أولى؛ لأنه عمل به علي بن أبي طالب وأبو هريرة رضي الله عنهما ولأن فيها حثاً على الجمعة فكانت أولى، فإن قيل: إنما قرأهما النبي - صلى الله عليه وسلم - لأجل من كان في زمانه من المنافقين قيل: لا يخلو عصر من الأعصار من المنافقين، فإن قرأ غير هاتين الصورتين جاز لما روى سمرة، وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - قرأ فيهما ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى:1] و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:1].
فرع
لو قرأ سورة المنافقين ني الركعة الأولى قبل الفاتحة، ثم قرأ الفاتحة قال الشافعي رحمه الله: يجوز له أن يركع وهذا لا شك فيه، لأن قراءة السورة غير واجبة.
قال: ولو قرأ معها شيئاً من الجمعة كان أحب إلي [128 أ/ 3] وإنما استحب أن يقرأ شيئاً من الجمعة لأن ما بعد الفاتحة محل قراءة سورة الجمعة في السنة، ولم يأمر باستيفائها إلى آخرها لئلا يطول على المأمومين بالجمع بين السورتين مع الفاتحة في ركعة واحدة.
قال: ويقرأ في الركعة الثانية سورة الجمعة، لأنه لم يقرأ بها في الركعة الأولى فاستحب قراءتها في الركعة الثانية لئلا يقوم فيصليها، والمعنى الذي يختص بها من السنة على فرض الجمعة والأذكار بها والحث على فعلها، فإذ قيل: قد قلتم في الطائف: إذا نسي الرمل في الثلاثة ومشى فيها يمش في الأربعة أيضاً ولا يرمل، فقولوا: هاهنا يقرأ في الركعة الثانية بسورة ﴿إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون:1] حتى لا يؤدي إلى ترك السنة في الركعتين قلنا: الفرق أن الرمل في الأربعة الأخيرة مكروه لا ثواب فيه بوجه فا يستحب فعله فيها، وهاهنا قراءة سورة الجمعة في الركعة الثانية ليست بمكروهة وهذا... وليس فيه لأنهم على يقين من الدخول في الوقت وفي شك من أن الجمعة لا تجزي عنهم فهو كمن استيقن الطهر ثم شك في انتقاضه.
فَرْعٌ آخرُ
لو شك قبل الدخول في [ب /128 _ 3] الجمعة أن الوقت قد خرج أو هو باق لا يبتدئ الجمعة لأنه لم يستيقن سبب الجواز ولو شك في أثناء الصلاة هل خرج وقتها أم لا؟ أتمها جمعة، لأن الأصل بقاء الوقت وصحة الجمعة.
فَرْعٌ آخرُ
لو شك قبل الصلاة هل ترك فرضاً من الخطبة؟ يلزمه إعادتها، وفيه وجه آخر أنه لا يؤثر الشك بعد الفراغ منها وليس بشيء.
فرع
لو قام المسبوق لقضاء ما عليه من الركعة فخرج الوقت يتمها ظهراً نص عليه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان:
أحدهما: هذا هوا لأصح، والثاني: يتمها جمعة ولا معنى لهذا عندي مع النص الظاهر.
مسألة: قال: ومن أدرك مع الإمام ركعة بسجدتين أتمها جمعة.
الفصل
وهذا كما قال: إذا أرك المأموم الإمام في صلاة الجمعة قبل أن يرفع رأسه من الركوع في الركعة الثانية، وأحرم ودخل معه في الركوع فقد أدرك الركعة الثانية، فصار مدركا للجمعة، فإذا سلم الإمام قام وبنى [129 أ/ 3] عليها ركعة أخرى، وإن فاته الركوع الأخير يتبعه فيما بقي ولا يكون ماركا للجمعة، فإذا سلم الإمام قام وبنى عليها ركعة أخرى، وان فاته الركوع الأخير يتبعه فيما بقى ولا يكون مدركا للجمعة، فإذا سلم الإمام قام وصلى الظهر أربعاً، فإن ركع ثم شك هل كان راكعاً قبل أن يرفع الإمام رأسه أم لا، لا يعتد بتلك الركعة؟ لأنه لم يتيقن إدراك الركوع فيلزمه أن يصلي الظهر أربعاً، وبه قال ابن عمر وابن مسعود وأنى وسعيد بن المسيب والحسن والشعبي والنخعي ومالك والزهري والثوري وأحمد وإسحاق وزفر ومحمد رضي الله عنهم.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: من أدرك جزءاً منها فقد أدرك الجمعة وإن قل، وبه قال النخعي في رواية والحكم وحماد وقال عطاء وطاوس ومجاهد ومكحول: لا يكون مدركا للجمعة إلا بإدراك الخطبة والصلاة، وبه قال عمر رضي الله عنه وهذا غلط لما روى أبو سلمة عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أدرك من الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى ومن أدرك دونها صلاها أربعاً"، ولأنه لم يدرك وركعة من الجمعة فلا يصليها جمعة كالإمام إذا انفض عنه القوم قبل [129 ب/ 3] أن يصلي ركعة بسجدة.
فإذا تقرر هذا، فلو أدركه راكعاً فركع معه ورفع معه وسجد، ثم شك هل سجد معه سجدة أو سجدتين، فإن كان هذا قبل سلام الإمام سجد أخرى في المال وصار مدركاً للجمعة بإدراك ركعة حكماً، وذلك أنه أتى بالسجدة في حكم متابعته، وقد ذكرنا فيما سبق فيه وجهان عن أصحابنا أنه لا يكون مدركاً للجمعة وإن كان هذا بعد سلام الإمام سجد سجدة أخرى، ولا يكون مدركا للجمعة لأنه أدرك معه ركعة إلا سجدة.
فرع
لو أدرك معه ركعة تامة سلم الإمام، وقام المأموم فأتى بالثانية، ثم ذكر أنه نسي سجدة من إحداهما ولا يعلم هل هي من الأولى أو من الثانية، اعتد من كل هذا بركعة وكان فرضه الظهر لأنه أدرك ركعة إلا سجدة في أشد الحالين فيأتي بثلاث ركعات أخر.
فَرْعٌ آخرُ
لو صلى الإمام الجمعة ثلاثاً ساهياً، فأدرك وجل معه الركعة الثالثة، قال ابن الحداد: كان مدركاً ركعة من الظهر، لأن هذه الركعة لا يحتسب بها من الجمعة، ولو صلى ثلاث ركعات ساهياً، ثم قال: نسيت سجدة ولا أدري أهي من الأولى أم من الثانية؟ [130 أ/ 3] كان الجواب هكذا؛ لأن السجدة المنسية يجوز أن تكون من الركعة الأولى، فتكون الأولى تمت بالثانية وتكون الثالثة ثانية، ويكون المأموم مدركاً للجمعة.
ويحتمل أن تكون السجدة المنسية من الركعة الثانية فتتم الثانية بالثالثة؛ لأنه تحصل له الثانية إلا سجدة فيكون قيامه في الثالثة وركوعه فيها لغو، وتنضم سجدة واحدة منها إلى الثانية فتتم الثانية بهذه السجدة، ويكون الباقي من الركعة الثالثة لغواً لا يحتسب به، وإذا أدرك ما لا يحتسب به فلا يكون به مدركاً للجمعة، فإن كان الإمام يحيط علماً بأن السجدة المنسية من الأولى فإن الركعة الثالثة مجزية من الداخل من الجمعة؛ لأن الأولى تتم بالثانية وتكون الثالثة هي الثانية ويكون محتسباً بها فصار مدركاً للجمعة بإدراكها.
فرع
لو أدرك الثانية من الجمعة، فلما سلم الإمام قام لقضاء ما فاته، فتذكر الإمام أنه نسي سجدة من الأولى، وإن عملت في الثانية كلاً عمل، فقام يصلي ركعة فاقتدى هذا المسبوق به تمت جمعته، وإن لم يقصد الاقتداء به بل أتم بنية الانفراد كما يفعل المسبوق لم تجز جمعته، وهل يجزئ [30 ب / 3] طهره؟ فعلى قولين لأنه طهر قبل فوات الجمعة، وإنما جازت جمعته في المسألة الأولى لأنه حصل مقتدياً به في ركعة هي محسوبة للإمام من الجمعة وهي الأخيرةء فلا يضر أن يكون في الأول منفرداً فإن قيل: فجوزوا أن يصلوا ركعة منفردا، ثم يصلي صلاته بصلاة الإمام فيصلي معه ركعة ويتم جمعته قلنا: لا يجوز هذا؛ لأنه قصد بها الانفراد فلم تصح نية الجمعة، وها هنا نوى الجمعة والاقتداء فلا فرق بين أن يجعل له صحة الاقتداء في الأولى أو في الثانية، وعلى هذا قال ابن الحداد: لو صلى الإمام في الجمعة ثلاثاً ساهياً وكان قد ترك سجدة من الأولى فاقتدى به رجل في ركعته الثانية، وظن أنها أولاه وصلى معه ركعتين جازت جمعته وتمت، وان كانت الثانية غير محسوبة للإمام.
قال القفال رحمه انه: وعلى هذا لو صلى الإمام ثلاثاً ساهياً ولم يترك سجدة فأدرك معه رجل الركعة الثانية وظن أنها الأولى، فإذا هي الثانية فصلى معه تلك الركعة، وركعة بعدها تمت جمعته، لأن عنده أنه مصيب في الاقتداء به في الركعتين [131 أ/ 3].
مسألة: قال: وحكى في أداء الخطبة: استواء النبي - صلى الله عليه وسلم - على الدرجة التي تلي المستراح قائماً ثمَّ سلم.
وهذا كما قال: أراد به حكى الشافعي في كتاب سماه "أدب الخطبة ".
والمستراح: هي الدرجة العليا من المنبر وهي التي يقعد عليها الإمام ليستريح، وكان منبره ثلاث درجات سوى الدرجة التي كان يقعد عليها.
