بحر المذهب للرويانيكتاب زكاة الفطر
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب من يلزمه زكاة الفطر

[220 ب/4] قال 1: أخبرنا مالكٌ .... الخبر.
وهذا كما قال: اعلم أنه يقال: زكاة الفطر وزكاة الفطرة فمن قال بالأول: فلوجوبها بدخول وقت الفطر، ومن قال بالثاني: فلوجوبها على الفطرة، والفطر هي الخلقة، قال الله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: 30]، أي: خلقته التي جبل الناس عليها واختلف أصحابنا هل وجبت ابتداء بما وجبت به زكاة الأموال أم بغيره فقال البغداديون من أصحابنا: وجبت بالظواهر التي وجبت بها زكاة الأموال من الكتاب والسنة لعمومها في الزكاتين، وقال غيرهم: وجوبها أسبق لما روي عن قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنه أنه قال: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بزكاة الفطر قبل نزول آية الزكوات، فلما نزلت آية الزكوات لم يأمرنا، ولم ينهنا" 2، ومن قال بهذا اختلفوا هل وجبت بالسنة أم بالكتاب؟ والسنة مبنية على وجهين، أحدهما: بالسبنة لخبر قيس فعلى هذا الدلالة على وجوبها من طريق السنة خبر عبد الله بن عمر رضي الله عنه وهو أنه قال: "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر من رمضان على الناس صاعًا من تمر أو صاعًا من [221 أ/4] شعير على كل ذكر وأنثى حر وعبد من المسلمين" 3، وروي على كل حر وعبد، لأن العبد لا يلزمه، وإنما تجب عنه، وروى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم "فرض زكاة الفطر طهرة للصائم من الرفث واللغو وطعمة للمساكين من أدّاها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات" 4، والوجه الثاني: أنها وجبت بكتاب الله تعالى، وإنما البيان مأخوذ من السنةن ومعنى قوله فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم أي: قدرها ثم بأية آية وجبت فيه قولان، أحدهما: بقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى﴾ [الأعلى: 14]، قال سعيد بن المسيب 5 وعمر بن عبد العزيز: هي زكاة الفطر، والثاني: بقوله تعالى: {وأَقَامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا

الجزء: 3 - الصفحة: 200

الزَّكَاةَ} [البقرة: 277]، ثم اعلم أنها مفروضة عندنا والفرض والواجب سواء.
وقال أبو حنيفة: هي واجبة وليست بفريضة، وقال: الفرض هو اسم لما وجب بدليل معلوم لا يسوغ الاجتهاد في نفيه وهذا خلاف لا يفيد شيئًا، والدليل على بطلانه الخبر الذي ذكرنا، فإنه قال/ فرض، وقال: زكاة، والزكاة مفروضة وقال الأصم وابن علية وقوم من أهل البصرة [221 ب/4] إنها ليست بواجبة وهو اختيار أبي الحسين اللبان الفرضي، واحتجوا بحديث قيس فلما نزلت آية الزكوات لم يأمرنا، ولم ينهنا.
وهذا غلط؛ لأن تركه للأمر ثانيًا لا يسقط حكم الأمر الأول، وروي في بعض الألفاظ عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، وقال داود: زكاة الفطر تجب على العبد وعلى السيد إن يخليه ليكتسب ويؤديها وهذا غلط، لقوله صلى الله عليه وسلم: "عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق إلا صدقة الفطر في الرقيق" ولأنه شخص من أهل الطهرة يلزمه نفقة شخص من أهل الطهرة فليزمه فطرته مع القدرة كالولد مع والده.
مسألة: قال الشَّافعيُّ 6: "فَلَم يَفْرضِهَا إلا على المُسْلِمينَ".
وإنما قال ذلك للخبرين اللذين ذكرناهما، فإنه نص فيهما على المسلمين، ومن قال من أصحابنا أن الكفار غير مخاطبين بالشرائع احتج بهذا الكلام ومن قال هم مخاطبون قال: أراد الشافعي فرض الأداء؛ لأنه لا يصح أداؤها من الكافر.
مسألة: قال 7: "والعبَيدُ لا مَالَ لَهُم".
وقد ذكرنا [222 أ/4] هذا وهل تجب على السيد ابتداء أم تجب على العبد ثم يتحملها السيد؟ وجهان: أحدهما: تجب عليه لأن وجوبها في ماله فكانت عليه كفطرة نفسه، وأما المدبر والمعتق نصفه وأم الولد قال في "الأم": هؤلاء في حكم العبد القن، وقال في المكاتب: لا يلزمه أن يزكي عنه ولا يلزمه أن يزكي نفسه وهذا لأن المكاتب ناقص الملك، ولهذا لا تلزمه الزكاة في ماله، فكذلك زكاة الفطر ويجري مع سيده مجرى الأجنبي فلا يلزمه زكاة فطره بحكم الملك، وروى أبو ثور عن الشافعي قولًا في القديم: إن فطرته على سيده لقوله صلى الله عليه وسلم: "المكاتب عبد ما بقي عليه درهم" 8 ولأن أكثر ما فيه ضعف ملكه، وذلك لا يوجب سقوط فطرته كالآبق وهذا غلط، لأن الآبق لم يصر في حكم الأجنبي معه في شيء من الأحكام.
وقال أحمد: يجب زكاة فطره في كسبه كنفقته، وقال ابن سريج: يلزمه أن يؤدي عن نفسه ويلزمه أن يزكي عن عبده أيضًا، تشبيهًا بالنفقة.
فرع لو ارتد عبده عن الإسلام في هلال شوال ثم أسلم فيه ثلاثة أوجه [222 ب/4]

الجزء: 3 - الصفحة: 201

أحدها لا شيء، إذا قلنا: رب المال إذا ارتد ثم عاد إلى الإسلام استأنف الحول في ماله، والثاني: وهو الأصح ذكره في "الحاوي" 9 عليه زكاة فطره وإن لم يسلم إذا قلنا: على رب المال الزكاة عاد إلى الإسلام أم لا، والثالث: أنها موقوفة على إسلامه، فإذا عاد يجب إذا قلنا: زكاة رب المال المرتد موقوفة على إسلامه وهذا أظهر عندي.
وقال والدي رحمه الله: الأظهر أنها لا تلزم لأنها تراد للطهره والردة تضادها، ثم قال بعد هذا: ويؤدي السيد عن رقيقه وهذا إذا قلنا: لا يملك بالتمليك فيلزم سيده ذلك، وإذا قلنا بقوله القديم: لا يجب على سيده فطرته ولا يجب على سيده أيضًا، لأنه ناقص الملك وقد زال ملك السيد، ومن أصحابنا من قال: على هذا القول قولان، والقول الذي يجب على سيد سيده، وقال الشيخ أبو حامد: هذا ظن من أصحابنا، وبئس ما ظنوا فقول واحد لا يجب على أحد إذا قلنا: يملك بالتمليك.
مسألة: قال 10: وكل من لزمته مؤنة أحد حتى لا يكون له تركها أدى زكاة الفطر عنه.
وهذا [223 أ/4] كما قال: جملته أن زكاة الفطر عند الشافعي هي تابعة للنفقة فكل من كانت نفقته في ماله يفطر به في ماله، وكل من وجبت نفقته على غيره وجبت فطرته على ذلك الغير، والنفقة تجب على الغير بالسبب والنسب، فأما ذوو الأسباب: فالكلام عليهم يأتي، وأما ذوو الأنساب: فإنما تجب نفقتهم إذا كانوا من عمود الولادة وهم الوالدون والمولودون فكل من وقع عليه اسم اب حقيقة أو مجازًا لزمه نفقته وكل من وقع عليه اسم حقيقة أو مجازًا لزمته نفقتها وارثة كانت أو غير وارثة أولى بأب أو أم، والبنون والبنات وأولادهم ما توالدوا وتناسلوا وولد الإناث والذكور سواء، فالولد لا يخلو: إما أن يكون معسرًا أو موسرًا فإن كان موسرًا ففطرته ونفقته في ماله، وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف، وقال محمد: نفقته في ماله وفطرته على أبيه، وبه قال زفر وإن تطوع الأب فأخرجها من مال نفسه يجوز ولو كان وصيًأ أو أمين حاكم فتطوع لم يجز، والفرق أن الأب يحتج به وولايته كاملة لأنه يتولى طرفي العقد فنيته تقوم مقامة نيته للولاية فجاز أن يتطوع بزكاة فطره [223 ب/4] بخلاف الوصي هكذا قال أصحابنا، وفي هذا الفرق نظر وعندي انه لا فرق بينهما في الجواز، وإن كان معسرًا فنفقته وفطره على أبيه، وهذا إجماع لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في خبر ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: لا تجب إلا على من أطاق الصلاة والصيام، وروى الحسن وسعيد بن المسيب: لا تجب إلا على من صلى وصام، وإن كان كبيرًا ففيه ثلاث مسائل: إحداها: أن يكون موسرًا فنفقته وفطرته في ماله.

الجزء: 3 - الصفحة: 202

والثانية: أن يكون زمنًا معسرًا فنفقته وفطرته على أبيه خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: لا تلزمه فطرته لأنه لا ولاية له عليه وهذا غلط، لأن تشبيهها بالنفقة أولى، وقوله في "المختصر": من ولده الصغار والكبار الزمني الفقراء فصفة الفقراء هي راجعة إلى الصغار والكبار جميعًا وصفة الزمني راجعة إلى الكبار خاصة دون الصغار.
والثالثة: أن يكون صحيحًا معسرًا فاختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: لا تجب نفقته ولا فطرته على والده قولًا واحدًا وهو الصحيح من المذهب [224 أ/4] لأن الشافعي شرط الزمانة، وحين أطلق الشافعي الفقر ولم يشترط الزمانة محمول على ما قيد فيه من الزمان في ...... 11 ومن أصحابنا ومن أصحابنا من قال: فيه قولان، والحكم في ولد ولده وإن سفل فالحكم في ولده لصلبه على سواء، وقال أبو حنيفة: لا تجب الفطرة على الجد وهذا غلط لما ذكرنا من العلة، وأما الأب إن كان موسرًا ففطرته ونفقته في ماله، وإن كان معسرًا زمنًا فنفقته .... وفطرته على ولده وإن كان صحيحًا معسرًا فطريقان: أحدهما: قول واحد يلزمه نفقته وفطرته ولا يشترط فيه الزمانة والفرق بينه وبين الأب هو: أن حق الأب آكد وأقوى بدليل أن على الابن أن يعف أباه وليس على الأب أن يعف ابنه فافترقا، والثاني: فيه قولان، قال: في الزكاة نفقته وفطرته على ولده، وقال في النفقات: لا تجب نفقته على ولده، وقال القاضي الطبري: فيه طريقة ثالثة: وهي أنه شرط فيه الزمانة قولًا واحدًا كما قلنا في الابن وهو الصحيح من المذهب، ووجه هذا أنه لا تحل له الصدقة كما قال صلى الله عليه وسلم: "لا حظ فيها لغني ولا ذي مرة" فلا تجب [224 ب/4] فطرته ونفقته على غيره وحكم الأم والجدة حكم الأب، وبه قال مالك وقال أبو حنيفة: لا تجب فطرة هؤلاء على الابن لأن الفطرة عنده هي تبع الولادة وهذا غلط، لأن الأب المجنون لا ولاية له ويجب في ماله فطرة ابنه وفطرة نفسه وللحاكم ولايته على الصغير ولا يؤدي عنه زكاة الفطر من مال نفسه والدليل على ما قلنا قوله صلى الله عليه وسلم: "ممن تمونون" وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: "جرت عليك نفقته فأطعم عنه نصف صاع من بر أو صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير"، ولا مخالف له، ووافقنا أحمد فيما ذكرنا إلا أنه يوجب النفقة للأخ على الأخ والأب الصحيح ويوجب فطرتهما أيضًا، وقال القفال وأبو حنيفة: خالف المروي في زكاة .... 12 من عشرة أوجه: أحدها: أنه لا يجعل زكاة الفطر فريضةن والثاني: أنه قد روي في بعض الألفاظ صاعًا من بر، وروي صاعًا من طعام وعنده يجب نصف صاع من بر، والثالث: مال من المسلمين وعنده يزكي عن عبده الكافر، والرابع: أوجب على كل مسلم ولم يشترط الغني وعنده لا يجب إلا على من يملك نصابًا.
والخامس: [225 أ/4] قال: "ممن تمونون" فجعلها تابعة للمؤنة وظاهرة يوجب فطرة الزوجة صدقة فطر الزوجة على

