بحر المذهب للرويانيصفحات 379-418

فصل وإن أحبلها بوطئه، فالولد حر يلحق به: ويتعلق على ذلك ثلاثة أحكام: أحدها: في المهر، وهو على ما مضى سواء.
والثاني: في قيمة الولد، وهو كالمهر.
إن تم البيع بينهما، فلا قيمة للولد عليه، إن قيل: إنه قد ملك بنس العقد، أو قيل: إنه مراعى.
وإن قيل: إنه لا يملك إلا بالعقد والافتراق، ففي وجوب قيمته وجهان: أحدهما: عليه القيمة، لأنها حملت به في غير ملكه.
والثاني: لا قيمة عليه، لأنها تضعه في ملكه.
وإن انفسخ البيع بينهما، فعليه قيمة الولد إن قيل: لا يملك إلا بالعقد والافتراق، أو قيل: إنه مراعى.
وإن قيل: إنه قد ملك بنفس العقد، ففي وجوب قيمته وجهان: أحدهما: ليس عليه قيمته، لأنها علقت به في ملكه.
والثاني: عليه قيمته؛ لأنها تضعه في غير ملكه.
والثالث: في كونها أم ولد أم لا؟ وهو مبني على أصل نذكره، ثم نبني جواب المسألة عليه، وذلك أنه لا يخلو ولد الأمة من ثلاثة أضرب: أحدها: إن تعلق بمملوك، إما من زواج أو زنا، فلا تصير به أم ولد للواطئ في الحال ولا في ثاني حال.
والثاني: إن تعلق بحر في ملك كالسيد يطأ أمته، فتعلق منه، فقد صارت به أم ولد في الحال.
فلو كان قد تعلق برقبتها حق الغير فبيعت فيه كالمرتهن إذا بيعت في حقه، ثم ملكها من بعد، صارت أم ولد قولاً واحداً.
والثالث: إن تعلق بحر في غير ملك كوطء الشبهة، فلا تصير به أم ولد في الحال.
وهل تصير به أم ولد إذا ملكها في ثاني حال؟ على قولين: فإذا ثبت هذا الأصل، فلا يخلو حال العقد عليها من أحد أمرين: إما أن يتم بينهما، أو ينفسخ.
فإن تم البيع بينهما، صارت أم ولد له، إذا قيل: إنه قد ملك بنفس العقد أو قيل: إنه مراعى؛ لأنها علقت منه بحر في ملك.
فأما إن قيل: إنه يملك إلا بالعقد والافتراق، فهل تصير له أم ولد أم لا؟ على قولين، لأنها قد كانت علقت منه بحر في غير ملك.
وإن انفسخ البيع بينهما، صح الفسخ وكان للبائع أن يتصرف فيها بعد الفسخ كيف شاء من بيع أو غيره؛ لأن تعلق حقه برقبتها مقدم على حرية ولدها، كحق المرتهن، إذا صارت الأمة المرهونة أم ولد للراهن.
وإن ملكها المشتري فيما بعد، فإن قيل: إنه قد كان ملكها بنفس العقد، صارت له أم ولد، لأنها قد كانت علقت منه بحر في ملكه.
وإن قيل: إنه لم يكن مالكاً إلا بالعقد والافتراق، أو قيل: إن الملك مراعى، فهل تكون أم ولد له أم لا؟ على قولين، لأنها قد كانت علقت منه بحر في غير ملك.
فصل وأما قول الشافعي: ولو عجل المشتري، فوطئها، فأحبلها قبل التفرق.

فقد أنكر عليه قوم، وقالوا: إحبالها قبل التفرق مستحيل.
وعنه جوابان: أحدهما: أنه على التقديم والتأخير، وتقدير الكلام: ولو عجل المشتري فوطئها قبل التفرق في غفلة من البائع في حبلها، وهذا مستقيم، فقدم لفظ الإحبال، وإن كان في المعنى مؤخراً.
والثاني: أن الكلام على حاله لا تقديم فيه ولا تأخير، ومعناه مستقيم؛ لأن الإحبال يقع قبل التفرق؛ لأنه حادث عن الوطء، وإنما يتأخر ظهوره، وليس تأخر ظهوره بمانع من حصوله.
وأما قوله: في غفلة من البائع: ففيه تأويلان: أحدهما: أنه شرط في بقاء الخيار للبائع، ولو رآه البائع يطأ كان رضاً منه لإمضاء البيع وقطعاً لخياره.
وهذا قول أبي العباس بن سريج، لأن البائع يستحق بخياره منع المشتري من التصرف، فإذا رآه يتصرف، فأمسك عن منعه، كان راضياً به، فبطل خياره.
والثاني: أنه قال ذلك لتحقيق صورة المسألة، إذ بعيد في العادة أن يطأ الناس بحضرة الناس، فأحب أن يصورها على ما يصح وجودها في العرف، ولا يكون ذلك شرطاً في خيار البائع، ولا تكون رؤية البائع.
وعدم إنكاره قطعاً لخياره، لأن الرضا لا يكون مأخوذاً من فعل الغير والله أعلم.
فصل فأما وطء المشتري، فهل يكون قاطعاً لخياره ورضاً منه لإمضاء البيع أم لا؟ على وجهين: أحدهما: وهو قول أبي العباس بن سريج: يكون قاطعاً لخياره كوطء البائع.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي: إن وطء المشتري لا يكون رضاً لإمضاء البيع، وإن كان وطء البائع رضاً للفسخ.
والفرق بينهما: أن البيع لما لم يصح إلا بالقول، لم يصح إمساكه والرضا به إلا بالقول.
ولما كان الملك قد يحصل بالفعل كالاصطياد والاحتشاش، جاز أن يكون الرد إلى الملك بالفعل يفسخ البيع فيصح بالفعل.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وإن وطئها البائع، فهي أمته والوطء اختيار لفسخ البيع".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، وإذا وطئ البائع الجارية المبيعة في مدة الخيار، كان فسخاً للبيع على الأقاويل كلها، لما ذكرنا: من أن الملك لما حصل بالفعل، جاز أن يكون الرد إليه يحصل بالفعل، وبهذا المعنى يقع الفرق بين فسخ البيع حيث كان بالوطء، وبين رجعة المطلقة، حيث لم يجز أن يكون بالوطء: لأن النكاح لما لم يصح إلا بالقول لم تصح الرجعة إليه إلا بالقول، والملك لما حصل بالفعل جاز أن يصح الرد إليه بالفعل.
مسألة: قال المزني: وهذا عندي دليل على أنه إذا قال لامرأتين له: إحداكما طالق، فكان له الخيار، فإن وطئ إحداهما أشبه أن يكون قد اختارها، وقد طلقت الأخرى.
كما جعل الوطء اختياراً لفسخ البيع".

قال في الحاوي: ولهذه المسألة حالتان: إحداهما: أن يقول لإحدى زوجتيه: إحداكما طالق أو لأمتيه: إحداكما حرة، ويعين وقوع الطلاق في إحدى زوجتيه والعتق في إحدى أمتيه: فإن كان كذلك لم يكن وطء إحداهما بياناً لوقوع الطلاق والعتق لغير الموطوءة، لأنه قد وقع معيناً باللفظ قبل الوطء.
والثانية: أن يكون قد أبهم الطلاق في زوجتيه والعتق في أمتيه من غير أن يكون قد عينه في واحدة منهما، ففيه وجهان: أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي: الوطء يكون اختياراً لإمساك الموطوءة وطلاق الأخرى إن كانت زوجته، وعتقها إن كانت أمة، كما ذكره المزني.
والثاني: وهو قول أبي سعيد الإصطخري: إن الوطء لا يكون بياناً في الموضوع وإن كان بياناً في فسخ البيع.
والفرق بينهما: أن الطلاق والعتق إزالة للملك، وإزالة الأملاك لا تقع إلا بالقول دون الفعل.
وفسخ البيع استرجاع للملك، والأملاك قد تحصل بالقول والفعل والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "فإن مات أحدهما قبل أن يتفرقا فالخيار لوارثه".
قال في الحاوي: ذكر الشافعي في هذا الموضع من كتاب البيوع أن خيار المجلس لا يبطل بالموت ويكون موروثاً.
وقال في كتاب المكاتب: إن مات المكاتب وقد باع أو اشترى قبل أن يتفرقا، فقد وجب البيع.
زاد أبو حامد في جامعه: ولم يكن للسيد الخيار.
فظاهر قوله: فقد وجب البيع: يوجب قطع الخيار بالموت وأن لا يكون موروثاً لسيده، وقد صرح به أبو حامد في الزيادة التي ذكرها.
واختلف أصحابنا في اختلاف نصه في هذين الموضعين على ثلاثة مذاهب: أحدها: وهو مذهب أبي إسحاق المروزي: أن المسألة على قولين في الموضعين: أحدهما: أن الموت يقطع خيار المجلس في بيع الحر والمكاتب، ولا ينتقل إلى وارث الحر ولا إلى سيد المكاتب، لأنه لما انقطع الخيار بمفارقة الأبدان، فأولى أن ينقطع بالموت المفرق بين الأرواح والأبدان.
والثاني: أن الخيار لا ينقطع بالموت، وينتقل إلى وارث الحر وسيد المكاتب- وهو أصح القولين- لأن الخيار قد ثبت في المجلس بالعقد وفي الثلاث بالشرط، فلما لم ينقطع خيار الثلاث بالموت وكان موروثاً، وجب أن لا ينقطع خيار المجلس بالموت ويكون موروثاً.
ولأنه لما لم ينقطع خيار المجلس بالتفرق على وجه الإكراه، كان أولى أن لا يبطل بالموت، لأنه أكثر إكراهاً.
والمذهب الثاني من مذاهب أصحابنا: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة: أن المسألة على قول واحد في الموضعين، وأن الخيار لا ينقطع بالموت، لما ذكرنا، ويكون منتقلاً إلى وارث الحر وسيد المكاتب.
وقوله في

المكاتب: فقد وجب البيع: قصد به الرد على من زعم أن المكاتب إذا مات في مدة الخيار بطل البيع، لأنه يموت عبداً.
والمذهب الثالث: أن الجواب مختلف على اختلاف نصيه في الموضعين، فيكون الخيار متنقلاً عن الحر إلى وارثه، ولا ينقطع بموته.
ولا ينتقل عن المكاتب إلى سيده، وينقطع بموته.
والفرق بينهما: أن الحر ينتقل ماله إلى وارثه بالإرث وحدوث الموت، فقام في الخيار مقام مورثه، كما قام مقامه في غيره.
وليس كذلك المكاتب، لأنه ينتقل ماله إلى سيده بالملك المتقدم، لا بالإرث، فلما بطل خيار المكاتب بالموت لم ينتقل إلى سيده بحق الملك، كالوكيل إذا مات في مدة الخيار لم ينتقل الخيار إلى موكله، لأنه ينتقل إليه بحق الملك لا بالإرث.
فصل فإما إذا جن أحد المتبايعين في خيار المجلس، فالخيار ثابت لا ينقطع بما حدث من الجنون، لأن الحقوق لا تبطل بحدوثه، وسواء فارق المجنون المجلس أو قام فيه، لأن فعل المجنون لا حكم له، فلم ينقطع الخيار بفراقه.
وينتقل الخيار عنه إلى وليه، كما ينتقل خيار الميت إلى وارثه.
ويكون الخيار باقياً لولي المجنون ووارث الميت ما لم يعلما بالحال ولم يفارق العاقد الآخر المكان.
فإذا علم ولي المجنون ووارث الميت، فلهما الخيار في مجلسهما الذي علما فيه ما لم يفارقاه.
فإن فارقا المجلس الذي علما فيه، أو فارق العاقد الآخر المكان الذي عقد البيع فيه، فقد انقطع الخيار ولزم البيع.
فصل فأما خيار الثلاث، فلا يختلف مذهب الشافعي أنه موروث لا يبطل بالموت.
وقال أبو حنيفة: خيار الثلاث يبطل بالموت ولا يورث.
استدلالاً بأنه خيار يمنع من انتقال الملك، فوجب أن يبطل بالموت كخيار القبول.
قال: ولأن الخيار في المبيع ينفي موجب العقد من جواز التصرف فيه، كما أن الأجل في الثمن ينفي موجب العقد فمنع من جواز تصرف البائع فيه، ثم ثبت أن الأجل يبطل بالموت، فاقتضى أن يكون الخيار باطلاً بالموت.
وتحريره قياساً: أنه معنى ينفي موجب العقد، فوجب أن يبطل بالموت كالأجل.
قال: ولأن الخيار من حقوق العقد، لا من حقوق الملك، والورثة إنما يخلفون الميت في الملك لا في العقد، فوجب أن لا يكون لهم في الخيار حق.
ألا ترى أن الموكل لا يثبت له ما ثبت لوكيله من خيار الشرط، لأنه من حقوق العقد.
ويثبت له خيار العيب، لأنه من حقوق الملك.
ولأن هذا الخيار مستحق بالشرط، فوجب أن يكون مقصوراً على من شرط له، والوارث لم يشترط له الخيار، فوجب أن لا يستحقه.
ودليلنا: هو أنه خيار ثابت في بيع، فجاز أن يقوم الوارث فيه مقام مورثه كخيار العيب.

ولأنه معنى يسقط التكليف، فوجب أن لا يقطع الخيار المستحق كالجنون.
ولأن كل خيار لا ينقطع بالجنون لا ينقطع بالموت كخيار العيب.
ولأن الخيار من حقوق الملك لا من حقوق العقد، بدليل ثبوته بعد تقضي العقد، فوجب إذا انتقل الملك إلى الوارث أن ينتقل إليه بحقوقه كالرهن المشروط في حقه.
وفي هذا الاستدلال انفصال.
فأما الجواب عما ذكروه من قياسهم على خيار القبول: فهو أن المعنى في خيار القبول أنه لما بطل بالجنون، بطل بالموت، على أن من أصحابنا من يقول: لم يبطل بالموت، وإنما بطل بالتراخي ومن شروط صحته أن يكون على الفور، وهذا قول أبي القاسم الداركي.
حتى قال: لو كان الموت عقيب البذل، فقال الوارث في الحال: قد قبلت، صح العقد، إذا لم يقع التراخي بين بذل البائع وقبول الوارث.
وهذا قول يخالف الإجماع.
والجواب الأول: هو الصحيح.
وأما الجواب عن قياسهم على الأجل: فالمعنى فيه: أن الموت لما أتلف الذمة التي أثبت فيها الدين المؤجل، أبطل الأجل، لتلف محله، ولم يجز أن ينتقل الدين بأجله إلى ذمة الوارث، لأن صاحب الدين لم يرض بذمته.
وليس كذلك الخيار، لأنه مستحق في المبيع الموجود بعد الموت، كوجوده قبل الموت، فجاز أن لا يبطل بالموت، ألا ترى أن موت من له الدين لما لم يكن متلفاً للذمة التي يثبت فيها الأجل لم يكن موته مبطلاً للأجل.
وأما الجواب عن قولهم: لأنه مستحق بالشرط، فوجب أن يكون مقصوراً على من له الشرط: فهو أنه باطل بالصفة المشروطة في المبيع، وهو أن يبتاع عبداً على أنه صانع فيوجد غير صانع فللوارث الخيار في فسخ البيع، لعدم الصفة المستحقة بالشرط وإن كان الشرط لغيره، على أن الخيار حق عليه فلم يصح إعراضه في اختلاف مستحقيه كالدين.
فصل فإذا ثبت أن خيار الثلاث موروث.
فإن كان الوارث واحداً، كان بالخيار في مدة الخيار بين إمضاء البيع في المبيع كله أو فسخ جميعه.
وإن كانوا جماعة: فإذا اتفقوا على إمساك المبيه كله أو رد جميعه، فذاك لهم.
وإن أراد بعضهم الرد وبعضهم الإمساك؟ فمذهب الشافعي: أنه ليس لهم ذلك، وقيل لمن أراد الرد: لا حق لك في الرد إلا أن يرد الباقون معك، لأن الصفقة واحدة، فلم يجز تبعيضها على البائع.
وفيه وجه آخر أنه يجوز لكل واحد من الورثة أن ينفرد برد حصته دون شركائه، لأنه يرد جميع ما استحقه بالعقد، فصار في حكم المشترين صفقة.
هذا كله إذا كان الميت هو المشتري.
أما إن كان الميت هو البائع، فلكل واحد من ورثته أن ينفرد، فيفسخ البيع في حصته، لا يختلف فيه المذهب بخلاف ورثة المشتري، وإنما كان كذلك، لأنه إذا فسخ بعض ورثة البائع في حصته، ثبت للمشتري خيار الفسخ في الباقي، لتبعيض الصفقة، فأمكنه دفع الضرر عن نفسه.
وليس كذلك إذا مات المشتري فأمسك بعض ورثته ورد بعضهم، لأن البائع لا يثبت له بذلك خيار يمكنه أن يدفع به الضرر عن نفسه.

