها يتولد من بعض فافترقا.
وقال أبو حنيفة: المالك بالخيار بين أن يطالبه ببدل العفنة وبين أن يمسكها ولا شيء له، لأنه لو ضمنه النقصان لحصل له مثل كيله وزيادة وهذا غلط لأن عين ماله باقية وإنما حدث فيها نقصان وكان له ما نقص كما لو كان ثوباً فخرَّقه عرضاً.
مسألة 2: قال: "وإنْ غصَبُه ثوباً وزعفراناً فصبغه به فربُّهُ بالخيار، إن شاء أخذهُ، وإن شاء قومه أبيضَ وزعفرانُه صحيحاً".
الفصل
وهذا كما قال: إذا غصب ثوباً وزعفراناً من رجل فصبغه به قد ذكرنا هذه المسألة وأعادها الشافعي ها هنا لأن الزعفران إذا كان صحيحاً كان أثمن منه إذا كان مطحوناً، وروى الربيع مثل هذا اللفظ أيضاً وموضع الإشكال أنه قال: فربه بالخيار إن شاء أخذه، وإن شاء قومه أبيض وزعفرانه صحيحاً وضمنه قيمة ما نقص وهذا الثوب لم يحدث به نقصان لا نهاية له فكيف يتخير المالك في أخذه وتركه، وظاهر اللفظ [42/أ] يقتضي تخييره فنقول: مراد الشافعي بذكر المشيئتين تنويع الحالتين أي: إن كان الثوب والصبغ غير ناقصين أخذ الثوب مصبوغاً ولا شيء له.
وقد قال في الكبير: ولا شيء له والمزني ما نقله، وإن كانت القيمة ناقصة أخذ الثوب ورجح على الغاصب بالنقص ويحتمل معنى ثانياً وهو أن رب الثوب بالخيار بين الاستقصاء في استيفاء حقه وبين المسامحة فإن اختار المسامحة أخذ الثوب مصبوغاً على أي حالٍ كان ولم يغرم الغاصب شيئاً، وإن شاء الاستقصاء قوّم الثوب أبيض وزعفرانه صحيحاً وغرمه ما نقص إلا أن هذا يضعف بما حكينا من لفظ الشافعي في الكبير حيث قال: أخذه ولا شيء له ومن كان له حق فتركه على وجه المسامحة لم يحسن أن يقال: ولا شيء له.
فرع
قال 1: ولو غصب من رجل سمناً وعسلاً ودقيقاً فعصده كان لصاحبه أن يقوم كل واحد منها على الانفراد ثم يقومها معصوداً، فإن نقصت قيمتها غرمه النقصان، وإن زادت قيمتها كانت له بزيادتها ولا حق للغاصب فيها ولا أجرة له ولا قيمة ما أحرقه من الحطب، وإن كان نقصانها غير متناهٍ فعلى ما ذكرنا.
فرع آخر
لو غصب حنطة فطحنها يلزمه ردها مطحونة فإن نقصت قيمتها يلزمه ما نقص من قيمتها وإن طحنها ناعمة فزادت قيمتها فلا أجرة للغاصب فيما فعل وعليه رد الدقيق إلى صاحبه ولا يملكه بالطحن، وقال أبو حنيفة: يملكه بالطحن وهذا غلط لأنه عدوان محض فلا يملك به المغصوب وهكذا الخلاف إذا غصب غزلاً فنسجه ثوباً أو حديداً فعمل منه السكاكين أو ثوباً فقطعه وخاطه قميصاً، أو غصب شاةً فذبحها وشواها ويمكن أن يقال: هذا النقص بالشيء غير مستقر لأنه في المتعقب فيكون الحكم فيه ما ذكرنا من الطريقين واحتج بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - زار قوماً من الأنصار في دارهم وقدموا إليه شاة مشوية فتناول منها لقمة فجعل يلوكها ولا يُسيغها فقال: أن هذه الشاة لتخبرني أنها أخذت بغير حق فقالوا: نعم يا وسول الله طلبنا في السوق فلم نجد فأخذنا شاةً لبعض جيراننا ونحن نرضيهم من ثمنها فقال النبي [42/ب]- صلى الله عليه وسلم -: "أطعموها
الأسارى" 1 فدل على أنه انقطع عنها حق مالكها بالذبح والشواء لأنه لم يأمر بردها إلى مالكها قلنا: يحتمل أنه كان صاحبها غائباً وخاف فسادها فأمر بإطعام الأسارى لاضطرارهم إليها حتى يؤذي القيمة من بيت المال.
فرع آخر
لو غصب نقرة فضربها دراهم فهي لصاحب النقرة ووافقنا فيه أبو حنيفة، ثم إن لم يمكن نقص أصلاً ولا زاد فلا شيء، وإن زاد ولم ينقص فالزياد ة للمالك ولا شيء للغاصب وإن نقص من الأجزاء فعليه ضمان ما نقص من الأجزاء وإن نقصت القيمة والأجزاء فمن كليهما.
فرع آخر
لو غصب شاة ثم استدعى قصاباً وأمره بذبحها فذبحها يأخذها صاحبها مذبوحة وله أرش النقص ويطالب من شاء من الذابح والغاصب ولكن إن ضمن الذابح رجع على الغاصب لأنه ذبح للغاصب فصار كما لو ذبح بنفسه، ويفارق هذا إذا غصب طعاماً ثم أطعمه غير المالك فغرم الطاعم للمالك لا يرجع به على الغاصب في أحد القولين لأن هناك صرفه إلى ملك نفسه بخلاف الذابح.
فرع آخر
لو غصب مجوسي شاةً فذبحها ضمن جميع قيمتها والمغصوب منه أحق بجلدها لأنه بعين ماله فإن غلبه رجل فدبغه هل يملكه؟ فيه وجهان.
فرع آخر
لو اشترك مسلم ومجوسي في ذبح شاة مغصوبة قال في "الحاوي": ضمن المجوسي نصف قيمتها لأنه أحد الذابحين، وضمن المسلم نصفها لو لم يكن المشارك له في الذبح مجوسياً مثاله أن تكون قيمة الشاة عشرين درهماً، ولو ذبحها صارت قيمتها عشرة فيضمن المسلم خمسة والمجوسي عشرة وهذا غريب وعندي يلزم الضمان الكامل عليهما نصفين لأنهما أتلفاها معاً.
فرع آخر
لو قال الغاصب في الثوب المصبوغ: أذنت لي في صبغه وأنكر المالك فالقول قول المالك مع يمينه، فلو قال أذنت لك ثم رجعت عن الإذن قبل صبغك، وقال الغاصب: بل كنت إلى حين الصبغ على إذنك فيه وجهان.
فرع آخر
لو اختلفا في الصبغ فقال المالك: هو لي [43/أ] وقال الغاصب: بل هو لي فإن كان الصبغ مما يمكن استخراجه فالقول فيه قول الغاصب مع يمينه لأجل يده، وإن كان
مما لا يمكن استخراجه فالقول قول المغصوب منه مع يمينه لأنه صار مستهلكاً في الثوب فجرة مجرى أجزائه.
فرع آخر
صبَّاغ الثوب بالأجر إذا اختلفا هكذا فإن كان الصباغ أجيراً منفرداً فالقول قول رب الثوب، وإن كان أجيراً مشتركاً فالقول قول الصباغ، والفرق أن اليد في الأجير المنفرد لرب الثوب واليد في المشترك للأجير فافترقا في هذا الحكم.
فرع آخر
لو كان المغصوب حجراً فبني عليه منارة مسجد أخذ بنقض المنارة لرد الحجر ثم عليه غرم نقض المنارة للمسجد فإن كان هو المتطوع ببنائها لخروج ذلك عن ملكه.
مسألة 1: قال: "ولو كانَ لوحاً فأدخله في سفينةٍ".
الفصل
وهذا كما قال: إذا غصب ساجةً فبنى عليها جداراً لا يملكها وعليه قلعها وردها على صاحبها، وإن لحقه ضرر عظيم في ذلك وبه قال مالك، وقال أبو حنيفة: لا يلزمه ردها ويملكها بالبناء عليها فيرد قيمتها وهذا غلط لأنه مغصوب يجوز له رده فوجب رده كما لو بني حولها ولم يبن عليها فإذا ثبت هذا فقلعها وردها، فإن نقصت قيمتها يلزمه أرش النقص، والأجرة إن مضت مدة لمثلها أجرة وإن عفنت تحت البناء بحيث لو أخرجت لا قيمة لها تؤخذ منه قيمتها ولا تقلع لأنها صارت مستهلكة فهو كالثوب إذا احترق، ولو أدخلها في سفينة لا يخلو إما أن يكون على الشط أو في الماء فإن كانت في الشط في موضع لا يخشى من قلع اللوح الغرق فهو كما لو كان في البناء يؤمر بنزعها وردها على صاحبها، وإن كانت في وسط الماء فإن كان اللوح في أعلاها بحيث إذا قلع لا يدخل الماء إليها قلع، وإن كان في أسفلها بحيث إذا قلع دخلها الماء نظر، فإن كان في السفينة أدمي أو بهيمة أو مال لغير الغاصب لا يجوز نزعها حتى ترد إلى الشط، ثم ينزع في موضع يؤمن فيه من غرق الحيوان وهلاك المال، وإن كان فيها مال للغاصب اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: [43/ب] يؤمر بنزعها وإن أدى إلى هلاك ماله كما نأمره بنزع الساجة من بنائه، وإن أدى إلى نقص بنائه ومنهم من قال: ترد إلى الشط ثم يؤمر بنزعها لان لنا طريقاً إلى نزعها من غير هلاك ماله وليس كذلك هناك وهذا أقرب إلى المذهب وأصح وكذلك إن لم يكن فيها مال وخيف غرق السفينة وحدها فإذا قلنا: لا ينزع حتى ترد إلى الشط يخير المغصوب منه فنقول له: إن شئت صبرت حتى تأخذ في الشط عين مالك، وإن شئت طالبت بالقيمة في الحال فأيهما اختار كان له، فإن صبر فالكلام في النقص والأجرة على ما ذكرنا.
ومن أصحابنا من قال: لا فرق بين أن يكون المال للغاصب أو لغيره فحكمه نزع
اللوح ورده إلى صاحبه وهذا ضعيف لأنه لم يوجد التعدي من غير الغاصب فلا يجوز إتلاف ماله، وقال أبو حنيفة: لا ينزع اللوح بحالٍ للضرر الذي يلحقه بالنزع فنقول: عندكم لو غصب ألواحاً ومساميراً واستأجر جماعة وكلفهم تركيب السفينة من الأعيان المغصوبة لم يكن لهم حق في أعيان أموالهم بل حقهم في القيمة وأي ضرر لحقه ها هنا فدل أن ما قاله ظاهر الفساد.
فرع
لو اختلطت هذه السفينة التي أدخل اللوح في بنائها بعشر سفن للغاصب ولا يوصل إليها إلا بهدم جميعها فيه وجهان:
أحدهما: يهدم جميعها حتى يوصل إليه كما يهدم جميح السفينة الواحدة ليوصل إليه.