وجملته أنه يستحب للإمام إذا دخل المسجد أن يسلم، ثم يصلي ركعتين تحية المسجد، ثم إذا زالت الشمس المستحب أن يصعد المنبر، ويستوي على الدرجة التي هي دون الدرجة التي تسمى المستراح، فإذا استوي عليها سلم على الناس ووجب عليهم الرد، فإذا رد بعضهم سقط الفرض عن الباقين، ثم جلس على المستراح ورجلاه على الدرجة التي وقف عليها، وهي جلسة الاستراحة، وهي غير واجبة، ولا يزال جالساً حتى يفرغ المؤذنون من الأذان، ثم يقوم قائما ويخطب.
وقال مالك وأبو حنيفة رحمهما الله: لا يسلم على رأس المنبر ويكره، لأنه لما دخل سلم فلا يعيد، كالمؤذن إذا أذن ثم رجع، وهذا غلط لما روى عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: كان [131 ب/ 3]) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "إذا دنا من منبره يوم الجمعة يسلم على من عند منبره من الجلوس، اثم يصعد فإذا استقبل الناس بوجهه سلم، ثم قعد".
وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يسلم إذا صعد المنبر" ولان الإمام قد استدبرهم حين صعد ثم أقبل عليهم.
وقد كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورضي عنهم يحول بين بعضهم وبعضهم شجرة فيسلم بعضهم على بعض.
وأما في الأذان لا يغيب عنهم، ولو صعد المنارة ثم نزل سلم عليهم أيضاً، وإذا أشرف على الناس في رأس المنارة وكان قريباً منهم وهم يسمعون سلامه استحب له أن يسلم عليهم، كما قلنا في الخطيب، لأنه استقبال بعد استدبار فسن فيه السلام كما لو خرج ثم دخل.
وحكي عن أبي حنيفة: أنه لو أدخل المسجد يجلس أولاً، ثم يقوم ويصلي التحية، وهكذا في تحية سائر المساجد، وهذا غلط لما تقام من الخبر ولأنه يسلم على الناس، ثم يجلس كذلك يصلي ثم يجلس لأن كليهما تحية.
وحكي عن مالك رحمه الله أنه [أ/ 132 - 3] قال: هذه الجلسة في أول الخطبة هي واجبة لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجلس في الأول ليستريح من تعب صعوده، ولهذا سميت هذه الدرجة المستراح، ولأنه لا فائدة في قيامه مع أذان المؤذنين.
فرع
قال: وأحب أن يؤذن مؤذن واحد إذا كان على المنبر لا جماعة المؤذنين، لأنه لم يكن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا مؤذن واحد، فإن أذن جماعة المؤذنين والإمام على المنبر أو أذان بعد أذان كرهت ذلك، ولا يفسد شيء من الصلاة، لأن الأذان ليس من الصلاة
وإنما هو دعاء إليها، وكذلك لو صلى بغير أذان كرهت ذلك له ولا إعادة عليه.
وروي عن أبو سائب بن يزيد أنه قال: كان على عهد رسول الله وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما: إذا جلس الإمام على المنبر أذاناً واحداً، فلما كان في أيام عثمان وكثر الناس أمر بالأذان الثاني، وكان يؤذن على الزوراء لأهل السوق والناس.
وأنكر عطاء هذا وقال: أول من أحدثه معاوية رضي الله عنه، يعني: الأذان الذي قبل جلوس الإمام على المنبر.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لا يحرم البيع [132 ب/ 3] يوم الجمعة قبل أذان المؤذن، ويحرم عند الأذان، وهو الأذان الذي يكون بعد الزوال عند جلوس الإمام على المنبر، وبهذا الأذان يجب السعي إلى الجامع، وأما بعد الزوال قبل هذا الأذان لا ينهى عن البيع كما ينهى عنه إذا كان على المنبر وأكرهه؛ لأن ذلك الوقت لم ينه فيه عن البيع، وبه قال عمر بن عبد العزيز وعطاء ومالك وأبو حنيفة، وقال الضحاك وربيعة وأحمد: يحرم البيع عند الزوال.
وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9] فثبت أن الحكم يتعلق بحالة النداء.
فرع
قال أصحابنا: في الجمعة أربعة أوقات قبل الزوال وبعد الصلاة لا يحرم البيع ولا يكره، وبعد الزوال قبل الأذان يكره البيع ولا يحرم، وعند الآذان إلى أن يفرغ من الصلاة يحرم البيع، وإنما يحرم ذلك أو يكره في حق من كان من أهل الجمعة، فأما في حق من لم يكن من أهلها كالعبيد والنساء والمسافرين فلا يحرم ولا يكره.
فَرْعٌ آخرُ
لو كان أحد المتبايعين من تجب عليه الجمعة والآخر ممن لا تجب، قال الشافعي رحمه الله: أتما [133 أ/ 3] جميعاً، وهذا لأن من لم تجب عليه قد عاونه على المعصية، وقيل: يحرم على من تجب عليه وتكره لمن لا تجب عليه لأنه عاونه على محرم والأول أظهر.
فَرْعٌ آخرُ
لو تبايعا في الوقت الذي حرمنا أو كرهنا صح البيع؛ لأن المنع ليس لمعنى يرجع إليه نفس البيع، فهو كالبيع على بيع أخيه محرم ولكنه ينعقد، وهو كما لو تضيق عليه وقت الصلاة فاشتغل بالبيع في تلك الحالة عمى وانعقد، وقال مالك وربيعة وأحمد وداود رحمهم الله: يفسد البيع لأن الله تعالى قال: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9] والنهي يقتضي الفساد وهذا غلط لما ذكرنا.
وحكي عن مالك أنه قال: النهي في حق الكل سواء كان عليه الجمعة أم لا، وهذا
غلط، لأن المنع منه لئلا تفوته الصلاة وهذا لا يوجد في حق من لا جمعة عليه.
فَرْعٌ آخرُ
قلت: روى عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "نهى عن البيع والشراء في المسجد، وإن سد فيه ضالة وإن سد فيه سعر"، ونهى عن "الحلق قبل الصلاة يوم الجمعة ". أورده أبو داود والحلق: مفتوحة اللام جماعة الحلقة.
وقال الإمام الخطابي: أخبرني [633 ب / 3] واحد من الصالحين أنه بقي أربعين سنة لا يحلق رأسه قبل صلاة الجمعة ظناً منه أنه نهى عن الحلق قبل الصلاة بسكون اللام حتى قلت له: هذا هو الحلق كأنه كره الاجتماع قبل الصلاة للعلم والمذاكرة، وأمر أن يشتغل بالصلاةء وينصت للخطبة والذكر، فإذا فرغ منها كان الاجتماع والحلق بعد ذلك فقال: قد فرجت عني ودعا لي.
مسألة: قال: وروي أنه - صلى الله عليه وسلم -: كان إذا خطب اعتمد على عنزته اعتماداً وروي على قوس.
وهذا كما قال: إذا قام الخطيب ليخطب فإنه يستحب له أن يعتمد على عصى أو قوس أو سيف، لما روي عن الحكم بن حزن قال: "وفدت على النبي - صلى الله عليه وسلم - فشهدنا معه الجمعة، فقام متوكئاً على قوس أو عصى فحمد الله وأثنى عليه كلمات خفيفات مباركات".
وروي أنه كان إذا خطب اعتمد على عنزته والعنزة مثل الحربة، وروي أنه كان في الحضر يعتمد على العنزة، وفي السفر على القوس، ولأن ذلك أعون له على القيام فإن لم يفعل ذلك أي: فإن لم يعتمد على شيء.
قال الشافعي رحمة الله عليه [634 أ/ 3] أحببت له أن يسكن جسده ويديه، فإما أن يضع اليمنى على اليسرى أو يقرهما في موضعهما ويرسلهما، لأنه في ذكر الله تعالى ولا يعبث بهما فتبين أن المعنى في الاعتماد وهو السكون، ثم قال: ويقبل بوجهه، يعني تلقاء وجهه لا يلتفت يميناً وشمالاً وهذا غلط وقد ذكرنا الفرق بينهما وبين الأذان، ثم قال: وأحب أن يرفع صوته وهذا يستحب حتى يسمع كل من في المسجد إن أمكن وإلا رفع بقدر الإمكان لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا خطب يرفع صوته كأن منذر جيشء وروي عن أم حارثة بنت هشام قالت: "حفظت سورة ق من في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " فدل أنها سمعت مع بعدها؛ ولأنه إذا رفع صوته كان أبلغ في الاستماع والوعظ وقال الشافعي رحمه الله: ويكون مترسلاً مبيناً معرباً من غير تمطيط ولا يعي لأن ذلك أحسن وأبلغ في البيان والإفهام والترسل أن يفرق بين كل فصل ولا يعقب أحدهما الآخر ويكون مقوماً معربا من غير لحن، ويكون بين الكلامين دون الوحش
المشتغل، وفرق الروي المسترذل، فإن خير [134 ب/ 3] الأمور أوسطها وهو معنى قوله: ولا ما يستنكر منه، وفي بعض النسخ: وما لا يستنكر منه حتى يكلمهم بكلام تقبله طباعهم قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كلموا الناس على قدر عقولهم أتحبون أن يكذب الله ورسوله ".
وروى بعض أصحابنا بخراسان هذا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي: لا تقولوا ما تقصر عنه الأفهام فتكذبوا الله تعالى كذلك، ثم قال الشافعي رحمة الله عليه: ولا العجلة فيه عن الأفهام ولا ترك الإفصاح بالقصد ويكون كلامه حصراً، وهذا لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعجبه الجوامع من الدعاء.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أوتيت جوامع الكلم واختصر لي اختصاراً".
وقال عمار بن ياسر رضي الله عنه: امرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "بإقصار الخطب"، وروي عن عمار رضي الله عنه أنه خطب وأوجز فقيل له: لو كنت تنفست.
قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "قصر الخطبة مئنة من فقه الرجل فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة"، وهذا كله للرغبة في الصلاة في أول الوقت.
مسألة: قال: وأقل ما يقع عليه اسم الخطبة [135 أ/ 3].