فصل إذا مات أحد المتعاقدين في مدة خيار الثلاث، فلم يعلم الوارث حتى مضت الثلاث، سقط الخيار ولزم البيع، لأن تحديد الخيار بالثلاث يمنع من ثبوته بعد الثلاث.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وإن كانت بهيمة فنتجت قبل التفرق ثم تفرقا، فولدها للمشتري، لأن العقد وقع وهو حمل".
قال في الحاوي: وهذه المسألة مبنية على أصلين: أحدهما: ملك المبيع بماذا ينتقل إلى المشتري؟ وفيه ثلاثة أقاويل مضت.
والثاني: في الحمل، هل يأخذ قسطاً من الثمن أو يكون تبعاً؟ على قولين: أحدهما: يكون تبعاً، ولا يأخذ من الثمن قسطاً كالسمن والأعضاء، لأنه لو أعتق الأم سرى العتق إلى حملها كسرايته إلى أعضائها التابعة لها.
والثاني: يأخذ قسطاً من الثمن كاللبن، لأنه لو أعتق الحمل لم يسر العتق إلى أمه، ولو كان تبعاً لها كأعضائها لسرى عتقه إليها كما يسري عتق أعضائها إليها.
فإذا ثبت هذان الأصلان: فصورة مسألة الكتاب في رجل ابتاع بهيمة حاملاً، فوضعت بعد العقد وقبل الافتراق.
فإن قلنا: إنه يأخذ قسطاً من الثمن، صار العقد كأنه قد تناولهما معا.
فإن تم البيع كان الولد للمشتري مع الأم.
وإن انفسخ البيع كان الولد للبائع.
وهذا على الأقاويل كلها- ويكون الولد مضموناً على البائع، حتى يسلمه، ومضموناً على المشتري إذا تسلمه.
وإن قلنا: إن الحمل تبع: فلا يخلو حال البيع من أن يتم، أو ينفسخ: فإن تم البيع، فحكم الولد مبني على الأقاويل الثلاثة في انتقال الملك.
فإن قلنا: إن الملك ينتقل بنفس العقد، أو قلنا: إنه مراع، فالولد للمشتري، لحدوثه في ملكه.
وهل يكون مضموناً على البائع، حتى يسلمه؟ على وجهين مخرجين من اختلاف قوله في نماء الصداق.
هل يكون مضموناً على الزوج أم لا؟ وإن قلنا: إن الملك لا ينتقل إلا بالعقد وقطع الخيار، ففي الولد وجهان مبنيان على اختلاف أصحابنا في خيار المجلس، هل يجري مجرى خيار العيب أو مجرى خيار القبول؟ على وجهين: أحدهما: أنه يكون للمشتري، وهذا إذا قيل: إنه يجري مجرى خيار العيب.
فعلى هذا هل يكون مضموناً على البائع إذا كانت الولادة قبل التسليم؟ على وجهين: والثاني: أنه يكون للباع، وهذا إذا قيل: إنه يجري مجرى خيار القبول.
فعلى هذا لو كانت الولادة بعد التسليم، لزم المشتري رده، ولم يكن مضموناً عليه إلا بالتعدي وجهاً واحداً، لأن المشتري يضمن المبيع في حق نفسه، فلم يلزمه ضمان النماء في حق غيره، ولما كان البائع يضمن المبيع في حق غيره، جاز أن يلزمه ضمان النماء في حق غيره.

فصل وإن انفسخ البيع بينهما.
فإن قلنا: إن المشتري لا يملك إلا بالعقد وقطع الخيار، أو قلنا: إنه موقوف مراعى، فالولد للبائع، وهو أمانة في يد المشتري لا يضمنه إلا بالتعدي.
وإن قلنا: إن المشتري قد ملك بنفس العقد فعلى وجهين: أحدهما: أن الولد للبائع إذا قيل: إن هذا الخيار مجرى خيار القبول، ويكون أمانة في يد المشتري.
والثاني: الولد للمشتري إذا قيل: إن هذا الخيار يجري مجرى خيار العيب.
وهل يكون على البائع ضمانه أم لا؟ على وجهين: وكذا الحكم في كل نماء حدث بعد العقد وقبل قطع الخيار من ثمرة، وكسب، كالولد سواء والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وكذلك كل خيار بشرط جائز في أصل العقد".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، ويريد به أن جميع ما تقدم من المسائل في عتق المشتري، وعتق البائع، ووطء المشتري، ووطء البائع، ونتاج البهيمة، إذا حدث في خيار الثلاث، فحكمها على ما مضى في خيار المجلس سواء.
وانتقال الملك في خيار الثلاث كانتقاله في خيار المجلس على ثلاثة أقاويل.
نحن نوضح معانيها بالتفريع عليها، فمن ذلك: أن يشتري أمة، فتحيض بعد العقد وقبل تقضي الخيار فإن قلنا: إن المشتري لا يملك إلا بالعقد وتقضي الخيار، لم تعتد بهذه الحيضة عن الاستبراء.
وإن قلنا: إنه قد ملك بالعقد أو إنه موقوف مراعى، فعلى وجهين: أحدهما: تعتد بهذه الحيضة عن الاستبراء، لحدوثها في ملكه.
والوجه الثاني: وهو ظاهر نصه في كتاب الاستبراء: أنه لا تعتد بهذه الحيضة عن الاستبراء، لأن الفرج في زمان الخيار محظور عليه، وينبغي أن يقع الاستبراء في زمان الإباحة.
وكذا لو ولدت في زمان الخيار من زنا، كان وقوع الاستبراء به كالحيض سواء.
فصل وإذا اشترى الرجل زوجته الأمة، ففي جواز وطئها في مدة الخيار وجهان: أحدهما: يجوز له وطؤها، لأنها لا تخلو من أن تكون أمته أو زوجته، وأيهما كانت، حل له وطؤها.
والوجه الثاني: وهو ظاهر نص الشافعي: لا يجوز له وطؤها، قال الشافعي: لأنه لا يدري أيطأ بالملك أم بالزوجية؟ فإن تم البيع بينهما، بطل نكاحها، وصارت أمة

يجوز له وطؤها، وهل عليه أن يستبرئها قبل وطئه أم لا؟ على وجهين مبنيين على الوجهين، هل حرم عليه وطؤها بعد العقد وقبل مضي الخيار أم لا؟ فإن قيل: قد حرم عليه وطؤها، وجب عليه الاستبراء، لحدوث الملك.
وإن قيل: لا يحرم عليه وطؤها، لم يجب عليه الاستبراء.
وإن انفسخ البيع بينهما: فإن قيل: إنه لا يملك إلا بالعقد وتقضي الخيار، أو أنه موقوف مراعى، فالنكاح بحاله، وهما على الزوجية.
وإن قيل: إنه قد ملك بنفس العقد، ففي فسخ النكاح وجهان: أحدهما: ينفسخ لوقوع ملكه.
والثاني: وهو ظاهر مذهبه: أن النكاح بحاله لا ينفسخ، لأن ملكه وإن تم فهو ملك غير مستقر.
فصل إذا اشترى الرجل زوجته الأمة، ثم طلقها ثلاثاً في مدة الخيار؟ فإن تم البيع بينهما، لم يقع الطلاق، إن قيل: إنه قد ملك بنفس العقد، أو هو موقوف، وإن قيل: لا يملك إلا بالعقد وتقضي الخيار، ففي وقوع الطلاق وجهان: أحدهما: لا يقع، لما ذكرنا، ويحل له وطؤها.
والثاني: قد وقع، ولا يحل له وطؤها إلا بعد زوج.
وإن انفسخ البيع بينهما، وقع الطلاق، إن قيل: إنه لا يملك إلا بالعقد وتقضي الخيار، أو هو موقوف مراعى.
وإن قيل: إنه قد ملك بنفس العقد، ففي وقوع الطلاق وجهان والله أعلم.
فصل وإذا اشترى زوجته الأمة، وكان قد طلقها قبل العقد فراجعها في مدة الخيار: فإن تم البيع، لم يكن للرجعة تأثير، لأن النكاح قد انفسخ.
وإن انفسخ البيع بينهما، صحت الرجعة، إن قيل: إنه لا يملك إلا بالعقد وتقضي الخيار، أو هو موقوف مراعى.
فإن قيل قد ملك بنفس العقد، ففى صحة الرجعة وجهان.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ولا بأس بنقد الثمن في بيع الخيار".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: يجوز للمشتري أن يدفع الثمن في مدة الخيار إلى البائع، وللبائع أن يدفع المبيع فيها إلى المشتري.
وكره مالك دفع الثمن في مدة الخيار، ولم يكره دفع المبيع، لأن بالمشتري حاجة إلى تقليب المبيع ونظر عينيه.
وهذا خطأ، لأن تسليم الثمن وقبض المبيع من موجب العقد، وما أوجبه العقد لم يمنع منه بعد العقد.
وإذا صح جواز ذلك، وقبض المشتري المبيع، لم يكن ذلك قطعاً لخيار البائع، ولا يكون قبض البائع قطعاً لخيار المشتري.
ويمنع البائع من التصرف في الثمن، والمشتري في التصرف في المبيع حتى تنقضي مدة الخيار، لأن الخيار يوقع حجراً في التصرف.
فإن تم البيع، استقر وجاز التصرف.
وإن انفسخ البيع، استرجع المشتري الثمن من البائع، واسترجع البائع المبيع من المشتري.

فلو قال المشتري: لست أرد المبيع إلا بعد استرجاع الثمن، وقال البائع: لست أرد الثمن إلا بعد استرجاع المبيع، لم يكن لواحد منهما حبس شيء مما بيده، ووجب لمن بدأ بالمطالبة أن يسترجع ما بيد صاحبه ثم يرد عليه ما بيده.
والفرق بين هذا، حيث لم يكن لواحد منهما حبس ما بيده على استرجاع ما بيد صاحبه، وبين أن يتمانعا القبض مع صحة العقد، فيقول البائع: لا أسلم المبيع إلا بعد قبض الثمن، ويقول المشتري: لا أدفع الثمن إلا بعد قبض المبيع، فيكون لكل واحد منهما حبس ما بيده على قبض ما بيد صاحبه.
إن فسخ البيع قد رفع حكم العقد، فكان التسليم لأجل اليد، لا بالعقد، واليد توجب الرد، وليس كذلك إذا تمانعا مع بقاء العقد، لأن التسليم مستحق بالعقد، والعقد وإن أوجب عليه تسليم ما بيده، فقد أوجب له قبض ما في مقابلته، فجاز أن يكون أحدهما محبوساً على قبض الأخر له كما في الموجبين.
فصل فلو تلف المبيع في يد المشتري قبل رده على البائع، فعلى ضربين: أحدهما: أن يكون تلفه قبل الفسخ.
والثاني: أن يكون بعد الفسخ.
فإن كان تلفه قبل الفسخ في مدة الخيار، فلا يخلو حال الخيار من أحد أمرين: إما أن يكون خيار المجلس، أو خيار الشرط.
وإن كان خيار المجلس، فهو مضمون على المشتري بالقيمة دون الثمن على الأقاويل كلها، لا يختلف فيه المذهب، وسواء كان مما له مثل كالحنطة والشعير، أو مما لا مثل له كالثياب والعبيد، لأن ما له مثل، إنما يضمن بالمثل دون القيمة إذا لم يكن مضموناً على وجه المعاوضة كالغصب، فأما إذا كان مضموناً على وجه المعاوضة كالمقبوض للسوم أو بعقد بيع فاسد، أو مفسوخ، فإنه يضمن بالقيمة دون المثل.
وإن كان خيار شرط نظر.
فإن كان الخيار لهما أو للبائع وحده، فهو مضمون على المشتري بالقيمة دون الثمن، لا يختلف.
وإن كان الخيار للمشتري وحده دون البائع، فإن قيل: لا يملك إلا بالعقد وتقضي الخيار، أو هو موقوف مراع، فهو ضامن له بالقيمة دون الثمن.
وإن قيل: إنه قد ملك بنفس العقد، فعلى وجهين: أحدهما: - وهو ظاهر نصه في البيوع- أنه ضامن له بالقيمة دون الثمن، لأن البيع لم يتم.
والثاني: -وقد أشار إليه في كتاب الصداق.
أنه ضامن له بالثمن المسمى دون القيمة، لأن ثبوت الخيار له وحده يجري مجرى خيار العيب، وإذا تلف المبيع، وقد ثبت فيه خيار العيب كان مضموناً بالثمن دون القيمة، فكذلك في خيار الشرط.
فأما إذا كان تلفه في يد المشتري بعد الفسخ، فلا يضمنه بالثمن، لا يختلف، لاستقرار الفسخ، وإنما يضمنه بالقيمة.
فإن تلف قبل الطلب، كان المشتري ضامناً للقيمة سواء كان مما له مثل أم لا، لأنه مقبوض على وجه المعاوضة.
وإن تلف بعد طلب البائع وبيع المشتري: فإن كان مما لا مثل له، ضمنه بالقيمة في أكثر الأمرين.

وإن كان مما له مثل، فعلى وجهين: أحدهما: يضمنه بالقيمة أيضاً؛ لأنه مقبوض على وجه المعاوضة.
والثاني: يضمنه بالمثل، لأنه لما منع من الرد بعد الفسخ والطلب، صار غاصباً، وخرج عن أن يكون معاوضاً.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ولا يجوز شرط خيار أكثر من ثلاث ولولا الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الخيار ثلاثة أيام في المصراة ولحبان بن منقذ فيما اشترى ثلاثاً لما جاز بعد التفرق ساعة ولا يكون للبائع الانتفاع بالثمن ولا للمشتري الانتفاع بالجارية فلما أجازه النبي - صلى الله عليه وسلم - على ما وصفناه ثلاثاً اتبعناه ولم نجاوزه وذلك أن أمره يشبه أن يكون ثلاثاً حداً".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، خيار الشرط، لا يجوز أكثر من ثلاث، وبه قال أبو حنيفة.
وقال أحمد وإسحاق: خيار الشرط يجوز مؤبداً من غير تحديد بمدة معلومة.
وقال ابن أبي ليلى، وأبو يوسف، ومحمد، وأبو ثور: يجوز مؤبداً إذا كان محدوداً بمدة معلومة.
وقال مالك: يجوز من خيار الشرط في المبيعات على قدرها وبحسب ما تدعو إليه الحاجة في تعرف أحوالها، فما أمكن تعرف حاله في يوم، لم يجز أن يشترط فيه ثلاثاً، وما لم يمكن تعرف حاله إلا في شهر، جاز أن يشترط فيه شهراً واستدلوا على جواز اشتراط الخيار فوق ثلاث: بما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "المسلمون على شروطهم".
ولأنه خيار معلوم، فوجب أن يثبت في البيع، أصله خيار الثلاث؛ ولأنه شرط ملحق بالبيع يجوز ثلاثاً فوجب أن يجوز أكثر من ثلاث كالأجل؛ ولأن الخيار ضربان: خيار مجلس، وخيار شرط.
فلما جاز أن يمتد خيار المجلس فوق ثلاث، جاز أن يكون الشرط فوق ثلاث.
ودليلنا: رواية أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن بيع الغرر" فاجيز بالدلالة خيار الثلاث، وبقي ما سواه على حكم المنع.
وروى الشافعي عن سفيان عن ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر: أن حبان بن منقذ كان شج في رأسه مأمومة، فثقل لساناً، وكان يخدع في البيع، فجعل له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يبايع من شيء فهو بالخيار ثلاثاً، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "قل لا خلابة" قال ابن عمر رضي الله عنه سمعته يقول: "لا جذابة".
قال الشافعي: وينبغي للمسلمين أن لا يخلبوا، والخلابة: الخديعة.
وجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في المصراة الخيار ثلاثاً: فكانت الدلالة في ذلك من وجهين:

