كتاب الشهادات
الأصل في الشهادات الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ [البقرة: (282)] 1 لآية.
فذكر الشهادة في هذه الآية في ثلاثة مواضع فقال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ ثم قال: ﴿وَأَشْهِدُوَا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ ثم قال: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: 283] فلما توعد على كتمان الشهادة دل على أنه إذا ظهر تعلق الحكم بها، وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: (2)].
وأما السنة فما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الشهادة فقال: ((ترى الشمس فقال: نعم، فقال: مثلها فاشهد أو دع)) وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ذكر عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرجل يشهد بشهادة فقال: ((أما أنت يا ابن عباس فلا تشهد إلا على أمر يضيء لك كضياء هذه الشمس وأومأ بيده [(12) / 105 ب] إلى الشمس)) وأيضًا روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في خبر الحضرمي والكندي ((شاهداك أو يمينه ليس لك غيره)).
وقال ابن عمر رضي الله عنهما: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول ((من قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال)) والردغة الوحل الشديد يقال: ارتدغ الرجل إذا ارتطم في الوحل.
وأما الإجماع فلا خلاف بين المسلمين فيها والحاجة داعية إليها، فإذا تقرر هذا فالحقوق على ضربين: حق الله تعالى وحق الآدمي، فأما حقوق الآدمي فعلى ثلاثة أضرب:
أحدها: ما ليس بمالٍ ولا المقصود منه المال ويطلع عليه الرجال كالنكاح والطلاق والرجعةً والعتق والكتابة والتدبير والنسب والولاء وعقد الوكالة وإثبات البلوغ والموت وجرح الشهود وعدالتهم وإثبات الإسلام في الردة والإيلام والظهار وانقضاء العدة والإقرار بالاستيلاد والجناية الموجبة للقود فلا يقبل فيها إلا شهادة ذكرين حرين فقط.
والثاني: ما كان مالًا كالغصب والقرض والمقصود منه المال كالبيع والإجارة
الجزء: 14 - الصفحة: 115
والرهن ونحو ذلك يقبل فيه ثلاث حجج شاهدان، وشاهد، وامرأتان [12/ 106 أ] وشاهد ويمين.
والثالث: يقبل فيه ثلاثة أضرب: ضرب لا يقبل فيه إلا أربعة ذكور، وهو الزنا، وضرب لا يقبل فيه إلا شاهدان ذكران وهو شرب الخمر والسرقة والقتل في المحاربة، وضرب هل يقبل فيه رجلان أو يعتبر فيه أربعة؟ فيه قولان وهو في الإقرار بالزنا، فإذا تقرر هذا فنقول: قال الشافعي قال الله جل ذكره: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ فاحتمل أمره جل وعز أمرين: أحدهما أن يكون مباحًا تركه والآخر حتمًا يقضي من تركه بمنزله، فلما أمر الله تعالى في أية الدين والدين تبايع بالإشهاد وقال فيها: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: (283)] دل على أن الأولى دلالةً على الحظ لما في الإشهاد من منع الظالم بالجحود أو النسيان الفصل إلى آخره.
وجملة هذا أن الإشهاد على شيء من العقود غير واجب إلا في النكاح، وفي الرجعة قولان والاحتياط في البيع الإشهاد، وكذلك في المداينات ويستحب ذلك [12/ 106 ب] ولا يجب وبه قال عامة أصحابنا، وقال سعيد بن المسيب والضحاك والحسن والشعبي وداود يجب الإشهاد على البيع، واختلف أصحاب داود فمنهم من قال: يحتاج أن يقول المتبايعان أشهدنا كم ومنهم من قال: يكفي إحضارهما واحتجوا بقوله ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: الآيه (282)].
ودليلنا ما ذكره الشافعي رضي الله عنه أن هذا محمول على الندب والاحتياط بدليل أنه لم يأمر بذلك عند العلم بالأمانة، ثم بين ما فيه الفوائد فذكر أن صاحب الحق يستفيد بأن يستوثق حقه بالشهادة ومن عليه يستفيد من وجهين أحدهما: أن يمنعه مكان الشهادة من الجحود، والثاني: أنه لو مات ولم يعلم وارثه أن عليه ذلك الدين يشهد الشهود فيؤخذ الدين من تركته فلا تبقى ذمته مرهونة به.
واحتج بخبر الأعرابي ((باع فرسًا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم جحده فشهد له خزيمة)) ووجه الدليل أنه لم يكن استشهد أحدًا على البيع على ما ذكرنا.
وقيل: إن خزيمة كان يشهد عند الخلفاء فيقصون بشهادته وحده.
وقال الإمام الجويني في ((المنهاج)): هذا الأعرابي جحد بقول بعض المنافقين فترافعا إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه فقال أبو بكر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -[12/ 10 أ] ((شاهداك فترافعا إلى عمر رضي الله عنه فضرب عنقه)) وإنما ضربه لأنه كذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصار مرتدًا بالتكذيب، وهذا يدل على أن مثل هذا المرتد لا يستتاب.
وذكر بعض أصحابنا بخراسان في مثل هذا الخبر أنه - صلى الله عليه وسلم - ((بايع أعرابيًا فرسًا فجحد الأعرابي الثمن)) وهذا غلط ظاهر.
ولأن البيع عقد معاوضةً محضة فلا يفتقر إلى الإشهاد كالإجارةً، فإن قال قائل الأمر بظاهرة يدل على الوجوب فلم نزله الشافعي
الجزء: 14 - الصفحة: 116
منزلةً واحدةً في الاحتمالين احتمال الإباحة واحتمال الوجوب وهلا قال: ظاهره الحتم فهو على الوجوب إلى أن يقوم الدليل قلنا: الأمر إن كان على الوجوب فهو يحتمل الإباحة، والشافعي ما ادعى أحد الاحتمالين ولكن ادعى مجرد الاحتمالين.
فإن قيل أليس قد اشتغل بطلب الدليل لإجراء الأمر على أحد الاحتمالين؟ فهل دل على أنه لم يجعل صفته للوجوب؟، قلنا: بل يحمل الأمر على ظاهر الوجوب مع احتماله الإباحة ثم طلب الدليل على إزالة ظاهره في الوجوب والدليل آية الدين وهكذا يفعل في سائر الأوامر حيث ما كانت.
باب عدة الشهود وحيث لا يجوز فيه شهادة النساء
مسألة: قال: دل كتاب الله تعالى على أن لا يجوز في الزنا [12/ 107 ب] أقل من أربعة.
قد ذكرنا أن الحقوق ضربان: مجملًا والكلام الآن في شرحها وتفسيرها، فالزنا لا يثبت إلا بأربعة شهود على أي صفة كان لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور: الآية (4)].
وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور الآية (13)].
وقال - صلى الله عليه وسلم - في خبر سعد حين قال: ((يا رسول الله أرأيت لو وجدت مع امرأتي رجلًا أمهله حتى آتي بأربعة شهداء قال نعم)).
وروي أن عمر رضي الله عنه جلد ثلاثة نفر شهدوا الزنا حين لم يتم الرابع.
ولأن الأمة أجمعت على أن عدد الشهود في الزنا أربعة لا يجوز النقصان منه.
والمعنى في ذلك أن الناس مندوبون إلى الستر على الزاني بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم - لهزال: ((حيث أمر ماعزًا أن يقر بالزنا هلا سترته بثوبك يا هزال)).!
فإذا شهدوا مع كونهم مندوبين إلى الستر غلظ عليهم فلم يقبل إلا أربعة ولا مدخل للنساء فيها بحال لأنه تعالى قال: ﴿الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: الآية (4)].
والهاء إنما تدخل على جمع المذكر وتسقط في جمع المؤنث.
وروي عن عطاء وحماد بن أبي سليمان أنهما قالا: يجوز ثلاثة رجال وامرأتان لأن شهادة المرأتين تقوم مقام شهادة رجل كما في الحال، وهذا لما غلط لما ذكرنا، وقال الزهري: جرت السنة من النبي [12/ 108 أ]- صلى الله عليه وسلم - والخليفتين من بعده أن لا تقبل شهادة النساء في الحدود.
وأما عدا الزنا من حدود الله تعالى فيقبل فيها شاهدان ذكران لأنه فعل يحصل من شخص واحد فيثبت بشاهدين كإتلاف المال، ولا يقبل فيها شاهد وامرأتان خلافًا لعطاء وحماد وهذا لأنها تدرأ بالشبهات فكانت الشهادة فيها أغلظ كالزنا لما كان أغلظ لتعديه إلى اثنين واختصاصه بإسقاط نسب الولد كانت الشهادةً فيها أغلظ مما عداه.
ثم قال
الجزء: 14 - الصفحة: 117
الشافعي رضي الله عنه هنا وقال الله تعالى في الإمساك والفراق ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: الآية (2)] فانتهى إلى الشاهدين ودل على ما دل قبله من نفي أن يجوز فيه إلا رجال لا نساء معهم لأنه لا يحتمل إلا أن يكونا رجلين وقصد بهذا أنه لا يقبل في الرجعةً والطلاق إلا شاهدان ذكران ولا مدخل للنساء في ذلك لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: الآية (2)] في الرجعة فانتهى إلى شاهدين، وقوله: ودل على ما دل قبله أي ودلت هذه الآية على مما دلت عليه آية الربا في أول الباب أن النساء لا مدخل لهن فيها وكذلك النكاح والخلع والعتق والقصاص والقذف والعتق والنسب والكناية والتدبير وعقد الوكالة والوصية، فلا يقبل فيها شهادة النساء وبه قال مالك والأوزاعي والنخعي وقال الحسن البصري لا يجيزه بشهادة النساء على الطلاق [12/ 108 ب] وروي نحوه عن النخعي.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: يقبل في ذلك شاهد وامرأتان واحتج الشافعي رضي الله عنه بما ذكرنا، ثم قال: وقال الله تعالى في آية الدين: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: الآية (282)].
ولم يذكر في شهود الزنا ولا الفراق ولا الرجعة امرأةً ووجدنا شهود الزنا يشهدون على حد لا على مال، والطلاق والرجعةً تحريم بعد تحليل وتثبيت تحليل لا مال وهذا لفظ مشكل وأراد أن الطلاق تحريم شيء بعد التحليل، والرجعة تثبيت، تحليل وكلاهما ليسا بمال، والوصيةً إلى الموصى له قيام بما أوصى به إليه لا أن له مالًا، يعني لا تثبت ولاية التوصيةً بشاهد وامرأتين، كما لا يثبت الطلاق والرجعة خلافًا لأبي حنيفة، ثم قال: ولا أعلم أحدًا من أهل العلم يخالف في أنه لا يجوز في الزنا إلا الرجال وأكثرهم قال في الطلاق ولا في الرجعة إذا تناكر الزوجان، وقالوا في ذلك في الوصية وأراد الوصاية إليه فكان ذلك كالدلالةً على ظاهر القرآن وكان أولى الأمور أن يصار إليه ويقاس عليه وهذا تنبيه للقياس على الزنا فكأنه قاس ما عدا الأموال على الزنا.
وقوله لا أعلم أحدًا من أهل العلم يخالف لعله يريد به الصحابة رضي الله عنهم، فأما من بعدهم فالكافة على ذلك إلا عطاء وحماد على ما ذكرنا.
[12/ 109 أ] ثم قال: والدين فما أخذ المشهود له مالًا جازت فيه شهادة النساء مع الرجال وما عدا ذلك فلا يجوز إلا الرجال.
وذلك مثل الفروض والبياعات والإجارات والوصية بالمال والإقرار بالمال والإقرار بالإتلافات والغصوب والآجال التي يقصد بها استحقاق المال وسائر الثلاث وقبل الخطأ والعمد الذي لا يوجب القصاص مثل قتل الحر عبدًا ونحو ذلك، وكذلك إثبات الإقالة والرد بالعيب وضمان المال وإثبات قبض نجوم الكتابةً إلا النجم الأخير ففيه وجهان:
الجزء: 14 - الصفحة: 118
أحدهما: لا يثبت لأن العتق به يحصل، والثاني يثبت لأن العتق يحصل بفقد الكتابة لا بهذا، وكذلك الرجوع في التدبير وعجز المكاتب عن أداء النجوم ووجوب المهر بوطء الشبهةً وثبوت طاعة المرأة لاستحقاق النفقة، واستحقاق سلب الغنيمة بقتل الكافر، لإثبات أن مال الصيد لعملك بذلك وعقد المسابقة وحصول السبق فيه، ونحو ذلك يثبت كله بشاهد وامرأتين.
ثم قال وفي قول الله عز وجل: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: الآية (282)] وقال: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأخْرَى﴾ [البقرة: الآية (282)].
دلالة على أن لا تجوز شهادة النساء حيث تجوز إلا مع رجل ولا يجوز منهن إلا امرأتان فصاعدًا بهذا أن شهادةً النساء [12/ 109 ب] في المال لا تجوز وحدهن حتى يكون معهن رجل ولا يقبل منهن أقل من امرأتين للآية التي ذكرنا.
والمعنى في ذلك ما أشار بعد هذا فقال: وأصل الماء أنه قصر بهن عن أشياء بلغها الرجال وأنهم يعلوا قوامين وحكامًا ومجاهدين، فإن لهم السهمان من الغنيمة دونهن وغير ذلك، فالأصل أن لا يجزن فإذا جزن في موضع لم تعد بهن ذلك الموضع.
وفي ضمن هذا الكلام أن المرأة لا يجوز أن تكون قاضية خلافًا لأبي حنيفة، ولأن الله تعالى ما جوز شهادتهن في آية الدين إلا مع رجل فكيف تفرد بالقضاء؟ وفيه إلى مسألة من الأصول أن الأصل إذا كان ممنوعًا محصورًا فاستثني عن أصل الحصر شيء لم يجز القياس على ذلك المستثني هذا معنى قول الشافعي فالأصل أن لا يجزن، فإذا أجزن في موضع لم يعد بهن ذلك الموضع، ونظير هذا على أصله مسألة العرايا فيما زاد على خمسة أوسق، ومسألة حصر المريض ونحو ذلك.
ثم قال الشافعي رضي الله عنه: وكيف أجازهن محمد بن الحسن في الطلاق والعتاق وردهن في الحدود في إجماعهم على أن لا يجزن على الزنا ولم يستثنين في الأعوان من الأربعة؟ دليل على أن لا يجزن في الوصية إذا لم ستثنين في الأعواز من شاهدين وهو إشارة [12/ 110 أ] إلى قوله تعالى في الوصية ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [المائدة: الآية (106)]، ولم يذكر رجل وامرأتان هنا فدل أن الوصاية لا تثبت بذلك وعلى ما ذكرنا قال بعض أصحابنا بخراسان: لو أرادت المرأة إثبات النكاح لمكان المهر يقبل شاهد وامرأتان لأن النكاح يرتفع يقول الرجل متى شاء ويؤاخذ بإقراره أنه لا نكاح بينهما، وحكي عن الحسن البصري أنه قال: كل ما يوجب القتل لا يقبل فيه أقل من أربعة عدول كالزنا وهذا لا يصح لأن الزنا مختلف فيه وبعضه يوجب الرجم وبعضه يوجب الجلد والشهادةً فيهما واحدةً فيجب أن يخالف ما عداه فيما يوجب القتل ولا يوجبه في أن تكون البينةً فيه واحدةً.
