الأصل في الظهار الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إنْ أُمَّهَاتُهُمْ إلاَّ اللاَّئِي ولَدْنَهُمْ﴾ [المجادلة:2]، إلى آخر الآيتين.
وأما السنة فما روى أبو داود بإسناده عن خويلة بنت مالك بن ثعلبة قالت: ظاهر مني زوجي أوس بن الصامت، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم أشكو إليه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يجادلني فيه ويقول: "اتقى الله فإنه ابن عمك"، فما برحت حتى نزل القرآن ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:1] الآيات: فقال: "يعتق رقبة" فقلت لا يجد.
فقال: "يصوم شهرين متتابعين" [124/ أ] فقلت: يا رسول الله، إنه شيخ كبير ما به من صيام قال: "فليطعم ستين مسكينًا"، قلت: ما عنده من شيء يتصدق به، قالت: فأتى من ساعته بعرق من تمر، فقلت: يا رسول الله إني أعنيه بعرق آخر، قال: "قد أحسنت اذهبي فاطعمي عنه ستين مسكينًا، وارجعي إلى ابن عمك".
وقال ابن سيرين: أول من ظاهر في الإسلام أوس بن الصامت.
قال الأصمعي: العرق بفتح العين والراء السفينة التي تنسخ من الخوص كالزنبيل الكبير، وقد جاء تفسيره في هذا الخبر أنه ستون صاعًا.
وروي أبو داود، عن محمد بن إسحاق، أن العرق للكيل يسع ثلاثين صاعًا، وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: إن العرق زنبيل يسع خمسة عشر صاعًا، وهذا يدل على أن العرق قد تختلف في السعة والضيق، فيكون بعض الأعراق أكبر وبعضها أصغر، وروي هشام بن عروة أن جميلة كانت تحت أوس بن الصامت، وكان رجلًا به لمم، فإذا اشتد لممه ظاهر من امرأته، فأنزل الله تعالى فيها كفارة الظهار.
واللمم هاهنا الإلمام بالنساء وشدة الخحرص، والتوقان إليهن.
وأيضًا روي سليمان بن يسار، عن سلمة بن صخر قال: كنت امرءًا أصيب من النساء ما لا يصيب غيري، فلما دخل شهر رمضان خفت أن أصيب من امرأتي شيئًا يتتابع عليَّ حتى أصبح، فظاهرت منها حتى ينسلخ رمضان، فبينما هي تحدثني ذات ليلة إذ تكشف له منها شيء، فلم ألبث أن وقعت عليها، فلما أصبحت خرجت إلى قومي فأخبرتهم الخبر وقلت: امشوا معي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: لا والله، فانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: "أنت بذاك يا سلمة؟ "، قلت: أنا بذاك يا رسول الله مرتين، وأنا صابر لأمر الله [124/ ب] عز وجل، فاحكم فيما أراك الله سبحانه وتعالى، قال: "حرر رقبة" قلت: والذي بعثك بالحق ما أملك رقبة غيرها وضربت صفحة رقبتي، قال:
"فصم شهرين متتابعين"، فقلت: وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام؟ قال: "فاطعم وسقًا من تمر بين ستين مسكينًا"، قلت: والذي بعثك بالحق لقد بتنا وحشين ما أملك لنا طعامًا، قال: "فانطلق إلى صاحب صدقة بني زريق فليدفعهما إليك، فاطعم ستين مسكينًا وسقًا من تمر، وكل أنت وعيالك بقيتها" فرجعت إلى قومي وقلت وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي، ووجدت عن النبي صلى الله عليه وسلم السعة وحسن الرأي، وقد أمرني أو أمر لي بصدقتكم.
وقوله: "أنت بذاك يا سلمة" معناه: أنت المسلم بذلك والمرتكب له.
وقوله: "بتنا وحشين"، معناه: بتنا مقفرين لا طعام لنا.
وروي ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم وقد ظاهر من امرأته فوقع عليها، فقال: يا رسول الله، إني قد ظاهرت من امرأتي فوقعت عليها قبل أن أكفر، فقال: "ما حملك على ذلك رحمك الله""، قال رأيت خلخالها في ضوء القمر، قال: "فلا تقربها حتى تعمل ما أمرك الله تعالى".
وروي عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، أن سلمة بن صخر الأنصاري.
أحد بني بياضة.
جعل امرأته عليه كظهر أمه حتى يمضي رمضان، فلما مضى نصف رمضان وقع عليها ليلًا، فأتي النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال: "أعتق رقبة".
فقال: لا أجدها، قال: "فصم شهرين متتابعين".
قال: لا أستطيع، فقال: "أطعم ستين مسكينًا".
قال: لا أجد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعروة بن عمرو: "أعطه ذلك العرق، وهو مكتل [125/ أ] يأخذ خمسة عشر صاعًا أو ستة عشر صاعًا، إطعام ستين مسكينًا".
قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن.
يقال: سليمان، ويقال: سلمى.
وروي بكير بن الأشج عن سليمان بن يسار خبر سلمى بن صخر وذكر فيه: فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بتمر فأعطاه إياه، وهو قريب خمسة عشر صاعًا، فقال: "تصدق بهذا"، فقال: يا رسول الله، على أفقر مني ومن أهلي.
فقال: "كله أنت وعيالك".
وقيل: سليمان بن يسار لم يدرك سلمة بن صخر فإخباره عن مرسل.
وأما الإجماع: لا خلاف بين المسلمين فيه، ثم أعلم أن الظهار مشتق من الظهر، كأنه يقول: ظهرك محرم علي كتحريم ظهر أمن.
وإنما خص الظهر من بين أعضاء الأم؛ لأن كل مركوب سمي ظهرًا لحصول الركوب على ظهره، والمرأة تركب الزوج، والظهار محرم لقوله تعالى: ﴿وإنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ القَوْلِ وزُورًا﴾ [المجادلة:2]، ومعنى ذلك أن الزوجة لا تكون محرمة كالأم.
فإن قيل: أليس قوله: أنت علي حرام في معناه وليس بمحرم؟ قلنا: هو مكروه ولا يحرم؛ لأن الله تعالى عاتب فيه فقال: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم:1]، ولم يعقبه بما عقب به لفظ الظهار من الإنكار،
وعلق بالظهار الكفارة العظمى ومنع الوطاء قبل التكفير، وفي لفظة التحريم تتعلق كفارة اليمين، وليست اليمين والحنث محرمين، فلهذا لا يحرم.
ويمكن أن يقال: التحريم يجتمع مع الزوجية، فأما تحريم الأم لا يجتمع معها فافترقا.
مسألة: قال: "فكلُّ زوجِ جازَ طلاقُهُ وجرى عليهِ الحكمُ منْ بالغِ جرى عليهِ الظهارُ".
الفصل
فإن تظاهرت امرأة من زوجها كان قولها لغوًا.
وقال الحسن، والنخعي، وابن أبي ليلي" يلزمها كفارة الظهار.
وقال الأوزاعي: [125/ ب] لو قالت لزوجها لا يكون شيئًا، ولو قالت لأجنبي: أنت عليَّ كظهر أمي، لزمتها الكفارة إذا تزوجته.
وقال أبو يوسف: يلزمها كفارة اليمين، وهذا غلط لظاهر الآية، ولأنه لا يصح طلاقها فلا يصح ظهارها.
وأما الرجال: فكل زوج صح طلاقه صح ظهاره حرًا كان أو عبدًا، مسلمًا كان أو كافرًا، ذميًا كان أو حربيًا.
وقول الشافعي: "جرى عليه الحكم" أراد طريق التأكيد، وهو توسع في عبارة العلة، وهذا عبارة المحققين عند التحرير يستكثرون معاني الفقه في أوصاف العلة، وإن كان الوصف الواحد فيها مستقلًا بنفسه، ولا فرق بين أن تكون المرأة مدخولًا بها أو غير مدخول بها، أو صغيرة أو كبيرة، أو حائضًا أو طاهرًا، أو رتقاء أو صحيحة، أو عاقلة أو مجنونة، أو محلة أو محرمة.
وقال بعض العلماء لا يصح ظهار العبد، ونسبه صاحب "الحاوي" إلى مالك رحمه الله.
واحتج بأن الله تعالى قال: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة:3] والعبد لا يملك الرقبة، وهذا غلط لعموم الآية، ولأنه يصح طلاقة فصح ظهاره كالحر.
وأما ما ذكر لا يصح؛ لأنه أوجب تحرير الرقبة على من يجدها، وأوجب على من لا يصح من الكفارة، وهذا غلط لما ذكرنا من الآية والقياس، ولا نسلم أن موجبة الكفارة بل موجبة التحريم، ولا نسلم أنه لا يصح منه الكفارة.
ثم اعلم أن الكفارة تجب الظهار والعود لقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة:3] والعود عند الشافعي أن يمسكها عقيب الظهار زوجة زمانًا يمكنه فيه إرسالها فلا يفعل، فإذا ظاهر الكافر عن زوجته نظر، فإن عاد لزمته الكفارة، وإن أتبع الظهار طلاقًا فلا كفارة؛ لأنه لم يحصل العود، وإن لم يطلق ولكن أسلم أحدهما [126/ أ] فلا يخلو إما أن تسلم هي أو يسلم هو؛ فإن أسلمت فلا فصل بين أن يكون كتابيًا أو وثنيًا؛ لأنه لا يجوز لها أن تقيم تحت كافر.
ثم ينظر فإن كان إسلامها قبل الدخول عقيب الظهار لا يكون عابدًا؛ لأنه لا يمكنه طلاقها عقيب الظهار، فإنها تبين بإسلامها عقيب الظهار كما
تبين بالطلاق عقيب الظهار.
ولو طلق عقيب الظهار وأسلمت عقيبه وافق إسلامها زمان الطلاق، فمنع ذاك نفوذ الطلاق؛ لأنه صادف زمان البينونة، كما لو قال: إن شئت فأنت طالق فمات لا يقع الطلاق، وإن كان إسلامها بعد الدخول وقف الفسخ على انقضاء العدة، ولا يكون عائدًا؛ لأنهما جارية إلى بينونة، فإن أسلم بعد انقضاء العدة فلا كلام، وإن أسلم قبل انقضائها اجتمعا على النكاح، وهل يكون عائدًا بالإسلام أو بالإمساك بعده مع قدرته على الطلاق؟ اختلف أصحابنا فيه.
فقال ابن أبي هريرة: لا يصير عائدًا إلا بالإمساك بعده.
قال: ونص الشافعي على أن الرجعة عود دون الإسلام، فقال: "إذا ظاهر من امرأته وارتد، ثم عاد إلى الإسلام قبل انقضاء العدة فحسبما قدر ما يمكنه الطلاق لزمته الكفارة، فشرط ذلك الإمساك بعد الإسلام، وفرق بينهما بأن القصد من الإسلام الدين دون استباحة الفرج، فلم يكن عائدًا، وليس كذلك الرجعة، فإن المقصود منها استباحة الفرج، فكان عائدًا بها.
ومن أصحابنا من قال: يصير عائدًا بنفس الإسلام كما بالرجعة والأول أصح.
وقال القاضي الطبري: رأيت في البويطي يقول: فإن رجع في العدة فالكفار لازمة فجعل الرجوع عود، وإن أسلم الزوج عقيب الظهار لم تخل المرأة من أحد أمرين؛ إما أن تكون كتابية أو لا تكون، فإن كانت كتابية فهما على الزوجية، ولكنه قد عاد لأنه أمكنه الطلاق [126/ ب] عقيب الظهار فلم يفعل، وإن لم تكن كتابية نظر، فإن كان قبل الدخول بها بانت في الحال ولم يكن عائدًا، وإن كان بعد الدخول لم يكن عائدًا؛ لأنه أجراها إلى البينونة كما لو طلقها، فإن أسلمت لم يكن إسلامها عودًا منه؛ لأن إسلامها اجتماع على الزوجية لا من جهته، ولكن متى أمسكها عقيب إسلامها مدة يمكنه طلاقها فهو عود، وهكذا إذا ظاهر مسلم من امرأته المسلمة فارتد الزوج عقيبه أو ارتدت المرأة لا فرق بينهما.
مسألة: قال: "أوفي مدةٍ يمكنهُ رجعتَها".
يصح الظهار من الرجعية؛ لأنه يصح طلاقها ولا يكون عائدًا؛ لأنها جارية إلى بينونة، ثم إذا راجعها يصير عائدًا وتلزمه الكفارة، ونفس الرجعة عود، وقد قال الشافعي رحمه الله تعالى: "مراجعته إياها بعد الطلاق أكثر من حبسها بعد الظهار".
وقال بعض أصحابنا: فيه قولان؛ أحدهما قاله في "الأم"، وهو ما ذكرناه.
والثاني: قاله في "الإملاء" لا يكون نفسها عودًا؛ لأن العود إمساكها بعد ردها، فأما الرجعة نفسها رد الإمساك ما كان بعد الرد، فإذا قلنا بالأول فإن طلقها عقيب الرجعة لم تسقط الكفارة، وإذا قلنا بالثاني تسقط الكفارة، وإن لم يراجعها حتى انقضت العدة ثم تزوج بها هل يعود الظهار؟ فيه ثلاثة أقوال ذكرناها في كتاب النكاح.
فإذا قلنا: يعود فنفس النكاح هل يكون عودًا على هذين القولين يخرجا.
قال
المزني: ينبغي أن يكون معنى قوله في التي يملك زوجها رجعتها أن ذلك يلزمه إذا راجعها؛ لأنه يقول: لو تطهر منها ثم أتبع الظهار طلاقًا يمكن فيه الرجعة لم يكن فيه كفارة، وكذا قال: إذا طلقها ثلاثًا، وقد جمع الشافعي بينهما حيث يلزمان وحيث يسقطان.
واختلف أصحابنا في مراده، فقال البغداديون: أراد به الظهار في عدة الرجعية لا يكون ظهارًا إلا بعد المراجعة؛ لأنه لم يكن عائدًا إلا بعد [127/ أ] الرجعة لا يكون مظاهرًا إلا بعد أن يمسكها غير محرمة وهي محرمة.
وقال البصريون: بل توهم المزني أن الشافعي حين جعله عائدًا فيها فتكلم عليه، وهذا وقف على الشافعي وليس بمخالفة له، والحكم على ما ذكره على ما بينا.
مسألة: قال: "ولو تظاهرَ مِنْ امرأتهِ وهي أمةٌ ثمَّ اشتراهَا".
الفصل
إذا تظاهر من زوجته الأمة صح ظهاره؛ لأنه يصح طلاقها على ما ذكرنا، فلو اشتراها بعد ذلك نظر، فإن اشتراها بعد العود لزمته الكفارة وإن انفسخ النكاح، ولا يحل له وطئها بملك اليمين حتى يكفر؛ لأن الفرج قد حرم عليه بالظهار فلا ترتفع إلا بالتكفير، وهذا يدل على أن المطلقة ثلاثًا إذا اشتراها لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، وقد ذكرنا فيه وجهًا عن أصحابنا، وهو غير صحيح.
ولو أعتقها عن هذه الكفارة أجزأه، وإذا تزوج بها بعد ذلك حلت له، ولا يمنع أن تجزأ عن الكفارة، وإن كانت الكفارة وجبت بسببها، كما لو قال: إن ملكت أمة فلله علىّ أن أعتق رقبه، فمسك أمة ثم أعتقها عن نذره أجزأه.
ولو كان اشتراها عقيب الظهار من غير فصل بأن كان سيدها حاضرًا فقال عيب الظهار له: بعنيها بكذا، فقال: بعتكها انفسخ النكاح، وهل صار عائدًا؟ فيه وجهان: أحدهما: قاله أبو إسحاق وابن أبي هريرة: لم يصير عائدًا؛ لأنه قد أبطل النكاح عقيبه فلم تلزمه الكفارة، وكان له وطئها بملك اليمين، قالا: وقول الشافعي: "لا يقربها حتى يكفر أراد إذا اشتراها بعد زمان، ألا ترى أنه قال: "لأنها لزمته وهي زوجته".
قال القفال: وكذا لو اشتغل بأسباب الشراء من المساومة والمماسكة إلى أن تم الشراء بينهما.
والثاني: لا يصير عائدًا به؛ لأنه كان يمكنه تحريمها بالطلاق، فاشتغل بقوله: "بعنيها" وذلك غير محرم لها، وإنما هو طلب النقل من إباحة إلى إباحة وإمساك بالشراء، فصار عائدًا.
[127/ ب] والأول أصح.
وفيه وجه ثالث ذكره صاحب "الحاوي" أنه ينطر، فإن ابتدأ الزوج بالطلب فقال لمالكها: يعني لم يكن عائدًا؛ لأنه شرع عقيب ظهاره فيما يرقع الزوجية كما لو شرع في الطلاق.
وإن ابتدأ المالك عقيب ظهاره بالبذل فقال: بعتك، فقال الزوج: قبلت صار عائدًا؛ لأن بذل المالك غير منسوب إلى فعل الزوج، فصار الزوج في زمان البذل
ممسكًا عن رفع الزوجية وما يعقب البذل من قبول الدافع للزوجية كان بعد مضي زمان العود، فلذلك صار عائدًا ووجبت الكفارة، فإذا قلنا بقول أبي إسحاق لو أعتقها وتزوج هل يعود حكم الإظهار؟ ينبني ذلك على ما ذكرناه من الطريقين لأصحابنا في عود النكاح بعد الفسخ هل يجري مجرى عوده بع البيونة بالثلاث أو بما دون الثلاث؟ ومتى قلنا يعود حكم الظهار هل يصير عائدًا بنفس العقد أو بمضي زمان يمكن فيه الطلاق على ما مضى من الوجهين.