أحدهما: أن حبان كان أحوج الناس إلى الزيادة في الخيار لمكانه من ضعف النظر وحاجته إلى استدراك الخديعة، فلما لم يزد بالشرط على الثلاث دل على أنها غاية الحد في العقد.
والثاني: أنه حده بالثلاث، والحد يفيد المنع إما من المجاوزة أو من النقصان، فلما جاز النقصان من الثلاث، علم أنه حد للمنع من مجاوزة الثلاث.
ولأن الخيار يمنع من التصرف وموجب العقد جواز التصرف، والشرط إذا كان منافياً لموجب العقد أبطله، كما لو باعه بشرط أن لا يتصرف فيه ببيع ولا غيره.
وتحرير ذلك قياساً: أنه معنى يمنع مقصود العقد، فوجب أن يفسد به العقد مع استغنائه عنه، أصله إذا باعه بشرط أن لا يبيعه، ولا يدخل عليه خيار الثلاث لأنه لا يستغنى عنه.
ولأن الخيار غرر والعقد يمنع من كثير الغرر ولا يمنع من قليله كعقد الرؤية لما كان غرراً جوز في توابع البيع ولم يجوز في جميعه، والثلاث في حد القلة، وما زاد عليها في حد الكثرة بدليل قوله تعالى في قصة ثمود ﴿فَيَاخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ [هود:64] ثم بين القريب فقال تعالى: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود:65] فثبت أن الثلاث في حد القلة، فجاز اشتراط الخيار بها في العقد لقلة غررها، ولم يجز فيما زاد عليها لكثرة غررها.
فأما الجواب عن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "المسلمون على شروطهم" فقد استثنى منه "إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً".
وأما الجواب عن قياسهم على خيار الثلاث فالمعنى فيها قلة الغرر بها على أن الثلاث رخصة مستثناة من جملة محظورة، فلم يجز القياس عليها.
وأما الجواب عن قياسهم على الأجل: فالمعنى فيه أن تأجيل الثمن لا يمنع مقصود العقد، لأن مقصوده طلب الفضل فيه بتوفير الثمن، وهذا موجود في زيادة الأجل، وليس كذلك الخيار، لأنه يمنع مقصود العقد من جواز التصرف في الثمن والمثمن.
وأما الجواب عن استدلالاهم بخيار المجلس فالمعنى فيه أنه من موجبات العقد، فجازت فيه الجهالة، وخيار الثلاث من موجبات الشرط فلم تجز فيه الجهالة، كالقبض إذا كان مستحقاً بالعقد جاز أن يكون مجهول الوقت، وإذا كان مستحقاً بالشرط لم يجز أن يكون مجهول الوقت.
فصل فإذا تقرر أن خيار ما زاد على الثلاث لا يصح.
فمتى عقد البيع بشرط خيار يزيد على الثلاث أو خيار مجهول، كان البيع فاسداً، سواء أبطلا الزيادة على الثلاث في مدة الثلاث أم لا.
وقال أبو حنيفة: إن اتفقا على إبطال ما زاد على الثلاث قبل تقضي الثلاث، صح البيع.
وإن لم يبطلاه حتى مضت الثلاث، فد حينئذ البيع.
استدلالاً بأن الشرط في مدة الخيار بعد العقد في حكم الشرط حال العقد، ألا ترى أنهما لو زادا في الثمن أو نقصا منه في مدة الخيار، أو زادا في الأجل أو نقصا منه، لزم ما اشترطاه من الزيادة والنقصان بعد العقد، كما يلزم لو شرطاه حال العقد، فلما ثبت أنهما لو شرطا حال

العقد إبطال ما زاد على الثلاث، صح العقد، وجب إذا اشترطا بعد العقد إبطال ما زاد على الثلاث أن يصح العقد.
ودليلنا: نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الغرر والنهي يقتضي فساد المنهي عنه؛ ولأنه عقد فاسد، فوجب أن لا يلحقه الصحة قياساً.
على بيع الدرهم بالدرهمين؛ ولأنه عقد شرط فيه خيار فاسد، فوجب أن يفسده، أصله: إذا لم يبطلاه حتى مضت الثلاث؛ ولأن كلما أبطل العقد إذا لم يتفقا على تصحيحه بعد العقد، أبطله وإن اتفقا على تصحيحه بعد العقد كالثمن المجهول.
ولأنه شرط ينافي صحة العقد، فوجب أن يبطل به العقد كالأجل المجهول.
ولأن الخيار في مقابلة جزء من الثمن، ألا ترى أن الثمن في العرف يزيد بزيادته وينقص بنقصانه، فإذا بطل خيار ما زاد على الثلاث، سقط من الثمن ما قابله، فصار باقي الثمن مجهولاً، والبيع يبطل بالثمن المجهول فكذلك بما أوجبه من الخيار الفاسد.
فإن قيل: هذا الاستدلال يفسد بخيار الثلاث إذا شرطا إسقاطه بعد العقد، لأنه قد أسقط من الثمن ما قابله، فأفضى إلى جهالة في باقية ولم يفسد البيع: قيل: هذا لا يلزم، لأن الجهالة صارت في الثمن لمعنى حادث بعد العقد، فلم يقدح في صحة العقد، وهناك لمعنى قارن العقد، فقدح في صحة العقد، ألا ترى أنه إذا وجد بالمبيع عيباً فأخذ أرشه صار الثمن مجهولاً ولم يفسد العقد، لأنه لمعنى حادث بعد العقد، ولو قال: قد بعتكه بمائة درهم إلا أرش عيبه فسد العقد، لأنها جهالة بمعنى قارن العقد.
فأما الجواب عن استدلاله بعد فساده بالأجل المجهول: فهو أن العقد إذا زيد في ثمنه أو نقص منه فقد كان وقع صحيحاً وفي هذا الموضع وقع فاسداً، فلم يصح بعد فساده.
فصل فإذا ثبت أن خيار الثلاث جائز، فإن الزيادة على الثلاث فاسدة، والبيع معها فاسد.
فلا بأس باشتراط الثلاث للبائع والمشتري، فلا يجوز للبائع التصرف فيما قبضه من الثمن، لثبوت الخيار للمشتري، ولا يجوز للمشتري التصرف فيما قبضه من المبيع، لثبوت الخيار للبائع.
ويجوز أن يكون خيار الثلاث مشروطاً للبائع دون المشتري، فلا يتصرف المشتري في المبيع، لثبوت الخيار، ويجوز للبائع أن يتصرف في الثمن، لأنه لا خيار عليه للمشتري، ويكون تصرفه في الثمن اختياراً للإمضاء.
ويجوز أن يكون خيار الثلاث مشروطاً للمشتري دون البائع، فلا يتصرف البائع في الثمن، لثبوت الخيار للمشتري، ويجوز للمشتري أن يتصرف في المبيع، لأنه لا خيار عليه للبائع وهل يكون تصرفه في المبيع اختياراً للامضاء؟.
على وجهين ذكرناهما في وقته، وفرقنا بين تصرف البائع وتصرف المشتري بما مضى.
فصل وإذا جاز اشتراط خيار الثلاث، جاز اشتراط خيار ما دون الثلاث، فيجوز أن

يشترطا خيار يوم، ويجوز أن يشترطا خيار يومين، ويجوز أن يشترط أحدهما خيار يوم والآخر خيار يومين، أو أحدهما خيار ثلاث والآخر خيار يوم.
فلو تبايعا بغير خيار، فقبل افتراقهما شرطاً في العقد خيار يوم، ثبت لهما خيار اليوم، فلو افترقا ثم اجتمعا قبل تقضيه، فزادا في الخيار يوماً آخر، ثبت الخيار في اليوم الثاني، فإن اجتمعا في اليوم الثاني، فزاد فيه يوما ثالثاً، ثبت الخيار لهما فيه، فإن اجتمعا قبل تقضي الثالث، فزاد فيه يوماً رابعاً، بطل البيع، لأنهما لو شرطا ذلك في العقد، بطل، فكذلك إذا ألحقاه بالعقد في مدة الخيار يجب أن يبطل.
فلو أنهما أسقطا اليوم الرابع، لم يصح العقد، لفساد باشتراطه.
فصل وإذا تبايعا نهاراً وشرطا الخيار إلى الليل، ينقضي الخيار بغروب الشمس.
ولو تبايعا ليلاً بشرط الخيار إلى طلوع الفجر، يقضي الخيار بطلوع الفجر، ولا تكون الغاية داخلة في شرط الخيار.
وقال أبو حنيفة: تدخل الغاية في شرط الخيار، فإذا شرطا في بيع النهار الخيار إلى الليل، دخل الليل في الخيار.
وإذا تبايعا ليلاً بشرط الخيار إلى النهار، دخل النهار في الخيار.
ودليلنا: هو أن أهل اللغة مجمعون على أن "من" لابتداء الغاية و"إلى" لانتهاء الغاية، ألا ترى أنهم لو قالوا: سافرت من البصرة إلى الكوفة: دلوا بذلك على أن البصرة ابتداء سفرهم والكوفة غاية سفرهم، فاقتضى أن تكون الغاية خارجة من الحكم، لأنها حد، والحد لا يدخل في المحدود، فعلى هذا لو قال: له علي من درهم إلى عشرة كان مقراً بتسعة، لأن العاشر غاية.
ولو قال لزوجته: أنت طالق من واحدة إلى ثلاث، طلقت طلقتين، لأنه جعل الثالثة غاية.
فصل فإذا اجتمع في العقد خياران: خيار شرع، وخيار شرط.
فخيار الشرع، مقدر باجتماع الأبدان، وخيار الشرط، مقدر بما شرطا من الزمان.
فلو كان خيار الشرط ثلاثاً، فلأصحابنا في ابتدائها وجهان: أحدهما: وهو قول جمهور أصحابنا: أن ابتداءها من بعد انقطاع خيار المجلس، إما بالتفرق أو التخاير، ولا يدخل أحد الخيارين في الآخر، لأن خيار المجلس مستفاد بالشرع وخيار الثلاث مستفاد بالشرط، وإذا كان موجبهما مختلفاً، تميزا ولم يتداخلا.
والثاني: وهو محكي عن أبي إسحاق المروزي: أن ابتداء خيار الثلاث من وقت العقد، ويكون خيار المجلس داخلاً فيه، لأنه لو اعتبر ابتداؤه من بعد خيار المجلس، لأفضى إلى الجهالة في ابتدائه وانتهائه بجهالة خيار المجلس، وإذا كان خيار الشرط مجهولاً، لم يجز، فاعتبر ابتداؤه من حين العقد فيكون معلوماً، فيجوز.
فعلى هذا إن تفرقا قبل مضي الثلاث ثبت خيار الثلاث، ولم يكن لخيار المجلس تأثير، وإن لم يتفرقا حتى مضت الثلاث، ثبت خيار المجلس، ولم يكن لخيار الثلاث تأثير.

فصل فإذا كان زمان الخيار باقياً، فلكل واحد من المتعاقدين فسخ العقد من غير حضور صاحبه، وبه قال مالك واليه رجع أبو يوسف.
وقال أبو حنيفة ومحمد: لا يجوز لواحد منهما فسخ البيع إلا بحضور صاحبه استدلالاً بأنه فسخ عقد، فلم يصح إلا بحضور من يجب عليه الرد كالإقالة.
ولأن الفسخ يوجب انتقال الملك، كما أن العقد يوجب انتقال الملك، فلما كان العقد لا يصح إلا بهما، وجب أن يكون الفسخ لا يصح إلا بحضورهما.
ودليلنا: ما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعل لحبان الخيار ثلاثاً وقال: "قل: لا خلابة في الإسلام" ولم يشترط في خياره حضور صاحبه، فدل على استواء حكمه.
ولأنه اختيار فسخ البيع في مدة خياره، فوجب أن ينفسخ، أصله إذا كان بحضور صاحبه.
ولأنه معنى يقطع الخيار، فوجب إذا لم يكن من شرطه رضا المتعاقدين أن لا يفتقر إلى حضورهما.
أصله إجازة البيع.
ولأن كلما كان فسخاً بحضور المتعاقدين، كان فسخاً بغيبة أحدهما كوطء الباءع وقبلته للجارية المبيعة.
ولأن كل من لم يفتقر رفع العقد إلى رضاه، لم يفتقر إلى حضوره، كالزوج في طلاق امرأته طرداً والإقالة عكساً.
وفيه انفصال عن الاستدلالين: لأنه لما افتقر العقد والإقالة إلى رضاهما، افتقر إلى حضورهما، ولما لم يفتقر الفسخ إلى رضاهما، لم يفتقر إلى حضورهما.
فصل إذا وكل رجل رجلاً في بيع شيء أو ابتياع شيء، فهل يجوز للرجل أن يشترط في عقد البيع خيار الثلاث من غير إذن الموكل أم لا؟ على وجهين: أحدهما: لا يجوز أن يتشرط خيار الثلاث إلا بإذن من الموكل صريح، لأن الخيار لا يتناوله العقد إلا بشرط، فلم تتضمنه الوكالة إلا بإذن كالأجل.
والوجه الثاني: يجوز له اشتراط خيار الثلاث من غير إذن الموكل، لأن الخيار زيادة نظر وطلب حظ بخلاف الأجل.
وإذا كان كذلك، وشرط الوكيل في عقد البيع خيار الثلاث، فهو ثابت للوكيل والموكل، أما الوكيل، فلأجل عقده، وأما الموكل، فلحق ملكه.
وإذا كان الخيار لهما، فأيهما سبق صاحبه إلى قطع الخيار بفسخ أو إجازة، صح، لأن كل واحد منهما قائم مقام صاحبه، فإن سبق الوكيل إلى ذلك ولم يرض به الموكل لزمه، وكذا لو سبق الموكل من غير علم الوكيل صح.
والله أعلم.
فصل إذا باع سلعة على أن يكون خيار الثلاث فيها لزيد.
قال الشافعي في كتاب الصرف: جاز، وكان الخيار لزيد، ولم يكن للبائع فيه خيار، ومنع منه في موضع أخر.
فاختلف أصحابنا في هذا الشرط على ثلاثة مذاهب: أحدها: حمل الجواب على ظاهر نصه الأول، ويصح الشرط، ويكون الخيار لزيد المسمى دون البائع، لأن العقد يمنع اشتراط الخيار، ومستحق الخيار موقوف على قول من شرط الخيار.

والثاني: أن هذا الشرط فاسد، ولا يجوز أن يستحق الخيار في البيع إلا من عقده أو عقد له، وليس زيد المسمى في استحقاق الخيار له عاقداً ولا معقوداً له، فلم يجز أن يثبت له في العقد خيار.
والثالث: إن جعل الخيار لزيد على طريق التوكيل له في النظر عن البائع، صح، وثبت الخيار لزيد المسمى وللبائع معاً، وكان زيد وكيلاً للبائع، فأيهما اختار الفسخ أو الإمضاء لزم: الوكيل أو الموكل.
فإن جعل له الخيار ملكا له دون البائع، أو أطلق الشرط، لم يجز وكان باطلاً.
وتعليل هذا المذهب مشترك من تعليل المذهبين الأولين وهو أظهر المذاهب الثلاثة ولأنه لا يجوز أن يثبت الخيار لوكيله دونه.
فإذا قيل: بصحة هذا الشرط على التفصيل المذكور، صح البيع وثبت فيه الشرط.
فإذا قيل: بفساد هذا الشرط، فالصحيح أن البيع يفسد بفساده، ويكون العقد بهذا الشرط باطلاً لمنافاته.
وفيه وجه آخر محكي عن أبي العباس بن سريج: أن الشرط فاسد والبيع صحيح.
وفيما يتناوله الفساد من الشرط وجهان: أحدهما: جملة الخيار، فيصير البيع لازماً ولا خيار فيه.
والثاني: أن الفساد إنما توجه إلى اشتراط الخيار لزيد المسمى، ويكون الخيار ثابتاً للبائع.
والله أعلم.
فصل فإذا قال: بعتك هذه السلعة على استئمار زيد: قال الشافعي في كتاب الصرف: لم يكن له الرد إلا أن يقول قد استأمرت زيداً فأذن لي في الرد.
فاختلف أصحابنا في ذلك على وجهين: أحدهما: أن هذا الشرط لازم.
والجواب فيه على ظاهره وليس له أن يرد إلا بعد استئمار زيد وإذنه لأجل شرطه.
الثاني: وهو قول أبي إسحاق وكافة البصريين: أن هذا الشرط ليس بلازم، وله الرد في مدة الخيار، سواء استأمر زيداً أم لم يستأمره، لأن استحقاق الخيار يمنع من أن يكون ممنوعاً من الخيار.
فمن قال بهذا لهم عن جواب الشافعي: لم يكن له الرد إلا بعد استئماره، تأويلان: أحدهما: يريد به ليس له إذا رد أن يقول: قد أذن لي في الرد، إلا بعد استئماره لئلا يكون كذاباً، فكان هذا النهي منه عن الكذب لا عن الرد.
والثاني: أنه عنى الاحتياط إذا كان زيد أعرف، فيكون معنى قوله: لم يكن له الرد إلا بعد استئماره: أي لم يكن الحظ في الرد إلا بعد استئماره، وإن لم يكن ذلك مانعاً من استحقاق الرد والله أعلم بالصواب.