الجزء: 14 - الصفحة: 119
مسألة: قال: وقال بعض أصحابنا: إن شهدت امرأتان لرجل بمال حلف معهما.
الفصل
قد ذكرنا أنه يقبل في المال شاهدان وشاهد وامرأتان بلا خلاف ويحكم بشاهد ويمين خلافًا لأبي حنيفة ولا يحكم فيه بأربع نسوة وأكثر منهن بلا خلاف.
ولو شهد به امرأتان وحلف معهما لا يحكم به خلافًا لمالك رحمه الله، فإنه قال: يحكم بذلك كما يحكم بشاهد ويمين لأن المرأتين تقومان مقام رجل وهذا غلط لما قال الشافعي: لو جاز هذا لجاز أربع نسوةً ويعطي بهن حقًا، فإن قال مالك: هما مع يمين رجل كرجلين فيلزمه أن لا يجيزهما مع يمين امرأةً والحكم فيهما واحد [12/ 110 ب] ولأن اليمين أضعف من المرأتين لأن شهادة الرجل والمرأتين أكثر من شهادة الرجل مع اليمين، فإذا لم يجز الحكم بشهادة المرأتين مع المرأتين فلان لا يجوز بشهادة المرأتين مع اليمين أولى ولأن اليمين ضعيف، فإذا انضم إلى المرأتين انضم الضعيف إلى الضعيف فلا يتقوى بخلاف ما لو انضم المرأتان إلى رجل أو اليمين إلى رجل.
ثم قال الشافعي رضي الله عنه: وكان القتل والجرح وشرب الخمر والقذف مما لم يذكر فيه عدد الشهود في نص كتاب ولا نص سنة لكان ذلك قياسًا على شاهدي الطلاق وغيره مما وصفت.
قال أصحابنا: من نظر أن لظاهر هذا الكلام ظن أن الشافعي قصد به بيان مجرد المذهب وليس كذلك بل فيه بيان المذهب أقوى حجةً على أبي حنيفة، ووجه الحجة فيه أن أبا حنيفة وافقنا على أن شرب الخمر والقذف والقصاص لا يثبت إلا برجلين وليس لشهادة هذه الأحكام نص في الكتاب ولا في السنة فما استقرأناها إلا قياسًا بالإجماع على شاهدي الرجعةً المقصوصين في آية الرجعة فكيف وافقنا في الفرع المستنبط من الأصل ثم خالفنا في الأصل؟
ولا يجوز أن يقال: علم ذلك بالقياس على حد الزنا لأن العدد هناك أربعة، وهنا لا يعتبر أربعة فإن قيل: فهذا إثبات الأصل المختلف فيه بفرع متفق عليه [12/ 111 أ] وهو محال قلنا: لم نأخذ حكم الأصل من الفرع بل تعرفنا بوجود الحكم في الفرع أنه ثابت في الأصل وذلك جائز بكل حال.
مسألة: قال: ولا يحيل حكم الحاكم الأمور عما هي عليه.
الفصل
أنه إذا ادعى حقًا عند الحاكم وشهد له بذلك شاهدان يحكم الحاكم بشهادتهما
الجزء: 14 - الصفحة: 120
فالحكم يتبع الشهادة, فإن كانت صحيحة في الظاهر والباطن نفذ الحكم في الظاهر دون الباطن فلا للمحكوم له لم حكم له بحال سواء كان مالا أو نكاحا أو طلاقا أو غير ذلك, وبه قال مالك وأبو يوسف ومحمد واعمة الفقهاء, وروي عن شريح القاضي أنه كان يقول للرجل: إني لا أقضي لك, وإني لأظنك ظالما ولكن لا يسعني إلا أن أقضي بما يحضرني من البينة وإن قضائي لا يحل لك حراما, وقال أبو حنيفة: إن كان المحكوم به نكاحا أو طلاقا أو عقدا نفذ ظاهرا وباطنا, وإن كان ذلك بشهادة الزرو حتي قال: لو ادعي رجل زوجيه أجنبيه وشهد له شاهدان بالزور فحكم الحاكم له حل له وطؤها ظاهرا وباطنا وصارت زوجة له, وكذلك لو ادعت طلاقا بالزور وشهد لها شاهدان بالزور فحكم الحاكم بشهادتهما بانت من زوجها ظاهرا وباطنا وتحل لكل واحد من الشاهدين [12/ 111 ب] أن يتزوجها.
واحتج بما روي أن رجلا ادعي علي امرأة نكاحا ورفعها إلي علي رضي الله عنه فشهد له شاهدان بذلك فقضي بينها بالزوجية فقالت: والله ما تزوجني يا أمير المؤمنين فاعقد بيننا عقد حتى أحل له فقال: ((شاهداك زوجاك)) فدل علي أن النكاح قد ثبت بهما.
ودليلنا ما روت أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له علي نحو ما أسمع منه فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذ منه شيئا فإنما أقطع له قطعة من النار)) , وروي أنه قال: ((إنما أحكم بالظاهر والله يتولي السرائر)) , وروي ((فإنما أقطع له اسطافا من النار)).
ومعني قوله الحق بحجته أي أفطن لها واللحن مفتوحة الحاء: الفطنة, يقال: لحنت الشيء ألحن لحنا ولحن الرجل في كلامه يلحن لحنا بسكون الحاء.
واحتج الشافعي رضي الله عنه بأن شهادة الزور لو كانت في القتل فقضي القاضي بها لم يحل لولي الدم القصاص فيما بينه وبين الله تعالي فكذلك هنا لا يحل الفرج فيما بينه وبين الله تعالي, وأما خبرهم فلا حجة لهم فيه لأنه لم يضف إلي حكمه بل أضافه إلي الشاهدين وأراد في الظاهر ولم يستأنف النكاح لأنه يكون طعنا [12/ 112 أ] في الشهود, فإذا تقرر هذا نقول: إذا شهد بالزور في الطلاق وحكم الحاكم به فإنها لا تبين منه في الباطن ولا تحرم عليه, ومتى قدر عليها حل له وطؤها إلا أن الشافعي قال: أكره أن يطأها فيجد لأن الحكم نفذ في الظاهر, وإن لم ينفذ في الباطن, وقال في ((القديم)): أكره أن يتبعها مخافة أن يتهم أو يصاب معها فيظن أنه علي فرج حرام فيقام عليه الحد, والنفقه ساقطه لأنها محولة بينه وبينها ويتوارثان, ولو تزوجت بآخر لم تحرم علي الأول, فإن وطئها الثاني فإن كان أحد الشاهدين فهو زان بحد ولا تحريم ولا عدة, وإن كان غيرهما تنظر فإن كان عالما بحال الشهود فهو زان فلا تحريم ولا
الجزء: 14 - الصفحة: 121
عدة أيضا, ويحد وإن كان جاهلا فعليها العدة لأنه وطء شبهة وتحرم علي الأول حتى تنقضي عدتها وعلي هذا لو أقام شهود زور علي الزوجية فحكم الحاكم بالنكاح فوطئها عالما يلزمه الحد وعليها أن تمتنع منه ما أمكنها, فإن أكرهها لم تأثم هي؛ ذكره أبو حامد وقال بعض أصحابنا: في وجوب الحد نظر, وأنا أقول: لا يلزم الحد في كلتا المسألتين لأنه مختلف في إباحته وخلاف أبي حنيفة في صحة النكاح أعظم الشبهة فالوطئ وطئ شبهة سواء كان عالما أو جاهلا, ويحرم علي الأول وطئها بعد ما وطئها [12/ 112 ب] الثاني حتى تنقضي عدتها, ورأيت بعض أصحاب أبي حنيفة؟ يشفعون علي الشافعي فيقولون: أباح الشافعي أن يطأ رجلان امرأة واحدة أحدهما: في الباطن, والثاني في الظاهر وترتفع هذه الشفعة بما بينت والله أعلم.
فرع
لو حكم بما يخالف باطنه ولا يبرم علانية بعد حكمه كرجل باع جارية من رجل وجحده المشتري وحاكمه فأحلف الحاكم أنه لم يشتريها, وعادت الجارية إلي بائعها فالأولي بالحاكم أن يحمل المشتري علي الاستقالة ويحمل البائع علي الإقامة لتحل لبائعها ظاهرا وباطنا, فإن لم يفعل أو فعل فلم يجب ففيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: تعود إلي البائع ملكا للمشتري فيبيعها فيما يستحق من ثمنها ولا يحل له وطئها ثم زيادة الثمن للمشتري والنقصان عليه في الباطن.
والثاني: الجحود يجري مجري الرد بالإقالة, فإن أراد البائع إعادتها إلي ملكه أظهر الإقالة وحلت له بعد إظهارها, وإن لم يرد إعادتها إلي ملكه لم تحل له وكانت في يده ليستوفي ماله من ثمنها وهل ينفرد ببيعها؟ فيه وجهان.
والثالث: الجحود يجري مجري الفلس لتعذر الوصول إلي الثمن فيقول: قد اخترت غير مالي باسترجاعها وفي جواز تفرده بهذا القول من غير حاكم وجهان, ثم هي حلال له, وإن لم يرد أن يتملكها كانت في يده للمشتري ليستوفي ثمنها من بيعها.
فرع آخر
[12/ 113 أ] لو حكم بما اختلف فيه الفقهاء, فإن حكم بأقوى المذهبين أصلا نفذ في الظاهر والباطن, وإن حكم في أضعف المذهبين أصلا مما ينقضه عليه غيره من القضاة فحكمه باطل في الظاهر والباطن وهل يفتقر بطلانه لما حكم حاكم؟ فيه وجهان, وإن حكم فيما يحتمل كل واحد من المذهبين ولا يجوز لغيره من القضاة أن ينقضه عليه فحكمه نافذ في الظاهر والباطن له وعليه من غير أهل الاجتهاد كان لازما للمحكوم عليه لأنه مجبر وفي إباحته للمحكوم له إذا خالف معتقدة وجهان.
أحدهما: لا يباح له لاعتقاده وحظره, والثاني يباح له لنفوذه في الظاهر والباطن, ومن أصحابنا من قال: إذا أعتقد الرجل أن الطلاق قبل النكاح لازم فحلف هكذا, ثم تزوج فحكم له الحاكم بجوازه لا تحل له فيما بينه وبين الله تعالي في للمقام عليه ويلزمه
الجزء: 14 - الصفحة: 122
نصف المهر بالعقد لحكم الحاكم, ولو مات رجل وترك جدا وأخا لأبيه وأمه فقدم إلي قاض يقول: تقدم الجد فحكم له بالمال واعتقاده أن الأخ يرث مع الجد لا يحل له أن يستبد بالمال, وكذلك لو كان لا يري توريث ذوي الأرحام فحكم له بميراث ذوي رحمه لا يحل له.
فرع آخر
الحكم يختلف في الناكح كالنكاح بغير ولي فللزوجين حالتان في عقده وفي حله, فأما في العقد, فإن كانا من أهل الاجتهاد فلهما أن ينفردا بالعقد باجتهادهما من غير حكم حاكم [12/ 113 ب] ولا استفتاء مجتهد, وإن كانا من غير أهل الاجتهاد ففي جواز تفردهما بالعقد من غير اجتهاد حكم واستفتاء مجتهد وجهان:
أحدهما: يجوز ما لم يمنعها ذو حكم لما في الاجتهاد من إباحته, والثاني: لا يجوز ما لم يأذن لها ذو حكم لما في الاجتهاد من خطره, وأما حال الحل فلهما حالتان فإن كانا من غير أهل الاجتهاد فلا يرتفع بأنفسهما ونظر فإن زوجها حاكم لم يرتفع إلا بحكم حاكم, وإن زوجها فقيه مجتهد فبما يرتفع به وجهان: أحدهما: يرتفع باستفتاء مجتهد اعتبارا بعقده, والثاني: وهو اختيار ابن سريج لم يرتفع إلا بحكم حاكم حتى بعقد النكاح من بعده, والثانية: أن يكون الزوجان من أهل الاجتهاد ففيما يرتفع به العقد وجهان: أحدهما: يرتفع باجتهادهما اعتبارا بعقده وقال ابن سريج: لا يرتفع إلا بحكم حاكم لتجاوزهما إلي أن ينعقد النكاح من بعدهما ذكره في ((الحاوي)).
باب شهادات النساء لا رجل معهن
مسألة: قال: ولادة النساء لا أعلم فيها مخالفا أن شهادة النساء جائزة فيها.
الفصل
جملة هذا أن شهادة النساء بانفرادهن جائزة فيما لا يطلع عليها الرجال غالبا كالرضاع والولادة, وعيوب النساء والأخبار ولا يقبل فيها أقل من أربع نسوة [12/ 114 أ] وقد ذكرنا اختلاف العلماء فيه في كتاب الرضاع, وحكي عن الحسن أنه قال: يكفي واحدة, وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما وبه قال أحمد, وحكي عن ابن أبي ليلي يكفي اثنتان, وقال أبو حنيفة: يقبل شهادة القابلة وحدها في الولادة, واحتج بما روي حديفة رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم أجاز شهادة القابلة وأراد به وحدها, ومثله روي عن علي رضي الله عنه قلنا: قال الدارقطني: رواه أبو عبد الرحمن المدائني رجل مجهول والذي روي عن علي رضي الله عنه رواه جابر الجعفي
الجزء: 14 - الصفحة: 123
عن عبد الله بن يحيي وهما ضعيفان, وقد قال الشافعي: لو ثبت عن علي رضي الله عنه صرنا إليه إن شاء الله ولكنه لا يثبت عندكم ولا عندنا عنه, وقال إسحاق الحنظلي: لو صحت شهادة عن علي لقلنا به ولكن في إسناده خلل ثم إنه أراد به قبل شهادتهما ولي فيه أنه قبل شهادتهما وحدها, وأفاد أنه يقبل شهادتهما مع مشاهدتها للعورة أو قبل شهادتها مع أن لها في ذلك صدق.
واحتج ابن أبي ليلي بأن كل جنس يثبت به الحق كفي فيه الاثنتان منه كالرجال وهذا غلط؛ لأن الرجل كامل الدين كامل العقل في الغالب, ولهذا فهو مثل بامرأتين في المآل عند اجتماعهما ثم يقابل بأنها شهادة من شرطها الجزية فلا يقبل قول الاثنتين من النساء ولا قول امرأة واحدة أصله سائر الشهادات.