والثاني: لا يجوز هدم شيء منها إلا أن يتعين اللوح فيها ويلزم القيمة لأنه لا يجوز أن يستهلك عليه مال لا يتيقن التعدي فيه، وأما إذا غصب خيطاً فخاط به شيئاً لا يخلو إما أن يخيط ثوباً أو جرح حيوان فإن خاط ثوباً أمر بفتقه ورد الخيط إلى صاحبه والتزام النقص إن كان قد دخله النقص، وإن خُلقَ الثوب وصار بحيث إذا خرج منه تقطع ولم ينتفع به لا ينزع ويصير كاللوح إذا عفن تحت البناء، وإن خاط به جرح حيوان لا يخلو إما أن يكون آدمياً أو بهيمةً فإن كان آدمياً نظر، فإن خاف من نزعه تلفه لا يحل نزعه قولاً واحداً [44/أ] لأنه لو احتاج إليه في الابتداء له غصبه لذلك، وإن كان يخاف من نزعه شدة الضنى وتباطؤ البرء فيه وجهان بناءً على القولين فيمن خاف من إمساس الماء شدة الضنى أو تباطؤ البرء هل له التيمم أم لا؟ وإن كان يخاف الزيادة في العلة قد قيل: لا ينزع قولاً واحداً وقيل: فيه وجهان أيضاً، وإن كان بهيمةً لا يخلو إما أن يكون مما يحل قتله كالذئب والكلب العقور فيؤمر بنزعه وإن أدى إلى تلفه لأنه لا حرمة له في نفسه وكذلك المرتد، وإن كان مما يحل قتله لا يخلو إما أن يكون مما يحل أكله أو لا يحل فإن كان مما لا يحل أكله فالحكم فيه ما ذكرنا في الآدمي لأن لهذاا الحيوان حرمة في نفسه فإن كان مما لا يحل أكله فيه قولان أحدهما: يؤمو بذبحه ورده رواه الربيع لأن أكثر ما فيه دخول الضرر على الغاصب ويجوز ذلك كما يجوز نقض بنائه، والثاني: وهو ما نقله المزني وهو المذهب لا يذبح بل تلزمه قيمته لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن ذبح الحيوان لغير مأكلةٍ" وهذا ذبح لغير مأكلةٍ فإذا قلنا: لا ينزع يؤخذ من الغاصب قيمة الخيط ثم إن أخرج الخيط يوماً وهو صحيح ينتفع به فللمالك أن يسترده ويرد القيمة كما قلنا في الآبق إذا غرم القيمة ثم عاد، وقال بعض أصحابنا بخراسان: القولان في الحيوان المأكول للغاصب، وإن كان لغير الغاصب لا ينزع قولاً واحداً.
فرع
لو خاط به جرح حيوان ثم مات الحيوان ثم طالب المالك، فإن لم يكن له حرمة بعد موته ينزع، وإن كان مما له حرمة كالآدمي فإن لم يفحش ابن آدم بعد نزع الخيط
نزع، وإن كان يفحش لم يذع لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "حرمة ابن آدم بعد موته كحرمته في حياته هكذا ذكر في "الحاوي" 1، وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل ينزع بعد موته وجهان؟ والأصح أنه لا ينزع بحالٍ.
مسألة 2 قال: "ولو غصبَ طعاماً فأطعمه من أكله".
الفصل
وهذا كما قال: إذا غصب طعاماً ثم أطعمه [44/ب] إنساناً لا يخلو إما أن أطعمه غير المالك أو أطعمه المالك فإن أطعمه غير المالك فالكلام في ثلاثة فصول في الضمان وقدره والرجوع، وأما الضمان فله أن يضمن من شاء منهما من الغاصب والآكل لآنه أتلف مال غيره من غير إذنه والغاصب أخذه من غير إذنه.
وأما قدر الضمان يطالب الغاصب بأكثر ما كانت قيمته من حين الغصب إلى حين قبضه الآكل وأكله أو يطالب الآكل بأكثر ما كانت قيمته من حين قبضه إلى أن أكله ولا يضمنه ما حصل في يد الغاصب على ما ذكرنا فيما تقدم.
وأما الكلام في الرجوع لا يخلو الغاصب حين أطعمه من ثلاثة أحوال إما أن يقول: كل وأطلق أو يقول: كل فإنه لفلان غصبته منه أو كُل فإنه مالي فإن قال: كُل وأطلق أو قال: قد وهبته لك فحكمهما سواء هل يرجع الآكل على الغاصب؟ قولان أحدهما: لا يرجع لأنه دخل فيه على أن لا يكون مضمونا عليه، والثاني: لا يرجع لأنه أتلفه في منفعة نفسه وهذا أشبه وهو بمنزلة الرجوع بالمهر على الغاصب إذا غرمه المشتري قولان على ما ذكرنا، وإن غرم الغاصب هل يرجع على الآكل؟ قولان:
فإن قلنا: إذا غرم الآكل لم يرجع على الغاصب لا يرجع الغاصب على الآكل.
وإن قلنا: إذا غرم الآكل يرجع على الغاصب لا يرجع الغاصب على الآكل، وقال البصريون من أصحابنا: لو أذن له بأكله فأكله من غير هبةٍ وإقباض يرجع الآكل على الغاصب قولاً واحداً، والقولان إذا أكله بعد الهبة والإقباض فعلى هذا لو غرم الغاصب لا يرجع به على الآكل قولاً واحداً وإن قال: كُلْه فإني غصبته فللمالك أن يرجع على من شاء على ما ذكرنا ثم إن رجع على الغاصب رجع الغاصب على الآكل قولاً واحداً، وإن رجع على الآكل لم يرجع به على الغاصب قولاً واحداً لأنه لم يغرم وإن قال: كُله فهو ملكي فإن رجع على الغاصب فغرم لم يرجع به على الآكل قولاً واحداً لأنه يقول أكلت ملكي فلا أرجع به عليك وإن رجع [45/أ] على الآكل هل له الرجوع على الغاصب؟ قولان وان أطعمه المالك فإن كان يعلم أنه طعامه فقد برئ من ضمانه، وإن لم يعلم فيه قولان:
أحدهما: لا يبرأ من ضمانه وهو الصحيح المنصوص لأنه أكله على أنه مال المطعم ولم يأكله على أنه مال نفسه فلا يبرأ من ضمانه.
والثاني: حكاه الربيع عنه أنه يبرأ من ضمانه لأنه باشر إتلافه بنفسه فلا يجوز أن
يرجع بضمانه على غيره وبه قال أبو حنيفة وهو اختيار المزني، وقال البصريون: إذا قال لمالكه: كله فأكله لا يبرأ من ضمانه قولاً واحداً لأن استهلاكه كان بإذن الغاصب فكان وباله عليه.
فرع
لو وهبه ولم يعلمه بحاله فقبضه وأكله فيه طريقان أحديهما أنه لا فرق ففيه قولان أيضاً وهو ظاهر كلام الشافعي لأنه أطلق الإطعام من غير تفصيل، والثانية أنه لا يبرأ من الضمان قولاً واحداً لأنه رده إلى يده رداً تاماً وليس كذلك إذا أباحه له لأنه لم يرده إليه، ألا ترى أنه لا يجوز للمطعم أن يتصرف فيه إلا بالأكل وحده.
فرع آخر
لو دفعه إلى مالكه على وجه يجب به الضمان كالعارية أو الشراء أو الأخذ بالسوم يبرأ في جميع ذلك، ولو دفع إليه وديعة ورهنا أو قراضاً ونحو ذلك لا يبرأ من الضمان ذكره القفال، وفيه وجه أخر يبرأ لأنه عاد إلى يده.
فرع آخر
لو علفه دابة المالك أو أطعم عبده لا يبرأ من الضمان قولاً واحداً، وغن علف دابته بإذنه ولم يعلم هو أنه له ينبغي أن يكون على القولين.
فرع آخر
لو أذن له بعتقه فإن علم بحاله ينفذ عتقه ويبرأ هو من ضمانه، وإن لم يعلم بحاله قال أبو حامد: لا ينفذ عتقه، ومن أصحابنا من قال: يعتق ولا يبرأ من ضمانه وهو الأصح.
فرع آخر
لو كان عبداً فقال: اقتله فإنه ملكي فقتله المالك يبرأ الغاصب على الصحيح من المذهب لأن القتل لا يباح [45/ب] بالإباحة فلا يوجد التعزير، وفيه وجه أخر لا يبرأ من ضمانه.
فرع آخر
لو وهب من وجل فأكله ثم اختلفا فقال الغاصب للآكل: علمت غصبه وأنكر العلم فإن قال الغاصب: أعلمتك عند الهبة أنه مغصوب فالقول قول الغاصب وإن قال: علمت من غيري فالقول قول الموهوب له، والفرق أنه إذا ادعى إعلامه بنفسه فقد أنكر عقد الهبة على الصحة فقبل قوله بخلاف ما لو قال: علمت من غيري.
مسألة 1: قال: "وإذا حلَّ دابةً أو فتح قفصاً عن طائر".
الفصل
وهذا كما قال: إذا حل دابة أو فتح قفصاً عن طائر نقل المزني أنهما إن وقفا ثم
ذهبا فلا ضمان وهو منصوص في "الأم" في كتاب اللقطة، وقال في القديم: إذا خل دابة أو فتح قفصاً عن طائر فذهبا فلا ضمان وأطلق وجملته أن فيها مسائل إحداها أن يفتح القفص ويهيجه وينفره أو فتحه ينفره فطار فعليه الضمان قولا واحداً وكذلك في الدابة لأنه ألجأه إلى الذهاب.
والثانية أن يفتحه فوقف وقفة ثم طار فلا ضمان عليه قولاً واحداً لأنه نص قوله في كتاب اللقطة وظاهر قوله في القديم، وكذلك الدابة لأن الفتح سبب غير ملجئ والطيران مباشرة وقعت باختيار الطير وإذا اجتمع السبب والمباشرة في الإتلاف ولم يكن السبب ملجئاً وتعلق الضمان بالمباشرة اختص بها كما لو حفر بئراً في طريق المسلمين وجاء أخر فطرح فيها حيواناً لإنسان فمات يلزم الضمان على الطارح دون الحافر.
وقال مالك: يضمن، وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا قول أخر للشافعي وأنكره أهل العراق، واحتج بأن فتح القفص سبب في إتلافه فضمنه وهذا غلط لما ذكرنا.
والثالثة أن لا يقفا عقيب الفتح والحل وذهبا في الحال فظاهر ما نقله المزني أن عليه الضمان لأنه شرط وقوفهما بعد الفتح ساعة [46/أ] في سقوط الضمان فدليله أنهما إذا لم يقفا وذهبا من ساعتهما يجب الضمان.
وقال في "الإفصاح": ذكر الشافعي في هذه المسألة في كتاب اللقطة، وقال: لا ضمان عليه وأطلق والقاضي أبو حامد خالفه في هذه الحكاية، وقال: شرط الشافعي في كتاب اللقطة ذهابهما بعد وقوفهما في سقوط الضمان، وفي الجملة اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: لا ضمان عليه ولا فرق بين ذهاب الطير من ساعة الفتح وبين ذهابه بعد وقوفه، وقال: لا أجعل لكلام الشافعي دليل الخطاب وبه قال أبو حنيفة، وهذا لأن هذا السبب غير ملجئ فأشبه إذا وقف ثم خرج، وقال أكثر أصحابنا وهو اختيار أبي إسحاق وابن أبي هريرة: يلزمه الضمان لاتصاله بالسبب فصاركالإلجاء وهذا ظاهر ما نقل المزني، ومن أصحابنا من قال: إن كان الدنو منه هيجه ضمن وإلا فلا يضمن قولاً واحداً.
فرع
لو أمر طفلاً أو مجنوناً بإرسال طائر في يده فأرسله فطار فهو كفتح القفص عنه أو نفره أو أمر الطفل بتنفيره ضمنه، وإن لم ينفره ولبث زماناً لم يضمنه وإن طار في الحال فيه وجهان.
فرع آخر
لو كان الطائر ساقطاً على برجٍ فنفره بحجر رماه به فطار من تنفيره لم يضمن.
فرع آخر
لو رمى وجل حجراً في هواء فأصاب طير رجل ضمنه عمد أو لم يعمد لأنه ليس له منع الطائر من الطيران في هوائه، بخلاف ما لو دخلت البهيمة داره فمنعها بضرب لا تخرج إلا به لا يضمنها لأن له مع البهيمة من داره.