باب الربا وما لا يجوز بغضه ببغض متفاضلاً ولا مؤجلاً والصرف

سمعت المزني يقول: قال الشافعي: أخبرني عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي

[عن] أيوب عن محمد بن سيرين عن مسلم بن يسار ورجل آخر عن عبادة بن الصامت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق بالورق ولا البر بالبر ولا الشعير بالشعير ولا المر بالمر ولا الملح بالملح إلا سواء بسواء عيناً بعين يداً بيد ولكن بيعوا الذهب بالورق والورق بالذهب والبر بالشعير والشعير بالبر والتمر بالملح والملح بالتمر يداً بيد كيف شئمم" قال: ونقص أحدهما التمر والملح وزاد الآخر فمن زاد أو استزاد فقد أربى.
قال الشافعي: وهو موافق للأحاديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصرف وبه قلنا".
قال في الحاوي: الأصل في تحريم الربا بالكتاب والسنة ثم الإجماع.
فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَاكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:130]. معنى قوله: "أضعافاً" مضاعفاً، أي: أضعاف الحق الذي دفعتم، لأن أهل الجاهلية كان الواحد منهم إذا حل دينه قال لغريمه إما أن تعطى أو تربى، فإن أعطاه وإلا أضعف علمه الحق وأضعف له الأجل ثم يفعل كذلك إذا حل حتى يصير الحق أضعافاً مضاعفة، فحظر الله تعالى ذلك لما فيه من الفساد، ثم أكد الزجر عليه بقوله: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131)﴾ [آل عمران:131]؛ فأخبر أن نار أكل الربا كنار الكافر.
وقال سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ﴾ [البقرة:275]- يعنى لا يقومون يوم القيامة من قبورهم إلا كما يقوم الذي يتخطبه الشيطان في الدنيا من المس.
يعنى: الجنون.
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ وهذه الآية نزلت في ثقيف وذلك أنهم كانوا أكثر العرب ربا فلما نزل تحريم الربا قالوا: كيف يحرم الربا وإنما البيع مثل الربا، فرد الله تعالى عليهم قولهم وأبطل جمعهم.
ثم قال: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ يعنى القرآن ﴿فَانتَهَى﴾ ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ يعنى ما أكل من الربا.
وقال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (278)﴾ [البقرة:278] معنى ما لم يقبض من الربا إذا أسلموا عليه تركوه، وما قبضوه قبل الإسلام لم يلزمهم أن يردوه.
ثم توعد على ذلك لتوكيد الزجر فقال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة:279]، بأن تمنعوا ﴿رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ ثم قال تيسيراً على خلقه.
﴿وَإِنْ كَانَ﴾ - من قد أربيتموه- ﴿ذُو عُسْرَةٍ﴾ برأس المال ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:280] يعنى إلى وقت اليسار.
وهذه آخر آية نزلت من القرآن على ما روى سعيد بن المسب أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: آخر ما نزل من القرآن آية الربا فإن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قبض قبل أن يفسرها فدعوا الربا والربيبة.
وأما السنة فما روى عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آكل الربا ومؤكله وشاهده وكاتبه.

وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في خطبة الوداع: "ألا وإن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون.
فأول ربا أضعه ربا عمي العباس، ألا وإن كل دم من دم الجاهلية موضوع وأول دم أضعه دم الحارث بن عبد المطلب".
ثم قد اجمع المسلمون على تحريم الربا وإن اختلفوا في فروعه وكيفية تحريمه حتى قيل إن الله تعالى ما أحل الزنا ولا الربا في شريعة قط، وهو معنى قوله: ﴿وَأَخْذِهِمْ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء:161] يعني: في الكتب السالفة.
فصل فإذا ثبت تحريم الربا بما ذكرنا من الكتاب والسنة والإجماع فقد اختلف أصحابنا فيما جاء به الكتاب من تحريم الربا على وجهين: أحدهما: أنه مجمل فسرته السنة.
وإن ما جاءت به سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تفسير لما تضمنه مجمل كتاب الله عز وجل من الربا نقداً أو نساء.
والثاني: أن تحريم الربا من كتاب الله تعالى إنما يتناول معهود الجاهلية من الربا في النساء وطلب الفضل بزيادة الأجل ثم وردت سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بزيادة الربا في النقد فاقترنت بما تضمنه التنزيل، وإلى هذا كان يذهب أبو حامد المروزي.
فصل فإذا تقرر أن الربا حرام فلا فرق في تحريمه بين دار الإسلام ودار الحرب.
فكل عقد كان رباً حراماً بين مسلمين في دار الإسلام، كان رباً حراماً بين مسلم وحربي في دار الحرب سواء دخل المسلم إليها بأمان أو بغير أمان.
وقال أبو حنيفة: لا يحرم الربا على المسلم من الحربي في دار الحرب سواء دخل بأمان أو بغير أمان.
احتجاجاً بحديث مكحول أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لا ربا بين مسلم وحربي في دار الحرب، ولأن أموال أهل الحرب مباحة للمسلم بغير عقد فكان أولى أن يستبيحها بعقد.
والدلالة على أن الربا في دار الحرب حرام كتحريمه في دار الإسلام، عموم ما ذكرنا من الكتاب والسنة.
ثم من طريق المعنى والعبرة: أن كل ما كان حراماً في دار الإسلام كان حراماً في دار الشرك كسائر الفواحش والمعاصي ولأن كل عقد حرم بين المسلم والذمي، حرم بين المسلم والحربي كدار الإسلام، ولأنه عقد فاسد فوجب ألا يستباح به المعقود عليه كالنكاح.
فأما احتجاجه بحديث مكحول فهو مرسل والمراسيل عندنا ليست حجة.
فلو سلم لهم لكان قوله - صلى الله عليه وسلم - "لا رباً" يحتمل أن يكون نفياً لتحريم الربا ويحتمل أن يكون نفياً لجواز الربا فلم يكن لهم جملة على نفي التحريم إلا ولنا حمله على نفي الجواز ثم حملنا أولى لمعاضدة العموم له، وأما احتجاجه بأن أموالهم يجوز استباحتها بغير عقد

فكان أولى أن تستباح بعقد فلا نسلم إذا كانت المسألة مفروضة في دخوله إليهم بأمان لأن أموالهم لا تستباح بغير عقد فكذا لا يستبيحها بعقد فاسد.
ولو فرضت المسألة مع ارتفاع الأمان لما صح الاستدلال من وجه آخر وهو أن الحربي إذا دخل دار الإسلام جاز استباحة ماله بغير عقد ولا يجوز استباحته بعقد فاسد.
ثم نقول: ليس كل ما استبيح منهم بغير عقد جاز أن يستباح منهم بالعقد الفاسد.
ألا ترى أن الفروج يجوز استباحتها منهم بالفيء من غير عقد ولا يجوز استباحتها بعقد فاسد، فكذا الأموال وإن جاز أن تستباح منهم بغير عقد لم يجز أن تستباح بالعقد الفاسد.
والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وبها تركنا قول من روى عن أسامة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنما الربا في النسيئة" لأنه مجمل وكل ذلك مفسر فيحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الربا أفي صنفين مختلفين ذهب بورق أم تمر بحنطة؟ فقال: "الربا في النسيئة" فحفظه فأدى قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يؤد المسألة".
قال في الحاوي: وهذا صحيح.
والربا ضربان: نقد، ونساء.
وأما النساء: فهو بيع الدرهم بالدرهمين إلى أجل وهو المعهود من ربا الجاهلية والذي قد أجمع على تحريمه جميع الأمة.
وأما النقد: فهو بيع الدرهم بالدرهمين يداً بيد، فمذهب جمهور الصحابة وكافة الفقهاء تحريم ذلك كالنساء، وذهب خمسة من الصحابة إلى إحلاله وإباحته وهم: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وأسامة بن زيد، وزيد بن أرقم والبراء بن عازب تعلقاً بخبرين: أحدهما: ما استدل به ابن عباس أن أسامة بن زيد روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إنما الربا في النسيئة".
فلما أثبت الربا في النسيئة دل على انتفاء الربا في النقد.
والثاني: ما رواه عمرو بن دينار عن أبي المنهال قال: باع شريك لي دراهم بدراهم بالكوفة وبينهما فضل.
فقلت: ما أراه يصلح هذا فقال: لقد بعتها في السوق فما عاب علي ذلك أحد، فأتيت البراء بن عازب فسألته فقال: قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة وتجارتنا كذا فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ما كان يداً بيد فلا بأس به وما كان نسيئة فلا خير فيه.
وأتيت زيد بن أرقم فإنه كان أعظم تجارة منا، فأتيته فسألته فقال لي مثل ذلك وهذا نص.
والدلالة على تحريم ذلك أربعة أحاديث: أحدها: حديث عبادة بن الصامت المقدم ذكره في صدر الباب.
وقوله: "إلا سواء بسواء يداً بيد".
والثاني: حديث أبي المتوكل عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الفضة بالفضة والذهب بالذهب سواء بسواء فمن زاد واستزاد فقد أربى.
الآخذ [والمعطي سواء]

والثالث: حديث مالك بن عامر عن عثمان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تبيعوا الدينار بالدينارين ولا الدرهم بالدرهمين".
والرابع: حديث سعيد بن يسار عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما".
وأما حديث أسامة وقوله "إنما الربا في النسيئة" ففيه جوابان: أحدهما: وهو جواب الشافعي: أنه جواب من النبي - صلى الله عليه وسلم - لسائل سأله عن التفاضل في جنسين مختلفين فقال: إنما الربا في النسيئة فنقل أسامة جواب النبي - صلى الله عليه وسلم - وأغفل سؤال السائل.
والثاني: أنه محمول على الجنس الواحد يجوز التماثل فيه نقداً ولا يجوز نسيئة.
على أن ابن عباس المستدل بحديث أسامة رجع عن مذهبه حين لقيه أبو سعيد الخدري وقال له: يا ابن عباس إلى متى تأكل الربا وتطعمه الناس وروى له حديثه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. فقال ابن عباس: يا أيها الناس إن هذا رباً كان مني وإني أستغفر الله وأتوب إليه.
وأما حديث أبي المنهال عن البراء بن عازب وزيد بن أرقم فمنسوخ؛ لأنه مروي عن أول الهجرة وتحريم الربا متأخر.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ويحتمل قول عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "الذهب بالورق رباً إلا هاء وهاء" يعطي بيد ويأخذ بأخرى فيكون الأخذ مع الإعطاء ويحتمل أن لا يتفرق المتبايعان من مكانهما حتى يتقابضا فلما قال ذلك عمر لمالك بن أوس لا تفارقه حتى تعطيه ورقة أو ترد إليه ذهبه وهو راوي الحديث دل على أن مخرج "هاء وهاء" تقابضهما قبل أن يتفرقا".
قال في الحاوي: وهذا كما قال.
كل شيئين ثبت فيهما الربا بعلة واحدة لم يصح دخول الأجل في العقد عليهما ولا الافتراق قبل تقابضهما.
سواء كانا من جنس واحد كالبر بالبر أو من جنسين كالشعير بالبر حتى يتقابضا قبل الافتراق في الصرف وغيره.
وقال أبو حنيفة في الذهب والورق كقولنا لا يصح فيهما العقد إلا بالقبض قبل الافتراق ولا يثبت فيهما الأجل ولا خيار الشرط.
وأجاز فيما سوى الذهب والورق وخيار القبض وخيار الشرط وإن لم يدخل فيه الأجل.
استدلالاً بأنه عقد لم يتضمن صرفاً فلم يكن التقابض فيه قبل الافتراق شرطاً كالثياب بالثياب.
قال: ولأن القبض يراد لتعيين ما تضمنه العقد فلما كان الذهب والورق لا يتعين بالعقد

لزم فيه تعجيل القبض ليصير المعقود عليه معيناً، ولما كان ما سوى الذهب والورق من البر والشعير وغيرهما يتعين بالعقد لم يلزم فيه تعجيل القبض؛ لأن المعقود عليه قد صار معيناً.
والدلالة عليه: حديث عبادة بن الصامت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق بالورق، ولا البر بالبر، ولا الشعير بالشعير، ولا التمر بالتمر، ولا الملح بالملح إلا سواء بسواء، عيناً بعين، يداً بيد، ولكن بيعوا الذهب بالورق، والورق بالذهب، والبر بالشعير، والشعير بالبر، والتمر بالملح، والملح بالتمر يداً بيد كيف شئتم".
فشرط في بيع ذلك كله تعجيل القبض بقوله إلا يداً بيد.
فإن قيل: فقوله يداً بيد نفياً لدخول الأجل فيه وأن يكون العقد عليه بالنقد وليس بشرط في تعجيل القبض.
قيل: يبطل هذا التأويل بثلاثة أشياء.
أحدهما: أنه جمع في الخبر بين الذهب والورق وبين البر والشعير فلما كان قوله "إلا يداً بيد" محمولاً في الذهب والورق على تعجيل القبض وجب أن يكون في البر والشعير مثله لأنها جملة معطوف عليها حكم.
والثاني: أن نفي الأجل مستفاد من هذا الحديث بقوله إلا عيناً بعين، لأن المؤجل لا يكون عيناً إذ العين لا يدخل فيها الأجل وإنما يكون عيناً بعين، لأن المؤجل لا يكون عيناً إذ العين لا يدخل فيها الأجل وإنما يكون عيناً بدين.
فوجب أن يكون قوله إلا يداً بيد محمولاً على غير نفي الأجل وهو تعجيل القبض ليكون الخبر مقيداً لحكمين متغايرين، واختلاف اللفظين محمولاً على اختلاف معنيين.
والثالث: أن قوله إلا يداً بيد مستعمل في اللغة على تعجيل القبض لأجل أن القبض يكون باليد وليس بمستعمل في نفي الأجل إلا على وجه المجاز فكان حمل الكلمة على حقيقتها في اللغة أولى من حملها على المجاز.
ومما يدل على أصل هذه المسألة ونفي هذا التأويل أيضاً: ما استدل به الشافعي من حديث عمر رواه مالك عن ابن شهاب عن مالك بن أوس عن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الذهب بالذهب رباً إلا هاء وهاء، والورق بالورق رباً إلا هاء وهاء، والبر بالبر رباً إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير رباً إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر رباً إلا هاء وهاء.
قال الشافعي فاحتمل قوله: "إلا هاء وهاء" معنيين: أحدهما: أن يعطي بيد ويأخذ بأخرى فيكون الأخذ مع الإعطاء، واحتمل ألا يتفرق المتبايعان عن مكانهما حتى يتقابضا، فلما روي أن مالك بن أوس بن الحدثان صارف طلحة بن عبيد الله بمائة دينار باعها عليه بدراهم فقال طلحة لمالك: حتى يأتي خازني من الغابة وعمر بن الخطاب رضي الله عنه يسمع فقال عمر لمالك: لا والله لا تفارقه حتى تأخذ منه ورقك أو يرد عليك ذهبك.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الذهب بالورق رباً إلا هاء وهاء.
دل على أن المراد بهذا الحديث من المعنيين المحتملين التقابض قبل الافتراق لأمرين: أحدهما: أن راوي الحديث إذا فسره على أحد معنيين كان محمولاً عليه.

والثاني: أن في تكليف الناس الإعطاء بيد والأخذ بأخرى مشقة غالبة والشريعة موضوعة على التوسعة والسماحة فامتنع أن يكون هذا مراداً.
ثم الدليل على ذلك من طريق المعنى: أنه عقد معاوضة يمنع من ثبوت الأجل فوجب أن يمنع من التفرق قبل القبض كالصرف ولأن كل ما كان شرطاً معتبراً في عقد الصرف كان شرطاً معتبراً فيما دخله الربا من غير الصرف كالأجل.
وأما الجواب عن قياسهم على بيع الثياب بالثياب فمنتقض بالسلم حيث لزم فيه القبض ثم المعنى في بيع الثياب بالثياب عدم الربا فيها فجاز تأخير قبضهما وما ثبت الربا فيه لم يجز تأخير قبضه كالصرف.
وأما الجواب عن استدلالهم بأن القبض إنما يراد لتعيين ما تضمنه العقد والبر والشعير مما يتعين بالعقد فلم يفتقر إلى القبض فهو أن هذا يفسد ببيع الحلي بالحلي يلزم فيه تعجيل القبض وإن كان متعيناً بالعقد.
ثم لو سلم من هذا الكسر لكان عكس هذا الاعتبار أشبه بالأصول لأن السلم يتعين فيه الثمن ولا يتعين فيه المثمن، ثم يلزم فيه تعجيل القبض وإن كان متعيناً بالعقد.
ثم لو سلم من هذا الكسر لكان عكس هذا الاعتبار أشبه بالأصول لأن السلم يتعين فيه الثمن ولا يتعين فيه المثمن، ثم يلزم فيه تعجيل قبض الثمن وإن كان معيناً ولا يلزم فيه تعجيل قبض الثمن وإن لم يكن معيناً فكان اعتبار هذا يوجب تعجيل القبض فيما كان معيناً، ولا يوجبه فيما ليس بمعين، ولما انعكس هذا الاعتبار عليه بطل أن يكون له دليل فيه.
فصل فإذا ثبت أن القبض قبل الافتراق شرط في صحة العقود التي لا تدخلها الآجال ويلحقها الربا من صرف وغيره وأن حكم ما فيه الربا وإن لم يكن صرفاً كحكم ما فيه الربا إذا كان صرفاً فتصارف الرجلان مائة دينار بألف درهم وتقابضا الدراهم ولم يتقايضا الدنانير أو تقابضا الدنانير ولم يتقابضا الدراهم حتى تفارقا فلا صرف بينهما ولزم رد المقبوض منهما سواء علما فساد العقد بتأخير القبض أو جهلا.
فلو لم يتفرقا ولكن خير أحدهما صاحبه فاختار الإمضاء القائم مقام الافتراق قبل أن يتقابضا كان هذا التخير باطلاً ولم يبطل العقد لأن اختيار الإمضاء إنما يكون بعد تقضي علق العقد، وبقاء القبض يمنع من نقض علقه فمنع من اختيار إمضائه، فإن تقابضا بعد ذلك وقبل الافتراق صح العقد واستقر وكانا بالخيار ما لم يتفرقا أو يتخايرا.
فلو وكل أحدهما في القبض له والإقباض عنه، فإن قبض الوكيل وأقبض قبل افتراق موكله والعاقد الآخر صح العقد، وإن أقبض بعد افتراقهما لم يجز وكان العقد باطلاً لافتراق المتعاقدين قبل القبض، فلو تقابض المتصارفان ما تصارفا عليه في مداد قبل الافتراق جاز ولم يلزم دفع جميعه مرة واحدة وإنما يلزم قبض جميعه قبل الافتراق وسواء طالت مدة اجتماعهما أو قصرت.
فلو اختلفا بعد الافتراق فقال أحدهما تفارقنا عن قبض وقال الأخر بخلافه كان القول قول من أنكر القبض ويكون الصرف باطلاً.
فإن قيل أليس لو اختلفا بعد الافتراق في