وهذا كما قال: قد ذكرنا أنه لا بد من الخطبتين، وعند أبي حنيفة رحمه الله تكفي كلمة واحدة مثل أن يقول: سبحان الله والحمد لله، ولا يحتاج إلى خطبتين وأقل ما يقع عليه اسم الخطبة من الخطبتين أن يحمد الله تعالى، ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويوصي بتقوى الله تعالى ويقرأ شيئاً من القرآن فهذه أربعة أشياء هي واجبة في الأولى، وفي الثانية ويحمد الله تعالى، ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويوصي بتقوى الله تعالى، ويدعو للمؤمنين والمؤمنات فهذه أربعة واجبة في الثانية، هكذا نقل المزني رحمه الله.
والأصل في هذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أبتر"، وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "كان يدعو الحمد لله نحمده ونستعينه.... " الخبر، وقال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4] قيل في التفسير: معناه قرنت ذكرك بذكري حتى لا أذكر إلا ذكرت معي، ولأن المقصود من الخطبة الموعظة فلا بد من الإتيان بما هو مقصود فيها، وأما الوصية كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[135 ب / 3] يقول: "ألا إن الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر، ألا وان الآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك قادر".
وأما قراءة القرآن فلأجل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يخطب إلا وقرأ فيها القرآن،
ودعا للمؤمنين نص على هذا كله في "الأم".
قد قيل: فصول الخطبة خمسة: التحميد، والصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والوصية بتقوى الله تعالى، وقراءة آية، والدعاء للمؤمنين والمؤمنات، ثلاثة منها شرط في الخطبتين معا، وهي التحميد والصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والوصية بتقوى الله تعالى.
وواحد هو شرط في الثانية لا غير وهو الدعاء، وواحد يستحب في الخطبتين.
فإن لم يكن ففي الأولى، فإن أتى به في الثانية جاز وهو قراءة آية، ولا بد منها بكل حال.
وقد نص الشافعي رحمه الله على أنه لو قرأ بين ظهراني الخطبة أو بعد الفراغ منها، أو قبل الشروع في الخطبة أجزأهء وقال في "الإملاء": فإن حمد الله وصلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - ووعظ أجزأه.
وضيع حظ نفسه، ولم يشترط قراءة القرآن ولا [136 أ/ 3] الدعاء.
وقال في "القديم": أقل الخطبة كأقصر سورة في القرآن واختلف أصحابنا في هذا فمنهم من قال: فيه ثلاثة أقوال: أحدها: يجب قراءة آية في الجملة إما في الأولى أو في الثانية أو في أي موضع قرأ جاز.
والثاني: يجب في الأولى بكل حال لتأكيد أمر الأول الخطبتين.
والثالث: لا يجب أصلاً بل هي مستحبة، ومن أصحابنا من قال: تجب القراءة قولاً واحداً والذي قال في "الإملاء": هو يحمل واكتفى في ذلك بما بينه في سائر المواضع وله أن يقرأ في الأولى أو الثانية قولاً واحداً، والذي قال: يقرأ في الأولى استحباب وهذا أصح ويبعد أن يذكر في باب أدب الخطبة قولاً، وفي باب القراءة في الخطبة قولا آخر، وهما بابان متواليان، ونصه في أدب الخطبة على أنه يقرأ في الأولى ونصه في القراءة في الخطبة على أن له الخيار على ما وصفت.
وحكى الداركي عن بعض أصحابنا أنه خرج قولا رابعاً أن القرآن شرط في الخطبتين جميعا؛ لأن ما وجب في الأولى وجب [131 ب/ 3] في الثانية، كالتحميد وهذا تخريج باطل يخالف نص الشافعي رحمه الله، وقد قال الشافعي في "الأم" والذي أحب أن يقرأ بقاف في الخطبة الأولى لا يقصر عنها، وأن يقرأ في الأخيرة مائة أو أكثر منها، ثم يقول: أستغفر الله لي ولكم.
وأما الدعاء: هل يجب؟ فيه قولان كما يرى:
أحدهما: ذكره في "الأم"، والثاني: ذكره في "الإملاء".
ومن أصحابنا من قال: يجب قولا واحداً، والمجمل في "الإملاء" محمول على المفسر في "الأم"، وهذا اختيار القفال.
وقال أبو حامد: قول واحد إنه مستحب وهو خلاف ما حكينا من النص، وقد روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ سورة ق في الخطبة، وروي أنه كان يستغفر للمؤمنين والمؤمنات".
ويستحب الدعاء فيهما، وإن كان لا يجب إلا في الأخيرة على ما بينا.
وقال بعض أصحابنا: لو أتى بالدعاء في الأولى دون الثانية لم يجزه.
وأما الدعاء للسلطان أو لرجل بعينه فهو غير منقول عن السلف.
قال عطاء رحمه الله: هذا شيء محدث لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا واحد من الصحابة وإنما كانت الخطبة تذكيراً.
فإن [137 أ/ 3] دعا لرجل بعينه أو على رجل بعينه قال الشافعي رحمه الله: كرهته ولا إعادة عليه، ويستحب أن يطول الدعاء.
قال - صلى الله عليه وسلم -: "طولوا الصلاة واقصروا الخطبة".
وأما لفظ الوصية فليس بشرط حتى لو قرأ آية فيها العظة والوصية جاز، ويخص الخطبة الوصية والباقي تبع لها.
فرع
لا تجوز بالفارسيه مع القدرة على العربية خلافا لأبي حنيفة رحمه الله لما ذكرنا من فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفيه وجه آخر أنه يجوز؛ لأنه لا يتعين فيها لفظة مخصوصة فكذلك لا يتعين لغة.
فَرْعٌ آخرُ
لو لم يكن فيهم من يحسن العربية يخطب بالفارسية في مدة إمكان التعلم، فإن مضت مدة الإمكان يصلون ظهرا ولا يصلون جمعة.
فرع
لو قرأ في الخطبة آيات من القرآن تتضمن تحذيراً ووعظاً بدلا من الوصية لا يجوز عنهما، لأن القراءة فرض فلا يؤدي به فرضين فإنه واحد.
فرع
لا يجب الترتيب في ألفاظ الخطبة قولاً واحداً نص عليه في "الأم " والأفضل أن يبدأ بالحمد، ثم بالصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[137 ب/ 3]، ثم بالوصية ثم بقراءة القرآن ومن أصحابنا من قال: يجب الترتيب؛ لأن المنقول عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - على هذا الترتيب.
فَرْعٌ آخرُ
المستحب أن يخطب بما روى ابن عباس رضي الله عنه قال: خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوماً فقال: "الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستنصره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد إن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى حتى يفيء إلى أمر الله"، وخطب يوماً فقال في خطبته: "ألا إن الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر وان الآخرة أجل صادق يقضي فيها ملك
قادر، ألا وإن الخير كله بحذافيره في الجنة ألا وإن الشر كله بحذافيره في النار، فاعملوا وأنتم من الله على حذر واعلموا أنكم معروضون على أعمالكم فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره"، وروى جابر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -[138 أ/ 3] خطب يوم الجمعة "فحمد الله وأثنى عليه ثم قال على إثر ذلك وقد علا صوته واشتد غضبه واحمرت عيناه كأنه منذر جيش، ثم قال: "بعثت أنا والساعة كهاتين"، وأشار بأصبعه الوسطى والتي تلي الإبهام، ثم يقول: "إن أفضل الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدث بدعة من ترك مالاً فلأهله ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإليً".
وقال جابر بن سمرة رضي الله عنه: كان لرسول - صلى الله عليه وسلم - خطبتان يجلس بينهما ويقرأ القرآن ويذكر الناس.
وروي عن صفوان بن يعلى قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "يقرأ على المنبر ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ [الزخرف: 77] فإن قال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى قال الشافعي رحمه الله: أنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - على من قال ذلك فيكره له ذلك حتى يقرأ اسم الله تعالى ثم يفرد بعده اسم رسوله فلا يذكره إلا منفرداً فقد قال رجل عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما شاء الله وشئت فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: [138 ب/ 3] "أمثلان قل ما شاء الله، ثم شئت" فنهاه عن العطف في المشيئة بالواو ونقله إلى حرف ثم لبدله بذلك على أن المشيئة من جهته، إنما تكون بمشيئة الله تعالى، وأن المخلوق إنما يشاء شيئاً؛ لأن الله تعالى يشاء إن شاء مخلوقه ذلك الشيء ودل هذا من كلام الشافعي رحمة الله عليه على أن مذهبه مذهب أهل الحق.
ثم قال الشافعي رحمه الله: ومعقول أن الخطبة جمع بعض الكلام من وجوه إلى بعض وهذا أوجزه أي: هذا الذي ذكرته من أقل الخطبة هو أوجزه فلا يجوز أن يقتصر على ما قاله أبو حنيفة.
فإن ذلك لا يسمى خطبة ولا يسمى المتكلم به خطيباً.
واحتج أبو حنيفة رحمه الله بما روي أن رجلاً قال: يا رسول الله علمني عملاً أدخل به الجنة فقال: "إن قصرت الخطبة لقل أعرضت المسألة" فسمي ذلك خطبة قلنا: هذا السؤال لا يكون خطبة بالإجماع، ثم لعله سماه خطبة مجازاً وكلامنا في الحقيقة، وفي الحقيقة قوله: لا إله إلا الله أو سبحان الله لا تكون خطبة.
وروي عن أبي يوسف ومحمد رحمهما [139 أ/ 3] الله، وعن مالك رحمه الله روايتان: إحداهما: أن من هلل أو سبح أعاد ما لم يصل والثانية: أن لا يجزي إلا ما تسميه العرب خطبة وعن أحمد رحمه الله نحو مذهبنا.
فَرْعٌ آخرُ
إذا خطب الأولى جلس ويكون جلوسه بقدر قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾
[الإخلاص: 1] ثم إذا فرغ من الخطبة الثانية أخذ في النزول، وأخذ المؤذن في الإقامة حتى يكون فراغه من النزول مع فراغه من الإمامة.
مسألة: قال: وإن حُصر الإمام لُقن.
وهذا كما قال.