فرع آخر
لو فتح مراح غنم فخرجت ليلاً فرعت زرعاً فإن كان الذي فتحه المالك ضمن الزرع، وإن كان غير المالك لم يضمنه، والفرق أن المالك يلزمه حفظها بالليل فإذا فتح عنها ضمن لترك حفظها بالليل حتى لو كان نهاراً لا يضمن وغير المالك لا يلزمه حفظها فإذا فتح عنها لم يضمن.
فرع آخر
لو حلَّ دابةً مربوطةً على علف أو شعير فأكلته لم يضمن لأن الدابة [46/ب] بالإباحة فلا يوجد التعزير، وفيه وجه أخر لا يبرأ من ضمانه.
فرع آخر
لو وهبه من رجل فأكله ثم اختلفا فقال الغاصب للأكل: علمت غصبه وأنكر العلم فإن قال الغاصب: هي المتلفة دونه، وكذلك لو كسرت إناء في الدار لم يضمنه سواء اتصل ذلك بالحل أو انفصل عنه.
فرع آخر
لو هدم حائط رجل فدخل آخر فأخذ ماله لم يجب على الهادم ضمان المال بل يجب ضمان الحائط فقط.
فرع آخر
لو حل قيد العبد فهرب لا ضمان عليه سواء هرب من ساعته أو بعده لأنه لا يمسك بالقيد عرفاً، وقال بعض أصحابنا: لو كان العبد مجنوناً فحل قيده فخرج يحتمل أن يضمن لأنه تمسك بالقيد عرفاً كالطير.
مسألة 1: قال: "ولو حلَّ زَّقاً أو راوية فاندفقا ضمن".
الفصل
وهذا كما قال: إذا حلَّ زقاً فيه شيء فخرج فيه مسائل: إحداها: أن يكون ما فيه مائعاً كالماء والدهن وخرج بحله مثل أن كان خروجه عقيب فتحه يلزم ضمانه لأن المائع لا اختيار له وخروجه كان بفعله وفتحه للزق مع علمه بخروج ما فيه مباشرة لإخراجه بلا خلاف ويفارق الطير لأن له اختياراً.
والثانية: أن يكون الزق مستنداً إلا أنه لما حلا اضطرب فسقط وخرج ما فيه يلزمه الضمان أيضاً لأنه خرج بفعله.
والثالثة: أن لا يخرج عقيب الحل ولكنه لما حله مال أحد جانبيه ولم يزل يميل ويسيل من رأسه قليلاً قليلاً حتى سقط فخرج ما فيه يلزمه الضمان أيضاً، لأنه حصل بسراية فعله.
والرابعة أن لا يخرج عقيب الحل وثبت الزق بعد الحل مستنداً إلى حائط ثم سقط بعد ذلك بهبوب الريح أو
زلزلة أو تحريك إنسان أو لم يعلم كيف سقط فلا ضمان عليه لأن الظاهر أن حله لم يدفعه ولم يحصل من جهته سبب ملجئ.
والخامسة: أن يكون في الزق شيء جامد مثل السمن والدبس فحله ثم وقعت عليه الشمس فذاب ثم اندفق فيه وجهان:
أحدهما: لا ضمان عليه لأن الحل كان ولم يكن منه [47/أ] اندفاق وإنما حصل من الذوبان بوقوع الشمس عليه.
والثاني: يلزمه الضمان وهو الصحيح لأن الاندفاق حصل من حله لا بمعنىَّ آخر ويخالف إذا كان ذائباً فوقف ثم أندفق لأنا نعلم أنه حدث فيه أمر آخر دفعه غير الحل، ولو أندفق بسبب آخر بتحريك ريح ونحوه لا يضمن وجهاً واحداً وعند أبي حنيفة يجب ضمان ما في الزق في جميع الأحوال.
فرع 1
لو كان في الزق ما هو بطيء الذهاب كالدبس الثخين والعسل القوي فاندفع يسيراً يسيراً حتى ذهب ما فيه فإن كان مُستعلى الرأس فلبث زمانا لا يندفع شيء منه ثم اندفع فلا ضمان، وإن اندفع في الحال أو كان منكساً رأسه فإن لم يقدر مالكه على استدراك شده حتى ذهب ما فيه ضمنه، وإن قدر على استدراك ما فيه فتركه المالك مع القدرة على استدراك شده فهل يضمن؟ وجهان أحدهما: يضمن كما لو خرق ثوبه وهو قادر على منعه أو قتل عبده وهو قادر على منعه، والثاني: لا يضمن، والفرق أنه في القتل والتخريق مباشر وفي حل الوكاء متسبب والسبب سقط حكمه مع القدرة على الامتناع منه كمن حفر بئراً فمر بها الإنسان وهو يراها ويقدر على اجتنابها فلم يفعل حتى سقط فيها لم يضمنه الحافر.
فرع آخر 2
لو كان الزق مُستعلى الرأس وهو يندفع بعد الحل يسيراً بعد يسير فجاء أخر فنكسه حتى تعجل خروج ما فيه فذهب فعلى الأول ضمان ما خرج قبل التنكيس وفيما خرج بعده وجهان أحدهما: ضمانه عليهما لاشتراكهما في سبب ضمانه، والثاني: ضمانه على الثاني لسقوط السبب مع المباشرة فمار كالذابح يسقط سراية الخارج.
فرع أخر 3
لو أدنى من الجامد ناراً بعد كشف إناثه وحل وكائه فحمي بها وذاب فلا ضمان على واحدٍ منهما، أما صاحب النار فلم يباشر بها ما يضمن به، وأما كاشف الإناء وحال الوكاء فلم يكن منه عند فعله جناية يضمن بها وصارا كسارقين نقب أحدهما: الحرز وأخرج الأخر المال لم نقطع واحداً منهما لأنه [47/ب] لم يكمل فعل كل واحد فيما يوجب القطع.
فإن قيل: لم ضمن إذا ذاب بالشمس في أحد الوجهين ولم يضمن إذا
كان بالنار؟ قلنا: لأن طلوع الشمس معلوم فصار كالقاصد له ودنو النار غير معلوم فلم يصر قاصداً له هكذا ذكره في "الحاوي" 1، ومن أصحابنا من قال: يجب الضمان على صاحب النار لأنه باشر الإتلاف بإدناء النار فصار كما لو ألقى رجلاً في بئر حفرها غيره يلزم الضمان على الملقي وليس كالسرقة لأنه يجب الضمان هناك على من أخرج المال والقطع لا يجب لأنه لم يهتك الحرز وهو شرط والضمان يجب بمجرد الإتلاف.
فرع آخر 2
لو كان كاشف الإناء وحال الوكاء هو الذي أدنى النار منه فذاب ضمن وجهاً واحداً بخلاف الشمس في أحد الوجهين لأنه من فعله وليس طلوع الشمس من فعله وصار كتفرده بهتك الحرز وأخذ ما فيه في وجوب القطع عليه.
فرع آخر 3
لو حل رباط سفينة فشردت بعد حل رباطها فغرقت فإن كان غرقها في الحال من غير لبثٍ يضمن لحدوث التلف بفعله، وإن تطاول بها اللبث بعد الحل ثم غرقت بعده فإن ظهر سبب غرقها بحادث من ريح أو موج فلا ضمان لتلفها بما هو غير منسوب إليه، وإن لم يظهر حدوث سبب لتلفها ففي ضمانها وجهان أحدهما: لا يضمنها كما لا يضمن الزق إذا لبث بعد حله ثم مال.
والثاني: يضمن بخلاف الزق لأن الماء أحد المتلفات.
مسألة 4: قال: "ولو غصبَهُ داراً فقال الغاصب: هي بالكوفةِ".
الفصل
وهذا كما قال: إذا ادعى رجلٌ على رجلٍ داراً في يده لم تسمع الدعوى حتى يحروها والتحرير أن يعين الدار بذكر حدودها وموضعها فإذا تحررت الدعوى لم يخل المدعي عليه من أحد أمرين إما أن يقر أو ينكر، فإن أنكر حلف وانصرف وإن أقر وقال: له في يدي دار ألزمناه أن يصفها فإذا وصفها لم يخل المدعي من أحد أمرين إما أن يقبل ذلك أو يرد، فإن قبل فغيه ثلاث مسائل إحداها قال: قد أقر بما ادعيته ووصفه ما أقر به تسلم وانصرف.
والثانية قال: [48/ أ] أقر بغير ما ادعيته ووصف ما أقو به قلنا: اقبض التي أقر بها واستحلفه على شيء واحل وهو فيما رد عينه عليه.
والثالثة قال: أقر بما ادعيته ووصف غير ما أقر به قلنا: تسلم التي وصفها واستحلفه على شيئين لأنك تدعي عليه شيئين أحدهما: الدعوى الأولى، والثاني: يدعي أنه قد اعترف لك بها فيحلف على الأمرين معاً هذا إذا قبل ما وصفه فأما إذا رد ما وصغه وقال: هذه التي وصفها ليست لي ففيه مسألتان:
إحداهما: قال: أقر بغير ما ادعيته ووصف ما أقر به حلفناه على شيء واحد.
والثانية: قال: أقر بما ادعيته ووصف غير ما أقر به حلفاه على الأمرين معاً وعلى هذا من أقر لغيره بدار كلف التعيين فإن عين الدار فقال: هي هذه نطر ني المقر له فإن قال: قد عين ما أقر به تلا للمقر له: فما قولك في التي تدعيها فإن قال: هي لي قلنا: تسلمها واستحلفه أن التي أقر لك بها هي التي عينها فإن قال: التي عينها ليست لي قلنا: قد أقر لك بما لا تدعيه وتدعي عليه أنه عين غير ما أقر به قلنا: فاستحلفه أن التي عينها هي التي أقر لك بها وبطل حكم الإقرار في التي أقر بها لإنكار المقر له نص عليه، وإن امتنع من التعيين قال الشافعي: حبي حتى يعين، وقال أصحابنا: قلنا للمقر له عيّن أنت فإذا عين سألنا المقر فإن قال: هي التي عينها تسلمها وانصرف، فإن قال: ليس له قلنا: فعليك اليمين أنها ليست له فإن حلف سقط التعيين، وإن نكل رددنا اليمين على المقر له فإن حلف تسلمها وإن لم يحلف انصرف حتى يحلف.
فرع 1
لو قال: غصبته داره ثم قال: أردت دارة الشمس أو القمر فإن قال مبتدئاً قبل، وإن قال ذلك جواباً عن دعوى دار عليه قيه وجهان أحدهما: يقبل توله لاحتماله، والثاني: لا يقبل قوله فيه لأنه إذا كان جواباً انصرف عنه الاحتمال إلى ما تضمه الدعوى.
فرع آخر
لو ادعى أنه غصب هذه الدار وأقام بينة فشهد أحد الشاهدين أنها ملكه وشهد الآخر أنها [41/ب] حيزه لم تقبل هذه الشهادة لأنها قد تكون حيزه ملكاً وغير ملكٍ فإذ قال: حيزه ملكاً تمت الشهادة.
فرع آخر 2
لو شهد أحدهما: أنه غصبها يوم الجمعة، وشهد الآخر أنه غصبها يوم الخميس لم يحكم بها لأنهما غصبان.
فرع آخر
لو شهد أحدهما: فقال: أقر عندي يوم الخميس أنه غصبها، وقال الأخر: أقر عندي يوم الجمعة أنه غصبها قال الشافعي: لم تقبل هذه الشهادة وأجمح أصحابنا أنها مقبولة لأن الإقرار، وإن كان في وقتين فإنه إخبار عن الغصب في وقت واحد ومسألة الشافعي إذا قال أحدهما: الغصب كان يوم الخميس، وقال الأخر: الغصب كان يوم الجمعة.
فرع آخر 3
لو شهد أحدهما: أنه غصبها من وكيله، وقال الأخر: غصبه إياها ولم يقل: غصبها
منه كملت البينة لأن المغصوب من وكيله مغصوب منه فلم تتناف الشهادتان.