الإمضاء والفسخ فقال أحدهما: افترقنا عن فسخ.
وقال الآخر: عن إمضاء، كان القول في أحد الوجهين قول من ادعى الإمضاء والبيع لازم فهلا كان اختلافهما في القبض مثله.
قيل الفرق بينهما أن مدعي الفسخ ينافي بدعواه مقتضى العقد أن مقتضاه اللزوم والصحة إلا أن يتفقا على الفسخ فكان الظاهر موافقاً لقول من ادعى الإمضاء دون الفسخ وليس كذلك من ادعى القبض لأن الأصل عدم القبض على أن أصح الوجهين هناك أن القول قول مدعي الفسخ إذا تصارفا مائة دينار بألف درهم فتقابضا من المائة خمسين ديناراً ثم افترقا وقد بقي خمسون ديناراً كان الصرف في الخمسين الباقية باطلاً.
ومذهب الشافعي جوازه في الخمسين المقبوضة قولاً واحداً لسلامة العقد وحدوث الفساد فيما بعد: وكان أبو إسحاق المروزي يخرج الصرف في الخمسين المقبوضة على قولين من تفريق الصفقة.
وليس هذا التخريج صحيحاً لأن القولين في العقد الواحد إذا جمع جائزاً وغير جائز في حال العقد.
وإذا صح الصرف في الخمسين المقبوضة فالمذهب أنها لازمة بنصف الثمن وهو خمسمائة درهم وليس للبائع ولا للمشتري خيار في الفسخ لأجل تفريق الصفقة، لأن افتراقهما عن قبض البعض رضا منهما بإمضاء الصرف فيه وفسخه في باقيه.
وكان بعض أصحابنا يخرج قولاً ثانياً أنها مقبوضة بجميع الثمن.
وكلا التخريجين فاسدا والتعليل في فسادهما واحد.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "والربا من وجهين.
أحدهما في النقد بالزيادة وفي الوزن والكيل والآخر يكون في الدين بزيادة الأجل".
قال في الحاوي: لأصحابنا في هذا الكلام تأويلان.
أحدهما: أنه أراد الرد على من أثبت الربا في النساء وأباه في النقد وقال: والربا من وجهين: أحدهما: النساء المتفق عليه.
وهو بيع الدرهم بالدرهمين إلى أجل.
والثاني: ما كان مختلفاً فيه وهو بيع الدرهم بالدرهمين نقداً فجعل كلا الوجهين ربا وقد مضى الكلام فيه مع من استدل بحديث أسامة فهذا أحد التأويلين.
والتأويل الثاني: أنه أراد أن الجنس الواحد قد يدخله الربا من وجهين: أحدهما: التفاضل سواء كان نقداً أو نساء فلا يجوز بيع درهم بدرهمين عاجلاً ولا آجلاً.
والثاني: الآجل سواء كان متفاضلاً أو متماثلاً فلا يجوز بيع الفضة بالفضة نساء متفاضلاً ولا متماثلاً.
فأما الجنسان المختلفان فلا يدخلهما الربا إلا من وجه واحد وهو الأجل.
فأما التفاضل أو التماثل فيجوز فيهما: فإذا باع الفضة بالذهب أو البر بالشعير نقداً جاز سواء كان متفاضلاً أومتماثلاً وإن باعه إلى أجل لم يجز.
سواء كان متماثلاً أو متفاضلاً.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وإنما حرمنا غير ما سمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المأكول المكيل والموزون لأنه في معنى ما سمى".
قال في الحاوي: أما المنصوص عليه في الربا فستة أشياء وردت السنة بها وأجمع

المسلمون عليها وهي: الذهب والفضة، والبر، والشعير، والتمر، والملح.
واختلف الناس في ثبوت الربا فيما عداها.
فحكي عن طاوس، وقتادة، ومسروق، والشعبي وعثمان البتي، وداود بن علي الظاهري.
ونفاة القياس بأسرهم انه لا ربا فيما عدا الستة المنصوص عليها فلا يجوز التخطي عنها إلى ما سواها تمسكاً بالنص، ونفياً للقياس، واطراحاً للمعاني.
وذهب جمهور الفقهاء ومثبتو القياس إلى ان الربا يتجاوز المنصوص عليه إلى ما كان في معناه.
وهذه المسألة فرع على إثبات القياس والكلام فيها يلزم من وجهيىن: أحدهما: من جهة إثبات القياس، فإذا ثبت كونه حجة ثبت أن الربا يتجاوز ما ورد عليه النص من الأشياء الستة وهذا يأتي في موضعه من كتاب أدب القاصي إن شاء الله تعالى.
والثاني: من طريق الاستدلال الظاهر والدليل عليه من هذا الطريق ثلاثة أشياء: -أحدهما: قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:275]. والربا اسم للزيادة والفضل من طريق اللغة والشرع.
أما اللغة فكقولهم قد ربا السويق إذا زاد، وقد أربى علي في الكلام إذا زاد في السب، وهذه ربوة من الارض إذا زادت على ما جاورها.
وأما الشرع: فكقوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة:276]. أي يضاعفها ويزيد فيها وقوله: ﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج:5].
أي زادت ونمت.
وإذا كان الربا ما ذكرنا اسماً للزيادة لغة وشرعاً دل عموم الاية على تحريم الفضل والزيادة إلا ما خص بدليل.
والدلالة الثانية: ما روي عى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلاً بمثل.
والطعام اسم لكل مطعوم من بر وغيره في اللغة والشرع.
أما اللغة فكقولهم طعمت الشيء أطعمه وأطعمت فلاناً كذا إذا كان الشيء مطعوماً وإن لم يكن براً.
وإما الشرع فلقوله تعالى ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [آل عمران:93] يعني كل مطعوم فأطلق عليه اسم الطعام.
وقوله: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة:249] فسمى الماء مطعوماً لأنه مما يطعم.
وقالت عاثشة: عشنا دهراً وما لنا طعام إلا الأسودان التمر والماء.
وإذا كان اسم الطعام بما وصفنا من شواهد اللغة والشرع يتناول كل مطعوم من بر وغيره.
كان نهيه عن بيع الطعام بالطعام محمولاً على عمومه في كل مطعوم إلا ما خص بدليل.
فإن قيل فهذا وإن كان عاماً فمخصوص ببيان النبي - صلى الله عليه وسلم - الربا في الأجناس الستة.
قيل: بيان بعض ما يتناوله العموم لا يكون تخصيصاً لأنه لا ينافيه، وإن شذ بعض أصحابنا فجعله تخصيصاً.
والدلالة الثالثة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نص على البر وهو أعلى المطعومات، وعلى الملح وهو أدنى المطعومات فكان ذلك منه تنبيهاً على أن ما بينهما لاحق بأحدهما.
لأنه ينص تارة على الأعلى لينبه به على الأدنى كما قال تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ

تَامَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} [آل عمران:75] فنبه به على الأدنى.
وينص تارة على الأعلى فإذا ورد النص على الأعلى والأدنى كان أوكد تنبيهاً على ما بينهما وأقوى شاهداً في لحوقه بأحدهما.
والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ولم يجز أن نقيس الوزن على الوزن من الذهب والورق لأنهما غير مأكولين ومباينان لما سواهما وهكذا قال ابن المسيب لا رباً إلا في ذهب أو ورق أو ما يكال أو يوزن يما يؤكل ويشرب.
قال: وهذا صحيح ولو قسمنا عليهما الوزن لزمنا أن لا نسلم ديناراً في موزون من طعام كما لا يجوز أن نسلم ديناراً في موزون من ورق ولا أعلم بين المسلمين اختلافاً أن الدينار والدرهم يسلمان في كل شيء ولا يسلم أحدهما في الآخر غير أن من الناس من كره أن يسلم دينار أو درهم في فلوس وهو عندنا جائز لأنه لا زكاة فيها ولا في تبرها وإنها ليست بثمن للأشياء المتلفة وإنما أنظر في التبر إلى أصله والنحاس مما لا رباً فيه وقد أجاز عدد منهم إبراهيم النخعي السلف في الفلوس وكيف يكون مضروب الذهب دنانير ومضروب الورق دراهم في معنى الذهب والورق غير مضروبين ولا يكون مضروب النحاس فلوساً في معنى النحاس غير مضروب".
قال في الحاوي: إذا ثبت أن الربا يتجاوز المنصوص عليه لمعنى فيه، وعلته مستنبطة منه.
فالعلة في الذهب والفضة غير العلة في البر والشعير والتمر والملح.
فأما العلة في البر والشعير فقد اختلف أصحاب المعاني فيها على مذاهب شتى.
أحدهما: مذهب محمد بن سيرين أن علة الربا الجنس فأجرى الربا في جميع الأجناس ومنع التفاضل فيه حتى التراب بالتراب.
والمذهب الثاني: وهو مذهب الحسن البصري أن علة الربا المنفعة في الجنس فيجوز بيع ثوب قيمته دينار بثوبين قيمتهما دينار ومنع من بيع ثوب قيمته دينار بثوب قيمته ديناران.
والثالث: وهو مذهب سعيد بن جبير أن علة الربا تقارب المنافع في الأجناس فمنع من التفاضل في الحنطة بالشعير لتقارب منافعهما، ومن التفاضل في الباقلاء بالحمص وفي الدخن بالذرة لأن المنفعة فيهما متقاربة.
والرابع: وهو مذهب ربيعة أن علة الربا جنس يجب فيه الزكاة فأثبت الربا في كل جنس وجبت فيه الزكاة من المواشي والزروع ونفاه عما لا تجب فيه الزكاة.
والخامس: وهو مذهب مالك أنه مقتات مدخر جنس فأثيبت الربا فيما كان قوتاً مدخراً ونفاه عما لم يكن مقتاتاً كالفواكه وعما كان مقتاتاً ولم يكن مدخراً كاللحم.
والسادس: وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله أن علة الربا في البر أنه مكيل جنس فأثبت الربا في كل ما كان مكيلاً وإن لم يكن مأكولاً كالجص، والنورة، ونفاه عما كان غير مكيل ولا موزون وإن كان مأكولاً كالرمان والسفرجل.
والسابع: وهو مذهب سعيد بن المسيب وبه قال الشافعي في القديم أنه مأكول مكيل

أو موزون جنس.
ومن أصحابنا من عبر عن هذه العلة بأحصر من هذه العبارة فقال: مطعوم مقدر جنس.
فعلى هذا القول ثبت الربا فيما كان مأكولاً أو مشروباً مكيلاً أو موزوناً وينتفي عما كان غير مكيل ولا موزون وإن كان مأكولاً أو مشروباً مكيلاً أو موزوناً وعما كان غير مأكول ولا مشروب وإن كان مكيلاً أو موزوناً.
والثامن: وهو مذهب الشافعي في الجديد أن علة الربا أنه مأكول جنس ومن أصحابنا من قال مطعوم جنس وهذه العبارة أعم وهو قول من أثبت في الماء الربا فهذا جملة المذاهب المشهورة في علة الربا.
وسنذكر حجة كل مذهب منها وندل على فساده.
فصل أما المذهب الأول وهو قول محمد بن سيرين أن علة الربا الجنس فاحتج له بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر أجناساً منع من التفاضل فيها ثم قال: "فإذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم يداً بيد".
فشرط في جواز التفاضل اختلاف الجنس فثبت أن علة الربا الجنس فلا يجوز أن يباع شيء بجنسه متفاضلاً أبداً.
والدليل على فساد هذا القول ما روى عبد الله بن عمرو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جهز جيشاً فنفدت إبله فأمرني أن اشتري بعيراً ببعيرين إلى إبل الصدقة" فلما ابتاع - صلى الله عليه وسلم - بعيراً ببعيرين بطل أن يكون الجنس علة لوجود التفاضل فيه وأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - به.
وقد فعلت الصحابة مثل فعله وروي عن علي رضي الله عنه أنه باع جملاً له بعشرين جملاً إلى أجل.
وعن ابن عمر أنه باع راحلة له بأربعة رواحل إلى أجل ولم يظهر لهما مخالف فكان إجماعاً.
فأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: فإذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم.
فعطف على ما قدم ذكره من الأجناس الستة التي أثبت فيها الربا بالنص فجوز فيها التفاضل مع اختلاف الجنس فلم يدل ذلك على تحريم التفاضل مع اتفاق الجنس في غير ما ورد فيه النص.
فصل وأما المذهب الثاني وهو قول الحسن البصري أن علة الربا المنفعة في الجنس فاحتج له بأن ثبوت الربا مقصود به تحريم التفاضل، وفضل القيمة يقع ظاهراً كفضل القدر فلما ثبت أن الربا يمنع من التفاضل في القدر وجب أن يمنع التفاضل في القيمة.
والدليل على فساد هذا القول مع ما قدمناه من ابتياع النبي - صلى الله عليه وسلم - بعيراً ببعيرين وفضل القيمة بينهما كفضل القدر، وأن مقصود البياعات طلب النفع والتماس الفضل فلم يجز أن يكون ما هو مقصود البياعات علة في تحريم البياعات.
ولأن تحريم تفاضل القيمة في الجنس مع تساوي القدر يقتضي تحليل تساوي القيمة في الجنس مع تفاضل القدر وهذا محظور بالنص وفي هذا انفصال عما تعلق به من الاستدلال.

فصل وأما المذهب الثالث وهو قول سعيد بن جبير أن علة الربا تقارب المنافع في الأجناس، فاحتج له بأن الجنسين إذا تقاربا في المنفعة تقاربا في الحكم والمتقاربان في الحكم مشتركان فيه.
والدليل على فساد هذا القول ورود النص بجواز التفاضل في البر بالشعير مع تقارب منافعهما وما دفعه النص كان مطرحاً.
فصل فأما المذهب الرابع وهو قول ربيعة إن علة الربا جنس تجب فيه الزكاة فاحتج بأن الربا تحريم التفاضل حثاً على المواساة بالتماثل، وأموال المواساة ما ثبت فيها الزكاة فاقتضى أن تكون هي الأموال التي ثبت فيها الربا.
والدليل على فساد هذا القول: ابتياع النبي - صلى الله عليه وسلم - بعيراً ببعيرين، والإبل جنس تجب فيه الزكاة، وأثبت الربا في الملح وهو جنس لا تجب فيه الزكاة فثبت بهذين فساد مذهبه.
فصل فأما المذهب الخامس وهو قول مالك إن علة الربا أنه مقتات مدخر جنس، فاحتج له بأنه اعتلال يشابه الأصل بأوصاف وما كان أكثر شبهاً بالأصل كان أولى.
والدليل على فساد هذا القول عدم هذه الأوصاف في الأصل لأن الملح ليس بقوت، وقد جاء النص بثبوت الربا فيه فبطل اعتبار القوت، والرطب فيه الربا وليى بمدخر وقد وافق أن فيه الربا.
فإن قال إن الرطب يؤول إلى حال الادخار في ثاني حال قيل: فالرطب الذي لا يصير تمراً ليس يؤول إلى حال الادخار وفيه الربا على أن هذا لا يخرج الرطب من أن يكون غير مدخر في الحال وإن جاز أن يفضي إلى حالة الادخار كاللحم الذي ليس بمدخر في الحال وإن أمكن أن يدخر في ثاني حال فبطل اعتبار الادخار فصار كلا الوصفين باطلاً.
فإن عدل عن هذا التعليل وعلل بما كان يعلل به المتقدمون من أصحابه أنه قوت أو ما يصلح به القوت قيل هذا القول أفسد من الأول.
لأنه إن أراد اجتماع ذلك في الأربعة لم يصح لأن الملح ليس بقوت وليس التمر مما يصلح به القوت.
وإن أراد أن القوت في الثلاثة علة وما يصلح القوت في الملح علة قيل: قد فرقت الأصل وعلته بعلتين مختلفتين وقد اتفقوا أنه معلل بعلة واحدة ولو جاز تعليل الأصل بعلتين لجاز إسلاف الملح في الثلاثة لاختلافهما في العلة كما يجوز إسلاف الذهب والفضة في الأربعة لاختلاف العلة، وقد جاءت السنة وانعقد الإجماع على خلاف هذا.
ثم يقال له إن كنت تريد بقولك وما يصلح القوت جميع الأقوات فالتمر والزبيب قوتان ولا يصلحان بالملح، وإن أردت به بعض الأقوات فينبغي أن يثبت الربا في النار والحطب، لأنه يصلح به بعض الأقوات وهذا دليل على فساد ما ذكره من التعليل.
والله أعلم.
فصل وأما المذهب السادس وهو قول أبي حنيفة أنه مكيل جنس.
فالاحتجاج له من طريقين:

أحدهما: إثبات الكيل علة.
والثاني: إبطال أن يكون الطعم علة.
فأما ما احتج به في إثبات أن الكيل علة فما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا تبيعوا البر بالبر ولا الشعير بالشعير إلا مثلاً بمثل وكذلك ما يكال ويوزن" فنهى عن الكيل فاقتضى أن يكون علة الحكم.
ولأن التساوي في بيع البر بالبر مباح والتفاضل فيه محظور وليس يعلم التساوي المباح من التفاضل المحظور إلا بالكيل فوجب أن يكون الكيل علته للحكم لأنه به يمتاز المباح من المحظور، ولأن الجنس صفة والكيل مقدار والتعليل بكونه مكيلاً جنساً يجمع حالتي البر صفة وقدراً وهما المقصود في الربا فثبت أنها علة الربا.
فهذه ثلاث دلائل احتج بها أبو حنيفة وأصحابه في إثبات أن الكيل علة.
فأما ما احتج به في إبطال أن يكون المطعوم علة فأمور منها: أن الطعم هي المطعومات مختلف، والكيل في المكيلات مؤتلف؛ لأن من الأشياء ما يؤكل إدماً، ومنه ما يؤكل إدماً، ومنه ما يؤكل تفكهاً، والكيل لا يختلف فكان أولى أن يكون علة من المطعوم الذي يختلف، ولأن المطعوم صفة آجلة لأن البر لا يطعم إلا بعد علاج وصنعة، والكيل صفة عاجلة لأنه يكال من غير علاج ولا صنعة، وإذا كان الحكم منه متعلقاً بإحدى الصفتين كان تعليقه بالصفة العاجلة أولى من تعليقه بالصفة الآجلة.
ولأن علة الربا في البر هي ما منعت من التفاضل وأوجبت التساوي وقد يوجد زيادة الطعم ولا ربا ولا يوجد زيادة الكيل إلا مع حصول الربا وبيانه: لو باع صاعاً من طعام ثقيل له ربع بصاع من طعام خفيف ليس له ربع جاز وإن تفاضلا في الكيل فبطل أن يكون الطعم علة لوجود التفاضل فيه مع عدم الربا ووجود التساوي فيه مع حصول الربا، وثبت أن الكيل علة لأن التفاضل فيه مثبت للربا والتساوي فيه كاف للربا، فهذا أقوى ترجيحاتهم الثلاثة.
فصل والدليل على فساد ما ذهب إليه من طريقين: أحدهما: إثبات أن المطعوم علة.
والثانى: إبطال أن الكيل علة.
فأما الدليل على أن المطعوم علة: فما روى بشير بن سعد عن معمر بن عبد الله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلاً بمثل.
واسم الطعام يتناول كل مطعوم في اللغة والشرع بما بيناه من قبل فكان عموم هذا الخبر إشارة إلى أن علة الربا الطعم لأن الحكم إذا علق باسم مشتق من معنى كان ذلك المعنى علة لذلك الحكم كحد الزاني لأن اسمه مشتق من الزنا وقطع يد السارق لأن اسمه مشتق من السرقة.
ولأن علة الشيء في ثبوت حكمه ما كان مقصوداً من أوصافه، ومقصود البر هو الأكل فاقتضى أن يكون علة الحكم.
ولأن الأكل صفة لازمة لذات المعلول والكيل صفة زائدة عن المعلول والصفة اللازمة أولى أن تكون علة من الصفة الزائدة.

ولأن الأكل علة يوجد الحكم بوجودها ويعدم بعدمها، والكيل علة يوجد الحكم مع عدمها ويعدم الحكم مع وجودها، وهو أن الزرع إذا كان حشيشاً أو قصيلاً لا ربا فيه لعدم الأكل عندنا وعدم الكيل عندهم فإذا صار سنبلاً ثبت فيه الربا عندنا لأنه مأكول وثبت فيه الربا عندهم وهو غير مكيل.
فإن قيل يصير مكيلاً.
قيل: وكذلك إذا كان حشيشاً.
فإذا صار السنبل خبزاً ثبت فيه الربا عندنا؛ لأنه مأكول وثبت فيه الربا عندهم وهو غير مكيل.
فإن قيل يحصل فيه الربع لأنه موزون قيل: ما ثبت فيه الربا لا تختلف علته باختلاف أوصافه، فإذا صار الخبز رماداً فلا ربا فيه عندنا لأنه غير مأكول ولا ربا فيه عندهم وهو مكيل، فثبت أن علتنا يوجد الحكم بوجودها ويعدم بعدمها، وعلتهم يوجد الحكم مع عدمها في السنبل وبعدم الحكم مع وجودها في الرماد فثبت أن التعليل بالأكل أصح لهذه الدلائل الأربعة.
وأما الدليل على إبطال الكيل أن يكون علة فمن خمسة أوجه: أحدهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نص على أربعة أجناس كلها مكيلة فلو كان ذلك تنبيهاً على الكيل لاكتفى بذكر أحدها.
فإن قيل فهذا يرجع عليكم في الأكل لأن الأربعة كلها مأكولة ولو أراد الأكل لاكتفى بذكر أحدها قيل: ليس يلزمنا هذا؛ لأن الكيل في الأربعة لا يختلف والأكل فيها مختلف فالبر يؤكل في حال الاختيار والشعير يؤكل في حال الاضطرار، والتمر يؤكل حلواً والملح استطابه فلم يقتنع بذكر إحدى المأكولات لتفرده بإحدى الصفات.
والثاني: أن الكيل قد يختلف في المكيلان على اختلاف البلدان وتقلب الأزمان فالتمر يكال بالحجاز ويوزن بالبصرة والعراق، والبر يكال تارة في زمان ويوزن أخوى، والفواكه قد تعد في زمان وتوزن في زمان، فلم يجز أن يكون الكيل علة لأنها تقتضي أن يكون الجنس الواحد فيه الربا في بعض البلدان ولا ربا فيه في بعضها، وفي بعض الأزمان ولا ربا في غيرها، وعلة الحكم يجب أن تكون لازمة في البلدان وسائر الأزمان وهذا موجود في الأكل.
والثالث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل الكيل علماً على الإباحة لنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن بيع البر بالبر إلا كيلاً بكيل فلم يجز أن يجعل الكيل علماً على الحظر.
ألا تراه لما جعل القبض قبل الافتراق علماً على الإباحة لم يجز أن يجعل علة في الحظر.
وتحريره قياساً أن ما سلم به من تحريم الربا لم يجز أن يكون علة للربا كالقبض قبل الافتراق.
فإن قيل: علة الحظر هي زيادة الكيل قيل: هذا قول بعض المتأخرين من أصحاب أبي حنيفة على أنه لما لم يجز أن يكون الكيل علة في الحظر لأنه علم على الإباحة، لم يجز أن يكون الكيل صفة في الحظر، لأنه علم على الإباحة أيضاً.
والرابع: أن الكيل موضوع لمعرفة مقادير الأشياء فلم يجز أن تكون علة الربا كالزرع والعدد.
والخامس: أن من جعل الكيل علة أخرج من المنصوص عليه ما لا يمكن كيله لقلته، فجوز بيع تمرة بتمرتين وكف طعام بكفين.
وكل علة أوجبت النقصان من حكم النص لم يجز استعمالها فيما عداه لأمرين: أحدهما: أن المعنى معقول الاسم فلم يجز أن يكون ما عقل عن الاسم رافعاً لموجب الاسم.

والثانى: أن استعمالها فيما عدا المذكور يوجب زيادة حكم، ومحال أن تكون علة واحدة توجب نقصان الحكم من المذكور والزيادة عليه لتضاد الموجبين.
لأن أحدهما إسقاط حكم ونفيه، والآخر إيجاب حكم وإثباته.
فإن قيل ما لا يمكن كيله غير مراد بالنص لأنه - صلى الله عليه وسلم - قال: لا تبيعوا البر بالبر إلا كيلاً بكيل.
فلما كان الاستثناء مكيلاً وجب أن يكون المستثنى منه مكيلاً لأن حكم المستثنى منه يجب أن يكون كحكم الاستثناء، فصار تقدير ذلك، لا تبيعوا البر المكيل بالبر المكيل إلا كيلاً بكيل، فعلم أن ما ليس بمكيل ولا يمكن كيله غير مراد بالنص.
فالجواب عنه من ثلاثة أوجه: أحدها: أن الاستثناء يجب أن يكون بعض المستثنى منه ولا يكون كل المستثنى منه.
ألا ترى أنه لو قال: جاءني الناس إلا بني تميم لم يقتض أن يكون كل الناس بني تميم فكذا إذا كان الاستثناء كيلاً لم يجز أن يكون كل المستثنى منه مكيلاً.
والثاني: أن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تبيعوا البر بالبر" عام في الحظر، وقوله إلا كيلاً بكيل خاص في الإباحة، وعلة الربا مستنبطة من الحظر لا من الإباحة، فاقتضى أن يكون ما أوجبته من حكم الحظر عاماً في القليل والكثير.
والثالث: أن قليل التمر والبر موصوف بأنه مكيل؛ لأن له حظاً في المكيال ألا ترى أنه لو احتاج وفاء المكيال إلى تمرة فتم بها تم الكيل وحل البيع.
فلولا أن التمرة مكيلة ما تم المكيال بها وهم أولى الناس بهذا القول.
لأنهم يقولون إن القدح العاشر بانفراده هو المسكر.
فكذلك التمرة الواحدة بانفرادها هي التي تم المكيال بها.
فإن قيل فيختص عموم الظاهر بالقياس فنقول: لأنه مما لا يكال ولا يوزن فوجب ألا يثبت فيه الربا كالثياب.
قلنا: نحن نعارضكم بقياس مثله فنقول.
ما ثبت الربا في كثيره ثبت في قليله كالذهب والورق.
ثم نقول: قياسكم لا يجوز أن يخص به الظاهر لأن أصله مستنبط منه والظاهر لا يجوز أن يكون مخصوصاً بعلة مستنبطة منه.
فصل فأما الجواب عن استدلالهم بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تبيعوا البر بالبر إلا سواء بسواء" وكذلك ما يكال ويوزن فهو أنها زيادة مجهولة لم ترد من طريق صحيح، وعلى أنها زيادة متأولة إذا كان ما يكال ويوزن مأكولاً أومشروباً بدليل نهيه عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلاً بمثل.
وأما الجواب عن استدلالهم بأن ما أبيح من التساوي لا يعلم إلا بالكيل فوجب أن يكون الكيل علة الحكم.
فهو أن الكيل علم الإباحة وعلة الربا مستنبطة من الحظر فلم يجز أن يكون الكيل علة الحكم.
وأما الجواب عن استدلالهم بأن تعليلهم بكونه مكيلاً جنساً يجمع حالتي البر صفة وقدراً فهو إن جاز أن يكون هذا دليلاً لأنه يجمع حالتي البر صفة وقدراً قابلناكم بمثله فقلنا: تعليلنا بكونه مطعوماً جنساً يجمع حالتي البر صفة وجنساً.
ثم يكون هذا الاستدلال أولى لأن الطعم ألزم صفة من الكيل فاقتضى أن يكون بالحكم أخص.
ولا يصح قولهم بأن الجنس صفة لأن الصفة ما اختصت بالموصوف، والجنس اسم مشترك يتناول كل ذي جنس فلم يصح أن يكون صفة.

وأما الجواب عن استدلالهم بأن الكيل متفق في المكيلات والأكل مختلف في المأكولات فكان التعليل بالمتفق أولى من التعليل بالمختلف.
فهو أن الأكل متفق وإنما صفة الأكل تختلف، كما أن الكيل وإن كان متفقاً وصفته قد تختلف فبعضه قد يكال بالصاع، وبعضه بالمد، وبعضه بالقفير، وبعضه بالمكوك ثم يقال: الكيل يختلف باختلاف البلدان والأكل لا يختلف فكان الأكل لاتفاق البلدان أولى أن يكون علة من الكيل المختلف باختلاف البلدان.
وأما الجواب عن استدلالهم بأن الطعم صفة آجلة والكيل صفة عاجلة فهو أن هذا القول فاسد، لأن البر موصوف بهذه الصفة، وإن كان يوجد بعد علاج وصنعة كما يوصف بأنه مشبع وإن كان لا يوجد إلا بعد استهلاكه بالأكل، كما يوصف الماء بأنه مروي وإن كانت صفته توجد بعد الشرب، ثم لو قيل إن الأكل أعجل صفة من الكيل لكان أولى، لأن الأكل ممكن مع فقد الآلة والكيل متعذر إلا بوجود الآلة.
وأما الجواب بأن زيادة الطعم قد توجد مع تساوي الكيل ولا تحريم ولا توجد زيادة الكيل مع تساوي الطعم إلا مع وجود التحريم فهو أن يقال: إنما يلزم هذا إذا وقع التسليم بأن التساوي يعتبر بالوزن تاماً، ونحن نقول إن التساوي يعتبر بالكيل.
فلا يلزم أن الطعم متساو فيهما وإن تفاضلا في الوزن.
كما لو تساويا في الوزن وتفاضلا في الكيل كانا متفاضلين وإن تساويا في الوزن على أنه لا يستمر على مذهبهم أن علة الربا زيادة الكيل، لأنهما لو تبايعا صبرة طعام بصبرة طعام كان باطلاً للجهل بالتساوي وإن لم يعلم زيادة الكيل فلما كان الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل بطل أن يكون زيادة الكيل علة.
فصل فأما المذهب السابع وهو قول سعيد بن المسيب، والشافعي في القديم أن علة الربا مأكول مكيل أوموزون جنس احتجاجأ بأن المنصوص عليه يختص بصفتين: الأكل والكيل، وليست إحدى الصفتين أولى فاقتضى أن يكونا معاً علة الحكم، ولأن الربا إنما جعل في الأشياء التي يمكن استباحة بيع بعضها ببعض بكيل أو وزن فكان الكيل والوزن علة الحكم.
وهذا غير صحيح؛ لأننا قد أبطلنا فيما مضى أن يكون الكيل علة وسنبطل أن يكون الوزن علة، وإن لم يجز أن يكونا علة لم يجز أن يكونا وصفاً في العلة فثبت أن الأكل وحده علة.
فصل فإذا ثبت هذا فما عدا الذهب والفضة تنقسم ثلاثة أقسام: قسم فيه الربا على القولين معاً، وهو ما أكل أو شرب مما كيل أو وزن.
وقسم لا ربا فيه على القولين معاً وهو ما ليس بمأكول ولا مشروب كالثياب والحيوان والصفر والنحاس.
وقسم اختلف قوله فيه وهو ما أكل أو شرب مما لا يكال ولا يوزن كالرمان، والسفرجل، والبقول والخضر، فعلى قوله في القديم لا ربا فيه، لأنه علل ما فيه الربا لأنه مأكول أو مشروب مكيل أو موزون.
وعلى قوله في الجديد فيه الربا لأنه مطعوم جنس.
واختلف أصحابنا هل يثبت فيه الربا على قوله في الجديد بعلة الأصل أو بعلة الأشباه.
فمن متقدمي أصحابنا من قال: إنما جعل فيه الشافعي الربا على قوله في الجديد