الجزء: 3 - الصفحة: 203

زوجها وعنده لا يجب، والسادس: ظاهره يوجب صدقة الأب على أبيه خلافًا له، والسابع: ظاهره يوجب صدقة الابن الكبير المعسر على أبيه وعنده لا يجب، والثامن: ظاهرة يوجب في العبد المشرك خلافًا له، والتاسع: ظاهره أن إخراج الحب واجب وعنده تجوز القيمة، والعاشر: لم يفصل يبن عبده للتجارة وبين عبد القنية وهو يفصل.
فرع لو احتاج الأب إلى مال الطفل له أن ينفق من ماله على نفسه ويخرج فطرة نفسه أيضًا من ماله، ولا يجوز للأجنبي أن يؤدي عن الصغير فطرته من ماله، ولو فعل ضمن، وإنما يجوز ذلك للقيم.
فرع آخر لو تطوع الأب بإخراج زكاة الفطر عن نفسه فإنه يجوز، وإن كانت تجب على ابنه لأنها تجب في حقه للمواساة، وإذا تطوع ارتفع وجه المواساة، ولو تطوعت الزوجة بغير إذن الزوج وأدت عن نفسها زكاة الفطر لا يجوز في أحد الوجهين، لأنها تجب على طريق المعاوضة ولهذا تجب مع غناها، هكذا ذكر في "الحاوي" 13، وقال سائر أصحابنا: فيها [225 ب/4] وجهان بناء على وجوبها ابتداء، فإن قلنا: تجب على المؤدي فلا يجوز لهما بغير الإذن، وإن قلنا: تجب على المؤدي عنه يجوز بغير الإذن وهو ظاهر المذهب.
فرع آخر لو كان له أب فقير بحيث يلزمه نفقته ونفقة زوجته هل تلزمه زكاة فطرة زوجته؟ وجهان: أحدهما: يلزم كنفقتها، والثاني: لا يلزم لأن ذلك لا يلزم أباه، وإنما يلزمه ما يلزم أباه وهذا أشبه بالمذهب وقال أصحابنا بخراسان: المذهب أنها تلزم، وتلزم زكاة فطر خادمة زوجة الأب أيضًا إن كانت لها مخدومة، وأما فطرة امرأة ابنه لا تجب كنفقتها بلا إشكال.
فرع لو ملك الابن الصغير قوت يومه وليلته حتى لم تجب نفقته على ابنه كذلك اليوم تجب فطرته عليه ولو ملك الابن الكبير الزمن قوت يومه وليلته لم تجب على أبيه فطرته كما لا تجب نفقته، والفرق أن نفقة الابن الكبير لا تثبت في الذمة بحال فهي لكفاية الوقت، ونفقة الصغير إذا وجبت ثبتت في الذمة فهي آكد، ألا ترى أن الأم تستدين على الأب نفقة الصبي ثم تطالب الأب فيه فصارت كنفقة نفسه وفطرته لفطرة الأب نفسه وعليه [226 أ/4] أن يكتسب لنفسه النفقة فكذلك لابنه الصغير، وفيه نظر عندي.

الجزء: 3 - الصفحة: 204

فرع آخر قال الشافعي في القديم: إذا كان الابن الصغير عبد فإن لم يكن محتاجًا إلى خدمته لأنه مستقل بنفسه ويمكنه أن يخدم نفسه يباع من العبد بمقدار زكاة الفطر، وإن كان محتاجًا إلى خدمته لا يباع منه شيء، وقال الداراكي: إذا كان يحتاج إلى خدمته فيه وجهان: أحدهما: هذا وتكون زكاة الفطر في ذمته، والثاني: يباع منه بقدر الزكاة والأول أصحن وهكذا في العبد المرهون وجهان: أحدهما: يباع منه كأرش الجناية، والثاني: في مال الراهن كالمؤنةز وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا يباع منه شيء بحال ويشترط في زكاة الفطر أن يملك سواه شيئًا والصحيح المنصوص ما ذكرنا من التفصيل، وقد قال الشافعي: لو وهب لابنه الصغير عبدًا وليس للأب مال وهو محتاج إلى خدمته فعلى الأب أن ينفق على ذلك العبد ويخرج عنه صدقة الفطر وهذا يدل على ما ذكرنا.
فرع آخر قال القفال تفريعًا على ما تقدم: لو ملك الابن الكبير قوت يوم العيد فإن أكله فليس على الابن الصدقةن وإن تصدق به فعلى الأب النفقة [226 ب/4].
مسألة: قال 14: أو زَوْجَتِه وخادمٍ لَهَا.
وهذا كما قال: قد ذكرنا الفطرة التي تتحمل بالنسب والكلام الآن في تحملها بالسبب والسبب ضربان: نكاح، وملك يمين، أما ملك اليمين فسيأتي حكمه، وأما النكاح: فيلزم فطرة زوجته عليه وبه قال مالك والليث وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وقال أبو حنيفة والثوري: وهو اختيار ابن المنذر لا يلزمه بل يلزمها في مالها وهذا غلط لما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم "فرض زكاة الفطر على الصغير والكبير والحر والعبد ممن يمونون" والزوجة يمونها ولا فرق بين أن تكون موسرة أو معسرة، وأما فطرة خادمها فالكلام في المخدومة أولًا والمرجع فيه إلى العرف والعادة فإن كانت ممن تخدم مثلها وجبت عليه أن يخدمها وإلا فلا، ولكن من الذي يخدمها قال أبو إسحاق: الزوج هو بالخيار بين أربعة أشياء: بين أن يخدمها بنفسه، أو يكتري لها خادمًا، أو يشتري من يخدمها، أو يكون لها خادم فينفق على ذلك الخادم، وقال .... 15 أشياء فليس .... 16 بنفسه لأنها تحتشم أن تستوفي خدمته فإن خدمها بنفسه فهو يخرج فطرة نفسه وإن [227 أ/4] اشترى من يخدمها أو يكون لها خادم فعليه فطرته ونفقته معًا، وإن اكترى من يخدمها فلا نفقة عليه ولا فطرة لأنه يأخذ الأجرة لا النفقة.
فرع لو كان الزوج غائبًا فلها أن تستقرض على الزوج لنفقتها وليس لها أن تستقرض

الجزء: 3 - الصفحة: 205

لفطرتها، والفرق أن عليها في انقطاع النفقة عنها مضرة لأن النفس لا تقوم إلا بها بخلاف الفطرة، لأن الزوج هو المخاطب بإخراجها ولا ضرر على بدنها ولا على دينها في تركها.
فرع لو كان الزوج حاضرًا هل لها أن تطالب الزوج بإخراجها؟ وجهان بناء على أن الوجوب هو على الزوج ابتداءً أو عليها ثم يتحمل الزوج عنها وهو كما لو حلق حلال شعر محرم مكرهًا هل له أن يطالب الحالق بإخراج الجزاء فيه قولان، وهكذا الحكم في الأب الزمن.
فرع آخر لو نشزت سقطت نفقتها وفطرتها فإذا عادت إلى الطاعة عادت النفقة والفطرة ويفارق العبد الآبق لأن نفقة العبد هي لازمة في حال الإباق لحكم الملك لأن كسبه مال السيد فمتى أنفق على نفسه ففي الحقيقة كأنَّ السيد قد أنفق عليه من مال نفسه، ونفقة [227 ب/4] الزوجة تلزمه بحكم الطاعة فيسقط بالنشوز ثم بسقوطها تسقط زكاة الفطر.
فرع لو طلق امرأته وهي حامل، قال المزني: عليه الزكاة في قياس قول أصحابنا، لأن عليه نفقتها وهي تابعة للنفقة، وقال أصحابنا: هذا مبني على أن النفقة هل هي للحمل أو للحامل، وإن قلنا: إن النفقة لها لزمه زكاة فطرها وإلا فلا يلزم.
فرع آخر ذكره والدي رحمه الله أنه لو أدى زكاة الفطر عن عبده قبل هلال شوال بعد دخول شهر رمضان ثم باعه فإنه يلزم المشتري أداء زكاة الفطر عنه ولا يصح ما دفعه البائع، ولو مات السيد فانتقل إلى وارثه هل عليه الإخراج قولان مخرجان، ونص في زكاة المال إذا عجلها ثم مات يجوز عن ورثته.
فرع آخر ذكره والدي رحمه الله: لو اعترف أحد عبديه بغير عينه ثم أهل شوال ثم عين الجزية في أحدهما فيه وجهان: أحدهما: عليه زكاة فطرهما، والثاني: عليه زكاة فطر المحكومة برقه دون الآخر، وأصل ذلك أن الجزئية تقع من وقت التعيين أو من وقت القول وفيه وجهان.
فرع آخر ذكره والدي رحمه الله: إذا دخل وقت [228 أ/4] الوجوب ثم أقر أنه كان أعتق هذا العبد وأنكره العبد لم تسقط عنه زكاة الفطر لأن زكاته وجبت عليه في الظاهر وقوله على غيره لا تقبل بوجه في زكاة المال، إذا قال: كنت وقفته على رجل قبل الحول أو

الجزء: 3 - الصفحة: 206

كنت بعته من كافر قبل قوله لأنه لا ينقلها إلى غيره بل يدوم إسقاط الزكاة عن نفسه وهو أمين فيها.
فرع آخر ذكره والدي رحمه الله: وهو إذا كان في بيت المال عبد هل تلزم زكاة فطره؟ يحتمل وجهين: أحدهما: تلزم لأنها تجب لطهرة العبد، والثاني: لا تلزم كزكاة المال وهذا أظهر، ورأيت الوجهين عن سائر أصحابنا، وهكذا لو كان موقوفًا على المسجد والمذهب أنه يلزم في مال المسجد وهناك يلزم في بيت المال، ولو وقف عبدًا على رجل فإن قلنا: ملك الموقوف زال لا إلى أحد لا تلزمه فطرته، وإن قلنا: زال إلى الموقوف عليه ففيه وجهان: أحدهما: يلزمه، والثاني: لا يلزمه لنقصان ملكه وهو كما ذكرنا في زكاة المال.
فرع آخر ليس للزوجة مطالبة الزوج بأدائها عنها لأنها واجبة على الزوج، ووجوبها إن كان يجري مجرى الحوالة أو [228 ب/4] مجرى الضمان فليس للمحيل المطالبة ولا للمضمون عنه المطالبة، وقد ذكرنا الخلاف فيه والمذهب هذا.
مسألة: قال 17: ويؤدي عن عبيدهِ الحضور والغيب.
وهذا كما قال: إذا كان له عبد غائب فإن كان يعلم موضعه ويتيقن حياته تلزمه زكاة فطره سواء كان آبقًا أو غير آبق وسواء كان في بلد الإسلام أو في بلد الشرك لأن زكاة الفطر تجب بالملك ولا يعتبر حصول النماء ويجب إخراجها في الحال بخلاف المال المغصوب إذا أوجبنا فيه الزكاة لا يجب إخراجها في الحال، وهذا هو المذهب الصحيح، ومن أصحابنا من قال: وهو أبو حامد نص في "الإملاء" على قولين أحدهما: هذا، والثاني: لا يلزمه إخراجها حتى لا يرجع وهذا لا يصح، لأنا لا نراعي في صدقة الفطر إمكان الأداء، ولهذا لو تلف ماله قبل إمكان أداء الفطرة عن نفسه لم تسقط الفطرة بخلاف زكاة المال، وقيل: في الوجوب قولان كما في زكاة المال والآبق، وفيه وجه آخر ضعيف: أنها تسقط بتلف المال قبل الإمكان كزكاة المال، وإن لم يعلم حياته، ظاهر ما نقل المزني أنه لا تلزم فطرته لأنه قال: وإن لم ترجع رجعتهم بأن غابوا عنه أو افتقدهم ولا [229 أ/4] يسمع خبرهم إذا علم حياتهم وقال في موضع من "الأم" 18: تلزم فطرته، وإن لم يعلم حياته فمن أصحابنا من قال: فيه قولان أحدهما: يلزم لما ذكرنا من المعنى والأصل بقاء الملك، والثاني: لا يلزم لأنه لو كان له مال غائب ولا يعلم سلامته لم تلزمه زكاته، والأصل براءة ذمته عن الزكاة، والأول أصح والفرق بينه وبين زكاة المال أنه يراعى فيه حصول النماء بخلاف الفطرة فإنه يكفي