فرع آخر
لو قال أحدهما: غصبها من وكيله، وقال الآخر: غصبها منه لم تكمل بينته، ولو قال أحدهما: رأيتها مغصوبة في يده يوم الخميس، وقال الآخر: رأيتها مغصوبة في يده يوم الجمعة كملت البينة، ولو قال أحدهما: أقر عندي أنه غصبها يوم الخميس، وقال الآخر: أقر عندي أنه غصبها يوم الجمعة لم تكمل البينة بهما لأنهما غصبان.
فرع آخر
لو اعترف له بدارٍ مبهمةٍ ومات قيل للوارث: بيّن فإن لم يبين قيل للمدعي: بيّن أنت، فإن بيّن وعيّن دارا ًقلنا للوارث: ما تقول؟ فإن قال: هي التي أقر له بها أخذها وإن أنكر فقال: ليست هذه فالقول قول الوارث مع يمينه، فإذا حلف سقط تعيين المدعي وقيل للوارث: نحبسك حتى تبين الدار التي أقر له أبوك بها.
فرع آخر
لا ادعى داراً في يده فقال: لا أمنعك منها سقطت الدعوى إلا أن يدعي أنه أنهدم شيءٌ منها أو نقصها حين كانت في يده فعليه ضمانه حينئذ فيحلف على أنه لا يلزمه ما ادعاه.
فرع آخر
قال ابن أبي أحمد [49/أ] في التلخيص: لو أن رجلاً كان يحمل خشباً فاستراح إلى جدارٍ وأسند الخشبة إليه فسقط الجدار على شيء فأتلفه فإن كان الجدار لغيره ولم يكن بأمر صاحبه فعليه ضمان الجدار وضمان ما سقط عليه، وإن كان الجدار للحمال نظر، فإن سقط من ساعته فعليه ضمان ما سقط عليه، وإن سقط من بعد فلا ضمان عليه قلته تخريجاً قال أبو عبد الله في شرح "التلخيص": هذا صحيح لأنه إذا لم يسقط في الحال فما يحدث بعده هدر لأن كل ما بناه في ملكه أو وضعه في ملكه إذا أنهدم من غير صنع منه لا يجب عليه ضمانه كذلك ها هنا وهذا لأن الفعل مباحٌ غير مضمّن بشرط السلامة وانقضى ذلك، وقال القفال: ما قاله ابن أبي أحمد غلط لأنه لا فرق في الحكم بين أن يكون الحائط ملكه أو غير ملكه فإذا سقط من بعد لا ضمان، وإن كان غير ملكه، وإنما يفترق ضمان نفس الجدار بين أن يكون ملكه أو ملك غيره ويدل على هذا أنه لو فتح قفصاً عن طائر فطار ما فيه لغيره إن طار بعد أن وقف ساعة لا ضمان سواء كان القفص له أو كان ملكاً لغيره كذلك هاهنا.
فرع آخر
لو ابتلع دابة جوهرةً لرجل لا يخلو إما أن تكون يد صاحبها عليها، أو لا يد له عليها، فإن لم تكن له يد عليها مثل إن كانت تمشي في الطريق بنفسها نهاراً فلا ضمان على أحد، وحكمها حكم بهيمةٍ لا مالك لها كالصيود لا تتعرض لها ولا لصاحبها، ولو سأله صاحب الجوهرة بيعها منه لم يجبر عليه، وقال أبو حنيفة: إن كانت قيمة
الجوهرة أكثر من قيمة البهيمة أجبر صاحبها على أخذ قيمتها وإلا فلا وهذا غلط لأن ما لا يستحق تملكه باستهلاك الأقل لا يستحق تملكه باستهلاك الأكثر كما لو كسرت إناء أو أكلت طعاماً، وإن كانت يد صاحبها عليه مثل إن كان راكباً أو قائداً أو سائقاً، فإن أمكن صاحب الجوهرة دفعها عنه فلا شيء على صاحب الدابة لأن التفريط من جهة صاحبها لما لم يدفعها عن الجوهرة وهو [49/ب] قادر على دفعها فتصير الجناية منسوبة إليه ذكره ابن أبي هريرة، وإن لم يمكنه دفعه عنها ولم يقدر صاحبها على دفعها أيضا بأن انفلتت من يده لا ضمان أيضاً، وإن كان صاحبها قادراً على دفعها فلم يدفع كان عليه ضمانها لأنه مفرّط في حفظها.
وقال ابن أبي هريرة إن كانت البهيمة بعيراً ضمن، وإن كانت شاةً لم يضمن لأن للعرف في البعير النفور فلزم منعه ومراعاته والعرف في الشاة السكون فلم يلزمه منعها ومراعاته وهذا خطأ لأن سقوط مراعاة الشاة إنما كان لأن المعهود فيها السلامة، فإذا أفضت إلى غير السلامة لزم الضمان كما نقول في ضرب الزوجة وتأديب الصبي.
فرع آخر
إذا أوجبنا على صاحبها الضمان فإن كانت البهيمة مما لا يؤكل لحمه لم يجز ذبحها وعلى صاحبها الضمان، وإن كانت مما يؤكل لحمه فيه قولان كما ذكرنا في مسألة الخيط إذا خاط به جرحها.
فرع آخر
إذا قلنا: لا تذبح يؤخذ منه قيمة الجوهرة، ثم لو ماتت أو ذبحها لمأكلةٍ فوصل إلى الجوهرة رجع بها المالك ورد القيمة بلا خلافٍ بخلاف ما لو أخذ القيمة بدل المثل ثم قدر عليه لا يرجع بالمثل لأن اتفاقهما على ذبح البهيمة لأخذ ما فيها من الجوهرة حرام فكان أخذ القيمة ضرورة وإذا حصلت الجوهرة زالت الضرورة، ولو اتفقا على القدوم إلى بلد المثل يجوز ولم يحرم فلم يكن فيه ضرورة يعتبر زوالها في الرجوع فإذا أخذ القيمة لا رجوع بعدها.
فرع آخر
لو تبايعا بهيمة فأكلت ثمنها فإن كانت بعد قبض الثمن فالبيع صحيح ثم ينظر في البهيمة فإن كانت في يد البائع فالثمن غير مضمون لأن ما جنته في يده مضمون عليه والثمن ملك له وعليه تسليم البهيمة إلى المشتري فإن قدر على الثمن بموت البهيمة أو ذبحها لمالكه رَدَّ على البائع، وإن كانت البهيمة في يد المشتري فالثمن مضمون عليه للبائع فإن كانت غير مأكولة غرم مثله، وإن كانت مأكولةً فهل تذبح لأخذ الثمن منها؟ [50/أ] قولان وإن ابتلعت قبل قبض الثمن فإن كان الثمن في الذمة لا يبطل به البيع وهو باقٍ في ذمة المشتري ثم ينظر، فإن كانت البهيمة عند ذلك في يد المشتري فما ابتلعته غير مضمون على واحدٍ منهما، أما البائع فلزوال يده بالتسليم، وأما المشتري فلأنه ماله وجناية البهيمة من ضمانه، وإن كانت في يد البائع فهو مضمون عليه، فإن
كانت مما لا يؤكل لزمه غرم مثله فعلى هذا يكون له الثمن وعليه مثله فيتقاضَّانه، وإن كانت مأكولة اللحم فهل تذبح؟ قولان:
فإن قلنا: لا تذبح لزمه غرم مثل الثمن وتقاصَّاه ولا خيار للمشتري في فسخ البيع.
وإن قلنا: تذبح لم يجز أن يتقاصاه لأن وجود عينه يمنع من استقراره في ذمة البيع والعين لا تكون قصاصاً من الذمة فعلى هذا للمشتري الخيار في فسخ البيع لأن ذبح البهيمة قد استحق في يد البائع وذلك عيبٌ حادث في ضمانه، وإن كان هو المسحتق لما أوجب العيب.
وإن كان الثمن معيّناً فإن كانت غير مأكولة بطل البيع لأنه يتعذر القدرة صار كالتالف ثم ينظر، فإن كانت البهيمة في يد المشتري فهو تالفٌ من ماله والبائع غير ضامن وعلى المشتري رد البهيمة على البائع، فإن قدر على الثمن بموتها رد على المشتري، وإن كانت البهيمة في يد البائع فالثمن مضمون عليه ويغرم مثله، وإن كانت البهيمة مأكولة ففي بطلان البيع قولان بناءً على القولين في الذبح إذا ابتلعته فإن قلنا: لا تذبح فالبيع باطل على ما ذكرنا.
وإن قلنا: تذبح فالبيع لا يبطل لأن الثمن المعين مقدور عليه ثم ينظر، فإن كانت البهيمة في يد المشتري ذبحت ودفع الثمن إلى البائع ولا خيار للمشتري في فسخ البيع لأنه عيبٌ حدث في يده، وإن كانت في يد البائع ذبحت وكان للمشتري الخيار لحدوث العيب في يد البائع، فإن كفَّ البائع عن ذبحها لم يسقط خيار المشتري لأنه لو طالب به من بعد لاستحقه، ولو أبرأ المشتري منه لم يجز لأن البراءة عن الأعيان لا تجوز [50/ ب] ولو وهبه منه لم تجز لأنها هبة ما لم يقبض وخيار المشتري في الأحوال كلها على حاله.
فرع آخر
لو مرت بهيمة رجل بقدر باقلانيّ فأدخلت رأسها فيه ولا يخرج منها لا يخلو إما أن يكون بتفريط من صاحبها، أو بتفريط من الباقلاني، أو بغير تفريط منهما أو بتفريط منهما، فإن كان بتفريط مالكها مثل إن كانت يده عليها فكأنه أدخل رأس شاته في قدر غيره هل تذبح؟ وجهان:
أحدهما: تذبح لأنه المفرط كما لو غصب ساجةً وبنى عليها ينُقض البناء.
والثاني: لا تذبح وتكسر القدر وعليه ضمان الكسر، وكذلك إن كانت بهيمة لا يؤكل لحمها تكسر القدر ولا تذبح بلا خلاف وتضمن الكسر إن كان الباقلاني مفرطاً مثل إن لم تكن يد صاحبها عليها وكانت قدر الباقلاني في الطريق كسرنا القدر ولا ضمان على أحد، وكذلك إن كان القدر في دكانه ولكنه قدر على دفعها عنها فلم يدفع، وإن لم يكن منهما تفريط مثل إن كانت القدر في دكانه ولا يد لأحد عليها ولم يقدر هو على دفعها عنها، فإن لم تكن البهيمة مأكولة كسرت القدر وضمن كسرها لأنه كسرها لتخليص ملكه، وإن كانت مأكولةً فيه قولان:
أحدهما: تذبح البهيمة.
والثاني: تكسر القدر، وإن كان منهما تفريٌط مثل إن أخذا معاً رأسها وأدخلاه معا في القدر فالتخليص مضمون عليهما لاشتراكهما في التعدي كالمتصادمين، فإن لم تكن مأكولةً كسرت القدر وضمن صاحب البهيمة نصف الكسر والباقي هدر، وإن كانت مأكولة فإن قلنا: لا يجوز ذبحها كسرت القدر وضمن نصفها صاحب البهيمة.
وإن قلنا: يجوز ذبحها فتنازعا فقال صاحب البهيمة: تكسر القدر لأضمن نصف كسرها، وقال صاحب القدر: بل تذبح البهيمة لأضمن نصف النقص في ذبحها نظر إلى البادئ منهما لطلب التخليص فجعل ذلك في جنبته فإن بدأ به صاحب البهيمة أجبر على ذبحها وربح [15/أ] بنصف نقصانها فإن بدأ به صاحب القدر أجبر على كسرها ورجع بنصف نقصها فإن كانا ممسكين عن النزاع حتى تطاول بهما الزمان أجبر صاحب البهيمة على ذلك لأن عليه خلاص بهيمته لأنها نفسٌ يحرم تعذيبها وليس على صاحب القدر خلاص قَدره إلا أن يشاء.