بعلة الأشباه لأنه قال: وإنما حرمنا غير ما سمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المأكول المكيل والموزون لأنه في معنى ما سمى.
فجعل في المكيل والموزون الربا بعلة الأصل ثم قال بعد هذا؟ وما خرج من الكيل والوزن من المأكول والمشروب فقياسه على ما يؤكل ويكال أولى من قياسه على ما لا يكال ولا يؤكل، فجعل ملحقاً بالأصل من حيث الشبه.
وقال آخرون من أصحابنا: بل فيه الربا على الجديد بعلة الأصل لا من حيث الشبه وإنما قال الشافعي ما احتج به الأولون ترجيحاً للعلة.
والله تعالى أعلم.
فصل فأما علة الربا في الذهب والفضة فمذهب الشافعي أنها جنس الأثمان غالباً.
وقال بعض أصحابنا قيم المتلفات غالباً.
ومن أصحابنا من جمعهما وكل ذلك قريب.
وقال أبو حنيفة: العلة فيهما أنه موزون جنس فجعل علة الذهب والفضة الوزن كما جعل علة البر والشعير الكيل، ودلائله في المسألتين مشتركة ثم خص الاحتجاج في هذه المسألة بترجيح علته وإفساد علتنا.
واحتج لذلك بثلاثة أشياء: أحدهما: أن ثبوت الربا في الذهب والفضة مستفاد بالنص ولا فائدة في استنباط علة يستفاد منها حكم أصلها حتى لا يتعدى إلى غيرها والتعليل بالوزن متعد وبالأثمان غير متعد.
والثاني: أنه لو جاز تعليل الذهب والفضة بكونهما ثمناً وذلك غير متعد.
لجاز تعليلهما بكونهما فضة وذهباً، فلما لم يجز أن يعلل الذهب بكونه ذهباً ولا فضة بكونهما فضة لعدم التعدي لم يجز أن يعللا بكونهما ثمناً لعدم التعدي.
والثالث: أن التعليل بالأثمان منتقض في الطرد والعكس فنقض طرده بالفلوس، هي أثمان في بعض البلدان ولا ربا فيها عندكم.
ونقضه عكساً بأواني الذهب والفضة ليست أثماناً وفيها الربا، والتعليل بالوزن مستمر لا يعارضه نقض في طرد ولاعكس.
والدليل على صحة علتنا وفساد علته مع ما قدمنا من الدليل من قبله ثلاثة أشياء: أحدها: أن التعليل بالوزن يثبت الربا في الموزون من الصفر والنحاس والقطن والكتان، ولو ثبت فيه الربا بعلة الوزن كما ثبت في الذهب والفضة بهذه العلة لوجب أن يستوي حكم معموله ومكسوره في تحريم التفاضل فيه كما استوى حكم معمول الذهب والفضة ومكسوره في تحريم التفاضل فيه.
فلما جوزوا التفاضل في معمول الصفر والنحاس دون مكسوره وتبره حتى أباحوا بيع طشت بطشتين وسيف بسيفين ولم يجوزوا التفاضل في معمول الفضة والذهب، ومنعوا من بيع خاتم بخاتمين وسوار بسوارين دل على افتراقهما في العلة واختلافهما في الحكم ولو اتفقا في العلة لاستويا في الحكم فبطل أن يكون الوزن علة الحكم.
والثاني: أنه لو كان الوزن في الذهب والفضة علة يثبت بها الربا في موزون الصفر والنحاس لوجب أن يمنع من إسلام الذهب والفضة في الصفر والنحاس لاتفاقهما في علة الربا كما منع من إسلام الفضة في الذهب لاتفاقهما في علة الربا.
فلما جاز إسلام الذهب والفضة من الصفر والنحاس ولم يجز إسلام الفضة في

الذهب دل على افتراق للحكم بين الفضة والذهب وبين الصفر والنحاس في علة الربا فبطل أن يكون الوزن علة الربا.
وهذان الدليلان احتج بهما الشافعي رحمه الله في إبطال الوزن أن يكون علة الربا.
والثالث: أن الأصول مقررة على أن الحكم إذا علق على الذهب والفضة اختص بهما ولم يقس غيرهما عليهما.
ألا ترى أن الزكاة لما تعلقت بهما لم يتعد إلى غيرهما من صفر أو نحاس أو شيء من الموزونات ولما حرم الشرب في أواني الفضة والذهب اختص النهي بهما دون سائر الأواني من غيرهما.
كذلك وجب أن يكون الربا المعلق عليهما مختصاً بهما وأن العلة فيهما غير متعدية إلى غيرهما.
وأما الجواب عن استدلالهم بأنه لا فائدة في استنباط علة ثبت حكمها بالنص من غير تعد فهو أن يقال: ليس يخلو هذا القول من أحد أمرين إما أن يكون إبطالاً لغير المتعدية، أو يكون علة لعدم الفائدة وهو الظاهر من الاستدلال، أو يكون إثباتاً لها علة وجعل غيرها إذا تعدت أولى منها.
فإن كان هذا إبطالاً لغير المتعدية أن تكون علة خالفناكم لأن غير المتعدية قد تكون عندنا علة فإن دعوا إلى الكلام فيها انتقلنا عن المسألة، ثم نقول: العلل أعلام نصبها الله تعالى للأحكام فربما أراد ببعضها التعدي فجعلها علماً عليه وربما أراد ببعضها الوقوف على حكم النص فجعلها علما عليه.
كما أنه جعل المتعدية تارة عامة وتارة خاصة.
كذلك جعلها تارة واقفة وتارة متعدية.
فإن قيل: فالواقفة غير متعدية فيجعل الحكم معلقاً بالنص دون المعنى كأعداد الركعات لما لم تكن متعدية المعنى لم يستنبط لها معنى لعدم الفائدة.
فالجواب أن الواقفة مفيدة والذي يستفاد بها أمران: أحدهما: العلم بأن حكمها مقصور عليها وأنها لا تتعدى إلى غيرها وهذه فائدة.
والثاني: أنه ربما حدث ما يشاركه في المعنى فيتعدى حكمه إليه.
فأما أعداد الركعات فغير معقول المعنى فلذلك لم يمكن استنباط علة منها.
فهذا الكلام عليهم إن أبطلوا العلة الواقفة.
وإن أثبتوها وجعلوا المتعدية أولى منها كان هذا مسلماً ما لم تبطل المتعدية بنقض أو معارضة وقد أبطلنا تعليلهم بالوزن من وجهين ذكرهما الشافعي ولولاهما لكان التعليل بالوزن أولى.
وأما الجواب عن قولهم بأن الاسم لما لم يكن علة لعدم تعديه.
فهو أن هذا رجوع إلى الكلام في إبطال العلة الواقفة وقد مضى على أن الاسم لم يجز أن يكون علة لأنه مستفاد قبل الاستنباط لا لما ذكره من عدم التعدي.
والعلة الواقفة مستفادة بعد الاستنباط فجاز أن يكون علة مع عدم التعدي.
وأما الجواب عما ذكروه من نقض علتنا في الطرد بالفلوس وفي العكس بالأواني فهو أن علتنا سليمة من النقض في الطرد والعكس لأنها جنس الأثمان غالباً، والفلوس وإن كانت ثمناً في بعض البلاد فنادو فلم الطرد، وأما العكس فلا ينتقض أيضاً بالأواني لأننا قلنا جنس الأثمان والأواني من جنس الأثمان وإن لم تكن أثماناً فسلمت العلة من النقص في الطرد والعكس.
وإذ قد انتهى الكلام بنا إلى هذا فسنذكر فصلاً من العلل وما يتعلق عليها ويصح بها القياس الذي يتضمنها والله أعلم.

فصل اعلم أن القياس قياسان، قياس طرد وقياس عكس.
فأما قياس الطرد: فهو إثبات حكم الأصل في الفرع لاجتماعهما في علة الحكم.
وهذا أقوى القياسين حكماً، وليس يختلف أهل القياس في القول به.
وأما قياس العكس: فهو إثبات حكم نقيض حكم الأصل في الفرع باعتبار علته.
وهذا قد أثبته أكثر الفقهاء قياساً وإن خالفهم أكثر المتكلمين.
وقياس الطرد، لا يخلو من أربعة أشياء: من أصل، وفرع، وعلة، وحكم.
فأما الأصل فهو الذي يتعدى حكمه إلى غيره، وأما الفرع فهو الذي يتعدى إليه حكم غيره، وأما العلة فهي التي لأجلها ثبت الحكم.
وقيل الصفة الحالية للحكم، وأما الحكم فهو المنقسم إلى: الإباحة، والحظر، والوجوب، والندب، والكراهة، والاستحباب فالبر في الربا أصل، والأرز فرع، والأكل علة، والربا حكم.
ثم العلة والحكم لا بد من وجودهما في الأصل والفرع معاً غير أن العلم بوجودهما في الأصل أسبق من العلم بوجودهما في الفرع، والعلم بالحكم المعلق بالأصل أسبق من العلم بعلة الحكم في الأصل، لأن العلة تعلم بعد الاستنباط لها والحكم متقدم على الاستنباط.
والعلم بالعلة في الفرع أسبق من العلم بحكم الفرع بخلاف الأصل.
لأن بوجود العلة في الفرع يعلم حكم الفرع، وبوجود الحكم في الأصل يعرف علة الأصل.
ثم لا يخلو حال الحكم في الأصل من أن يكون مستفاداً من ثلاثة أوجه: من نص أو إجماع أو قياس على أصل آخر.
فإن كان الحكم مستفاداً من نص أو إجماع، كان المنصوص عليه أصلاً بذاته فيجب حينئذ استنباط علته وتعليق حكمه على فروعه.
وإن كان الحكم مستفاداً من قياس على أصل آخر فلا يخلو حاله من أحد أمرين: إما أن يكون الحكم قد ثبت في ذلك الأصل بمثل العلة التي يثبت بها الحكم في هذا الفرع أو يكون الحكم قد ثبت فيها بعلة أخرى.
فإن كان قد ثبت الحكم في الأصل بمثل العلة المستنبطة منه لم يثبت الحكم في هذا الفرع.
مثاله: أن تقيس الذرة على الأرز بعلة الأكل، والأرز قد ثبت فيه الربا فهذه العلة قياساً على البر.
فإن كان هكذا لم يجز جعل هذا أصلاً وكان هذا الأصل مع ما ألحق به فرعين على الأصل الأول.
فجعل الذرة والأرز فرعين على البر المنصوص عليه لوجود علة البر فيهما على سواء، وليس جعل الأرز المقيس على البر أصلاً للذرة بأولى من جعل الذرة أصلاً للأرز لاستوائهما فرعاً للآخر.
وإن كان الحكم قد ثبت في ذلك الأصل بعلة ورد الفرع إليه بعلة أخرى مستنبطة منه غير تلك العلة فقد اختلف أصحابنا في جواز ذلك.
فقالت طائفة لا يجوز ومنعوا منه، لأن الفرع إنما يرد إلى الأصل إذا شاركه في علة حكمه، وعلة هذا الأصل التي ثبت بها حكمه هي علة أخرى لا توجد في الفرع الثاني وهذا مذهب من منع من القول بالعلتين.

وقالت طائفة أخرى بجواز ذلك لأن العلة التي ثبت بها الحكم في الأصل هي كالنص في أنها طريق الحكم وليس يمتنع أن يعلم بالدليل أن لعلة أخرى تأثيراً في ذلك الحكم فيرد بها بعض الفروع إليه، وهذا مذهب من أجاز القول بالعلتين.
فصل فإذا ثبت حكم الأصل من أحد هه الوجوه الثلاثة وجب على القياس اعتبار علة الحكم في الأصل لتحريها في الفرع.
وقد يعلم علة الأصل من أحد ثلاثة أوجه أيضاً.
أحدها: النص الصريح.
والثاني: التنبيه.
والثالث: الاستنباط.
وأما النص الصريح فنحو قوله تعالى: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور:31].
ونحو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما نهيتكم لأجل الدافة".
فنص على العلة كما نص على الحكم.
وأما التنبيه.
فمثل ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه امتنع من الدخول على قوم عندهم كلب ودخل على آخرين وعندهم هرة، وقال: إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات.
فنبه بذلك على نجاسة الكلب لأنه ليس من الطوافين والطوافات.
وفي معنى التنبيه الجواب بالفاء نحو قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً﴾ [المائدة:38].
فنبه بذلك على أن علة القطع السرقة.
وأما الاستنباط فهو ما ورد النص بإطلاق حكمه من غير إشارة إلى علته ووكل العلماء إلى اجتهادهم في استنباط علته كالستة الأشياء التي نص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ثبوت الربا فيها.
فاجتهد الفقهاء في استنباط معناها.
وهذا النوع إنما يمكن استنباط علته بعد العلم بالدليل على صحة العلة ليعلم به العلة الصحيحة التي يجوز تعليق الحكم بها من العلة الفاسدة التي لا يجوز تعليق الحكم فيها.
وقد اختلف أصحابنا في الشروط الدالة على صحة العلة.
فقال بعضهم هي أربع: وجود الحكم بوجودها، وارتفاعه بارتفاعها، وسلامتها على الأصول، وعدم ما يعارضها مما هو أولى منها فجعل الطرد والعكس شرطين من شروط صحتها.
وقال آخرون هي ثلاثة شروط: وجود الحكم بوجودها، وسلامتها على الأصول وعدم ما يعارضها مما هو أولى منها.
فجعل هذا القائل الطرد شرطاً ولم يجعل العكس شرطاً.
وقد اختار هذا القول ابن أبي هريرة وزعم أن العلل الشرعية لا يستمر في جميعها الطرد والعكس، وإنما يستمر في العلل العقليات.
وقال الأولون: بل هذا الشرط مستمر في الشرعيات أيضاً ما لم يخلف تلك العلة علة أخرى توجب مثل حكمها، وهذا أصح المذهبين عندي لأن العلة إذا كانت موجبة بحكم واقتضت أن يكون الحكم بوجودها موجوداً لزم أن يكون الحكم بعدمها وما ليقع الفرق بين وجودها وعدمها.
والله أعلم.

فصل فأما فساد العلة فقد يكون من أحد ثمانية أوجه.
بعضها متفق عليه وبعضها مختلف فيه.
فأحدها: التعليل بالاسم وهو على ضربين: أحدهما: أن يكون اسماً مشتقاً من فعل كعاقد وقاتل ووارث فيجوز أن يكون علة.
والثاني: أن يكون اسم لقب فهذا على ضربين: أحدهما: أن يعلل تحريم الخمر، لأن العرب سمته خمراً.
فهذا تعليل فاسد، لأنه يبعد أن يكون لتسمية العرب مع تقدمه على الشرع تأثيراً في تحريم الخمر.
والثاني: أن يعلل تحريمه بجنسه ويعبر عن الجنس باسمه فيعلل تحريمه بكونه خمراً فهذا جائز.
لأنه لما جاز التعليل بالصفة جاز التعليل بالجنس فيجوز أن تقول في نجاسة بول ما يؤكل لحمه، لأنه بول فوجب أن يكون نجساً قياسا على بول الآدمي.
والثاني: اختلاف الموضوع.
وهو أن يكون أحد الحكمين مبنياً على التخفيف، والحكم الآخر مبنياً على التغليظ فيجمع بينهما بعلة توجب حكماً آخر.
فقد اختلف أصحابنا هل يكون اختلاف موضوعهما مانعاً من صحة الجمع بينهما؛ فقال بعضهم: يكون هذا مفسداً للعلة مانعاً من صحة الجمع لأن الجمع بينهما يوجب تساوي حكمهما، واختلاف موضوعهما يوجب التفريق بينهما.
وقال آخرون: لا يمنع ذلك من صحة الجمع ولا يوجب فساد العلة لأنه يجوز أن يكون الفرع مساوياً لأصله في حكم وإن خالفه في غيره لأن أحكامهما من كل وجه متعذر.
والوجه الثالث من وجوه الفساد عدم التأثير.
وهو أن يضم المعلل إلى أوصاف علته وصفاً لو عدمته العلة في الأصل لم يعدم الحكم.
ففسد بذلك أن يكون مجموع تلك الأوصاف علة ووجب إسقاط الوصف الذي لا يؤثر علته في الأصل.
لأنه لو جاز أن يجعل من أوصاف العلة ما لا يضر فقده في الحكم إثبات ما لا نهاية له من الأوصاف.
والرابع: الكسر.
وهو أن يكون الوصف المزيد في علة الأصل احترازاً من انتقاضها بفرع من الفروع فلا يجوز ضم هذا الوصف إليها وتصير العلة منتقضة على قول جمهور أصحابنا، لأن علة الأصل يجب أن يتقدم العلم بصحتها ثم يجري في فروعها.
فإن لم يؤثر وصف منها في فساد العلة وهذا الوجه مؤلف من عدم التأثير والنقض.
والخامس: القلب.
وهو أن يعلق بعلة الأصل نقيض حكمها مثاله: أن يعلل الحنفي وجوب الصيام في الاعتكاف بأنه لبث في مكان مخصوص فوجب أن يكون من شرطه اقتران معنى آخر إليه.
أصله الوقوف بعرفة: فنقلب هذا القياس عليه ونقول لأنه لبث في مكان مخصوص فوجب ألا يكون من شرطه الصوم كالوقوف بعرفة فيكون هذا فساداً للعلة.
ولك في هذا المثال أن تمنع العلة.
والسادس: وهو القول بموجب العلة وهو أن تقول أنا أضم إليه معنى آخر وهو النية فيكون هذا قولاً بموجب العلة.
وهذا إنما يختص بالحكم إذا كان مجملاً ويصير النزاع