الجزء: 3 - الصفحة: 207

فيها الملك، والأصل بقاؤه، وقال القفال إن قلنا في الآبق: لا يجب فهاهنا أولى، وإن قلنا: هناك يجب فهاهنا قولان: وأما جواز إعتاق هذا العبد عن الكفارة فيه قولان بناء على أن الأصل حياته أو بقاء اشتغال ذمته بالكفارة، ومن أصحابنا من قال قول واحد: لا يجزي في الكفارة واعتبار الاحتياط يوجب الفرق بينها وبين زكاة الفطر، ومن أصحابنا من قال قول واحد: تلزمه زكاة في فطره أيضًا، كما نص عليه في "الأم"، كما يلزم عن الابن الزمن وإن كان عاقًا والذي قال إذا علم حياتهم فليس بشرط بل نص على أحد المسألتين وسكت [229 أ/4] عن الأخرى ثم ذكرها في موضع آخر وهذا هو اختيار المزني، ومن أصحابنا من قال: هو على اختلاف حالين إن آيس عن رجوعهم لم يجب، وإن لم ييأس يجب وهذا أحسن عندي، وأما المرهون فيلزمه زكاة فطره لأن ملكه تام عليه، وأما المغصوب فالحكم فيه ما ذكرنا في الآبق، وقرئ في "المختصر" أو مغضوبًا بالغين غير المعجمة والضاد أراد به الزمن المقطوع، ولا خلاف في وجوب فطرته وفي بعض نسخ المزني: والمغضوب لا منفعة فيه، ثم قال: ورفيق رفيقه ورفيق التجارة والخدمة سواء، وقد ذكرناهما.
فرع إذا ملك عبدًا وهو يحتاج إليه ولا مال له سواه هل يلزمه فطرته وجهان: أحدهما: لا يلزمه لأنه يستغرقه حاجته كما لا يلزمه عتقه في الكفارة.
والثاني: يلزمه لأنه يباع في دينه ويفارق الكفارة لأن لها بدلًا بخلاف الفطرة.
فرع آخر إذا ملك عبدًا وصاعًا وهو محتاج إلى العبد للخدمة وقلنا: إذا ملك عبدًا للخدمة ولا مال له سواه يلزمه فطرة نفسه فأخرج الصاع عن نفسه هل نجعل ملكه للعبد غنيً عن حق العبد حتى يبيع جزءًا منه لفطرته [230 أ/4] وجهان: أحدهما: لا نحكم بغناه ولا نلزمه ذلك لأن العبد يزكي عنه فلا يستحق صرفه في الزكاة، والثاني: يلزمه لأن الخطاب متوجه على السيد وهو غني بملكه العبد والأول أصح.
مسألة: قال 19: وَإِنْ كَانَ فِيمنْ يُمَوّنُ كافر.
الفصل وهذا كما قال: إذا ملك عبدًا كافرًا وله زوجة كافرة لا فطرة عليه، وقال أبو حنيفة: يلزمه الفطرة عن عبده الكافر وبه قال الثوري وإسحاق، وبقولنا قال مالك وأحمد وهذا غلط، لأنها تراد للطهرة ولا يطهر بالزكاة إلا مسلم.
فرع إذا كان لنصراني عبد فأسلم في آخر رمضان أو كانت له أم ولد فأسلمت ثم أهل

الجزء: 3 - الصفحة: 208

هلال شوال فيه وجهان: أحدهما: عليه زكاة فطره لأن هذا العبد من أهل الطهرة فيؤدي عنه زكاة الفطر وبه قال أحمد، فيأخذ الإمام من ماله كما يأخذ من الممتنع الزكاة لأنه ليس من أهل القربة، والثاني: لا يلزمه زكاة فطره وبه قال أبو حنيفة لأنه كافر فلا يكلف زكاة الفطر وهذا مبنيان على أن الزكاة هل تجب على السيد ابتداء أم على العبد؟ [230 ب/4] ثم يتحمل السيد وفيه قولان، فإن قلنا: تجب على السيد ابتداء لا تجب هاهنا، وإن قلنا: تجب على العبد ثم يتحملها السيد يجب هاهنا لأن السيد من أهل التحمل، وقال القاضي الطبري: الوجهان محتملان، ولكن البناء على القولين لا يصح لأنه لو جاز هذا لجاز أن يقال: إذا كان للمسلم عبد كافر أن يكون في وجوب فطرته وجهان، بناء على القولين فإن قلنا: تجب على السيد ابتداءً يجب هاهنا وهذا لا يصح فكذلك ما قاله.
فرع آخر لو كان له ابن كافر زمن وولد مسلم فعليه نفقته دون الفطرة، وإن كان الابن مسلمًا والوالد كافر غني هل يلزمه فطرته؟ يخرج على وجهين كما ذكرنا في المسألة قبلها ثم قال 20: وإن كان ولده في ولايته ولهم أموال زكى منها عنهم وقد ذكرنا هذه المسألة، وقوله في ولايته أي: في حجره وهو قيم عليه ولو كان لابنه الصغير عبد أخرج زكاة الفطر عنه في مال ابنه، فإن لم يكن له مال سواه، فإن كان الابن يحتاج إليه لزمانته أو صغره فإنه يجب على الأب نفقته وفطرته، وإن كان مستغنيًا عنه كانت زكاة الفطر في قيمته [231 أ/4] فيبيع منه ويزكي فإن تعذر بيه جزء باع الكل ثم قال 21: فإن تطوع حر فيمن يمون فأخرجها عن نفسه أجزأه وقد بينا هذه المسألة وهذا هو الصحيح في الزوجة والوالد والولد، ويتصور ذلك فيهما بأن يستقرضا صاعًا ليلة الفطر وأدَّيا.
مسألة: قال 22: "وَإِنَّما يَجِبُ عَليهِ أَنْ يُزَكِّي عَمّن كان عندهُ مِنْهُم في شيءِ من نهارٍ آخر يومٍ منْ شهرِ رمضانَ".
الفصل وهذا كما قال: اختلف قول الشافعي في وقت وجوب زكاة الفطر فقال في الجديد: بغروب الشمس من آخر شهر رمضان فإن تزوج أو ولد له ولدًا وملك عبدًا أو كان كافرًا فأسلم قبل الغروب ثم غربت الشمس وجبت الفطرة، فإن ماتوا قبل الغروب فلا شيء عليه، وإن ماتوا بعد الغروب لم تسقط الفطرة، وبه قال الثوري وأحمد وإسحاق، وهو رواية عن مالك، ووجهه ما روي في الخبر المعروف فرض زكاة الفطر من رمضان وأراد وقت الفطر منه وهو عند غروب الشمس من آخر يوم من رمضان ..... 23 وفي

الجزء: 3 - الصفحة: 209

سائره نام قبله إنما كان ذلك ..... 24 وقت الفطر في رمضان لا من رمضان، وقال في القديم: تجب بطلوع الفجر الثاني من [231 ب/4] يوم الفطر فإن تزوج أو ولد له ولد أو ملك عبدًا وماتوا قبل الطلوع فلا فطرة لأنهم لم يمر بهم وقت الوجوب، وبه قال أبو حنيفة وأبو ثور وهو رواية أخرى عن مالك، ووجهه قوله صلى الله عليه وسلم: "أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم" 25 فخص يوم وهذا غلط، لأن الإغناء يحصل بتقديم الدفع في ليلته، فخص يوم وهذا غلط، لأن الإغناء يحصل بتقديم الدفع في ليلته، وفيه قول ثالث مخرج، تجب بإدراك غروب الشمس وطلوع الفجر معًا حتى لو ولد له ولد قبل غروب الشمس ثم مات قبل الطلوع لا فطرة عليه، ذكره صاحب "التلخيص"، وهذا لا يعرف للشافعي، وروي عن مالك وهو الصحيح عنه في الولد تجب زكاة الفطر بطلوع الفجر، وفي العبد بغروب الشمس ولا يلزم بأداء الفطرة عن الجنين بلا خلاف.
مسألة: قال 26: "وإنْ كَانَ عَبْدٌ بينهُ وبينَ آخر فعلى كُلِّ واحدٍ منهما بقدرِ مَا يملك".
الفصل وهذا كما قال: إذا كان عبد بينه وبين آخر فعلى كل واحد منهما بقدر ما يملك وهكذا لو كان بينه وبين جماعة وبه قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: لا تجب زكاة فطرة عليهما حتى لو ملك رجلان مائة عبد بينهما فلا يجب عليهما زكاة فطرهم ولا يحتسب [232 أ/4] كل نصفين عبدًا كاملًا بخلاف ثمانين شاة مشتركة بين رجلين يجب عليهما شاتان عنده وهذا غلط، لأنه شخص من أهل الطهرة كالعبد الخالص فإذا تقرر هذا فإن كان قوتهما واحدًا أخرجا منه صاعًا واحدًا، وروي عن أحمد: أنه يخرج كل واحد منهما صاعًا كاملًا لأنها لا تتبعض ..... 27 لأنها تتبع النفقة والنفقة تتبعض فكذلك هذه، ولأنه يؤدي إلى زيادة صاع آخر عن شخص واحد وهذا خلاف النص، وإن كان قوت أحدهما حنطة وقوت الآخر شعيرًا ففيه أوجه أحدها: ذكره أبو إسحاق أخرج كل واحد منهما ما وجب عليه من قوت نفسه وليس ذلك بتبعيض الصاع، وإنما يكون تبعيضًا إذا وجب على كل واحد وهذا أصح، والثاني: حكاه أبو غانم عن ابن سريج أنه قال: لا يجوز من جنسين ولا يجبر من قوته الشعير على إخراج الحنطة فيخرجان صاعًا من شعير لأن من يقتات البر يقدر على الشعير وهذا كالمنفرد إذا فضل من قوته نصف صاع حطة ونصف صاع شعير أخرج من الشعير، ولا يجوز التبعيض، والثالث: يعتبر قوت العبد لأنها طهرة ب 232 ب/4] العبد، والرابع: يخرجان من غالب قوت البلد إن كان في بلد واحد، وإن كانا في بلدين أخرج من غالب قوت البلد الذي فيه العبد ذكره أبو حامد.