فرع آخر
لو كانت البهيمة لا توصل إلى منحرها لدخوله في القدر لا يكون عقرها ذكاةً لها لأنه قد يوصل إلى منحرها بكسر القدر فعلى هذا وجب كر القدر لأن عقر البهيمة لغير الذكاة حرام ثم يضمن صاحب البهيمة نصف الكسر.
فرع آخر
لو دخل فصيل في دار رجل فكبر ولا يمكن إخراجه إلا بهدم الباب فإن كان التفريط من صاحب الفصيل هل يذبح؟ وجهان فإذا قلنا: لا يذبح أو كان مما لا يؤكل هدمنا الباب والضمان على صاحبه، وإن كان التفريط من صاحب الدار فلا ضمان على أحدٍ في الهدم، وإن لم يكن من واحدٍ منهما تفريط هدم الباب والضمان على صاحب الفصيل لأنه لتخليص ملكه ولم يكن من صاحب الدار تفريطٌ، وإن كان التفريط منهما فعلى صاحب الفصيل نصف ضمان الهدم على ما ذكرنا في القدر.
فرع آخر
لو طرح رجل ديناره في محبرة رجل لا تكسر المحبرة إلا أن يضمن صاحب الدينار قيمة المحبرة، وإذا بذل قيمة المحبرة وجب كسرها ورد الدينار إلى صاحبه إلا أن يضمن صاحب المحبرة مثل الدينار فلا تكسر وهذا لأن في ذلك إزالة الضرر عن كل واحدٍ منهما، وإن غصبه صاحب المحبرة وطرحه فيها كسرت المحبرة ولا تجب قيمتها على صاحب الدينار لأنه بتفريط من جهته، وإن لم يكن منهما تفريط قلنا له: إن كسرت المحبرة فعليك ضمان ما نقص بالكسر ولك ذلك لأنه يزول الضرر عنهما به ولرب المحبرة أن يضمن الدينار حتى لا تكسر محبرته، وإن كان منهما تفريطٌ فيه كسرت المحبرة وعلى صاحب الدينار نصف الضمان.
فرع آخر
[51/ب] لو سرق فرد خُفَّ وكانت قيمة الخفين عشرة فلما فرق بينهما كانت قيمة
كل واحدٍ درهمين وهلك الذي سرقه يلزمه الضمان وكم يضمن؟ فيه وجهان أحدهما: يضمن ضمان ما هلك في يده وهو درهمان لأنه قيمة ما أتلف، والثاني: يلزمه ضمانه وضمان ما نقص بالتفرقة وهو ثمانية دراهم، وإن كانت قيمة ما بقي أربعة ضمن السارق ستة وهذا أصح، لأن النقصان حصل بفعله ولا يجب القطع بلا خلاف لأن قيمة ما أخرجه درهمان والباقي في ذمته ولا قطع فيما يلزم ذمته من الضمان كما لو أتلف في الحرز شيئاً لا يقطع بضمانه، وقال القفال: الأول أصح لأنه لا يغرم إلا فعلٌ فيه وهذا الباقي لا فعل له فيه وهذا كما نقول في عبد بين شريكين قيمته مائة دينار أعتق أحدهما: نصيبه وهو موسر لا يغرم لشريكه خمسين ديناراً ولكن يقال: كم قيمة نصف هذا العبد إذا بيع نصفه منفرداً فيقال: أربعون إذا العبد لا يُشترى نصفه منفرداً عن النصف الآخر كما يشترى إذا بيع كله وجنايته كانت على هذا النصف خاصةً وفعله كان فيه وحده فضمنه وحده كذلك ها هنا.
وقال الشيخ أبو حامد وجماعة: المذهب هذا الوجه الثاني لأن الخُفٌين كالخف الواحد في الحكم لأنه لا يقع الانتفاع إلا بهما في العادة الغالبة ففي إتلاف أحدهما: إتلاف عينه ورفع تأليفه مع الخفٌ الأخر، فهو كما لو قطع من فرد خفٍ قيمته خمسة بعضه وأتلفه فرجعت قيمة كل واحدٍ من بعضه على انفراده إلى درهم يضمن كل ما نقص كذلك ها هنا ولا يقطع يده على ما ذكرنا في قطع بعض الخف الواحد عنه السرقة لأن الغرم يجب لنقص التأليف وقطع اليد لا يجب إلا بإخراج عين قيمتها ربع دينار من الحرز وقد أخرج ما يُسوي أقل من ذلك فلا قطع، فإن قيل: أليس نقصان السعر لا يلزم مع بقاء عينه فكذلك ها هنا قلنا: ذاك ليس من فعله وهذا من فعله فضمن.
فرع آخر
[52/أ] لو أرسل في ملكه ماء فسال إلى ملك غيره لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون قدر الحاجة أو أكثر فإن كان أكثر يلزمه الضمان لأنه مفرّطٌ فيه، وإن كان قدر الحاجة نظر، فإن كان يعلم أنه يفيض إلى ضيعة غيره مثل إن علم للماء طريقاً كثقب الفارة ونحو ذلك يلزمه الضمان أيضاً لأنه مفرطٌ فيه، وإن لم يعلم ذلك فدخل الماء إلى ملك غيره فلا ضمان عليه لأنه غير مفرط فيه وكذلك إن لم تكن حاجة ولكنه أرسل قدراً جرى به العرف لا ضمان عليه، وقال في "الحاوي": إن لم يكن له في أرضه مفيض له ولا كان في حدودها ما يصده عن الخروج إليه ضمن لما في طبع الماء من الجريان.
فرع آخر
الحكم في النار كالحكم في الماء سواء، فإذا أشعل في د اره ناراً فانتشرت وتعدت إلى دار جاره فأحرقتها فإن كانت النار إذا انتشرت فيما هي فيه لم يخرج عن حدود داره لا يضمن لأنه لم يتعد بها، وإن كان انتشارها فيما هي فيه يخرجها عن حدود داره ضمن لأن من طبع النار انتشارها فيما وقعت فيه فصار متعدياً بها فضمن، وإن أجَّج
قدر حاجته فانتشرت إلى غيره بعارض الريح لا يضمن، ولو أشعل في أرضه في يومٍ شديد الريح لا تثبت النار في موضعها ضمن.
فرع آخر
لو غصب منه سجلاً أو صكاً أو كتاب عهدةٍ فأتلفه كان عليه قيمته وإن قلت وسواء بطل احتجاج المالك بها في تثبيت أملاكه أم لا، ولو لم يتلفه ولكن محا ما كان مثبتاً فيه من خطّ وثيقةٍ لا شيء عليه إلا أن ينقص بذلك قيمة الكتاب فيضمن ما نقص ولكن يعزر إن فعل ذلك إضراراً به وإبطالاً لوثيقته.
فرع آخر
لو أطارت الريح ثوباً في داره فأكلته البهيمة بعد علمه فإن قدر على منعها فلم يمنع ضمن وإن لم يقدر على منعها لم يضمن.
فرع آخر
لو علم هو مالك الثوب يلزمه إعلامه فإن لم يعلمه ضمن، وإن علم مالكه بوقوعه فيه ليس عليه إعلامه ولا ضمان عليه في تركه.
فرع آخر
لو أطارته الريح بعد تركه فهلك فإن لم يقدر على حفظه عنا هبوبه لا يضمن، وإن قدر على حفظه [52/ب] عند هبوبه فيه وجهان أحدهما: لا يضمن لأنه لم يكن منه ما يضمن به، والثاني: يضمن كما لو أكلته بهيمة يقدر على منعها.
فرع آخر
لو كان الثوب حين أطارته الريح إلى داره وقح في صبغ لصاحب الدار فانصبغ به لا ضمان على واحدٍ منهما لعدم التعدي منهما ثم ينظر، فإن أمكن استخراج الصبغ من الثوب استخرجه ويكون نقص الثوب والصبغ هدراً، وإن لم يمكن استخراجه كانا شريكين فيه بقيمة الصبغ والثوب على زيادته ونقصه.
فرع آخر
لو سقط في دار رجل طائر مملوك فلا ضمان عليه ولا يلزم إعلام صاحبه به سواء كان عالماً أو غير عالمٍ بخلاف الثوب لأن الطير ممتنع وعوده بنفسه ممكن.
فرع آخر
لو دخل الطير في برج صاحب الدار فأغلق عليه باب البرج فإن نوى بإغلاقه تملك الطير ضمنه، وإن لم ينو تملكه فلا ضمان عليه لأنه يملك التصرف في داره كيف شاء.
فرع آخر
لو جلس قصَّار في ملك نفسه وبجنبه حمَّام متى دقَّ الثياب في ملكه لا يثبت الحمَّام فله ذلك ولا يلتفت إلى ضرر جاره ذكره أصحابنا.
مسألة 1: قال: "ولو غصبَهُ دابةُ فضاعت فأدَّى قيمتَهَا".
الفصل
وهذا كما قال: إذا غصب دابة فضاعت أو عبداً فأبق ولا يعرف موضعها يلزم الغاصب قيمتها فإذا دفعها يملكها المالك ولا يملك الغاصب العين المغصوبة، فإذا ظهرت بعد دفع القيمة إلى صاحبها كان صاحبها أحق بها ويلزمه رد قيمتها على الغاصب، وقال أبو حنيفة: إذا غرم الغاصب القيمة زال ملك المالك عن العين وملكها الغاصب وإذا قدر عليها لا يلزمه ردها إلا أن يكون الغاصب دفع قيمتها بقوله مع يمينه وكانت القيمة أكثر مما قال.
فللمالك ردها واسترجاع العين والخلاف في فصلين أحدهما: في أن الغاصب هل يملكها بدفع القيمة، والثاني: في أنه إذا قدر عليها هل يلزم الغاصب ردها أم لا؟ والدليل على قولنا إنه غرم ما تعذر عليه رده بخروجه عن يده فلا يملكه به كما لو غرم قيمة العبد المدبر [53/أ] عند إباقه، فإذا تقرر هذا فإنه يجب على الغاصب أجرتها من حين غصب إلى أن أخذ القيمة قولاً واحداً.
وأما الأجرة من حين سلم القيمة إلى أن رد العين المغصوبة هل يلزم أم لا؟ فيه وجهان أحدهما: تلزم الأجرة لأن العين باقية على ملكه والمنفعة له ولزمته قبل دفع القيمة لأنه حال بينه وبين ملكه وهذا المعنى موجود بعد دفع القيمة أيضا وهذا ظاهر المذهب، والثاني: لا تلزم الأجرة لأنه ينتفع بالقيمة التي أقيمت مقام العين فلا تلزم الأجرة لمنافع العين وهذا أقيس، وأما نماؤها لمالكها متميزاً كان أو غير متميز ويلزمه ردها مع النماء، ولو زادت العين بعد دفع القيمة ثم ذهبت الزيادة ضمنها في ظاهر المذهب، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان أيضاً كما قلنا أيضاً في الأجرة، وكذلك قالوا في زيادة السوق إذا حصلت في هذه الحالة وبلغت العين بعد ذلك هل يضمنها أم لا؟
وأما القيمة إن كانت قائمةً ردها فإن كانت زادت فإن كانت الزيادة غير متميزة كالسمن وتعليم القرآن ردها بزيادتها، وإن كانت الزيادة متميزةً كالثمار والنتاج فهذه الزيادة للمغصوب منه دون الغاصب وهذا يتصور إذا أخذ في قيمتها عبداً أو جاريةً أو شجرة ونحو ذلك، وإن كانت تالفةً رد بدلها مثلها إن كان لها مثل أو قيمتها إن لم يكن لها مثل، وأعلم أن هذه الجملة ذكرها أصحابنا بخراسان والعراق وذكر صاحب "الحاوي" 2 حكم هذه المسألة خلاف هذا فقال: إذا أبق العبد المغصوب فإن قدر على رده بعد زمانٍ يسير لا يجبر على بدل القيمة، وإن كان العبد على مسافةٍ بعيدة يجبر الغاصب على دفع القيمة فإذا دفعها ملكها المالك ملكاً مستقراً وملك الغاصب العبد ملكاً مراعى ليتملَّكه بعد القدرة عليه إن شاء، أو يتوصل به إلى استرداد ما أجبر من دفع القيمة إن شاء لأن الإجبار يمنع من استقرار الملك بالعوض، ثم إذا قدر على العبد فهو
بالخيار بين أن يتملكه الآن وبين أن يرده ولا خيار للمغصوب [53/ب] منه لأن المغصوب منه لما ملك الخيار في الابتداء لم يملكه في الانتهاء، والغاصب لما لم يملكه في الابتداء ملكه في الانتهاء.