مسألة: قال: "ولا يلزمُ المغلوبَ على فعِله الَّا مِنْ سكرٍ.
وقالَ فِي "القديم": في ظهارِ السكرانِ قولانِ أحدهما: يلزمُه والآخر لا يلزمهُ.
قال المزنَي: يلزمُه وأشبه بأقاويله ولا يلزمهُ أشبهِ بالحقِ".
منصوص الشافعي رحمه الله تعالى في كتبه الجديدة والقديمة أن طلاق السكران وظهاره صحيحان، والمزني نقله فيما نقله عن بعض كتبه الجديدة في الظهار، ولا فرق بين الظهار والطلاق، وقد ذكرنا فيها قولين وشرحنا ما قيل فيه، فإذا قلنا: يصحان فإن كان له تمييز فهما يصحان في الظاهر والباطن، وإن لم يكن له تمييز بحالٍ، قال ابن سريج، وأبو إسحاق: يصحان في الباطن والظاهر أيضًا؛ لأنّا نغلط عليه بسكره فيوقعها.
ومن أصحابنا من قال: لا يصح في الباطن؛ لأنّا لا نقبل قوله أنه لم يكن له تمييز، ولو أخبرنا بذلك الصادق [128/ أ] نحكم أنه لا يصح ثم اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: أحكامه أحكام الصاحي في جميع الحوادث سواء كان عليه أوله أو بعضه له وبعضه عليه، فطلاقه، وظهاره، ورجعته، ونكاحه، وإقراره، وعقوده كلها صحيحة لازمة، وكذلك إسلامه وردته، ونص الشافعي في البويطي على أن إسلامه صحيح فقال فيه: "فإن أسلم السكران جاز إسلامه، وأقبله إن لم يسلم إذا أفاق" قال هذا القائل: وقول الشافعي: "إذا ارتد السكران لم أستتبه في حال سكره" أخر استتابته؛ لأنه في حال الصحو أقرب إلى زوال الشبه عنه، وإفهام الدلائل إياه، والسكران تعارضه الشبه وتخفي عليه الدلائل ووضح الحق، ولم يقل ذلك؛ لأن إسلامه في حال السكر لا يصح، وهذا مذهب أبي إسحاق.
وقال أبو عبد الله الختن في "شرح التلخيص": يصح من قول السكران كل ما كان عليه، ولا يصح ماله والبيع بجميع ماله وعليه، ولا ينفرد أحد طرفيه عن الآخر، فوجب إبطال الطرفين، وكذلك حكم عقوده كلها، ثم إقراره فيما يلزمه في بدنه على ضربين؛ أحدهما: لحق الآدمي فيلزمه، والثاني: لحق الله تعالى من قبل الردة، وحد الزنا، وما في معنى ذلك فلا يقام عليه حتى يفيق؛ لأن توبته من ردته لا تصح في سكره، إذ هي له وما لزمه من حد الله تعالى، فرجوعه أن يرجع عنه يقول: ولا يصح في حال سكره أيضًا؛ لأنه له فوجب التأني به إلى أن يصح منه الرجوع بعد الإفاقة.
قال: رأيت ابن أبي هريرة يقول: لا تصح توبته في حال سكره من الردة.
ومن قال بهذا قال: قول الشافعي: "إسلامه صحيح".
أراد به من الكفر الأصلي فإن ذلك الإسلام عليه، فأما إسلامه من الردة فهم له فلم يصح، وهذه الطريقة حسنة ولكنها مخالفة لنص الشافعي [128/ ب] لأنه صحح إسلام الوثني في حال سكره، ونحن نعلم أن إسلامه يدرأ القتل عنه ويخفف عنه أحكام كثيرة.
ثم إن المزني اختار أنه لا يصح طلاقه ولا ظهاره.
واحتج بأن الطلاق عند الشافعي لا يجوز إلا من أهل القصد والإرادة، ولا طلاق عنده على مكره لارتفاع إرادته، فالسكران الذي يعقل كالنائم.
ثم ألزم نفسه سؤالًا فقال: فإن قيل: لأنه أدخل ذلك على نفسه.
قلنا: وإن أدخله على نفسه فهو في معنى ما أدخله عليه غيره من ذهاب عقله وارتفاع إرادته، ولو افترق حكمهما باختلاف السبب لاختلاف حكم من يجب بسبب نفسه أو بسبب غيره، فيجوز بذلك طلاق بعض المجانين.
وهذا الفصل غير مسلم للمزني؛ لأن أصحابنا قالوا: إذا قصد إزالة عقله بدواء فحكمه حكم السكران، فإن تداوي من مرض بدواء لا يعلم أن العقل يزول فحكمه حكم المجنون.
ومن أصحابنا من مسلم هذا، وعلل بأنه لا تميل النفس إلى مثله فلا يحتاج إلى رادع.
وذكر المزني في "المنثور" عن الشافعي أن رجلًا لو نطح رجلًا فانقلب دماغ الناطح والمنطوح، ثم طلقا امرأتيها لا يقع طلاقهما، فسوى بين الناطح والمنطوح، وإن كان الناطح عاصيًا دون المنطوح لما ذكرنا أنه لا تميل النفس إلى مثله وليس كالمكره؛ لأنه أكره على اللفظ بغير حق بخلاف هذا وليس كالنائم؛ لأنه غير عاصٍ بما أزال عقله بخلاف هذا.
ثم ألزم نفسه سؤالًا آخر فقال: فإن قيل: ففرض الصلاة يلزم السكران دون المجنون قيل: وكذلك فرض الصلاة يلزم النائم، فهل يجيز طلاق النوم لوجوب فرض الصلاة عليه وقد بينا الفرق بينه وبين النائم، واحتج بأن الله تعالى قال: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأَنتُمْ سُكَارَى [129/ أ] حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء:43]، فلم يكن له صلاة حتى يعلمها ويريدها، وكذلك لا طلاق حتى يعلمه ويريده: فقال له: أليس أجمعت الصحابة رضي الله عنهم على أن قذفه قذف في قصة المشهورة حين قال علي رضي الله عنه: إذا شرب سكر، وإذ سكر هذى، وإذا هذى افترى، أرى أن يبلغ به حد المفترين، فلم يقل أحد منهم أنه لو افترى لم يلزم بالغربة حدًا كما لا يلزم المجنون بها حدًا، وإذا ثبت إجماعهم في لفظ واحد من ألفاظه فكذلك في غيره، وإنما لا تصح الصلاة منه في حال سكره؛ لأنه لا يتمكن من فعلها ومباشرة أركانها.
ثم احتج بأن قول عثمان، وابن عمر، وعمر بن عبد العزيز، ويحي بن سعيد، والليث بن سعد وغيرهم، فقال له: أما التابعون فلا حجة لك في قولهم، وأما عثمان، وابن عمر فأغلب الظنون أنهما كانا في تلك المشورة، فرأيهما في الجماعة أولى من رأيهما في الفرقة، وإن كانا غائبين عن المشورة فقول الأكثرين أولى.
واحتج بفصل الردة، فقال: قال الشافعي: "وإذا ارتد سكران لا يستتاب في حال
سكره"، وفي هذا دليل على أنه لا حكم لقوله: "لا أتوب"؛ لأنه لا يعقل ما يقول، فكذلك هو في الطلاق والظهار لا يعقل ما يقول.
قيل له: ألست وافقتنا على صحته ردته في حال سكره كان دمه هدرًا، وهذا مما لا يختلف فيه نص الشافعي رضي الله عنه، وكذلك قذفه.
وإذا قتل في السكر قبلًا يوجب القصاص لزمه العود ولم يختلف النص فيه، وقد ذكرنا ما قيل في الاستتابة أنه أراد استحبابًا.
وأما حد السكران قد ذكرنا فيما تقدم، وقيل: إن الشافعي قال: "هو من غرب عنه بعض عقله، فكان مرة يعقل ومرة لا يعقل".
وقال الأوزاعي: هو من لا يميز ردائه من أردية الحر.
[129/ ب].
مسألة: قال: "ولو تظاهرَ منها ثم تركها أكثر من أربعة أشهر فهو متظاهر ولا إيلاء عليه".
وإذا تظاهر من امرأته ولم يفارقها، قد ذكرنا أنه صار عائدًا وهي حرام عليه حتى يكفر، فإن تركها ولم يفكر حتى مضت أربعة أشهر لم يكن موليًا ولا يطالب بالفيئة أو الطلاق، وبه قال أبو حنيفة رحمه الله، وقال مالك رحمه الله: يصير موليًا؛ لأنه منع نفسه من وطئها بقوله: "فكان موليًا"، وها غلط؛ لأن الظهار لفظ يتعلق به التحريم فلا يصير به موليًا كالطلاق، ولأنه لا يلزمه بوطئها شيء فلم يكن موليًا، كما لو أحرم أو اعتكف.
واحتج الشافعي رحمه الله عليه بأن الظهار والإيلاء أصلان متباينان لأن المظاهر بعد الظهار مطيع لله بترك الجماع عاص له لو جامع قبل أن يكفر، والمولى عاص بالامتناع من الجماع، فكيف يصير المتظهر موليًا بالظهار، ولو جاز ذلك لجاز أن يصير المولى متظاهرًا بالإيلاء، ولكن هذه أصول لا يدخل بعضها في بعض، وفي هذا اللفظ الذي نقله المزني إشكال؛ لأنه قال: وعاصٍ بالإيلاء، وليس مراده أنه غير عاص بالظهار، وكيف لا يكون عاصيًا وقد قال تعالى: ﴿وإنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ القَوْلِ وزُورًا﴾ [المجادلة: 21]، ولكن مراد الشافعي ما ذكرنا أنه عاصٍ بالامتناع عن الجماع في الإيلاء بخلاف الظهار.
ثم قال الشافعي رحمة الله عليه: "وسواء كان مضارًا بترك الكفارة أو غير مضار، إلا أنه يأثم بالضرار كما يأثم إذا آلي منها أقل من أربعة أشهر يريد ضرارًا ولا يحكم عليه بحكم الإيلاء".
وقيل: مذهب مالك أنه يكون إيلاء إذ قصد به الضرار، وإن لم يقصد ذلك لا يكون موليًا.
مسألة: قال: "ولو تظاهرَ يريدُ طلاقًا [130/ أ] كانَ ظهارً".
إذا قال لها: أنت عليَّ كظهر أمي ونوى به الطلاق كان ظهارًا، ولو قال: أنت طالق يريد به الظهار كان طلاقًا؛ لأن كل واحدة منهما صريحي في بابه في جنس واحد، فلا ينصرف بالنية إلى غيره.
وقوله: "وهذه أصول": أي كل واحد منها يخالف الأصول الأخر لفظًا ومعنى، فلا يكون الظهار إيلاء، ولا الإيلاء ظهارًا، ولا الطلاق ظهارًا ولا
إيلاء.
وحكي عن مالك أنه قال: يصح الظهار بلفظ الإيلاء والإيلاء بلفظ الظهار، وهو غير مشهور.
فإن قيل: أليس قوله: أنت عليّ حرام صريح في إيجاب الكفارة، ثم لو نوي به الطلاق أو الظهار صح.
قلنا: هل تجب الكفارة بإطلاقه؟ ذكرنا قولين ولئن سلما فلا نقول إنه صريح في شيء، والكفارة تلزمه لما ذكرنا من قبل.
مسألة: قال: "ولا ظهارَ مِن أمَةٍ ولا أمِّ ولدٍ".
لا يصح الظهار إلا من الزوجات، فأما من الإماء وأمهات الأولاد لا يصح، وبه قال ابن عمر، وعبد الله بن عمرو، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق رحمهم الله.
وقال مالك والثوري يصح الظهار من كل أمة مباحة له، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، واحتجوا بأنه فرج محلل له فصح منه ظهارة كالزوجة، وهذا الظاهر الآية "والَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ" [المجادلة:3] ونساؤنا أزواجنا، كما في قوله سبحانه وتعالى: "لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ" [البقرة: 226]، قال الشافعي رحمة الله عليه: ولو لزمها واحد من هذه الأحكام لزمها كلها، ولأنه لفظ يتعلق به تحريم الزوجية فلا يعمل من الأمة كالطلاق، ويؤكده أن الظهار كان طلاق الجاهلية، ونسخ حكمه دون محله.
[130/ ب].
باب ما يكون ظهارًا وما لا يكون
مسألة: قال: "والظهارُ أنْ يقولَ الرجلُ لامرأتهِ: أنتِ عليَّ كظهرِ أميِّ".
الفصل
الظهار الذي ورد به الشرع أن يشبه جملتها بظهر أمه فيقول: أنت عليَّ كظهر أمي ولا فصل بين قوله: عليَّ ومعي، وعندي، ومني؛ لأن هذه الحروف أدوات يقوم بعضها مقام بعض.
وكذلك لو قال بدل قوله: أنت، بدنك أو جسمك، وذاتك، أو كلك، أو جملتك عليَّ كظهر أمي.
ولو قال: أنت كظهر أمي، قال القفال: كان ظاهرًا كما لو قال: أنت طالق كان طلاقًا وإن لم يقل مني.
وقال الداركي: لا يكون ظهارًا لأنه ليس فيه ما يدل على أن ذلك في حقه بخلاف قوله: أنت طالق؛ لأن الطلاق من جنس الزوجية والجنس له دون غيره.
مسألة: قال: "ولو قالَ: فرجكِ، أو رأسكِ، أو ظهركِ، أو جلدكِ، أو يديكِ، أو رجليكِ عليَّ كظهرِ أميِّ كانَ ظهارًا، ولو قال: كبدن أميِّ أو كرأسِ أميِّ كانَ ظهارًا".
نص الشافعي رضي الله عنه على أنه إذا شبه عضوًا منها بظهر أمه كان ظهارًا، وإذا شبهها بعضوٍ من أعضاء أمه كان ظهارًا.
قال أصحابنا: وكذلك إذا أشبه عضوًا منها
بعضو من أمه، كأنه قال: رأسك عليَّ كرأس أمي أو كفرج أمي أو كيد أمي.
وبه قال مالك وأحمد، ومن أصحابنا من قال فيه قول آخر في "القديم" أنه لا ظهار إلا أن يقول: أنت عليَّ كظهر أمي؛ لأن هذا اللفظ هو المعهود في الجاهلية، وكان طلاقًا فغير الله حكمه، فعلى هذا حصول قولين، وقيل: لم يقل [131/ أ] الشافعي في القديم أكثر من أن الظهار الذي ورده القرآن: أنت عليَّ كظهر أمي، فإن قال: أنت عليَّ كظهر امرأة محرمة سوى الأم فيه قولان؛ فقال أصحابنا: فهذا يدل على أن في مسألتنا أيضًا قولين، ونص في القديم على أنه لو قال لها: رأسك أو بطنك أو فرجك أو رجلك عليَّ كظهر أمي كان ظهارًا، وليس كما لو شبهها بغير الأم في قول؛ لأن الأم أغلظ المحرمات والأعضاء كلها في الحرمة سواء، فعلى هذا المسألة على قول واحد.
وقال أبو إسحاق: فيه وجه ثالث: ما كان من أعضاء الأم مخصوصًا بالكرامة والتعظيم كالرأس والثدي لم يكن مظاهرًا في التشبيه به، وفي غير ذلك يكون مظاهرًا، فإذا قلنا بهذا هل يكون كناية في الظهار حتى يصير مظاهرًا بالنية؟ فيه وجهان: أحدهما: وهو ظاهر قول أبي إسحاق يكون كناية؛ لأن النية كالعرف.
والثاني: وهو ظاهر قول أبي هريرة، لا يكون كناية ولا يكون ظهارًا، وإن نواه كما لا يكون التشبيه بغير أمه كناية ولا يكون ظهارًا، وإن نواه تعليلًا بالعرف.
وقال أبو حنيفة: إن شبهها بعضو يحرم النظر إليه من الأم كالفرج والفخذ ونحو ذلك كان متظاهرًا، وإن كان لا يحرم النظر إليه من الأم كالرأس والوجه لم يكن متظاهرًا، وقال: لو شبه يدها بيدها أو يدها بجملتها لا يكون ظهارًا، كما قال في الطلاق، وهذا غلط؛ لأنه شبه زوجته بعضو من أمه فكان مظاهرًا كما لو شبهها بظهرها.
فرع
لو قال: إنت علي كنفس أمي فيه وجهان؛ أحدهما: يكون صريحًا في الظهار؛ لنه يعبر به عن الذات كالبدن.
والثاني: يكون كناية ولا يصير ظهارًا إلا بالنية؛ [131/ ب] لأنه يحتمل أن يريد به الكرامة والتعظيم.
فرع آخر
لو قال: أنت عليَّ كزوج أمي فيه ثلاث أوجه: أحدهما: يكون صريحًا في الظهار كالبدن؛ لأن البدن لا يقوم إلا بالروح ولا يستمتع بالبدن إلا مع الروح لجري ذلك مجرى تشبيهها بالبدن، وهو اختيار الداركي.