الجزء: 3 - الصفحة: 210

مسألة: قال 28: "وَلَو كانَ لَهُ نِصْفَهُ ونصفهُ حرُّ فعليهِ في نصفهِ نصفُ زكاتهِ".
الفصل وهذا كما قال: إذا كان نصفه عبدًا ونصفه حرًا فنصف الفطرة عليه بنصفه الحر ونصفها على السيد بنصفه المملوك سواء كانت بينهما مهايأة أو لا، ولا تدخل الفطرة في المهايأة لأن المهايأة معاوضة فإن كل واحد منهما يترك حقه من كسبه في يوم ليأخذ حق صاحبه من كسبه في الغد والزكاة لا تدخل في المعاوضة ولأنه إنما يدخل في المهايأة ما هو من حقوق الآدميين والزكاة من حقوق الله تعالى وبه قال أحمد.
ومن أصحابنا من قال: فيه قول آخر: يدخل زكاة الفطر في المهايأة تبعًا للنفقة.
فعلى هذا إن أهلَّ هلال شوال في شهر السيد يلزمه زكاة فطره كاملة، وإن كان في شهر العبد تلزم العبد كاملة، وما تقدم هو أصح، قال القفال: وهكذا الخلاف في العبد بين الشريكين إذا كانت بينهما مهايأة [233 أ/4] ولا خلاف أن العبد إذا جنى في أحد يومي المهايأة لم يكن للمهايأة في أرش الجناية حكم والفطرة هي كأرش الجناية فالصحيح أن المسألة على قول واحد، وروي عن مالك: يجب على السيد بقدر ما يملك ولا شيء على العبد، وقال أبو حنيفة: لا فطرة عليهما لأنه في معنى المكاتب لوجوب الاستغناء، فإذا تقرر هذا فإن كانت بينهما مهايأة تعتبر فيما يلزم العبد أن يفصل نصف صاع عن قوت ليلته ويومه إن وافق ليلة العبد في يومه، وإن كان وافق في يوم السيد اعتبر أن يملك نصف صاع ولا يلزمه نفقته في ذلك اليوم، وإذا لم يكن بينهما مهايأة يعتبر أن يفصل نصف صاع غير نصف قوته لأن نصف قوته عليه ونصف قوته على سيده وأراد في "المختصر" أنه إذا كانت بينهما مهايأة، لأنه قال: إذا كان للعبد ما يقوته ليلة الفطر ويومه وجميع نفقته لا يكون عليه إلا عند المهايأة.
مسألة: قال 29: "وَلَوْ بَاعَ عبدًا على أنهُ بالخِيَارِ".
الفصل وقد ذكرنا هذه المسألة فلا معنى للإعادة، وقال ابن خيران: إذا اشترى أباه ولم يقبضه ولا دفع ثمنه حتى أهلَّ شوال زكى [233 ب/4] عنه زكاة الفطر ولم يعتق عليه للعلقة التي بقيت للبائع فيه، وهي حق الاحتباس لأجل الثمن وهذا خلاف نص الشافعي.
مسألة: قال 30: "وَلَو ماتَ حينَ أهلَّ شوالُ ولهُ رقيقٌ فزكاةُ الفطرِ عنهُ وعنهم في مالِهِ مُبْدأةٌ على الدَّين".
الفصل وهذا كما قال: إذا كان له مال وله عبد وعليه دين ووجبت عليه زكاة الفطر عن نفسه

الجزء: 3 - الصفحة: 211

وعن عبده ثم مات ينظر فيه فإن كان المال يفي بالدين وزكاة الفطر ففي الدين وزكاه وإن كان لا يفي بهما فزكاة فطر نفسه وجبت في ذمته كالديون فيكون فيها الأقاويل الثلاثة أحدها: يبدأ بدين الله تعالى.
والثاني: يبدأ بدين الآدمين والثالث: يقسط على قدر الحقين وهو الأقيس، وأما زكاة فطر العبد فخرجها أبو إسحاق على وجهين: أحدهما: كزكاة نفسه تثبت في ذمته، والثاني: يبدأ بزكاة فطره قبل الدين قولًا واحدًا لأنها متعلقة برقبة العبد والدين يثبت في الذمة فوجب تقديمها عليه كما يجب تقديم زكاة المال عليه ويقدم زكاة الفطر على الوصايا لأن الغرض أولى من التبرع ويقدمه على الميراث لأنها مما يحتاج إليه الميت، وقال أبو الطيب بن سلمة: زكاة [234 أ/4] الفطر تقدم على الدين قولًا واحدًا لقلتها في الغالب وتعلقها بالرقبة وهو المنصوص هاهنا، وقال أبو حنيفة: تسقط الزكوات كلها بالموت وهذا غلط، لأنه دين مستقر عليه في حياته فلا يسقط بموته كدين الآدمي فإذا تقرر هذا فلو أخرج الوارث الزكاة عن الميت من ماله يجوز ولو أخرج الأجنبي قال أصحابنا: المذهب أنه يجوز كما قال في الحج الواجب: لو حج عنه بعد موته أجنبي فإنه يجوز وهل يأثم بتأخيرها، إن وجد الإمكان وأخر أثم، وإن لم يتمكن فإن قلنا: الإمكان من شرائط الوجوب فلا شيء، وإن قلنا: هو من شرائط الضمان يقضي عنه.
فرع لو مات العبد قبل أن يمكنه إخراج الفطرة عنه قال ابن سريج: فيه قولان، أحدهما: لا يلزمه إخراجها كما لو تلف المال قبل الإمكان لا يلزم زكاة المال، والثاني: وهو الأصح يلزمه إخراجها لأنها تعلقت بذمة السيد دون رقبة العبد، ألا ترى أنه إذا ظاهر من امرأته وعاد فقبل إمكان إخراج الكفارة ماتت المرأة لم تسقط الكفارة لأنها لم تتعلق يعني المرأة كذلك هاهنا ويفارق زكاة المال لأن تلك تجب مواساة [234 ب/ب] من المال فإذا تلف المال خرج عن أن يكون من أهل المواساة بغير تفريط منه وهاهنا يجب تطهيرًا فلم تسقط كالكفارة.
مسألة: قال 31: "وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ شوال وعليهِ دينٌ زكَّى عنهُ الورثة".
وهذا كما قال: إذا مات قبل وجوب زكاة الفطر وعليه دين يستغرق جميع ماله فإن العبد وسائر المال يكون للورثة ويجب زكاة الفطر على الورثة في مالهم والدين لا يمنع من مالك الورثة لتركه عند الشافعي كما نص عليه هاهنا.
وقال الإصطخري: لا يملك الورثة التركة إذا كان على الميت دين يستغرق ولا يجب عن هذا العبد زكاة الفطر أصلًا هكذا ذكر أصحابنا، وقال القاضي الطبري هذا خطأ على الإصطخري ويجب أن يكون بمنزلة العبد الموصى به فيجب زكاة الفطر في تركة الميت في أحد القولين وهذا غلط، لأنه يلزم الإصطخري أن يقول إذا خلَّف مالًا

الجزء: 3 - الصفحة: 212

وعليه دين وخلف اثنين فمات أحدهما قبل قضاء الدين وحلف أبناءهم ثم أن صاحب الدين أبرأ الميت كان المال كله للابن دون ابن الابن وأجمعنا أنه يكون بين الابن [235 أ/4] وابن الابن نصفين فعلمنا أن الملك انتقل إلى الاثنين بالموت ولأنه لا خلاف أن لهم أن يقضوا دينه من مال آخر فدل أنه لهم واحتج بأنه لو كان في التركة من يعتق على الوارث لم يعتق مع الدين المستغرق بلا خلاف، فدل أنه لم يملك، قلنا: إنما لا يعتق لأن التركة كالمرهونة بالدين فلا ينفذ العتق لئلا يؤدي إلى إبطال حق الغرماء، وقال القفال: نقل المزني أن عليهم زكاة الفطر يعني على الورثة ونقل الربيع: أن عليهم أن يؤدوا زكاتهم إن بقوا لهم فمفهومه يدل على أنه إذا لم يبق لهم لم يجب عليهم الزكاة فحصل قولان.
مسألة: قال 32: "وَلَوْ أَوْصَى لرجلٍ بعبد] ٍ يخرجُ من الثلثِ فماتَ، ثمَّ أهلَّ شوال".
الفصل وهذا كما قال: إذا أوصى بعبده لرجل فأهلَّ شوال ثم مات الموصي فزكاة الفطر على الموصي في تركته، وإن مات الموصي ثم أهلَّ هلال شوال فإن كان الموصى له قد قبل قبل غروب الشمس فالفطرة عليه قولًا واحدًا لأنه ملكه قبل الغروب، وإن قبل الموصى له بعد الغروب كانت الفطرة على من الملك له حين الغروب [235 ب/4] وقد اختلف أصحابنا فيما ينتقل به ملك الوصية إلى الموصى له على طريقين: منهم من قال: فيه قولان: أحدهما: بشرطين الوصية والقبول، والثاني: مراعى فإن قبل الوصية بان أن الملك قد انتقل إليه عن الموصي بالوفاة وإن رد بان أن الملك انتقل إلى الوارث بوفاة الموصي ومنهم من قال فيه ثلاثة أقوال، والثالث: أنه ينتقل إلى الموصى له بوفاة الموصي كالميراث فعلى هذه الطريقة الأقوال نظيرة إلا قولك في الملك في مدة الخيار لمن تكون؟ فإذا قلنا: ينتقل بالموت فالفطرة عليه قَبِلَ أو رد لأن الملك له حين الوجوب.
وإذا قلنا: بشرطين فيه وجهان قبل أو رد أحدهما: أن الفطرة في تركة الموصي وبه قال أبو إسحاق ولم يذكر أهل العراق غير هذا، والثاني: لا يجب على أحد لأن الموصي قد زال ملكه والموصى له لم يملك، وقال القفال: على هذا القول في الملك بين الموت ..... 33 وجهان أحدهما: للوارث حتى يكون النماء له ولا يجب عليه ..... 34 على الوارث، والثاني: يكون باقيًا على [236 أ/4] ملك الموصي حكمًا فعلى هذا يصرف النماء إلى ديون ووصاياه ولا زكاة على أحد وهذا فيه نظر، وإن قلنا: هو مراعى نظر فإن قبل: فالفطرة عليه وإن رد فالفطرة على الورثة فإن كانت المسألة بحالها فمات الموصى له قبل القبول وخلف ابنًا قام هذا الابن مقامه في القبول والرد

الجزء: 3 - الصفحة: 213

فإن قبل ملك أبوه ذلك ثم انتقل إلى القابل ميراثًا وإن رد فكأن أباه رد ذلك وهو يبنى على الأقوال أيضًا فإن قلنا: يدخل في ملك ابنه بغير اختياره فقد ملك أبوه الوصية ثم مات وورثها هذا الابن فإن كان أبوه مات بعد الغروب فالفطرة في تركة أبيه، وإن كان موت الأب قبل الغروب فالفطرة على وارثه، وإن قلنا: ينتقل بشرطين فكذلك وارثه يملك بشرطين فعلى هذا الفطرة على من يكون فيه وجهان على ما ذكرنا، وإن قلنا: مراعى فإن قبل بان أن أباه ملك بموت الموصى وانتقل إلى الوارث ميراثًا فينظر متى ورث فإن كان أبوه مات قبل الغروب فالفطرة على الوارث، وإن كان بعد الغروب فالفطرة في تركة [236 ب/4] أبيه وإن رد فالفطرة على الوارث، وإن كان بعد ذلك بوفاة الموصي والمشهور قول الوقف وعند أبي حنيفة: إذا مات الموصى له قبل القبول لزمته الوصية.
فرع قال في "الأم" 35: لو وهب لرجل عبدًا قبل الغروب فقبله قبل الغروب ولكن قبضه بعد الغروب فالفطرة على السيد لأن الهبة لا تملك بالقبول وإنما تملك بالقبض ومن أصحابنا من قال: نص في موضع من "الأم" 36: أن الفطرة على الموهوب له هنا وكل أصحابنا قالوا: يجيء هذا على قوله: وإنما فرعها على مذهب مالك أنه يملك الهبة بنفس القبول من غير قبض، وقال في "الحاوي" 37: فيه وجهان مبنيان على قوليه في الملك في الهبة، فإن قلنا: يملك بالقبض فزكاة فطره على الواهب، وإن قلنا: القبض ينبني عن ملك سابق من وقت الهبة فزكاة فطره على الموهوب له وأشار القفال أيضًا إلى هذا، وفرّع أصحابنا على هذا مسألة وهي: إذا قبل الموهوب له ومات قبل القبض وقبل الغروب فقبل وارثه ذلك وقبضه فالفطرة على الواهب لأن الملك له عين الوجوب.
فرع لو أوصى [237 أ/4] بعبده لرجل وبعتقه لآخر فقبلا الوصية ثم أهلَّ هلال شوال فالفطرة على من أوصى له بالرقبة نص عليه في "الأم" 38، وقال الداركي: النفقة عليه أيضًا لأن الشافعي لم يذكر النفقة إلا أنه اكتفي بذكر زكاة الفطر فإنها تابعة للنفقة، ومن أصحابنا بخراسان من قال في النفقة ثلاثة أوجه، أحدها: هذا، والثاني: أنها على مالك المنفعة، والثالث: في بيت المال وهذا تخليط.
مسألة: قال 39: " وَمَنْ دخلَ عليهِ شوالٌ وعندهُ قوتُهُ وقوت من يقوته ليومه".
الفصل وهذا كما قال: إذا دخل وقت وجوب الفطرة ومعه قوت يومه وليلته ويفضل عن

