أباح الله تعالى النكاح نصًا صريحًا في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم وانعقد بها سالفًا إجماع الأمة وتأكد بها العترة, قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: 1], قوله: ﴿مِن نَفسٍ وَاحِدَةٍ﴾ يعنى آدم.
﴿وَخَلَقَ مِنهَا زَوجَهَا﴾ يعني حواء, لأنها خلقت من حي.
وقيل: لأنها من ضلع أيسر.
وقال الضحاك: خلقها من ضلع الخلف وهو أسفل الأضلاع, ولذلك قيل للمرأة: ضلع أعوج فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خلقت المرأة من الرجل فهمها في الرجل, وخلق الرجل من التراب فهمه في التراب".
﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [الروم: 21] فيه تأويلان:
أحدهما: أنها حواء خلقها من ضلع آدم.
والثاني: أن خلق سائر الأزواج من أمثالهم من الرجال والنساء ليستأنسوا إليها؛ لأنه جعل بين الزوجين من الآنسة ما لم يجعل من غيرهما.
﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21] فيها تأويلان:
أحدهما: أنها المودة والمحبة والرحمة والشفقة قاله السدي.
والثاني: أن المودة الجماع والرحمة الولد, قاله الحسن البصري, وقال تعالى:
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان: 54] يعني النطفة والبشر: الإنسان, والنسب: من تناسب بوالد وولد وكل شيء أضفته إلى شيء عرفته به فهو مناسبة وفي الظهر هاهنا تأويلان:
أحدهما: أنه الرضاع, قاله طاوس.
والثاني: أنه المناكح وهو قول الجمهور.
وأصل الظهر الاختلاط فسميت المناكح ظهرًا لاختلاط الناس بها.
وقال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: 32] الآية,
والأيامى جمع أيم وهي التي لا زوج لها, ومنه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الأيمة يعني العزبة, وفي هذا الخطاب قولان:
أحدهما: أنه خطاب للأولياء أن ينكحوا أيامًا هن من أكفائهم إذا دعون إليه.
والثاني: أنه خطاب للأزواج أن يتزوجوا الأيامى عند الحاجة.
وفي قوله: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: 32] تأويلان:
أحدهما: أن يكونوا فقراء إلى النكاح يغنهم الله به عن السفاح.
والثاني: أن يكونوا فقراء إلى المال يغنهم الله إما بقناعة الصالحين, وإما باجتماع الرزقين إليه.
روى عبد العزيز بن داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اطلبوا الغنى في هذه الآية: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: 32], قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: 3].
وفي هذا الشرط أربع تأويلات:
أحدها: يعني إن خفتم أن لا تعدلوا في نكاح اليتامى فهكذا خافوا أن لا تعدلوا في النساء, وهذا قول سعيد بن جبير.
والثاني: يعني إن خفتم ألا تعدلوا في نكاح اليتامى فانكحوا ما حل لكم من غيرهم من النساء, وهو قول عائشة رضي الله عنها.
والثالث: أنهم يتوقون أموال الأيتام ولا يتوقون الزنا, فقال: كما خفتم في أموال اليتامى فخافوا الزنا وانكحوا ما حل لكم من النساء, فهذا قول مجاهد.
والرابع: أن سبب نزولها أن قريشًا كانت في الجاهلية تكثر التزويج بغير عدد محصور فإذا كثر على الواحد منهم مؤن زوجاته وقل ما بيده مد يده إلى ما عنده من الأموال للأيتام, فقرر الله تعالى بهذه الآية عدد المنكوحات حتى لا يتجاوز فيحتاج إلى التعدي في أموال الأيتام, وهذا قول عكرمة.
وفي قوله:
﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ قولان:
أحدهما: أنه عائد إلى النكاح وتقديره: فانكحوا النساء نكاحًا طيبًا, يعني حلالاً, وهذا قول مجاهد.
والثاني: أنه عائد إلى النساء وتقديره: فانكحوا من النساء ما حل وهذا قول الفراء.
فهذا من كتاب الله تعالى ودال على إباحة النكاح.
أما السنة فروى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج, فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج, ومن لم يستطع فعليه بالصوم, فإنه له وجاء".
وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم: "تناكحوا تكاثروا أباهي بكم الأمم حتى بالسقط".
وروي عن النبي صلى الله أنه قال: "من أحب فطرتي فليستن بسنتي ألا وهي النكاح".
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم [أنه] قال لعكاف بن وداعة الهلالي: أتزوجت؟ قال: لا قال: أمن إخوان الشياطين أنت, إن كنت من رهبان النصارى فألحق بهم, وإن كنت منا فمن سنتنا النكاح".
وروي أن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عزموا على جب أنفسهم والتخلي لعبادة ربهم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادهم وقال: "لا زمام ولا خزام ولا رهبانية ولا سياحة ولا تبتل في الإسلام".
أما الزمام والخزام فهو ما كان عليه بنو إسرائيل من زم الأنوف وخزم الترابي, وأما الرهبانية: فهو اجتناب النساء وترك اللحم.
وأما السياحة: فهو ترك الأمصار ولزوم الصحارى.
وأما التبتل: فهو الوحدة والانقطاع عن الناس, ولأن سائر الأمم عليه مجمعة والضرورة إليه داعية لما فيه من غض الطرف وتحصين الفرج وبقاء النسل وحفظ النسب.
وروي عن عائشة أنها قالت: كانت مناكح الجاهلية على أربعة أضرب: نكاح الرايات, ونكاح الرهط, ونكاح الاستنجاد, ونكاح الولادة.
فأما نكاح الرايات فهو أن العاهر في الجاهلية تنصب على بابها راية ليعلم المار بها عهرها فيزني بها فقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام: 120] تأويلين:
أحدهما: أن ظاهر الإثم أولات الرايات من الزاوني وباطنه ذوات الأخدان؛ لأنهن كثر يستحللنه سرًا, وهو قول السدي والضحاك.
والثاني: أن ظاهرة حظر من نكاح ذوات المحارم.
وباطنه الزنا وهو قول سعيد بن جبير.
وأما نكاح الرهط: فهو أن القبيلة أو القبائل كانوا يشتركون في إصابة المرأة, فإذا جاءت بولد ألحق بأشبههم به.
وأما نكاح الاستنجاد فهو أن المرأة كانت إذا أرادت ولدًا نجدًا تحسبًا, بذلت نفسها لنجيب كل قبيلة وسيدها, فلا تلد إلا تحسبًا بأيهم شاءت.
وأما نكاح الولادة: فهو النكاح الصحيح المقصود للتناسل الذي قال فيه رسول الله عليه وسلم: "ولدت من نكاح لا من سفاح" فإن الله تعالى لم يزل ينقل نبيه عليه السلام من
الأصلاب الذكية إلى الأرحام الطاهرة, وقد قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219)﴾ [الشعراء: 219] قال: من نبي إلى نبي حتى جعلك نبيًا, وكان نور النبوة في أيامه ظاهرة, حتى حكي أن كاهنة بمكة يقال لها: فاطمة بنت الهرم قرأت الكتب, فمر بها عبد المطلب ومعه ابنه عبد الله يريد أن يزوجه آمنه بنت وهب, فرأت نور النبوة في وجه عبد الله فقالت: هل لك أن تغشاني وتأخذ مثل الإبل فقال عبد الله:
أَما الحَرَامُ فَلمَمَاتُ دُونَه وَالحلِ لا حِل فَأَستَبِينَه
فَكَيفَ بِالأَمرِ الذِي تَبغِينَه يَحمِي الكَريمُ عَرضَهُ ودِينَهُ؟!
فلما تزوج آمنة وحملت منه برسول الله صلى الله عليه وسلم مر في عوده بفاطمة فقال: هل لك فيما قلت: قد كان مرة فاليوم لا.
فإذا سبعت فقال: زوجي أبي بآمنة بنت وهب الزهرية فقالت: قد أخذت النور الذي كان في وجهك وأنشأت تقول:
إني رأيت مخيلة نشأت فتلألأت بحناتم القطر
فلمحتها نور يضيء به ما حوله كإنارة الفجر
ورأيت سقياها حبا بلد وقعت به وعمارة القفر
ورأيته شرفا أبوه به ما كل قادح زنده يوري
لله ما زهرية سلبت منك الذي استلبت وما تدري
فرع:
فأما اسم النكاح فهو حقيقة في العقد فجاز في الوطء عندنا.
وقال أبو حنيفة: هو حقيقة في الوطء فجاز في العقد وتأثير هذا الخلاف أن من جعل اسم النكاح حقيقة الوطء حرم بوطء الزنا ما حرم بالنكاح ومن جعله حقيقة في العقد لم يحرم بوطء الزنا ما حرم بالنكاح على ما سيأتي شرحه ودليله ولكن من الدليل على حقيقة في العقد أن كل موضع ذكر الله تعالى النكاح في كتابه فإنما أراد به العقد دون الوطء, ولأن التزويج لما كان بالإجماع اسمًا للعقد حقيقة كان النكاح بمثابة لاشتراكهما في المعنى ولأن استعمال النكاح في العقد أكثر وهو به أخص وأشهر وهو في أشعار العرب أظهر قال الشاعر:
بَنُو دارم أكفَاؤُهُم آل مَسمَعِ وَتُنكَحُ فِي أَكفَائِهَا الخَطَباتِ
باب ما جاء في أمر النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه
مسألة:
قَالَ الشَافِعِيُ رَحِمَهُ اللهُ: "إِن اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَما خَص بِهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن وَحي وَأَبَانَ بَينَهُ وَبَينَ خَلقِهِ بِمَا فَرَضَ عَلَيهِمِ مِن طَاعَتِهِ افتَرَضَ عَلَيهِ أَشيَاءَ خَففَهَا عَن خَلقِهِ لِيَزِيدَهُ بِهَا إِن شَاءَ اللهُ قُربَةً وَأَبَاحَ لَهُ أَشياءَ حَظَرَهَا عَلَى خَلقِهِ زِيَادَةً فِي كَرَامتِهِ وَتَبيِينًا لِفَضِيلَتِهِ".
قال في الحاوي: وهذا فصل نقله المزني مع بقية الباب من "أحكام القرآن" للشافعي فأنكر بعض المعترضين عليه إيراد ذلك في مختصره لسقوط التكليف عنا فيما خص به الرسول من تخفيف, ولوفاة زوجاته المخصوصات بالأحكام, فلم يكن فيه إلا التشاغل بما لا يلزم, فصوب أصحابنا ما أورده المزني وردوا على هذا المعترض بما ذكروه من فرض المزني من وجهين:
أحدهما: أنه قدم مناكح النبي صلى الله عليه وسلم تبركا بها والتبرك في المناكح مقصود كالتبرك فيها بالخطب.
والثاني: أن سبق العلم بأن الأمة لا تساوي صلى الله عليه وسلم في مناكحته وإن ساوته في غيرها من الأحكام, حتى لا يقدم أحد على ما حظر عليه ابتداء به.
فرع:
فأما قول الشافعي: إن الله تعالى لما خص به رسول الله صلى الله عليه وسلم من وحي ففيه روايتان:
إحداهما: لما خص بكسر اللام وتخفيف الميم؛ ولأخرى لما خص: بفتح اللام وتشديد الميم, فمن روى بكسر اللام وتخفيف الميم حملها على معنى الشرط وجعل "ما" بمعنى الذي واللام قبلها للإضافة, فيكون تقديره أن الله تعالى لأجل الذي خص به رسول الله صلى الله عليه وسلم من وحيه, ومن روى بفتح اللام وتشديد الميم حملها على معنى الخبر وجعل "ما" بمعنى بعد فيكون تقديره: أن الله تعالى خص به رسول الله صلى الله عليه وسلم من وحيه.
وكلا الروايتين جائزة والأولى أظهر, وإن قيل: فكيف جعل الشافعي رسول الله صلى الله عليه وسلم مخصوصًا بالوحي وقد أوحى الله تعالى إلى غيره من الأنبياء قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: 163] فعن ذلك ثلاثة أجوبة:
أحدها: أنه خص بالوحي من بين أهل عصره, حتى بعث رسولاً إلى جميعهم, فكان مخصوصًا بالوحي من بينهم.
والثاني: أنه خص بانتهاء الوحي وختم النبوة حتى لا ينزل بعده وحي لا يبعث بعده بني, فصار خاتمًا للنبوة مبعوثًا إلى الخلق كافة حتى بعث إلى الإنس والجن, وقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: "بعث إلى الأحمر والأسود" وفيه تأويلان:
أحدهما: إلى العرب والعجم.
والثاني: إلى الإنس والجن.
والثالث: أنه خص بالوحي الذي هو القرآن المعجز الذي يبقى إعجازه إلى آخر الدهر ويعجز عن معارضة أهل كل عصره, وليس فيما أوحي إلى ما قبله من الأنبياء إعجاز يبقى, فصار بهذا الوحي مخصوصًا.
فرع:
وأما قول الشافعي: "وأبان بينه وبين خلقه بما فرض عليهم طاعته" وطاعة أولي الأمر واجبة لوجوب طاعته, قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59], وفي أولي الأمر ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنهم الأمراء وهو قول ابن عباس.
والثاني: هم العلماء وهو قول جابر.
والثالث: هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قول مجاهد.
فأوجب طاعة أولي الأمر كما أوجب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم, فأين موضع الإبانة بينه وبين خلقه بما فرض عليهم من طاعته؛ وعن ذلك ثلاثة أجوبة:
أحدها: أن طاعة أولي الأمر من طاعة الرسول لتباينهم عنه, وقيامهم مقاومة, فصار هو المخصوص بها دونهم.
والثاني: أن طاعة الرسول واجبة في أمور الدين والدنيا, وطاعة أولى الأمر مختصة بأمور الدنيا دون الدين, فتميز عنهم بوجوب الطاعة.