في الحكم مانعاً من العلة أن تكون موجهة لما ادعاه من الحكم.
والسابع: النقض ويكون بحسب العلة.
والعلل ضربان.
علة نوع، وعلة جنس.
فأما علة النوع فمثل تعليل البر لثبوت الربا فيه بأنه مطعوم.
وأما علة الجنس فمثل تعليل جنس الربا بأنه مطعوم.
فإن كان التعليل لنوع.
كان نقض العلة فيه بوجودالعلة مع ارتفاع الحكم فإذا وجد مطعوم ليس فيه ربا كان نقضاً.
ولا ينتقض بوجود الربا فيما ليس بمعلوم من الذهب والورق.
وإن كان التعليل للجنس كتعليل جنس الربا بأنه مطعوم انتقضت هذه العلة من وجهين: أحدهما: وجود العلة مع ارتفاع الحكم حتى إن كان مطعوماً لا ربا فيه كان نقضاً.
والثاني: وجود الحكم مع ارتفاع العلة حتى إذا ثبت الربا فيما ليس بمطعوم من الذهب والورق كان نقضاً، ومتى كان الحكم جملة لم ينتقض بالتفصيل ومتى كان مفصلاً انتقض بالجملة والتفصيل.
وقد يحترز من النقض إذا كان بوجود العلة وارتفاع الحكم بأحد وجهين: إما احتراز بحكم ثبت في الأصل، وإما احتراز بشرط مقيد بالحكم فإن كان الاحتراز بحكم ثبت في الأصل مثاله: تعليل الحنفي قتل المسلم بالذمي بأنهما حران مكلفان محقونا الدم كالمسلمين.
فإذا نوقض بقتل الخطأ وعدم القود فيه قال: قد احترزت من هذا النقض بالرد إلى المسلمين، فإن القود بينهما يجري في العمد دون الخطأ فكذا في الفرع.
وهذا الجواب ليس بصحيح والنقض لازم لأن العلة هي المنطوق بها والحكم ما صرح به، والنقض يتوجه إلى المظهر دون المضمر.
وإن كان الاحتراز بشرط فقيد بالحكم.
فمثاله: إذا علل الحنفي قتل المسلم بالذمي بأنهما حران مكلفان محقونا الدم، أن يقول: فوجب أن يثبت القصاص في العمد.
فقد اختلف أصحابنا: هل يكون هذا الاحتراز مانعاً من النقض؟ فقال بعضهم: لا يمنع هذا الاحتراز من النقض ويكون هذا اعترافاً ينقض العلة، لأن العلة ما استقلت بالذكر وكانت هي المؤثرة في الحكم وهذه العلة لا تؤثر إلا بشرط يقترن بالحكم.
وقال آخرون بل هذا الاحتراز مانع من النقض والعلة صحيحة لأن الشرط المذكور في الحكم وإن كان متأخراً في اللفظ فهو متقدم في المعنى.
والوجه الثامن: المعارضة.
وقد تكون من وجهين: أحدهما: بالنص.
والثاني: بعلة فأما معارضة العلة بالنص فينظر حال النص، فإن كان غير مجمل كانت العلة التي عارضته فاسدة.
لأن النص أصل مقدم والقياس فرع مؤخر.
وإن كان النص مجملاً جاز تخصيصه بالقياس إن كان جلياً، وفي جواز تخصيصه بالقياس إن كان خفياً.
وجهان.
وأما معارفة العلة بعلة فضربان: أحدهما: المعارضة في علة الأصل.
والثاني: المعارضة بقياس آخر مع تسليم علة الأصل، فإن كانت المعارضة في علة الأصل نظر في المعلل فإن كان ممن لا يقول بالعلتين لم تسلم له العلة إلا أن يدل على

صحتها أو على فسادها ما عارضها مثل تعليل الحنفي البر بأنه مكيل فيعارض الشافعي في علة البر بأنه مطعوم فلا نسلم التعليل بالكيل إلا أن يدل على صحته وفساد ما عارضه.
وإن كان المعلل ممن يقول بالعلتين نظر في الحكمين فإن كانا متنافيين لم تسلم العلة بالمعارضة إلا بالدليل على صحتها أو فساد ما عارضها.
وإن لم يتناف الحكمان فقد قيل لا تمنع المعارضة من صحة العلة وللمعلل أن يقول: أقول بالعلتين معاً.
وقيل: بل هذه المعارضة مانعة من صحة العلة حتى يدل على أن علته هي التي أوجبت الحكم الذي ادعاه ثم يصح حينئذ قوله بالعلتين.
وأما معارضة القياس بقياس أخر فمانع من صحة القياس أيضاً سواء قال المعلل بالعلتين أو لم يقل.
لأنه ليس رد الفرع إلى أحد الأصلين بأولى من رده إلى الأصل الآخر إلا أن يترجح أحد القياسين على الآخر بأحد ثلاثة أوجه.
إما بما يرجع إلى أصله وإما بما يرجع إلى حكمه وإما بما يرجع إلى علته فيكون القياس المترجح بأحد هذه الوجوه أولى.
فصل وإذا ثبت أن صحة العلة وفسادها يعتبر بما وصفنا فينبغي للمعلل إذا أراد أن يستنبط علة الأصل المنصوص على حكمه أن يعتبر أوصاف الأصل وصفاً بعد وصف فإن كان الوصف الذي بدأ باعتباره مطرداً على الشروط المعتبرة علم أنه العلم الذي جعله الله تعالى علة الحكم.
وإن لم يطرد واعترضه أحد وجوه الفساد انتقل إلى وصف ثان فإذ وجده مطرداً علم أنه علة الأصل، وإن لم يطرد انتقل إلى وصف ثالث فاعتبره كذلك حتى يأتي على جميع الأوصاف فإذا سلم له أحدها جعله علة الحكم.
فلو سلم له وصفان وصح تعليق الحكم على كل واحد منهما لاطراده على الأصول، لم يجز تعليق الحكم بهما لكن يقع الترجيح بينهما فماذا ترجح أحد الوصفين بعمومه وكثرة فروعه أو بأحد الوجوه التي يكون بها ترجيح العلل علم أن الوصف الذي ترجح هو علة الحكم دون غيره، ولو كانت أوصاف الأصل حين اعتبر بها لا يطرد واحد منها على الأصول ضممت أحد الأوصاف إلى الآخر فإذا صلح لك اجتماع وصفين مطردين جعلتهما معاً علة الحكم.
وإن لم يطرد الوصفان باجتماعهما ضممت إليهما وصفاً ثالثاً، فإذا وجدتها مطردة جعلتها مجموعها علة الأصل، وإن لم تطرد باجتماعها ضممت إليها رابعاً، ثم خامساً ثم سادساً ولا ينحصر بعد ذلك إلى أن ينتهي إلى أن يجمع أوصاف الأصل كله ويقتصر بالعلة على نفس الأصل المنصرص على حكمه كما قلنا في علة الذهب والفضة أنه لما لم يكن يصح تعليق الحكم على أحد أوصافها انتهى بنا التعليل إلى الاقتصار على نفس المنصوص عليه وقلنا: إن علتهما كونهما أثماناً وقيماً.
ومنع أبو حنيفة من هذا بمنعه من العلة الواقعة.
ومع بعض أصحابنا من الزيادة على خمسة أوصاف وهذا فاسد، لأنه لا نجد فرقأ بين الخمسة وبين ما زاد عليها أو نقص منها.
والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ولا يجوز أن يسلف شيئاً بما يكال أو يوزن من

المأكول والمشروب في شئ، منه وإن اختلف الجنسان جازا متفاضلين يداً بيد قياساً على الذهب الذي لا يجوز أن يسلف في الفضة والفضة التي لا يجوز أن تسلف في الذهب".
قال في الحاوي: وهذا صحيح.
وجملته أن الرجلين إذا تبايعا لم يخل ما يضمنه عقد بيعهما عوضاً ومعوضاً من أربعة أقسام: أحدها: أن يكون العوضان مما لا ربا فيه فلا بأس ببيعه نقداً ونساء متفاضلاً ومتماثلاً سواء كانا من جنسين كبيع ثوب بعبد، أو كانا من جنس واحد كبيع ثوب بثوبين، وعبد بعبدين.
والثاني: أن يكون في أحد العوضين الربا دون الآخر كبيع عبد بدراهم أو ثوب بطعام فهذا كالقسم الذي قبله يجوز العقد عليهما نقداً ونساء، ويجوز أن يسلم أحدهما في الآخر.
والثالث: أن يكون العوضان مما فيه الربا بعلتين مختلفتين كالبر بالذهب أو الشعير بالفضة فهذا كالقسمين الماضيين في جواز العقد عليهما نقداً ونساء وإسلام أحدهما في الآخر.
والرابع: أن يكون العوضان مما فيه الربا بعلة واحدة كالبر بالشعير أو بالبر، والذهب بالفضة أو بالذهب، فلا يجوز إسلام أحدهما في الآخر لاشتراكهما في العلة.
ثم ينظر في حال العوضين فإن كانا من جنس واحد كالبر بالبر أو الشعير بالشعير فلا يصح بيعهما إلا بشرطين: التساوي، والتقابض قبل الافتراق.
وقال أبو حنيفة يصح وإن تفرقا قبل القبض وقد مضى الكلام معه.
وإن كان العوضان من جنسين كالبر بالشعير، أو التمر بالزبيب فبيعه معتبر بشرط واحد وهو التقابض قبل الافتراق، والتفاضل فيه يجوز وقد مضى في هذا المعنى ما يغني.
والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وكل ما خرج من المأكول والمشروب والذهب والفضة فلا بأس ببيع بعضه ببعض متفاضلاً إلى أجل وإن كان من صنف واحد".
قال في الحاوي: قد تقرر بما تمهد من علتي الربا أن ما عدا المأكول والمشروب والذهب والفضة لا ربا فيه كالصفر والنحاس والثياب والحيوان، فلا بأس أن يباع الجنس منه بغيره أو بمثله عاجلاً وآجلاً، ومتفاضلاً، فيجوز أن يبيع ثوباً بثوبين وعبداً بعبدين وبعيراً ببعيرين نقداً ونساء.
وقال أبو حنيفة: الجنس يمنع من النساء متفاضلاً ومتماثلاً، فلا يجوز بيع الثياب بالثياب نساء، ولا بيع الحيوان بالحيوان نساء.
استدلالاً برواية قتادة عن الحسن عن سمرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة.
وروى أبو الزبير عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الحيوان واحد باثنين لا بأس به يداً بيد ولا خير فيه إنساء".
ولأنه بيع جنس فلم يجز دخول النساء فيه كالبر.
ولأن الجنس أحد صفتي علة الربا

لأن علة الربا على قول الشافعي مطعوم جنس وعلى قول أبي حنيفة مكيل جنس، وإذا كان الجنس أحد صفتي علة الربا لم يجز دخول النساء فيه كالطعم أو الكيل.
وتحريره قياساً أن ما كان وصفاً في علة الربا كان مانعاً من دخول النساء كالكيل.
والدلالة على خطأ هذا القول ما روي عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يجهز جيشاً ففرت الإبل فأمره أن يأخذ من قلاص الصدقة.
فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة.
رواه أبو داود في سننه.
وروى الليث بن سعد عن أبى الزبير عن جابر قال: جاء عبد فبايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الهجرة ولا يشعر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه عبد فجاء سيده يريده، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - بعنيه فاشتراه بعبدين أسودين ثم لم يبايع أحداً بعد حتى يسأله أعبد هو.
رواه الشافعي في الأم.
وقد روي جواز ذلك عن علي وابن عمر رضي الله عنهما.
فروي عن علي رضي الله عنه أنه باع جملاً له يقال له العصيفير بعشرين جملاً إلى أجل.
وروي عن ابن عمر أنه باع بعيراً بأربعة أبعرة مضمونة بالربذة.
وليس لهما في الصحابة مخالف فكان إجماعاً.
ولأن كل عقد صح اشتراط الخيار فيه، صح دخول الأجل فيه، كالجنين من حيوان وثياب.
ولأن كل جنس جاز دخول التفاضل فيه جاز دخول الأجل فيه كالثياب المروية بالهروية.
فإن قيل: "الهروي والمروي" جنسان فلذلك جاز دخول الأجل فيهما قيل: جنسهما واحد.
ألا ترى أنه لو باعه ثوباً على أنه هروي فبان أنه مروي، كان البيع جائزاً وله الخيار، ولو كان من غير جنسه لبطل البيع، كما لو باعه ثوباً على أنه قطن فبان أنه كتان، كان البيع باطلاً لأنهما جنسان.
ولأن الربا قد يثبت في الجنس من وجهين: التفاضل، والأجل.
فلما كان التفاضل في جنس ما لا ربا فيه جائزاً وجب أن يكون الأجل في جنس ما لا ربا فيه جائزاً.
وتحرير ذلك قياساً: أنه أحد نوعي الربا فوجب ألا يحرم فيما ليس فيه ربا كالتفاضل.
وأما الجواب عن خبري سمرة، وجابر، فهو أن يحمل النهي على دخول الأجل في كلا العوضين، وذلك عندنا غير جائز.
وأما قياسهم على البر بالبر فالمعنى تحريم التفاضل فيه، فذلك حرم الأجل، وليس كذلك في مسألتنا.
وأما استدلالهم بأنه أحد صفتي الربا كالكيل، فالمعنى في الكيل أنه إذا علق به تحريم الأجل، اختص ذلك بما فيه الربا، وإذا علق بالجنس عم ما فيه الربا وما لا ربا فيه، ولا يجوز أن يسوى بين ما فيه الربا، وبين ما لا ربا فيه في أحد نوعي الربا.
ولله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "فلا بأس أن يسلف بعيراً في بعيرين أريد بهما الذبح أو لم يرد ورطل نحاس برطلين وعرض بعرضين إذا دفع العاجل ووصف الآخر.

قال في الحاوي: قد مضى الكلام في جواز بيع الحيوان بالحيوان نساء، فعلى هذا يجوز أن يسلم بعيراً في بعيرين وأكثر.
وقوله: أريد بهما الذبح أو لم يرد إنما عنى به مالكاً حيث منع من بيع بعير ببعيرين أو بعير إذا أريد بهما الذبح أو بأحدهما، والمراد للذبح أن يكون كسيراً أو حطيماً.
استدلالاً بأن ما لا يصلح إلا للذبح يجري في الحكم مجرى اللحم، وبيع اللحم بالحيوان لا يجوز.
والدلالة على خطأ هذا القول وجواز هذا البيع صح ما تقدم من عموم الظواهر الدالة أن كل حيوان جاز بيع بعضه ببعض صحيحاً، جاز بعضه ببعض كسراً كالعبد الصحيح بالعبد الزمن.
ولأنه حيوان فجاز بيع بعضه ببعض كالصحيح.
ولأن كسير الحيوان في حكم الصحيح في تحريم أكله حتى يستباح بالزكاة فوجب أن يكون كالصحيح في جواز بيعه.
وبهذا ينكسر ما استدل به.
وأما قول الشافعي.
ورطل نحاس برطلين وعرض بعرضين.
فلأن ما لا ربا فيه يجوز فيه التفاضل والنساء معاً.
وقوله: إذا دفع العاجل ووصف الآجل فلأن السلم لا يصح إلا بهذين الشرطين.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وما أكل أو شرب مما لا يكال ولا يوزن فلا يباع منه يابس برطب قياساً عندي على ما يكال ويوزن مما يؤكل أو يشرب وما يبقى ويدخر أو لا يبقى ولا يدخر وكان أولى بنا من أن نقيسه بما يباع عدداً من غير المأكول من الثياب والخشب وغيرها ولا يصلح على قياس هذا القول رمانة برمانتين عداً ولا وزناً ولا سفرجلة بسفرجلتين ولا بطيخة ببطيختين ونحو ذلك ويباع جنس منه بجنس من غيره متفاضلاً وجزافاً يداً بيد ولا بأس برمانة بسفرجلتين كما لا بأس بمد حنطة بمدين من تمر ونحو ذلك".
قال في الحاوي: اعلم أن المأكولات كلها ضربان.
ضرب استقر في العرف كيله أو وزنه فهذا فيه الربا على قوله في القديم والجديد معاً.
وضرب استقر في العرف أنه غير مكيل ولا موزون كالرمان والسفرجل، والبطيخ، والقثاء، والبقول، فعلى قوله في القديم: لا ربا فيه ويجوز بيع بعضه ببعض متفاضلاً ومتماثلاً، رطباً ويابساً، عاجلاً وآجلاً وعلى قوله في الجديد فيه الربا.
فعلى هذا يمنع من التفاضل والنساء في الجنس الواحد منه.
ثم لا يخلو حال ما كان رطباً من المأكولات من الفواكه والبقول من أحد أمرين: إما أن يكون أغلب منافعها في حال يبسها وادخارها كالرطب الذي يصير تمراً، والعنب الذي يصير زبيباً، فلا يجوز أن يباع الجنس الواحد منه رطبه بيابسه، كما لا يجوز بيع التمر بالرطب حتى إذا صار يابساً مدخراً بيع بعضه ببعض يداً بيد.
وإما أن يكون أغلب منافعه في حال رطوبته كالرمان والسفرجل والبطيخ والبقول فقد اختلف أصحابنا في جواز بيع بعضه ببعض رطباً.

جارٍ التحميل