الجزء: 3 - الصفحة: 214

ذلك صاع يلزمه إخراجه في الفطرة وإن كان معه من تجب نفقته يعتبران بفضل عن نفقتهم ذلك وجملته أنه يجب عندنا على الغني والفقير ولا يعتبر نصاب الزكاة في وجوبها، وقال به أبو هريرة رضي الله عنه وابن سيرين والشعبي وعطاء والزهري وأبو العالية ومالك وأحمد وأبو ثور وابن المبارك.
وقال أبو حنيفة: لا يجب إلا أن يملك نصابًا أو ما قيمته قيمة النصاب وهذا غلط لما روى ابن أبي صعير [237 ب/4] عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "صاع من بر عن كل صغير أو كبير حر أو عبد ذكر أو أنثى غني أو فقير أما غنيكم فيزكيه الله وأما فقيركم فيرد الله عليه أكثر مما أعطى".
مسألة: قال 40: "وَإنْ لَم يكنْ عِندهُ بعدَ القوتِ ليومه إلا ما يؤدِّي عن بعضهم".
وهذا كما قال: إذا فضل عن قوته وقوت عياله فضل نظر فإن فضل ما يؤدي به الفطرة عن نفسه وعنهم أخرجها كيف شاء من غير ترتيب وقدم من شاء وإن لم يفضل ذلك لا يخلو الفاضل من أحد أمرين، إما أن يكون صاعًا أو أقل من صاع، فإن كان صاعًا نظر فإن لم يكن هناك من يلزمه فطرته سواه أخرج عن نفسه، وإن كان هناك غيره كالزوجة والأولاد والوالدين أخرج ذلك، ولكن هل فيه ترتيب؟ اختلف أصحابنا فيه على وجوه: أحدها: يخرج ذلك عمن شاء من غير ترتيب وهو ظاهر نصه؛ لأن واحد منهم لو انفرد تلزمه فطرته، فإذا اجتمعوا تساووا.
والثاني: لا بد من الترتيب كما في النفقة وعليه أكثر أصحابنا.
فإذا قلنا بهذا اختلف أصحابنا في كيفية الترتيب؛ فمنهم من قال: [238 أ/4] يبدأ بنفسه قبل كل أحد لقوله صلى الله عليه وسلم: "ابدأ بنفسم ثم بمن تعول" 41 ولأن في النفقة يبدا بنفسه ثم بغيره كذلك في الفطرة وكذلك إذا أصابته وأهله جنابة ووجد ماء يكفي لواحد يبدأ بنفسه ومن أصحابنا من قال: يبدأ بفطرة زوجته قبل نفسه.
لأن نفقتها مقدمة على فطرته وفطرتها تجري مجرى نفقتها فوجب أن يقدم على فطرته والمذهب الأول، وعليه التفريع فإن كان هناك صاع آخر اختلف أصحابنا فيه قال أبو إسحاق: أخرج ذلك عن زوجته وقدمها على كل أحد لأن نفقتها تجري مجرى المعاوضة فتقدم على المواساة ومن أصحابنا من قال: فطرتها مؤخرة عن جميع الأقارب.
قال ابن أبي هريرة: لأن المسب هو أقوى من الزوجية فإنه يمكن رفعها بخلاف النسب والمذهب الأول فإن كان هناك صاع آخر قال أبو إسحاق: أخرج عن ولده الصغير الفقير قبل الكبير وقيل: الأب لأن نفقته تجري مجرى نفقته ويثبت والنص، قال الله تعالى: ﴿وعَلَى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة: 233] الآية، ولآن نفقته تلزم الذمة فإن الأم تستدين ذلك ثم ترجع على الأب.
ومن

الجزء: 3 - الصفحة: 215

أصحابنا من قال: الأب أولى [238 ب/4] لأن حرمته أعظم ذكره القفال والأول أصح، فإن كان هناك صاع آخر وله ولد كبير زمن وليس له والد أخرجه عنه، وإن كان له والد ولا ولد له كبيرًا أخرجه عنه، وإن اجتمعا ففيه وجهان أحدهما: الولد أولى لأنه بعضه فهو كنفسه.
والثاني: الوالد أولى وهو المذهب، فإذا قلنا بهذا فإن كان هناك مع الأب امرأتيهما تقدم فهو مبني على نفقتيهما إذا اجتمعنا وفيه ثلاثة أوجه أحدها: الوالد أولى، والثاني: أن الأم أولى، والثالث: يقسم بينهما فإن قلنا: إن الوالد أولى بالنفقة قدمناه في الفطرة، وإن قلنا: أن الأم قدمناها، وإن قلنا: يقسم هناك قال أبو حامد أخرجه عمن شاء منهما، وإن شاء قسمه بينهما.
قلت: ينبغي أن يقال: يخرج عمن شاء منهما ولا يقسم لأن هذا التفريع على قول الترتيب، وأداء التمام لا على قول القسمة وترك الترتيب والصحيح أن الأب أولى لأن هذا الابن لو كان محتاجًا وهما موسران يقوم بكفايته الأب دون الأم فحصل من المذهب الصحيح أنه يبدأ بنفسه ثم بزوجته ثم بابنه الصغير ثم بأبيه ثم [239 أ/4] بأمه ثم بأبيه الكبير الزمن، والوجه الثالث: أن يخرج ذلك الصاع الواحد عن نفسه وعنهم فيكون قد أخرج البعض عن كل واحد مهم كما لو لم يجد إلا بعض صاع يخرجه على أحد الوجهين ذكره بعض أصحابنا بخراسان، وهذا أبعد الوجوه، والرابع: يخرجه عن أحد الجماعة لا بعينه يحتسل الله به عمن شاء لأنه لو كان واجد الفطرة كلهم لم يلزمه أن يعينها عن أحدهم ذكره في "الحاوي" 42، والخامس: يبدأ بنفسه ثم إن فضل صاع أخرجه عن أيهم شاء لأنهم يستوون في إخراجها عنهم لو وجد الكل، قال: وقول الشافعي أدى عن بعضهم أراد أخرجها عن نفسه، وإن فضل معه أقل من صاع هل يلزمه إخراجه فيه وجهان، قال أبو إسحاق: لا يلزمه إخراجه ويكون كالمعدوم كما لو وجد بعد الرقبة في الكفارة لا يلزمه إعتاقه وهذا أصح، وقال ابن أبي هريرة: وهو ظاهر المذهب يلزمه إخراجه لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" 43 لأن الفطرة تتبعض ولهذا [239 ب/4] تجب في العبد المشترك متبعضة بخلاف الرقبة في الكفارة فإذا قلنا: عليه إخراجه فالحكم فيه كما لو فضل صاع فإن لم يفضل شيء فلا شيء عليه فإن وجد يوم الفطر لم يلزمه إخراجه لأن الفطرة قد سقطت بالاعتبار وقت الوجوب ويستحب أن يخرجه، نص عليه في "الأم" 44، وقال مالك: يلزمه إخراجه وهذا غلط قياسًا على من وجد بعد أيام وعلى من أسلم بعد وقت الوجوب.
مسألة: قال 45: فإن كان أحدٌ ممن يقوت واجدًا لزكاة الفطر لم أرخص له في ترك أدائها عن نفسه.

الجزء: 3 - الصفحة: 216

وهذا كما قال هذه المسألة إنما تتصور في الزوجة فقط لأن نفقتها تجب مع الغني بخلاف القريب ولفظ "المختصر" يوهم أن هذه المسألة تتصور في مواضع وليس كذلك بل لا يتصور إلا فيما ذكرنا، وإنما ذلك لمجاز في العبارة، وقال: ولا يتبين لي أن تجب عليه لأنها مفروضة على غيره فدل على أن اللفظ لقوله تعالى: ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الأحزاب: 31]، وقوله تعالى: ﴿مَن يَاتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ﴾ [الأحزاب: 30] الآية، فإذا تقرر هذا فجملته [240 أ/4] أنه إذا كانت الزوجة واجدة الفطرة وكان الزوج معسرًا يستحب لها إخراج الفطرة عن نفسها، ونص هاهنا أنه يجب عليها ذلك وقال في آخر هذا الباب 46: لو زوّج أمته من مكاتب أو عبد أو حر معسر فعلى السيد إخراج الفطرة هاهنا والسيد مع أمته كالحرة مع نفسها، وأسقطها عن الحرة إذا تزوجت ولم يسقطها عن السيد إذا زوّج أمته من هؤلاء فاختلف أصحابنا فيه على طرق أحدها: بنقل جواب كل واحدة من المسألتين إلى الأخرى وفيهما قولان: أحدهما: لا يكون على الحرة دون زوجها ولا على السيد دون زوج أمته لأن المخاطب هو الزوج بها فإذا عجز لم يجب على غيره.
والثاني: يجب على الحرة عن نفسها وعلى السيد عن أمته لأن الفطرة في الأصل كانت واجبة على السيد وعلى الحرة، وإنما تنتقل بالزوجية فإذا لم يكن الزوج من أهل أن ينتقل إليه بقيت على الأصل، ومنهم من قال في المسألتين قولين ولكن التعليل ليس ما ذكر القائل الأول وإنما هما مبنيان على أن الفطرة على من تجب ابتداء فإن قلنا: تجب [240 ب/4] على الزوجة ثم يتحمل الزوج على وجه الضمان عنها يجب على الزوج ابتداء وتصير بالزوجّة كأنها أحالت بالفطرة وهو كالمحال عليه لا يجب هاهنا على الزوجة ولا على السيد لأن الذي عليه الحق هو معسر به ومهم من قال: المسألتان على ظاهرهما والفرق بينهما أن الحرة يلزمها تسليم نفسها ولا اختيار لها في ذلك وليس كذلك السيد فإنه لا يلزمه تسليم أمته إلى زوجها، فإذا اختار تسليمها في حال اعساره لم تقسط الزكاة عنه لاختياره إسقاط الحق الذي يجب عليه ذكره أبو إسحاق، وهكذا لو كان زوجها موسرًا ثم أعسر فإنه لا فرق بين أن يتزوج ابتداء وهو معسر أو يتزوج وهو موسر ثم يصير معسرًا.
مسألة: قال 47: وَلاَ بأسَ أَنْ يَاخُذَهَا بَعدَ أدائهَا إذا كانَ مُحْتَاجَاً.
الفصل وهذا كما قال: إذا دفع صدقة الفطر إلى الفقير وكان ذلك الفقير من يجب عليه صدقة الفطرة فأخرج صدقة نفسه إلى هذا الدافع يجوز وله أن يأخذ عين ما أعطى ممن أعطاه [242 أ/4] قاله نصًا، وكذلك لو دفع الصدقة إلى الإمام فرد الإمام إليه ذلك مع

الجزء: 3 - الصفحة: 217

غيره تجوز الصدقة إليه من غير الوجه الذي خرجت من ملكه ولا فرق في هذا بين زكاة الفطر وزكاة المال فيجوز له أن يؤدي ويأخذ فإن أحد الخلطاء ربما لا يملك إلا شاة فيلزمه من الزكاة بقدرها ثم يأخذ، وكذا من عليه الدين إذا أدّى الزكاة فأخذ من سهم الغارمين وعند أبي حنيفة لا يجوز أن يجتمع له حق الأخذ والإعطاء إلا في ابن السبيل، وقال مالك: لا يجوز أن يأخذها بعينها، وإن كان محتاجًا.
مسألة: قال (1): وَإِنْ زوَّجَ أَمَتُهُ عَبَداً أو مُكَاتَباً.
الفصل وهذا كما قال: قد ذكرنا هذه المسألة وقال القفال: هذا في العبد صحيح، وأما في المكاتب فوجهان، في أن زكاة فطر زوجته الأمة عليه أو على سيدها بناء على أن المكاتب هل يلزمه في نفسه زكاة الفطر وفيه قولان أحدهما: لا تجب لأنه لا ملك له فعلى هذا امرأته المملوكة على سيدها، والثاني: تجب عليه لأنه بين الحر والعبد وفي كل واحد يلزم الفطرة غير أن [241 ب/4] إكسابه له فالفطرة عليه لا على سيده، قال القفال: وعندي يقرب القولان من القولين في هيئات المكاتب بإذن سيده، قال القفال: وعندي يقرب القولان من القولين في هيئات المكاتب بإذن سيده فعلى أحد القولين يجوز لأن الحق لا يعدوهما فكذلك يلزم الفطرة لأن الحق لهما في ذلك لا غير فهو كعبد مشترك بين اثنين، والثاني: لا تجوز هبته وإن رضي السيد فعلى هذا لا تحصل كحر ولا كعبد وإنما له رتبة ثالثة.
مسألة: قال (2): فَإنْ كَانَ زَوَّجهَا حُرًّا فعلى الحرِّ الزكاةُ عَنْ امرأتِه.
وأراد به الحر الواجد للزكاة ينظر فإن بوأها السيد مع زوجها بيتًا فعليه فطرتها وإن لم يمكنه منها إلا عند فراغها عن خدمة السيد فهل يجب على الزوج نفقتها وصدقة فطرها؟ وجهان أحدهما: لا تجبان لأن التمكين التام لم يوجد فهي كالناشزة، وإن لم تكن عاصية كالمجنونة إذا امتنعت، والثاني: تجبان على الزوج لأنه لما تزوّج بها عالمًا أن سيدها لا يلزمه أن ينوبها معه بيتًا فكأنه رضي بهذا القدر من التمكين هذا ذكر بعض أهل خراسان [242 أ/4] والوجه المعروف أنه يلزم نصف النفقة على الزوج فجيء أن يقال: يلزمه نصف الفطرة.