والثالث: أن طاعة الرسول باقية في أوامره ونواهيه إلى قيام الساعة وطاعة أولي الأمر مختصة بمدة حياتهم وبقاء نظرهم.
فكان هذا موضع الإبانة بينه وبينهم.
فرع:
وأما قول الشافعي: "افترض عليه أشياء خففها عن خلقه ليزيده بها إن شاء الله تعالى قربة, وأباح له أشياء حظرها على خلقه زيادة في كرامته وتبينًا لفضيلته".
وهذا صحيح أن الله تعالى خص رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرسالة وفرض الطاعة, حتى يميز بهما على جميع المخلوقات, وميزة عنهم في أحكام الدين من وجهين:
أحدهما: تغليظ.
والآخر: تخفيف.
فأما التغليظ: فهو أن فرض عليه أشياء خففها عن خلقه وذلك لأمرين:
أحدهما: لعلمه بأنه أقوم بها منهم وأصبر عليها منهم.
والثاني: ليجعل أجره بها أعظم من أجورهم وقربه بها أزيد من قربهم.
وأما التخفيف فهو أنه إباحة أشياء حظرها عليهم.
وذلك لأمرين:
أحدهما: لتظهر بها كرامته وتبين بها اختصاصه ومنزلته.
والثاني: لعلمه بأن ما خصه من الإباحة لا يلهيه عن طاعته وإن ألهاهم, ولا يعجزه عن القيام بحقه وإن أعجزهم, ليعلموا أنه على طاعة الله تعالى أقدر وبحقه أقوم.
فإن قيل: فقول الشافعي: "ليزيده بها إن شاء الله تعالى قربة إليه" كان على شك فيه حتى استثنى بمشيئة الله تعالى.
قيل: ليست شكًا وفيها لأصحابنا وجهان:
أحدهما: أنها تحقيق كقوله تعالى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: 102].
والوجه الثاني: أنها بمعنى إذا شاء الله وتكون بمعنى إذ, كما قال تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ﴾ [الفتح: 27].
مسألة:
"فَمِن ذَلِكَ أَن كُل مَن مَلَكَ زَوجًة فَلَيسَ عَلَيهِ الصلاَةُ والسلاَمُ أَن يُخَيرَ نِساءَهُ فَاختَرنَهُ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح ذكر الشافعي ما خص به رسول الله صلى الله عليه وسلم في مناكحته دون غيره لأمرين:
أحدهما: أنه كتاب النكاح فأورد ما اختص بالنكاح.
والثاني: أنه منقول عنه من "أحكام القرآن" فأورد منه ما نص الله تعالى عليه في القرآن, فمن ذلك وهو ما خص به تغليظًا, أن الله تعالى أوجب عليه تخيير نسائه واسم يوجب ذلك على أحد من خلقه, فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (29)﴾] الأحزاب: 28 - 29 [فاختلف أهل العلم فيما خيرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه على قولين:
أحدهما: أنه خيرهن بين اختيار الدنيا فيفارقهن, وبين اختيار الآخرة فيمسكهن, ولم يخيرهن الطلاق.
وهذا قول الحسن وقتادة.
والثاني: أنه خيرهن بين الطلاق أو المقام.
وهذا قول عائشة ومجاهد.
وهو الأشبه
بقول الشافعي.
واختلف أهل العلم في سبب التخيير على خمسة أقاويل:
أحدها: أن نساءه تغايرن عليه فحلف أن لا يكلمهن شهرًا فأمر بتخييرهن, وهذا قول عائشة.
والثاني: أنهن اجتمعن يومًا وقلن: نريد ما تريد النساء من الثياب والحلي وطالبنه, وكان غير مستطيع, فأمر بتخييرهن, حكاه النقاش.
والثالث: أن الله تعالى أراد امتحان قلوبهن ليرتضي رسول الله صلى الله عليه وسلم خير نساء خلقه فخيرهن.
والرابع: أن الله تعالى صان خلوة نبيه فخيرهن على أن لا يتزوجن بعده فلما أجبن إلى ذلك أمسكهن.
وهذا قول مقاتل.
والخامس: أن الله تعالى خير نبيه بين الغني وبين الفقر, فنزل عليه جبريل وقال: إن الله تعالى يقرئك السلام ويقول: إن شئت يا محمد جعلت لك جبالاً ذهبًا, فقال: صف لي الدنيا, فقال: حلالها حساب, وحرامها عذاب, فاختار الفقر على الغني والآخرة على الدنيا, وقال: "لأن أجوع يومًا فأصبر, وأشبع يومًا فأشكر خيرًا من الدنيا وما فيها, اللهم أحيني مسكينًا وأمتني مسكينًا واحشرين في زمرة المساكين" فحينئذٍ أمره الله تعالى بتخيير نسائه, لما في طباع النساء من حب الدنيا, فلما نزل عليه التخيير بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة, وكانت أحب نسائه إليه وأحدثهن سنًا- فتلا عليها آية التخيير- حتى تستأمري أبويك لأنه خاف مع حبة لها أن تعجل لحداثة سنها فتختار الدنيا فقالت: أفيك يا رسول الله أستأمر أبوي.
قد أخذت الله ورسوله والدار الآخرة, وسألته أن يكتم عليها اختيارها عند أزواجه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما كان النبي أن يفعل" ثم دخل على أزواجه, فكان إذا دخل على واحدة منهن تلا عليها الآية تقول: ما اختارت عائشة؟ فيقول: اختارت الله ورسوله والدار الآخرة, حتى دخل على فاطمة بنت الضحاك الكلابية, وكانت من أزواجه, فلما تلا عليها الآية فقالت: قد أخذت الحياة الدنيا وزينتها فسرحها, فلما كان في زمن عمر وجد تلقط البعر وهي قول: اخترت الدنيا على الآخرة فلا دنيا ولا آخرة.
فإذا تقرر ما وصفنا من تخييرهن.
انتقل الكلام إلى الاختيار.
فإن قيل: عليه السلام خيرهن بين اختيار الدنيا فيفارقهن, وبين اختيار الآخر: فيمسكهن لم يقع بهذا الاختيار طلاق حتى يطلقهن, وعليه أن يطلقهن إن أخذن الدنيا كما طلق فاطمة بنت الضحاك لقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: 28] والسراح الجميل يحتمل ثلاث تأويلات:
أحدها: أنه الصريح من الطلاق دون الكناية لئلا يراعي فيه النية.
والثاني: أنه أقل من ثلاث لتمكن فيه الرجعة.
والثالث: أن يوفي فيه الصداق ويدفع فيه المتعة, فإن طلق المختارة منهن أقل من ثلاث فهل يقع طلاقها بائنًا لا يملك فيه الرجعة أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: أن يكون كطلاق غيره من أمته رجعياً.
والوجه الثاني: أن يكون بائنًا لا رجعة فيه؟ لأن الله تعالى غلظ عليه في التخيير، فيغلظ عليه الطلاق، وفي تحريمهن بذلك على التأييد وجهان:
أحدهما: لا يحرمن على التأييد يكون سراحًا جميلًا.
والوجه الثاني: قد حرمن على الأبد؟ لأنهن أخذن الدنيا على الآخرة فلم يكن من أزواجه في الآخرة، فهذا حكمهن إذا قيل إنه تخيير النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان تخييرًا بين الدنيا والآخرة.
فأما إذا قيل وهو الأظهر من القولين: إنه خيرهن بين الطلاق أو المقام، فتخيير غيره من أمته يكون كناية يرجع فيه إلى نية الزوج في تخييرها، والى نية الزوجة في اختيارها.
وقال مالك: وهو صريح: فإن لم تختر نفها كان صريحًا في طلقة بائنة.
وقال أبو حنيفة: إن لم تختر نفسها وان اختارت نفسها كان صريحًا في طلقة بائنة لا يرجع فيه إلى نية أحد منهما.
وللكلام عليهما في موضع يأتي.
وأما تخيير النبي صلى الله عليه وسلم وجهان:
أحدهما: أنه كناية لتخيير غيره يرجع فيه إلى نيتهما.
والثاني: أنه صريح في الطلاق لا يراعى فيه النية لخروجه مخرج التغليظ على نيته، ثم هل يكون بائنًا يوجب تحريم الأبد أم لا؟ على ما ذكرنا من الوجهين.
ثم تخيير غيره من أمته يراعى في اختيار الزوجة على الفور، فمتى تراخى اختيارها بطل، لأنه يبري مجرى الهبة في تعجيل قبولها على الفور، فأما تخيير النبي صلى الله عليه وسلم لهن في هذه الحال ففيه وجهان:
أحدهما: يراعى فيه تعجيل الاختيار على الفور فإن تراخى بطل حكمه.
لما ذكرنا من اعتباره بقبول الهبة التي هو وغيره من أمته فيها سواء.
والوجه الثاني: أن اختيارهن على التراخي لما اختص به من النظر لأنفسهن بين الدنيا والآخرة، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله عنها حين خيرها: "استأ مري أبويك" فلولا أنه على التراخي لكان بالاستثمار يبطل الاختيار.
فرع
فأما أنه التخيير فغيها دلائل على خمسة أحكام:
أحدهما: أن الزوج إذا أعسر بنفقة زوجته فلها خيار الفسخ.
والثاني: أن المتعة تجب للمدخول بها إذا طلقت.
والثالث: جواز تعجيلها قبل الطلاق، وكذلك تعجيل حقوق الأموال قبل الوجوب.
والرابع: أن السراح صريح في الطلاق.
والخامس: أن المتعة غير مقدرة شرعًا، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: - فَقَالَ تَعَالَى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: (52)]
قال في الحاوي: وذلك أن الله تعالى لما أوجب على نبيه صلى الله عليه وسلم تخيير نسائه فاخترنه، حظر الله تعالى عليه طلاقهن، وحظر عليه أن يتزوج عليهن استبدالا بهن، فخص بتحريم طلاقهن وتحريم التزويج عليهن تغليظًا عليه, ومكافأة لهن على صبرهن معه ما كان من ضيق وشدة.
فقال سبحانه وتعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ ولا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ ولَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ لا يحل لك النساء،.
ومن بعد نساءك اللاتي خيرتهن فأخذن الله ورسوله والدار الآخرة، وهن التسع اللاتي مات عنهن بعد العاشرة التي فارقها، فصار مقصورا عليهن وممنوعا من غيرهن وان أعجبه حسنهن.
وقيل: إن التي أعجبه حسنها أسماء بنت عميس بعد قتل جعفر بن أبي طالب عنها، فجازاهن الله تعالى في الدنيا بتحريم طلاقهن والتزوج عليهن؟ لأنه أحب الأشياء إلى النساء إذا اخترن أزواجهن بعد أن جازاهن بالجنة في الآخرة لقوله تعالى: ﴿وإن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدَّارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 169] والمحسنات هن المختارات لرسوله صلى الله عليه وسلم, والأجر العظيم هو الجنة، وان الله تعالى أكرمهن في الدنيا وفضلهن على غيرهن من النساء بتسع خصال، نذكر تفصيلها من بعد مشروحًا إن شاء الله تعالى.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: قَالَتْ عَائِشةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: "مَا مَاتَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى أَحَلَّ لَهُ النَّسَاءَ قَالَ كَأَنَّهَا تَعْنِي اللاَّتِي حَظَرَهُنَّ عَلَيْهِ"
قال في الحاوي: قد ذكرنا في حظر الله على نبيه صلى الله عليه وسلم في طلاق نسائه بعد تخييرهم وتحريم نكاح النساء عليهن.
فأما تحريم طلاقهن فقد كان باقيًا عليه إلى أن قبضه الله تعالى إليه، وما كان من طلاقه لحفصة واسترجاعها وازعامه طلاق سودة حتى وهبت يومها لعائشة، فإنما كان قبل التخيير، وأما تحريم النكاح فقد اختلف في ثبوت حكمه ونسخه، فزعم بعض أهل العراق: أن تحريم النكاح عليه كان ثابتا إلى أن قبضه الله تعالى إليه بدلالة أشياء:
أحدهما: قوله تعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: 52] وكان هذا على الأبد.
والثاني: أن الله تعالى جعله مقابلة على اختيارهن على طريق الجزاء فلم يجز أن
يتعقبه رجوع.
والثالث: أنه لما كان تحريم طلاقهن باقياً وجب أن يكون تحريم النكاح عليهن باقيا لأنهما جميعا جزاء.
وذهب الشافعي إلى تحريم النكاح عليهن نسخ حين اتسعت الفتوح فإن النبي صلى الله عليه وسلم ما مات حتى أحل له النساء وهذا قول عائشة وأبي بن كعب والدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أَجُورَهُنَّ ومَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: 50].
والإحلال يفضي إلى عدم الحظر ولم يحظر على النبي صلى الله عليه وسلم النكاح قبل التخيير، فدل على أن الإحلال والإباحة بعد حظر التخيير.
فإن قيل: فهذا الإحلال إنما يوجه إلى نسائه اللاتي خيرهن وأخذنه وهذا قول مجاها قيل: لا يصح من وجهين:
أحدهما: أنهن قد كن حلاله قبل نزول هذه الآية بإحلالهن.
الثاني: أنه قال فيها: ﴿وَبَنَاتِ عَمِكَ وَبَنَاتِ عَمَّتِكَ﴾ [الأحزاب: 150] ولم يكن في نسائه المتخيرات أحد من بنات عمه ولا من بنات عماته.
فإن قيل: فهذه الآية متقدمة على التلاوة على قوله تعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ ولا يجوز أن يكون المتقدم ناسخًا للمتأخر؟ قيل: هي وان كانت متقدمة في التلاوة فهي متأخرة في التنزيل، فجاز النسخ بها كما في قوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ويَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ [البقرة: 234] ناسخ لقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ويَذَرُونَ أَزْوَاجًا وصِيَّةً لأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إلَى الحَوْلِ﴾ [البقرة: 240] وهي متقدمة في التلاوة لكنها متأخرة في التنزيل.