هكذا قال هاهنا، وقال في موضع آخر: لا يلقن وليست المسألة على قولين، وإنما هي على اختلاف الحالين: فإن كان يرجى أن يستدرك هو فلا يلقن وان كان لا يرجى ذلك وانفلق عليه يلقن، وهذا إذا سكت طالباً للتلقين، فإن مضى إلى فصل آخر وترك ذلك يترك وذاك، وإنما يمكن الفتح عليه في فصول معروفة فأما إذا كان سنة في الحال لا يمكن الفتح عليه.
مسألة: قال: وإن قرأ سجدة فنزل فسجد لم يكن به بأس.
وهذا كما قال، إذا قرأ على المنبر وهو يخطب للجمعة آية السجدة، فإن [139 ب 3] أمكنه أن يسجد عليه سجدها، وإن لم يمكنه السجود في موضعه.
فإن تركه جاز: لأنه ليس بواجب عندنا، وإن نزل وسجد على الأرض.
قال في "الأم" رجوت أن لا يكون به بأس لأنه ليس يقطع للخطبة كما ليس يقطع للصلاة، فإذا فرغ صعد وبنى، فإن استأنف الكلام فحسن، وهذا إذا لم يتطاول الفصل بين النزول والصعود إلى موضعه، فإن تطاول فهل يبني أم يستأنف؟ قولان: قال في "القديم ": يبني، وقال في "الجديد": يستأنف.
وقال القفال: هذا إذا كان المنبر درجتين مثل منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا يحتاج في نزوله إلى عمل كثير، فأما إذا كان نزوله أكثر من ذلك انقطع به خطبته ويلزمه استئنافها، والمسألة مشهورة بالقولين، وعندي أنه لا اعتبار بالدرجتين وزيادة بل الاعتبار بالقرب والبعد على العرف والعادة، ويمكن النزول عن خمس درجات بسرعة والصعود إليها بسرعة بحيث لا يكون فصلاً طويلاً.
وقال في موضع من "الأم": لا ينزل ولا يسجد فإن نزل فسجد رجوت أن لا يكون به بأس وهذا يدل على [140 أ/ 3] أن تركه أفضل وهذا لأن الخطبة فرض والسجود سنة، والأصل فيه ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: قرأ في خطبته الآية التي في سورة ص، وقال: "إنما هي توبة نبيّ ولكني رأيتكم تشرفتم للسجود"، فنزل وسجد ثم قرأها في الجمعة الأخرى فتهيأ الناس للسجود فلم ينزل ولم يسجد، ومثله عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
مسألة: قال: وان سلم رجل والإمام يخطب كرهته.
الفصل
وهذا كما قال إذا دخل رجل والإمام يخطب بالأولى له أن لا يسلم ويكره له ذلك، وقال في "الأم": لا بأس أن يسلم ويرد عليه، والإمام يخطب يوم الجمعة فحصل من هذا أن الأولى أن لا يسلم، وهل يكره؟ قولان: فإن خالف فسلم، قال: هاهنا يرد عليه بعضهم أي: يجيب عن سلامة بعضهم وعلل فقال: لأن الود فرض، يعني: في غير هذا الموضع لأن المسلم في هذا الموضع وضع السلام في غير موضعه، وترك الأدب فيه فلا يستحوذ الرد، ألا ترى أنه روي أن رجلاً مر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو [140 ب / 3] يقضي حاجته فسلم عليه فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - وضرب يده على الجدار وتيمم، ثم ناداه ورد عليه السلام وقال له: "إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلم عليَّ، فإنك إن سلمت عليَّ لا أرد عليك ولولا أني خشيت أن تقول: سلمت على رسول الله فلم يرد عليَّ ما رددت عليك ".
ثم قال الشافعي رحمه الله: ويسع تشميت العاطس؛ لأنه سنة، يعني لا أكره تشميت العاطس في هذه الحالة ما أكره من رد السلام؛ لأن العطاس لم يكن إلا العاطس فكان معذوراً فيه.
بخلاف المسلم فإن السلام إليه هذا مذهب الشافعي في الجايد، وهو أن الصمت في حال الخطبة سنة ويجوز فيها رد السلام وتشميت العاطس.
وقال في"القديم": لا يشمت العاطس ولا يرد السلام إلا بالإشارة، وهذا لأن الصمت فرض، وفيه قول مخرج.
ذكره أبو إسحاق رحمه الله أنه يشمت العاطس ولا يرد السلام، فحصل في المسألة ثلاثة أقوال:
أحدها: لا يشمت ولا يرد السلام، والثاني: يشمت ويرد السلام، والثالث: يشمت [141 أ/ 3] ولا يرد واختار المزني أنه يشمت ويرد، وقال: لأن الرد فرض والصمت سنة والفرض أولى وهذا غير لازم؛ لأنه على القول الذي يقول: الصمت فريضة أجاب بهذا الجواب، ثم استدل المزني رحمه انه على أن الصمت سنة بكلام الخطيب في الخطبة فقال: وهو يقول، يعني به الشافعي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كلم قتلة ابن أبي الحقيق وكلم سليكاً الغطفاني، أما خبر سليك فقد ذكرناه.
وأما حديث ابن أبي الحقيق فهو ما روي أنه "كان يهودي بخيبر يكنى أبا رافع كان يؤذي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويغري المشركين على قتاله فاستأذن عبد الله بن عتيك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قتله فأذن له، فخرج في جماعة إلى أن احتال في دخول حصنه فقتله فيه، ثم رجع أصحابه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعهم السيف الذي قتل به أبو رافع والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة فدخلوا فدعاهم وكلمهم" وهذا أيضاً ليس بلازم، لأن الخطيب إذا تكلم وهو يخطب فقد ترك الخطبة، ولا يكون [141 ب/ 3] في حال كلامه خطيباً وغيره إذا تكلم وهو يخطب فقد ترك ما أمر به من الاستماع للخطبة والإنصات لها فلم يجز،
وهذا ذكره القفال وبعض أصحابنا.
وقد ذكرت فيما مضى نصاً عن الشافعي رحمه الله أنه قال: يحرم الكلام على الخطيب أيضاً على هذا القول، والجواب عن هذا أن هذا الكلام هو من جملة ما يعنيه، ولا يجوز ذلك عندنا، وأما رد السلام فليس من ذلك، لأن المسلم أساء الأدب بالسلام في غير موضع السلام فلا يجاب.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: القولان مبنيان على أن الخطبة في معنى الصلاة أم لا؟ وفيه قولان: وعلى هذا هل تفتقر إلى الطهارة هل يجب فيها التتابع، وهل يبني الغير على خطبة الغير؟.
فرع
أقل ما يتأذى به سنة السلام أن يقول: السلام عليك؛ ولو قال: "سلام عليك" بغير ألف ولام مع التنوين يجوز، والأولى أن يقول: "السلام عليكم حتى يقول: سلاماً عليه وعلى من، وأقل الجواز أن يقول: وعليك السلام.
ولوترك حرف الواو فلا يكون مجيباً لأن المنقول في الشرع الكلمة مع واو العطف وكمال السلام هو [142 أ/ 3] أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ويقول: المجيب: وعليكم اللام ورحمة الله وبركاته.
فَرْعٌ آخرُ
إذا نادى رجل من خلف حائط، وقال: السلام عليك يا فلان، أو كتب كتاباً وكتب فيه السلام على فلان، أو أرسل رسولاً وقال: سلم على فلان فبلغه، فإنه يجب عليه الجواب، لأن تحية الغائب بالمبادأة والكتابة والرسالة فعليه أن يجيب تحيته مثلها أو بخير منها كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ [النساء: 86].
فرع
إذا سلم على أصم لا يسمع شيئاً يجب عليه أن يتلفظ بلفظ السلام لقدرته، ويشير باليد حتى يحصى الإفهام فيستحق الجواب، فإن لم يجمع بينهما لا يستحق الجواب، وهكذا لو سلم عليه أصم وأراد الود عليه تلفظ باللسان ويشير بالجواب حتى يحصل له الإفهام.
فَرْعٌ آخرُ
لو سلم على أخرس فأشار باليد سقط عنه الفرض؛ لأنه يقوم مقام العبارة، وهكذا لو سلم عليه الأخرس بالإشارة يستحق الجواب لما بيناه.
فَرْعٌ آخرُ
لو سلم على جماعة وفيهم صبي فلم يرد إلا الصبي لا يسقط عنهم الفرض، لأن الصبي ليس من أهل الفرض [142 ب/ 3].
فَرْعٌ آخرُ
أنه إذا سلم الصبي هل يستحق رد الجواب؟ وجهان: مبنيان على أن سلامه يصح أم لا؟
فَرْعٌ آخرُ
لو لقي جماعة فأراد أن يخص بعضهم بالسلام يكره، لأن فيه إيحاش الباقين وربما يكون سبباً للعداوة.
فرع
إذا سلم على رجل جماعة فقال: وعليكم السلام وقصد الرد عليهم سقط الفرض في حق الكل، كما لو صلى على جنائز دفعة واحدة.
فَرْعٌ آخرُ
إذا سلم على رجل ثم التقى به ثانياً يستحب له أن يسلم ثانياً لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أفشوا السلام بينكم"، وروي أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كانوا إذا كانوا في طريق تستقبلهم شجرة فاجتازوا عليها سلم بعضهم على بعض ".
فرع
لو أن وجلين تلاقيا فخاطب كل واحد منهما بالسلام دفعة واحدة، أو على الترتيب لم يقم مقام الجواب، وعلى كل واحد أن يجيب.
فَرْعٌ آخرُ
إذا لقي وجلاً فقال له ابتداء: وعليكم السلام لم يكن به مسلماً حتى يستحق الجواب، لأن هذه الصنيعة هي مشروعة للجواب فلا تصح للابتداء.
فَرْعٌ آخرُ
النسا، بعضهن [143 أ/ 3] مع بعض في السلام كالرجال مع الرجال، فإن سلم على امرأة، فإن كانت زوجة أو محرماً له فعليها الجواب، وإن كانت أجنبية فإن كانت شابة تخشى الفتنة فلا يجوز لها رد الجواب، ويكون الرجل مفرطاً بالسلام عليها، وهكذا المرأة إذا سلمت على رجل، فإن كانت زوجته أو محرماً له أو عجوزاً لا يخاف منها الفتنة فإنه يلزمه الجواب، وإن كانت شابة تميل إليها النفس يكره أن يجيب لأنها مفرطة بالسلام.