والثاني: أنه كناية لما فيه من الاحتمال.
والثالث: لا يكون صريحًا ولا كناية؛ لأن الروح ليست من الأعيان المرئية التي يتعلق بها حظرًا وإباحة، وهو اختيار ابن أبي هريرة.
فرع آخر
لو قال: ما فِي بطنكِ عليَّ كظهرِ أميِّ كانَ مظاهرًا.
ولو قال: حملكِ هكذا لم يكن مظاهرًا.
مسألة: قال: "ولو قال: أنْتِ عليّ كَأُمي أو مِثل أُمِّي".
الفصل
إذا قال: أنت علي كأمي أو مثل أمي أو أنت أمي، فإن أراد في الكرامة والتوقير الشفعة فلا ظهار، وإن أراد في التحريم كان ظهارًا، وإن أطلق لا يكون شيئًا، لأنه كلام يحتمل، وبه قال أبو حنيفة.
وقال القفال: وعلى هذا لو قال: أنت علي كعين أبي أو روح أمي أو كرأس أمي، وقال: أردت به الكرامة قُبل، لأن تقديره أنت أعز علي من عين أمي.
وقال مالك، وأحمد، ومحمد بن الحسين: يكون مظاهرًا بما ذكرنا ولا يقبل منه أنه أراد به الكرامة، واحتجوا بأنه شبه امرأته بأمه فأشبه إذا شبهها بعضو من أعضائها وهذا غلط، لأن هذا اللفظ يستعمل في الكرامة أكثر مما يستعمل في التحريم ولا يحمل على التحريم إلا بالنية ويخالف الأصل، لأنه لا يستعمل من الكرامة، ولا يقبل منه إذا قال: أردت الكرامة.
مسألة: قال: "ولو قال: أنتِ عليَّ كظهرِ امرأةِ محرمةِ من نسبِ أو رضاعِ".
لم يرد به أن لفظ الظهار هكذا ولكن أراد [132/ أ] أن يشبهها بامرأة محرمة عليه من نسب أو رضاع كان كالتشبيه بالأم، وجملته أن النساء المحرمات على ثلاثة أضرب: ضرب يصير به مظاهرًا كالأم، وكذا الجدة من قبل الأب أو من قبل الأم؛ لأنها في معنى الأم اسمًا وحالًا وتحريمًا.
وإذا شبهها بالجدة هل يكون مظاهرًا بالنص أو بالقياس على النص؟ وجهان؛ أحدهما: النص لأن الجدة تسمى أمًا.
والثاني: بالقياس على النص لما فيها من الولادة.
وضرب لا يصير به مظاهرًا، وهو كل امرأة كانت حلالًا له ثم حرمت عليه، ثم حليلة ابنه، وامرأة أبيه التي تزوج بها بعد ولادته، والصبية التي كانت حلالًا ثم أرضعت فحرمت عليه، والمطلقة ثلاثًا، وأخت زوجته أو عمتها أو خالتها، وهؤلاء غير محرمة على التأبيد، ولو شبهها بالملاعنة لم يكن مظاهرًا وإن كانت محرمة على التأبيد لأنها لم تحرم بوصله بينه وبينها، بل حرمت بفرقة موصوفة، ولأنها كانت حلالًا له في وقت.
وقال مالك وأحمد: يكون به مظاهرًا؛ لأنه شبه امرأته بمن لا تحل له على التأبيد، كما لو شبهها بالمحرمة وهذا غلط؛ لأن هذه المرأة كانت حلالًا، فإذا شبه زوجته بها احتمل أنه أراد الحالة التي كانت حلالًا له فيها فلم يكن مظاهرًا، كما لو شبهها بالأجنبية.
وقال بعض أصحاب مالك: إذا شبهها بظهر الأجنبية كان مظاهرًا أيضًا، وإن شبهها بغير الظهر، فمنهم من يقول هو ظهار، ومنهم من يقول هو طلاق، وهذا غلط لأنها غير محرمة على التأبيد، فأشبه إذا شبهها بالمحرمة من زوجاته.
وأما الطلاق فلا وجه له إلا أن ينويه فإنه كفاية، واحتج بأنه شبه فرجًا محللًا له بفرج محرم عليه، كما
لو شبهها المحرمة، والجواب عنه الفرق بعلتنا.
وضرب فيه قولان، وهو كل امرأة لم تزل محرمة عليه على التأبيد بالوصلة كذوات المحارم غير الأم من امرأة أبيه التي تزوج بها [132/ ب] قبل الولادة، أو أخيه من الرضاعة التي أرضعت قبل ولادته، والعمة، والخالة، والابنة وغيرها.
قال الشافعي في "الجديد": يصير مظاهرًا به وهو الصحيح، واختاره المزني؛ لأنه شبه زوجته بامرأة لم تحل له بحال الوصلة، فأشبه إذا شبهها بالأم.
وقال في "القديم": لا يصير به مظاهرًا؛ لأن لله تعالى نص على الأمهات، وهن الأصل في التحريم، وغيرهن فرع لهن ودونهن، فلا يحق بهن في حكم الظهار، وهذا لا يصح؛ لأن الله تعالى لما ذكر الظهار بين أنه قول منكر وزور، وهذا موجود في مسألتنا، فتعلق به الحكم، كما لو شبهها بالأم، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب"، فألحق الرضاع بالنسب.
ومن أصحابنا من قال: في الأخت من الرضاعة التي كانت حلالًا له قول آخر؛ أنه يصير بالتشبيه بها مظاهرًا؛ لأن المزني ذكر الأخت من الرضاعة وأطلق، ثم حكي قولًا آخر، فقال: وحفظي وحفظ غيري عنه أنه قال: لا يكون مظاهرًا ممن كان حلالًا له في حال ثم حرمت، فحصل قولين، وهذا غير صحيح، وكان من حق المزني أن لا يطلق الجواب في الأول، بل كان ينبغي له أن يقسم حال الأخت من الرضاعة؛ لأنها ربما تكون حلالًا ثم تصير حرامًا، وربما تكون حرامًا ابتداءً وانتهاءً على ما ذكرنا، والمسألة على قولٍ واحدٍ في التي كانت حلالًا مرة أنه لا يصير مظاهرًا.
ومن أصحابنا من قال في الجدة قول آخر لا يصير مظاهرًا؛ لأنها ليست بأم حقيقية وهذا ليس بشيء.
وذكر الإمام الجويني صاحب "المنهاج" عن بعض أصحابنا أنه لو شبهها بظهر امرأة أبيه لا يكون مظاهرًا بحالٍ، وإن لم تزل محرمة عليه بأن سبق عقدها ميلاده؛ لأنها محرمة عليه بالمصاهرة، والثاني اقتصر على ذكر النسب والرضاع دون المصاهرة، وهذا غريب.
[133/ أ].
فرع
لو قال: أنت عليَّ كظهر أبي، أو منك أبي، أو كأبي لا يكون مظاهرًا.
وقال أبو القاسم: إذا شبهها بظهر أبيه أو غلامه كان مظاهرًا.
وقال أحمد في رواية: إذا شبهها بالمحرمين من الرجال كان مظاهرًا؛ لأنه شبهها بظهر ذي محرم منه كالأم، وهذا غلط؛ لأنه لا مدخل له في الاستمتاع، فأشبه إذا شبهها بالبهيمة.
فرع آخر
لو قال: أنت كظهر أبي وأمي كان مظاهرًا.
ولو قال: كظهر أبي أو كظهر أمي وعاد باللسان، ومنع من الوطئ حتى يكفر.
فرع آخر
لو قال: أنا عليك كظهر أمك كان كناية، فإن أراد ظهارًا كان ظهارًا، وإن لم يرد ظهارًا لا يكون ظهارًا، ويجري مجرى قوله: أنا منك طالق، فإنه كناية من الطلاق خلافًا لأبي حنيفة فيهما.
فرع آخر
ذكر الشافعي رحمه الله أنه لو قال بعد ظهاره: إن شاء الله فيه قولان، واختلف فيه أصحابنا فقال بعضهم: هو محمول على الحكاية من غيره من الفقهاء كما في الطلاق.
وقال بعضهم: تخريجه من الظهار صحيح، والفرق بينه وبين الطلاق أن جنس الطلاق مباح، فجاز أن يرتفع بالاستثناء، ومن قال بهذا قال: لو علق الظهار بشرط أو بصفة أو بأجل لا يتعلق ويقع ناجزًا، وهذا غريب.
فرع آخر
لو قال: أنت عليّ كظهر أمي إلا أن يشاء زيد ولم يعلم حاله كان مظاهرًا.
فرع آخر
لو قال: أنا مظاهر منك كان مقرًا بالظهار.
مسألة: قال: "ويلزمُ الحنثَ بالظهارِ كما يلزمُ بالطلاقِ".
أراد به أن الظهار يصح تعليقه بصفة، مثل أن يقول لها: إن دخلت الدار فأنت عليّ كظهر أمي، أو إذا قدم زيد، أو إذا جاء رأس الشهر ونحو ذلك، فإذا وجد الشرط صار مظاهرًا؛ [133/ أ] لأنه تحريم من الزوجية للزوج رفعه، فجاز أن يتعلق بالصفات كالطلاق، وهذا لأن الظهار في معنى الطلاق، فكان طلاقًا في الجاهلية فورد الإسلام فيه بالكفارة، كما كان الإيلاء طلاقًا في الجاهلية فورد الإسلام فيه بضرب المدة.
فرع
لو قال لامرأتيه: إن دخلتما هاتين الدارين فأنتما عليّ كظهر أمي، فدخلتا معًا كلا الدارين كان مظاهرًا منهما.
وإن دخلت كل واحدة منهما إحدى الدارين فيه وجهان.
مسألة: قال: "ولو قالَ: إذا نكحتكِ فأنتِ عليَّ كظهرِ أميِّ فنكحها لم يكنْ متظاهرًا".
إذا قال لها: إذا نكحتك فأنت عليّ كظهر أمي لم ينعقد الظهار في الحال، وإذا نكحها لم يكن مظاهرًا.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: يصير مظاهرًا كما قال في الطلاق، وهذا لا يصح؛ لأن التحريم إنما يقع على من حلت له وهذه محرمة فلا معنى لتحريمها.
قال الشافعي رحمة الله عليه: ويروي مثل ما قلت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم علي
وابن عباس رضي الله عنهما وهو القياس، ولم يرد به في الظهار خاصة؛ لأنه لا يحفظ في ذلك خبر، بل هو مروي في الطلاق قبل النكاح، حيث قال صلى الله عليه وسلم: "لا طلاق قبل النكاح، ولا عتاق قبل الملك"، والكلام في الطلاق والظهار واحد، والقياس الذي ادعى ولم يذكره هو إن شاء اله ما لا خلاف فيه أنه لو قال لأجنبية: إذا جاء رأس الشهر فأنت عليّ كظهر أمي، ثم تزوجها قبل رأس الشهر لا يصر مظاهرًا؛ لأنه ظهار قبل النكاح، فكذلك إذا أضاف إلى النكاح لا يصير مظاهرًا.
فرع
لو تزوجها على أنها عليه كظهر أمه بطل النكاح، وكذلك لو اشتري أمة بهذا الشرط بطل الشراء، ولو اشتري أخته [134/ أ] بهذا الشرط صح الشراء.
مسألة: قال: "ولو قالَ: أنتِ طالقٌ كظهرِ أميِّ يريدُ الظهارَ فهو طلاقٌ".
الفصل
من هذا أربع مسائل: إحداها: أن يقول ذلك ولا نية له فيقع الطلاق ولا ظهار؛ لأن الصريح فيه أن يقول: أنت علي أو مني أو معي، وهاهنا قال: أنت طالق كظهر أمي، فكأنه قال ابتداء كأمي.
والثانية: أن يقول: أردت الطلاق وتأكيده بمعنى أنها تحرم به كظهر أمي، فقبل قوله؛ لأن مثل هذا يجعل صفة له على سبيل التأكيد.
لو قال: أردت الظهار مع لفظ الطلاق يكون طلاقًا فقط.
والثالثة أن يقول: نويت بالطلاق الطلاق وبالظهار الظهار.
قلنا: وقع الطلاق، وأما الظهار نظر فيه، فإن كانت غير مدخول بها بانت ولم يلحقها الظهار، وإن كانت مدخولًا بها فهذه رجعية ظاهر منها زوجها فيصح، فمتى راجعها فقد عاد الظهار.
وقال صاحب "المنهاج": من قال هذا يلزمه أن يسوي بين أن يفهم إرادة الظهار إلى لفظ الطلاق وبين أن يضعها إلى لفظ الظهار، فيجعله مظاهرًا في الحالين؛ لأنه إذا قال: أنت طالق ونوى ظهارًا وقع الطلاق لا محالة، فإذا عقبه بقوله كظهر أمي وهذا صريح في الظهار مستقل بنفسه من غير إرادة، وجب أن يصير مظاهرًا وهذا غريب.
والرابعة: وهي مسألة الكتاب، أن يقول: نويت الظهار بكل كلامي، كأنه قال: عبرت عن الطلاق بالظهار.
قلنا: سقط بما نويت وكان طلاقًا؛ لأن الطلاق صريح في التحريم في جنس فلا يكون كتابة فيهن على ما ذكرنا من قبل.
فرع
لو قال: أنت عليَّ كظهر أمي طالق يكون مظاهرًا بقوله الأول.
وأما قوله: طالق إذا
نوى أنها تصير [124/ ب] بما قدمه من الظهار كالمطلقة فلا تصير؛ لأن حكم الظهار مخالف لحكم الطلاق.
وإن نوى أن يصير الظهار الذي قدمه طلاقًا يكون ظهارًا ولا يكون طلاقًا.
وإن نوى به إيقاع الطلاق بعد الظهار يكون مظاهرًا ومطلقًا ويمنع الطلاق من العود.
وإن لم ينو به شيئًا ففي وقوع الطلاق به وجهان؛ أحدهما: لا يقع؛ لأنه مبتور اللفظ.
والثاني: يقع؛ لأنه من صريح ألفاظه وقد تقدم من المواجهة ما إذا تلفظ بعده بالطلاق صار مضمرًا فيه، فكأنه قال: أنت عليَّ كظهر أمي وأنت طالق.
والفرق بين أن يؤخر الظهار فلا يكون مظاهرًا مع عدم النية، وبين أن يؤخر الطلاق فيصير مطلقًا مع عدم النية، أن ما تركه بتأخر الطلاق حرفان؛ أحدهما: حرف المواجهة، وهو قوله: أنت.
والثاني: حرف الالتزام، فجاز أن يكون حرف الالتزام مضمرًا لعدم ذكره في الطلاق المتقدم.
فرع آخر
لو قال: أنتِ عليَّ كظهرِ أميَّ بلْ طالقٌ ثلاثًا كانَ مطلقًا.
مسألة: قال: "ولو قال أنتِ عليَّ حرامٌ كظهرِ أمَّي يريدُ الطلاقَ فهو ظهارٌ".
جملته أن قوله: أنت عليَّ حرام كظهر أمي، يريد الطلاق، فإن أراد به الظهار كان ظهارًا، فإذا ثبت هذا فمتى قال: أنت عليَّ حرام كظهر أمي فيه خمس مسائل: أحديها: أن يقول ذلك ولا نية له، فهو ظهار نص في "الأم" و"البويطي" لمعنيين؛ أحدهما: أن قوله عليَّ حرام كان أقوى من النية فكان ظهارًا؛ لأنه إذا كان إطلاقه ظهارًا كانت النية تأكيدًا.
والثانية: أن يقول: نويت الطلاق بقول: أنت عليَّ حرام، قال في "الأم": ونقله المزني [135/ أ] في عامة نسخه: إنه طلاق، وبه قال عامة أصحابنا.
وفي بعض نسخ كتاب المزني أنه ظهار، وبه قال أبو حنيفة؛ لأن مطلق هذه الجملة صريح في الظهار، فإذا نوى بها الطلاق لم يكن طلاقًا، فقال بعض أصحابنا: فيه قولان؛ أحدهما: أنه طلاق، وبه قال أبو يوسف ومحمد، إلا أن أبا يوسف يقول: لا يقبل قوله في نفس الظهار، ووجه أن قوله: أنت عليَّ حرام مع نية الطلاق بمنزلة صريح الطلاق.
ولو قال: أنت طالق كظهر أمي كان طلاقًا، فكذلك الكناية مع النية.
والثاني: أنه ظهار لما ذكرنا من العلة، والأول أصح، وما ذكره القائل الآخر لا يصح؛ لأن النية قارنت لفظ التحريم وسبقت لفظ الظهار، فكانت باللفظ أحق.
ومن أصحابنا من قال قولًا واحدًا أنه طلاق وغيره تصحيف من الناقل أو غلط.
وقال القفال: نقل المزني من المختصر أنه ظهار، ونقل في "الجامع الكبير" أنه طلاق، وهما على حالين لا على
قولين، فإن أراد الطلاق بقوله: أنت عليَّ حرام صح.
ثم الكلام في قوله: كظهر أمي على ما مضى في المسألة قبلها.
وإن أراد الطلاق بقوله: كظهر أمي فهو ظهار لا غير؛ لأن بلفظ الظهار لا يقع الطلاق، وليس هو من كنايات الطلاق.