فإن قيل: فهلا قدمت تلاوة ما تأخر تنزيله؟
قيل: لأن جبريل عليه السلام كان إذا نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأية من القران أمره أن يضعها في موضع كذا.
فإن قيل: فلما أمره بتقديم تلاوة ما تأخر تنزيله؟ قيل: لسبق القارئ إلى معرفة حكمه، حتى إن لم يعرف حكم ما بعده من المنسوخ أجزأه، ويدل على نسخ الحظر أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم اصطفي صفية بنت حيي من سبي خيبر سنة ثمان فأعتقها وتزوجها، وذلك بعد التخيير, فقد قالت عائشة وأبي بن كعب: ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أبيح له النساء.
وهما بذلك أعرف، ولأن علة الحظر الضيق والشدة، فإذا زالت زال موجبها، وقد فتح الله تعالى على رسوله حتى وسع على نسائه وأجرى لكل واحدة منهن ثمانين صاعا من تمر وأربعين صاعا من شعير سوى الهدايا والألطاف.
وأما الاستدلال بالآية فقد ذكر وجه نسخها، وأما الجزاء وهو مشروط بحال الضيق والشدة, وأما الطلاق فالفرق بينه وبين التزويج عليهن أن في طلاقهن قطعا لعصمتهن ويخرجن به أن يكون في أزواجه في الآخرة وليس في التزويج عليهن قطع لعصمتهن فافترقا والله أعلم.
فإذا ثبت نسخ الحظر مما ذكرنا فقد اختلف أصحابنا في الإباحة هل هي عامة في جميع النساء، أو مقصورة على المسميات في الآية، إذا هاجرن معه على وجهين:
أحدهما: أن الإباحة مقصورة على المسميات من بنات عمه وبنات عماته وبنات خاله وبنات خالاته اللاتي معه، وهذا قول أبي بن كعب لرواية أبي صالح عن أم هانئ قالت: نزلت هذه الآية فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوجني فنهى عني لأني لم أهاجر.
والوجه الثاني: وهو أظهرهما أن الإباحة عامة في جميع النساء؟ لأنه تزوج بعدها صفية وليست من المسميات فيها، ولأن الإباحة رفعت ما تقدمها من الحظر، ولأنه في استباحة النساء أوسع حكما من جميع أمته فلم يجز أن يقصر عنهم.
مسألة:
قال الشافعي: - وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إن وهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: (50)].
قال في الحاوي: وهذا مما خص به رسول الله صلى الله عليه وسلم في النكاح تخفيفا، أن ينكح بلفظ الهبة, لأن الشافعي بدأ بذكر ما خص به في النكاح تغليظا، وذلك في ثلاثة أشياء؟ وجوبا التخيير، وتحريم الطلاق، وتحريم الاستبدال بهن.
ثم عقبه بذكر ما خص به تخفيفا، فمن ذلك أن إباحة الله تعالى أن يملكه نكاح الحرة بلفظ الهبة من غير بدل يذكر مع العقد، ولا يجب من بعد فيكون مخصوصا به من ين أمته من وجهين:
أحدهما: أن يملك نكاح الحرة بلفظ الهبة ولا يجوز ذلك لغيره من أمته.
والثاني: أن يسقط عنه المهر ابتداء مع العقا وانتهاء فيما بعده وغيره من أمته يلزمه المهر فيما بعد.
وقال أبو حنيفة: إنما اختص بسقوط المهر وحده وهو وأمته سوا، في جواز العقا بلفظ الهبة.
وقال سعيد بن المسيب: إنما خص بسقوط المهر وليس له ولا لغيره من أمته أن يعقا بلفظ الهبة، ويه قال من الصحابة أنس بن مالك، وذهب إليه بعض أصحاب الشافعي، والدليل على تخصيصه بالأمرين وإن كان للكلام مع أبو حنيفة موضع يأتي.
وقوله تعالى: ﴿وامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إن وهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: (50)] والهبة تتميز بلفظها عقدا، وسقوط المهر فيها بدلا، وقد جعلها خالصة من دون المؤمنين، فلم يجز لأجد من أمته أن يشاركه في واحد من الحكمين.
وفي الآية قراءتان:
إحداهما: "إن وهبت" بالفتح وهو خبر عما مضى, والقراءة الأخرى بالكسر وهو شروط في المستقبل، فاختلف العلماء هل كان عند النبي صلى الله عليه وسلم امرأة وهبت له نفسها بحسب اختلافهم في هاتين القراءتين، فمن قرأ بالكسر وجعله شرطا في المستقبل قال: لم يكن عنده امرأة موهوبة, ويه قال مجاهد.
ومن قرأ بالفتح جعله خبرا عن ماض قال: قد كانت عنده امرأة وهبت له نفسها واختلفوا فيها على أربعة أقاويل:
أحدهما: أنها أم شريك بنت جابر بن خباب, وكانت امرأة صالحة وهذا قول
عروة بن الزبير.
والثاني: أنها خولة بنت حكيم.
وهذا قول عائشة.
والثالث: أنها ميمونة بنت الحارث.
وهذا قول ابن عباس.
والرابع: أنها زينب بنت خزيمة أم المساكين امرأة من الأنصار.
وهذا قول الشعبي.
وإذا كان عند النبي صلى الله عليه وسلم من وهبت له نفسها أو شرط له في المستقبل أن تقبل من وهبت له نفسها خالصة من دون المؤمنين.
كان دليلا قاطعا على من خالف.
وروي عن سهل بن سعد الساعدي: أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله قد وهبت نفسي منك، فقالت: ما لي في النساء من حاجة" فلو لم يكن له أن يقبلها لأنكر عليها هبتها.
فرع:
ومما خص به النبي صلى الله عليه وسلم في مناكحه تخفيفان أن ينكح أي عدد شاء.
وان لم يكن لغيره من أمته أن ينكح أكثر من أربع في عقد واحد لقوله تعالى: ﴿إنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أَجُورَهُنَّ ومَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ الآية [الأحزاب: (50)]، وأحل له من الأزواج من أتاها أجرها من غير تقدير بعدد، ثم ذكر بنات عمه وعماته وخاله وخالاته من يزيد على الأربع.
فدل على اختصاص بالإباحة من غير عدد, وقد جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين إحدى عشر، ومات عن تسع، وكان يقم لثمان, ولأنه لما كان الحر لفضله على العبد يستبح من نكاح النساء أكثر مما يستبحه العبد, وجب أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم لفضله على جميع الأمة يستبيح من النساء أكثر مما يستبيحه جميع الأمة.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حبب إلي من دنياكم ثلاث: النساء، والطيب, وجعل قرة عيني في الصلاة" فاختلف أهل العلم في معنى تحبيب النساء إليه على قولين:
أحدهما: أنه زيادة في الابتلاء والتكليف, حتى لا يلهو بما حبب إليه من النساء
عما كلف به من أداء الرسالة، ولا يعجز عن تحمل أثقال النبوة فيكون ذلك أكثر لمشاقه وأعظم لأجره.
والقول الثاني: ليكون خلواته معهم يشاهدها من نسائه، فيزول عنه ما يوميه المشركون به من أنه ساحر أو شاعر، فيكون تحببهن إليه على وجه اللطف به.
وعلى القول الأول على وجه الابتلاء له، وعلى أي القولين كان فهو فضيلة، وان كان في غيره نقصا وهذا مما هو به مخصوص أيضا.
مسألة:
قال الشافعي: - وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ [الأحزاب: 32] ﴿فَأَبَانَهُنَّ بِهِ مِنْ نِسَاءِ العَالَمِينَ﴾.
قال في الحاوي: وهذا مما خص الله تعالى به رسول من الكرامات أن فضل نساءه على نساء العالمين، فقال تعالى ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: (32)]، وذلك لأربعة أشياء:
أحدهما: لما خصهن الله من خلوة رسوله ونزول الوحي بينهن.
والثاني: لاصطفائهم لرسوله أزواجا في الدنيا وأزواجا في الآخرة.
والثالث: لما ضاعفه لهن من ثواب الحسنات وعقاب السيئات.
والرابع: لما جعلهن للمؤمنين أمهات محرمات فمرن بذلك من أفضل النساء، وفيه قولان:
أحدهما: من أفضل نساء زمانهم.
والثاني: أفضل النساء كلهن.
وفي قوله: ﴿إِنِ اَتَّقَيتُنَّ﴾ تأويلان: محتملان:
أحدهما: معناه إن استدمتن التقوى فلستن كأحد من النساء.
والثاني: معناه لستن كأحد من النساء فكن أخصهن بالتقوى.
فعلى التأويل الأول يكون معناه معنى الشرط.
وعلى التأويل الثاني: معناه معنى الأمر، ثم قال تعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: 32] وفي خضوعهن بالقول خمسة تأويلات:
أحدها: فلا ترفعن بالقول وهو قول السدي.
والثاني: فلا ترخص بالقول، وهو قول ابن عباس.
والثالث: فلا تكلمن بالرفث، وهو قول الحسن.
والرابع: هو كلام الذي فيه ما يهوى المريب، وهو قول الكلبي.
والخامس: هو ما يدخل من قول النساء في قلوب الرجال، وهو قول ابن زيد.
وفي
قوله: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ﴾ تأويلان:
أحدهما: أنه الفجور، وهو قول السدي.
والثاني: أنه النفاق، وهو قول قتادة.
وكان أكثر ما يصيب الحدود في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم المنافقون.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله: "وَخَصَّهُ بِأَنْ جَعَلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَاُم أَوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح لما اختص الله تعالى رسوله بكرامته وفضله على جميع خلقه أولى بالمؤمنين من أنفسهم فقال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: 6] وقرأ عكرمة: وهو أبوهم.
وقرأ مجاهدا: وهو أب لهم.
وقيل: إنها قراءة أبي بن كعب، وفيه أربعة تأويلات:
أحدهما: أنه أولى بهم فيما يراه لهم منهم بأنفسهم، وهذا قول عكرمة.
والثاني: أنه أولى بهم فيما يأمرهم به من آبائهم وأمهاتهم.
والثالث: أنه أولى بهم في دفاعهم عنه ومنعهم منه من دفاعهم عن أنفسهم, حتى لو عطش ورأى مع عطشان ما كان أحق به منه.
ولو رأوا سوءًا يصل إليه لزمهم أن يقوه بأنفسهم كما وقاه طلحة بن عبيد الله بنفسه يوم أحد.
والرابع: أنه أولى بهم من قضاء ديونهم وإسعافهم في نوائبهم.
وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ما من مؤمن إلا أنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، أقرؤوا إن شئتم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: 6] فأيما مؤمن ترك مالآ فلورثته، ومن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه".
فكان هذا مما خص الله تعالى رسوله من الكرامات، وكان ما يفعله من قضاء الديون تفضلا منه لا واجبا عليه, لأنه لو كان واجبا لقام به الأئمة بعده، إلا أن يكون من لهم الغارمين فيكون واجبا في سهم الصدقات إن احتمله.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ:" وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ, قَالَ: أُمَّهَاتُهُمْ فِي مَعْنًى وّذَلِكَ أّنَّهُ لاَ يَحِلُّ نِكَاحَهُنَّ بِحَالٍ وّلّمْ يُحْرَمْ نَبَاتٌ لَوْ كُنَّ لأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَدْ زَوَّجَ بَنَاتِهِ وَهُنَّ
أَخَوَاتُ المُؤْمِنِينَ.
قال في الحاوي: وهذا مما خص الله تعالى به رسوله من الكرامة وخص به أزواجه من الفضيلة، وأن جعلهن أمهات المؤمنين فقال عز وجل: ﴿وأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: (6)] يعني اللاتي مات عنهم وهن تسع، فيجري عليهم أحكام الأمهات في شيئين، متفق عليهما وثالث نختلف فيه، أحد الشيئين تعظيم حقهن والاعتراف بفضلهن، كما يلزم تعظيم حقوق الأمهات ولقوله تعالى: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: (32)].
والثاني: تحريم نكاحهن حتى لا يحللن لأحد بعده من الخلق كما يحرم نكاح الأمهات لقوله تعالى: ﴿ومَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ولا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: 53] وسبب نزول هذه الآية ما حكاه السدي أن رجلا من قريش قال عند نزول أية الحجاب: أيحجبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بنات عمنا ويتزوج نسائنا من بعدنا، لثن حدث به حدث لتزوجن نساءه من بعده، فنزلت هذه الآية، ولأن حكم نكاحهن لا ينقضي بموته لكونهن أزواجه في الآخرة، فوجب أن يكون تحريمهن بعد موته كتحريمهن في حياته.
فأما الحكم الثالث: اختلف فيه فهو المحرم هل يصرن كالأمهات في المحرم حتى لا يحرم النظر إليهن على وجهين:
أحدهما: لا يحرم النظر إليهن لتحريمهن كالأمهات نسبا ورضاعا.
والوجه الثاني: يحرم النظر إليهن حفظا لحرمة رسوله فيهن.
وقد كانت عائشة إذا أرادت دخول رجل عليها أقرت أختها أسماء أن ترضعه حتى ليصير ابن أختها، فيصر محرما لها ولا يجري عليهن أحكام الأمهات في النفقة بالميراث، فلهذا قال الشافعي: "أمهاتهم في معنى دون معنى" وإذا كن أمهات المؤمنين ففي كونهن أمهات المؤمنين وجهان:
أحدهما: أنهن أمهات المؤمنين والمؤمنات تعظيما لحقهن على الرجال والنساء.