واحتج الشافعي: فقال: لما أمر الله تعالي النساء فجعل امرأتين يقومان مقام رجل [12/ 114 ب] في الموضع الذي أجازهما فيه دل والله أعلم إذا أجاز المسلمون شهادة النساء في موضع أن لا يجوز منهن إلا أربعة عدول لأن معني حكم الله تعالي.
قال: وقلت لمن يجيز شهادة امرأة واحدة في الولادة كما يجيز الخبر بها من قبل الشهادة أراد به أبا حنيفة أيقبل امرأة عن امرأة؟ إن امرأة رجل ولدت هذا الولد قال: لا قلت: فيقبل في الخبر, أخبرنا فلان عن فلان قال: نعم قلت: والخبر ما استوي فيه المخبر والمخبر والعامة من حلال أو حرام قال: نعم قلت: والشهادة ما كان الشاهد منه خليا والعامة وإنما يلزم المشهود عليه قال: نعم قلت: أفتري هذا مشبها هذا قال: أما في هذا فلا.
فإن قيل: ما معني قول الشافعي رضي الله عنه الخبر ما استوي فيه؟ ومن الأخبار وما يلزم الراوي به حكم ويلزم غيره, ومن الشهادات ما يلزم الشاهد بما حكم كما يلزم المشهود عليه وهو الشهادة علي الصوم والفطر قلنا: قال الشافعي رضي الله عنه: هذا وأورد ما فسره به من تحريم وتحليل اللذين هما مؤبدان لا ينقطعان وليس كذلك ما ذكروه من الصوم والفطر وغير ذلك فإنه مما ينقطع, وحكي ابن أبي أحمد عن أبي الطيب بن أبي سلمة أنه كان يقول: قد يستوي الشاهد والمشهود عليه في الحكم [12/ 115 أ] وهو إذا شهد اثنان من الورثة علي الميت بدين لإنسان فإنه يلزمهما من الدين مثلما يلزم الجاحد من الورثة.
وقد يكون الإخبار ما يختص به غيره, ولا يجب علي الراوي منه شيء ولكن أراد الشافعي بما قاله الغالب من أمرهما, فإن الغالب من الشهادة أن الشاهد لا يدخل فيما يجب بها والغالب من الخبر عن النبي صلي الله عليه وسلم استواء المخبر وسائر الناس.
الجزء: 14 - الصفحة: 124
فرع
استهلال الصبي يثبت بشهادة أربعة نسوة نص عليه الشافعي, ومن أصحابنا من قال فيه قول آخر لا يثبت إلا برجلين, لأنه يعلم ذلك من غير النظر إلي عورة المرأة والأول أصح لأنه لا يطلع عليه الرجال في تلك الحالة كالولادة, وأما شهادة رجلين ورجل وامرأتين تقبل في الولادة والاستهلال وعيوب النساء والرضاع بلا خلاف علي المذهب.
فرع آخر
العيب إذا كان في وجه المرأة وكفيها لا يقبل عند التنازع فيه إلا شهادة الرجال لخروجه عن العورة في حق الرجال, ولو كان في صدرها فهو عورة في الأجانب دون المحارم فيقبل فيه شهادة النساء, وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا يقبل هنا شهادة النساء إلا علي الانفراد لإباحته لذوي المحارم كما قال في الرضاع, ودليلنا أنه لا يطلع الرجال عليه [12/ 115 ب] غالبا كالولادة.
فرع آخر
هل للرجل أن يعتمد النظر إلي عورة المرأة لتحمل الشهادة؟ قال أبو إسحاق: يجوز في الزنا وغيره وهو الصحيح, واحتج بأن سعد بن عبادة قال: أرأيت لو وجدت مع امرأتي رجل أمهله حتى آتي بأربعة شهداء فقال صلي الله عليه وسلم: ((نعم)) فدل علي أن للشهود أن يتعمدوا النظر إلي الموضع, ولأن أبا بكرة وغيره تعمدوا النظر إلي المغيرة في الحال التي كان عليها وشهدوا عليه بالزنا ولم ينكر أحد وهذا ظاهر كلام الشافعي, لأنه قال: وأقبل شهادة النساء فيما لا يجوز للرجال غير ذوي المحارم أن يتعمدوا إليه لغير شهادة وهذا يقتضي أنه يجوز تعمد النظر إليه للشهادة, وحكي ابن العاص عن ابن سلمة أنه قال: كنا نقول: شهادة الرجال في الرضاع لا تجوز إذا تعمدوا النظر وليس لهم أن ينظروا إلي ثدي المرأة لإقامة الشهادة وإنما يجوز ذلك إذا رأوه من غير قصد منهم.
وأما في الشهادة علي الزنا فلم يتعمدوا النظر إلي الفرج ليقيموا الشهادة وكنا نفرق بينهما بأن الزانيين هنا حرمة أنفسهما وليس كذلك المرضعة فيفسق بالنظر في غير الزنا دون الزنا وأيضا فلا يقبل في الزنا شهادة النساء فلو لم يجز للرجال أن [12/ 116 أ] يتعمدوا النظر لإقامة الشهادة عليه أدي إلي بطلان حد الزنا وفي الرضاعة والولادة تقبل شهادة النساء فلم يجز للرجال النظر.
قال ابن سلمة: حتى وجدت في القرآن العظيم أن شهادة الرجال في الرضاعة والولادة جائزة رأوا مفاجأة أو تعمدوا النظر إذا قصدوا به أداء الشهادة, ويقول ابن سلمة يقول بعض أصحابنا الآن من غير رجوع للفرق الذي ذكره الإصطخري.
لا يجوز تعمد النظر في ذلك بحال لأن الناس في الزنا مندبون إلي الستر وفي غيره تقبل شهادة النساء علي الانفراد فلا حاجة للرجال إلي النظر في ذلك وهذا خلاف
الجزء: 14 - الصفحة: 125
النص، وكذلك ما قال الثاني والاعتماد علي القول الأول وهو اختيار ابن ابي هريرة وابن ابي أحمد وثبت النص في أحكام القرآن.
ومن أصحابنا من قال: يجوز تعمد النظر في غير الزنا ولا يجوز في الزنا، والفرق أن الحد حق الله تعالي وهو مبني علي الدرء والإسقاط ما أمكن، وغيره حق الآدمي المبني علي التضييق والتشديد وهذا أيضا خلاف النص، وقال ابن أبي أحمد: لو وقعت في يد امرأة آكله جاز للرجل أن يداويها وينظر إليها وإن كان يتهيأ طلب امرأة تداويها فكذلك يجوز النظر إلي الثدي لتحمل الشهادة.
[12\ 116 ب].
فرع آخر
إذا شهد الرجال بذلك لا يسأل عن كيفية التحمل فإن قالوا كانت منا التفاتة من غير تعمد فرأينا يقبل بلا خلاف، وإن قالوا: تعمدنا النظر لغير شهادة فرأينا فسقوا ولا تقبل شهادتهم، وإن قالوا تعمدنا النظر لإقامة الشهادة فيه أربعة أوجه علي ما ذكرنا.
باب الشهادة القاذف
مسألة: قال: أمر الله تعالي أن يضرب القاذف ثمانين.
الفصل
إذا قذف رجل امرأة لا يخلو إما أن يكون قد حقق قذفه أو لم يحقق، فإن حقق قذفه وتحقيقه إذا كان المقذوف أجنبيا، في أحد شيئين:
إما بإقامة البينة بالزنا أو بإقرار المقذوف بالزنا، وإن كانت المقذوفه زوجة فتحقيقه بأحد أشياء ثلاثة: اثنان ما ذكرنا، والثالث: اللعان فمتى حقق هكذا سقط عنه حكمه ووجب علي المقذوف حد الزنا، وإن لم يحقق تعلق بقذفه ثلاثة أحكام: إقامة الحد والتفسيق ورد الشهادة فإن تاب لم يسقط الحد إجماعا ويزول الفسق إجماعا، وأما رد الشهادة فمذهبنا أنه يسقط وتقبل شهادته، وروى ذلك عن عمر رضي الله عنه وعطاء وطاوس والشعبي وربيعة ومالك [12\ 117 أ] وسليمان بن يسار والزهري ومجاهد وأبي عبيد وعثمان البتي وأحمد وإسحاق وأهل المدينة.
وقال شريح والنخعي والحسن والثوري وأبو حنيفة: لا تقبل شهادته بعد إقامة الحد أبدا وتقبل قبل إقامة الحد والخلاف مع أبي حنيفة في فصلين:
أحدهما: في قبول شهادته بعد التوبة وإقامة الحد، والثاني: رد الشهادة عندنا يتعلق بالقذف فلا تقبل شهادته قبل إقامة الحد عليه إذا لم يثبت وعنده يتعلق الرد بإقامة الحد فتقبل شهادته، وإن لم يثبت.
واحتج في الفصل الأول بقوله تعالي ﴿ولا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: الآية 4].
وروى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((لا تجوز شهادة مجلود أو محدود في قذف)).
واحتج في الفصل الثاني بأنه يجوز قبل الحد أن
الجزء: 14 - الصفحة: 126
يحقق صدقه بإقامة البينة فلا يوجب التفسيق.
وهذا بخلاف الأصول، وذلك أن الله تعالي قال: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ولا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: الآية 4].
ولم يقل: ثم لا تقبلوا فدل علي أن رد الشهادة بالقذف كما أن الحد بالقذف ثم قال تعالي: ﴿إلاَّ الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: الآية 5].
فإن كان الاستثناء راجعا إلي قوله: ﴿ولا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾.
وجب قبول شهادته، وإن كان راجعا إلي قوله: ﴿وأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ﴾ [النور: الآية 4].
فإذا ارتفع الفسق رددنا الشهادة وجب أن تقبل [12\ 117 ب] شهادته.
قال الشافعي رضي الله عنه: أن أخبرنا ابن عيينة قال: سمعت الزهري يقول: زعم أهل العراق أن شهادة القاذف لا تجوز فأشهد لأخبرني، ثم سمي الرجل الذي أخبره أن عمر رضي الله عنه قال لأبي بكرة ((تب تقبل شهادتك أو قال إن تبت قبلت شهادتك)) قال وبلغني عن ابن عباس رضي الله عنهما مثل معني هذا، وقال ابن أبي نجيح كلنا نقوله قلت: من قال عطاء وطاوس ومجاهد، قال محمد بن إسماعيل البخاري وأجازه عبد الله بن عيينة وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير وعكرمة والزهري ومحارب بن دثار وشريح ومعاوية بن قرة، وقال أبو الزناد: والأمر بالمدينة علي ما ذكر الشافعي، وقال الشعبي: قبل الله توبته ولا تقبلون شهادته.
قال الشافعي: وحاله قبل أن يجد شر منه بعد الحد لأن الحدود كفارات فكيف تردون الشهادة في أحسن حالته وتقبلون في شر حالته، وإذا قبلتم توبة القاتل عمدا والكافر فكيف لا تقبلون شهادة القاذف وهو أيسر ذنبا؟ قال المزني: حين قال الشافعي هذا صدق والله.
قال أصحابنا وروى سعيد بن المسيب أن عمر رضي الله عنه قال لأبي بكرة وشبل ونافع ((من تاب منكم قبلت شهادته)) وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالي ﴿ولا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: الآية 4] ثم قال [12\ 118 أ] ﴿إلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وأَصْلَحُوا﴾ فشهادته في كتاب الله تعالي تقبل.
وروى بعض أصحابنا بخراسان عن سعيد بن المسيب عن عمر رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: ((في هذه الآية توبتهم إكذابهم أنفسهم فإن كذبوا أنفسهم قبلت شهادتهم)) وروى خزيمة بن ثابت رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((من أذنب ذنبا فأقيم عليه حد ذلك الذنب فهو كفارته))، وروى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((التائب من الذنب كمن لا ذنب له، والمستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه))، وروى ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((هل تعلمون أحباء الله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: التوابون من الذنوب ثم تلا هذه الآية {إٍنّ
الجزء: 14 - الصفحة: 127
اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: الآية 222].
وأما الآية التي ذكروها فقد جعلناها دليلا لنا ولأن الاستثناء يرجع إلي الجملتين من التفسيق ورد الشهادة كالشرط إذا قال: أنت طالق وعبدي حر إن شاء الله، وبل عوده إلي الشهادة أولي، لأن التفسيق خرج مخرج الخبر والتعليل لرد الشهادة، ورد الشهادة هو الحكم المذكور [12\ 118 ب] والاستثناء به أولي وأما قوله: إن قبل الحد لا يتحقق كذبه قلنا قد ختم بوجوب الحد عليه فقد تحققنا كذبه أيضا وعندهم لو بقي من ثمانين سوط لا ترد شهادته.
مسألة: قال: والتوبة إكذابه نفسه.
الفصل
مسموع والتوبة إكذابه نفسه لأنه أذنب بأن نطق بالقذف وفي نسخة أخري والتوبة إكذابه بأنه أذنب بأن نطق بالقذف وهما متقاربان في المعني فإذا أكذب نفسه ورجع عن قوله قبلت توبته ثم في عطفها إشكال ومذلك أنه قال: والتوبة أن يقول: القذف باطل كما تكون الردة بالقول والتوبة عنها بالقول وموضع الإشكال أنه قال: التوبة إكذابه نفسه، ثم قال: والتوبة أن يقول: القذف باطل أي هذا القذف الذي تلفظت به باطل، فإن قال قائل كيف يصير تائبا بأن يصير مكذبا لنفسه مبطلا لقوله ولعله مصر علي عبارته في قذف غير المقذوف، وأن يكذب نفسه فيه فعلا اشترطتم لفظ التوبة؟ قلنا: معني قوله والتوبة إكذابه نفسه إذا أكذب نفسه علي معني الندامة والتلافي.
وحقيقة التوبة الندامة علي ما فرط هكذا قال رسول الله صلي الله عليه وسلم [12/ 119 أ] ((الندم توبة)) فأما إذا اقتصر علي تكذيب نفسه وإبطال قوله لا علي معني الندامة والإنابة والتوبة لم نجعله تائبا، وقد قال أبو إسحق: ليس معني قول الشافعي أن يقول: كذبت فيما قلت بل معناه أن يكذب نفسه في استباحة القذف فيقول: القذف باطل وإني لا أعود فيه وأنا نادم عليه أو يقول: قذفي له بالزنا كان كذبا ولا يقول: كنت كاذبا لجواز أن يكون صادقا وبه قال أبي هريرة: فإن قيل قد تقبل توبة المرتد وإن لم يقل الكفر باطل فلم شرطتم هنا أن يقول القذف باطل؟ قلنا: لا تقبل واحدة منهما حتى يأتي بما يضاد الأول فالتوحيد يضاد الكفر فاكتفي به وليس ما يضاد القذف إلا أن يقول القذف باطل فافترقا.