فإن اختار تملكه استقر ملكه عليه حينئذ باختياره، وإن طلب القيمة ولم يختر تملّكه قيل للمغصوب منه: إن رددت القيمة عاد العبد إليك ولا أجرة لك فيما مضى لأنك تملكه الآن ملكا مبتدءاً، وإن امتنعت من رد القيمة لم تجبر على ردها لأنك قد ملكتها وبيع العبد ليأخذ الغاصب من ثمنه ما دفعه من القيمة فإذا بيع فإن كان بقدر القيمة أخذ كله، وإن كان أكثر فالزيادة للمغصوب منه لأنها زيادة لم يستقر ملكه عليها، وإن كان أقل يأخذه الغاصب ويكون العجز عائداً إليه لضمانه نقص المغصوب، وإن كان رده ممتنعاً للجهل بمكانه يؤخذ منه قيمته جبراً فإذا أخذها ففي استقرار ملكه على القيمة وجهان أحدهما: أن ملكه مستقر عليها لفوات الرد، والثاني: أن ملكه عليها مراعى لجواز القدرة على الرد ثم إذا وجد العبد بعد أخذ قيمته فهو باقٍ على حكم ملك المالك يأخذه ويرد ما أخذ من قيمته فإذا استرجع رجع بنقص إن كان فيه، وبنماء إن كان وفي رجوعه بأجرته بعد أخذ قيمته وجهان مبنيان على أن ملكه على القيمة هل يكون مستقراً أو مراعى؟
ولو أن أجنبياً تصرف في هذا العبد الأبق رجع المالك عليه بالأجرة وجهاً واحداً وهل يكون مخيراً في الرجوع بها عليه وعلى الغاصب أم لا؟ على ما ذكرنا من الوجهين فإن قلنا: يضمن الغاصب الأجرة له الخيار، وإن قلنا: إنه لا يضمن الأجرة ليس له الخيار بل يرجع على المستخدم وحده ثم إذا رجع المالك بما ذكرنا فإن كان ما أخذه الغاصب من القيمة مستهلكاً تقاصّا في مقدار الأجرة وما نقص ورد مثل الباقي منه، وإن كان باقياً فإن قلنا: باستقرار ملكه عليه له أن يأخذه منها قدر ما يستحقه ويرد الباقي بعينه وإن قلنا: إنه مراعى لم يكن له أن يأخذ منه ذلك إلا برضا الغاصب لأن وجود المغصوب رفع ملكه عن القيمة فصار [54/أ] كسائر أموال الغاصب لا يجوز أن يأخذ منها حقه إلا بإذنه إذا أمكن أن يصل منه إلى حقه وليس أن يرتهن القيمة على أخذ الأجرة وله أن يرتهنها على أخذ النقص لأنها بدل عن العين دون المنفعة.
فرع
لو قال الغاصب: أنا أشتريها منك وهي عندي وقد عرفتها فباعها إياها فالبيع جائز نص عليه الشافعي قال المزني: قد أجاز بيع الغائب ومنعه في موضع آخر وهذا غير صحيح لأن هذا شيء رآه الغاصب وعرفه فلا يكون بيع الغائب كما لو كانت وديعة في يده فاشتراها بعدما رآها وعرفها وأعلم أن الشافعي يجوّز بيع المغصوب من الغاصب ومن غيره إذا كان قادراً على انتزاعه منه لا يختلف مذهبه فيه، والذي منع الشافعي هو بيع دابةٍ ضاعت من يد الغاصب وهو لا يعلم موضعها لا يجوز بيعها منه للعجز عن التسليم وجملة الأمر أن الغاصب إذا أراد شراء ما غصبه فباعه المالك نظر، فإن لم يأت عليه من المدة ما يجوز تغيره فيه يصح البيع بلا خلاف، وإن أتى عليه من المدة ما يجوز تغيره فيه يصح البيع أيضاً
على الصحيح من المذهب لأن العلم بصفات المبيع قد حصل.
ومن أصحابنا من قال: حكم الرؤية قد بطل بتطاول المدة وجواز التغير فيكون كبيع الغائب لخيار الرؤية وفيه قولان، وإن طالت المدة ونسيا أوصافه فقد بطل حكم الرؤية أيضاً وعلى هذا إذا كحل الإنسان فباع أملاكه التي كان قد رآها من قبل هل يجوز على هذا الخلاف؟
واعلم أن الشافعي قال ها هنا: ولو كان هذا بيعاً ما جاز أن تباع دابة غائبة وهو احتجاج منه على أبي حنيفة بدليل لا يسلمه لأن أبا حنيفة يجوّز بيع الغائب فيقال لهم: لو كان هذا بيعاً لزمكم أن تفصلوا في هذه المسألة بين المدبر والعبد القنّ وقد زعمتم أن الغاصب لو غصب مدبراً فأبق من يده يلزمه أن يغرم قيمته لمالكه ولا يجوز بيع المدبر [54/ب] عندكم فعلمنا أنه غرم ما غرم على طريق الحيلولة لا على طريق المبايعة وأخلَّ المزني بالنقل ها هنا ونقل كلام الشافعي على غير وجهه فقال: ما جاز أن تباع دابةً غائبةً كعين جُنيَ عليها فابيضت أو على سن صبي فانقلعت، ولو أراد قل كلام الشافعي من غير خللٍ لكان يقول وردَّ ما قبض من قيمتها لأنه أخذ قيمتها على أنها فائتة فكأن الفوت قد بطل كعين جني عليها فابيضت، أو على سن صبي فانقلعت فأخذ أرشها بعد أن أيس منها ثم ذهب البياض ونبتت السن فلما عادا رجع حقهما وبطل الأرش بذلك فيهما، ولو كان هذا بيعاً ما جاز أن تباع دابةً غائبةً.
فرع آخر
لو أبق العبد المغصوب فاستأجر الغاصب مالكها لطلبها بأجرةِ سمَّاه فيه وجهان أحدهما: يجوز وله الأجرة المسماة لأنه مالك لمنافع نفسه فملك المعاوضة عليها، والثاني: لا تجوز الإجارة ولا أجرة له لأنه لا يصح أن يعمل في ماله بعوض على غيره.
مسألة 1: قال: "ولو باعَهُ عبداً وقبضهُ المشتري ثم أقرَّ البائعُ أنه كانَ غصبَهُ منْ رجلٍ".
الفصل
وهذا كما قال: إذا باع رجل من أخر عبداً أو أقبضه إياه ثم أقر البائع أنه كان غصبه من رجل وصدقه ذلك الرجل لا يخلو المشتري من أحد أمرين إما أن يصدق البائع أو يكذبه فإن صدقه فالبيع باطلٌ وسلم العبد إلى المغصوب منه ورجع المشتري على البائع بما دفع إليه من الثمن، وان كذبه المشتري فلا يقبل قول البائع عليه في بطلان حقه من المبيع، وهل يلزم البائع قيمة العبد؟ بيناه فيما مضى فإن رجع العبد إلى البائع بشراء أو هبةٍ أو ميراث أو رد بالعيب لزمه تسليمه إلى المقر له بالغصب لأنه أقر بأنه ملكه لا حق له فيه كما نقول فيمن شهداً بعتق عبدٍ فردت شهادتهما ثم ملكاه عتق عليهما بإقرارهما السابق.
وأما الثمن فإن كان البائع ما قبض الثمن لم يكن له مطالبته به، وإن كان قد قبض لم
يكن للمشتري مطالبته به [55/ أ] لأن أحدهما: لا يدعي على صاحبه شيئاًَ، وإن كان هذا الإقرار من البائع قبل لزوم البيع في مدة الخيار حكمنا ببطلان البيع لأن البائع يملك فسخ البيع في هذه الحالة، وإن أقام البائع بينة بما يدعيه على المشتري بعد لزوم البيع لم تقبل بينته لأنه مكذب لها، وإن أقام المالك بينة بذلك نظر، فإن شهد له البائع لم تقبل شهادته وإن شهد غير البائع قبلت شهادته وحكمنا ببطلان البيع ورجع البائع على المشتري بالثمن إن كان قد قبضه، وإن لم يكن للمدعي بينة وأراد إحلاف المشتري كان له لأنه لما لزمه الحق بالإقرار لزمته اليمين مع الإنكار ويحلف أنه لا يعلم أنه مغصوب فإن لم يدع علمه بذلك لا يلزمه اليمين هكذا ذكره القفال، وكلام أصحابنا يدل على أنه يحلف على البتّ أنه له بحق ولا يلزمه رده إليه وان صدقه المشتري وحده قبل إقراره في حق نفسه وكلف تسليم العبد إلى المدعي ولا يقبل إقراره على البائع في نقض البيع ولا يرجع على البائع بالثمن، وإن كانت المسألة بحالها إلا أن المشتري أعتقه ثم اتفق البائع والمشتري على أن العبد كان مغصوباً لم يبطل البيع لأن هذا البيع تعلق به حق العبد فلا يقبل قولهما على إبطال حقه، فإن صدقهما العبد على ذلك لا يبطل البيع أيضاً لأن بالعتق يتعلق حق الله تعالى فلا يقبل قولهم في إبطال حق الله تعالى، وهل يرجع على البائع بقيمته؟ على ما ذكرناه فإذا قلنا: يرجع فإن شاء رجع بها على البائع، وإن شاء رجع بها على المشتري، فإن رجع على البائع رجع بها البائع على المشتري، وإن رجع بها على المشتري لم يرجع بها على البائع وإنما يرجع بالثمن الذي دفعه إليه، وإنما قلنا: إنه لا يرجع على البائع بما دفع من القيمة لأن الشراء اقتضى أن يكون العبد مضموناً عليه فلا يجوز أن يرجع عليه بضمانه على غيره، ولو كان هذا العبد يُسوى في يد البائع تسعمائة [55/ب] فباعه وسلمه إليه فصارت قيمته في يد المشتري ألفاً فغرم الغاصب ألفاً.
قال القفال: لم يرجع على المشتري إلا بتسعمائة لأنه لم يدخل في هذا العقد ليضمن الزيادة.
قال أصحابنا: يجب أن تستقر تمام الغرامة على المشتري ولا يجب على البائع إلا رد الثمن لأن المشتري أقر بأن البيع كان فاسداً، وفي البيع الفاسد بسبب الغصب يجب الضمان بأكثر القيمة كما في الغصب وهذا هو المذهب، وإنما القولان فيمن اشترى من المالك شراءً فاسداً هل يضمنه بيوم القبض أو بأكثر القيمة وقد مضى ذلك والولاء موقوف في هذه المسألة لأن أحداً لا يدعيه، فإن مات العبد وله مال كان للمدعي وحده لأنهم أجمعوا على أنه عبده، وإن أقام المدعي البينة نقضنا البيع ورددنا العتق وعاد العبد إليه.