باب مكيلة زكاة الفطر

قال 50 أخبرنا مالك .... وذكر الخبر.
وهذا كما قال: أراد بالمكيلة مقدار ما يجب في زكاة الفطر من الطعام بالكيل وجملته أنه إذا أخرج في صدقة الفطر تمرًا أو شعيرًا يخرج صاعًا بلا خلاف، وأما إذا أخرج برًا أو زبيبًا فالواجب عندنا صاع لا يجزيه أقل من ذلك وبه قال الحسن والشعبي4849

الجزء: 3 - الصفحة: 218

ومالك وأحمد وإسحاق، وروي ذلك عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
وقال أبو حنيفة: الواجب من البر نصف صاع، وروي ذلك عن عبد الله بن الزبير وأبي سلمة بن عبد الرحمن ومعاوية وسعيد بن المسيب وعطاء وطاوس ومجاهد وعمر بن العزيز وعروة بن الزبير واختلفت الرواية عن علي وابن عباس والشعبي فروي صاع وروي نصف صاع، وعن أبي حنيفة في الزبيب روايتان إحداهما: نصف صاع، والثانية: صاع، وبه قال أبو يوسف ومحمد واحتجوا بما [242 ب/4] روى ثعلبة بن أبي صعير عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صاع من بر أو قمح عن كل اثنين صغير أو كبير حر أو عبد ذكر أو أنثى غني أو فقير" وهذا غلط، بدليل ما روي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: كنا نخرج وكان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر عن كل صغير أو كبير حر أو مملوك صاعًا من طعام أو صاعًا من أقط أو صاعًا من شعير أو صاعًا من تمر أو صاعًا من زبيب فلم نزل نخرجه حتى قدم معاوية حاجًا أو معتمرًا فكلم الناس على المنبر فكان فيما كلم به الناس أنه قال: إني أرى مدين من تمر الشام يعدلان صاعًا من بر فأخذ الناس بذلك 51، وأما خبر ثعلبة قال ابن المنذر: لا يثبت نصف صاع به عن النبي صلى الله عليه وسلم، وخبرنا أولى لأنه زائد.
مسألة: قال 52: وَبَيَّنَ فِيْ سُنَّتِهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ زكاةَ الفطرِ من البَقْلِ وممَّا يَقْتَاتُ الرجلُ ومَا فيه الزَّكَاةُ.
وهذا كما قال: البقل عند العرب هو ما يقتات به وأراد أن زكاة الفطر يتعلق بما يقتاته الآدميون [234 أ/4] على الدوام في بعض البلدان فيما يبقى له في المعدة ثقل بقى ممتدًا حتى يقوم بها الأبدان، وهاهنا إشكال وذلك أن هذا اللفظ بظاهره يدل على التنويع وليست هاهنا أنواع ولكن كلما كان قوتًا معتادًا ففيه صدقة الفطر.
وفي بعض نسخ "المختصر" حذف الواو عن قوله وما يقتات الرجل والحذف هو أقطع لهذا الإشكال، ولكن الواو ثابتة في قوله: وما فيه الزكاة فيكون الإشكال ثابتًا في تلك اللفظة ثم قطع هذا الإشكال أن يقال: قد حد الشافعي ما تجب فيه صدقة الفطر بثلاثة حدود أحدها: ما كان ثقلًا وهذا أيضًا حد كامل لأن الصدقة لا تجب إلا في الأقوات، والحد الثالث: قوله وما فيه الزكاة وهذا حدثًا منه لأن زكاة الفطر لا تتعلق إلا بما يتعلق به العشر سوى الأقط فإن فيه كلامًا سنذكره، فإذا تقرر هذا نقول يجوز إخراج البر والشعير والتمر والزبيب والحبوب التي يلزم فيها العشر، وقال الشافعي في الباقلاء: لا أحسبه يقتات فإن كان قوتًا أجزأه إذا أدّى منه صاعًا وأجمع أصحابنا أنه قوت يجب [234 ب/4] فيه الزكاة ويخرج منه زكاة الفطر، وأما الدقيق من الحب الذي يجزي في الفطرة، المذهب أنه لا يجوز، وقال مالك: يجوز بدلًا من الحب مع دقاقه

الجزء: 3 - الصفحة: 219

أن القيمة لا تجوز وبه قال الأنماطي من أصحابنا، وروي عن مالك مثل مذهبنا.
وقال أبو حنيفة وأحمد: يجوز ويكون أصلًا وهذا غلط، لأنه ناقص المنفعة عن الحب ولا يكون أصلًا فيه كالخبز واحتجوا بما روي في خبر أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: "أو صاع من دقيق" قلنا: قال أبو داود روى سفيان الدقيق ووهم فيه ثم رجع عنه وهل يعتبر غالب قوت البلد أو غالب قوت نفسه ظاهر قول الشافعي وهو الصحيح، وبه قال ابن سريج وأبو إسحاق يعتبر غالب قوت البلد لا قوته، وبه قال مالك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم" وإنما يحصل الاستغناء بغالب قوت البلد، وقال أبو عبيد بن خربويه يعتبر غالب قوت نفسه وادعى أن هذا ظاهر المذهب لأن الشافعي قال 53: وأي قوت كان الأغلب على رجل أدّى منه زكاة الفطر ولأنه [244 أ/4] لما وجب إذا فضل عن قوته وجب أن يجب من موته، ومن قال: بالأول قال: أراد به إذا كان يقتات هو من غالب قوت البلد.
قال القفال: وهو الأصح عندي أنه يلزمه أن يخرج مما يقتاته من هو في مثل حاله في الغالب أو خيرًأ منه فإن كان مثله يقتات الحنطة ولكنه يقتات الشعير لشحه لم يجزه إلا الحنطة، وإن كان مثله يقتات الشعير ولكنه يقتات الحنطة إسرافًا فله أن يؤدي الشعير، وإن ادعى الحنطة فهو أولى، وإن كان مثله يقتات كليهما وهو يقتات كليهما فإن كان أحدهما هو الأغلب اعتبرنا الأغلب، وإن استويا فهما سواء يؤدي من أيهما شاء، والأفضل أن يؤدي من خيرهما.
ومن أصحابنا من قال: يتخير بين أجناس الأقوات فيخرج من أيهما شاء، وبه قال أو حنيفة لقوله صلى الله عليه وسلم: "صاعًا من نمر أو صاعًا من شعير" ولفظة أو إذا لم تكن شكًا ولا تنويعًا كانت للتخيير وهذا غلط، لأن معنى الخبر صاعًا من تمر إن كان القوت هو التمر أو صاعًا من شعير إن كان القوت هو الشعير [244 ب/4] فإذا قلنا بقول عامة أصحابنا، فإن كان قوته غالب قوت البلد ففيه ثلاثة مسائل: أحدها: أن يخرج من الغالب فيجوز، فإن أخرج أعلى منه مثل إن كان غالب قوت البلد الشعر فأخرج تمرًأ أو بُرّاً فيجوز قولًا واحدًا وعلى هذا لو أخرج التمر بطبرستان يجوز قولًا واحدًا بلا إشكال، وقال في "الحاوي" 54: فيه وجه آخر لأصحابنا: أنه لا يجوز لأنه غير ما وجب عليه، وإن كان خيرًا كمن أخرج البر عن الشعير أو الدينار عن الدرهم لا يجوز وهذا خلاف المنصوص ونظيره أن يخرج في زكاة الإبل أعلى سنامًا وجب عليه يجوز وإن أخرج دونه مثل إن كان الغالب حنطة فأخرج شعيرًا لا يجوز في ظاهر المذهب، وقال أبو إسحاق: فيه قول آخر أنه يجوز وهو عين ما ذكرنا أنه يتخير بين أجناس الأقوات، وقال القاضي الطبري: وهذا هو الصحيح عندي لظاهر السنة ولا خلاف على هذا أن التمر والبر أولى من غيرهما وفي أولادهما وجهان أحدهما: التمر

الجزء: 3 - الصفحة: 220

أولى وبه قال ابن عمر وأحمد لأن الرسول صلى الله عليه وسلم [245 أ/4] كان يخرج منه وعمل أهل المدينة عليه.
والثاني: وإليه مال الشافعي: البر أولى وبه قال علي رضي الله عنه وإسحاق، قال علي رضي الله عنه: الآن قد أوسع عليكم فأخرجوا البر ولأن التمر مجمع على أنه لا يجوز أقل من صاع، وفي البر اختلفوا ولا يصلح التمر للزراعة بخلاف البر ولأنه أصلح القوت وأطيبه، ومن أصحابنا من قال: يعتبر الأفضل بكثرة الثمن وبه قال أحمد وقيل: قال الشافعي في "الأم" 55: الأفضل البر، وقال في البويطي: الأفضل البر والتمر ولو قيل: يختلف هذا باختلاف البلاد كان مذهبًا وله وجه وهذا صحيح عندي وإن كان أهل البلد يقتاتون أقواتًا مختلفة، فالمستحب أن يخرج الأفضل ويجوز أن يخرج من أيهما شاء لتساوي الكل وحكي عن أحمد أنه قال: لا يجوز إلا من الأجناس الخمسة المنصوصة وهذا لا يصح لأنها تجب في الفاضل عن قوته وربما يكون قوتهم الذرة ويحصل الإغناء بذلك فجاز.
د مسألة: قال 56: وَمَا أَدَّى مِنْ هَذَا أَدَّى صَاعَاً بِصَاعِ [245 ب/4] رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذا كما قال: صاع النبي صلى الله عليه وسلم هو خمسة أرطال وثلث بالبغدادي، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق وأبو يوسف، وقال أبو حنيفة: الصاع ثمانية أرطال واحتج بما روى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم "كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع" 57 والمد رطلان.
وهذا غلط، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن عجرة في فدية الأداء: "أطعم ثلاثة آصع بين مساكين" 58 والفرق بتحريك الراء هو ستة عشر رطلاً وهو بسكونها مائة وعشرون رطلاً، فدل أن ثلاثة آصع ستة عشر رطلاً.
وقال أحمد بن حنبل: عبرت صاع رسول الله صلى اله عليه وسلم بالمدينة فكان خمسة أرطال وثلثًا والطريق الواضح في ذلك نقل أهل المدينة خلفًا عن سلف فإنه لما اجتمع الرشيد مع مالك بالمدينة ومعه أبو يوسف اختلفا في قدر الصاع فحمل مالك قومًا كثيرًا معهم آصع نقلوها عن آبائهم أنهم كانوا يؤدون بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم [246 أ/4] فعبرت فكانت خمسة أرطال وثلثًا فرجع أبو يوسف إلى ذلك، وأما خبرهم فلم يصح قوله والمد رطلان ويحتمل أنه كان مد الطهارة أكثر من الزكاة، ثم اعلم أن الأصل هو الكيل في ذلك وإنما قدره العلماء بالوزن استظهارًا لئلا تختلف المكاييل والأولى إخراجها بالصاع إتباعً لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد قال الشافعي في "القديم": وصاع رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة أرطال وثلث زيادة