وقال الإصطخري: وبه قال أحمد: توبة القاذف أن يقول: كذبت فيما قلت وإنني كاذب في قذفي له بازنا وهذا ظاهر قول الشافعي التوبة إكذابه نفسه وقد روى عن عمر رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((توبة القاذف إكذاب نفسه)) قال أصحابنا: ما قاله أبو إسحاق أصح وهو المذهب لما ذكرنا أنه يجوز أن يكون صادقا في الباطن ويجب الحد
الجزء: 14 - الصفحة: 128
بذلك في ظاهر الحكم وتأويل لفظ الشافعي ما ذكره أبو إسحاق إلا أنه قال: كذبت فيما قلت يكون ذكرا لما فسق به، والتوبة لا تحصل بذلك [12\ 119 ب] كما أن من فسق بالزنا لم تكن التوبة عنده بذكر الزنا الذي فسق به.
ثم قال الشافعي رضي الله عنه: فإن كان عدلا قبلت شهادته وإلا فحتى يحسن حاله، قال أصحابنا: أراد به أن القاذف إذا كان عدلا قبل قذفه وشهد علي رجل بالزنا قلم تتم الشهادة فإن هذا إذا قال القذف باطل وأنا لا أعود فيه قبلت شهادته في الحال.
ألا تري أن عمر رضي الله عنه قال لأبي بكرة: ((تب تقبل شهادتك))، وإن لم يكن عدلا وكان فاسقا من غير جهة القذف أو قذفه صريحا علي طريق الشتم لا تقبل شهادته حتي تختبر حاله مدة، وقد نص علي هذا في كتاب ((الشهادات)) من ((الأم)) والدليل عليه قوله تعالي ﴿إلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وأَصْلَحُوا﴾ [النور: الاية 5] فاعتبر صلاح العمل في القذف الصريح بعد التوبة.
ومن أصحابنا من قال: إذا قذفه صريحا علي طريق الشتم ثم تاب هل يعتبر صلاح العمل؟ قولان: أحدهما: لا يعتبر وبه قال أحمد لما ذكرنا من خبر عمر رضي الله عنه ولأن هذه المعصية بالقول فكفي في التوبة عنها القول كالردة، ولأنه يحتمل صدقه بخلاف الزاني والشارب، والثاني: ما ذكرنا وإن كان بطريق الشهادة يحد لنقصان العدد يكفي العدد ولا يحتاج إلي إصلاح العمل قولا واحدا لقول عمر رضي الله عنه لأبي بكرة ((تب أقبل شهادتك))، ولأن فسق هذا ثبت من طريق الاجتهاد [12\ 120 أ] بخلاف فسق القاذف علي طريق النسب.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: نص الشافعي رضي الله عنه أنه تقبل شهادته عقيب التوبة بكل حال لأنها كبيرة ارتكبها وتاب عنها فاستغنيا عن استبراء حاله، وقال في موضع: لا تقبل عقيب التوبة، فقيل قولان وقيل: هو علي حالين، فالذي قال تقبل ولا تستبرأ، وإن لم يكذب نفسه وأظهر الندامة علي قوله وكان عدلا من قبل لا يحتاج إلي زمان الاستبراء والصحيح في التحقيق ما ذكرنا أولا.
فرع
إذا ردت الشهادة للقذف بلفظ الشهادة ولم يتب لا يرد خبره، وإن ردت شهادته إذا كان عدلا من قبل لأن أبا بكرة ردوا شهادته، ولم يردوا خبره، لأن السلف كانوا يروون عنه ولأن هذا التفسيق بالتأويل فكان حكمه دون التفسيق بالمعاصي المجمع عليها، ولأن أمر الإخبار أخف وأسهل ولهذا يقبل من واحد ويقبل من عبد، وفي قذف النسب لا يقبل الخبر ما لم يتب لأن التفسيق بقذف النسب نص وقذف الشهادة اجتهاد.
الجزء: 14 - الصفحة: 129
فرع آخر
لو كان من غير أهل الشهادة فشهد بالزنا لم تقبل شهادته بعد التوبة إلا باستبراء حاله وإصلاح عمله لظاهر الآية.
[12/ 120 ب].
فرع آخر
هل يحتاج تفي توبة القذف أن يقول: ولا أعود إلي مثله؟ فيه وجهان؛ أحدهما: لا يعتبر بل يكفي الندم والعزم علي أن لا يعود إلي مثله, وإكذابه نفسه لأن العزم علي ترك مثله يغني عن هذا القول, والثاني: لابد منه لأن القول في هذه التوبة شرط والعزم ليس بقول.
فرع آخر
إذا كان القذف بالشهادة لنقصان العذر فإن قلنا: لا حد عليه لا يؤمر بالتوبة لأنهم قصدوا إقامة حد الله تعالي, وإذا قلنا: يحدون يحكم بفسقهم وتجب التوبة فيقول: قذفي باطل ولا يحتاج إلي الندم وترك العزم في المستقبل لأنها شهادة في حق الله تعالي ولا يعتبر أن يقول: إنني كاذب ولا أن يقول: لا أعود إلي مثله لأنه لو كمل عدد الشهود لزمه أن يشهد.
فرع آخر
متى كانت الشهادة تقبل بنفس التوبة فللإمام أن يقول له: تب أقبل شهادتك كما قال عمر رضي الله عنه لأبي بكره, وقال مالك: لا أعرف لهذا القول وجها وهذا رد منه علي عمر رضي الله عنه في قول انتشر في الصحابة ووافقوه عليه, وقال الشافعي: كيف لا يعرفه وقد أمر النبي صلي الله عليه وسلم بالتوبة وقال عمر هكذا.
فرع آخر
شروط التوبة تختلف باختلاف وللذنب حالتان:
إحداهما: أن يتعلق به حق, والثانية: أن لا يتعلق به حق [12/ 121 أ] فإن لم يتعلق به حق سوي الإثم كمن قبل أجنبية أو لمسها أو وطئها دون الفرج أو شرب مسكرا فالتوبة من بشرطين: الندم والعزم علي ترك مثله في المستقبل قال الله تعالي: ﴿والَّذِينَ إذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ [آل عمران: الآية 135] الآية.
فالندم بالاستغفار والعزم علي تركه بقوله: ﴿ولَمْ يُصِرُّوا﴾ [آل عمران: الآية 135] , وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: بقية عمر المرء لا قيمة لها يدرك بها ما فات ويحيي ما أمات وتبدل سيئاته حسنات, فإن كان هذا الذنب باطنا يكتفي فيه بالتوبة الباطنة, وإن كان ظاهرا ففيما بينه وبين الله تعالي يكفيه التوبة الباطنه ولا يكتفي فيما بينه وبين العباد لا بالتوبة الظاهرة, فإن تجاوز إلي أن أثم به في حق العباد, وإن لم يتعلق به غرم ولا حد كمن تعدي بضرب إنسان احتاج مع ما ذكرنا إلي استحلال المضروب فإن أحله وإلا مكنه من نفسه حتى يقابله علي فعل مثله, وإن كان لا يجب في الحكم به قصاص لأنا نعتبر من القصاص المماثلة وهي
الجزء: 14 - الصفحة: 130
متعذرة هنا، ويعتبر في التوبة الانقياد والطاعة وهي هنا موجودة، وروى إبراهيم النخعي أن عمر رضي الله عنه، نهى الرجال أن يطوفوا مع النساء" فرأى رجلًا يصلي مع النساء فضربه بالدرة فقال الرجل: والله إن كنت أحسنت فقد ظلمتني، وإن كنت أسأت فقد علمتني فقال عمر: أما شاهدت عزمي [12/ 12 ب] قال ما شهدت لك عزمة فألقى إليه الدرة وقال: اقتص فقال: لا أقتص اليوم قال: فاعف قال لا أعفو اليوم فافترقا على ذلك ثم لقيه من الغد فتغير لون عمر رضي الله عنه فقال له الرجل: يا أمير المؤمنين أرى ما كان مني قد أسرع فيك؟ قال: أجل، قال: "فأشهدك أني قد عفوت عنك فبذل له القصاص" وإن لم يجب ليزول عنه مأثم الخطأ في حقه وإن الخطأ في حق الله تعالى عفو.
فإن مكن من نفسه فلم يستوف صحت توبته فإنه عليه الانقياد وليس عليه الاستيفاء، وإن كان الذنب معصية يتعلق بها مع الإثم حق فضربان: فعل وقول: فأما الفعل فضربان؛ أحدهما: يختص الحق بالآدميين كالغصب والقتل فصحة توبته بثلاثة شروط بالندم، والعزم على ترك مثله، ورد المغصوب أو بدله إن عدم فإن أعسر أنظر إلى ميسرته والتوبة صحت وهذه التوبة تعتبر في الظاهر والباطن، والثاني: أن يختص الحق بالله تعالى كحد الزنا ونحوه، فإن كان استسر بفعله ولم يتظاهر به فالأولى أن يستره على نفسه ولا يظهره وتوبته بشيئين على ما ذكرنا، فإن أظهره لم يأثم بإظهاره لأن النبي صلي الله عليه وسلم لم ينكر على ماعز حين أظهر الزنا من نفسه فإن اظهر ذلك قبل التوبة وجب الحد وتوبته بثلاثة شروط: [12/ 122 أ] الندم، والعزم، وتسليم نفسه للحد فإن لم يحد صحت توبته والمأثم على من ترك إقامة الحد، وإن أظهر بعد توبته فهل تسقط الحدود بالتوبة؟ فيه قولان فإن قلنا: تسقط توبته بشرطين، وإن قلنا: لا تسقط بتوبته بثلاثة شروط، وهذا إذا تاب قبل ظهور حاله يعود بعد التوبة إلى حاله قبل المعصية، فإن كان مقبول الشهادة قبلت بعد التوبة ولا يتوقف عنه لاستبراء صلاحه لأنه ما أظهر التوبة فيما كان مستورًا إلا عن صلاح يغني عن استبراء الحال.
والثانية: أنه يكون تظاهر بها فعليه أن يتظاهر بالتوبة أيضًا، فإن ثبت الحد عليه عند مستوفيه فتوبته بثلاثة شروط، وإن تاب قبل ثبوت الحد عليه فهل يسقط بالتوبة؟ فيه قولان على ما ذكرنا.
وأما ثبوت العدالة وقبول الشهادة فمعتبر بعد التوبة بصلاح حاله واستبراء أفعاله بزمان يختبر فيه لقوله تعالى: ﴿إلاَّ مَن تَابَ وآمَنَ وعَمِلَ صَالِحًا﴾] الفرقان: الآية 70 [. واعتبر أصحابنا في هذا سنة كاملة لأنها تشتمل على الفصول الأربعة المهيجة للطباع.
وقد قال الشافعي في هذا: يصلح عمله مدة من المدد ولم يقدر ولأن السنة تتعلق بأحكام كثيرة في الشرع من وجوب الجزية والزكاة وتحمل الفعل، والطباع تختلف بها فكانت أولى بالاعتبار، وهل تكون السنة على التحقيق أو التقريب؟ فيه وجهان [12/ 122 ب] وقال بعض أصحابنا: يعتبر ستة أشهر.
وأما المعصية بالقول فضربان؛ ردة يتعلق بها حق الله تعالى، وقذف بالزنا يتعلق به
الجزء: 14 - الصفحة: 131
حق الآدمي، فأما الردة فالتوبة بالندم والعزم بالإسلام ثم إن كان ممن لا تقبل شهادته قبل توبته لم تقبل منه توبته حتى تظهر منه شروط العدالة، وإن كان ممن تقبل شهادته قبلها نظر في توبته، فإن كان عند اتقائه للقتل لم تقبل إلا أن يظهر فيه شروط العدالة في استبراء حاله في صلاح عمله، وإن تاب عفوًا غير متٍق بها القتل عاد إلى عدالته في الحال.
وأما القذف فيعتبر فيه الندم والعزم وإكذاب نفسه على ما ذكرناه.
فرع آخر
إذا رددنا الشهادة بالقذف فلا فرق بين أن يوجب الحد، أو يوجب التعزير لتكذيبه وكذلك حكم التوبة فيها سواء.
باب التحفظ في الشهادة والعلم بها
مسألة: قال: قال الله تعالى: ﴿ولا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾] الإسراء: الآية 36 [. وقال تعالى: ﴿إلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وهُمْ يَعْلَمُونَ﴾] الزخرف: الآية 86 [. والعلم من ثلاثة أوجه.
الفصل
اعلم أن عماد الشهادة العلم بما يشهد الشاهد عليه لقوله تعالى: ﴿ولا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾] الإسراء: الآية 36 [. وقال قتادة في "تفسيره" لا تقل سمعت ولم تسمع، ولا رأيت ولم تر [12/ 123 أ] وعلمت ولم تعلم وقد ذكرنا خبر ابن عباس رضي الله عنهما فإذا تقرر هذا نقول: قال الشافعي رضي الله عنه: والعلم من ثلاثة أوجه وجملته أن الشهادات على ثلاثة أضرب.
أحدها: يحتاج فيه إلى البصر دون السمع وذلك مثل الشهادة على الأفعال كالقتل والزنا والسرقة وشرب الخمر وأخذ الأموال ومثل الشهادة على اليد في الأموال إذا عاينه في يده فالسميع والأصم فيها سواء لأن القصد الشهادة على استدراكه بالعين.
والثاني: يحتاج إلى السمع والبصر جميعًا وذلك مثل عقد النكاح وعقد البيع وإيقاع الطلاق والإقرار بالمال فلا يجوز أن يشهد به حتى يسمع القول ويبصر القائل ويثبته ثم يشهد عليه.
والثالث: ما يجوز أن يشهد فيه بتظاهر الأخبار من غير أن يبصر المشهود عليه، ولا أن يسمع قوله وذلك في النسب والأملاك المطلقة، قال أصحابنا: وكذلك الموت فأما النسب فلأنه تتقدر الشهادة على نسبه الذي يتعلق ثبوته به وهو الوطئ والعكوف الذي لا يطلع عليه مخلوق، وأما الأملاك المطلقة فلأن وجوه الملك متسعة وفيها ما يتقدر عليه الإشهاد، وأما الموت فإنه يحصل بوجه لا يمكن الإشهاد عليه، ويستحب تعجيل الدفن فكان ذلك بمنزلة الشهادة على الملك المطلق بتظاهر الأخبار.