والرابعة: أن يقول: نويت الطلاق بقوله: أنت عليَّ حرام، والظهار بقوله: كظهر أمي، يقع الطلاق بقوله: أنت عليَّ حرام، ويكون مظاهرًا بقوله: كظهر أمي؛ لأنه أرادها معًا كما لو قال: أنت طالق كظهر أمي ونوى به كليهما، نص عليه في "البويطي" وقال فيه: لو قال: أنت عليَّ كظهر أمي حرام ونوى به الطلاق لزمه الظهار، لأنه صريح به، وأضاف إليه كلمة صفة له، والفرق بينهما ظهار، ومن أصحابنا من قال: يكون مظاهرًا اعتبارًا بقوله: كظهر أمي، ويسقط قوله: أنت عليَّ حرام، وهذا متولد من الخلاف قبل هذه المسألة، فإن [135/ ب] من أصحابنا من اعتبر هناك ما نواه دون ما نطق، وهو المذهب المنصوص.
ومنهم من راعى النطق وألغى ما نواه، وهذا إذا كانت مدخولًا بها، فإن لم تكن مدخولًا بها بانت بالطلاق.
ولا يصح الظهار إذا قلنا يقع الطلاق بقوله: أنت عليَّ حرام مع النية في هذه المسألة.
والخامسة: أن يقول: نويت بقولي أنت عليَّ حرام تحريم العين الذي يوجب كفارة يمين، فهو على هذا الخلاق، فإن اعتبرنا النية وجب كفارة يمين وسقط قوله: كظهر أمي.
قال أبو حامد: وهو المذهب، وإن اعتبرنا النطق سقط ما نواه ويلزم الظهار، ولأنه قصد التحريم ووصفه بما يوجب الكفارة العظمى، فلا يقبل قوله في إسقاطها إلى الكفارة الصغرى.
فرع
قال ابن الحداد: لو قال لها: أنت عليَّ حرام، ثم قال: أردت به الطلاق والظهار، قيل له: اِختر أيهما شئت، فإن اللفظة الواحدة لا تكون طلاقًا وظهارًا.
وقال بعض أصحابنا: يكون طلاقًا؛ لأنه بدأ بذكره، فكأنه يلزمه من ذلك ما يبدأ به ومن نصر القول الأول، قال: الاعتبار بجميع لفظه، ألا ترى أنه لو قال: طلقت هذه أو هذه لم يلزمه طلاق الأولى، وله أن يعين فيمن شاءن كما لو طلق إحدى امرأتيه.
فرع آخر
قال في "البويطي": قد قيل: من صرح بالطلاق والظهار والعتق ولم يكن له نية في ذلك لا يلزمه فيما بينه وبين الله تعالى طلاق ولا ظهار ولا عتق ويلزم في الحكم.
قال: وحجته في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنية" و " يرفع القلم عن ثلاثة"، وإجماع العلماء أن المجنون والنائم إذا تلفظ بصريح لفظ الطلاق لا يلزمه، [136/ أ] ثم قال: وقال مالك: من طلق أو أعتق أو ظاهر بلا نية يلزم ذلك في الحكم وفيما بينه وبين الله تعالى.
قال: والحجة في ذلك لمن ذهب إليه ما ذكر الله تعالى من إتلاف المؤمن خطأ، وما أجمع عليه العلماء أن مال آدمي خطأ فذلك عليه وإن لم ينو، وذلك من حقوق الآدميين، وللمرأة حق في منعها نفسها، وللعبد حق في حريته، وللمالكين حق
في الظهار، ولم يعترض على أحدهما، فالظاهر أنه قصد تخريجه على قولين، وهذا غريب، حكاه القاضي الطبري.
مسألة: قال: "ولو قالَ لأخرى: قَدْ أشركتكَ معهَا".
الفصل
إذا ظاهر من امرأته ثم قال لامرأة أخرى: أنت شريكتها أو أشركتك معها، أو أنت كهي، فإن ذلك كناية، فإن نوى الظهار به كان ظهارًا، وإن لم ينو شيئًا بل أطلق لم يكن شيئًا لأنه يحتمل أن يكون معناه أنت شريكتها في الزوجية أو سوء الخلق.
وقال مالك وأحمد: يكون ظهارًا وإن لم ينوِ؛ لأن حكم العطف حكم المعطوف عليه، وذلك يقتضي التشريك، فأشبه إذا جمعهما في لفظ الظهار، وهذا غلط لما ذكرنا، ويفارق إذا جمعهما؛ لأنه وجد فيهما صريح اللفظ بخلاف مسألتنا.
وقال في "الحاوي" قال في "القديم": يكون مظاهرًا من الثانية، فقيل: هذا قول ثان، وقيل: هذا حكاية مذهب الغير، ومن أصحابنا من ذكر قولًا آخر أنه لا يصح التشريك في الظهار أصلًا، ذكره ابن أبي أحمد وصاحب "الإفصاح"، وهذا على قوله القديم الذي يعتبر فيه الصريح كاليمين.
فرع
لو قال: أنت عليَّ كظهر أمي إن شاء زيد، وإن شاء زيد فأنت عليَّ كظهر أمي، فشاء زيد انعقد ظهاره قولًا واحدًا؛ لأنه علق الصفة وقد وجدت، ولو قال: إن شاء، قد ذكرنا حكمه.
مسألة: [136/ ب] قال: "ولو تظاهرَ من أربع نسوةٍ له بكلمةِ واحدةٍ، فقالَ في كتاب "الظهارِ الجديد" وفِي "الإملاءِ" على مسائلِ مالكِ: إنَّ عليهِ في كلِ واحدةِ كفارةِ".
الفصل
إذا تظاهر من أربع نسوة له نظر، فإن أفرد كل واحدة بالظهار فعليه في حق كل واحدة كفارة بلا إشكال، وإن ظاهر منهن بكلمة واحدة فقال لهن: أنتنَّ علىَّ كظهر أمي، قال في "الأم" و "الإملاء" عليه في كل واحدة كفارة.
وبه قال أبو حنيفة وهو الصحيح، لأن وحد الظهار والعود في حق كل واحدة منهن، فوجب عليه لكل واحدة كفارة، ولأنه لو خاطبهن بالطلاق أوجبت الحرمة في كل واحدة، فكذلك إذا خاطبهن بالظهار أوجبت الحرمة.
وإذا أوجبت الحرمة يتعدد تعدد الرافع، وهو الكفارة.
وقال في "القديم": يجزيه عن الكل كفارة واحدة.
وبه قال مالك وأحمد، وروي ذلك عن عمر رضي الله عنه؛ لأن لفظ الظهار متحد والكفارة تمحو اللفظ، وادعى المزني أن
الشافعي رجع عن القول القديم إلى القول الجديد، والمسألة على قول واحد.
وقال القفال: يمكن بناء القولين على أنه كالإملاء، أو كالطلاق، فإن جعلناه كالإملاء فكفارة واحدة، كما لو قال: والله لا أقربكن يكفي لهن كفارة واحدة إذا حنث.
وإن قلنا: كالطلاق يلزمه أربع كفارات، ويمكن بناءهما أيضًا على أنه إذا تعددت اليمين واتحد الحنث هل يلزمه كفارة أو كفارات؟ وهو أن يقول: والله لا أكلم زيدًا، ثم يقول: والله لا أكلم رجلًا ثم كلم زيدًا؛ لأن هناك تعددت الأعيان واتحد الحنث، وهاهنا اتحد اللفظ ويتصور تعدد الصور المقرر للكفارة، وهذا البناء أبعد من الوجهين الأولين.
مسألة: قال: "ولو تظاهرَ منها مرارًا يريدُ بكلِ واحدةٍ ظهارًا غيرَ الآخر [137/ أ] قبلَ أن يكفرَّ فعليه بكلِّ ظهارٍ كفارةً".
إذ كرر لفظ الظهار في امرأة واحدة لا يخلو إما أن يكون متواليًا أو متفرقًا، فإن كان تواليًا نظر، فإن أراد بكل مرة الاستئناف كان عليه في كل مرة كفارة، كما عليه في لفظ تطليقه إذا كرر لفظ الطلاق وأراد الاستئناف، وإذا أراد التكرار على سبيل التأكيد يلزمه كفارة واحدة كما يكون في الطلاق تطليقة واحدة، ذكره في "الجديد".
وعلى هذا إذا أطلق فيه قولان كما في الطلاق.
قال أبو إسحاق: الظهار كان طلاقًا في الجاهلية فجعل فيه كفارة، فكل لفظ كان حكمه أن يكون طلاقًا فالساعة حكمه الكفارة؛ لأن الكفارة أقيمت مقامه.
وقال أبو حامد وصاحب "الحاوي": المذهب في الظهار أنه إذا كرره وأطلق ولم ينوِ شيئًا يكفيه كفارة واحدة، والفرق بينه وبين الطلاق أن الطلاق يزيل الملك فهو أقوى من لفظ الظهار، لأنه يشعب الملك ولا يزيله، وهذا ضعيف، والصحيح ما تقدم، وبهذا قال أبو حنيفة ومالك، أنه لو قال لها: أنت عليَّ كظهر أمي مائة مرة يلزمه مائة كفارة.
وقال في "القديم": تجب كفارة واحدة ويتداخل وإن أراد الاستئناف؛ لأنه لم يفد الثاني إلا ما أفاد الأول، والظهار يوجب تحريم فرجها حتى يكفر، فإذا لم يكفر ولم يحل الفرج لم يكن لإعادة اللفظ معنى، وإن لم يوال بين الألفاظ لفرقها في الأيام.
فإن أراد التأكيد كان تأكيدًا كالمتوالي بخلاف الطلاق؛ لأن الطلاق مزيل للملك فروعي الولاء من تأكيده بخلاف الظهار.
ومن أصحابنا من قال: لا يجعل تأكيدًا عند الفصل؛ لأنه أنشأ التحريم بخلاف الإيلاء لأنه تعليق قبل التأكيد وإن فصل.
وقال القفال: فيه وجهان مبنيان [137/ ب] على أنه يسلك مسلك الإيلاء أو الطلاق، وإن أراد الاستئناف كان استئنافًا، ثم غن كان الظهار الثاني بعد التكفير عن الأول يلزمه في الثاني كفارة، وإن كان قبل تكفيره فيه قولان.
وإن أطلق، فإن كان بعد التكفير عن الأول حمل على الاستئناف وإن كان قبل التكفير من الأول فيه وجهان، أحدهما: يحمل على الاستئناف وفيما يلزمه من الكفارة قولان.
والثاني: يحمل على التأكيد.
فإن تقرر هذا فحيث جعلناه تأكيدًا لو طلق عقيب
الألفاظ المتوالية لم يصر عائدًا في شيء ولم يلزمه كفارة، لأنه استعمل بما يؤكد الكلام الأول فلا يجعله مخالفًا فيه ولا راجعًا فيه، وإذا جعلناه استئنافًا فهل يكون استقالة بالكلمة الثانية عودًا في الكلمة الأولى عند الموالاة؟ وجهان ذكرهما القفال؛ أحدهما عود كما قلنا فيما لو ظاهر من أربع نسوة بأربع كلمات، فلما استقل عن الظهار بالثانية صار عائدًا في الأول، فعلى هذا لو أطلق عقيب الكلمات الأربعة مثلًا لزمته ثلاث كفارات في المرات الثلاث الأول ولا يلزمه في الرابعة شيء.
والثاني: أنه مادام مشتغلًا بجنس الظهار، فهو غير عائد، فإذا طلق عقيب الكلمات الأربعة لم يلزمه كفارة، وإن لم يطلق لزمته الكفارات حينئذٍ.
ومن أصحابنا من قال: الظهار الثاني في زمان عوده من الظهار الأول فلا يكون مظاهرًا في وقت العود كما لا يكون عائدًا في وقت الظهار، فإذا كرر الظهار خمس مرات يصير الثاني عودًا، ويصير الثالث ظهارًا ثانيًا، ويصير الرابع عودًا في الثاني الذي كان ثالثًا، ويصير الخامس ظهارًا ثالثًا وهذا خطأ؛ لأن العود بالزمان والظهار بالقول فلم يقع الفرق في معنى زمان العود بين أن يكون فيه ممسكًا أو متكلمًا، ولم يقع الفرق [138/ أ] ولم يقع الفرق في كلامه بين أن يكون ظهارًا أو خطابًا وعلى هذا يلزمه خمس كفارات إذا كرر خمس مرات، وعلى هذا الوجه الذي ذكرنا يلزمه ثلاث كفارات.
واعلم أن الشافعي.
رحمة الله عليه.
قيد المسألة التي ذكرها بقوله: "قيل يكفر"، وهذا ليس بشرط في وجوب الكفارات ولكنه نص على أخص الحالتين تنبيهًا على الأظهر حتى إذا علمت وجوب الكفارات بهذه الألفاظ قيل يكفر لا يكاد يخفي عليك حكم المسألة إذا كرر بعد أن كفر.
مسألة: قال: "ولو قالَ: إذا تظاهرتُ من فلانةِ الأجنبية فإنتِ علىَّ كظهرِ أميَّ فتظاهرَ من الأجنبيةِ لمْ يكنْ عليهِ ظهارٌ".
الفصل
أما إذا قال: إن تظاهرت من امرأتي الأخرى فأنت عليَّ كظهر أمي، ثم تظاهر من تلك يصير متظهرًا من الأولى بالصفة ومن الثانية بالمباشرة، فإن عاد فيهما فعليه عن كل واحدة كفارة قولًا واحدًا؛ لأنه ظاهر من إحديهما بغير ما ظاهر من الأخرى وأقل أحواله أن يكون تظاهر من كل واحدة منهما بلفظ مفرد.
ولو قال: إن تظهرت من إحدى امرأتي فالأخرى عليَّ كظهر أمي ولم يعين بالقلب إحديهما فمن أيتهما تظاهر متظاهرًا من الأخرى.
وإن قال لزوجتيه: إن تظاهرت من فلانة الأجنبية فأنت عليَّ كظهر أمي، ثم قال للأجنبية: أنت عليَّ كظهر أمي لم يكن عليه ظهار في واحدة منهما؛ لأن الظهار من الأجنبية لا يصح، ومتى علق الظهار بالظهار اقتضى الظهار الشرعي كما
إذا علق الطلاق بالبيع المطلق ليتقضي البيع الشرعي، فإن تزوج بها وظاهر منها صح الظهار من التي تزوج بها، وهل يكون مظاهرًا من امرأته؟ اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: لا يكون مظاهرًا؛ لأن الصفة لم توجد [138/ ب] وهو الظهار من الأجنبية، فإنه إذا تزوج بها لم تكن أجنبية.
ومنهم من قال: يصير مظاهرًا؛ لأن الصفة مع التعيين إذا اجتمعا بتعلق الحكم بالتعيين دون الصفة، ومثل هذا إذا قال: والله لا آكل هذه الرطبة فصارت تمرة، أو قال: لا آكل لحم هذه السخلة فصارت كبشًا، هل يحنث؟ وجهان.
ولو قال: إن تظاهرت من فلانة أجنبية فأنت عليَّ كظهر أمي فتزوج بها وظاهر منها كان مظاهرًا منها ولا يكون مظاهرًا من امرأته؛ لأن الصفة لم توجد، فإن قوله أجنبيةً بالنصب يقتضي أن تكون هذه الصفة حالًا لها في حال الظهار، فإنه نصب على الحال.
وإن تظاهر منها وهي أجنبية لا يصير مظاهرًا من امرأته؛ لأنه لا يصح منها الظهار.
وقال المزني: يصير مظاهرًا لأنه لا يراد بذلك إلا اللفظ، وهذا غلط لما ذكرنا.
ولو قال: أردت به من فلانة الأجنبية إن ظاهرت منها بعد الزوجية قبل منه ذلك، فإذا تزوج ها وظاهر كان مظاهرًا منهما جميعًا.
ولو قال: أردت به إن خاطبتها بلفظ الظهار فخاطبها كان أيضًا مظاهرًا منهما جميعًا إن كان قد تزوج بها.
وإن كانت أجنبية صار مظاهرًا من امرأته.
ولو قال: إن تظاهرت من فلانة فأنت عليَّ كظهر أمي، وفلانة أجنبية ولكنه لم يقل أجنبية فإن تظاهر منها وهي أجنبية لم يصح منها ولا من زوجته، وإن تزوج فظاهر منها كان متظاهرًا منهما قولًا واحدًا، مثل أن قال: والله لا أدخل هذه الدار وهي في التقدير لزيد، فباعها زيد فدخلها حنث؛ لأنه علق اليمين بعينها فكذلك هاهنا.
باب ما يوجب على المتظهر كفارة
مسألة: قال: "قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة:3] [139/ أ] قالَ: فالذِي علقتُ ما سمعتُ في "ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا" أنه إذا أتت على المتظاهرِ مدةً بعد القول بالظهار لم يحرمها بالطلاق الذِي تحرمُ بهِ وجبتْ عليهِ الكفارة".
الفصل
عندنا كفارة الظهار لا تلزم بنفس الظهار، بل تجب بشرطين؛ الظهار والعود، فالظهار معلوم والعود أن يمسكها عليه عقيب الظهار مدة يمكنه طلاقها فلا يفعل، فإذا تظاهر وعاد استقرت عليه الكفارة.