الجزء: 3 - الصفحة: 221

شيء أو نقصانه وغلط جماعة منت أصحابنا حيث قالوا: يعتبر الوزن وليس كذلك فقد عبر بعض المتقدمين من أصحابنا وزن المعشر الذي يخرج في زكاة الفطر بطبرستان فذكر أنه يزيد وزنه على وزن الحنطة في كل مدٍ عشرون درهمًا فالمد منه مائة وثلاثة وتسعون درهمًا وثلث درهم، وقال الطحاوي: الصاع ثمانية أرطال فيما يستوي كيله ووزنه والذي يستوي كيله ووزنه الزبيب والعدس والماش.
مسألة: قال 59: وَلاَ تُقَوَّمُ الزَّكَاةُ.
الفصل وهذا كما قال: قصد به أبا حنيفة حيث جوز [642 ب/4] إخراج القيمة وعندنا لا يجوز لظاهر الخبر، وقال الشافعي 60: ولو قومت لكان إذا أدى ثمن صاع زبيب ضروع أي: نفيس، كثير القيمة جيد وهو جنس من عنب الطائف أدى ثمن آصع حنطة وأراد أن هذه الأجناس من الأقوات مختلفة القيم متفاوتة تفاوتًا متباينًا فلو كان الاعتبار بالقيمة لأدى واجبًا ووافقنا أنه لو أراد أن يؤدي عن ثلاثة أشخاص صاعًا من زبيب ضروع قيمة ثلاثة أصع من حنطة فإنه لا يجوز فلو جازت القيمة لجاز هذا أيضًا.
مسألة" قال 61: وَأَحَبُّ إِلَيَّ لأَهْلِ البَادِيَةِ أَنْ لاَ يُؤَّدُوْا أقِطَاً.
وهذا هو كما قال الكلام الآن في القوت الذي لا يجد فيه الزكاة وعلل في الأقط فقال: لأنه وإن كان قوتًا فألقت قوت وقد يقتات الحنظل يعني يحتاج مع كونه قوتًا إلى وصف آخر وهو وجوب الزكاة ثم بين أن أهل البادية إذا كان قوتهم الأقط يؤدون من قوت أقرب البلدان إليهم وهذا كما يعتبر [247 أ/4] في إبل الدية إبل أقرب البلدان إلى العاقلة إذا لم يكن للعاقلة إبل، وإذا قلنا: يتخير بين الأجناس أخرج إلى الأجناس شيئًا من الأقوات ها هنا ثم استثنى فقال: إلا أن يقتات ثمرة لا زكاة فيها يعني أهل أقرب البلدان إليهم فيؤدوا من ثمرة فيها زكاة وهذا كله تعليق القول في الأقط ثم أوضح ذلك فقال: ولو أرادوا أقطًا لا شيء أن أرى عليهم الإعادة يعني اعتبر القوت الذي فيه الزكاة قبل هذا ثم قال: أو يجيز القوت، وإن لم يكن فيه زكاة أي: نجيز القوت من الثمار في أقرب البلدان، وإن لم يكن فيها الزكاة كما أجاز الأقط ها هنا واعتذر أصحابنا عن هذا بأن الأقط من الأقوات العامة لأهل البادية، فكذلك جوزنا لهم خاصة بخلاف الثمار وقد ورد به الخبر أيضًا بخلاف الثمار التي لا زكاة فيها واختلف أصحابنا فيه على طرق، قال أبو إسحاق: يجوز قولاً واحدًا نص عليه في "القديم" و"الأم"، وبه قال مالك وأحمد، وإنما علق القول حين لم يصح الخبر عنده [247 ب/4] فلما صح الخبر عنده قطع به.

الجزء: 3 - الصفحة: 222

ومن أصحابنا من قال: فيه قولان وعند أبي حنيفة: لا يجوز على طريق الأصل، ومن أصحابنا من قال: لا يجوز أهل الحضر، وإن كان لهم قوتًا قولاً واحدًا، لأنه نادر وفي أهل البادية قولان: فإن قيل: أليس قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: كنا نخرج وهو كان حضريًا، قلنا: أنه قد صح إنه كان يسكن البادية كثيرًا وقد قال صلى الله عليه وسلم: "إذا كنت في باديتك فارفع صوتك بالأذان" فإذا قلنا: أنه يجوز الأقط فيجوز اللبن مع وجوده لأن اللبن أكمل منه لأنه يجيء منه الأقط وغيره، ويجوز الجبن أيضًا لأنه مثله ولا يجوز المصل والكشك، وإن كان قوتًا لهم لأنه لا يمكن اقتناؤه مفردًا، وأخرج منه الزبد، وقال أبو حامد: يجوز اللبن إذا لم يجد الأقط لأن الأقط أكمل منه فإنه بلغ حد الادخار، وقيل: قال في "القديم": إن أخرج اللبن عند عدمه أجزأه وقيل: إذا جوزنا الأقط ففي اللبن وجهان بكل حال، لأنه لا يدخر والأقط الذي يمكن [248 أ/4] اقتناؤه أن لا يكون مالحًا شديد الملوحة فإن شدة الملوحة فيه عيب ولو ملح الحنطة لا يجوز أيضًا، وقال أصحابنا بخراسان: لا يجوز الجبن بحال لأنه لا يقتات والأصح ما تقدم، ذكره القاضي الطبري وقيل: إن كانوا يقتاتون اللحم فالحكم فيه كالحكم في اللبن لأنه منفصل عن أصل تجب فيه الزكاة وفيه معنى القوت بخلاف الحبوب البرية.
وأما أهل جزائر البحر الذين يقتاتون السمك وأهل الفلوات النائية الذين يقتاتون البيض ولحوم الصيد لا يجوز ذلك في زكاة الفطر بحال لأن ذلك نادر وقولهم غير راجع إلى أثر وحكي عن الزهري وربيعة وعطاء أنهم قالوا: لا تجب زكاة الفطر على أهل البادية لأنه لا قوت لهم وهذا خلاف الإجماع ونص السنة.
مسألة: قال 62: وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ الرَّجُلُ نِصْفَ صاعٍ حِنْطَة وَنِصْفَ صَاعٍ شعير.
الفصل وهذا كما قال: إذا كان الموجب عليه واحدًا والمخرج عنه واحدًا لا يجوز إلا صاع كله من جنس واحد، وقال أبو حنيفة يجوز أن يخرج نصف صاع تمر ونصف صاع [248 ب/4] شعير كما يجوز في كفارة اليمين أن يطعم خمسة مساكين ويكسو خمسة وهذا غلط، لأنه إثبات تخيير لم يثبته الشرع ولو ملك رجل نصفين من عبدين وقوته شعير فاخرج من أحد النص 2 فين شعيرًا ومن الآخر قوتًا آخر لا يجوز لأن المخرج عنه اثنان، وغن كان المخرج واحدًا ولو كان يزكي زكاة الفطر عن جماعة فأخرج عن بعضهم جنسًا غير الجنس الذي أخرج عن البعض يجوز ثم قال 63: وإن كان قوته حنطة لم يكن له أن يخرج شعيرًا وهذا يدل على أنه لا يتخير خلاف ما اختاره القاضي الطبري ثم قال 64: ولا يخرجه من مسوس ولا معيب وهذا لا خلاف فيه لقوله تعالى: ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: 267] الآية، ثم بين أنه إذا لم يكن من القدم

الجزء: 3 - الصفحة: 223

تغير لا يكون عيبًا فقال: وغن كان قديمًا لم يتغير طعمه ولا لونه أجزأه، وغن نقصت قيمته لقدمه وغيره أولى وغن تغير طعمه لا ريحه لا يجوز ثم قال 65: وغن كان قوته حبوبًا مختلفة فاختار له خيرها ومن أين أخرجه أجزأه، قال الإمام أبو محمد الجويني: هذا نص يدل على انه إذا أخرج [249 أ/4] الأدون يجزيه لان اللفظ في حديث ابن عمر هو لفظ تخيير.
مسألة: قال 66: ويَقُسِّمُهَا عَلَى مَنْ تُقَسَّم عَلَيْهِ زَكَاةُ المَالِ.
وهذا كما قال: أراد زكاة المال الباطن وهم الأصناف الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه سوى العاملين وقال الشافعي في "الأم" 67: فرقها في ستة أصناف وسقط سهم العاملين والمؤلفة لفقد [ما استحقا به من الحاجة]، وقال أصحابنا: فقد الرقاب أيضًا، فيقسم على خمسة أصناف، ويفرق على ثلاثة من كل صنف فيكون أقل من يفرق عليهم خمس عشرة نفسًا للفقراء، والمساكين، والغارمون، والغزاة، وأبناء السبيل، وقال الإصطخري: إن تولى إخراجها بنفسه يجوز أن يقتصر على صنف واحد فيصرفها إلى ثلاثة من أي الأصناف شاء، ولا يجوز في أقل من ثلاثة وإنما جاز ذلك للضرورة، وإن دفعها إلى الإمام لم يضعها إلا في جميع الأصناف لأنه قادر عليه من غير ضرر وبه يفتي كثير من أصحابنا، ومن أصحابنا من قال: إن عند الإصطخري أنه يصرفها إلى الفقراء فقط فلو صرفها إلى الغارمين أو أبناء السبيل فإن قلنا: سقوط الفرض [249 ب/4] هناك لأن النبي صلى الله عليه وسلم خصهم بالذكر فقال: "صدقة الفطر طعمة للمساكين" لا يجوز وإن قلنا: للمشقة يجوز وللإصطخري هاتان العلتان هناك، وعند أبي حنيفة يجوز أن يدفعها إلى واحد كما قال في زكاة المال، وأنا أفتي به وفصل الضرورة يبطل بما لو وجب عليه جزء من شاة في الخلطة لا يفرقه في صنف واحد ولأنه لا ضرورة لأنه يمكنه أن يجمع زكاة الفطر عند رجل حتى إذا اجتمعت فرقها.
مسألة: قال 68: وَأَحَبُّ إلى ذَوو رَحِمِه.
وهذا كما قال: الأقارب ضربان، تلزمه نفقته فلا يجوز له صرف الصدقة إليه لأنه مستغني بوجوب نفقته عليه، وضرب لا يلزمه نفقته فالمستحب أن يخصهم بالصدقة لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا صدقة وذو رحم محتاج" وروى سلمان بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي القربى صدقة وصلة" 69 وروت أم كلثوم قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح" 70 ثم الاختيار بعد الأقارب [250 أ/4] أن يصرفها إلى الجيران فإن لم يكن جيران صرف ذلك كيف