الجزء: 14 - الصفحة: 132
وقال بعض أصحابنا بخراسان: [12/ 123 ب] في الأملاك قول آخر لا تجوز الشهادة حتى يعلم سبب الملك وهذا أقيس ولكنه خلاف ظاهر المذهب المنصوص، وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا تجوز الشهادة في الأملاك بالاستفاضة واحتج بأن هذه شهادة بالمال فلا تجوز بالاستفاضة كالشهادة بالدين وهذا لا يصح قياسًا على النسب والموت فإنه وافقنا فيهما وبقولنا قال أحمد في الكل، وأما الدين قال بعض أصحابنا: لا نسلم وإن سلمنا فإنه لا تقع الاستفاضة بقدره بل يستفيض الدين في الجملة من حيث المطالبة به بخلاف الأعيان فإن قيل: يمكنه أن يعلم الملك بمشاهدة سببه فلا حاجة إلى الشهادة بالاستفاضة قلنا: وجود السبب لا يثبت به الملك لأنه يجوز أن يشتري ما لا يملك البائع، أو يصطاد صيدًا قد صاده غيره وانفلت منه وإنما يتصور بادرًا أن يشاهده يأخذه من ماء دجلة.
فإن قيل لم قال الشافعي: وجوه العلم ثلاثة؟ وهي أكثر من ثلاثة فإن بالحواس الخمس يقع العلم والاستفاضة لا تكون علمًا بل هي ظن.
قلنا: قصد الشافعي رضي الله عنه إلى وجوه العلم التي تقع الشهادة بها فإن الشم والذوق لا حاجة إليه في الشهادة به، وإنما تكون معظم الشهادات بالوجوه التي ذكرناهما وأما الاستفاضة، وإن كانت ظنًا ولكن الظن يسمى علمًا بدليل [12/ 124 أ] قوله تعالى: ﴿ومَا شَهِدْنَا إلاَّ بِمَا عَلِمْنَا﴾] يوسف: الآية 81 [أي بما ظننا.
فرع آخر
قال الشافعي رضي الله عنه: من شرط جواز الشهادة فيما ذكرنا أن يتظاهر به الخبر زمانًا طويلًا ممن يصدق ولا يكون هناك دافع يدفعه ولا منازع ينازع فيه ولا دلالة يرتاب بها قال أصحابنا: وهذا يدل على أن تظاهر الأخبار ليس مما يوجب العلم الضروري وإنما يصل به المعرفة في القلب بضرب من الاستدلال إذا تكرر الخبر مرة بعد مرة من أهل الصدق وليس هناك ريبة تدل على غير ما أخبروا به فيدل السامع على أنه كما أخبروا به فيجوز أن يشهد به لما ذكرنا.
وقال صاحب "الحاوي": أقل العدد في هذا الخبر أن يبلغوا عدد التواتر، وقال أبو حامد وجماعة: أقله عدلان يذكران نسبه خبرًا لا شهادة يسكن قلبه إلى خبرهما لأن الحقوق تثبت بقول اثنين قال: وهذا لا يصح لأن قول الاثنين من أخبار الآحاد وبأخبار الآحاد لا تحصل الاستفاضة فوجب أن يعتبر فيه العدد المقطوع بصدق مخبره وهو عدد التواتر المنتفي عنه المواطأة والغلط، والقول الأول أولى عندي وهو أنه لا يعتبر العلم الضروري ولا يكفي فيه شاهدان على ما يثبت.
الجزء: 14 - الصفحة: 133
فرع آخر
قال الشافعي رضي الله عنه هنا: ويسمع الشهادة على النسب إذا سمعته زمانًا ينتسب إلى نسب [12/ 124 ب] وينسبه غيره إلى ذلك النسب ولم يسمع دفاعًا ولا دلالة يرتابها فهذه شرائط أربع طول الزمان وانتسابه إلى ذلك النسب ونسب غيره إياه وعدم الدافع وعدم الأدلة التي هي سبب البينة حتى تجوز الشهادة على النسب.
وذكر صاحب "الحاوي" أنه يثبت بسماع الخبر الشائع الخارج إلى حد الاستفاضة في أوقات مختلفة وأحوال متباينة من حمد وذم وسخط ورضي يسمع الناس يقولون فيها: هذا فلان ابن فلان فيخصونه بالنسب إلى أب أدنى يعمونه بنسب أعلى فيقولون: هذا من بني هاشم فيسع الشاهد إذا استفاض عنده الخبر أن يشهد بالنسب، وإن كان استدلالًا لا يقطع بغيبته لأن الأنساب تلحق بالاستدلال.
فرع آخر
قال أصحابنا: وإذا سمع رجلًا يقول: هذا الصبي ابني جاز أن يشهد بنسبه وكذلك لو سمع رجلًا يقول هذا أبي وقد سمعه وسكت جاز أن يشهد بنسبه لأن سكوت الأب بمنزلة إقراره، والإقرار جهة يثبت بها النسب فجازت الشهادة عنه.
وإنما أقمنا السكوت فيه مقام النطق لأن الإقرار على الانتساب الفاسد لا يجوز بخلاف سائر الدعاوي، ولأن النسب يغلب فيه الإثبات بدليل أنه يلحق بالإمكان البعيد، وقال بعض أصحابنا: إذا سكت عن الإقرار [12/ 125 أ] والإنكار فإن لم يشهد لحال بالرضي لم يثبت وإن شهدت حاله بالرضي قال أبو حامد: يثبت لأن الرضي من شواهد الاعتراف، وهذا لا يصح على الإطلاق والحكم فيه أنه إن لم ينكر ذلك لم يكن إقرارًا به يجوز أن يكون لخوف أو رجاء، وإن تكرر أحوال مختلفة وزال شواهد الخوف صار اعترافًا لأن أكثر الأنساب بمثله تثبت، وهكذا لو ابتدأ أحدهما فقال للآخر: هذا أبوك وإذا صدقه ثبت ويكون بالإقرار ثبوت النسب فلو تناكرا لا ينبغي، فإذا أنكره لا يثبت، فإن عاد فأقر ثبت، ولو أنكر المقر لم يثبت.
فرع آخر
لو شهد شاهدان أن فلان ابن فلان وكل فلان ابن فلان هل تكون الشهادة بالوكالة موجبة للشهادة بنسبهما؟ قال مالك: لا يوجب ذلك لأن المقصود الوكالة وعلى مذهب الشافعي تكون شهادة بالوكالة والنسب جميعًا لأن الشهادة توجب ثبوت ما تضمنها من مقصود وغير مقصود كمن شهد بثمن في مبيع كان شهادة بالبيع وإن قصد الثمن.
فرع آخر
الملك المطلق يثبت بسماع الخبر الشائع فيسمع الناس على اختلاف أحوالهم
الجزء: 14 - الصفحة: 134
يقولون: هذه الدار لفلان، وهذه الدابة لفلان، ويتكرر ذلك على مرور الزمان لا يرى فيهم منكر ولا منازع فتصح الشهادة بهذا الخبر المتظاهر ولا يشهد بسببه، وإن علم ذلك بالسماع لأنه لا تجوز الشهادة على السبب بالسماع إلا أن يكون سبب [12/ 125 ب] الميراث فيجوز أن يشهد بهذا السبب بالخبر المتظاهر لأن الميراث يستحق بالنسب والموت وكلاهما يثبتان بالخبر المتظاهر فأما الشراء والهبة لا يجوز أن يشهد به بتظاهر الأخبار لأنه يعلم بالمشاهدة.
واختلف أصحابنا مع تظاهر الأخبار بملكه هل يصح أن يشهد به من غير أن يراه متصرفًا فيه على وجهين؛ أحدهما: يصح حتى يرى تصرفه فيه فيجمع الشاهد التصرف في العلم به بين السماع والشهادة، وقال الأكثرون: يصح وإن لم يشاهد التصرف لأن الخبر المتظاهر أنفى الاحتمال من التصرف الذي يجوز أن يكون بملك وغير ملك.
فرع آخر
في الموت إذا رأى الجنازة على بابه ويسمع الصراخ ولم يذكر له موته لم يجز أن يشهد به، فإن ذكر له موته كان الخبر المعتبر فيه غير معتبر بالتواتر لأنه قد اقترن به من شواهد الحال ما يقوم مقام التواتر.
فرع آخر
اختلف أصحابنا في ثلاثة أشياء هل يجوز أن يشهد بها من جهة الظاهر والإخبار على وجهين: وهي الوقف والنكاح والولاء، أحدهما: وهو اختيار أبي إسحاق لا يجوز، لأن الإشهاد على عقد الوقف ممكن وكذلك الإشهاد على عقد النكاح والعتق فلم يجز أن يشهد بها بتظاهر الأخبار ويخالف النسب والملك المطلق والموت لتشعب وجوهها وحصولها من جهات لا يمكن إيقاع الشهادة عليها [12/ 126 أ] وهذا أشبه بمذهب الشافعي وهو الأصح.
والثاني: وهو اختيار ابن أبي أحمد وابن أبي هريرة وصاحب "الإفصاح" والإصطخري يصح وبه قال أحمد لأن الوقف مؤبد والولاء كذلك والنكاح فيما يطول زمانه وينقرض شواهد الأصل فجازت الشهادة عليه بتظاهر الأخبار ولأنه تجوز بأن عائشة رضي الله عنها زوجة النبي صلي الله عليه وسلم وفاطمة زوجة علي رضي الله عنهما، ودليلنا أن تأبدها وتطاول زمانها لا يدل على جواز الشهادة عليها بتظاهر الأخبار لأنه يمكن الإشهاد على شهود الأصل ويستحب للحاكم أن يحدد كتب الوقف وإيقاع الشهادة فيها على الشهود إذا خاف انقراض شهود الأصل، وأما زوجية عائشة وفاطمة رضي الله عنهما وأنها ثبتت بالخبر المتواتر الذي يوجب العلم ضرورة وليس الخبر الذي تراعيه مثل ذلك وإنما هذا علم بضرب من الاستدلال على ما بينا فافترقا.
ومن أصحابنا من قال: ما قاله الإصطخري أقيس وهو الأصح عندي لأن الشهادة لا تكون إلا بالعقد بالوقف، وكذلك تشهد بالنكاح دون العقد فهو بمنزلة الملك سواء
الجزء: 14 - الصفحة: 135
فعلى هذا لا يقول الشاهد: زوجها أبوها برضاها بحضرة شاهدين ولا يجوز أن يشهد بذلك إلا أن يسمع العقد وشاهد العقد ولا يضيف الوقف [12/ 126 ب] إلى لفظ الواقف بل يشهد أنها زوجة فلان أو وقف على فلان أو مولى فلان وكذلك الخلاف في العتق يشهد أنه عتيق الولاء يجوز قولًا واحدًا لأنه كالنسب سواء وقال أبو حنيفة: يجوز في النكاح والدخول أيضًا لأنه يستفيض في الناس، وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز في الولاء إذا شهد مثل عكرمة مولى ابن عباس.
فرع آخر
إذا جوزنا أن يشهد بها أنها زوجة فلان هل يجوز أن يرى الزوج داخلًا عليها وخارجًا من عندها؟ فيه وجهان: كالوجهين في النسب في الملك هل يشترط؟ فيه وجهان.
فرع آخر
لو رأى رجلًا يتصرف في داره مدة طويلة يسكنها ويدخلها ويخرج منها من غير منازع ولا دافع يجوز له أن يشهد باليد بلا خلاف، وهل يجوز أن يشهد له بالملك قال الإصطخري: وبه قال أبو حنيفة واحمد يجوز لأن اليد تدل على الملك والتصرف بقوى اليد فجازت الشهادة بالملك به ولا يحتاج أن يقول اشتراها من فلان لأنه إذا قال ذلك احتاج إلى إثبات ملك فلان فيلزم أن يذكر أنه اشتراها فلان من فلان ثم يحتاج إلى إثبات ملكه إلى ما يتناهى، ولهذا لو شهد بأن هذا لفلان ورثه من فلان وكان ملكًا له إلى أن مات كفى ولا يحتاج إلى إثبات سبب ملكه، وقال أبو إسحاق: وهو الأصح وهو اختيار القاضي الطبري وغيره [12/ 127 أ] لا يجوز لأن اليد قد تكون بغير ملك كإجارة وعارية ووديعة ووكالة ووصاية، فلا يجوز أن يشهد بالملك وجهًا واحدًا، ويجوز أن يشهد باليد هنا أيضًا.
مسألة: قال فبذلك: قلنا: لا تجوز شهادة الأعمى لأن الصوت يشبه الصورة.
جملة هذا أن العمى لا تقبل شهادته في الأفعال التي تفتقر إلى المشاهدة بلا خلاف لأن المشاهدة متعذرة عليه.
وأما ما يفتقر فيه إلى السماع والمشاهدة لا تقبل شهادته عندنا فيه، وبه قال النخعي والحسن وسعيد بن جبير وسوار القاضي والثوري وعثمان البتي وأبو حنيفة وأصحابه وأكثر فقهاء الكوفة رحمهم الله، وروي عن علي رضي الله عنه وقال مالك: تقبل شهادته فيه، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما والزهري وربيعة والليث وشريح وعطاء وابن أبي ليلى وأحمد قال البخاري في كتابه والقاسم بن محمد وابن سيرين والحسن والشعبي أيضًا.
الجزء: 14 - الصفحة: 136
واحتجوا بأنه يعرف المشهود عليه بالصوت فجازت شهادته عليه كالبصير وجواز اشتباه الصوت كجواز اشتباه الصورة [12/ 127 ب] بالصورة وقال القفال: سئل مالكي ببخاري عن هذه المسألة ليشفعوا عليه فشفع عليهم وقال ما قولك في أعمى يطأ زوجته فأقرت بحقه بدرهم، فإن قلتم لا تحل شهادته فقد أحلتم إذ عرف أنها امرأته حتى استباح بضعها أفلا صدقتموه أنه عرفها وثبت عنده إقرارها بدراهم قالوا: ونبي الله شعيب عليه السلام كان أعمى قال الله تعالى: ﴿وإنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ [هود: 91] قيل: معناه ضريرًا.
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿ولا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ والْبَصَرَ والْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء: 36] فجمع في العلم بين السمع والبصر في الإدراك وضم الفؤاد إليها في الإثبات فدل على أن استقرار العلم بجميعها، ولأن من لا يجوز له تحمل الشهادة على الفعال لا يجوز له تحملها على الأقوال كالصبي ولأن شهادة البصير في الظلمة ومن وراء حائل أثبت من شهادة الأعمى ولا يقبل ذلك فهذا أولى.