وقال سفيان الثوري: كفارة الظهار تجب بنفس الظهار، ومعنى الآية: والذين يظاهرون من نسائهم في الجاهلية ثم يعودون إلى ما قالوا في الإسلام.
وروي هذا عن مجاهد، وحكي ابن سماعة هذا عن أبي حنيفة رحمه الله،
واحتجوا بأن الله تعالى قال: ﴿وإنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ القَوْلِ وزُورًا﴾ [المجادلة:2]، فيجب أن ينطق به بالكفارة دون الإمساك فإنه مباح.
وقال داود وأهل الظاهر تجب بالظهار والعود، ولكن العود إعادة لفظ الظهار، فإذا كرر لفظ الظهار يصير بالثاني عائدًا إلى ما قال، وهذا لأن العود مشتق من الإعادة.
وقال مالك وأحمد: العود هو العزم على الوطئ، وهو رواية أخرى عن أبي حنيفة.
وقيل: إنه قول للشافعي في القديم، وذكره ابن أبي أحمد، وهذا لأنه قصد باللفظ تحريمها، فإذا عزم على الوطئ فقد عاد فيما قصد.
وقال الحسن وطاوس والزهري: العود الوطئ، ويروي هذا عن مالك، لأنه حرم على نفسه الوطئ فالعود أن يطأ.
وقال أبو حنيفة في الصحيح من الروايات عنه: كفارة الظهار لا تستقر في الذمة، بل هي شرط للاستباحة كالرجعة، فيقال له: إن أردت استباحة الوطئ تكفر، وإن لم ترد ذلك فلا تكفر، فإن وطئ قبل التكفير قلنا له: بئس ما فعلت ولا تعد إلى الوطئ حتى تكفر.
واحتج بأن العود إنما يكون في مقوله دون قوله، ومقوله التحريم [139/ ب] فالعود استباحتها، فمتى يريد الاستباحة يكفر، وهذا غلط؛ لأن قوله يقتضي تحريمها وإبانتها وزوال النكاح بينهما، فإذا أمسكها زوجة، خالف ما قاله وأحل ما حرمه، وهذا يسبق العزم على الوطئ، وكان هو الموجب للكفارة.
فإن قيل: أليس قال الله تعالى: "ثُمَّ يَعُودُونَ"، وثم للمهلة والتراخي والإمساك يعقبه لفظ الظهار؟ قيل: لا يعقبه، بل يكون العود بمضي زمان يمكن فيه الطلاق فلا يطلق وهو متراخٍ.
فإن قيل: ليس في خبر المستفتية عن ظهار زوجها أنها أخبرت بوجود العود.
قيل: لما أخبرت بالظهار ولم تخبر بالطلاق دل ظهاره على عدم الطلاق وقد مضى ما بين لفظ الظهار إلى زمان الاستفتاء ساعات محتملة للتطليق، فاستغنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسأل هل وجود هذا العود أم لا.
وأما ما ذكر سفيان الثوري لا يصح؛ لأن الله تعالى علق الكفارة بشرطين في الإسلام فلا يتعلق بأحدهما وهو الظاهر والعود بعده.
وأما ما ذكره داود لا يصح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المظاهر بالتكفير ولم يسأل هل أعاد اللفظ أم لا، ولأنها كفارة تجب باللفظ والشرط فلا يكون ذلك الشرط إعادة اللفظ ككفارة الإيلاء، ولأنه لم يقل: ثم يعودون إلى ما قالوا، بل قال: "لما قالوا"، وهذا يقتضي العود فيه لا العود إليه.
وأما ما ذكر مالك لا يصح؛ لأنها كفارة فلا تتعلق بالعزم على المخالفة ككفارة اليمين، ولأنه إذا احتمل اللفظ ما ذكرتم وما ذكرنا فما قلنا أولى؛ لأن الإمساك يضيق العزم.
وأما ما ذكره الزهري لا يصح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب الكفارة على أوس بن الصامت ولم يسأل عن وجود الوطئ، ولأنه أمسكها على الزوجية بعد التحريم الظهار فأشبه إذا وطئ، ولأن الله تعالى قال: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة:3] فأوجها قبل الوطاء.
[140/ أ] وأما ما ذكر أبو حنيفة لا يصح؛ لأنه أوجبها بالعود والظهار، وعنده يحصل العود بالكفارة وهو الاستباحة، ثم الاستباحة ليست من فعله فلا معنى
لشرطها في الكفارة، ولأنها كفارة تستقر في الذمة كسائر الكفارات.
مسألة: قال: "ولو أمكنهُ أن يطلقَها فلم يفعلْ لزمتهُ الكفارةُ، وكذلكَ لو ماتَ أو ماتتْ".
قال الشافعي في "الأم": "فإن تظاهر منها أو أمسكها مدة يمكنه طلاقها فلم يفعل فقد وجبت الكفارة، فإن طلقها لم تسقط الكفارة، وكذلك إن مات أو ماتت".
والمزني نقل بعضه فقال: "ولو أمكنه أن يطلقها فلم يفعل لزمته الكفارة، وكذلك إن مات أو ماتت" وحذف قوله: "فإن طلقها لم تسقط الكفارة" من وسط الكلام وأبطل معناه؛ لن معنى ما نقل أنه إذا أمسكها عقيب الظهار مدة مكنه طلاقها لزمته الكفارة، وكذلك لو لم يطلق ولكن مات أو ماتت، ولا خلاف بين أصحابنا أنه لو مات أو ماتت عقيب الظهار لم يكن عائدًا ولا كفارة.
نقل المزني العطف وترك العطوف، فخرج منه هذا السهو.
ومن أصحابنا من اعتقد له فقال: أراد المزني إن طلقها عقيب الظهار فلا كفارة، وكذلك إن مات أو ماتت، وهذا فقه واضح ولكنه غير ما قاله الشافعي وغير ما نقله المزني.
ثم اعلم أن مقصوده أنه لا تسقط الكفارة الواجبة بموته ولا بموتها خلافًا لأبي حنيفة فإنه قال: تسقط جميع الكفارات بالموت وهذا غلط، لأنها لزمته قبل موته فلا تسقط بموته.
وقال مالك: إذا مات بعد العزم على الوطئ الذي هو العود عنده سقطت الكفارة بعد وجوبها، ولو ظاهر ثم عجز في الحال عن الطلاق واتصل عجزه بالموت لا يلزم الكفارة؛ لأنه لم يحصل العود.
مسألة: قال: " ومعنى قولُ الله تعالى: [140/ ب] ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا" وقت لأن يؤدَى فيهِ مَا وجبتْ عليهِ قبلَ المماسةِ حتى يكفرَّ﴾.
الفصل
بين الشافعي أن وقت الكفارة قبل الوطئ، وأنها موسع الوقت، وأن تحريم الوطئ إلى أن يكفر عقوبة فيه مضمومة إلى الكفارة، ومن الحدود ما ضم إليه تغليط آخر كضم النفي إلى الجلد في الزنا وضم التفسيق إلى الحد في القذف كذلك ها هنا.
مسألة: قال: "فإذا منعَ الجماعُ أحببتُ أن يمنعَ من القبلِ والتلذذِ احتياطًا".
الفصل
إذا عاد المظاهر يحرم عليه الوطئ حتى يكفر لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾، وأما غير الوطئ من القُبلة واللمس بالشهوة والوطئ دون الفرج، قال في "الجديد" ونقله المزني: "أحببت أن يمتنع احتياطًا".
وقال في "القديم": رأيت أن يمنع ذلك.
فقيل: فيه وجهان، وقيل: قول واحد أنه لا يحرم.
وقوله في "القديم": رأيت
أن يمنع" أراد احتياطًا واستحبابًا، ووجه قوله القديم وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد في رواية، وهو اختيار جماعة من أصحابنا، أن الله تعالى قال: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾، واسم المسيس يقع على الوطئ وما دونه، ولأنه لفظ يقع على التحريم في الزوجية فتحرم الدواعي كالطلاق، ووجه قوله الجديد وهو الأظهر أنه عارض في النكاح لا يزيل الملك بحال فلا تحرم الدواعي كالحيض والنفاس، أو وطئ محرم لا يتعلق به وجوب مال فأشبه ما ذكرنا.
مسألة: قال: "فإنْ مسَ لمْ تبطلْ الكفارةُ".
المظاهر إذا وجبت عليه الكفارة يحرم عليه وطئها ما لم يكفر، ووقت أداء الكفارة ما لم يطأ، فإن وطأ خرج وقت أدائها وكان تحريم وطئها قائمًا، ولا كفارة عليه بهذا الوطئ ولا يقربها مرة أخرى حتى يكفر، ومتى كفر بعد الوطئ كان قضاء، كما تقول في الصلاة إذا صلاها في الوقت كان أداء، وإن صلاها بعد خروج الوقت [141/ أ] كانت قضاء.
وقال سعيد بن جبير والزهري: تسقط عنه الكفارة؛ لأنها وجبت قبل المسيس وقد فات وقتها، وهذا غلط؛ لأن الثابت يقضي كصوم رمضان والصلاة.
وقال عمرو بن العاص ومجاهد وعبد الرحمن بن مهدي: يلزمه بالوطئ كفارة أخرى، وهذا أيضًا غلط لما ذكرنا من خبر ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمظاهر بعد الوطئ: "اعتزلها" حتى يكفر ولم يوجب كفارة أخرى.
وروي سلمة بن صخر البياضي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المظاهر يواقع قبل أن يكفر: "يكفيه كفارة واحدة".
مسألة: قال: "ولو أصابَها وكفرَّ بالصومِ لم ينتقضْ صومَه".
من وجبت عليه الكفارة كانت علي الترتيب، فيلزمه عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكينًا، فإن كان من أهل الصيام فدخل في الصوم ثم أكل أو جامع عمدًا نهارًا بطل صومه وعليه أن يستأنف شهرين، وإن لم يبطل صومه بأن أكل أو جامع ناسيًا أو مكرهًا لم يبطل صومه ولا شيء عليه، وكذلك إن وطئ ليلًا لم يقدم ذلك في الصوم ومضى على الكفارة، ولكنه يمضي بذلك.
وبه قال أبو يوسف وأحمد في رواية.
وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد في الرواية الثانية: إذا وطئ المظاهر عنها كيفما كان في أثناء الصوم بطل صومه ناسيًا كان أو عامدًا، ليلًا كان أو نهارًا، ويلزم استئناف شهرين متتابعين.
واحتجوا بأن الله تعالى قال: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة:4]، فأوجب شيئين؛ إخلاهما عن المسيس، وتقدمها عن المسيس، وقد عجز الآن عن تقدمها على المسيس ولم يعجز عن إخلاهما عن المسيس، فوجب عليه ما قدر وسقط ما عجز [141/ ب] وهذا غلط؛ لأنه وطئ لم يلق الصوم فلا يلق الصوم، كما لو وطئ غير المظاهر عنها ليلًا.
وأما الآية فهي دليلنا؛ لأن المأمور بتقديم الشهرين على المسيس مأمور بتقديم كل واحد من الشهرين على
المسيس، فإذا وطئ ليلًا بعد صوم شهر فقد قدم شهرًا على المسيس فيصوم شهرًا آخر بعده، وهو أحسن من أن يصوم شهرين بعد المسيس، وهذا لصلاة العصر مأمور بأدائها قبل الغروب، فأداء ركعتين منها قبل الغروب وركعتين بعدها أحسن من أدائها بعد الغروب.
مسألة: قال: "ولو تظاهرَ فاتبعَ الظهارِ طلاقًا تحلُ فيهِ قبلَ زوجِ".
الفصل
متى اتبع الظهار طلاقًا لم يكن عائدًا بائنًا كان أو رجعيًا على ما ذكرنا.
ولو طلقها عقيب الظهار ثم كفر بالمال قبل مراجعتها فيه وجهان.
مسألة: قال: "ولو تظاهرَ منها ثمَّ لاعنَها مكانهُ بلَا فصلِ سقطَ الظهارُ".
اختلف أصحابنا في صورة المسألة، فمنهم من قال: صورتها أنه قذفها وحملها إلى الحاكم وأتى بألفاظ اللعان الأربعة وبقيت عليه الخامسة التي يقع بها الفرقة، فظاهر منها ثم أتى بكلمة اللعنة التي هي الخامسة وهو اختيار ابن الحداد، فأما إذا اشتغل بألفاظ اللعان الأربعة فقد مضى زمان يمكنه فيه الطلاق ولم يطلق فيه، فيصير عائدًا ويستقر حكم الظهار، والكلمة الخامسة تعذر زمان الطلاق.
وقال أبو إسحاق وابن أبي هريرة: هذا خطأ، وصورة المسألة أنه ظاهر وابتدأ باللعان عقيبه فلا يكون عائدًا ولا كفارة عليه؛ لأنه أخذ في تحقيق التحريم والفسخ يحصل بجميع ألفاظه، وكونه أفضل من لفظة الطلاق لا يوجب حصول العود، كما لو ظاهر من نسائه ثم مال عقيبه: أنت يا زينب، ويا عمرة، ويا فلانة طوالق، وعلى هذا لو قذف عقيب الظهار ثم لاعن كان عائدًا؛ لأن القذف [142/ أ] ليس من الألفاظ التي تقع بها الفرقة، وقال في "الإفصاح": وقد قيل: إنه وإن قذف عقيب الظهار وأخذ في اللعان فلا كفارة عليه، لأن القذف من أسباب الفرقة، وذكره المزني في "الجامع الكبير".
قال ابن سريج: لا يفرق هذا للشافعي ولا وجه له، لأن القذف يوجب عليه الحد، ولكن له إسقاطه بالبينة أو اللعان إذا طالبه به، ولا يحصل اللعان بالقذف، وباللعان مع الفرقة لا بالقذف.
وقال القفال: ما ذكره في "الجامع الكبير" أصبح حتى لو قذف بعد الظهار في بينة ثم اشتغل بأسباب اللعان من المرافعة إلى الحاكم والدعوة إلى أن تم اللعان بينهما فلا كفارة، وإن لم يظفر بالحاكم إلا بعد مدة، وهذا كما أنه يبيع عبدًا غائبًا ويشتغل بأسباب تسليمه فيجوز ولا يجعل ذلك بيعًا تراخي فيه التسليم عن حالة العقد، وهذا غير صحيح عند أكثر أصحابنا لما ذكرنا.
فرع
قال ابن الحداد: لو قال لها: أنت عليّ كظهر أمي يا زانية، أنت طالق، يلزمه
اللعان.
وهذا على المذهب المشهور أن بالقذف عقيب الظهار يصير عائدًا، وعلى ما ذكرنا في "الجامع الكبير" لا يكون عائدًا ولا كفارة لأنه ينسب إلى اللعان الموجبة للفرقة.
مسألة: قال: "وقالَ في كتاب "اختلاف أبي حنيفة وابنُ أبِي ليلى": لو تظاهرَ منهمَا يومًا فلمْ يصبهَا حتى انقضى لمْ تكنْ عليهِ كفارةٌ".
قد بينا حكم الظهار المطلق، فأما الظهار الموقت كقوله: أنت عليّ كظهر أمي يومًا أو سنة فيه قولان: أحدهما وهو الذي نقله المزني: يكون ظهارًا، وبه قال أبو حنيفة وأحمد، واختاره المزني؛ لأنه حكم ثبت لكونه منكرًا وزورًا، وهو موجود في الوقت، وقد روي في خبر مسلمة بن صخر أنه قال: تظاهرت منها حتى ينسلخ شهر رمضان، وحكم النبي صلى الله عليه وسلم فيه بحكم الظهار المطلق، واحتج المزني بهذا القول [142/ ب] فقال: أصل قوله أن المتظاهر إذا حبس امرأته مدة يمكنه الطلاق فلم يطلقها فيها فقد عاد وجبت الكفارة عليه، وقد حبسها بعد التظهر يومًا يمكنه الطلاق فيه فتركه فعاد إلى استحلال ما حرم، فالكفارة لازمة له في معني قوله.
والثاني: ذكره في اختلاف العراقيين: لا تكون ظهارًا، وبه قال مالك والليث وابن أبي ليلى؛ لأن الظهار إذا أطلق تحريمها كإطلاق تحريم الأم، فإذا علق تحريمها في وقت دون وقت لم يصح، كما لو شبهها بامرأة محرمة عليه وكانت حلالًا له لم يصح الظهار، ويؤكده أن الظهار المعهود في الجاهلية والإسلام هو الظهار المطلق، والترتيب خارج عن موضوعه.
فإذا قلنا بهذا القول فإن لم يطأها حتى انقضت المدة فلا كفارة، وإن وطئها في المدة فيه وجهان؛ أحدهما: يلزمه كفارة يمين على ظاهر ما قاله في هذا الموضع، ويصير بخروجه من الظهار محرمًا لها بغير ظهار فتلزمه الكفارة، كما لو إلى منها ثم وطئ.
والثاني وهو الأصح: لا كفارة عليه؛ لأن لفظ التحريم موجب للكفارة في الحال من غير أن يتعلق بالوطئ والإيلاء يمين، وهذا غير حالف فيكون قول الشافعي في كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى عليه الكفارة محمولًا علي أنه جمع بين الإيلاء وهذا ظهار، فعاد جوابه إلى الإيلاء دون الظهار، وهذا قول أبي الطيب بن سلمة.