والوجه الثاني: أن حكم التحريم مختص بالرجال دون النساء فكن أمهات المؤمنين دون المؤمنات، وقد روى الشعبي عن مسروق عن عائشة، أن امرأة قالت لها: يا أمه فقالت: لست لك بأم وإنما أنا أم رجالكم.
واختلف أصحابنا في وجوب العدة عليهن بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهن على وجهين:
أحدهما: ليس عليهن عدة, لأنهن حرمن كان كل زمانهن عدة.
والثاني: يجب عليهن تعبدا أن يعتدون عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا، لما في العدة من الإحداد ولزوم المنزل، ثم نفقاتهن تجب بعد وفاته في سهمه من خمس الخمس من الفيء والغنيمة لبقاء تحريمهن، وقد أنفق عليهن أبو بكر رضي الله عنه وأجرى لهم عمر رضي الله عنه عطاءً فائضا، فهذا حكم من مات عنهن رسول الله صلى الله عليه وسلم من زوجاته.
فرع:
فأما اللاتي فارقهن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته فليس لهن من حرمة التعظيم ما للمتوفي عنهن، وفي تحريمهن على الأمة ثلاثة أوجه:
أحدهما: لا يحرمن سواء دخل بهن أو لم يدخل لقوله تعالى ﴿إن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً﴾ [الأحزاب: 28] وإرادة الدنيا منهن هي طلب الأزواج لهن, لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أزواجي في الدنيا هن أزواجي في الآخرة" وليس للمطلقات من أزواجه في الآخرة.
والثاني: أنهن يحرمن سواء دخل بهن أو لم يدخل بهن تعظيما لحرمة الرسول فيهن، لقوله صلى الله عليه وسلم:"كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبيا" وليحفظ الله تعالى محبة رسوله في قلوب أمته, فإن العادة أن زوج المرأة يبغض من تقدمه من أزواجها، والتعرض لبعض الرسول كفر.
والثالث: وهو الأصح أنه إن لم يكن دخل بهن لم يحرمن، وإن كان دخل بهن حرمن صيانة لخلوة الرسول أن تبدوا، فإن من عادة المرأة إن تزوجت ثانيا بعد الأول أن تذم عنده الأول إن حمدته، وتحمد الأول إن ذمته, ولأنه كالإجماع من جهة الصحابة.
روي أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج في سنة عشر التي مات فيها في شهر ربيع الأول قتيلة أخت الأشعث بن قيس الكندي ولم يدخل بها, فأوصى في مرضه أن تخير إن شاءت أو يضرب عليها الحجاب، وتحرم على المؤمنين ويحرم عليها ما يجري على أمهات المؤمنين، وان شاءت أن تنكح من شاءت نكحت فاختارت النكاح فتزوجها عكرمة بن أبي جهل بحضرموت، فبلغ ذلك أبا بكر فقال: هممت أن أحرمه عليكما، فقال عمر: ما هن من أمهات المؤمنين، ما دخل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ضرب عليها حجابا، فكف عنها أبو بكر.
وروي أن الأشعث بن قيس تزوج امرأة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها وفارقها، فهم عمر برجمهما حتى بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدخل بها فكف عنهما، فصار ذلك كالإجماع.
فإن قلنا: إنها لا تحرم لم تجب نفقتها، وان قلنا: إنها محرمة ففي وجوب نفقتها في سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخمس وجهان:
أحدهما: تجب كما تجب نفقات من مات عنهن لتحريمهن.
الثاني: لا تجب لأنها لم تجب قبل الوفاة فأولى أن لا تجب بعدها، ولأنها مبتوتة العصمة بالطلاق.
فرع:
فأما من وطئها من إمائه فإن كانت باقية على ملكه إلى حين وفاته مثل مارية أم ابنه إبراهيم حرم نكاحها على المسلمين وان لم تصر كالزوجات أما للمؤمنين لنقصها بالرق وان كان قد باعها وملكها مشتريها بقي تحريمها عليه وعلى جميع المسلمين وجهان كالمطلقة.
فرع:
فأما ما نقله المزني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد زوج بناته وهن أخوات المسلمين، وإنما أراد به الشافعي أنهم وان كن كالأمهات في تحريمهن فلسن كالأمهات في جميع أحكامهن، أن لو كان كذلك لما زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد من بناته منهن؟ لأنهن أخوات المؤمنين، وقد زوج وسول الله صلى الله عليه وسلم أربعا من بناته فزوج قبل النبوة: زينب بأبي العاص بن الربيع، وزوج قبل النبوة رقية بعتبة بن أبي لهب وطلقها بعد النبوة فزوجها بعده عثمان بن عفان رضي الله عنه بمكة فولدت له عبد الله, وبلغ ست سنين ثم مات هو وأمه ورسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر، ثم زوجه بعدها بأم كلثوم فماتت عناه في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "لو كان لنا ثالثة لزوجناك" وزوج عليا رضي الله عنه فاطمة بعد الهجرة، فلما زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذكرنا من بناته علم اختصاص نسائه من حكم الأمهات بالتعظيم والتحريم, إلا أن المزني نقل عن الشافعي ما زوج بناته وهن أخوات المؤمنين فذهب أكثرها أصحابنا إلى غلط منه في النقل، وأن الشافعي قال في "أحكام القرآن" من الأم: "قد زوج بناته وهن غير أخوات المؤمنين" فغلط في النقل.
وذهب بعض أصحابنا إلى صحة نقل المزني وأنه على معنى النقل والتقرير، ويكون تقديره قد زوج نباته أو يزوجهن وهن أخوات المؤمنين.
فرع:
ومما خص الله تعالى به نماء رسول الله صلى الله عليه وسلم تفضيلا لهن وإكراما لرسوله أن ضاعف عليهن عقاب السيئات، وضاعف عليهن ثواب الحسنات، فقال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَاتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا العَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: (30)].
وفي الفاحشة المبينة هاهنا تأويلان:
أحدهما: الزنا وهو قول السدي.
والثاني: النشوز وسوء الخلق وهو تول ابن عباس.
وني مضاعف العذاب لهما معفين قولان لأهل العلم:
أحدهما: أنه عذاب الدنيا وعذاب الآخرة وهو (قول) قتادة.
والثاني: أنه عذابان في الدنيا لعظم جرمهن بأذية رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال مقاتلا: حدان في الدنيا غير السرقة.
وقال سعيد بن جبير: فجهل عذابهن ضعفين وعلى من قذفهن الحد ضعفين، ولم أر للشافعي نصا في أحد القولين غير أن الأشبه بظاهر كلامه إنما هو حدان في الدنيا.
فإن قيل: في أمر مضاعفة الحد عليهن من تفضيلهن.
قيل: لأنه لما كان حد العبد نصف حد الحر لنقصه عن كمال الحر وجب أن يكون مضاعفة الحد عليهن من تفضيلهن على غيرهن، ثم قال تعالى: ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الأحزاب: (31)] أي يطيع الله ورسوله والقنوت الطاعة ثم قال: ﴿وتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: (31)] فضوعف لهن الأجر مرتين كما ضوعف عليهن العذاب ضعفين، فصار كلا الأمرين تفصيلا لهن وزيادة من كرامتهن, وفي ﴿أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ قولان لأهل العلم:
أحدهما: أن كلا الأجرين في الآخرة.
والثاني: أن أحدهما في الدنيا والثاني في الآخرة.
ويحتمل قوله: ﴿وأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ تأويلين:
أحدهما: حلالا فقد كان رزقهن من أجل الأرزاق.
والثاني: واسعا فقد صار رزقهن بعد وفاته وفي أيام عمر من أوسع الأرزاق.
فرع:
وصار ما خص الله تعالى به رسول الله صلى الله عليه وسلم في مناكحه، مما جاء فيه نص واتصل به نقل عشر خصال، تنقسم ثلاثة أقسام منها ثلاثة خصال تغليظ، وثلاث خصار تخفيف وأربع خصال كرامة.
فأما الثلاث التغليظ فإحداهن: ما أوجبه عليه من تخيير نسائه.
والثانية: ما حظر عليه من طلاقهن.
والثالثة: ما منعه من الاستبدال بهن.
وأما الثلاث التخفيف: فإحداهن: ما أباحه له من النكاح من غير تقدير محصور.
والثانية: أن يملك النكاح بلفظ الهبة من غير بدل.
والثالثة: أنه إذا أعتق أمة على أن يتزوجها كان عتقها نكاحا عليها وصداقا لها, لأنه أعنق صفية بنت حيي على هذا الشرط فصارت بالعتق زوجة وصار العتق لها صداقا.
فأما الأربع الكرامة:
فإحداهن: أنه فضل نسائه على نساء العالمين.
والثانية: أنه جعلهن أمهات المؤمنين.
والثالثة: حرمهن على جميع المسلمين.
والرابعة: ما ضاعف من ثوابهن وعقابهن.
فرع
وإذا قد مضى ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مخصوصاً به في مناكحه نصا.
فقد اختلف
أصحابنا في جواز الاجتهاد فيما يجوز أن يكون مخصوما به في مناكحة من طريق الاجتهاد والنص، فكان أبو علي بن خيران يمتنع من جواز الاجتهاد لنقصه، وكذلك في الإمامة, لأن الاجتهاد وإنما يجوز عند الضرورة في النوازل الحادثة.
وذهب سائر أصحابنا إلى جواز الاجتهاد في ذلك ليتوصل به إلى معرفة الأحكام، وان لم تدع إليها ضرورة، كما اجتهدوا فيما لم يحدث من النوازل فاجتهدوا في سبع مسائل أفضى بهم الاجتهاد إلى الاختلاف فيها.
فأحدها: أن اختلفوا هل كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينكح بغير ولي ولا شهود؟ على وجهين:
أحدهما: لم يكن له ذلك.
وهو وغيره سواء في أن ينكح إلا بولي وشاهدين لقوله صلى الله عليه وسلم: "كل نكاح لم يحضره أربعة فهو سفاح" فلم يجز أن يتوجه ذلك إلى مناكحه.
الثاني: أن يجوز له أن ينكح بغير ولي ولا شاهدين لقول الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وأَزْوَاجُهُ﴾ [الأحزاب: 6] ولأن النبي صلى الله عليه وسلم خطب أم سلمة فقال: ما لي ولي حاضر فقال: ما يكرهني من أوليائك حاضر ولا غائب، ثم قال لابنها عمر وكان غير بالغ: قم زوج أمك.
وقد أنكر أحمد بن حنبل على من قال غير بالغ وهو قول الأكثرين، ولأن الولي إنما يراد لالتماس الأكفاء والرسول صلى الله عليه وسلم أفضل الأكفاء.
والشهود إنما يرادون حذر التناكر وهذا غير موهوم في الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكون منه أو له فلذلك لم يفتقر نكاحه إلى ولي ولا شهود.
فرع
والمسألة الثانية: أن اختلفوا هل له نكاح الكتابية أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لم يكن له ذلك لقوله تعالى: ﴿وأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: 6].
وقال صلى الله عليه وسلم: "أزواجي في الدنيا هن أزواجي في الآخرة ".
وهذان الأمران منتفيان عن غير المسلمات, ولأن الله تعالى شرط فيما أباحه لرسوله من بنات عمه وعماته الهجرة، فقال: ﴿اللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ [الأحزاب: 50] فلما حظر عليه من المسلمات من لم تهاجر فكيف يستبيح من لم تسلم ولم تهاجر؟.
والثاني: يحل له نكاح الكتابية، لأن حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في النكاح أوسع من حكم أمته فلم يجز أن يحرم عليه ما يحل لأمته؟ ولأنه صلى الله عليه وسلم استمتع بأمته ريحانة بنت عمرو بملك يمينه، وكانت يهودية من سبي بني قريظة، وعرض عليها الإسلام فأبت، ثم أسلمت من بعد، فلما بشر بإسلامها سر به.
والكفر في الأمة أغلظ منه في الحرة؟ لأن نكاح الأمة الكتابية حرام، ونكاح الحرة الكتابية مباح، فلما لم تحرم عليه الأمة الكتابية فأولى أن لا تحرم عليه الحرة الكتابية، فعلى هذا إذا نكح الكتابية فهل عليه تخييرها أن تسلم فيمسكها أو تقيم على دينها فيفارقها؟ فيه وجهان:
أحدهما: عليه تخييرها، فإن أسلمت ثبت نكاحها، وان أقامت على دينها فارقها ليصح أن تكون من أزواجه في الآخرة.
والثاني: ليس ذلك عليه؟ لأنه ما خير ريحانة وقد عرض عليها الإسلام فأبت وأقام على الاستمتاع بها.
فأما الأمة فلم يختلف أصحابنا أنه لم يكن له أن يتزوجها وان جاز أن يستمتع بها لملك يمينه, لأن نكاح الأمة مشروط بخوف العنت وهذا غير مجوز عليه.
فرع:
والمسألة الثالثة: أن اختلفوا هل كان له أن ينكح في إحرامه؟ فذهب أبو الطيب بن سلمة إلى جوازه له خصوصا لروايته أنه تزوج ميمونة محرما، وذهب سائر أصحابنا إلى أنه ممنوع من النكاح في الإحرام كغيره من أمته, لأنه وإياهم في محظورات الإحرام سواء، وما نكح ميمونة إلا حلالا.
والمسألة الرابعة: أن اختلفوا في التي خطبها هل يلزمها إجابته؟ على وجهين:
أحدهما: يلزمها إجابته لقوله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 2 (4)].
الثاني: لا يلزمها إجابته كما لا يلزمها إجابة غيره, لأن عقود المناكح لا تصح إلا عن مراضاة.
والمسألة الخامسة: أن اختلفوا فيمن لم يمم لها في عقد نكاحها مهرا، هل يلزمه
لها مهر المثل؟ على وجهين:
أحدهما: يلزمه كما يلزم غيره لقوله صلى الله عليه وسلم: "فلها المهر بما استحل من فرجها".