وأما ما ذكروه فلا يصح لأن الأصوات أكثر اشتباهًا والشهادة إنما تجوز على العقود باليقين دون الاستدلال، ولهذا لو استفاض في الناس أن فلانًا باع داره لا تجوز الشهادة عليه به والأعمى لا يتيقن [12/ 128 أ] ذلك بحال وأما الوطئ فمخصوص الاستحقاق ويجوز الاستدلال عليها باللمس فكذلك بالصوت، وكذلك يعتمد في الوطئ على خبر ناقل العروس إليه، وإن كان واحدًا ويقبل فيه قول المرأة الواحدة بخلاف الشهادة ولأن الوطئ يجوز للضرورة وهو كالعبد يعهد بالنكاح، وإن لم تجز شهادته وأما عمى شعيب عليه السلام فقد أنكره بعضهم، وقيل حدث فيه العمى بعد أداء الرسالة وأيضًا فإعجاز النبوة يوجب القطع بصحة شهادته بخلاف غيره.
فرع
شهادة الأعمى في النسب والملك المطلق والموت من ريق تظاهر الأخبار هل تجوز أم لا؟ اختلف أصحابنا فيها فمنهم من قال تجوز وبه أقول، وقال ابن أبي أحمد: كان ابن سيرين يقول: شهادة العميان تجوز في النسب تخريجًا من عنده وهذا لأن المعول فيه على سماع الأخبار، والأعمى في ذلك بمنزلة البصير.
وقال صاحب "الحاوي": يقبل إذا لم تعتبر مشاهدته بالتصرف في النكاح أيضًا إذا لم تعتبر مشاهدة الدخول والخروج وجهًا واحدًا.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز ذلك لأنه لا بد من مشاهدة المخبرين وأحوالهم ليتمكن من [12/ 128 ب].
. . . . . . على ذلك وهذا أصح عند عامة أصحابنا وعليه يدل نص الشافعي رضي الله عنه لأنه قال: لا تجوز شهادة الأعمى بعد ما ذكر تظاهر الأخبار ثم قيل إلا أن يكون أثبت شيئًا معاينة وسمعًا ونسبًا ثم عمي فيجوز فأخبر انه إنما يشهد بالنسب إذا كان قد أثبته وهو بصير ثم عمي وقال أبو حامد: هذا مقتضى المذهب ولكن جميع أصحابنا ذكروا جواز ذلك وفيه نظر فإن قيل: إذا جوزتم أن يشهد الأعمى على النسب كيف يشير إلى من يشهد على
الجزء: 14 - الصفحة: 137
نسبه؟ قلنا: لا تقبل الآن إنما يقبل منه أن يقول الرجل الذي صنعته كذا وسوقه سوق كذا واسمه كذا أو كنيته كذا هو ابن فلان ابن فلان ثم يقال لذلك الرجل: أقم بينة أخرى على أنك الرجل الذي تسكن سوق كذا واسمك كذا أو كنيتك كذا وصنعتك كذا وليس في سوقك من يشتبه معك، فإن قيل: فما فائدة شهادة الأعمى إذا كان لا بد من هذه البينة الأخرى؟ قلنا: هذه البينة لا علم عندها بنسبه فثبت النسب بشهادة والإشارة بالشهادة الأخرى كما ثبت الوقف بشهادة والملك بشهادة أخرى ومثل هذا كثير ذكره الجويني رحمه الله.
فرع آخر
إذا تحمل الشهادة وهو بصير على الإقرار أو البيع ونحو [12/ 129 أ] ذلك ثم عمي تقبل شهادته فيه فيقول فلان ابن فلان ويرفع نسبه رفعًا يميزه عن غيره باع أو أقر بكذا وهو كالبصير يشهد عن ميت أو غائب نص عليه الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا تقبل شهادته فيه أصلًا لأنه لا يجوز أن يكون حاكمًا ولا إمامًا فلا يجوز أن يكون شاهدًا ودليلنا أن العمى فقد حاسة لا تحل بالتكليف ولا تمنع قبول الشهادة كالصمم، وأما الحكم قال أصحابنا: إذا جوزنا بالقضاء بعلمه يجوز له أن يقضي بعلمه السابق، وأما الإمامة فأكثر شرائط لأنه يجوز أن يكون أصم بخلاف هذا.
فرع آخر
لو شهد وهو بصير ثم عمي قبل الحكم بها لا يقدح في شهادته ويجوز للحاكم أن يحكم بها وبه قال أبو يوسف: وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يحكم بها.
ودليلنا أنه معنى طرأ بعد الشهادة لا يوجب التهمة في شهادته فلا يمنع الحكم بها كالموت ويؤكده أن الموت أبلغ من العمى ثم الموت لا يمنع الحكم فالعمى أولى.
فرع آخر
لو كان في حال البصر تحمل الشهادة على العين لا يجوز له أن يؤديها بلا خلاف ولأنه لا يشاهد العين.
فرع آخر
شهادة الأعمى تقبل في الضبطة وهو أن يجيء إلى أعمى فيضع فاه على أذنه ويضع الأعمى يده على رأسه حتى يعلم أنه المقر ثم يحمله غلى الحاكم مضبوطًا ويقول: أقر عندي هذا بكذا ذكره جميع أصحابنا بالعراق [12/ 129 ب] وقال أصحابنا بخراسان: في المضبوط وجهان وعلى هذا لو تحمل وهو بصير ويده في يده ثم عمي فشهد عليه قبل تخليته يجوز.
فرع
شهادة الأعمى في الترجمة مقبولة لأنه لا يحتاج فيه إلى أكثر من تفسير ما سمعه من
الجزء: 14 - الصفحة: 138
الكلام ولا يتعلق ذلك بإثبات الحكم وما حاله وبه قال أبو حنيفة وله في النسب روايتان.
فرع
لو سمع الشاهدان لفظ المتعاقدين من وراء حائل وعرف صوتها والحائل ثوب فإن كان ضعيفًا يمنع من تحقيق النظر لا تجوز الشهادة، وإن كان خفيفًا يشف فيه وجهان: أحدهما: يجوز لأنه لا يمنع من مشاهدة ما وراءه، والثاني: لا يجوز لأن الاشتباه معه مجوز.
فرع
يجوز للأخرس تحمل لشهادة وأما أداؤها قال أبو حامد: المذهب أنه لا تقبل شهادته وبه قال أبو حنيفة وأحمد وقال ابن سريج: تقبل وبه قال مالك: وحكي القاضي الطبري عن الشيخ الإمام أبي عبد الله الحناطي المذهب أنه لا تقبل شهادته وقال ابن سريج: لا تقبل قال القاضي: وهذا هو الصحيح لأني رأيت للمزني على هذه المسألة في "الجامع الكبير" قال: والذي يجيء على قياس قول الشافعي رضي الله عنه: أن شهادته تصح كما يصح بيعه وطلاقه ونكاحه وحكاه ابن المنذر عن المزني في كتاب الشهادات ووجه القول الأول: أن الإشارة لا تصح [12/ 130 أ] مع موجب الظن ولا حاجة فيه لأنه يمكن أن يشهد غيره بخلاف العقود فإنها لا تستفاد إلا من جهته إما بعقده أو إذنه ويمكن أن يجاب عن هذا بأنه يجوز أن يكون وكيلًا لغيره في عقد، وإن لم يكن به حاجة وقد تيقن عليه شهادته فتدعو الحاجة غلى سماعها وقولها.
مسألة: قال: وكذلك يشهد على عين المرأة ونسبها إذا تظاهرت له الأخبار ممن يصدق بأنها فلانة ورآها مرة بعد مرة وهذا كله شهادة بعلم كما وصفنا.
اعلم أنه يجوز أن تشهد على إقرارها على هذا الوجه ولا يجوز أن تتحمل الشهادة عن المرأة وهي متنقبة فيعتمد صوتها بل لا بد من رؤية وجهها ثم إذا عرفها بوجهها فحكمها حكم الرجل.
فرع
لو تعمد النظر إلى امرأة ليعرفها الشهادة يجوز، وإن نظر إلى وجهها عمدًا بشهوة كان فاسقًا، وإن تعمد النظر لغير شهوة وشهادة قال صلي الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: "لا تتبع النظرة النظرة فإن الأولى لك والثانية عليك".
وله تأويلان يختلف حكم عدالته بهما: أحدهما: أراد لا تتبع نظر عينيك نظر قلبك فعلى هذا لا يأثم به، والثاني: أراد لا تتبع النظرة التي وقعت سهوًا بالنظرة الثانية التي توقعها عمدًا فعلى هذا بمعاودة النظر يخرج من العدالة فلا تقبل شهادته إلا بعد التوبة.
الجزء: 14 - الصفحة: 139
فرع آخر
إذا جاز النظر [12/ 130 ب] إلى وجهها للشهادة لها وعليها قال جمهور الفقهاء: يجوز أن ينظر إلى جميع وجهها لأن جميعه ليس بعورة والثاني وهو قول الأكثرين لا يجوز لاختصاص المعرفة بالوجه وقال الآخرون: لا يجوز أن ينظر إلى جميع وجهها بل ينظر إلى قدر ما يعرفها به، وقال آخرون: إن كانت شابة نظر إلى بعض وجهها، وإن كانت عجوزًا نظر إلى الكل، وقال آخرون: إن كانت ذات جمال نظر إلى بعضه، وإن لم تكن ذات جمال نظر إلى كله تحرزًا من الافتتان بذات الجمال والصحيح من كل هذا أن ينظر إلى ما يعرفها به فإن كان لا يعرفها إلا بالنظر إلى كل وجهها جاز إلى كله، وإن كان يعرفها بالنظر إلى بعضه لا يتجاوزه.
فرع آخر
لا يزيد على النظرة الواحدة إلا ليتحقق إثباتها إلا بنظرة ثانية فتجوز الثانية.
فرع آخر
متى خاف إثارة الشهوة بالنظر كف ولم يشهد إلا في متعين عليه بعد ضبط نفسه.
فرع آخر
إذا كانت في نقاب عرفها فيه لم يكشفه، وإن لم يعرفها فيه كشف منه ما يعرفها به ولا يعول على معرفة الكلام لأنه قد يشتبه.
فرع آخر
إذا عرفها بعينها احتاج في معرفة نسبها إلى الخبر المتظاهر
فرع آخر
تظاهر الخبر إن كان من رجال [12/ 131 أ] ونساء وصغار وكبار وأحرار وعبيد فهو الأوكد لامتزاج من تصح شهادته بمن لا تصح.
فرع آخر
لو انفرد به النساء في العبيد صح به تظاهر الخبر لقبول خبرهم وإن ردت شهاتهم.
فرع آخر
لو انفرد به الصبيان في اختلاف أحوالهم وشواهد الحال بانتفاء التصنع والمواطأة عنهم يحتمل صحة تظاهره بهم وجهين: أحدهما: لا يصح لأن أخبار آحادهم غير مقبولة، والثاني: يصح لأن أخبار آحادهم قد تقبل في الإذن وقبول الهدية ولأنهم أبعد من التصنع والتهمة فكان أولى أن يحصل بهم التظاهر.
فرع آخر
تجوز شهادة الأحول، فإن كان يرى الواحد اثنين لا تقبل شهادته في العدد وتقبل فيما سواه.
الجزء: 14 - الصفحة: 140
فرع آخر
لو عرف رجلاً باسمه ونسبه ولم يعرفه بعينه جاز أن يشهد له، ولا يجوز أن يشهد عليه لأنه يجوز أن يتحملها الغائب، ولا يجوز أن يتحملها عن الغائب.
فرع آخر
لو أراد أن يتحمل الشهادة عمن لا يعرفه ومن يعرفه قال قوم لا يجوز وقال قوم: يكلف المقر ان يأتيه بمن يعرفه ثم يشهد عليه بعد التعريف ولا يشهد عليه قبل، وقال الجمهور: يجوز أن يشهد إذا ثبت صورتهما وتحقق أشخاصهما، وإن لم يرهما قيل الشهادة ثم إذا أراد إقامتهما فإن عرفهما بأعيانهما صح إقامتها مع الجهالة باسمهما ونسبهما فإن خفي [12/ 131 ب] عليه أشخاصهما واشتبهت لا يجوز إقامتها.
فرع آخر
تحلية المشهود عليه إن كان مجهولاً قال قوم: يجب ذلك لأنه يؤدي إلى المعرفة، وقال آخرون: يمنع من ذلك لأن الحلي قد تشتبه، وقال الجمهور: هي استظهار باعث على التذكرة كالخط في القبالة ولا يعول عليه في الأداء.
فرع آخر
قال في "الحاوي": الكلام في الحلية في فصلين: أحدهما: ما يجوز أن يحلى فيه المقر به والثاني ما يجوز أن يحلى فيه المقر.
فأما الأول فالمقر بها ثلاثة أضرب: أحدها: ما لا يحتاج فيه إلى التحلية كالوصايا وما يلزم من العقود، والثاني: ما يحتاج فيه إليها كالديوان والبراءات والحقوق المؤجلة، والثالث: ما لم يجز العرف فيه بالتحلي، وإن جازت وهي عقود البياعات الناجزة والمناكح والوكالات.
وأما الثاني: حده قوم بما يجوز أن يستدل به القائف في إلحاق النسب فلا يجوز بما يحدث من آثار وجراح أو يمكن أن يغير أو يتغير من شيب أو شباب وقال آخرون: جده كل ما اشتهر به من أوصافه ولا يجوز تحليته بما لم يشتهر به.
وقال الجمهور: التحلية تجوز بكل ما دل على المحلى من أوصافه الظاهرة دون الباطنة فمنها الطول والقصر واللون من بياض أو سواد أو سمرة والبدن من سمن أو هزال وفيها الكلام كاللثغة والفأفأة والتمتمة والرثة وما في اللسان من العجلة [12/ 132 أ] والثقل ومنها في العين بين الكحل والشهلة والشكلة وفقدان كهيئة، الحمرة في بياض العين والشهلة كهيئة الحمرة في سواد العين، وروي "أنه كان في عين رسول الله صل الله عليه وسلم شكله"، ومنها الشعر في الجعودة السبط وقيل: لا يحلى به قد يتصنع للناس تجعيد السبط وتبسيط الجعد وهذا ليس بشيء لأنه يعرف المصنوع من المخلوق، ومنها
الجزء: 14 - الصفحة: 141
سواد الشعر وبياضه وقيل: لا يحلى به لأن السواد قد يبيض والبياض يخضب وهذا ليس بشيء لأن بياض السواد بعلو السن يدل عليه تاريخ الشهادة وخضاب البياض يظهر للمتأمل.
فرع آخر
هل تجوز التحلية بالصمم؟ قال قوم من العلماء: يجوز وقال آخرون: لا يجوز لأنه قد يكون من مرض يزول.
فرع آخر
التحلية بما في الفم من الأسنان يجوز بما ظهر من الثنايا والأنياب دون الأضراس.
فرع آخر
تجوز التحلية بالجراح والشجاج والآثار اللازمة ولا يجوز بالثياب واللباس.