فَرْعٌ آخرُ
إذا دخل الرجل دار نفسه يستحب له أن يسلم على أهله، لقوله عليه الصلاة والسلام: "إذا دخل بيته فسلم على أهله كثر خير بيته ".
فرع
إذا دخل مسجداً أو بيتاً ليس فيه أحد يستحب أن يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النور: 61].
فَرْعٌ آخرُ
جرت عادة بعض الناس بالسلام عند القيام ومفارقة القوم، وذاك دعاء فيستحب الجواب ولا يجب؛ لأن التحية تكون عند اللقاء لا عند المفارقة.
فرع
لو سلم على رجل لا يعرفه فبان دمياً يستحب أن يسترد سلامه [143 ب/ 3] فيقول له: أردد علي سلامي والفرض أن يوحشه ويظهر أنه ليست بينهما إخوة ولا إلفة، وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنه "أنه سلم على رجل فقيل له: إنه يهودي فتبعه وقال: "رد على سلامي".
فرع
إذا أراد تحية ذمي يجب أن يكون بغير السلام، فيقول: هداك الله، أو أطال الله بقاك، أو أنعم الله صباحك ونحو ذلك.
فَرْعٌ آخرُ
إذا سلم عليه ذمي لا يزيد في الجواب على قوله وعليك.
فرع
زيارة القادم سنة، وقد انتشر ذلك فيما بين الناس وتواتر به النقل، ويستحب أن يعانق القادم، لما روي أن جعفر بن أبي طالب لما رجع من الحبشة "قام إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعانقه".
فَرْعٌ آخرُ
المصافحة سنة، لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "المصافحة تزيد في المودة" وقال - صلى الله عليه وسلم - لأبي ذر: "أما علمت أن المسلمين إذا تصافحا تحاتت ذنوبهما".
فَرْعٌ آخرُ
قال بعض أصحابنا: يكره لمن دخل على قوم أن لا يطمع في قيامهم لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار".
إلا أنه يستحب للقوم [144 أ/ 3] أن يكرموه لما روي أن سعد بن معاذ لما أقبل قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقومه من أوس: "قوموا لسيدكم" وقال - صلى الله عليه وسلم -: " إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه"،وبسط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رداءه لدحية الكلبي إكراماً له.
فَرْعٌ آخرُ
إذا أراد تقبيل يد غيره، فإن كان يعظمه لزهده أو علمه أو كبر سنه لم يكره لما روي أن أعرابياً قعد عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستحسن كلامه فقال له: ائذن لي حتى أقبل وجهك فأذن له ثم قال: ائذن لي حتى أسجد لك فلم يأذن له" وإن كان يعظمه لأجل غناه أو لسلطنته لم يجز لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من تواضع لغني لغناه ذهب ثلثا دينه".
فرع
الدخول على الأغنياء والسلاطين لا يستحب لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تدخلوا على هؤلاء الموتى فتمرض قلوبكم" قيل: ومن هم يا رسول الله؟ قال: "الأغنياء".
فَرْعٌ آخرُ
التحية بالطليقة وانحناء الظهر وتقبيل اليد لا أصل له في الشرع، إلا أنه لا يمنع لما روي أن عمر رضي الله عنه لما دخل الشام كان أهل الذمة [142 ب/ 3] يحيون الله ويخدمونه بين يديه بتقبيل اليد وانحناء الظهر، يقال: إن هذا شيء جرت به عادتهم في التعظيم فإذا عظموا به المسلمين لا يمنعهم.
فرع
التحية عند الخروج من الحمام: يقال للذي خرج من الحمام: طاب حمامك لا أصل له، لكنه روي أن عليا رضي الله عنه قال لرجل خرج من الحمام: طهرت فلا نجست فسكت الرجل، وكان مع علي رضي الله عنه إنسان يهودي فقال للرجل: هلا أجبت أمير المؤمنين؟ فقلت: سعدت فلا شقيت، فقال علي رضي الله عنه: الحكمة ضالة المؤمن خذوها ولو من أفواه المشركين.
فَرْعٌ آخرُ
الاستماع إلى مدح المادحين بالشعر وغير الشعر لا يستحب، لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا رأيتم المادحين فاحثوا في وجوههم التراب ".
فَرْعٌ آخرُ
إذا قرأ الإمام على المنبر ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: 56] الآية فهل يصلي الناس على النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه؟ قال أصحابنا: إنه لا نص فيه للشافعي.
ويجب أن يكون بمنزلة تشميت العاطس.
فَرْعٌ آخرُ
الصلاة على غير رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[145 أ/ 3] كان جائزاً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لأنه قال: "اللهم صل على آل أبي أوفى".
فأما لغيره فيجوز أن يصلي على غير الرسول تبعاً ولا يجوز مقصوداً: لأن الله تعالى خص الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة عليه فلا يشاركه في هذه الفضيلة غيره.
مسألة: قال: والجمعة خلف كل إمام صلاها من أمير ومأمور.
الفصل
وهذا كما قال صلاة الجمعة لا تفتقر إلى الإمام ولا إلى إذنه، وبه قال مالك وأحمد رحمهما الله.
وقال أبو حنيفة: لا تنعقد إلا بإذن السلطان، أو من يقوم مقامه، ولا يجوز لآحاد الرعية إقامتها، إلا أن يتعذر استئذانه فيجوز لصاحب الشرطة والقاضي أن يصليها من غير إذنه.
وهذا غلط لما روي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه "صلى بالناس الجمعة وعثمان رضي االله عنه محصور، ولم ينكر أحد، ولأنها صلاة مفروضة فلا تفتقر إقامتها إلى إذن السلطان كسائر الصلوات، فإذا تقرر هذا، أراد الشافعي بالأمير الإمام وبالمأمور خليفة الإمام وبالمتغلب الخارجي وبغير أمير القاضي، وتجوز الجمعة خلف كل من هو من أهل [145 ب/ 3] الفرض وتصح خلف العبد أيضاً، وقال مالك في رواية ابن القاسم: لا يجوز أن يكون العبد إماماً فيها لعدم كمالهء وهي إحدى الروايتين عن أحمد رحمه الله وهذا غلط؛ لأنه ذكر يؤدي فرض الجمعة فجاز أن يكون إماما فيها كالحر وتجوز خلف المسافر أيضاً.
وحكي عن أحمد رحمه الله أنه قال: لا تجوز لأنها لا تجب عليه، وهذا غلط؛ لما ذكرنا وقد ذكرنا جوازها خلف الصبي قولين: قال في "الأم": لا يجوز، وقال في ا"الإملاء": يجوز.
وهل تجوز خلف المتنفل؟ قد ذكرنا قولين: بناء على جوازها خلف الصبي.
وقال القفال: نص الشافعي رحمه الله في صلاة الخوف أنه يجوز: لأنه قال: ولو صلى الإمام يوم الجمعة صلاة الظهر في شدة الخوف إيماء، ثم سكنت الحرب ووقت الجمعة باق لا تلزمه الجمعة، فإن بقي أربعون ممن لم يصل الظهر أمر بعضهم بأن يخطب ويصلي بهم، فإن خطب هو وصلى الجمعة جاز، وهو متنفل في هذه الحالة.
وهل يجوز خلف الجنب إذا لم يعلم؟ قد ذكرنا قولين: قال أصحابنا: هما مبنيان على [146 أ/ 3] الصبي فإن قلنا: خلف الصبي يجوز بعلة أنه يجوز أن يكون إماما في غير هذه الحالة فيجوز هاهنا.
وإن قلنا: لا يجوز خلف الصبي لأنه لا يسقط الفرض عن نفسه لا يجوز هاهنا.
وقال أبو حامد رحمه الله: هذا ترتيب مليحء ولكن مذهب
الشافعي غير هذا، لأنه قال في "الأم": ولا يكون الصبي إماماً فيها، ولو كان جنباً أو محدثاً فإنه يصح فلا معنى لما ذكر أصحابنا، وأما المرأة فلا يجوز إمامتها للرجال أصلاً ولا تنعقد الجمعة بالنساء المنفردات لحال.
مسألة: قال: ولا يجمع في مصر وان عظم أهله.
الفصل
وهذا كما قال.
لا يجوز أن يصلي الجمعة في بلد واحد، وبه قال مالك، وهو ظاهر قول أبي حنيفة وليس له نص صريح في هذا، وقال أبو يوسف: إذا كان للبلد جانبان جاز أن يقام في كل واحد منهما جمعة، وبه قال أبو الطيب بن سلمة: وجاز في بغداد في موضعين، لأن نهر دجلة حائل بينهما، وقال محمد: القياس أنه لا يجوز أكثر من جمعة واحدة، ولكنا نجوزها في اثنين استحسانا [146 أ/ 3] ولا فرق في هذا بين الجانب والجانبين.
وروي عنه أنه يجوز في ثلاثة، وقال أحمد: إذا كثر أهله كبغداد اد والبصرة جاز أن يقام فيه جمعتان وأكثر، وإن لم يكن بهم حاجة لا يجوز أن تقام إلا جمعة واحدة.
وقال داود: يجوز أن يصلوا الجمعة في مساجدهم كما يصلون سائر الصلوات.
وهذا غلط؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما جمع إلا في مسجد واحد.
وكذلك الخلفاء من بعده، ولو جاز ذلك لم يعطلوا المساجد وكانت إقامتها في موضعين أولى من إقامتها في موضع واحد.
وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: "لا تقام الجمعة إلا في المسجد الأكبر الذي صلى فيه الإمام"، وقال الشافعي رحمة الله عليه: "لو جاز في مسجدين لجاز في مساجد العشائر" يعني: القبائل ولأن الجمعة سميت بهذا الاسم لاجتماع الناس بها فيجب أن لا يفترقوا، واحتج أبو يوسف بأن دجلة تقطع بينهما فصار كالبلدين، واحتج محمد بما روي عن علي رضي الله عنه أنه كان يخرج يصلي العيد في الجبان ويستخلف أبا مسعود [147 أ/ 3] البدري فصلى بضعفة الناس وعنده حكم الجبان حكم البلد، والجمعة والعيد.