الجزء: 3 - الصفحة: 224

شاء على من يستحقها وإن ترك الأقارب والجيران مع الفدية فقد ترك الأفضل وأجزأه ويقدم الرضاع والمصاهرة على الولاء فيها لأن الولاء يثبت المحرمية ولا يجوز أن يصرفها إلى أهل الذمة خلافًا لأبي حنيفة وهذا غلط، قياسًا على زكاة المال.
مسألة: قال 71: وَإِنْ طَرَحَهَا عِنْدَ مَنْ تَجْمَعُ عِنْدَهُ أَجْزَأَِهُ إِنْ شَاءِ اللهُ.
وهذا كما قال: صدقة الفطر من زكاة الأموال الباطنة فله أن يفرقها بنفسه وإن دفعها إلى الإمام أجزأه وبينا الكلام في الأفضل، وهذا نص على أن الأول أن يباشر بنفسه وهذا أولى عند كثير من أصحابنا، وقال بعض أصحابنا: هذا أحب إليه إذا لم يكن الوالي نزيهًا لأن الشافعي روى في "الأم": أن رجلاً سأل عطاء عن ذلك فقال: ادفعها إلى الوالي فجاء الرجل إلى ابن أبي مليكة فسأله فقال: أخرجها بنفسك فقال له الرجل: قال عطاء كذلك فقال أفتاك العلج بغير مذهبه لا تدفعها إليهم فإنما يعطيها [250 ب/4] هشام حرسه وبوابه ومن شاء من غلمانه، وقال بعض أصحابنا: هي جارية مجرى زكاة الأموال الظاهرة فيها قولان كما هناك وقيل: إنما قال الشافعي: إن شاء الله لتعلم كراهيته مع إجازته ولهذا استدل بخبر سالم فقال: سأل رجل سالمًا يعني به ابن عبد الله بن عمر فقال له: ألم يكن ابن عمر يعني أباه يدفعها إلى السلطان قال: بلى ولكني أرى أن لا يدفعها إليه أي: كان السلطان إذ ذاك عدلاً واليوم بخلافه ولم يرد به ابن عمر أن أخطأ في ذلك.
فرع لو أدت الزوجة زكاة فطرة نفسها إذا قلنا: بالوجوب عليها عند افتقار الزوج ويسارها إلى زوجها يجوز والاختيار لها أن تخصه لأنه في معنى أهلها وأقاربها، وإن أدى هو زكاة فطر نفسه إليها فوجهان أحدهما: يجوز كالزوجة، والثاني: لا يجوز وهو المنصوص لأنها عينه بوجوب نفقتها عليه وهذا حكم زكاة المال، وقال أبو حنيفة: لا يجوز ذلك في كل واحد من الزوجين وهذا غلط، لأنه لا يقضيه بينهما كبني الأعمام.
فرع آخر الأفضل أن يخرج صدقة [152 أ/4] الفطر يوم الفطر قبل الصلاة نص عليه في القديم، وإن أخرجها قبل ذلك في شهر رمضان أجزأه ولا يجوز تقديمها على شهر رمضان، وقال أبو حنيفة: تجوز لأنها مخرجة عن بدنه وبدنه موجود وهذا غلط، لأن سبب هذه الزكاة الصوم والفطر عنه فإذا بقي لوجوبها سببان لم يجز تعجيلها كما لو بقي الحول والنصاب وقولهم: إنها مخرجة عن بدنه قلنا: هو المؤدي فلا يجوز إذا بقي سببان وإن وجد سبب كما لا يجوز تقديم الظهار إذا وجد عقد النكاح، ولو أخرها عن الصلاة وأخرجها في يوم الفطر أجزأته ولم يأثم، وإن أخرجها عن يوم الفطر أثم به وأجزأته وبه قال أحمد وحكي عن ابن سيرين والنخعي أنهما كانا يرخصان في تأخيرها

الجزء: 3 - الصفحة: 225

عن يوم الفطر وهذا غلط، لقوله صلى الله عليه وسلم: "أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم"، وقال صلى الله عليه وسلم: "ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات".

باب الاختيار في صدقة التطوع

قال: أخبرنا أنس بن عياض ... الخبر.
وهذا كما قال: جملة هذا أنه إذا كانت عليه نفقة واجبة [152 ب/4] لنفسه أو عياله فلا يجوز له أن يتصدق حتى يقيم بذلك للخبر الذي ذكره وهو ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وليبدأ أحدكم بمن يعول" 72، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كفي بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول" 73، وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله عندي دينار فقال له: "أنفقه على نفسه" فقال: عندي آخر، فقال: "أنفقه على ولدك" فقال: عندي آخر، فقال: "أنفقه على أهلك" فقال: عندي آخر، فقال: "أنفقه على خادمك" فقال: عندي آخر، فقال: أنت أعلم به" 74، وكذلك إذا كان عليه دين فإنه يلزمه أن يبدأ به لأنه ربما يتعذر قضاؤه فيصير مرتهنًا بدينه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "لا يقبل الله النوافل إلا بعد إحكام الفرائض".
وله تأويلان: أحدهما: لا يقبلها كاملة إلا بعد إحكام الفرائض، فإذا كملت الفرائض [252 أ/4] تقبل النوافل، ثم إذا أدى الواجبات يستحب له أن يتصدق بشيء من ماله تطوعًا، واختلف العلماء في قدر المستحب فقال قوم: جميع ماله كما فعل أبو بكر رضي الله عنه، وقال قوم: بنصفه كما فعل عمر رضي الله عنه، وقال قوم: بثلاثة كما فعل عبد الله بن عمر والذي عند أصحابنا: أنه يعتبر بحال المصدق فإن كان حسن اليقين قنوعًا لا يقنطه الفقر ولا يسأل عند الفقد فالأولى التصدق بجميع ماله كما فعل أبو بكر رضي الله عنه، قيل: لا يستحب ذلك ولا يكره، وإن كان بخلاف ذلك فليتصدق على حسب حاله ويكره له الزيادة، وروي في ذلك أخبارًا مختلفة منها ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليتصدق الرجل من ديناره وليتصدق من درهمه وليتصدق من صاع بره وليتصدق من صاع تمره" 75، وقال صلى الله عليه وسلم: "أيما مسلم كسا مسلمًا ثوبًا على عري كساه الله من خضر الجنة، وأيما مسلم أطعم مسلمًا على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة، وأيما رجل سقى مسلمًا على ظمأ [252 ب/4] سقاه الله من الرحيق المختوم" 76، وقال صلى الله عليه وسلم: "اتقوا النار ولو بشق تمرة"، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أردد عنك مذمة السائل ولو بمثل رأس الظفر من الطعام"، وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يمنعكم

الجزء: 3 - الصفحة: 226

من معروف صغره وقال صلى الله عليه وسلم: "أطعموا الطعام وافشوا السلام وصلوا بالليل والناس نيام:، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي الصدقة أفضل، فقال: "جهد المقل" 77 وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: "حث رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس على الصدقة فقلت: والله لأسبقن أبا بكر هذا فعمدت إلى نصف مالي فأخذته وعدوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوجدت أبا بكر قد سبقني فقال لي: ما حملت فقلت: نصف مالي وقال لأبي بكر: ما حملت فقال: جميع مالي فقال: ما أعددت لأهلك فقال: الله ورسوله فقلت لأبي بكر: والله لا أسابقك أبدًا" 78، ولم يمنعه من التصدق بكل ما له حتى عزب منه صحة التوكل واليقين، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم [253 أ/4] قال: "رحم الله إمرأً أمسك فضل لسانه وبذل فضل ماله ووسعته السنة ولم تستهوه البدعة ولم يدعها إلى بدعة" 79 وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل لرجل فتصدق عليه بثوبين فلما كانت الجمعة قابلة سأل سائل فألقى إليه الرجل أحد الثوبين فزجره النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "خذ ثوبك إن أحدكم يتصدق بجميع ما عنده ثم يقعد يتكفف الناس خير الصدقة عن ظهر غنى" 80 أي: ما فضل عن حاجته في نفسه وذويه، وفيه الخبر الذي ذكرنا أن رجلاً أتي النبي صلى الله عليه وسلم بمثل البيضة من ذهب 81 وقد ذكرناه، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم: "قال إن لله عبادًا لا يصلح لهم إلا الغني فلو أفقرهم لأطغاهم ولله تعالى عبادًا لا يصلحهم إلا الفقر ولو أغناهم لأطغاهم"، وروي أن غيلان بن سلمة أراد أن يوصي بماله كله للمساكين فأكرهه عمر رضي الله عنه حتى رجع فيه، وقال: لو مت على رأيك لرجمت قبرك كما يرجم قبر أبي رغال، وكان بلال من أهل اليقين والقوة فدخل عليه رسول الله [253 ب/4] صلى الله عليه وسلم فرأى عنده كسرة خبز فقال: "ما هذا يا بلال.
فقال: أفطرت الليلة على نصف قرص كان عندي وتركت النصف لأفطر عليه اليوم.
فقال: أنفق بلالاً ولا تخشى من ذي العرش إقلالاً" قال أصحابنا: ولا ينبغي أن يمتنع من الصدقة باليسير فإن قليل الخير كثير قال الله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7] ويستحب البداءة بالخير في أقاربه وأهله، واحتج الشافعي بما روي أن امرأة ابن مسعود كانت صناعة -أي مشاطة عاملة بيديها- وليس له مال- يعني لبعد الله - فقالت له - أي لزوجها - شغلتني أنت وولدك عن التصدق إلى غيركم، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "لك في ذلك أجران فأنفقي عليهم".

الجزء: 3 - الصفحة: 227

وهذا مختصر من قصة وهي: أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس في يوم عيد، فلم يسمع النساء، فلما انصرف أرسل النساء إليه يشتكين أنهن لم يسمعن خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فواعدهن يخطب لهن يومًا، فلما كان ذلك اجتمع النساء [254 أ/4] فغي خطبته فخطبهن وحثهن على الصدقة حتى قال تصدقن ولو من حليكن فجعل النساء يتصدقن وبسط بلال كساء فكانت المرأة تلقي الخرص والسوار والخلخال، وكانت امرأة ابن مسعود تنظر وتخاف على زوجها وأولادها الضياع لو تصدقت فلما رجعت إلى زوجها قالت له قد شغلتني أنت وولدك عن الصدقة فقال عبد الله: لك في ذلك أجران فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرت ذلك كله وأخبرته بقول عبد الله فقال: "صدق عبد الله إنه لفقيه، لك في ذلك أجران، فأنفقي عليهم" 82. وأراد بالأجرين أجر الصدقة وأجر صلة الرحم.
وروي أن رجلاً قال: يا رسول الله من أبر؟ قال: "أمك".
ثم أعاد فقال: "أمك" مرات، ثم قال: "أباك، ثم أختك، ثم أخاك ثم أدناك فأدناك" 83. وينبغي أن يختار السر 84 وذوي الفضل لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يأكل طعامك إلا مؤمن".
فإن تصدق على كافر فإنه يجوز لقوله تعالى: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأَسِيرًا (8)﴾ [الإنسان:8] والأسير لا يكون إلا كافرًا.
ويستجيب للفقير أن يتعفف عن السؤال، روى عبد الله بن [254 ب/4] مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم يسد الله فاقته ومن أنزلها بالله تعالى أوشك الله تعالى له بالغنى أو يموت عاجلاً" 85 فإن سأل لم يحرم إذا كان محتاجًا ويقصد بسؤاله أهل الخير والصلاح، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن كنت لابد سائلاً فاسأل الصالحين" 86، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يد الله العليا ويد المعطي الوسطى، ويد المستعطي السفلى" 87 فأما من سأل وهو غني عن المسألة بمالٍ، أو بصناعة فهو بسؤاله آثم، وما يأخذ عليه محرم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سأل وهو غني جاءت مسألته يوم القيامة خدوشًا أو خموشًا أو كدوحًا في وجهه" قيل: وما غناه، قال: "خمسون درهمًا أو عدلها من الذهب" 88 واراد بهذا عندنا إذا ما كان وفق كفايته وكفاية من يمونه.

الجزء: 3 - الصفحة: 228

فصول الكتاب · 74 فصل · 44 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بحر المذهب للروياني · 44 صفحة
المقدمةالمقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاةكتاب الجمعةكتاب صلاة الخوفكتاب صلاة العيدينكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب زكاة الفطركتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الصيد والذبائحكتاب الضحاياكتاب الأطعمةكتاب السبق والرميكتاب البيوعكتاب مختصر الرهن من كتابين جديد وقديمكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب الوديعةكتاب قسم الفيء وقسم الغنائمكتاب الصدقاتكتاب العاريةكتاب الغضبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب الشرط في الرقيقكتاب الإجاراتكتاب العطايا والصدقات والحبس والسائبةكتاب المزارعة وكراء الأرضكتاب إحياء المواتكتاب اللقطةكتاب الفرائضكتاب الوصاياكتاب العتقكتاب الولاءكتاب المدبركتاب مختصر المكاتبكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب الأيمانكتاب النذوركتاب أدب القضاءكتاب العددكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب القتلكتاب الدياتكتاب قتال أهل البغيكتاب الحدودكتاب السرقةكتاب قطاع الطريقكتاب الأشربةكتاب السيركتاب الجزيةكتاب القاضي إلى القاضيكتاب الشهاداتكتاب الأقضية واليمين مع الشاهدكتاب القسامةكتاب الشهادات الثانيكتاب الدعوى والبينات
جارٍ التحميل