وقال الإمام أبو محمد الجويني: إلحاق الشافعي هذه المسألة باليمين وكفارتها يوهم أنه لو جامعها في الظهار الموقت قبل انقضاء ذلك الوقت كانت كفارته كفارة اليمين وليس كذلك، بل كفارته كفارة الظهار، نص عليه الشافعي في غير هذا الموضع، وإنما ألزمناه كفارة الظهار كالمظاهر، لأنها وجبت بسبب لفظ الظهار والمنكر من القول والزور وإن لم نجعله في جميع أحكامه كالمظاهر.
وإذا قلنا: يكون ظهارًا فانقضى زمانه زال الظهار، [143/ أ] إلا أنه إذا لم يطلقها عقيب الظهار وأمسكها في اليوم هل يكون عائدًا؟ ظاهر نصه أنه لا يكون عائدًا، وإنما العود منه بالوطئ في المدة؛ لأن
إمساكه إياها لا يدل على العود لجواز أن يمسكها؛ لأنها تحل له بعد اليوم فجعل العود فيه الوطئ فإن لم يطئ حتى ذهب الوقت سقط حكمه؛ لأن العود لم يحصل، وإن وطئ يلزمه كفارة الظهار ولا يحل الوطئ أيضًا بعده في ذلك اليوم حتى يكفر.
ومن أصحابنا من قال: يكون عائدًا بالإمساك؛ لأنه أمسكها على النكاح زمانًا يمكنه فيه الطلاق، وهذا اختيار المزني.
وقال القفال: إذا قلنا إنه يكون ظهارًا هل يكون مؤبدًا أو مؤقتًا؟ وجهان؛ أحدهما: مؤبد، فالطلاق المؤقت يتأبد، وعلى هذا يكون العود فيه كالعود في المطلق.
والثاني وهو المنصوص: أنه مؤقت، وهذا خلاف النص الصريح، ويحكي عن مالك هذا القول أنه يصير مطلقًا ويسقط التأقيت، وهو غلط لما ذكرنا.
وقيل: أصل هذا الخلاف أن الظهار هل يسلك مسلك الإيلاء أو مسلك الطلاق؟ وفيه قولان.
وقال القفال: العود نفس الجماع في قوله القديم، وأصل هذين القولين ها هنا أن العود ماذا؟ فإن قلنا بأنه الجماع فها هنا يصير عائدًا بالجماع ويلزمه الكفارة به، وإن قلنا إنه بالإمساك فها هنا كذلك أيضًا، وهذا غريب والاعتياد على ما سبق.
مسألة: قال: "ولو تظاهرَ وآلي، قيل له: إن وطئتْ قبلَ الكفارةِ خرجتَ من الإيلاءِ".
الفصل
قد مضت هذه المسألة بشرحها في كتاب الإيلاء، والمقصود أن الوطئ بعد الظهار لا يصير حلالًا بسبب الإيلاء وقد ذكرنا أنه هل يتحتم بتحريم الوطئ طلاقًا ويتعين؟ فيه وجهان؛ أحدهما: يتعين.
ن والثاني: لا يتعين؛ لأن عجزه عن الوطئ بالتحريم كعجزه عنه بالمرض فيفيء بلسانه فيء معذور، ثم يوحد التفكير [143/ ب] عن ظهاره ولا يمهل فيه مع المكنة منه، فإذا كفر زال عذره ولزمه أن يفيء بالإصابة كالمريض إذا صح من مرضه.
باب عتق المؤمنة في الظهار
مسألة: قال الله تعالى في المظاهر: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ قال "فإذا كانَ واحدًا لها أو لثمنَها لم يجزْئهِ غيرها".
قدمنا أن كفارة الظهار على الترتيب ككفارة الفطر على الترتيب، فإن كان في ملكه رقبة لزمه إعتاقها، وكذلك إن لم يكن في ملكه ولكنه قادر على ثمنها فتمكن من شرائها بثمن مثلها يلزمه ذلك، ولا يجوز له العدول إلى الصوم، ويفارق هذا إن لم يكن في ملكه ابنة مخاض وقدر على شرائها يلزمه شراؤها، ويجوز له العدول إلى ابن لبون وقد ذكرنا الفرق بينهما فيما تقدم.
فرع
لو لم يجد الرقبة فنوى في الليل صوم شهرين من الغد فقبل طلوع الفجر وجد الرقبة يلزمه الانتقال إليها؛ لأن الرقبة موجودة قبل الشروع في المقصود من أي البدل، ولو لم يطلب الرقبة فنوى في الليل الصوم ثم طلب الرقبة في الليل مع تحمل المشقة ولم يجدها، فطلع الفجر ولم يعد النية بعد الطلب لا تصح النية؛ لأنه تقدم وقت الجواز فصار كما لو تيمم قبل الطلب ثم طلب الماء ولم يجد لا يصح تيممه، ولو طلب الوقت قبل وجوبها ولم يجدها فلما وجبت نوي وكن ليلًا ولم بطل الفصل من وقت الطلب لم تصح النية أيضًا كما لو طلب الماء قبل وجوب التيمم، فلما وجب تيمم لم يجز، هكذا ذكره والدي رحمه الله.
ويحتمل وجهًا آخر أنه لا يصح؛ لأن العدم متحقق.
مسألة: قال: "وشرطَ اللهُ عزَ وجلَ في رقبةِ القتلِ مؤمنةً كما شرطَ العدلُُ في الشهادةِ [144/ أ] وأطلقَ الشهودَ في مواضعَ".
الفصل
لا يجزئ من كفارة الظهار وغيرها إلا رقبة مؤمنة، وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق، والأوزاعي.
وقال أبو حنيفة، وعطاء، والثوري، والنخعي: لا يشترط إلا في كفارة القتل.
ويحكي هذا عن الأوزاعي أيضًا، وهذا غلط؛ لأنه عتق في كفارة يشترط فيه الإيمان كما في كفارة القتل.
واحتج الشافعي بأن الله تعالى لما شرط العدالة في موضع في الشهود وأطلق في سائر المواضع حمل المطلق على المقيد.
واحتج أيضًا بأن الصدقات لما لم تصرف إلى المؤمنين كذلك العتق وتحريره، فإنه حق مال يجب على سبيل الطهر كالزكاة.
واحتج أصحابنا فيه بما روي عن الشريد بن سويد الثقفي قال: قلت: يا رسول الله، إن أمي أوصت إلى أن أعتق عنها رقبة، وإن عندي جارية سوداء نوبية، فقال: "ادع بها" فقال: "من ربك؟ قالت: الله.
قال: "فمن أنا؟ " قالت: رسول الله.
قال: "اعتقها فإنها مؤمنة".
فدل أنه يشترط الإيمان في كل عتق واجب.
فرع
لو نذر أن يعتق رقبة وأطلق، هل يشترط الإيمان؟ لا نص فيه، واختلف أصحابنا فيه على وجهين؛ أحدهما: يشترط قياسًا على الرقبة الشرعية.
والثاني: لا يشترط للإطلاق.
مسألة: قال: "فإن كانتْ أعجميةُ وصفتْ بالإسلامِ".
أراد بالعجمية من لا يحسن العربية لا يختص هذا بالفرس والروم والنبط في ذلك
واحد.
ومعنى قوله: "وصفت بالإسلام" أي علقت ووصفت، فأما إذا لقنت وتلقنت ولم تعرف ذلك لا يجوز، وهذا لأن الشرط حصول الإسلام.
فإذا تقرر هذا إن كان المعتق يحسن العجمية يسمعها تصف الإسلام بالعجمية أجزاه ذلك، وإن لم يحسن [144/ ب] العجمية لابد من شاهد وعدلين يشهدان بأنها وصفت الإسلام جاز إعتاقها عن الكفارة أعجمية كانت أو عربية، فما فائدة قوله: فإن كانت أعجمية؟ قلنا: مقصود الشافعي إنها متى وصفت أصل الإسلام أجزأت، وإن كانت لا تهتدي إلى فروع الإسلام ومشاعره وتوابعه وكانت العرب سابقين إلى الإسلام فربما كان العربي في ذلك الزمان يعرف ويحسن من الإسلام وأحكامه ما لا يعرف العجمي غير أن العجمي إذا شارك العربي في أصل الإسلام مشاركه في اسم الإسلام وحكمه، وكأن قال: إذا وصفت الإسلام أجزأته ورن كانت أعجمية.
مسألة: قال: "فغنْ أعتقَ صبيةً أحدَ أبويَها مؤمنٌ، أو خرساءَ جليبةَ تعقلُ الإشارةَ بالإيمانِ أجزأهُ".
الصبي إذا كان أبواه مسلمين، أو أبوه يحكم بإسلامه بلا خلاف، وإن كانت أمه مسلمة وأبوه كافر يحكم بإسلامه عندنا خلاف لمالك، وهذا لأن من تبعه الحمل تبعه الولد المنفصل كالأب.
وقال عطاء: لا يصير الولد مسلم حتى يسلم أبواه معًا، فإذا تقرر هذا يجوز إعتاقه عن الكفارة، وإن كان لهن يوم مثلًا؛ لأن القصد تكميل الشخص لا القيمة ولا المنفعة في الحال.
وحكي عن أبي إسحاق أنه قال: إذا أعتق وصيفًا لا يجوز، ثم رجع وقال: يجوز؛ لأن الله تعالى أطلق الرقبة ولم يفصل.
وقال أحمد: لا يجوز عتقه إلا بعد البلوغ؛ لأنه لا يقدر على علم وإيمانه ناقص أيضًا.
وهذا غلط؛ لأنه إيمانه كامل ولهذا يقتل به المؤمن البالغ وهو سليم الخلق وترجي منفعته وقال مالك: لا يجوز إلا عد أن يصلي ويصوم بعد البلوغ.
وحكي عن مالك أنه قال: أحب أن لا يعتق إلا بالغًا.
وعندنا يستحب هذا أيضًا فلا خلاف على هذا.
وحكي عن أحمد [145/ أ] أنه قال: يعجبني أن لا يعتق إلا من يعبر عن نفسه لقوله صلى الله عليه وسلم "الإيمان قول وعمل"، وهذا إشارة إلى الاستحباب فيرتفع الخلاف معه أيضًا.
فإن قال قائل: أي فائدة في نصوص الشافعي رحمه الله تعالى مسألة الإيمان في الأنثى حيث قال: "وإن أعتقَ صبية أحد أبويها مؤمن"، وعلى هذا أجري أكثر المسائل؟ قلنا: يحتمل أنه قصد متابعة لفظ الكتاب حيث قال تعالى:" فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ" واسم الرقبة تأنيث، ثم ينطلق ذلك على الذكر والأنثى، ويحتمل أنه قصد جزالة اللفظ، فإن اللفظ في كنايات الأنثى أجزل وأفصح، وهذا نظير ما قال في كتاب الزكاة: "ولو تسلف الرجلين بعيرًا فأتلفاه".
الفصل
ولو تسلف الرجل واحد كان حكمه كما لو تسلف لرجلين، ولكن اللفظ في الاثنين وكناياتها أجزل وأفصح.
وأما الرقبة الخرساء قال الشافعي رحمه الله في "الجديد": يجوز إعاقته إذا كانت تعقل الإشارة" وقال في "القديم": لا يجوز الأخرس في الكفارة وبه قال مالك وأبو حنيفة رحمهما الله؛ لأنه ينقص قيمتها به كالعمى، فقيل: في المسلمين قولان وهو ضعيف، وقيل: هما على حالين، فإن كانت أصم لا يجوز وإن كانت تعقل الإشارة وإن لم يكن مع الخرس صمم يجوز، والدليل على جوازه أن الخرس نقص لا يضر بالعمل فلا يمنع الأجزاء كالطرش، وبه فارق الأعمى.
فإذا تقرر هذا، فإن كانت مسلمة تبعا أجرأت، وإن كانت بالغة مجلوبة أو كانت من أبوين كافرين فأشارت بالإسلام إشارة مفهومة، قال: ها هنا تجزأ.
وروى الربيع في كتاب "الأم" إذا أشارت الخرساء بالإسلام وصلت جاز عتقها".
فقيل: ذكر الصلاة تأكيدًا لا شرطًا ولهذا ترك المزني نقل الصلاة لأنه علم أن الشافعي ذكره احتياطًا لا شرطا.
وقال بعض أصحابنا: صلاة الأخرس شرط في صحة إسلامه بالإشارة، وحملوا إطلاق المزني [145/ ب] على تفسير الربيع؛ لأن الإشارة استدلال يختص بالأخرس والصلاة فصل يشترط فيه الناطق والأخرس فإذا أمكن اختيار إسلامه بما يشتركان فيه لم يجز الاقتصار على ما يختص به ولأن الإشارة لا تصرح وهي ضعيفة، فأكدت بفصل الصلاة.
فإن قيل: ما فائدة قوله: "جليبة" ولا فرق بين المجلوبة والولد في بلاد الإسلام؟ قلنا: الجواب عنه ما مضى في تقييده بالأعجمية، فإن المجلوبة تكون هي العجمية.
واعلم أن المستحب أن تكون ناطقة بكلمة الإيمان فلذلك أنفي للريبة وأبعد من الاختلاف.
مسألة: قال: "ولو سُبيتْ صبيةٌ معَ ابويهَا كافرين فعَقَلَتْ ووصَفَتْ الإسلامَ وصلَّتْ إلا أنها لمْ تبلغَ لمْ تجزئهُ".
فصل
إذا سبي الصغير مع أبويه أو أحدهما لم يصر مسلمًا بإسلام السابي، وإنما يصير مسلمًا بإسلامه إذا لم يكن معه أحد أبويه.
وفيه وجه لا يصير تبعًا للسابي أصلًا في الإسلام لعدم البعضية، وهو خلاف مفهوم كلام الشافعي ها هنا، فإن أسلم هذا الصغير بنفسه فقد ذكرنا فيما تقدم أنه لا يجوز إسلامه على ظاهر المذهب، وفيه وجهان آخران؛ أحدهما يجوز إسلامه دون ردته، وهو اختيار الاصطخري.
والثاني: يراعي على ما يكون منه حال بلوغه، فإذا قلنا: لا يصح إسلامه لا يجوز إعاقته عن الكفارة.
وإذا قلنا: يجوز إسلامه يجوز إعتاقه عن الكفارة.
وإذا قلنا: يراعى فأعتقه عن
الكفارة ثم بلغ، فإن وصف الكفر لم يجز، وإن وصف الإسلام هل يجوز؟ فه وجهان؛ أحدهما: يجوز لأنه محكوم بإسلامه، وهو اختيار القفال.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه ناقص الدين بدليل أنه يقر على الكفر ولم يحكم بإسلامه حال إعتاقه.
وقال في "الحاوي": قال الداركي وجماعة من أصحابنا: يحكم بإسلامه ظاهرًا، وفي الباطن موقوف على بلوغه، فإن أقام عليه ثبت في الباطن أيضًا، وإن أظهر الكفر لم يقبل منه [146/ أ] في الظاهر وكان مقبولًا في الباطن، فعلى هذا لو اعتقه عن الكفارة ومات قبل أن يصف الكفر أو الإسلام أجزأه في الظاهر دون الباطن، وإن أظهر الإسلام أجزأه في الظاهر والباطن وجهًا واحدًا.
مسألة: قال: "ووصفهَا بالإسلامِ أن تشهَد أَنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وأَنْ محمدٌ رسولُ اللهِ وتبرأَ منْ كلِّ دينٍ خالفَ الإسلامَ".
هذا الذي ذكره الشافعي - رحمه الله - في "الجديد" أكمل ما يكون في وصف الإيمان.
وقال في "القديم": إذا أتى بكلمة الشهادتين كان مسلمًا ولم يعتبر البراءة من كل دين خالف الإسلام.
قال أصحابنا: إنما اعتبر الشافعي البراءة من كل دين خالف الإسلام؛ لأن اليهود ومن يعتقد أن محمدًا، مبعوث إلى العرب الآدميين دون أهل الكتاب وهذا قول الجبرية من اليهود.
فأما من لا يعتقد نبوته أصلًا أو كان من عبدة الأوثان يكفي أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإن لم يتعرض للبراءة يجوز.
وهو اختيار أبي إسحاق، وهو المذهب، وليست المسألة على قولين.
وأما الإقرار بالبعث بعد الموت والجنة والنار لا يعتبر ولكنه يستحب امتحانها بذلك وبسائر شرائط الاعتقاد، فإن أعتقه عن الكفارة ثم رأيناه ينكر البعث جعلناه مرتدًا من الآن والعتق مجزئ.
فرع
الكافر الذي يقول مع الله إلهًا آخر من عبدة الأصنام والوثنية والنصارى الذين يقولون ثالث ثلاثة إذا قال: لا إله إلا الله اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: يحكم بإسلامه ويجز على أن يقول محمد رسول الله، فإن لم يقل ذلك فهو مرتد.