واحتج داود بما روي عن عمر رضي الله عنه أنه كتب إلى أبي هريرة رضي الله عنه بالبحرين "أن جمعوا حيث ما كنتم ".
قلنا: أما ما قال أبو يوسف: لا يصح لأنه لو كان كما قاله لوجب إذا عبر المسافر من أحد الجانبين إلا الآخر يجوز له القصر، وأجمعنا أنه لا يقصر حتى يفارق البنيان من الجانبين وهم لا يسلمون هذا ويقولون: إذا عبر يجوز له القصر حين يحصل في الماء، فيقول: الظهر من مصلحة العمارتين فلا يكون حائلاً ولا يجعل كالبلدين، وأما ما قال محمد: عندنا يجوز العيد في كل موضع وللمنفرد أيضا فلا حجة فيه.
وأما خبر عمر رضي الله عنه قلنا: أراد في أي بلد كنتم، واحتج أحمد بالمشقة قلنا: العادة جارية أنه لا يشق على أهل البلد الاجتماع في جامع البلد.
وان وجب ذلك فهو مشقة محتملة يسيرة لا اعتبار بها، فإن قيل: أليس دخل الشافعي بغداد وكانوا
يصلون في ثلاثة جوامع المنصور، وجامع المدينة، وجامع [147 ب/ 3] الرصافة؟ ولم ينكر ذلك، قلنا: إنما ترك الإنكار: لأنها مسألة اجتهاد وليس لبعض المجتهدين أن ينكر على البعض منهم واعتقاده في بغداد أنها لا تجوز إلا في موضع واحد أيضاً.
وقال أبو الطيب بن سلمة: إنما منع الشافعي في غير بغداد حيث تكون البلد ذا جانب واحد وبغداد ذو جانبين وهذا لا يصح، لأن هذا القائل لا يجوز في بغداد إلا في موضعين وقد رأى الشافعي ثلاثاً في ثلاثة جوامع ولم ينكر.
وقال أبو إسحاق وابن سريج: إنما لم ينكر، لأنه كان بلدا كبيراً لا يمكن اجتماع الجمع في موضع واحد إلا بمشقة عظيمة.
ولو أن مدينة اتصلت عمارتها فرسخين أو ثلاثة يلزمهم أن يجمعوا في موضع واحد لهذا وهذا أقرب وبه أقول، ولكنه عين قول أحمد رحمه الله، وليس بمذهب الشافعي رحمه الله لما ذكرنا.
وقال أبو جعفر الترمذي من أصحابنا: إنما لم ينكر لأنها مدن اتصلت عمارتها لأن المنصور بنى المدينة منفردة على الكرخ وهذا بنى كل جانب منفرداً، فكل ناحية منها هي بمنزلة المدينة المنفردة، ثم اتصلت [148 أ/ 3] عمارتها فبقيت على حكمها، ألا ترى أنه لو اتصلت عمارة بغداد بواسط مثلاً لا يجعل في حكم البلد الواحد كذلك هاهنا، وفي هذا نظر أيضا.
وقال الداركي: سئل أبو إسحاق فقيل له: إن أهل مرو يصلون الجمعة في موضعين، ويمكنهم أن يجمعوا في موضع واحد فقال: لأهل مرو في ذلك قصة وذلك أن أبا مسلم دخل مرو وأخذ دوراً وبناها الجامع، فتورع الزهاد وأصحاب الحديث عن الصلاة فيه وصلوا في غيره، وصلى أصحاب الرأي في جامع أبي مسلم فحصلوا حزبين.
فإذا تقرر هذا فكل بلد لا يجوز أن يصلوا الجمعة فيه، في موضعين إذا صلوها في موضعين لا يخلو من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن لا يكون في واحدة منهما إمام ولا صاحبه.
والثاني: أن يكون في إحداهما إمام وفي الأخرى صاحبه.
والثالث: أن يكون في إحداهما إمام أو صاحبة وليس في الأخرى واحد منهما.
ففي القمسين الأولين إن علمت السابقة منهما بعينها ولم يشكل فإنها هي الجمعة الصحيحة، وعلى الآخرين أن يعيدوا الظهر أربع ركعات [148 ب/ 3] واعتبار السبق بالإحرام فإن الجمعة تنعقد بالإحرام، فإذا انعقدت لم يصح عقد غيرها وهذا هو المذهب، ومن أصحابنا من قال فيه قول آخر: إنه يعتبر بالفراغ، لأنه لا يحكم بصحتها إلا بالفراغ منها.
وهذا غلط؛ لأنه يؤدي إلى أن يحكم بصحة انعقاد الجمعتين ثم ببطلان إحداهما وهذا لا يجوز.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: يعتبر بالشروع في الخطبة لأن حكمها حكم الصلاة لأنها لا تصح إلا بعد دخول وقت الصلاة وهذا ليس بشيء؛ لأن الخطبة شرط في الجمعة لا نفسها فلا اعتبار بالسبق فيها، فإن علمت السابقة ثم أشكلت أو علم أن إحداهما سبقت الأخرى، فإن في هذه الأقسام الأربعة يجب على الكل إعادة الصلاة.
وقال المزني: لا تلزم الإعادة في القسمين الأولين من هذه الأقسام الأربعة لأنهما أديتا
في الظاهر فلا يحكم ببطلانهما بالشك.
وهذا غلط؛ لأن كل واحدة منهما مشكوك في صحة الإحرام بها؛ فإنها إن كانت هي السابقة صح الإحرام بها وإلا فلا، والصلاة لا تصح إذا دخل فيها بالشك، كما [149 أ/ 3] لو شك في ركن الطهارة، ودخل في الصلاة.
فإذا تقرر هذا، فكيف يعيد إن علم أنهما وقعتا معاً في حالة واحدة؟ يجب إعادة الجمعة لأنه لم تصح جمعة واحدة من الطائفتين وليست إحداهما بالبطلان أولى من الأخرى فبطلت، كما لو تزوج بأختين معاً بطل نكاحهما وان سبقت إحداهما الأخرى ولم تتعين أو تعينت، ثم أشكلت فهل تجب إعادة الجمعة أم الظهر؟ قولان:
أحدهما: الظهر لأن الجمعة قد أقيمت في هذا اليوم بيقين فلا تقام ثانياً.
والثاني: الجمعة لأنه لم يعتد بما فعلوا فكان وجوده وعدمه سواء.
وقال بعض أصحابنا بالعراق: لا خلاف بين أصحابنا أنه لا يجب إعادة الجمعة، ولكن هل يجوز أن يصلوا الجمعة؟.
قال في "الأم": يجوز وقال الربيع: فيه قول آخر إنه لا يجوز وبنحو هذا ذكر القفال قال: ونظير القولين نظير الوليين إذا أنكحا وعلم أن أحدهما سابق ولم يتعين، ففيه قولان: أحدهما: أن النكاح باطل فعلى هذا تجوز الجمعة هاهنا.
والثاني: هو موقوف فعلى هذا يلزم إعادة الظهر هاهنا.
قال [149 ب/ 3] القفال رحمه الله: وهذا إذا لم تعرف السابقة.
قال القفال: فإذا عرفت السابقة ثم خفيت فلا تجوز جمعة أخرى قولاً واحداً، كما قلنا في نكاح الوليين في هذه الصورة هما باطلان قولاً واحداً، فإن قيل: إذا تعينت ثم أشكلت ينبغي أن يوقف كما قلتم في الوليين إذا أنكحا، وفي الميراث في الغرقى قلنا في الجمعة: إذا وقفنا فقد فات وقتها بخلاف الميراث والنكاح فإن وقتهما لا يؤدي إلى فوات وقتهما فجاز أن يوقفا، وان لم يعلم هل وقعتا في حالة واحدة أو سبقت إحداهما الأخرى فيعيدون الجمعة هاهنا قولاً واحداً؛ لأنا حكمنا ببطلانهما لجواز أن تكون وقعتا في حالة واحدة، فكأنهم لم يصلوا أصلاً هكذا ذكره القاضي الطبري والقفال رحمهما الله.
وقال الشيخ أبو حامد رحمه الله: هذا نظير ما لو عرف العين ثم أشكل فيه قولان: وما تقدم أصح.
وأما القسم الثالث من أقسام الأصل: إذا كان في إحداهما إمام دون الأخرى اختلف قول الشافعي رحمه الله فيه قال في "الأم": السابقة أولى بكل حال وان كان الإمام [150 ا/ 3] الذي صلى بهم إماماً حقيقة أو متغلباً أو عزله الإمام فامتنع من العزل وهذا أصح؛ لأن السابقة انعقدت صحيحة فلا تفسد بعقد الثانية.
وقال في كتاب العيدين: لو صلى غير الإمام الجمعة في المسجد الأعظم والإمام في مسجد أصغر منه وصلاة الإمام، ومن معه جائزة ويعيد الآخرون.
قال أبو إسحاق رحمه الله: وهذا أحفظ القولين لأن في إطلاق ذلك فساد الصلاة على أهل البلد وأهل الإسلام، ومتى شاء أربعون أن يفسدوا على أهل البلد صلاتهم صلوا أولاً فإذا قلنا: الجمعة للسابق فالأقسام التي قدمناها تجيء هاهنا.
فرع
لو أحرم الإمام بأربعين، ثم أخبر في أثنائها أن غيره قد أقامها قبله فلأن قلنا: جمعه الإمام أولى، فإن الأدلة باطلة، وإن قلنا: السابقة الأولى كان فرضه الظهر وجاز له إتمامها ظهرا.
قال الشافعي رحمه الله: وأحب أن يستأنف الظهر بخلاف المسافر إذا نوى الإقامة يتمها ولا يستأنف؛ لأنه عقدها بنية الظهر وهذا عقدها بنية الجمعة فأحببنا له استئنافها ظهرا.