فرع
لو باع شيئاً ثم قال: بعته وأنا لا أملكه ثم ملكته الآن بإرثٍ من فلان المتوفى فإن قال حين باع: إنه ملكي لم تسمع دعواه ولا بينته لأنه سبق من إقراره ما هو تكذيب لبينته وإن لم يحصل منه ما هو صريح في أنه ملكه وإنما قال: بعتك هذا الشيء، بكذا ثم ادعى ذلك تسمع دعواه فإن كانت له بينة حكم له بها، وإن لم يكن بينة حلف له
المشتري لقد باعه وهو ملكه لأنه لم يحصل من إقراره ما يكون تكذيباً لدعواه وبينته نص عليه في "الأم" حكاه القاضي الطبري وغيره ورأيت مشايخ آمل لا يقبلون هذه البينة، وكذلك قالوا: لو ادعى أن المبيع كان وقفاً عليه ولم يعلم هو لا تسمع دعواه ولا بينته والنص الذي ذكرنا أولى وعليه الفتوى وهذا لأن الإنسان قه يبيع ملكه وغير ملكه وقد يبيعه ولا يعلم الوقفية ثم يعلم.
مسألة 1:قال: "وإنْ كَسَرَ لنصراني صليباً".
الفصل
وهذا كما قال: الصليب موضوع على زعمهم أن عيسى ابن مريم صلى الله عليهما قُتل وصلب على مثله فاعتقدوا إعظامه [56/أ] طاعة والتمسك به قربة وقد أخبر الله تعالى بتكذيبهم فقال: ﴿ومَا قَتَلُوهُ ومَا صَلَبُوهُ ولَكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: 157] الآية فإن جاهرونا بالصليب وجب إنكاره ثم نظر، فإن كان الإمام شرط عليهم في عقد جزيتهم ترك مجاهرتنا به جاز في الإنكار عليهم أن يعمد إلى تفصيل الصليب وكسره رفعاً لما أظهروه من المعصية به، وإن لم يكن شرط ذلك عليهم في عقد جزيتهم وجب أن يقتصر على الإنكار عليهم في المجاهرة ولا يكسر إلا أن يقيموا بعد الإنكار على إظهاره فيكسر عليهم كسراً لا يوجب غرماً وهو بالتفصيل وإزالة التركيب فإن زاد عليه فإن كان له قيمة وهو مفصل ولم تنقص قيمته بالكسر الذي زاد على التفصيل فلا شيء عليه، وإن نقصت قيمته بالكسر فعليه ما بين قيمته مفصلاً مكسوراً وبين قيمته مفصلاً صحيحاً.
مسألة 2: قال: "ولوْ أراقَ لهُ خمرًا".
الفصل
وهذا كما قال: إذا أراق مسلم لنصرانيَّ خمراً أو قتل له خنزيراً لا يضمن، وكذلك إن أراق الذمي هذه الخمرة لا يحكم عليه بالضمان فإن خرق وعاء الخمر يلزمه أرش ما نقص لأن له قيمة في الشريعة والاعتبار بما أوجبته شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - دون ما يعتقده الكفرة الفجرة، وقال أبو حنيفة ومالك: يلزم الضمان له في الخمر والخنزير، وقال أبو حنيفة: فإن أراقها مسلم يلزمه القيمة، وان أراقها ذمي يلزمه مثلها وهذا غلط لأن ما لا يضمن في حق المسلم لا يضمن في حق الذمي كالعبد المرتد والدم، واحتج الشافعي عليهم بالموقوذة لا تُضمن لهم وهم لا يسلّمون ذلك إذا اعتقدوه مالاً واحتجوا بما روي أن عامل عمر - رضي الله عنه - كتب إليه أن أهل الذمة يمرون بالعاشر ومعهم الخمور فكتب إليه عمر - رضي الله عنه - "ولوهم بيعها وخذوا منهم عشر أثمانها" فدل أنها مال لهم فتضمن لهم قلنا: معناه لا تتعرضوا عليهم في بيعها [56/ب] وإنما أمر بأخذ العُشر من أثمانها لأنهم إذا تبايعوا وتقابضوا بالرضا حكمنا لهم بالملك ولا ننقضه وسماه ثمناً مجازاً لا حقيقةً.
فرع
[فرع]
قال في "البويطي": لو غصب من رجل عبداً فجنى العبد على إنسان فالجناية تتعلق برقبة العبد إلا أنه يتعلق الضمان بالغاصب فإن كان قد قتل فاقتص منه فقد استوفى المجني عليه حقه وعلى الغاصب قيمته للمغصوب منه، وإن كان قد قطع يده فقطعت يده فهو كما لو سقطت يده بأكلةٍ فيلزم على الغاصب ما نقص أو نصف الدية على ما ذكرناه، وإن عفا المجني عليه على مالٍ وباعه فيه وأخذ ثمنه كان لصاحبه أن يرجع به على الغاصب.
وقال بعض أصحابنا: لصاحبه مطالبة الغاصب بفكاكه من أرش الجناية.
ومن أصحابنا من قال: هذا إذا قلنا: الواجب الأقل من أرش الجناية أو قيمة العبد فأما إذا قلنا: يجب تسليم العبد للبيع أو يضمن للمجني عليه جميع الأرش فلا يجب على الغاصب تخليصه منه بجمع الأرش.
فرع آخر
قال ابن الحداد: لو غصب عبداً لرجل فجنى العبد في يديه جنايةً ومات العبد فعلى الغاصب تسليم القيمة لمالكه فإذا أخذها المالك كان لأولياء المقتول أن يطالبوا السيد بدية صاحبهم من القيمة لأن حق الجناية تعلق بعين العبد فتعلق ببدله كحق الرهن ثم إذا أخذوا ذلك من السيد كان للسيد أن يرجع على الغاصب فيطالبه بما أخذوا لأن ذلك الغرم لزم والعبد حينئذ مضمون عليه حتى تخلص للسيد قيمة العبد، قال: ولو كان العبد وديعةً فجنى جنايةً استغرقت قيمته ثم قتله المودع بعد ذلك وجب عليه قيمته وتعلق بها أرش الجناية، فإذا أخذها ولي الجناية لم يرجع السيد على المودع لأنه حين جنى عليه لم يكن مضمونا عليه.
فرع آخر
[57/أ] وقال أيضاً: لو أن عبداً جنى في يد مالكه جنايةً تستغرق قيمته فبيع في الجناية وأخذ وليُّ كل مقتولٍ نصف الثمن كان للسيد أن يرجع على الغاصب بنصف ثمن عبده لأن نصف الثمن لزم وهو مضمون على الغاصب، فإذا أخذ ذلك كان لأولياء المقتول الأول أن يرجعوا على المالك بما أخذ لأنهم كانوا مستحقين بقيمته كلها ولم يكن للمغصوب منه أن يرجع على الغاصب بشيء لأنه قد غرم له النصف الذي لزم بسببه وإنما أخذ من السيد ما أخذ بما كان وجب وهو في يده.
وقاك القاضي الطبري: العلة في هذه المسألة أنه وجب على الغاصب ضمان نصف الثمن بسبب الجناية فقط، فإذا غرم مرةً ثم أخذ من يد السيد لم يرجع السيد به على الغاصب ثانياً وإنما جعل أولياء المقتول الأول أحق بما نأخذه من الغاصب من نصف الثمن لأنهم استحقوا جميع قيمة العبد قبل تعلق حق الأولياء المقتول الثاني به، وليس كذلك أولياء المقتول الثاني لأنهم لم يستحقوا من العبد إلا نصف الثمن فلم يكن لهم غير ما أخذوه.
قال أصحابنا: في هذه العبارة نظر لأن حق الثاني تعلق بجميع الرقبة أيضاً، ألا ترى أن الأول لو أبرأه استحق الثاني جميع قيمته وينبغي أن يقال: الذي يأخذه من الغاصب إنما هو عوض عما أخذه المجني عليه ثانياً فلا يتعلق حقه به ويتعلق به حق الأول لأنه بدل عن
قيمة الجاني لا مزاحم فيه فكان له قال: فإن كانت المسألة بحالها فمات في يد الغاصب بعد الجنايتين كان للمغصوب أن يطالب الغاصب بالقيمة وإذا أخذها أخذ أولياء المقتولين القيمة نصفين ثم لمالك العبد أن يطالب الغاصب بنصف قيمة العبد ثانياً لأنها أخذت منه بما جناه وهو في يد الغاصب فإذا أخذها كان لأولياء المقتول الأول أن يطالبوا السيد بها لأنهم كانوا قد استحقوا قيمته كلها قبل جناية العبد على الثاني ولم يكن للمغصوب منه أن يرجع على الغاصب بشي، لأنه لم يلزمه إلا ما أخذه منه.
فرع آخر
وقال أيضاً: لو أن رجلاً غصب عبدا فقتله عبد [57/ب] عمداً فاختار السيد القصاص لم يكن له على الغاصب شيء، ولو أخذ قيمة عبده من سيد العبد القاتل لم يكن له أيضاً على الغاصب شيء، ولو اختار أن يطالب سيد العبد الجاني بما غرم ولو قصرت قيمة العبد القاتل عن قيمة العبد المقتول فطالب سيد العبد القاتل بقيمة العبد الجاني وأخذها منه كان له أن يرجع على الغاصب بباقي قيمة سيده.
فرع آخر
لو غصب رجل عبداً فقُتل في يده رجلاً ثم عدا عبدٌ على العبد المغصوب فقتله عمداً فاختار سيد العبد المغصوب المقتول في يد الغاصب القود كان له ذلك ولم يكن عليه غرم لوليّ الرجل المقتول ولا له على الغاصب شيء.
فرع آخر
لو غصب فحلاً فأنزاه على عقبه فلا أجرة عليه فإن نقص بذلك يلزمه ما نقص وكان النتاج تابعاً للأم وحدها، ولو غصب شاة ثم أنزى عليها فحل نفسه فالولد لمالك الأم ولا شي، له في الفحل نقص أو لم ينقص لأنه بفعله.
فرع آخر
لو غصب عبداً أمرد فنبتت لحيته في يد الغاصب ونقصت قيمته بها وجب ضمان النقصان على الغاصب خلافاً لأبي حنيفة، ووافقنا أنه لو كان شاباً فصار شيخاً أو كانت جاريةً ناهدةً فسقطت ثدياها يلزمه أرش النقصان.
فرع آخر
إذا غصب عبداً فقال الغاصب: رددته حياً فمات في يدك، وقال المالك: مات في يدك وأقام كل واحدٍ منهما بينة بما ادعاه تعارضت البينتان وسقطتا وضمن الغاصب لأن الأصل بقاء العبد عنده حتى يثبت رده حياً، وقال أبو يوسف بينة المالك أولى لأن الأمل الغصب، وقال محمد بينة الغاصب أولى لأن الأصل براءة ذمته وهذا غلط لأن البينتين تعارضتا من كل وجه فلا بد من التساقط لأنه لا ترجيح لأحديهما: على الأخرى.
فرع آخر
إذا غصب ألف درهم من رجل وألف درهم من آخر وخلطهما ولا يتميز فإنهما
شريكان فيه، وقال أبو حنيفة يملكهما الغاصب ويجب لكل واحد منهما مثل دراهمه وبناه على أصله في تغيير المغصوب [58/أ] يوجب التملك.
فرع آخر
إذا غصب حراً صغيراً فمات في يده لم يضمن، ولو لدغته عقربٌ فمات لا يضمن أيضاً، وقال أبو حنيفة: تضمن عاقلته الدية وهذا غلط قياساً على ما لو مات في يده وقياساً على الكبير.
فرع آخر
لو غصب حراً كبيراً وحبسه مدةً لمثلها أجرة فإن استوفى فيها منفعته يلزمه الأجرة لأنه أتلف عليه متقوّماً، وإن لم يستوف منفعته فيه وجهان أحدهما: وهو ظاهر المذهب أنه لا يلزمه الأجرة لأنها تلفت تحت يده كأطرافه وثياب بدنه، والثاني: وهو اختيار ابن أبي هريرة يلزمه الأجرة لأنها منفعة تضمن بالإجارة فتضمن بالغصب كمنفعة العبد.