الثاني: لا يلزمه لأن المقصود منه التوصل إلى ثواب الله تعالى.
والمسألة السادسة: أن اختلفوا فيما يملكه من الطلاق هل هو محصور بعدد أم مرسل بغير أمر؟ على وجهين:
أحدهما: مرسل بغير أما ولا محصور بعدد، ومهما طلق كان له بعد الطلاق أن يراجع؟ لأنه لم ينحصر عاد نسائه لم ينحصر طلاقهن.
الثاني: أنه محصور بالثلاث وان لم ينحصر عدد المنكوحات, لأنه المأخوذ عليه من أسباب التحريم أغلظ، فعلى هذا إذا استكمل طلاق واحدة منهن ثلاثا هل تحل له بعد زوج أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: تحل لما خص به من تحريم نسائه على غيره.
والثاني: لا تحل له أبدا لما عليه من التغليظ في أسباب التحريم.
والمسألة السابعة: أن اختلفوا في وجوب القسم عليه بين أزواجه على وجهين:
أحدهما: كان واجبا عليه, لأنه كان يقسم بينهن، ويقول: "اللهم هذا قسمي فيما املك فلا تؤاخذني فيما لا املك".
يعني: قلبه وطيفه على نسائه محمولا في مرضه حتى حللنه في المقام عند عائشة..
وهم بطلاق سودة، فقالت: قد أحببت أن أحشر في جمل نسائك، وقد وهبت يومي منك لعائشة، فكف عن طلاقها.
وكان يقسم لنسائه يوما يوما ولعائشة يومين، يومها ويوم سودة.
وقيل: في ذلك نزل قوله تعالى: ﴿وإنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: 128] وهو قول السدي.
الثاني: آن القسم بينهن لم يكن واجبا، وإنما كان يتطوع به وهو قول آبي سعيد الاصطخري وطائفة لها في وجوبه عليه من التشاغل عن لوازم الرسالة، ولقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشَاءُ﴾ [الأحزاب:51] وفيه تأويلان:
أحدهما: معناه تعزل من شئت من أزواجك فلا تأتها وتأتي من تشاء من أزواجك فلا تعزلها، هذا قول مجاهد.
والثاني: معناه تق خر من شتت من أزواجك, وهذا قول قتادة.
﴿ومَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب:51] أي من ابتغيت فآويته إليك ممن غزلت آن تؤويه إليك ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ فيه تأويلان:
أحدهما: فلا جناح عليك فيمن ابتغيت وفيمن عزلت وهو قول يحيى بن سلام.
والثاني: فلا جناح عليك فيمن عزلت آن تؤويه إليك، وهو قول مجاهد: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ ولا يَحْزَنَّ ويَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ [الأحزاب:51] فيه تأويلان:
أحدهما: إذا علمن آن له ودهن إلى فراشه إذا اعتزلهن قرت أعينهن فلم يحزن.
وهذا قول مجاهد.
والثاني: إذا علمن آن هذا من حكم الله تعالى فيهن قرت أعينهن ولم يحزن وهذا قول قتادة، فاختلفوا هل أرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية أحدًا من نسائه أم لا؟ فالذي عليه الأكثرون أنه لم يرج منهن أحدا وأنه مات عن تسع فكان يقسم منهن لثمان؟ لآن سودة وهبت يومها لعائشة، روي عن منصور عن ابن وزين قال: بلغ بعض نسوة النبي صلى الله عليه وسلم أنه يريد أن يخلي سبيلهن فأتينه فقلن: لا تخل سبيلنا، وأنت في حل فيما بيننا وبينك، فأرجأ منهن نسوة وآوى نوة، فكان ممن أرجأ ميمونة وجويرية وآم حبيبة وصفية وسودة، وكان يقم بينهن في نفسه وماله ما شاء، وكان ممن آوى عائشة وأم سلمة
وزينب وحفصة فكان قسمه من نفسه وماله فيهن سواء، والله أعلم.
فرع:
وإذا قد مضى ما قد خص به رسول الله صلى الله عليه وسلم في مناكحه نصًا واجتهادا وما خص به أزواجه تفصيلا وحكما، فلا بد من ذكر أزواجه ليعلم من يميز من نساء الأمة بهذه الأحكام المخصوصة وهن ثلاث وعشرون امرأة منهن ست متن قبله وتسع مات قبلهن وثمان فارقهن.
فأما الست اللاتي متن قبله فإحداهن خديجة بنت خويلد، وهي أول امرأة تزوجها قبل النبوة عند مرجعه من الشام، وهي أم بنين وبناته إلا إبراهيم فإنه من ماريه القبطية، كان المقوقس أهداها إليه ولم يتزوج على خديجة أحدا حتى ماتت.
والثانية: زينب بنت خزيمة الهلالية أم المساكين ودخل بها وأقامت عنده شهورا ثم
ماتت وكان أخت ميمونة من أمها.
والثالثة: سند بنت الصلت ماتت قبل أن تصل إليه.
والرابعة: شراق أخت دحية الكلبي ماتت قبل أن تصل إليه.
والخامسة: خولة بنت الهذيل ماتت قبل أن تصل إليه.
والسادسة: خولة بنت حكيم السلمية ماتت قبل دخوله بها، وقيل: إنها هي التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء ست متن قبله دخل منهن باثنين ولم يدخل بأربع.
وأما التسع اللاتي مات عنهن فإحداهن عائشة بنت أبي بكر، وهي أول امرأة تزوجها بعد موت خديجة ولم يتزوج بكرا غيرها, عقد عليها بمكة وهي ابنة سبع ودخل بها بالمدينة وهي ابنة تسع، ومات عنها وهي ابنة ثماني عشرة.
والثانية: سودة بنت زمعة تزوجها بعد عائشة، وكانت أم خمسة صبية فلما عرف أخوها عبد الله بن زمعة أنها تزوجت رسول الله صلى الله عليه وسلم حثى التراب على رأسه، فلما أسلم قال: إني لسفيه لما حثوت التراب على رأسي حين تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أختي.
والثالثة: حفصة بنت عمر تزوجها بعد سودة، وكان عثمان قد خطبها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا أدلك على من هو خير لها من عثمان وأدل عثمان على من هو خير له منها" فتزوجها وزوج بنته أم كلثوم بعثمان.
والرابعة: أم حبيبة بنت أبي سفيان وقيل: إنه نزل في تزويجها: ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً﴾ [الممتحنة: (7)] ولما تنازع أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم في حضانة ابنه إبراهيم قال: "ادفعوه إلى أم حبيبة فإنها أقربهن منه رحما".
والخامسة: أم سلمة بنت أبي أمية.
والسادسة: زينب بنت جحش نزل عنها زيد بن حارثة فتزوجها وفيها نزل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: 37] وكانت بنت عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمها أميمة بنت عبد المطلب.
والسابعة: ميمونة بنت الحارث وكان بالمدينة فوكل أم رافع في تزويجه بها وبقي بمكة ودخل بها عام الفتح بسرف.
وقضة الله تعالى أن ماتت بعد ذلك بسرف.
والثامنة: جويرية بنت الحارث من بني المصطلق من خزاعة سباها رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة المريسيع التي هدم فيها مناة ثم أعتقها وتزوجها.
وقال الشعبي: وجعل عتقها صداقها، فلما فعل ذلك وسول الله صلى الله عليه وسلم ما بقي أحد من المسلمين عبدا من قومها إلا أعتقه لمكانتها.
فقيل: إنها كانت أبرك امرأة على قومها.
والتاسعة: صفية بنت حيي بن أخطب اصطفاها رسول الله صلى الله عليه وسلم من سبي النضير ثم أعتقها وتزوجها وجعل عتقها صداقها، وهي التي أهدت إليها زينب بنت الحارث اليهودية شاة مسمومة فأكل منها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فهؤلاء تسع مات عنهن، وكان يقسم لثمان منهن.
وأما الثمان اللاتي فارقهن في حياته:
فإحداهن: أسماء بنت النعمان الكندية، دخل عليها فقال لها: تعالى.
فقالت: أنا من قوم نؤتى ولا نأتي، فقام إليها فأخذ بيدها فقالت: ملكة تحت سوقة، فغضب وقال: لو رضيك الله لي لأمسكتك وطلقها.
والثانية: ليلى بنت الحطيم أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غافل فضربت ظهره، فقال: "من هذا؟ أكلة الأسود" فقالت: أنا ليلى قد جثتك أعرض نفسي عليك.
فقال: "قد قبلتك" ثم علمت كثرة ضرائرها فاستقالته فأقلها، فدخلت حائطا بالمدينة فأكلها الذئب.
والثالثة: عمرة بنت يزيد الكلابية دخل بها ثم رآها تتطلع فطلقها.
والرابعة: العالية بنت ظبيان، دخل بها ومكثت عنده ما شاء الله ثم طلقها.
والخامسة: فاطمة بنت الضحاك الكلابية لما خير الرسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه اختارت فراقه ففارقها بعد دخوله بها.
والسادسة: قتيلة بنت قيس أخت الأشعث وصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتخيرها في مرضه، فاختارت فراقه ففارقها قبل الدخول.
والسابعة: مليكة بنت كعب الليثية كانت مذكورة بالجمال فدخلت إليها عائشة، فقالت: ألا تستحين أن تتزوجين قاتل أبيك يوم الفتح، فاستعيذي منه فإنه يعيذك، فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: أعوذ بالله منك، فأعرض عنها وقال: "قد أعاذك الله مني" وطلقها.
والثامنة: امرأة من عفان تزوجها ورأى بكشحها وضحا فقال: "ضمي إليك ثيابك والحقي بأهلك" فهؤلاء ثمان فارقهن في حياته دخل منهن بثلاث، والله اعلم.
فرع:
وإذ قد مضى ما خص به رسول الله صلى الله عليه وسلم في مناكحه فالكلام فيما خص به رسول
الله صلى الله عليه وسلم في غير مناكحه، وهو منقسم خمسة أقسام:
أحدها: ما خص به من فرض.
والثاني: ما خص به من حظر.
والثالث: ما خص به من إباحة.
والرابع: ما خص به من معونة.
والخامس: ما خص به من كرامة.
فأما ما خص به من فرض فثماني خصال: منها قوله: "فرض علي الوتر ولم يفرض عليكم"، ومنها قوله: "فرض علي السواك ولم يفرض عليكم"، ومنها قوله: "فرضت علي الأضحية ولم تفرض عليكم"، ومنها: أن فرضه في الصلاة كامل لا خلل فيه", ما اختلف أصحابنا فيه من قيام الليل هل كان مخصوصا به؟ على وجهين:
ومنها: أنه إذا لبس لامة سلاحه فليس له الرجوع قبل لقاء عدوه.
ومنها: أنه كان إذا بارز في الحرب رجلا لم ينكف عنه حتى يقتله.
ومنها: أنه لا يفر من الزحف ويقف بارزا عدوه وان كثروا.
فرع:
فأما ما خص به من حظر فخمسة خصال: منها:
قول الشعر وروايته لقوله تعالى: ﴿ومَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ ومَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: 69].
ومنها الكتابة والقراءة لقوله تعالى: ﴿ومَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذًا لاَّرْتَابَ المُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: 48] ومنها: أن ليس له خائنة الأعين ولأنه أمر عام الفتح بقتل ستة وان تعلقوا بأستار الكعبة أتاه عثمان بأحدهم وكان قريبه ليأخذ له أمانا منه فأعرض عنه ثم عاوده فأمنه.
فلما ولي قال لمن حضر من أصحابه: هلا قتلتموه فقال: هلا أومأت إلينا بعينيك، فقال: ما كان لنبي أن يكون له خائنة الأعين.
ومنها منعه من الصدقات.
ومنها: منعه من أكل ما تؤذي رائحته من البقول لهبوط الوحي عليه.
فرع:
فأما ما خص به من إباحة فأربع خصال:
منها: الوصال بين اليومين بالإمساك لأنه لما نهى عن الوصال وواصل قال: "إني لست مثلكم إني أظل عند ربي فيطعمني ويسقيني".
ومنها: الصفي يصطفي من المغانم ما شاء.
ومنها: أنه يحيي نفسه بمال غيره ونفسه وان كان على مثل ضرورته.
ومنها: أنه خص بحمى الموات في أحد القولين.
فرع:
فأما ما خص به من معونة فسبع خصال:
منها: ما جعله الله تعالى من خمس الخمس من الفيء والغنائم.
ومنها: ما ملكه الله تعالى إياه من أربعة أخماس الفيء.
ومنها: أن لا يقره الله تعالى على خطأ.
ومنها: ما أمده به من ملائكة.
ومنها: ما تكفل به من عصمته في قوله: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: (67)].
ومنها: ما وعده به من نصرته.
ومنها: ما ألقاه في قلوب المشركين من رهبته حتى قال: "نصرت بالرعب"
فرع:
فأما ما خص به من كرامة فعشر خصال:
منها: أن بعثه إلى كافة الخلق.
ومنها: أن جعله خاتم الأنبياء.
ومنها: أن جعله أولى بالمؤمنين من أنفسهم.
ومنها: أن جعل أمته خير الأمم.
ومنها: أن تنام عيناه ولا ينام قلبه.
ومنها: أن يرى من ورائه كما يرى من أمامه.
ومنها: أن يبلغ السلام بعد الموت.
ومنها: أنه من تنشق عنه الأرض.
ومنها: أنه أول من يدخل الجنة.
ومنها: أنه يشهد لجميع النبيين بالأداء يوم القيامة.