فرع آخر
يجوز تحلية النساء بما في وجوههن وبما ظهر من طول وقصر وهزال وسمن ويجوز تحلية المشهود له أيضاً كما تجوز تحلية المقر.
مسألة: قال: وكذلك يحلف الرجل على ما يعلم بأحد هذه الوجوه التي ذكرناها في العلم فيأخذ بيمينه مع شاهده في رد اليمين [12/ 132 ب] أو غيره من القسامة وغيرها لأن شرط اليمين أن يكون على علم من الحالف كما أن شرط الشهادة أن تكون على علم من الشاهد.
وجملته أن كل وجه يجوز أن يشهد به يجوز أن يحلف به قد يجوز أن يحلف على ما لا يجوز أن يشهد به وهو إذا رأي بخط يده في دفتر حسابه أو في رزنامته ديناً له علي رجل وعرف من عادته إتقانه في ذلك وأنه يضرب على ما يستوفيه فغلب على طنه صحته أو رأي بخطه فغلب على ظنه، أو أخبره من يثق بخبره ولا يتهمه في قوله فإنه يجوز له أن يحلف عليه، ولا يجوز أن يشهد بمثل ذلك وقال في "الحاوي": إن عرفه من وجه يجوز أن يشهد به لغيره ويصح له الشهادة به بخبر الواحد ويكون مكتوباً في كتاب الحساب فإن تشكل فيه ولا شيء يدل على صحته تجوز له المطالبة فربما يقر فيعلم صحته ولا يجوز أن يدعي إن أنكر ولا أن يحلف، وإن وقع في نفسه صحته يجوز أن يطالب به ويدعي وهل يحلف؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز له أن يحلف لأنه عرفه بغالب ظن يجوز أن يكون في الباطن بخلافه وقال هذا القائل هو ظاهر كلام الشافعي رضي الله عنه، والثاني: وهو الأصح [12/ 133 أ] يجوز له أن يحلف لأن النبي صل الله عليه وسلم قال في خير القسامة للأنصار "تحلفون وتستحقون دم صاحبكم"، وقد غابوا عن قتله
الجزء: 14 - الصفحة: 142
ولأنه يثبت في الشرع بخبر الواحد فاليمين أولى أن تجوز، ثم رجع الشافعي بعد هذا إلى المناظرة مع أبي حنيفة في شهادة الأعمى فقال: قلت لمن لا يجيز شهادة الشاهد، وإن كان بصيراً حين علم حتى عاين المشهود عليه يوم يؤدها عليه: أنت تجيز شهادة البصير على ميت وعلى غائب في حال وهذا نظير ما أنكرت فإنه لا يمكن الإشارة إلى الميت والغائب ولكن يرفع في نسبه ويحيزه عن غيره ويكفي كذلك هنا، ولأن الشافعي رضي الله عنه يجوز للبصير أن يشهد بالاسم والنسب من غير إشارة إلى عين المشهود عليه والإشارة إليه استحباب عنده وإنما يحتاج إلى الإشارة إلى عينه إذا لم يعرفه باسمه ونسبه فيشهد ويشير إليه فتقبل شهادته ذكره القاضي الطبري.
باب ما يجب من القيام بالشهادة
مسألة": قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: الآية 283] الآية.
جملة هذا أن تحمل الشهادة فرض على الكفاية، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَابَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: الآية 282] الآية.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما "أراد دعوا لتحملها وإثباتها عند الحاكم"، وقيل: أراد دعوا لأدائها [12/ 133 ب] عند الحاكم وقيل: أراد إذا دعوا للتحمل والأداء جميعاً، وقيل: إنه ندب لا فرض وبه قال عطاء وعطية وقال الشعبي: هو فرض على الكفاية، وقال قتادة والربيع بن أنس: هو فرض على الأعيان وعلى ما ذكرنا لو قعد الناس كلهم عن تحمل الشهادة جرحوا، وإن قام بتحملها بعضهم سقط عن الباقين الفرض لأن القصد من الشهادة وثيقة صاحب الحق فإذا قام بها اثنان حصلت الوثيقة ولأن في شهادة الجميع مشقة؛ لأن ذلك بمنزلة سائر فروض الكفايات مثل غسل الموتى والصلاة عليهم ودفنهم والجهاد ورد السلام وغير ذلك.
وإن لم يكن في الموضع غير شاهدين تعين عليهما التحمل كما لو مات رجل في سفر ولم يكن هناك غير واحد تعين عليه القيام بأمره حتى يدفنه، وإذا تحملها ودخلوا فيها ثم دعي إلى أدائها فهو أيضاً على الكفاية، فإذا امتنع الجميع من أدائها أثموا، وإن قام بها بعضهم سقط الفرض عن الباقين، وإن لم يكن غير واحد أو اثنين لموت الباقين أو غيبتهم، أو لم يكن فيه غير اثنين تعين الفرض عليهما، ولم يجز لهما تأخير أدائها وهذا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: الآية 283] وقيل: هذا أعظم وعيد لأنه نسب الإثم إلى القلب وهو أن يمسح مسحاً حتى لا يجد مرارة المعصية.
قال الشافعي رضي الله عنه: [12/ 134 أ] أحفظ عن كل من سمعت من أهل العلم أن ذلك في الشاهد قال الشيخ القفال: لا يكاد يخفى هذا عن أحد لكن لم يجب
الجزء: 14 - الصفحة: 143
أن يتكلم في القرآن إلا حكاية عن غيره لقوله صل الله عليه وسلم:"من فسر القرآن برأيه فإن أصاب كتبت له خطيئة لو قسمت على أهل السموات والأرض وسعتهم، وإن أخطأ فليتبوأ مقعده من النار".
فرع
قد يكون التحمل فرضاً على الكفاية ويكون الأداء فرضاً على الأعيان وهو إذا كثروا عند التحمل وقلوا في الأداء، ولا يجوز أن يكون فرض التحمل على الأعيان وفرض الأداء على الكفاية؛ لأن الأداء يكون بعد التحمل والأغلب من التحمل أنه على الكفاية ومن الأداء أنه على الأعيان لأنه يكثر المتحملين ويقل عدد المؤدين ولذلك اختير أن يكون عدد المتحملين ثمانية، اثنان يموتان، واثنان يمرضان، واثنان يغيبان واثنان يحضران فيؤديان.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا: فرض الأداء أغلظ من فرض التحمل للآية التي ذكرناها حيث قال: ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: الآية 283]، وقيل: أراد فاجر قلبه فيحمل على فسقه بكتمها في العموم، وقيل: يكتسب الإثم يكتمها فيحمل على مأثمه في الخصوص وقيل: خص القلب بها لأنه محل اكتساب الآثام وقيل: لأن القلب موضع العلم بها قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: الآية 37].
فرع آخر
إذا بدأ باستدعاء أحدهم إلى تحمل الشهادة أو أدائها [12/ 134 ب] فقيه وجهان: أحدهما: يتعين عليه فرض الإجابة إلا أن يعلم أن غيره يجيب فلا يتعين عليه.
والثاني: لا يتعين عليه فرض الإجابة إلا أن يعلم أن غيره لا يجيب فعلى الوجه الأول يصير عاصياً حتى يجيب غيره وهو اختيار أبي إسحاق وهو الصحيح من المذهب وهو ظاهر من قول الشافعي رضي الله عنه وفرض القيام بالشهادة في الابتداء عند التحمل على الكفاية فدل أن الانتهاء خلاف الابتداء، وهكذا قال الجويني صاحب "المنهاج" وعلى هذا قال أبو إسحاق: لو تحمل عشرة شهادة ثم دعا صاحب الحق اثنين منعم ليس لهما أن يفوضا إلى غيرهما ويمتنعا من إقامتها اتكالاً على غيرهما لأنه فرض قد تقلده وألزمه نفسه فلا يكون له الامتناع إلا بإقامة الغير ذلك فيمتنع حينئذٍ لعلمه بأن فيمن شهد كفاية ولأن لصاحب الحق مطالبة الطاعن، وإن كان معه غيره لأنه قد التزمه بدخوله فيه ولأنه تعين بطلب الطالب منه ذلك، ولو جوزنا لكل اثنين منهم الامتناع هلك حق الرجل، وعلى الوجه الثاني لا ييصير عاصياً في الحال حتى يمتنع
الجزء: 14 - الصفحة: 144
غيره، وقال ابن أبي أحمد فيه قولان، ولعله أراد قولين مخرجين.
فرع آخر
إذا امتنعوا جرحوا وكان المبتدئ بالاستدعاء [12/ 135 أ] أغلظهم مأثماً لأنه صار متبوعاً في الامتناع كما لو بدأ بالإجابة كان أكثرهم أجراً لأنه صار متبوعاً فيها
فرع آخر
لو توقف عن الإجابة عند التعيين يصير عاصياً إلا أن تكون الشهادة في حدود الله تعالى فإنه مندوب إلى التوقف عن تحملها، فأما توقفه عن أدائها، فإن كان في توقفه إيجاب حد على غيره كشهود الزنا إذا لم يكملوا يجب عليه الأداء، وأثم بالتوقف، وإن كان لا يجب بتوقفه حد فهو على ضربين فإن ظهر من المشهود عليه ندم فللمندوب إليه أن لا يؤدي الشهادة عليه بالحد، ولا يأثم بتوقفه، وإن كان غير نادم على فعله فللمندوب إليه أن يقيمها بتوقفه عنها مكروه ولا تكون معصية وإنما يعصي بالتوقف عن حقوق الآدميين.
فرع آخر
لو بقي الشاهد الواحد فإن كان مما لا يحكم فيه بالشاهد واليمين يسقط فرض الأداء عنه وإن كان مما يحكم فيه بالشاهد واليمين فإن كان هو والحاكم يرى الحكم به يجب أن يشهد وعليه أن يحكم، وإن كانا لا يريان ذلك لا يجب أن يشهد، وإن كان به والحاكم يرى الحكم به يلزمه أن يشهد لأنه يعتقد أن ما يشهد به حق واجب وإن كان في إلزام الحاكم غير واجب عنده والإلزام معتبر [12/ 135 ب] باجتهاد الحاكم دون الشاهد.
فرع آخر
يلزمه أن لا يكتم الشهادة على والده وولده وعلى نفسه أيضاً وشهادته على نفسه الإفادة، قال الله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: الآية 135].
فرع آخر
لو نصر مع واحد لأداء الشهادة ليس لواحد منهما أن يقول: يشهد لك صاحبي فأحلف معه، وإن كان القاضي يقضي بشاهد ويمين لأنه يقول: إنما أشهدتكما لكي لا أحتاج إلى الابتداء باليمين.
فرع آخر
الكاتب إذا دعي ليكتب فعليه أن يكتب خاصة إذا علم أنه متعين، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَابَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾ [البقرة: 282] ثم قال: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: الآية 282] ومضرتهما تضيق الأمر عليهما في
الجزء: 14 - الصفحة: 145
وقت يكونان مدفوعين إلى شغل يتعذر عليهما إهماله الإحلال به مثل الصلاة والأكل وغير ذلك من الحوائج.
وقال الشافعي رضي الله عنه: فأشبه أن يكون خرج من ترك ذلك ضراراً يعني من شرك الله تعالي بترك مضارتهما فضارهما أشبه أن يكون إثماً وقيل: الكاتب والشهيد فاعلان أي لا يضار كاتب ولا شهيد في ذلك بأن يدفع الكتبة ويكتم الشهادة والكتبة هي تحمل الشهادة فوجب أن يشهد بما علم وواجب أن يتحمل إذا لم يكن يحضره سواء ممن يتحمل على ما ذكرنا وقيل: هما مفعولان أي لا يعجلا عن صلاة [12/ 163 أ] أو أكل على ما ذكرنا وقيل: يضار قرئ بنصب الراء ورفعه ومعنى الرفع لا يضر الكاتب والشهيد من يدعو ضار لا يجيبه وقيل أيضاً، بأن يكتب ما لم يستكتبه أو يشهد بما لم يشهد ومعنى النصب أنه لا يضر بالكاتب والشهيد بأن يقطعا عن شغلهما على ما ذكرنا.
فرع آخر
أعذار الشهادة ضربان: أحدهما: العجز، والثاني: المشقة فالعجز أن يكون مريضاً يعجز عن الحركة، فإن حضره الحاكم لم يعذر في التوقف.
وأما المشقة فضربان: حظر وأذى فالحظر أن يخاف من سلطان جائر وفتنة عامة فلا تلزم الإجابة، وأما المشقة فضربان: أحدهما: ما يتوقع زواله من حر شديد أو برد شديد لا يلزمه الإجابة حتى يزول، وإن كان دائماً مثل أن يدعي مع الصحة إلى المشي إلى مجلس الحكم لأدائها، فإن كان خارج البلد عذر بالتأخير سواء قربت المسافة أو بعدت وسواء كان ذا مركب أو لا، لأن في مفارقته وطنه مشقة، وإن كان في بلده فإن قربت أطراف بلده لصغره يلزمه الإجابة، وإن بعدت أقطاره فإن جرت عادته بالمشي في جميع أقطاره لزمته الإجابة، وإن لم تجر عادته لم تلزمه، وإن قدر لأن مفارقة العادة مشقة إلا أن يكون ذا مركب فلا مشقة عليه في الركوب فتلزمه الإجابة.
فرع آخر
لو حمل الشاهد مركوب وهو غير ذي مركوب اعتبرت حاله [12/ 136 ب] فإن كان لم تنكر الناس ركوب مثله لزمته الإجابة، وإن لم ينكروه لم تلزمه الإجابة لأن ما ينكره الناس يستقبح.
فرع آخر
إذا خاف ضياع ماله لم يلزمه الإجابة فإن ضمن له الداعي حفظ ماله لا يلزمه الإجابة أيضاً لأنه لا يلتزم ائتمان الناس على ماله.
فرع آخر
لو كان يتعطل به عن اكتسابه فإن دعي في اكتسابه لم تلزمه الإجابة، وإن دعي في غيره لزمته الإجابة.
الجزء: 14 - الصفحة: 146
فرع آخر
لو بذل الداعي قدر مكسبه لم يلزمه قبوله ولو طلب قدر كسبه، فإن كان أكثر من أجرة مثله لم يجز وإن كان قدر أجره مثله قد ذكرنا ما قيل فيه، وقال في "الحاوي": فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يجوز له أخذها كأجرة الكاتب، والثاني: لا يجوز كالحاكم، والثالث له أن يأخذها على التحمل دون الأداء لأنه في الأداء متهم وفي التحمل غير متهم.
فرع آخر
يلزم أن يشهد عند كل ذي ولاية من أهل العدل أو أهل البغي.
فرع آخر
لو دعي أن يشهد عند جائر فإن كان جور في الحق المشهود به لا تلزمه الإجابة، وإن كان جوره في غيره لزمته الإجابة.