فرع آخر
لو غصب من مسلم خمراً يمسكها بنية الخلّ هل يلزمه ردها إليه؟ وجهان وظاهر المذهب أنه لا يلزم لخبر أبي طلحة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: "أرقها" ولو غصبها من ذمي يلزمه ردها عليه لأنه يقر على شربها.
فرع آخر
لو غصب خمراً وتلفت عنده ثم اختلفا فقال المغصوب منه: صارت خلاً ثم تلف فعليك الضمان، وقال الغاصب: بل تلفت خمراً فلا ضمان عليَّ فالقول قول الغاصب لأن الأصل براءة ذمته وأنها خمر.
فرع آخر
لو اختلفا في الثياب التي على العبد المغصوب فقال الغاصب: إنها لي وادعى المالك أنها له فالقول قول الغاصب لأن العبد وما عليه في يده، ولو شهد شاهدان أنه رأى في يد الغاصب وعليه هذه الثياب فقال الغاصب: كانت لي فالقول قول الغاصب، وفيه وجه آخر القول قول المالك.
فرع آخر
لو قال المغصوب منه: غصبتني طعاماً حديثاً، وقال الغاصب: بل غصبتك طعاما عتيقاً فالقول قول الغاصب فإذا حلف جاز للمغصوب منه أن يأخذ العتيق لأنه أنقص من حقه.
فرع آخر
إذا غصب حنطة فطحنها ثم تلف الدقيق عنده قد ذكرنا أنه يغرم الحنطة قال والدي رحمه الله: ويحتمل أن يقال: يغرم قيمة الدقيق كما لو غصب خشباً واتخذ منه باباً ثم تلف عنده يضمن قيمة الباب وهذا لأن المغصوب [58/ب] مضمون بأكثر ضمانه من يوم الأخذ إلى يوم التلف ويحتمل أن يقال: المالك بالخيار إن شاء طالبه بمثل الحنطة، وإن شاء طالبه
بقيمة الدقيق لأن سبب ضمانهما حامل وهو قبض الحنطة وتلف الدقيق عنده بعدوان.
فرع آخر
لو غصب شيئاً لا مثل له ونقد البلد في ذلك الوقت دراهم ثم تلف في ياه ونقد البلد يوم التلف دنانير فأراد صاحب المال أن يضمنه الدراهم ثم يعدل إلى قيمتها بالدنانير فإن ذلك أحظ له من تضمينه بالدنانير هل له ذلك؟ قال والدي رحمه الله: يحتمل أن له ذلك لأنا نعتبر أكثر القيمة من وقت القبض إلى وقت التلف وهذا أكثر أحوال القيمة، ومن أصحابنا من قال: الاعتبار بالنقد الثاني كما في المسألة قبلها يلزمه قيمة الدقيق وهذا لأن الاعتبار بحال الاستقرار عند تغيٌر الحال.
فرع آخر
إذا قال لآخر: أرق ما في هذا الإناء وكان فيه خمر فصارت خلا فأراقه يلزمه الضمان، وكذلك لو قال: اقتُل عبدي هذا وكان مرتداً فقبل قتله صار مسلماً فقتله لزمه الضمان لأن الظاهر أن الإراقة والقتل لصفة الخمرية والردة فتفيد الإذن بهما لهذا الظاهر بدليل أن صاحب الشرع لو كان قال ذلك تقيا الإذن بهذين ويحتمل وجها آخر لا يلزمه الضمان.
فرع آخر
رجل حمل إلى أخر دستاراً فيه فاكهةً وقال له: ضعه في دكانك فأخذه ووضعه ثم تناول من الفاكهة شيئاً فجاءه الدافع وقال: ادفع إلي الدستار فإن الفاكهة جملتها لك هل يلزمه التحليل بما تناول يحتمل أن يقال: يلزمه ذلك لأن القبول لم يكن حصل فيه على جهة الهدية ولا تتم الهدية إلا بالقبول إما تصريحاً أو معنى والقبض بعده، فإن قيل: أليس لو دفع الصدقة إلى فقير ولم يعلم أنها صدقة يصح منه القبول، وإن كان لا يعرف جهة الدفع؟ قلنا: هناك وجد منه القبول على جهة التملك بغير عوضٍ والتسليط عليه من جميع الوجوه فأغنى عن معرفة التفصيل وها هنا بخلافه.
فرع آخر
لو أن لصاً معروفاً باللصوصية أودع مالاً عند رجل [59/أ] ويغلب على ظنه أن ذلك المال لغيره وربما يكون عليه الظن مثل اليقين ثم طالبه بالرد هل له الرد؟ يحتمل أن يقال: يلزمه الرد وهو القياس لجواز أن يكون ملكاً له واليد علامة الملك ويحتمل أن يقال: يتوقف في الرد ويطلب صاحبه، فإذا لم يظهر مع امتداد الزمان رده وهذا مثل من مات وترك أخاً ويحتمل له وارثاً آخر يتربص مدةً ويتفحص، فإذا لم يظهر وارث آخر سلم المال إليه.
فرع آخر
لو أعار من رجل أرضاً ليغرس فيها فغرس ثم مات المعير فمضت مدة لمثلها أجرة هل للوارث مطالبته بأجرة مثل سكان الغراس فقياس المذهب أن له المطالبة لأن العارية بطلت بالموت فصار كما لو بطلت في حال الحياة برجوع المعير فيكون له المطالبة بالأجرة.
فرع آخر
إذا سعى رجل بآخر إلى ظالم فأخذ منه الظالم المال أفتى بعض أصحابنا أنه لا يلزمه الضمان في الحكم ولكن يلزمه فيما بينه وبين الله تعالى ولا يصح هذا الفتوى لأن الضمان لو وجب في الباطن لوجب في الظاهر لأن الحالة ظاهرة في الظاهر والباطن.
فرع آخر
لو غصب جاريةً حاملاً من زنى فولدت عنده وكان الغصب بآمل مثلاً والآن بقي المالك والغاصب بجرجان ويطالبه برد الأم والولد عليه هل تلزم مؤونة رد الولد على المالك أو على الغاصب؟ القياس أن تلزم على الغاصب لأنه كان عليه مؤونة الولد حال كونه في بطن الأم لأن في رد الأم رد الولد الذي في البطن فلا يزول هذا الوجوب عن الغاصب بمفارقة الولد الأم.
فرع آخر
إذا كان عليه دين لرجل فمات ولا وارث له هل يتصدق به أو يدفعه إلى الحاكم؟ القياس أنه يدفع إلى الحاكم لأن هذا الدين صار لجماعة المسلمين والحاكم نائبهم، فإن قيل: أليس له التصدق باللقطة بعد الحول من غير إذن الحاكم؟ قلنا: هناك لا يدُرى أن الحق لواحدٍ معينٍ من المسلمين أو لجماعتهم وها هنا الحق للجماعة وحق القبض للإمام، ولهذا أجاز في (59/ب) اللقطة التملك بعوضٍ وهذا لأنه يندب إلى أخذ اللقطة، وإذا احتاج إلى الإمام لا يرغب في أخذها، فإن قيل: ما تقول إذا كان من عليه الدين بطبرستان فأنفذ الدين إلى حاكم جرجان هل يبرأ؟ قلنا: إن حمل هو ودفعه إلى قاضي جرجان برئ، وان أنفذه إليه وهو في طبرستان لا يبرأ لأنه في غير ولايته، وقال والدي رحمه الله: الأشبه أنه يبرأ لأنه قائم مقام الإمام مثل هذا القاضي الذي بطبرستان، ولو لم يكن في بلده قاضٍ يلزمه إنفاذه إلى قاضي بلدٍ آخر إذا أمكنه ذلك وكان لا يصل إلى الإمام.
فرع آخر
لو دفعه إلى قاضٍ ثم ظهر أنه كان له وارث لا يطالبه وقد برئ بالدفع إلى القاضي لأنه نائب الغائب، وقال والدي رحمه الله: يحتمل أن يقال: إن ظهر أنه كان في بلده لا يبرأ بالدفع إلى القاضي بخلاف ما لو كان في بلد آخر، والفرق أنه إذا كان في بلده وكان عالماً بالحال لا يبرأ بالدفع إلى الحاكم فكذلك في حال الجهل لأن العلم والجهل سواء فيما يعود إلى حق الآدمي، وإذا كان في غير بلده يبرأ بالدفع إلى الحاكم عند العلم فكذلك عند الجهل ويحتمل أن يقال: لا يبرأ أصلاً لأنه دفع على تقدير عام الوارث وكان بخلافه وهذا لا وجه له عندي.
فرع آخر
متى يجوز للمديون دفع الدين إلى الحاكم مع بقا، صاحبه إذا كان غائباً؟ قال والدي
رحمه الله: ينظر، فإن كان الأداء متعيناً عليه بأن طالبه صاحبه فلم يؤده حتى غاب يلزمه دفعه إلى الحاكم إذا لم يقدر على دفعه إليه أو نائبه لأنه قائم مقامه شرعاً، وإن لم يتعين عليه الأداء لا يلزمه دفعه إلى الحاكم ولو دفع هل يبرأ؟ يحتمل أن يقال: لا يبرأ إلا أن يكون هناك سبب يخاف إن أخر أداؤه يفوت قضاؤه فيبرأ حينئذ لأن الحاكم لا يقوم مقام الغائب عند سلامة الحال وإنما يقوم مقامه في حال الضرورة ولهذا لا يجوز للمودع إيداع الوديعة عند الحاكم إذا لم يرد السفر، ويحتمل أن يقال: يبرأ لأنه يلحقه المشقة في إيصاله إلى صاحبه فساغ له الدفع (60/ أ) إلى الحاكم ليبرأ ذمته وهذا أصح عندي.
فرع آخر
إذا كان عليه دين هل يلزمه أداؤه على الفور أو على التراخي؟ يحتمل أن يقال: إن كان وجوبه برضا المالك فهو على التراخي ويتعين أداؤه بالمطالبة أو تخوف منه على ماله فيفوت قضاؤه، وإن كان وجوبه بغير رضا المالك فالقضاء على الفور لأن صاحبه لم يرض بوجوبه في ذمته وهذا لأنه إذا كان برضا المالك فصاحب الدين مندوب إلى أن لا يطالب بالدين، فلو كان وجوب القضاء على الفور لكان مندوباً إلى المطالبة ليخرج من عليه الدين من العصيان بتأخير القضاء ويحتمل أن يقال: إذا كان الوجوب بغير رضاه ينظر، فإن كان صاحبه لا يعلم به لزمه القضاء على الفور، وان كان عالماً به فإن وجب بتعدَّ منه كان على الفور، وان كان بغير تعد وجب على التراخي فالأول مثل الزكاة فإنها على الفور لأن صاحبها لما لم يتعين لم يمكن تقدير وجود الرضا منه، والثاني: كقضاء الصلاة المتروكة بغير عذرٍ، والثالث: كقضاء الصلاة المتروكة بعذر فكما فصلنا في حق الله تعالى هذا التفصيل وجب مثله في حقوق الآدميين وبالله التوفيق.
تم الجزء السادس حسب تقسيم المحقق ويليه إن شاء الله تعالى الجزء السابع
وأوله: كتاب الشفعة
بَحَرُ المَذْهَبَ في فرُوعِ المذْهَب الشّافعي
تأليف القاضي العلامة فخر الإسلام شيخ الشافعية الإمام أبي المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل الروياني المتوفى سنة 502
تحقيق طارق فتحي السيد
الجُزء السّابع يحتوي على الكتب التالية: الشفعة - القراض -المساقاة -الشرط في الرقيق- الإجارات العطايا والصدقات والحبس والسائبة- المزارعة وكراء الأرض والشركة في الزرع إحياء الموات -اللقطة- الجعالة- الفرائض
بسم الله الرحمن الرحيم