الترغيب في النكاح وغيره
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمُه اللهُ: "وَأُحِبُّ لِلرَّجُلِ المرأة أَنْ يَتَزَوَّجَا إِذَا تَاقَتْ أَنْفُسهُمَا إلَيْهِ لأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ بِهِ ورَضَيِهُ وَنَدَبَ إِلَيْهِ وَبَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "تَنَاكَحُوا تَكْثُروا
فَإِنَّي أُبَاهِي بِكُمْ الأُمَمَ حَتَّى بالسَّقَطِ" وَأَنَّهُ قَالَ: "مَنْ أَحَبَّ فِطْرَتِى فَلْيَسْتَنَّ بسُنَّتِي وَمِنْ سُنَّتِى النَّكَاحُ" وَيُقَالُ: إنَّ الرَّجُلَّ لَيُرْفَعُ بِدُعَاءِ وَلَدِهِ مِنْ بَعْدِهِ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، النكاح مباح وليس بواجب.
وقال داود: النكاح واجب استدلالا بقوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: (3)] وهذا أمر وبقوله عليه السلام: "تناكحوا تكثروا" قال: ولأنه إجماع بقول صحابيين لم يظهر خلافهما:
أحدهما: قول عمر لأبي الزوائد لا يمنعك من النكاح إلا عجز أو فجور.
والثاني: قول معاذ في مرضه: زوجوني لا ألقى الله عزبا ولأن في النكاح تحصين النفس مثل ما في الغذاء.
فلما لزم تحصينها بالغذاء لزم تحصينها بالنكاح؟ ولأنه لما لزمه إعفاف أبيه كان إعفاف نفسه أولى.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وثُلاثَ ورُبَاعَ فَإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: (3)] ومنه دليلان:
أحدهما: أنه علق بطيب النفس.
ولو كان لازما واجبا للزم بكل حال.
والثاني: قوله: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: (3)] فخيره بين النكاح وملك اليمين والتخيير بين أمرين يقتضي تساوي حكمهما.
فلما كان ملك اليمين ليس بواجب النكاح بمثابته وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ العَنَتَ مِنكُمْ وأَن تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [النساء: 25] فأباح نكاح الأمة لمن خشي الزنا.
وجعل الصبر خيرا له ولو كان واجبا لكان الصبر شرا له.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "خياركم بعد المائتين كل خفيف حاذ" قيل: ومن الخفيف الحاذ قال: "الذي لا أهل له ولا ولد" وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الصبر على النساء خير من الصبر عليهن، والصبر عليهن خير من الصبر على النار".
وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "مسكين مسكين رجل لا امرأة له، ومسكينة مسكينة امرأة لا رجل لها" فأخرج ذلك مخرج الرحمة وتارك الواجب لا يرحم.
ولأنه لما لم يجب مقصود النكاح وهو الوطء، كان النكاح بأن لا يجب أولى، ولأنه ليس في النكاح أكثر من نيل شهوة وأدارك لذة وليس ذلك بواجب كسائر الشهوات؟ ولأنه لو وجب عليه قطع شهوته بالنكاح لوجب قطعها عنا العجز عنه بما قام مقمامه من دواء وعلاج؟ ولأن ما دعت إليه الشهوات خارج من جملة الواجبات؟ لأن من صفات الواجبات تكلف المشاق فيها وتحمل الأثقال لها، فأما الآية فقد جعلناها دليلا.
وأما الخبر فهو أمر بالنكاح للمكاثرة بالأولاد, ولأنه قال: "تناكحوا تكثروا فإن
أباهي بكم الأمم حتى السقط".
وليست المكاثرة واجبة وكذلك ما جعل طريقا إليها.
أما قوله: إن فيه تحصين النفس فإنما يجب من تحصين النفس ما خيف منه التلف وليس في ترك النكاح خوف التلف.
وأما قوله لما لزمه إعفاف أبيه لزمه إعفاف نفسه.
فقد كان أبو علي بن خيران يقول: إنه إعفاف أمته لا يجب عليه كما لا يجب عليه إعفاف أبيه وظاهر المذهب وجوبه ولا يجب عليه في نفسه كما يلزمه في حق أبيه القيام بكفايته من القوت والكسوة ولا يلزمه ذلك في حق نفسه، فكذلك النكاح.
فأما قول عمر لأبي الزوائد: "ما منعك من النكاح إلا عجز أو فجور" فهو على طريقة الترغيب د ون الوجوب ولو كان واجبا لزمه وأما قول معاذ: زوجوني لا ألقى الله عزباً فقد قيل: إنه كان ذا أولاد ويجوز أن يكون اختار ذلك ندباً.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَمَنْ لَمْ تَتُقْ نَفْسُهُ إِلَى ذَلِكَ فَأَحَبًّ إلَىَّ أَنْ يَتَخَلَّى لِعِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى.
قَالَ: وَقَدْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى: ﴿والْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النور: 60] وَذَكَرَ عَبْداً أَكْرَمهُ فَقَالَ: "سَيَّداً وَحَصُراً" وَالحَصُورُ الَّذِي لَا يَاتِي النَّسَاءَ وَلَمْ يَنْدُبْهُمَّ إِلَى النَّكَاحِ فَدَلَّ أَنَّ المَنْدُبَ إلَيْه مَنْ يَحْتَاجُ إلَيْه"
قال في الحاوي: وهذا صحيح وجملته أنه لا يخلو حال الإنسان من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون تائق النفس إلى النكاح شديد الشهوة له تنازعه نفسه إليه وان لم يحدثها به، فهذا مناوب إلى النكاح ومأمور به, ونكاحه أفضل من تركه، لئلا تدعوه شدة الشهوة إلى مواقعة الفجور، وفي مثله وردت أخبار الندب.
والثاني: أن يكون مصروف الشهوة عن غير تائق إليه.
ومتى حدث نفسه به لم ترده فالأفضل لمثل هذا أن لا يتعرض له وتركه أفضل له من فعله.
لئلا يدعوه الدخول فيه إلى العجز عما يلزمه من حقوق وفي مثله وردت أخبار الكراهة.
وقد أثنى الله تعالى على يحيى بن زكريا في ترك النساء فقال: ﴿وسَيِّدًا وحَصُورًا﴾ [آل عمران: (39)] وفيه تأويلان:
أحدهما: أن السيد: الخليفة، والحصور: الذي لا يأتي النسا،، وهذا قول قتادة.
والثاني: أن السيد: الفقيه: والحصور الذي لا يقدر محلى إتيان النسا،، وهذا قول سعيد بن المسيب.
وذكر الله تعالى: ﴿والْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاَّتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ [النور: (60)].
والقواعد: هن اللاتي قعدن بالكبر عن الحيض والحمل فلا يردن الرجال ولا يريدهن الرجال.
والثالث: أن يكون معتدل الشهوة إن صبرت نفسه عنه صبر، وان حاثها به فسدت
فلا يخلو حاله من أحد الأمرين:
إما أن يكون مشتغلًا بالطاعة أو مشتغلًا بالدنيا، فإن كان مشتغلًا بطاعة من عباده أو علم فتركه للنكاح تشاغلًا بالطاعة أفضل له وأولى به، وإن كان متشاغلًا بالدنيا فالنكاح أولى من تركه لأمرين:
أحدهما: للتشاغل به عن الحرص في الدنيا.
والثاني: لطلب الولد، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الرجل ليرفع بدعاء ولده من بعده".
وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "سبع يجري على العبد أجرهن بعد موته من كري نهرًا، أو حفر بئرًا أو وقف وقفًا، أو ورق مصفحًا، أو بني مسجدًا" أو علم علمًا، أو خلف ولدًا صالحًا يدعو له، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ المَرْأَةَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا حَاسِرَةً وَيَنْظُرُ إِلى وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا وَهِيَ مُتَغَطِّيَةٌ بِإِذْنِهَا وَبِغَيْرِ إِذْنِهَا.
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: 31] قَالَ: "الوَجْهُ وَالكَفَّانِ".
قال في الحاوي: قد مضى الكلام أن وجه المرأة وكفيها ليس بعورة في كتاب الصلاة لقوله تعالى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: 31].
قال الشافعي: الوجه والكفان وهو قول الحسن وسعد بن جبير وعطاء، وقال ابن عباس والمسور بن مخرمة: هو الكحل.
والخاتم عبارة عن الوجه بالكحل وعن اليدين بالخاتم فإذا أراد الرجل أن يتزوج المرأة جاز له أن ينظر إلى وجهها وكفيها لا غير.
وقال أبو حنيفة: ينظر إلى الوجه والكفين إلى ربع الساق.
وقال داود: ينظر منها إلى ما ينظر من الأمة إذا أراد شرائها.
ورواء الأشهب عن مالك، وروى عن الأشهب مثل قولنا.
وقال المغربي: لا يجوز أن ينظر إلى شيء منها.
فأما أبو حنيفة فإنه اعتبر القدمين بالكفين؛ لأنه أحد الطرفين فلم يجعلها عورة.
والكلام معه في حدّ العورة قد مضى، وأما داود: فاستدل بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا أراد أحدكم خطبة امرأة فليولج بصره فيها فإنما هو مسر".
وأما المغربي فإنه استدل بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يا علي لا تتبع النظرة
النظرة فإن الأولى لك والثانية عليك".
ودليلنا على أبي حنيفة قوله تعالى: ﴿ولا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: 31] يعني الساقين.
ودليلنا على داود قوله تعالى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ يعني الوجه والكفين.
ويدل عليها ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أسماء دخلت على عائشة وعليها ثوب رقيق فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "أما علمت أن المرأة إذا حاضت حرم كل شيء منها إلا هذا" وأشار إلى وجهه وكفيه.
ودليلنا على المغربي رواية جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أراد أحدكم خطبة امرأة فلينظر إلى وجهها وكفيها فإن في أعين الأنصار شيئًا أو قال: سواء".
وروى أبو الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قذف الله في قلب أحدكم خطبة امرأة فليتأمل خلقتها".
وروى أبو بكر محمد بن عمر بن حزم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما النساء لعب فإذا اتخذ أحدكم لعبة فليستحسنها".
وروى بكر بن عبد الله عن المغيرة بن شعبة أنه خطب امرأة من الأنصار فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "اذهب فانظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما" وفي يؤدم قولان:
أحدهما: وهو قول أصحاب الحديث: أنه يعني يدوم فقدم الواو على الدال كما قال في ثمر الأراكة: "كلوا منه الأسود فإنه أطيب".
بمعنى أطيب فيكون مأخوذًا من الدوام.
والقول الثاني: وهو قول أهل اللغة أنه المحابة وأن لا يتنافروا مأخوذًا من إذام الطعام؛ لأنه يطيب به فيكون مأخوذًا من إدام لا من الدوام.
ثم من حر الدليل على جواز أن ينظر المعقود عليه أبلغ من صحة العقد من فقده فاقتصر على نظر الوجه والكفين لخروجهما عن حكم العروة، وأن في الوجه ما يستدل به على الجمال.
وفي الكفين ما يستدل به على خصب البدن ونعمته فأغناه ذلك عن النظر إلى غيره.
فصل:
فإذا ثبت ذلك جاز نظره بإذنها وبغير إذنها.
وقال مالك: لا يجوز أن ينظر إلا بإذنها، ودليله رواية جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن خطب أحدكم امرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل".
قال: فخطبت جارية فكنت أتخبأ لها حتى
رأيت ما دعاني إلى نكاحها؛ ولأنه إن كان النظر مباحًا لم يفتقر إلى إذن، وإن كان محظورًا لا يستبح بالإذن.
فصل:
فإذا تقرر ما ذكرنا لم يخل نظر الرجل الأجنبي إلى المرأة الأجنبية من احد الأمرين: إما أن يكون لسبب أو لغير سبب، فإن كان من غير سبب منع لقوله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: 30] ومنعت من النظر إليه لقوله تعالى: ﴿وقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ ويَحْفَظْنَ فَرُوجَهُنَّ﴾ [النور: 31]؛ وأن نظر كل واحد منهما إلى صاحبه داعية إلى الافتنان به، روي أن النبي صلى الله عليه وسلم صدق وجه الفضل بن العباس وكان رديفه بمنى إلى الخثعمية وكانت ذات جمال، وقال: "شاب وشابة وأخاف أن يدخل الشيطان بينهما".
فإن نظر كل واحد منهما إلى عورة صاحبه كان حرامًا، وإن نظر إلى عورة غيره كان مكروهًا، فإن كان النظر لسبب فضربان:
محظور ومباح؛ فالمحظور: كالنظر بمعصية وفجور فهو أغلظ تحريمًا وأشد مأثمًا من النظر بغير سبب، والمباح: على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون لضرورة كالطبيب يعالج موضعًا من جسد المرأة فيجوز أن ينظر إلى ما دعت الحجة إلى علاجه من عورة ويرها.
إذا أمن الافتتان بها، ولا يتعدى بنظره إلى ما لا يحتاج إلى علاجه.
والثاني: أن يكون لتحمل شهادة أو حدوث معاملة فيجوز أن يعمد للنظر إلى وجهها دون كفيها لأته إن كان شاهدًا فليعرفها في تحمل الشهادة عنها وفي أدائها عليها وإن كان مبايعًا فليعرف من يعاقده.
والثالث: أن يريد خطبتها فهو الذي جوزنا له تعمّد النظر إلى وجهها وكفها بإذنها وغير إذنها.
ولا يتجاوز النظر إلى ما سوى ذلك من جسدها وبالله التوفيق.
باب ما على الأولياء وإنكاح الأب البكر بغير إذنها
ووجه النكاح والرجل يتزوج أمته ويجعل عتقها صداقها
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَدَلَّ كِتَابُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ سُنَّةُ نَبِيَّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَنّ حَقًا عَلَى الأَوْلِيَاءِ أَنْ يُزَوِّجُوا الحَرَائِرَ البَوَالِغَ إِذَا أَرَدْتَ النِّكَاحَ وَدَعَوْنَ إِلِى رِضًا قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وإذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعُروفِ﴾ [البقرة: 232] قَالَ: وَهَذِهِ أَبِيْنُ لآيَةٍ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى دَلَالَةً عَلَى أَنْ لَيْسَ لِلْمَرأَةِ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِغَيْرِ وَلِيِّ.
قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ نَزَلَتْ فِي مَعْقِل بْنِ
يَسَارٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ زَوَّجَ أُخْتَهُ رَجُلًا فَطَلَّقَهَا فَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا ثُمَّ طَلَبَ نِكَاحَهَا وَطَلَبَتْهُ فَقَالَ: زَوَّجْتُكَ أُخْتِي دُونَ غَيْركَ ثُمَّ طَلَّقْتَهَا لَا أُنْكِحُهَا أَبَدًا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ".
قال في الحاوي: بدأ الشافعي في هذا الفصل بها على الأولياء من نكاح الأيامى إذا دعون إلى رضي ووجوبه على الأولياء معتبر بخمش شرائط.
وهو أن تكون حرة بالغة عاقلة تدعو إلى كفء عن تراضٍ فيلزمه إنكاحها.
ولا يسوغ له منعها لقوله تعالى: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعُروفِ﴾ [البقرة: 232].
وفي العضل قولان:
أحدهما: أنه المنع ومنه قولهم: داء عضال إذا اقتنع من أن يداوي وفلان عضلة أي داهية لأنه امتنع بدهائه.
والثاني: أنه الضيق ومنه قولهم: قد أعضل بالجيش القضاء إذا ضاق بهم وقول عمر: قد أعضل بي أهل العراق لا يرضون عن والٍٍ ولا يرضى عنهم والٍ وفي قوله: ﴿إذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعُروفِ﴾ تأويلان:
أحدهما: إذا تراضا الزوجان بالمهر.
والثاني: إذا رضيت المرأة بالزواج المكافئ وفيمن نزلت هذه الآية قولان:
أحدهما: وهو الأشهر أنها نزلت في معقل بن يسار زوج أخته رجلًا ثم طلقها وتراضيا بعد العدة أن يتزوجها معضلها وحلف أن لا يزوجها فنهاه الله تعالى عن عضلها وأمره أن يزوجها ففعل.
وهذا قول الحسن ومجاهد وقتادة والشافعي.
والثاني: أنها نزلت في جابر بن عبد الله مع بنت عم له.
وقد طلقها زوجها ثم خطبها فعضلها وهذا قول السدي.
فصل:
فإن أرادت المرأة أن تنفرد بالعقد على نفسها من غير ولي فقد اختلف الفقهاء فيها على ستة مذاهب.
مذهب الشافعي منها: أن الولي شرط في نكاحها لا يصح العقد إلا به وليس لها أن تنفرد بالعقد على نفسها وإن أذن لها وليها سواء كانت صغيرة أو كبيرة شريفة أو دنية بكرًا أو ثيبًا.
وبه قال من الصحابة عمر، وعلي، وابن العباس، وابن عمر، وعائشة رضي الله عنهم.
ومن التابعين: الحسن، وابن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، وشريح، والنخعي، ومن الفقهاء: الأوزاعي، والثوري، وابن أبي ليلى، وأحمد، وإسحاق.
وقال أبو حنيفة: إن لم يكن عليها في مالها ولاية لبلوغها وعقلها لم يكن عليها في نكاحها ولاية جاز أن تنفرد بالعقد على نفسها وترده إلى من شاءت من رجل أو امرأة ولا اعتراض عليها من الوالي إلا أن تضع نفسها في غير كفء وإن كان عليها في مالها
ولاية لجنون أو صغر لم تنكح نفسها إلى بولي.
قال مالك: إن كانت ذات شرف أو جمال أو مال صح نكاحها بغير ولي.
وقال داود: إن كانت بكرًا لم يصح نكاحها إلا بولي وإن كانت ثيبًا صحّ بغير ولي.
وقال أبو ثور: إن أذن لها وليها وجاز أن تعقد على نفسها وإن لم يأذن لها لم يجز.
وقال أبو يوسف: تأذن لمن شاءت من الرجال في تزويجها دون النساء ويكون موقوفًا على إجازة وليها.
فأما أبو حنيفة فاستدل بقوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْروفِ﴾ [البقرة: 234] فنسب النكاح إليهن ورفع الاعتراض عنهن وبرواية ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الأيم أحق بنفسها من وليه والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها".
وبرواية نافع بن جبير وابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس لولي الثيب أمرًا" وبما روي أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: "إن أبي- ونعم الأب هو- زوجني بابن أخ له ليرفع بي خسيسته، فرد نكاحها.
فقالت: قد أخذت ما فعل أبي وإنما أردت ليعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء، ولأن كل من جاز له التصرف في ماله جاز له التصرف في نكاحه كالرجل طردًا والصغير عكسًا ولأنه عقد يجوز أن يتصرف فيه الرجل فجاز أن تتصرف فيه المرأة كالبيع ولأنه عقد على منفعته فجاز أن تتولاه المرأة كالإجارة ولأن لما جاز تصرفها في المهر وهو بدل من العقد جاز تصرفها في العقد، وتحريره: أن من جاز تصرفه في البدل جاز تصرفه في المبدل كالبالغ في الأموال طردًا والصغير عكسًا، والدلالة على جماعتهم قوله تعالى: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعُروفِ﴾ [البقرة: 232] فدلت الآية على ثبوت الولاية من وجهين:
أحدهما: نهى الأولياء عن عضلهن.
والعضل: المنع في أحد التأويلين والتضيق في التأويل الآخر.
فلو جاز لهن التفرد بالعقد لما أثر عضل الأولياء ولما توجه إليهم نهى.
والثاني: قوله في سياق الآية: ﴿إذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعُروفِ﴾ [البقرة: 232]. والمعروف ما تناوله العرف بالاختيار وهو الولي وشاهدان.
فإن قيل: فالمنع من العضل إنما توجه إلى الأزواج لتقديم ذكرهم دون الأولياء الذين ليس لهم في الآية ذكر فعن ذلك جوابان:
أحدهما: أنه لا يجوز توجيه النهي إلى الأزواج؛ لأنه إن عضل الزوج قبل العدة فحق لا يجوز أن ينهى عنه، وإن عضل بعد العدة فهو غير مؤثر.
والثاني: أن ما روي من سبب نزولها في معقل بن يسار في أشهر القولين أو جابر في أعفهما يوجب حمله على الأولياء دون الأزواج، وليس ينكر أن يعود الخطاب إليهم
وإن لم يتقدم لهم ذكرًا إذًا دل الخطاب عليه كما قال: ﴿إنَّ الإنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) وإنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (7)﴾ [العاديات: 6 - 7] يعني الله تعالى: ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8)﴾ [العاديات: 8] يعني الإنسان، وقال تعالى: ﴿بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: 25]، أي أوليائهن فجعل إذن الأولياء شرطًا في نكاحهن، فدل على بطلانه لعدمه.
ويدل على ذلك من السنة ما رواه ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وأبو هريرة، وعائشة، وأنس، وعمران بن الحصين، وأبو موسى.
وأثبتت الروايات رواية أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا نكاح إلا بولي".
وروى ابن عباس: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" فكان على عمومه في كل نكاح من صغيرة وكبيرة وشريفة ودنية وبكر وثيب.
فإن قالوا: نحن نقول بموجبه؛ لأن المرأة ولية نفسها، فإذا زوجت نفسها كانت نكاحها بولي.
فعن ذلك جوابان: أنه خطاب لا يغير، لعلمنا أنه لا نكاح إلا بمنكوحة، ولا يتميز عن سائر العقود وقد خص النكاح به.
والثاني: أن قوله: "لا نكاح إلا بولي" يقتضي أن يكون الولي رجلًا، ولو كانت هي المراد
لقال: لا نكاح إلا بوليه، ويدل عليه ما رواه الشافعي عن مسلم بن خالد الزنجي عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، وإن سها فلها المهر بما استحل من فرجها فإن اشتجروا- أو قال:- اختلفوا- فالسلطان ولي من لا ولي له" وهذا نص إبطال النكاح بغير ولي من غير تخصيص ولا تمييز واعترضوا على هذا الحديث بثلاث أسئلة:
أحدها: أن قالوا: مدار هذا الحديث على رواية الزهري وقد روي عن ابن علية عن ابن جريح أنه قال: لقيت الزهري فسألته عنه قال: لأ أعرفه وعنه ثلاثة أجوبة:
أحدها: أنه قد رواه عن الزهري أربعة: سليمان بن موسى، ومحمد بن إسحاق، وجعفر بن ربيعة، والحجاج بن أرطأة.
ورواه عن عروة ثلاثة: الزهري، وهشام بن عروة، وأبو الغصن ثابت بن قيس، فلم يصح إضافة إنكاره إلى الزهري مع العدد الذي رووه عنه، ولو صحّ إنكاره لما أثر فيه مع رواية غير الزهري له عن عروة.
والثاني: ما قاله بعض أصحاب الحديث: أن الزهري أنكر سليمان بن موسى وقال: لا أعرفه، وإلا فالحديث أشهر من أن ينكره الزهري ولا يعرفه، وليس جهل المحدث بالراوي عنه مانعًا من قبول روايته عنه، ولا معرفته شرطًا في صحة حديثه.
والثالث: أنه لا اعتبار بإنكار المحدث للحديث بعد روايته عنه، وليس استدامة.
ذكر المحدث شرطًا في صحة حديثه، فإن ربيعة روى عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم "قضى باليمين مع الشاهد".
ثم نسي سهيل الحديث، فحدث به ربيعة وكان سهيل إذا حدث به قال: أخبرني علي عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم: "قضى باليمين على الشاهد".
السؤال الثاني: إن قالوا: هذا الحديث لا يصح عن عائشة فقد رويتموه عنها؛ لأنها زوجت بنت أخيها عبد الرحمن وكان غائبًا بالشام، فلما قدم قال: أمثلي يقتات عليه في بناته فأمضى النكاح.
وقيل: ما روته من الحديث أثبت عند أصحاب الحديث مما روي عنها من نكاح ابنة أخيها، وقد ذكر الدارقطني لإبطاله وجوهًا على أن الشافعي قد أفرد للجواب عنه بابًا فنحن نذكره فيه.
السؤال الثالث: إن قالوا: هو محمول على من عليها من النساء ولاية بصغر أو رق، وتلك لا يجوز نكاحها إلا بولي، وقد روي في الخبر: أن امرأة نكحت بغير إذن مواليها فنكاحها باطل، فاقتضى صريح هذه الرواية حملها على الأمة، ودليل تلك آكد وإن حمله على الصغيرة وخرجت الحرة الكبيرة في الروايتين، والجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أن على جميع النساء في النكاح ولاية لجواز اعتراض الأولياء جميعهن.
والثاني: أن حمله على الصغير لا يجوز من وجهين:
أحدهما: لاستواء الصغير والصغيرة فيه، ولانتقاء تخصيص النساء بالذكر تأثير.
والثاني: لاستواء النكاح وغيره من العقود فلا يبقى لتخصيص النكاح بالذكر تأثيره.
وحمله على الأمة لا يجوز من وجهين:
أحدهما: لاستواء العبد والأمة فيه لم يكن لتخصيص الأمة تأثير.
والثاني: لقوله في آخر الخبر: "فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له" والسلطان لا يكون وليًا للأمة وإن عضلها مواليها.
وروايتهم أنه قال: "أيما امرأة نكحت بغير إذن مواليها فنكاحها باطل".
والمولى ينطلق على الولي كما قال الله تعالى: {وإنِّي
خِفْتُ المَوَالِيَ مِن ورَائِي} [مريم: 5]، يعني الأولياء؛ لأنه لم يكن عليه رق فيكون له مولى، على أننا نستعمل الروايتين فتكون روايتنا مستعملة في الحرة، وروايتهم مستعملة في الأمة فلا يتعارضان.
ويدل عليه ما رواه ابن سيرين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تنكح المرأة المرأة ولا تنكح نفسها" والتي تنكح هي الزانية.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كل نكاح لم يحضره أربعة فهو سفاح؛ الزوج والولي وشاهدان"؛ ولأنه إجماع الصحابة؛ لأنه قول من ذكرنا من الرواة الثمانية، وهو مروي عن عمر، وعلي رضي الله عنهما- أما علي فروى عن الشعبي أنه قال: لم يكن في الصحابة أشد في النكاح بغير ولي من علي بن أبي طالب وأما عمر فروى عنه أنه قال: لا تنكح المرأة إلا بإذن وليها أو ذي الرأي من أهلها أو السلطان.
وفيه تأويلان:
أحدهما: إلا بإذن وليها إن كان واحدًا، أو ذي الرأي من أهلها إن كانوا جماعة، أو السلطان إن لم يكن لها ولي.
والثاني: بإذن وليها إن كان لها ولي، فإن لم يكن ولي زوجها السلطان بمشورة ذي الرأي من أهلها وذوي أرحامها، فهذا قول من ذكرنا من الصحابة، وليس في التابعين مخالف فثبت أنه إجماع، ويدل على ذلك من القياس هو أن من كان من زوائد عقد النكاح كان شرطًا فيه كالشهود؛ ولأن ما اختص من بين جنسه بزيادة عدد كانت الزيادة شرطًا فيه كالشهادة في الزنا، ولأن كل عقد صارت به المرأة فراشًا لم يملكه المفترشة كالأمة، ولأن من عقد على نفسه واعترض عليه غيره في نسخه دل على فساد عقده، كالأمة أو العبد إذا زوجا أنفسهما، ولأن من منع من الوفاء معقود العقد خرج من العقد كالمحجور عليه، ولأنه أحد طرفي الاستباحة فلم تملكه المرأة كالطلاق، ولأن لولي المرأة قبل بلوغها حقين؛ حقًا في طلب الكفاءة، وحقًا في طلب العقد، فلما كان بلوغها غير مسقط لحقه في طلب الكفاءة كان غير مسقط لحقه في مباشرة العقد.