وأما من يقول في دينه: لا إله إلا الله كاليهودي والنصراني لا بد له أن يقول: محمد رسول الله ويصير مسلمًا بهذا القدر وحده، والذي يقول: [146/ ب] محمد رسول الله إلى بعض الناس دون بعض يحتاج أن يقول محمد رسوله الله بعث إلى الناس كافة، ففي الجملة يجب أن يقر بشيء مما يخالف أصل دينه من أصول دين الإسلام، أو يقول: تبرأت من كل دين خالف الإسلام حتى يصير به مؤمنًا، وهذا اختيار القفال.
ومنهم من قال: لا يحكم بإسلامه حتى يأتي بالشهادتين، وهو ظاهر كلام الشافعي ها هنا، وهو المذهب،
وقال في "الحاوي": إذا أتى بالشهادتين والبراءة من كل دين خالف الإسلام، هل هو شرط في صحة الإسلام؟ ثلاثة أوجه؛ أحدها ما ذكرناه.
والثاني: أنه شرط ليزول الاحتمال عن شهادته لما روي أن رجلًا من اليهود أتى في جماعة من أصحابه إلى رسول الله، فسأله عن معالم الدين، فأخبره بها فقال: أشهد انك نبي حق.
فقال له ولمن معه: "ما منعكم أن تتبعوني؟ " فقالوا: نخاف أن تقتلنا اليهود؛ لأن داود، دعا أن يجعل الله النبوة في ولده، فلم يجر عليه حكم الإسلام مع الاعتراف بنبوته؛ لأنه لم يتبرأ من دينه.
والثالث: أنه شرط في الإسلام من زعم أن محمدًا، نبي مبعوث إلى ولد إسماعيل دون إسحاق، أو هو مبعوث في آخر الزمان، وهو قول بعض النصارى، ولا يشترط في غيرهم، وهذا اختيار القاضي أبي حامد وجماعة، وهذه الطريقة غريبة.
باب ما يجزئ من الرقاب وما لا يجزئ
مسألة: قال: "ولا يجزئُ في رقبةِ واجبةِ رقبة تشترى بشرطِ أَنْ تعتقَ".
ظاهر المذهب انه يصح الشراء بشرط العتاق كما نص ها هنا، والقياس أن البيع باطل؛ لأنه شرط ما يضاد موضوع العقد، ثم إذا صححنا [147/ أ] البيع يجب إعتاقه، وهل يجبر المشتري على العتق أو لا يجبر، ويكون للبائع الخيار؟ وجهان: فإن قلنا: يجبر حقًا لله تعالى لا بد من الإعتاق، ثم لا يجزئ عن الكفارة؛ لأنه مستحق بسبب آخر، وعلل الشافعي هاهنا فقال: "لأنه بضع من ثمنها"، ومعناه أنه إذا اشترى بهذا الشرط فقد حوبي في ثمنه، وإنما حوبي على أن يكون للذي حابى فيه نصيب فلا يجزيه ذلك؛ لأنه يعتق رقبة كاملة.
وإن قلنا: إنه لا يجبر ويكون للبائع الخيار فما دام يطالب الإعتاق فأعتقه عن الكفارة لا يجوز؛ لأنه يسقط به حقًا وهو خيار البائع وإن عفي البائع ثم أعتق المشتري بعد ذلك عن الكفارة فيه وجهان؛ أحدهما: يجوز لأنه لم يجب عتقه بسبب آخر واعتقه مختارًا.
والثاني: لا يجوز لما ذكر الشافعي من العلة؛ لأن ذلك يضع من ثمنها ولم يفصل، ذكره القفال واختار أبو حامد هذا الوجه الثاني، وعلل بأنه لم يقع العتق خالصًا عن الكفارة، بل وقع مشتركًا بينها وبين المعتق بالشرط، ولا فرق فيما ذكرنا بين كفارة القتل وكفارة الظهار وكفارة اليمين والرقبة التي وجب إعتاقها بالنذر.
مسألة: قال: "ولا يجزئُ فيهَا مكاتبٌ أدى مِنْ نجومهِ شيئًا أو لمْ يؤدهِ".
لا يجوز عتق المكاتب عن الكفارة بحالٍ، وبه قال مالك، والثوري، والأوزاعي، وأبو عبيد، وزفر، وأحمد في رواية.
وقال أبو حنيفة: "إن لم يؤد شيئًا من نجومه يجوز
إعتاقه عن الكفارة، وإن أدى شيئًا من نجومه لا يجوز في اظهر الروايتين"، وبه قال الليث، وأحمد في الرواية الثانية.
وقال أبو ثور: يجوز إعتاقه عن الكفارة سواء ادى بعض النجوم أو لا، واحتجوا بأنها رقبة تامة الرق سليمة الخلق لم يؤخذ عن شيء منها عرضًا فجاز إعتاقها كالقن، وهذا غلط [147/ ب] لأن عتقه مستحب سابق فلا يجوز صرفه إلى الكفارة كعتق أم الولد، وبهذا فارق القن.
واحتج الشافعي ها هنا بأن قال: "إنه ممنوع من بيعه"، وهذه العلة لا تستغني من الاحتراز؛ لأن الراهن ممنوع من بيع المرهون، ولو اعتقه عن الكفارة أجزأه على القول الذي يقول بنفوذ عتقه، غير أن الشافعي أراد لأنه ممنوع من بيعه بسعيه الحرية وهي الكتابة فنزلت منزلة أم الولد.
مسألة: قال: "ولا تجزئُ أمَّ الولدِ منْ قولِ منْ لا يبيعهَا".
لا يجوز إعتاق ام الولد عن الكفارة بحال؛ لأن فيها شعبة الحرية بالاستيلاد، وقوله: "في قول من لا يبيعها" ليس بتعليق القول في جواز بيع أم الولد؛ لأن الصحابة - رضي الله عنهم - اختلفوا في بيعها في العصر الأول ثم العصر الثاني والثالث أجمعوا على أنه لا يجوز بيعها، واختلف أصحابنا في إجماع العصر الثاني، هل يرفع خلاف أهل العصر الأول على وجهين.
وفي هذا إشارة إلى انه لا يرفع خلافهم، والمزني أوهم أن الشافعي علق القول في جواز بيعها ثم اختار أنها لا تباع.
قال: وقد قطع بهذا الجواب في خمسة عشر كتابًا، والحق ما اختاره، والمسألة على قول واحد.
وقيل: قوله: "في قول من لا يبعها" تنبيه على الخلاف؛ لأن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - اختلف رأيه واجتهاده في بيعها، فكأنه قال: من جوز بيعها أجزأت عنده الكفارة، وهو قول جميع الفقهاء اليوم، ولم يقصد تعليق القول.
وقال القفال: في بيعها قولان: وفي عتقها عن الكفارة قولان أيضًا، وفي المكاتب قول بعيد انه يجوز بيعه ولكن لا يجوز عتقه عن الكفارة بكل حالٍ، والفرق أن أمية الولد تزول بالبيع حتى لا تعتق بموت المشتري، والكتابة لا تزول بالبيع، فإنه لو أدى النجوم عتق، وهذا غريب.
وقال طاوس، [148/ أ] وعثمان البتي، وداود: يجوز عتقها عن الكفارة، وجوز داود بيعها وأبطل عثمان البتي بيعها، ولا نص عن طاوس في البيع، وهذا غلط لما ذكرناه.
فرع
قال في "الأم": ويجوز عتق المدبر والمدبرة عن الكفارة سواء قلنا إنه يمكن الرجوع عن التدبير قولًا أو لا يمكن إلا بالإخراج من ملكه، سواء قلنا التدبير وصية، او قلنا إنه عتق بصفةٍ؛ لأن إعتاق المعلق عتقه بصفةٍ.
وقال مالك وأبو حنيفة،
(والأوزاعي): لا يجوز عتق المدبر عن الكفارة؛ لأنه لا يباع عنده، وهذا غلط؛ لأنه يعتبر عتقه من الثلث فأشبه الموصى بعتقه.
مسألة: قال: "ولو أعتقَ مرهونًا أو جانيًا جنايةَ فأدى الرهنَ والجنايةَ أجزأهُ".
قد ذكرنا في عتق الراهن المرهون ثلاثة أقوال، والأظهر انه إن كان موسرًا نفذ عتقه وتوضع قيمته رهنًا مكانه، وإن كان معسرًا لا ينفذ، فإذا قلنا: ينفذ يجوز عتقه عن الكفارة، وقول الشافعي هاهنا: "فادى الرهن أو الجناية أجزأه".
اختلف أصحابنا فيه، فقال أبو إسحاق يكون العتق موقوفًا على أداء الدين أو وضع قيمته رهنَا مكانه، ولا يحكم بجواز عتقه في الحال لظاهر هذا اللفظ، وقد ذكرنا في كتاب الرهن أنَّا إذا لم نجوز عتق الراهن فأخرجه من الرهن هل ينفذ ذلك العتق؟ وجهان أو قولان، وهذا جواب على أحد القولين، وهو اختيار جماعة مشايخ خراسان والقاضي الطبري.
قال القاضي: هذا نص الشافعي وأجراه مجرى الشريكين إذا أعتق تصيبه، فإن شراية العتق تكون موقوفة على الداء في أصح الأقوال، فإذا أدى المال تبينا انه شراء.
وقال أبو حامد: هذه من زلات أبي إسحاق؛ لأن الناجز لا يتوقف، بل نقول: ينفذ ويطالب بقضاء الدين أو دفع رهنًا غن لم يكن جل الدين، [148/ ب] أو نقول: لا ينفذ.
وتأويل كلام الشافعي أجزأه الأداء عن حق الرهن دون العتق وهذا بعيد؛ لن الشافعي يتكلم في حكم الكفارة دون حكم الرهن، والأولى أن نقول: ينفذ ويجوز عن الكفارة.
وقوله: "فأدى الرهن" لم يذكر على وجه الشرط.
وأما العبد الجاني فهل يجوز عتقه؟ قد ذكرنا أنه كالمرهون، وحكم الجواز عن الكفارة وحكم أداء حق الجناية على ما ذكرنا في الرهن، ثم يلزمه أن يفديه.
قال أبو إسحاق فيه قولان؛ أحدهما: يفديه بأرش الجناية بالغًا ما بلغ.
والثاني: يفديه بأقل المرين من قيمته، أو أرش الجناية.
وقال أبو حامد: هذا خطأ، ويجب أن يفديه بأقل الأمرين قولًا واحدًا؛ لأن بيعه تعذر بإعتاقه كما قلنا في أم الولد.
وذكره أبو إسحاق يصح؛ لأن حال الجناية كان يمكنه تسليمه للبيع ولكنه منعه بإعتاقه بخلاف أم الولد، ويمكن أن يجاب عن هذا بأنه يراعي وقت المطالبة، فيقال: إما أن تفديه بأرش الجناية، أو تسلمه للبيع، فإذا تعذر تسليمه لا معنى لإيجاب أكثر من القيمة؛ لأنها هي الثمن في العادة.
فرع
إذا أعتق عبدًا مغصوبًا عن كفارته نفذ عتقه.
وقال أبو حامد وجماعة: لا يجوز عن كفارته؛ لأنه مسلوب المنفعة فصار بمنزلة الزمن.
وقال القفال: يجوز لأنه يملكه ملكًا تامًا والغصب يعرض الزوال كالصغير، وهذا قريب من المذهب.
وقال صاحب "الحاوي": عندي أنه ينظر في حال العبد، فإن قدر على الخلاص من غاصبه الهرب
منه، وإن لم يقدر على العود إلى سيده أجزأه عن كفارته؛ لأنه قادر عن منافع نفسه، وإن لم يقدر على الخلاص والهرب فالإجزاء موقف، فإن قدر بعد ذلك على الخلاص بموت الغاصب أو عجزه أجزه عن الكفارة حينئذٍ، وإن لم يقدر لا يجوز ولا يمنع ان يكون إجزاؤه [149/ أ] موقوفًا، وإن لم يكن عتقه موقوفًا كالغائب إذا علم بحياته بعد عتقه.
فرع آخر
لو اعتق الحمل عن الكفارة لم يجز، وإن ولدته بعد العتق حيًا؛ لأنه حين أعتق لم يكن له أحكام الدنيا، نص عليه.
ولو أعتق الم وهي حبلى عن كفارته أجزأه، ويعتق الولد تبعًا ولا يكون عن الكفارة.
قال الشافعي: "فإن استثنى حملها من العتق لم يصح وتبعها، ولا يصير العتق عن الكفارة.
فرع آخر
إذا تزوج بأمة ثم اشتراها وأعتقها عن كفارته نظر، فإن لم تأت بولد منه فقد صح إعتاقها وقد انفسخ نكاحها بملكه إياها.
وإن أتت بولد نظر، فإن لم يكن وطئها بعد الشراء وأتت به لدون أربع سنين من حيث الشراء فالولد يلحق به لأنها كانت فراشًا له بعقد النكاح ولم تصر أم ولد له؛ لأنها حملت منه من غير ملكه وعتقها مجزئ عن الكفارة، وقد عتق عليه الولد بالملك.
وإن أتت به لأربع سنين، فما زاد من حين الشراء لا يلحق به الولد، ويجزيه عتقها عن الكفارة.
وإن كان وطئها بعد الشراء.
فإن أتت به لدون ستة أشهر من حين الوطئ، فالحكم فيه كما لو لم يطأها.
وإن أتت به لستة أشهر من حين الوطئ يلحق به، ولم يمسسه رق، والأمة أم ولده، ولا يجزيه عن الكفارة؛ لأن الظاهر أن الحمل من هذا الوطئ الموجود في الملك، وهي صارت أم ولد له به.
مسألة: قال: "وإنْ أعتقَ عبدًا له غائبًا فهوْ على يقينِ أَنهُ أعتقَ".
في بعض النسخ: فهو على غير يقين أنه أعتق.
وجملته أنه إذا أعتق عبدًا غائبًا يعرف مكانه ويسمع بخبره جاز عن كفارته؛ لأنه محكوم بملكه ملكًا تامًا، وهو المراد به على القراءة الأولى، وإن أعتق عبدًا غائبًا مفقودًا لا يعرف خبره لا يجوز عن الكفارة [149/ ب] وهو المراد به في القراءة الثانية.
وقال في "زكاة الفطر": يلزمه أن يذكر عنه زكاة الفطر وقد ذكرنا في كتاب أن من أصحابنا من قال فيهما قولان على سبيل النقل والتخريج، ومن أصحابنا من حملها على الظاهر، والمعنى مراعاة الاحتياط فيهما وهو اختيار القفال، فإن قيل: إذا شك في الحدث وجب أن يأمروه بالضوء احتياطًا للصلاة.
قيل: الغيبة ليس لها ظاهر ينبني عليه الحكم، وشكه في حدث نفسه
له ظاهر، وهو أن كل أحد يعلم فعل نفسه، فإذا لم يعلم كان الظاهر بقاء أصله.
مسألة: قال: "ولو اشترى مَنْ يعتقُ عليهِ لمْ يجزهُ".
الفصل
إذا اشترى من يعتق عليه أو أتهب ونوى أن يكون عتقه عن كفارته لم يجز عن كفارته، وبه قال مالك، وأحمد، وقال أبو حنيفة: يجزئه، وهذا غلط؛ لأن عتقه مستحق بسبب سابق فلا يجوز صرفه إلى الكفارة كأم الولد.
فرع
لو اشترى من يعتق عليه بشرط الخيار، ثم أعتقه في مدة الخيار عن كفارته.
قال أبو بكر الأودي من أصحابنا: إنه يجوز؛ لأنه باشر إعتاقه، والمذهب أنه لا يجوز، وذلك الوجه لم يقله غيره.
مسألة: قال: "ولو أعتقَ عبدًا بينهُ وبينَ آخرِ عنْ ظهارهِ وهو موسرٌ أجزأهُ".
إذا كان بينه وبين آخر عبد مشترك فأعتق نصيبه، فإن كان موسرًا عتق نصيبه وقوم عليه نصيب شريكه ومتى يسري العتق إلى نصيب شريكه فيه أقوال أحدها: عند اللفظ، والثاني: عند أداء القيمة، والثالث: مراعى.
فإن أدى القيمة تبينا انه عتق عند اللفظ، وإذا قلنا: يعتق عند اللفظ فهل يقع العتق في جميعه بنفس اللفظ، أو في نصيبه باللفظ ومن [150/ أ] نصيب شريكه؛ بالشراية؟ وجهان: فإذا ثبت هذا فإن كان موسرًا فأعتق كله عن كفارته جاز بلا إشكال؛ لأن عتقه نافذ في جميعه كما ينفذ من مملوكه الخالص.
وأما وقت النية: فإن قلنا: يعتق جميعه بنفس اللفظ، أو قلنا: يراعى فيحتاج أن ينوي عتق نصيبه ونصيب شريكه عن الكفارة حال تلفظه؛ أو قلنا يراعي فيحتاج أن ينوي عتق نصيبه ونصيب شريكه عن الكفارة حال تلفظه؛ لأنه وقت عتقه.
فغن نوى عتق النصف عند العتق والنصف عند أداء القيمة لم يجز؛ لأنه أخر فيه الكفارة عن وقت العتق.
قال القفال: ولا فرق بين أن يقول: أعتقتك أو يقول: أعتقت نصيبي، كما لو كان الكل له وقال: أعتقت نصفك عن ظهاري جاز؛ لأنه عبارة عن عتق الكل.
قال: وفيه وجه آخر أنه إذا قال: أعتقت نصيبي منك لا يجوز عن الكفارة؛ لأنه ما نوى في النصف الثاني والشرع أعتق ذلك عليه.