فرع آخر
لو دعي أن يشهد عند متوسط، فإن لم يلزمه ما حكم لم يلزم، وإن التزم ما حكمه هل تجب الإجابة فيه وجهان مخرجان من القولين في الحكم هل يلزم المتراضين به حكمه أو لا.
فرع آخر
لو دعي إلى حاكم لا يعلم هل يقبل شهادته أم لا يلزمه الإجابة لجواز [12/ 137 أ] أن يقبلها فإن شهد عنده فتوقف عن قبولها لاستبراء حاله يلزمه أن يشهد بها عند غيره من الحكام إذا دعي إليه لأنه لا يجوز لغيره الحكم بشهادة ردت بحكم.
باب شروط الذين تقبل شهادتهم
قال الشافعي رضي الله عنه: قال الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾.
وقال تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: الآية 283]. فكان الذي يعرف من خوطب بهذا أنه أريد بذلك الأحرار البالغون المسلمون.
اعلم أنه لا تقبل الشهادة إلا من حر بالغ عاقل ثقة فالعبد لا تقبل شهادته بحال وبه قال عمر وابن عمر وابن عباس رضي الله عنه: "شهادة العبيد تقبل بعضهم على بعض ولا يجوز قبولها على حر"، وقال عثمان البتي: تقبل شهادته على الكل وحكي عنه أنه قال: رب عبد خير من سيده، وروى ذلك عن أنس بن مالك وبه قال داود وأبو ثور وروي البخاري هذا عن شريخ وزارة، وروي ذلك عن أحمد وإسحاق ورواه بعض أصحابنا بخراسان عن مالك ولا يصح عنه، وقال ابن سيرين: شهادته
الجزء: 14 - الصفحة: 147
جائزة إلا لسيده، وقال الشعبي والنخعي: [12/ 137 ب] تقبل شهادته في القليل دون الكثير وروي هذ عن الحسن البصري وقيل: إن عبداً شهد عند شريح فقبل شهادته فقيل له إنه عبد فقال: كلكم ابن عبد وأمة.
واحتجوا بأن من قبل خبره قبلت شهادته كالحر.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾.
قال مجاهد: يعني من الأحرار وقال الشافعي: ورجالنا أحرار لا مماليكنا الذين يغلبهم من يملكهم على كثير من أمورهم، وأيضاً قوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: الآية 282]. والعبيد ليسوا من المرضيين على الإطلاق في المروءة وغيرها ويغلبهم من يملكهم على أمورهم كذا قال الشافعي.
وأراد أن المرؤة لا تحصل لهم لأنهم يملكهم من يتبذلهم فيما يخالف المروءة، وأيضاً فالشهادة موضوعة على المفاضلة لأن الرجل فيها كالمرأتين ولا يساوي العبد الحر في الولايات والعبادات والتمليكات، أو نقول الشهادة أمر لا يتبعض شيء على التفاضل فلا مدخل للعبيد فيها كالميراث، وقولنا: لا يتبعض احتراز عن النكاح والطلاق، وقولنا: شيء على المفاضلة احتراز عن القطع في السرقة وأما الخبر قلنا الشهادة تخالف الخبر لأن المرأة فه كالرجل بخلاف الشهادة.
مسألة: قال: وفي قوله تعالى: ﴿شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: الآية 282] دليل على إبطال قول من قال تجوز شهادة الصبيان [12/ 138 أ] في الجراح ما لم يتفرقوا.
اعلم أنه لا تقبل شهادة الصبيان بحال، وبه قال ابن عباس رضي الله عنهما والحسن وعطاء والشعبي والأوراعي والثوري وابن أبي ليلى وأبو حنيفة، وروي أن ابن أبي مليكة "كتب إلى ابن عباس يسأله عن شهادة الصبيان فكتب إليه أن الله تعالى يقول: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: الآية 282]. وليسوا ممن نرضى فلا يجوز".
وقال ابن الزبير تقبل شهادة بعضهم على بعض في الجراح إذا كانوا مجتمعين على الصفة التي كانوا عليها، وبه قال النخعي ومالك وهذا لأنهم إذا تفرقوا يحتمل أنهم لقنوا، وروي أن ابن الزبير رضي الله عنهما قضى بشهادتهم في الجراح ما لم يتفرقوا فخالفه ابن عباس رضي الله عنهم فصار الناس إلى قضاء ابن الزبير، وعن أحمد ثلاث روايات:
إحداها: مثل قول مالك، والثانية: مثل قولنا، والثالثة: أن تقبل شهادتهم في كل شيء.
وحكي عن الحسن أنه "أجاز شهادة الصبيان في الموضحة والسن فيها دون احتجاجاً بقضاء ابن الزبير في الحكم بشهادتهم في الجراح ما لم يتفرقوا"، ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: الآية 282]. والصبيان ليسوا من الرجال ولأنه لا تقبل شهادتهم في الأموال مع ضعفها فلأن لا تقبل في هذا أولى، أو نقول: لو جاز
الجزء: 14 - الصفحة: 148
ما قالوه للضرورة [12/ 138 ب] لجاز في الجراح بشهادة النساء في الحمامات والأعراس، وينبغي أن تقبل شهادة قطاع الطريق بعضهم على بعض للضرورة، أو نقول: لا تقبل شهادتهم في الأموال فكذا في الجراح كالفاسق، أو نقول: الصبي لا يلزمه شيء إذا أقر أو نذر أو عقد بيعاً فكيف يلزم غيره بشهادته؟ واحتج الشافعي رضي الله عنه بأن الصبيان لا فرائض عليهم فكيف يجب بقولهم فرض.
مسألة: قال: المعروفون بالكذب من المسلمين لا تجوز شهادتهم فكيف تجوز شهادة الكافر مع كذبهم على الله تعالى.
قصد بهذا الرد على أبي حنيفة رحمه الله حيث قال: تقبل شهادة الكفار بعضهم على بعض ولا تقبل شهادتهم على المسلمين وبه قال الحسن وسوار وحماد والثوري وعثمان البتي وعندنا لا تقبل شهادتهم بحال، وبه قال مالك والأوزاعي والحسن في رواية وابن أبي ليلى وأحمد، وروي عن أحمد أنه قال: تقبل شهادته على المسلمين في الوصية إذا لم يكن مسلم ولا يقبل بعضهم على بعض، وقال داود: تجوز شهادة أهل الذمة على المسلم في وصيته في السفر دون الحضر، وبه قال سعيد بن المسيب وعكرمة، وروي ذلك عن الحسن والنخعي وشريح والأوزاعي أيضاً، [12/ 139 أ] وقال الشعبي والزهري وقتادة والحكم بن عتيبة وإسحاق وأبو عبيد تقبل شهادة أهل كل ملة بعضهم على بعض، ولا تقبل شهادة يهودي على نصراني ولا نصراني على يهودي، واحتج أبو حنيفة بما روى البراء بن عازب رضي الله عنه ان النبي صل الله عليه وسلم "أجاز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض"، وأنه يلي بعضهم على بعض.
واحتج أحمد بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ [المائدة: الآية 106]. الآية وقال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: يعني من غير أهل دينكم، وروي الشعبي أن رجلاً من المسلمين حضرته الوفاة.
. . ولم يجد أحداً من المسلمين يشهد على وصيته فأشهد رجلين من أهل الكتاب فقدما الكوفة فأتيا الأشهري فأخبراه وقدما بتركته ووصيته فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله صل الله عليه وسلم فأحلفا بعد العصر بالله ما خانا ولا كذبا ولا بدلا ولا كتما ولا غيرا وإنها وصية الرجل وتركته فأمضي شهادتهما.
ودليلنا قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] وقال تعالى أيضاً ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة:282] وقال أيضاً: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:282] قال الشافعي: في الآية دلالة على أن الله تعالى إنما عنى المسلمين دون غيرهم من قبل أن رجالنا ومن نرضى من أهل ديننا لا المشركون لقطع الله تعالى الولاية بيننا وبينهم بالدين ووصف الشهود من فقال ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: الآية 2] فلا يجوز من غيرنا، وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: "يا معشر
الجزء: 14 - الصفحة: 149
المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وقد حدثكم الله تعالى أن أهل الكتاب قد بدلوا ما كتب الله وغيروا"، وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صل الله عليه وسلم قال: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم"، وروى أبو سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صل الله عليه وسلم قال: "لا يتوارث أهل ملتين بشيء"، ولا يجوز شهادة ملة على ملة إلا ملة محمد فإنها تجوز على غيرهم، وروي: إلا أمتي فإنهم يجوزون على سائر الأمم صل الله عليه وسلم.
واحتج الشافعي رضي الله عنه بما ذكرنا هنا وهو أنه لا تقبل شهادة المعروف بالكذب وكذلك المغفل الذي يكثر غلطه ونسيانه، وإن كان من الصالحين لا تقبل شهادته.
وأما خيرهم قال أصحابنا: لا أصل له فإن صح يحمل على اليمين ويعبر بالشهادة عن اليمين، قال الله تعالى: ﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: الآية 1] يعني: نحلف ثم نعارضه بما روى عبادة بن نسي عن ابن غنيم [12/ 140 أ] رضي الله عنه أن النبي صل الله عليه وسلم قال: "لا تقبل شهادة أهل ملة على أهل الملة إلا المسلمين فإنهم عدول على أنفسهم من غيرهم".
وأما الآية التي ذكروها قال الحسن: أراد والحران من غيركم من المسلمين من القبيلة أو غير القبيلة، ألا ترى أنه قال: تحبسونهما من بعد الصلاة وهكذا قال عكرمة وهذا لأن الغالب في الوصية أن الموصي يشهد أقربائه وعشيرته دون الأجانب، وقيل: هذه الآية صارت منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: الآية 2].
وروي هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما، وروي عن ابن عباس أنه قال: "خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن براء فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم فلما قدما بتركته فقدوا جام فضة مخوصاً بالذهب فأحلفهما رسول الله صل الله عليه وسلم ثم وجد الجام بمكة فقالوا: اشترينا من تميم وعدي فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا لشهادتنا أحق من شهادتهما وأن الجام لصاحبهم قال فنزلت فيهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المائدة: الآية 106] الآية.
وفي هذا حجة لمن رأى رد اليمين على المدعي والآية محكمة لم تنسخ، هكذا قالت عائشة رضي الله عنها والحسن وعمرو بن شرحبيل وقالوا: "المائدة [12/ 140 ب] " آخر ما نزل من القرآن الكريم لم ينسخ منها شيء" والآية على الوصية دون الشهادة لأن نزولها كان في الوصية وتميم الداري وصاحبه عدي كانا وصيين لا شاهدين، والشهود لا يحلفون وقد حلفهما رسول الله صل الله عليه وسلم وإنما عبرا بالشهادة عن الأمانة التي تحملاها وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ أي أمانة الله.
الجزء: 14 - الصفحة: 150
وروى ابن عباس رضي الله عنهما عن تميم الداري في هذه الآية قال: يرى الناس منها غيري وغير عدي بن براء وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام لتجارتهما وقدم عليهما مولى لبني سهم يقال له بريك بن أبي مريم بتجارة ومعه جام من فضة وهو عظم تجارته فمرض فأوصى إلهما وأمرهما أن يبلغا ما ترك إلى أهله قال تميم: فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم ثم اقتسمناه أنا وعدي فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم كل ما كان معنا وفقدوا الجام فسألونا عنه فقلنا: ما ترك غير هذا وما دفع إلينا غيره قال تميم: فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة تأثمت من ذلك، فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر وأديت إليهم خمس مائة درهم وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها فوثبوا إليه فأتوا به رسول الله [12/ 141 أ] صلى الله عليه وسلم فسألهم البينة، فلم يجدوا فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه فحلف فأنزل الله تعالى: ﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ [المائدة: الآية 106]. إلى قوله تعالى: ﴿أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [المائدة:108] فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم فنزعت الخمس مائة من عدي بن براء وقال مقاتل في هذه القصة: جاء تميم وعدي بالمال والوصية فدفعاه إلى أولياء الميت، فاستنكر القوم قلة المال فقالوا لهما: إن صاحبنا خرج بمال كثير فهل باع شيئًا وهل طال مرضه فأنفق على نفسه فقالا: لا فقالوا: خنتما وقبضوا المال ورفعوا أمرهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية، فلما نزلت أن يحبسا بعد الصلاة أمرهما النبي صلى الله عليه وسلم فقاما بعد الصلاة فحلفا بالله رب السموات ورب الأرض ما ترك مولاكم من المال إلا ما أنبأنكم به وإنا لا نشتري بأيماننا ثمنًا من الدنيا، ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين، فلما حلفا خلي سبيلهما ثم إنهم وجدوا بعد ذلك إناء من آنية الميت وأخذوا تميمًا وعديًا فقالا: اشترينا منه في حياته فكلفا البينة فلم يقدرا عليها فرفعوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى، ﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾ [المائدة: الآية 107] يقول فإن اطلع ﴿عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً﴾ [المائدة: الآية 107] يعني تميمًا وعديًا يقول: إن كانا كتمًا حقًا ﴿فَآخَرَانِ﴾ [12/ 141 ب] من أولياء الميت ﴿يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ﴾، يقول: فيحلفان بالله إن مال صاحبنا كان كذا وكذا، وإن الذي نطلبه قبل تميم وعدي لحق ﴿شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: الآية 107] فهذا قول الشاهدين أولياء الميت حين أطلع على خيانة الوصيين لقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَاتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾، يعني تميمًا وعديًا والناس أن يعود ولمثل ذلك وبه قال مجاهد والحسن والضحاك.
قال الشافعي: ومعنى شهادة بينكم، أيمان بينكم والله أعلم فإن قيل: أليس يجوز أن يكون الكافر وليًا لولده الكافر في المال والنكاح، فكذلك يجوز أن يكون شاهدًا، قيل الولاية مخالفة للشهادة لأن المسلم لا يكون وليًا للكافر ويكون شاهدًا للكافر وعليه ولأن الكافر يكون وليًا للكافر فيما له على المسلم وفيما للمسلم عليه، ولا يكون الكافر شاهدًا على المسلم وقد قيل: الولاية تتعلق بالنسب وتتعين في شخص بعينه فكانت أقوى من الشهادة التي لا تتعين.
الجزء: 14 - الصفحة: 151
وقيل الشرائط فيمن تجوز شهادته ست: إحداها: العدالة وهي الركن في كل الشهادة وقال الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾.
وقال: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: الآية 282] والرضي العدل.
والثانية: إلى السادسة شرائط العدالة وهي البلوغ والعقل والحرية [12/ 142 أ] والإسلام والعفاف عن المعاصي وقيل: السادسة حفظ المروءة وانتفاء التهمة وما تقدم أصح.