وقال القفال رحمه الله: نص الشافعي رحمه الله هاهنا أن عليهم استئناف الظهر بخلاف المسافر: لأن أصل فرضه أربع، ولو أتموا أربعاً لم يبن أن عليهم [150 ب/ 3] الإعادة، لأنه قد يحرم بالجمعة، ثم يخرج الوقت فيصليها ظهرا.
قال القفال رحمه الله: فحصل قولان: وإذا خرج وقت الجمعة فمن هاهنا قول مخرج إنهم يستأنفون الظهر، ومعنى القولين إن الجمعة والظهر صلاة واحدة بقصر ويتم، أو هما صلاتان على الخلاف وهذا تخريج بعيد، وفي لفظ الشافعي على ما سبق ما يمنع هذا.
وقد نص في "الأم" على أنه لو صلى بهم الجمعة، ثم تذكر الإمام أنه كان جنباً عاد ظهرا وأجزأت الجمعة في حق المأموين، فإن اغتسل وأعاد الخطبة وصلى بطائفة الجمعة لم يكن له ذلك وعليه الظهر، فإن خالف وفعل، ثم ذكر في أثناء الجمعة أن عليه الظهر كان له أن يبني على الظهر، وان عقدها بنية الجمعة كرجل يدخل في آخر الجمعة ينوي الجمعة ويكون فرضه الظهر، ثم قال: وأحب له أن يستأنف الظهر هاهنا.
وهذا يدل على ضعف هذا التخريج الذي ذكره القفال.
باب التكبير إلى الجمعة
قال أخبرنا سفيان..... وذكر الخبر.
وهذا كما قال: يستحب أن يبكر إلى الجمعة لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: [151 أ/ 3] "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يسمعون الذكر"، ومعنى غسل الجنابة، أي: كغسل الجنابة، وقيل: أراد أنه جامع واغتسل لتسكن نفسه في يومه، وأراد بالرواح: الخروج إلى الجامع، وحقيقة الرواح في آخر
النهار، وأوله من حين تزول الشمس ويستعمل في الانقلاب من موضع إلى موضع سواء كان في أول النهار، أو في آخره على طريق التوسع، والمجاز كما أن حقيقة الغدو في أول النهار ويستعمل في المضي، والذهاب في أول النهار وآخره على طريق المجاز.
واختلف أصحابنا في الرواح من أي وقت اعتبره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمنهم من قال: من حين طلوع الفجر الثاني وهو الصحيح، لأنه أول ما يصح فيه غسل الجمعة، وهو أول وقت الرواح وهو ظاهر كلام الشافعي رحمة الله عليه؛ لأنه قال: وكلما قدم التبكير كان أفضل وإنما عبر بالرواح؛ لأنه خرج لأمر يؤتى به [151 ب/ 3] بعد الزوال، ومنهم من قال: من حين طلوع الشمس؛ لأن أهل الحساب يعدون أول النهار من حين طلوع الشمس.
قال في "الحاوي": وهذا أصح ليكون ما قبل ذلك من طلوع الفجر زمان غسل وتأهب.
وقال القفال رحمه الله: أراد بالساعات أزمنة لطيفة لا الساعات التي عند المنجمين لأن النهار في الشتاء يتراجع إلى تسع ساعات، فتكون الساعة الخامسة بتمامها زائدة على نصف النهار، والمراد بذلك كله بعد الزوال، فمعنى الخبر من راح إلى الجمعة بعد الزوال فدخل المسجد أولاً فكأنما قرب بدنة على هذا الترتيب، والدليل على أنه أراد بعد الزوال، لأن الأمر من الله تعالى إنما يتوجه بعد الزوال لا قبله، ويستحيل أن يكون أعظم الثواب في وقت لم يتوجه فيه الأمر، وأقل الثواب في وقت توجه فيه الأمر.
وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "لن يتقرب المتقربون إلى الله تعالى بأعظم من أداء فريضة " وهذا كله إذا كانت الدار قريبة من المسجد.
فأما إذا كانت الدار بعيدة من المسجد فالواجب أن يتهيأ للقصد في وقت يتيقن الإدراك، وقال أيضاً: الدرجات غير مقصورة على الخمس لا غير [152 أ/ 3] حتى لو جاء خمسة نفر وللخامس أجر من قرب بيضة فللسادس ومن بعده أقل من ذلك، ولكن السادس مع الخامس كالمهدي بقرة مع المهدي شاة وعلى هذا.
والمقصود بيان تفاوت الدرجات لا غير، وهذا أحسن، ولكنه خلاف ظاهر قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقول الشافعي رحمه الله، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يسمعون الذكر" يدل على أنه لا فضيلة لمن جاء بعده كما روي في خبر آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الناس على منازلهم الأول فالأول، فإذا خرج الإمام طووا الصحف وحضروا يسمعون الدكر".
فمن جاء بعد ذلك جاء بفرض"، وأراد بقوله: قرب بدنة، أي: ثوابه كثواب من تقرب إلى الله تعالى ببدنة أو بيضة، وجعلها قرباناً وتقرباً إلى الله تعالى.
وروي عن علقمة رضي الله عنه أنه قال: "حضرت وعبد الله بن مسعود الجمعة، وقد
سبقنا ثلاثة، فقال عبد الله: رابع أربعة وما رابع [152 ب/ 3] أربعة ببعيد، سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "الناس بالقرب من ربهم على قدر رواحهم إلى الجمعة"، وأيضاً روى أوس بن أوس الثقفي قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من غسل يوم الجمعة واغتسل ثم بكر وابتكر ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام واستمع ولم يلغ كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها".
وروي في خبر آخر: "وبكر وابتكر ولبس من ثيابه أحسن ما قدر عليه ومس طيباً إن كان عنده وخرج، ولم يتخط رقاب الناس، وأنصت حتى خطب الإمام كان كفارة لما بين هذه الجمعة وما قبلها".
وروي "خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه"، وروي "وجلس قريباً واستمع ولم يرفث ".
واختلف العلماء في معناه فمنهم من قال: هذا من الكلام الظاهر الذي يراد به التوكيد ولم تقع المخالفة بين المعنيين لاختلاف اللفظين، ألا ترى أنه قال: "ومشي ولم يركب"، ومعناهما واحد، وبهذا قال الأثرم صاحب أحمد رحمهما الله ومنهم من قال قوله: غسل معناه غسل الرأس خامة وذلك؛ لأن العرب لهم لحم وشعور وفي غسلها مؤنة، فأفرد [153 أ/ 3] ذكر غسل الرأس من أجل ذلك، وقوله: واغستل معناه غسل سائر البدن، وبهذا قال عبد الله بن المبارك ومكحول، وقيل: روي غسل بالتخفيف.
وروي غسل بالتشديد فبالتخفيف معناه تطهر واغتسل، وأما بالتشديد معناه غسل أعضاء الوضوء، وإنما شدد لتكرير الفعل كما يقال: قطعه إرباً إرباً.
وقيل: معناه غسل غيره فإن جامع واغتسل هو وبهذا قال وكيع: وقيل: روي هذا بالعين عسل غير المعجمة بتشديد السين، معناه أصاب أهله ليكون أملك لنفسه، وأحفظ في طريقه لبصره.
ومن هذا قول العرب فحل عسله إذا كان كثير الضراب.
والعسيلة: هي الجماع ومعنى قوله: بكر، أي: أدرك باكورة الخطبة، وهي أولها، ومعنى ابتكر قدم في الوقت، وقيل: قوله بكر أي تقدم، وجاء بكرة وابتكر له تأويلان: أحدهما: أنه فعل أفعال المبكرين من الاشتغال بالعبادة من الذكر وقصد الصلاة ولم يقف على موضع اللعب والشعوذة.
والثاني: أدرك باكورة الخطبة واشتقاقه من باكورة الثمرة التي هي أولها، وقيل معناه: بكر إلى صلاة [153 ب/ 3] الغداة وابتكر إلى صلاة الجمعة.
وقال ابن الأنباري: معنى بكر، أي: تصدق قبل خروجه من قوله - صلى الله عليه وسلم -: "باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها"، فإذا تقرر هذا يستحب أن يمشي إلى صلاة الجمعة والعيدين ولا يركب إلا أن لا يقدر عليه لضعف من كبر أو مرض فلا يكره له الركوب،
وإذا ركب فيجتهد أن لا يؤذي أحداً، وينبغي أن يمشي متوقراً لا يزيد على سجيته في المشي ولا يشبك بين أصابعه ولا يعبث، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن أحدكم في صلاة ما كان يعمد إلى الصلاة"، فألحق العامد إلى الصلاة بمن كان في الصلاة ولا يشك في الصلاة كذلك في طريق الصلاةء وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يزال أحدكم في صلاة ما دام ينتظرها، ولا تزال الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في المسجد اللهم اغفر له اللهم ارحمه ما لم يحدث" فقال: رجل من حضرموت، وما الحدث يا أبا هريرة قال: فساء أو ضراط.
وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "نهى عن التشبيك بين الأصابع في الصلاة، وعن التفرقع في الصلاة وهو [154 أ/ 3] أن يثني أصابعه فيسمع من مفاصله صوت"، وروى كعب بن عجرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من توضأ فأحسن وضوءه، وخرج إلى المسجد عامداً فلا يشبك بين أصابعه".
وروي عن النبي ´ - صلى الله عليه وسلم -: "أنه ما ركب في عيد ولا جنازة قط"، والجمعة هي في معنى ذلك، وإنما لم يذكر الجمعة لأن باب حجرته كان في المسجد فلا يتوهم الركوب إليها، وهذا لأنه إذا ركب يضيق على الناس ويزاحمهم أنجس الطريق بالبول والروث، وربما يترشرش على الناس والماشي هو أكثر عملاً ويكون أخشع فكان أولى.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا إذا كانت عادته أن لا يركب فيها وهذا ليس بشيء، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -، لجابر بن عتيك: "إذا خرجت إلى الجمعة فامش على هيئتك"، وروي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان يسعى إلى الجمعة سعياً لقوله: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9] وهذا عنانا مكروه، المراد بالسعي القصد على ما ذكرناه.