ويتحرر من اعتلاله قياسان:
أحدهما: أنه أحد حقي الولي فلم يسقط بلوغها كطلب الكفاءة.
والثاني: أن كل من ثبت عليها حق الولي في طلب الكفاءة ثبت عليه حقه في مباشرة العقد كالصغيرة.
فأما الجواب عن استدلالهم بالآية فمن وجهين:
أحدهما: أن المراد برفع الجناح عنهن أن لا يمنعن من النكاح إذا أردنه، فلا يدل على تفردهن بغير ولي كما لم يدل على تفردهن بغير شهود.
والثاني: أن قوله: ﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْروفِ﴾ [البقرة: 234] يقتضي فعله على
ما جرى به العرف من المعروف الحسن، وليس من المعروف الحسن أن تنكح نفسها بغير ولي.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "الأيم أحق بنفسها من وليها".
فقد مرّ الجواب عنه أن لأهل اللغة في الأيم قولين:
أحدهما: التي لا زوج لها بكرًا كان أو ثيبًا، وإن لم تنكح قط يقال: امرأة أيم إذا كانت خلية من زوج، ورجل أيم إذا كان خليًا من زوجة.
والقول الثاني: أنها لا يقال لها أيم إلا إذا نكحت ثم خلت بموت أو طلاق بكرًا كانت أو ثيبًا، ومنه قول الشاعر:
فَإِنْ تَنْكِحِي أَنْكَحَ وَإِنْ تَتَأَيَّمِي يَدَا الدَّهْرِ مَا لَمْ تَنْكحِي أَتَأَيَّمُ
فأما الأيم في هذا الخبر فالمراد بها الثيب من الخاليات الأيامى دون الأبكار لأمرين:
أحدهما: أنه قد روى: "الثيب أحق بنفسها من وليها".
والثاني: أنه لما قابل الأيم بالبكر اقتضى أن تكون البكر غير الأيم لأن المعطوف عليه وليس غير البكاء إلا الثيب فلهذا عدل بالأيم عن حقيقة اللغة إلى موجب الخبر.
فإذا تقررت هذه المقدمة فعن الخبر ثلاثة أجوبة:
أحدها: أنها أحق بنفسها في أنها لا تجبر إن أبت ولا تمنع إن طلبت تدل تفردها بالعقد من غير شهود.
والثاني: أنه جعل لها وليًا في الموضع الذي جعلها أحق بنفسها فوجب أن لا يسقط ولايته عن عقدها ليكون حقها في نفسها وحق الولي في عقدها فيجمع بين هذا الخبر وبين: "لا نكاح إلا بولي" في العقد.
والثالث: أن لفظة "أحق" موضوعة في اللغة للاشتراك في المستحق إذا كان حق أحدها فيه أغلب كما يقال زيد أعلم من عمرو وإذا كانا عالمين.
وأحدهما أفضل وأعلم ولو كان زيد عالمًا وعمرو جاهلًا لكان كلامًا مردودًا لأنه لا يصير بمثابة قول العالم أعلم من الجاهل.
وهذا الفرد إذا كان ذلك موجبًا لكل واحد منهما حق وحق الثيب أغلب.
فالأغلب أن يكون من جهتها الإذن والاختيار من جهة قبول الإذن في مباشرة العقد.
وأما قوله: "ليس للولي مع الثيب أمرًا" فالأمر هو الإجبار والإلزام وليس للولي إجبار الثيب وإلزامها ولا يقتضي ذلك أن ينفرد بالعقد دون وليها ولا تنفرد به دون الشهود.
فأما حديث المرأة التي زوجها أبوها فرواية عكرمة ابن فلان.
فإن كان مولى ابن عباس فهو مرسل الحديث لأنه تابعي ولم يسنده والمرسل ليس بحجة وإن كان غيره فهو مجهول
وجهالة الراوي تمنع من قبول حديثه ثم لا حجة فيه لو صحّ؛ لأنه رد "نكاحًا انفرد به الولي وإنما يكون حجة لو أجاز نكاحًا" تفردت به المرأة.
وأما قياسهم على الرجل فالمعنى في الرجل أنه لما لم يكن للولي عليه اعتراض في الكفاءة لم تكن له في العقد عليها ولاية.
وكذا الجواب عن قياسه على عقد الإجارة أنه ليس للولي اعتراض فيه فلم يكن له ولاية عليه.
وليس كذلك عقد نكاحها.
وأما قياسه على المهر فعندهم أن للولي أن يعترض عليها فيه ويمنعها بأن تتزوج بأقل من مهرها ثم هو منتقص بقطع الأطراف في إبدالها من الدية ولا ينصرف فيها بالقطع والإباحة.
فرع:
وأما مالك ففرق بين الشريفة والدنية بأن الولي يراد لحفظ المرأة أن تضع نفسها في غير كفء والدنية مكافئة لكل الأدنياء فلم يبق لوليها نظر واحتياط في طلب الأكفاء فجاز عقدها بغير ولي ولم يجز عقد الشريفة إلا بولي وهذا القول غير صحيح لأنه ليس من دنية إلا وقد يجوز أن يكون في الرجال من هو أدنى منها فاحتيج إلى احتياط الولي فيها ثم لو غلب عليه فرقة فقبل الشريفة يمنعها كرم أصلها من وضع نفسها في عير كفء فلم يحتج إلى احتياط الولي.
والدنية يمنعها لؤم أصلها على وضع نفسها في غير كفء لكان مساويًا لقوله فوجب إسقاط الفرق بينهما.
ثم يقال له لما يكن هذا الفرق مانعًا من استوائهما في الشهادة فهلا كان غير مانع من استوائهما في الولي من كون النصوص في الولي عامة لا تخص بمثل هذا الفرق.
فرع:
وأما داود فخص الثيب بالولاية دون البكر لقوله صلى الله عليه وسلم: " ليس للولي مع الثيب أمر" ليطابق بين الإخبار في الاستعمال وقد قدمنا وجه استعمالها وأن الفرق بينهما واقع في الإخبار فكان جوابًا.
ثم فرق داود بين البكر والثيب.
بأن الثيب قد خبرت الرجال فاكتفت بخبرتها عن اختيار وليها والبكر لم تخبر فافتقرت إلى اختيار وليها وهذا فرق فاسد وعكسه عليه أولى؛ لأن خبرة الثيب بالرجال تبعثها على فرط الشهوة في وضع نفسها، فمن قويت فيه شهوتها والكبر لعدم الخبرة أقل شهوة فكانت لنفسها أحفظ على الشهوة مذكورة في طباع النساء قال النبي صلى الله عليه وسلم: "خلقت المرأة من الرجل في الرجل" فغلب حكم الشهوة في جميعهن ثيبًا وأبكارًا حتى يمنعن من العقد إلا بولي يحتاط لئلا تغلبها فرط الشهوة على وضع نفسها في غير كفء، فيدخل به العار على أهلها.
فرع:
وأما أبو ثور: فراعى إذن الولي دون عقده لقوله صلى الله عليه وسلم: "أيما امرأة نكحت بغير إذن
وليها فنكاحها باطل" فكما يراعى في نكاح السفيه إذن الولي دون عقده كذلك هذا وهذا خطأ؛ لأن صريح الخبر يقتضي بطلان النكاح لعدم إذنه ودليل خطأه نقيض صحة النكاح بوجود إذنه.
وهو متروك لأمرين:
أحدهما: لما رواه معاذ بن معاذ عن ابن جريج بإسناده المتقدم ذكره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهما: "أيما امرأة لم ينكحها وليها فنكاحها باطل".
والثاني: أن إذن الولي الذي يصح به النكاح هو إذن لمن ينوب عنه وهو الوكيل والمرأة لا تصح أن تكون نائبًا عنه لأن الحق عليها فلم تكن هي النائبة فيه لاختلاف القرضين فجرى مجرى الوكيل في البيع الذي لا يجوز أن يبيع على نفسه لاختلاف عرضه وعرض موكله وليس لاعتبار بالإذن للسفيه وجه؛ لأن الحجر على السفيه في حق نفسه والحجر على المرأة في حقوق الأولياء فافترقا.
فرع:
وأما أبو يوسف فاعتبر أن يعقد رجل عن إذنها لقصورها عن مباشرة العقد بنفسها وجعله موقوفًا على إجازة وليها لما فيه من حق في طلب الأكفاء.
وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: هو أنها كانت مالكة للعقد إلى الاستتابة.
وإن كانت غير مالكة لم يصح منها الاستتابة.
والثاني: أنه إن كانت الاستتابة شرطًا لم تحتج إلى إجازة, وإن لم تكن شرطًا لم تحتج إليها فصار مذهبه فاسد من هذين الوجهين.
مسألة:
قال الشافعي: "ورَوَت عَائِشَةُ رضي الله عنها أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "أَيُمَا امرَأَةٍ نُكِحَت بِغَيرِ إِذنِ وَليَّهَا فَنِكَاحُهَا باَطِلٌ ثَلاثًا فَإِن مَسَّهَا فَلَهَا المَهرُ بِمَا استَحَلَّ مِن فَرجِهَا فَإن اشتَجَرُوا أو قَالَ اختَلَفُوا فَالسُلطَانُ وَلِيَّ مَن لا وَليَّ لَهُ.
قَالَ: وفي ذَلِكَ دَلَالَاتٌ: مِنهَا أنَّ لِلوَلِيُ شِركًا في بُعضِهَا لا يَتِمُّ النِكاحُ إلَا بِهِ مَا لَم يَعضِلهَا وَلاَ نَجِدُ لِشِركِهِ في بُعضِهَا مَعنًى إلَّا فَصلَ نَظَرِهِ لِحياطَةِ المَوضِع أَن يَنَالَها مِن لَا يُكَافِئَهَا نَسَبُهُ وفي ذَلِكَ عَارٌ عَليهِ, وَأنَّ العَقدَ بِغَيرِ وَليِّ بَاطِلٌ, لا يَجُوزُ بِإجَازتِهِ وأنَّ الإصَابَةَ إذا كانَت بِشُبهَةٍ فَفِيهَا المَهرُ وَدُرِئ الحَدُّ".
قال في الحاوي: ذكر الشافعي بعد استدلاله بهذا الحديث ما تضمنه ودل عليه من الفوائد والأحكام نصًا واستنباطًا منها قوله: "أيما امرأة" فذكر خمسة أحكام وذكر أصحابه ثلاثين حكمًا سواها فصارت خمسة وثلاثين حكمًا أخذت دلائلها من الخبر بنص واستنباط منها في قوله: "أيما امرأة" أربعة دلائل:
(أحدها): أن "أي" لفظة عموم له صيغة ليناوله جميع ما اشتمل عليه فخالف قول داود أنه لا صيغة للعموم.
والثاني: أن "ما" المتصلة بأي صلة زائدة لأنها لو صدفت فقيل: أي امرأة صحّ مثله قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 159] أي فبرحمة من الله فدل على جواز الصلة الزائدة في الكلام وإن تعلقت به أحكام.
والثالث: اشتماله على جميع النساء من صغيرة وكبيرة يخالف قول أبي حنيفة, وشريفة ودنية يخالف قول مالك, وبكر وثيب يخالف قول داود.
والرابع: خروج الرجال عن حكم النساء في ولاية النكاح لتخصيصهم بالذكر.
ومنها قوله: "نكحت بغير إذن وليها" خمسة دلائل:
أحدها: أن اسم النكاح حقيقة في العقد فجاز في الوطء مخالف قول أبي حنيفة.
والثاني: ثبوت الولاية على جميع النساء في نكاحهن قول من قدمنا خلافه.
والثالث: أن للولي أن يوكل؛ لأن إذنه لا يصح إلا لوكيل ينوب عنه.
والرابع: أن لا ولاية لوصي؛ لأنه ليس بولي ولا نائب عمن في الحال ولي.
والخامس: أن العقد فاسد قد يضاف إلى عاقده وإن لم يلزمه.
ومنها في قوله: "فنكاحها باطل, فنكاحها باطل, فنكاحها باطل" ستة دلائل:
أحدها: بطلان النكاح بغير ولي بخلاف قول من أجازه بغير ولي.
والثاني: لا يكون إذا بطل موقوفًا على إجازة الولي بخلاف قول أبي حنيفة.
والثالث: أن النكاح فاسد لا يفسخ بطلقة وإن كان مختلفًا فيه بخلاف قول مالك.
والرابع: أن النكاح الفاسد يسمى نكاحًا.
والخامس: أن الإضافة قد تكون حقيقة ومجازًا.
والسادس: جواز تكرار اللفظ وزيادة في البيان وتوكيد للحكم؛ لأنه قال: فنكاحها باطل ثلاثًا.
ومنها قوله: "وإن مسها فلها المهر بما استحل من فرجها" خمسة عشر دليلًا:
أحدها: أن الميس عبارة عن الوطء.
والثاني: أن الوطء في النكاح الفاسد موجب للمهر.
والثالث: أنه لا يوجب الحدّ مع العلم والجهل.
والرابع: أن النكاح الفاسد إذا خلا من الإنابة لم يجب فيه المهر.
والخامس: أن الخلوة لا تكمل بها المهر بخلاف قول أبي حنيفة.
والسادس: أن المستكرهة على الزنا يجب لها المهر بما استحل من فرجها بخلاف قول أبي حنيفة.
والسابع: أن الإصابة في كل واحد من الفرجين من قبل أو دبر يوجب المهر؛ لأنه فرج.