باب هيئة الجمعة
قال: أخبرنا مالك... الخبر.
وهذا كما قال: المستحب [154 ب/ 3] أن يروح إلى الجمعة على أكمل ما يقدر عليه من نظافة وزينة وطيب رائحة، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في جمعة من الجمع: "يا معشر المسلمين إن هذا يوم جعله الله عيداً للمسلمين فاغتسلوا، ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمس منه وعليكم بالسواك ". وهذا أمر تلطف وتطرف
ومقصوده الأمر ولكن هذا هو أحسن من قوله: "تطيبوا".
وروي في خبر آخر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من اغتسل يوم الجمعة ولبس ثيابه ومس طيباً إن كان عنده وحضر الصلاة ولم يتخط رقاب الناس ولم يؤخر وجلس حتى رجع الإمام خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه"، وأراد بالرجوع فراغ الإمام من الصلاة.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من اغتسل يوم الجمعة واستاك ومس من طيب إن كان عنده ولبس أحسن ثيابه، ثم خرج إلى المسجد ولم يتخط رقاب الناس ثم ركع ما شاء الله أن يركع وأنصت إذا خرج الإمام كانت كفارة بينها وبين الجمعة"، ثم قال الشافعي رحمه الله: وأحب أن يتنظف بغسل [155 أ/ 3] وأخذ ظفر وشعر وعلاج بما يقطع تغير الرائحة من جميح جسده وسواك يريد به أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر في هذا الخبر بثلاثة أشياء فيقاس عليه ما في معناها:
أولها: الغسل للتنظيف فيقاس عليه أخذ الشعر والظفر.
والثاني: التطيب فيقاس عليه تطيب الثياب التي تلبسها.
والثالث: السواك لإزالة الرائحة الكريهة فيقاس عليه استعمال المرتك وكل ما يزيل ويقطع تغير الفم من جميع جسده.
وجملة ذلك سبعة أشياء: الغسل، وحلق الشعر، وتقليم الأظفار، والسواك، وما يزيل عن نفسه الروائح الكريهة، ولبس أحسن ما يجد من الثياب، والطيب.
وقال في "الأم": واستحب له ذلك في كل عيد وأمره به وأحبه في كل صلاة جماعة، وان كنت له أشد استحباباً في الأعياد والجمع.
فإذا تقرر هذا، فالمستحب للرجال لبس البياض، فإن جاوز البياض فعصب اليمن، وهي البرود المخططة والقطري، وهو نوع من الكتان.
وقال الأزهري رحمه الله: القطري هي ثياب حمر لها أعلام فيها بعض الخشونة، هي منسوبة إلى قطر، وهو موضع بين عمان وسيف البحر وإنما كان كذلك؛ لأنه يصبغ بمنزله ولا يصبغ بعد التسبيح فأما ما يصبغ بعد التسبيح مكروه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يلبسه قط، وكذلك الخلفاء الراشدين.
وأما السواد فلا يستحب لبسه مع وجود البياض لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يلبس السواد إلا يوم فتح مكة، فإنه دخل مكة وعلى رأسه عمامة سوداء ويجوز أن يكون قد تعذر في تلك الحال البياض، وهذا لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أحب الثياب إلى الله تعالى البياض يلبسها أحياؤكم ويكفن فيها موتاكم".
وروى سمرة بن جناب رضي الله عنه أن
النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "البسوا الثياب البيض فإنها أطهر وأطيب" وروي "خير ثيابكم البيض فألبسوها أحياءكم وكفنوا فيها موتاكم".
وقال بعض أصحابنا: يجوز لبس السواد، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يقيم بعمامة سوداء ويرتدي بإزار أسحمي"، وأول من أحدث السواد بنو العباس في خلافتهم شعاراً لهم، ولأن الراية التي عقدت للعباس رضي الله عنه يوم فتح مكة ويوم حنين كانت سوداء، وكانت راية الأنصار صفراء فينبغي للإمام [164 أ/ 3] أن يلبس السواد إذا كان السلطان له مؤثراً لما في تركه من مخالفته ويعتبر شعاره ذكره في "الحاوي".
وجميع ما ذكرنا للرجال من النظافة فإنه يستحب للنساء إلا الطيب وما يستهدن به من الثياب، قال - صلى الله عليه وسلم -: "طيب النسا، ما ظهر لونه وخفيت رائحته، وطيب الرجال ما ظهرت رائحته وخفي لونه".
وفي لفظ: "طيب الرجل ما ظهر ريحه وبطن لونه، وطيب النساء المرأة ما ظهر لونه وبطن ريحه"، وقال: "إنهن يحضرن الذكر والصلاة وليحضرن بثلاث غير عطرات".
وروي أن امرأة مرت يوم جمعة على أبي هريرة رضي الله عنها فشم منها رائحة المسك، فقال لها: يا أمة الجبار: أين تريدين؟ قالت: الجمعة، فقال: ولها تطيبت؟ قالت: نعم، فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "أيما امرأة خرجت إلى الصلاة متعطرة لم يقبل الله تعالى صلاتها حتى ترجع وتغتسل اغتسالها من الجنابة"، فرجعت تلك المرأة.
فرع
قال في "الأم": واستحب هذا للعبد والصبيان كما استحب للرجال وهذا لأنهم من جنس الرجال الأحرار.
فَرْعٌ آخرُ
قال: ويستحب للإمام من النظافة والزينة أكثر مما [164 ب/ 3] يستحب لسائر الناس؛ لأن الإمام يتقدم على الناس ويقتدي به، قال: وأحب له أن يقيم فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقيم ويستحب أن يرتدي فإنه صلى - صلى الله عليه وسلم - عليه وسلم كان يرتدي ببرد.
فَرْعٌ آخرُ
قال: واستحب كثرة الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في كل حال، وأما في يوم الجمعة وليلتها أشد استحباباً قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أقربكم مني مجلساً في الجنة أكثركم صلاة عليّ فأكثروا الصلاة عليّ في الليلة الغراء واليوم الأزهر".
قال الشافعي رحمه الله: هما ليلة الجمعة ويوم الجمعة.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من صلى عليّ ليلة الجمعة أو يوم الجمعة مائة مرة قضيت له مئة حاجة سبعون من حوائج الآخرة، وثلاثون من حوائج الدنيا"، وروى أوس رضي الله عنه أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال: إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فأكثروا عليّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضه عليّ" قالوا: يا رسول الله وكيف تعرض صلاتنا عليك.
وقد ارمت؟ قال: "إن الله تعالى حرم على الأرض أجساد الأنبياء" وقوله: أرمت أي: بليت وأصله أرممت، أي صرت رميما.
فَرْعٌ آخرُ
قال: وأحب [165 أ/ 3] قراءة سورة الكهف ليلة لجمعة ويومها.
روى عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة"، وروي أنه قال: "من قرأ سورة الكهف وقي فتنة الدجال"، وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أصابه من النور ما بين الجمعتين"، وهذا كله.
لأجل فضل هذا اليوم.
قال سعيد بن المسيب رحمه الله: ما من يوم أحب أن أموت فيه ضحى إلا يوم الجمعة، وروى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من ترك الجمعة من غير ضرورة كان منافقاً في كتاب لا يمحى ولا يبدل"، وروي عن أبي جعد الضمري رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من ترك الجمعة ثلاث مرات متهاوناً بها طبع الله على قلبه".
اورده ابو عيسى الترمذي، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وبه يقول الشافعي وأحمد رحمهما الله، وروي عن نافع أن ابن عمر رضي الله عنه "كان إذا صلى
الجمعة انصرف يصلي سجدتين في بيته" وقال: كان [165 ب/ 3] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصنع ذلك.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من كان منكم مصلياً بعد الجمعة فليصل أربعاً"، وروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه "كان يصلي قبل الجمعة أربعاً ويصلي بعدها أربعاً"، وروي عن علي رضي الله عنه أنه "أمر أن يصلي بعد الجمعة ركعتين ثم أربعاً" وبقول ابن مسعود قال الثوري وابن المبارك، وقال إسحاق: إن صلى في المسجد يوم الجمعة صلى أربعاً، وإن صلى في بيته صلى ركعتين تلفيقاً بين الخبرين عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقد قال عطاء: رأيت ابن عمر رضي الله عنه صلى بعد الجمعة ركعتين، ثم صلى بعد ذلك أربعاً.
فرع
يكره أن يصلي السنة بعد الجمعة من غير أن يفصل بينهما بالرجوع إلى وطنه، أو انتقال إلى مكان آخر أو كلام لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "كان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف، فيصلي ركعتين في بيته" وقال نافع بن جبير: صليت مع معاوية رضي الله عنه في المقصورة فلما سلمت قمت في مقامي فصليت فأرسل إلي [166 أ/ 3] معاوية.
أما بعد إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تتكلم أو تخرج، فإن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - أمر أن لا تفضل صلاة بصلاة حتى يتكلم أو يخرج".
فرع
قلت: يستحب أن يكثر فيه من الدعاء، لأن فيه ساعة يستجاب فيها الدعاء فلعله يصادف ذلك، ثم رأيت عن بعض أصحابنا مثله، وقد ذكرنا ما قبل من الأخبار في تلك الساعة.
وروى أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "التمسوا الساعة التي ترجى في يوم الجمعة بعد العصر إلى غيبوبة الشمس".
وبهذا يقول أحمد وإسحاق رحمهما الله.
وقال أحمد: أكثر الأحاديث في الساعة التي ترجى فيها الإجابة أنها بعد العصر وترجى بعد زوال الشمس، وروي عن عبد الرحمن بن عوف المزني أنهم قالوا: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أية ساعة هي؟ قال: "حين تقام الصلاة إلى الانصراف منها".
وقال عبد الله بن سلام: أنا أعلم تلك الساعة هي بعد العصر إلى أن تغرب الشمس، فقيل له: كيف تكون بعد العصر؟ وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي" وتلك الساعة لا يصلى فيها فقال [166 ب/ 3] عبد الله: أليس قد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من جلس ينتظر الصلاة فهو في صلاة " قال: بلى قال: فهو ذاك.