وقال بعض أصحابنا: إن قال: أعتقت ونوى عتق الكل عن كفارته جاز، وإن نوى عتق حصته عن كفارته ولم ينو أصلاً في حصة شريكه اجزأه عتق نصيبه عن كفارته، وهل ما عتق عليه من حصة شريكه عن كفارته؟ وجهان بناء على الوجهين أنه يعتق الباقي بالمباشرة أو بالشراية؟ فإن قلنا بالمباشرة أجزأته نيته في حصته عن النية في حصة شريكه.
وإن قلنا: يعتق بالشراية لم يجزه.
وهكذا لو كان مالكًا لجميع العبد فأعتق نصفه ينوي بنصفه عن كفارته عتق عليه
جميعه وأجزأه منه النصف الذي نواه، وفي أجزاء نصفه الثاني وجهان؛ أحدهما: يجوز ويكون عتق مباشرة.
والثاني: لا يجوز ويكون عتق شراية.
وإن قلنا يعتق نصيب شريكه باللفظ وأداء القيمة، فغن نوى في الحال عتق النصف عن كفارته ونوى عتق النصف الآخر عند أداء القيمة، فإن نوى في الحال عتق النصف عن كفارته ونوى عتق النصف الآخر عند أداء القيمة أجزأه؛ لأنه إذا نوى عند أداء القيمة فقد نوى عند وقوع العتق.
[150/ ب] وإن نوى عتق الجميع عن الكفارة في حال العتق ولم ينو عند الأداء اجزأه أيضًا؛ لأنه وقت وجوب عتق نصيب الشريك.
قال أبو حامد: وعندي انه يلزمه فيه عتق الكل حال العتق؛ لأن تلك الحالة سبب العتق، وهو اختيار القاضي الطبري.
وقال في "الحاوي": فيه أربعة أوجه: أحدها: تلزمه النية مع دفع القيمة.
والثاني: تلزمه وقت اللفظ.
والثالث: يتخير بين أن ينوي مع اللفظ؛ لأنه سبب العتق وبين أن ينوي مع دفع القيمة؛ لأنه وقت نفوذ العتق.
والرابع: وهو الأصح عندي، ان يجمع بين النية مع لفظ العتق والنية مع دفع القيمة؛ لأن العتق إذا وقع بأمرين لم يجز أن تختص النية بأحدهما، فإن نوى عند أحدهما لم يجزه".
فحصل من هذا أنه إذا نوى في الحال عتق النصف عن كفارته، ونوى عند أداء القيمة عتق النصف الآخر عن كفارته هل يجوز؟ وجهان؛ أحدهما: لا يجوز، وهو اختيار أبي حامد.
والثاني: يجوز وهو الأظهر.
وحصل أيضًا انه لو اعتق جميعه بنية الكفارة ولم ينو عند أداء القيمة أصلاً هل يجوز؟ وجهان؛ أحدهما: يجوز وهو ظاهر المذهب.
والثاني: لا يجوز.
وأما إذا كان معسرًا فنوى عند العتق أن يكون نصيبه عن كفارة ثم وجد مالاً فاشترى النصف الآخر وأعتقه، ونوي أن يكون عن كفارته اجزائه أيضًا.
وإن نوى الجميع عند العتق لم يجز؛ لأنه قدم نية الكفارة على عتق النصف.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا أعتق الباقي مطلقًا ولم ينوِ عن كفارته هل يجوز عن كفارته؟ وجهان بناء على تفريق الوضوء إذا جوزناه هل يلزمه تجديد النية؟ وجهان.
قال القفال: والأصح انه لا يجزئه.
والفرق أن في الطهارة نيته الأولى مشتملة على جميع أفعالها، وها هنا نيته الأولى مشتملة على نصيبه فقط فافترقا.
ولو اعتق هذا المعسر [151/ أ] نصيبه عن كفارته وأراد أن يتمم بالتفكير في الحال لم يجز إلا أن يكمل بصيام شهرين أو بإطعام ستين مسكينًا.
ثم قال بعض أصحابنا في نصف العتق الذي قدمه وجهان؛ أحدهما: أنه عتق نافذ في التفكير وكمله بصوم شهرين.
والثاني: ما تقدم صار طوعًا؛ لأن الصوم كفارة كاملة لا تلزمه الزيادة عليها، ذكره في "الحاوي" ما إذا أيسر قبل أن يصوم هل يلزمه أن يكفر بالعتق؟ قولان؛ أحدهما: لا يلزم إذا قلنا: المراعى في الكفارة حال الوجوب.
والثاني: يلزمه إذا قلنا المراعى فيه حال الداء، فإن اشترى الباقي وأعتقه عن كفارته أجزأه ولا يضر التفريق؛
لأن المقصود تكميل العتق في الرقبة وقد تكامل وإن كان زمانين.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز عتق المشترك عن كفارته موسرًا كان أم معسرًا؛ لأنه إذا أعتق نصبه صار عتق الباقي مستحقا على مالكه فلا يجزئ عن الكفارة كأم الولد، وهذا غلط؛ لأنه معتق لجميعه لأنه يسري إلى الباقي قد صادف رقًا تمامًا فجاز بلا خلاف أم الولد.
فإن قيل: عندكم إذا استحق العتق عن جهة لا يجوز عن الكفارة، فكيف جوز تم ها هنا؟ قلنا: إنما لا تجوز إذا لم تقارن النية سبب الاستحقاق وها هنا قارنته فجاز، كما لو قال: إن دخلت الدار فأنت حر عن كفارتي جاز.
فإن قيل: فيجب إذا نوى المعتق عن الكفارة عند عتق الكتابة عليه يجوز.
قلنا: المانع ها هنا عن الجواز كون المعتق واقعًا بعوض ولا يجوز ذلك بالإجماع.
مسألة: قال: "ولو أعتقهُ على أَنْ جعلَ لهُ رجلٌ عشرةَ دنانيرِ لمْ يجزئهُ".
إذ قال رجل: اعتق عبدك عن ظهارك ولك عليّ عشرة دنانير فأعتقه على عشرة دنانير لم يجزه عن ظهاره؛ لأنه اعتقه على جعل، ويقع العتق [151/ ب] عن الباذل للعشرة وللمعتق العشرة والولاء للباذل، ولا فرق بين أن يقدم ذكر العشرة على الظهار أو يقدم ذكر الظهار على العشرة، مثل أن يقول: أعتقت عبدي عن ظهاري على أن يكون عليك عشرة، أو يقول: أعتقت عبدي على أن عليك عشرة عن ظهاري.
ومن أصحابنا من فرق بينهما فقال: إذا قدم ذكر الظهار أجزأه عنه ولم يستحق العشرة، وإن قدم ذكر العشرة استحقها ولم يجزئه عن الظهار، وهذا ضعيف؛ لأن الشرط في الإيجاب لا يثبت ما لم يتم الكلام ويقطع عليه وأتم الكلام ها هنا على العشرة.
وقال القفال: هل يستحق عليه العشرة؟ وجهان؛ أحدهما: يستحق كما في الطلاق إذا قال: طلق امرأتك على عشرة.
والثاني: لا يستحق كما لو قال: بعه من فلان ولك علي عشرة.
ومن قال بالأول فرق بأن له غرضًا في عتق العبد ولا غرض له في بيع ذلك من فلان، فصار كما لو قال: ألق متاعك في البحر على أني ضامن صح إذا كان خوف غرق؛ لأن له فيه غرضًا، ولا يصح ذلك إذا لم يكن ذلك الخوف ولا سبب صحيح، وعلى كلا الوجهين لا يجوز عن الكفارة؛ لأنه لم تتمخض بينة عن الكفارة، فعلى احد الوجهين استحقاق المخض يمنع الأجزاء، وعلى الوجه الثاني فساد النية.
يمنع الأجزاء وهذا حسن، ولكن المشهور ما تقدم وقال بعض أصحابنا بالعراق: كيف تلزمه العشرة وهو لم يرض بإعتاقه عنه، وينبغي أن تكون التسمية فاسدة لبطلان الشرط الذي شرطه؟ ذكره صاحب "الشامل".
مسألة: لو قالَ المعتقُ فِي هذهِ المسألة: لا أريد العوضَ أعتقته عنْ ظهارى جازَ بلا إشكالٍ؛ لأنه تمخضَ العتقُ عنَ الكفارةُ.
ولو قال في جوابه: أعتقته عن كفارتك فالحكم على ما ذكرنا؛ لأن الإيجاب مبني
[152/ أ] على الاستدعاء، فكأنه قال: أعتقته على عشرة، هذا ذكره عامة أصحابنا.
وقال في "الحاوي": فيه وجهان؛ أحدهما هذا.
والثاني: يجزئه عن ظهاره لإمساكه عن ذكر العوض ولا شيء على الباذل، ولو أعتقه بعد تطاول الزمان وأمسك عن ذكر العوض ولم يذكره بنفي ولا إثبات جاز عتقه عن ظهاره.
مسألة: قال: "ولو أعتقَ عنهُ رجلٌ عبدًا بغيرِ أمرِ لمْ يجزنُه".
الفصل
إذا كان لرجل عبد فأعتقه عن غيره بغير أمره وهو حي وقع عن المعتق، وكان الولاء له دون المعتق عنه، ولا فرق بين أن يكون أعتقه عن واجب عليه أو غير واجب.
وقال مالك: إن أعتقه عنه عن واجب عتق عنه وإلا فلا، وهذا غلط؛ لأنه لو أوقع العتق عن نفسه ولم ينوه لم يجزه وقد باشر العتق، فإذا اعتق عنه أولى أن لا يجوز؛ لأنه فقد النية والمباشرة جميعًا.
فإن قيل: أليس لو قضى عنه الدين بغير أمره يجوز؟ قلنا: الفرق انه لا يحتاج إلى النية بخلاف هذا، وإن كان المعتق عنه ميتًا نُظر، فإن اعتقه عنه تطوعًا ولم يكن أمر به الميت كان العتق عن المعتق ولم يجز عن الميت سواء كان وارثًا أو أجنبيًا؛ لأن في العتق إلحاق الولاية وهو بمنزلة النسب فلا يلحق به بغير أمره، ويخالف هذا إذا تصدق عن الميت بصدقة فتجزئه ويلحقه ثوابها؛ لأن ليس من الصدقة ما ذكرناه من المعنى، وإذا كان ذلك بأمر الميت ووصيته اجزأه، وإن كان العتق واجبًا عليه لا يخلوا إما أن يكون مرتبًا، أو غير مرتب، فإن كان مرتبًا وكان قد خلف مالاً فالعتق واجب من رأس المال، وإن لم يكن خلف مالاً لا يجب العتق عنه، فغن تبرع به الولي فأعتق عنه اجزأه، وكذلك إن خلف مالاً وهو أعتقه عنه من مال نفسه جاز؛ لأن نيته تقوم مقام نيته، [152/ ب] وللوارث أن يقضي دينه من حيث شاء ويمسك التركة، وإن كان العتق غير مرتب كفارة اليمين، وإن لم يكن أوصي العتق عنه فيه وجهان؛ أحدهما: يجوز وهو الأصح؛ لأنه وإن كان مخيرًا فيه فإن كل نوع يتعين عن الواجب بالفصل.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه غير متعين عليه فيصير في معنى التطوع، وإن كان قد أوصى العتق عنه في هذه الكفارة جاز بلا إشكال.
مسألة: قال: "ولو أعتقَ فيهَ بجعلِ أو غيرهِ جازَ والولاءُ لهُ".
إذا كانت عليه كفارة فقال لآخر له عبد: أعتق عبدك عن كفارتي، فأعتقه عنه أجزأه سواء كان بعوض أو بغير عوض.
وقال أبو حنيفة: يجوز إن كان بعوض؛ لأنه يكون عتق المشتري قبل القبض، ولا يجوز من غير عوض ويقع العتق عن المعتق لا عن السائل؛ لأنه موهوب فلا يمسك قبل القبض، وهو اختيار المزني غير انه عبر عن اختياره بان قال: معناه عندي أن يعتقه عنه بجعل، أي قياس مذهبه يوجب عندي أنه
إنما يجوز بعوض؛ لأن مذهبه أن الهبة لا تملك قبل القبض، خلاف قول مالك أنها تملك بالعقد، وهذا غلط؛ لأنها رقبة تجزئ عن كفارة المعتق عنه، فإذا أعتقها غيره عنه بأمره أجزأه عنه كما لو شرط العوض.
وأما ما ذكره لا يصح؛ لأن العتق بعوض جعل بمنزلة البيع المقبوض، ولهذا يستقر عوضه، فينبغي مع عدم العوض أن يجعل بمنزلة الهبة المقبوضة.
فإذا تقرر هذا نقول: إذا أعتقه عنه يكون استدعاؤه إذا انضم إليه الإعتاق بمنزلة التمليك والقبول فيعتق من ملك الأمر.
فإن قيل: متى يملك المعتق عنه، ومتى يزول ملك صاحبه؟ قلنا: فيه أربعة أوجه؛ أحدها: قاله أبو إسحاق: يقع الملك والعتق في حالة واحدة [153/ أ] عقيب الإيجاب بالإعتاق ولا يمتنع ذلك، وإن كانا ضدين تمانع الضدين مما طريقة بالمشاهدة دون الحكم، وها هنا طريقة الحكم.
وعلى هذا قال: إذا اشترى أباه يعتقه ويملك عليه بالشراء وهذا ضعيف؛ لأن ما يمتنع في العقل من اجتماع الضدين لا يجوز إثباته في الأحكام؛ لأنه يكون حكمًا بالمحال.
والثاني: يتبين بالعتق أنه كان مالكًا له باستدعاء العتق ثم عتق عليه بعد الملك بلفظ العتق، وهذا أيضًا ضعيف؛ لأن الإيجاب شرط فيه فلا يتقدم الملك على شرطه.
والثالث: يقع الملك والعتق معًا في حالة واحدة، وهذا أيضًا ضعيف لما ذكرنا.
والرابع: يملكه بلفظ العتق ويعتق بعد استقرار الملك، وهذا هو الصحيح، واختاره أبو حامد والقاضي والطبري.
وعلى هذا إذا اشترى أباه يملكه بالشراء ويعتق عليه بعد استقرار الملك، وهذا لأن وقوع عتقه عنه يقتضي إثبات ولاية له، وذلك لا يكون إلا بتقدم الملك، ثم يقع العتق بحكم اللفظ واقع.... اللفظ، ولا يمتنع أن يوجد لفظ العتق ولا يتعقبه العتق لعدم شرطه.
ألا ترى أنه لو قال: أعتقه عنك بألف فقال: قبلت، وقع العتق عيب القبول متأخرًا عن لفظه.
وفيه وجه خامس: يملكه بأول لفظ العتق ويعتق بآخر لفظ العتق، وهذا قريب من الوجه الثالث.
وهناك ما ذكرنا ما قال أصحابنا فيمن دعي إلى طعام فتناوله متى يملك الطعام؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يملكه بالتناول كالموهوب، فعلى هذا إذا تناوله لم يكن لصاحبه الرجوع فيه.
والثاني: يملكه إذا وضعه في فيه؛ لأنه يختلط بريقه وهو سبب تعرضه لتلفه فتعلق به الملك.
والثالث: يملكه بالابتلاع والإزدراد.
فإذا قلنا: يملكه بالتناول هل يجوز أن يطعمها غيره؟ فيه وجهان؛ [153/ ب] أحدهما: له ذلك؛ لأنه ملكه.
والثاني: ليس له ذلك؛ لأنه مأذون في تملكها على وجه مخصوص كالعارية لا يعيرها.
والأول اختيار أبي حامد والقاضي الطبري.
وقال في "الشامل": الأشبه أنه يقال: هذا إذن بالإتلاف لا تملك فيه، لأن من شرط الهبة لفظها، والأذن في القبض إلا أن يتضمنها العتق خاصة لقوة العتق ولم يوجد ها هنا، ولأن الإذن بالتناول يتضمن إباحة الأكل فلا يجوز أن يحصل به الملك وليس بتمليكه بمطلق، ولو كان ذلك صحيحًا لجاز أن يتناول جميع الذي قدمه إليك ويرده إلى بيته ولا يصح أن يقال: يملك بالوضع في فيه؛ لأنه لم يحصل الأكل المأذون فيه، ولا
يصح أن يقال يملكه بالابتلاع؛ لأنه يبطل به معنى الملك فيه ويصير كالتالف فكيف يملكه وهذا حسن؟ فإن قيل: ما تقولون إذا وهب لغيره عبدًا ثم أذن الواهب للموهوب له بالإعتاق فأعتقه قبل القبض هل يجوز أم لا؟ يجوز ويصير كأنه أعتقه بإذنه بعد قبضه.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز هاهنا؛ لأن البيع باللفظ الصريح يخالف البيع لفظ استدعاء العتق بعوض والإيجاب فكذلك الهبة بلفظها الصريح بخلاف الهبة بلفظ استدعاء العتق والإيجاب.
فرع
لو أعتق عبدًا عن عامة المسلمين يعتق عنهم دونهم والولاء له.
وحكي عن مالك أنه قال: يعتق عنهم والولاء لهم، وهذا غلط؛ لأن فيه إلحاق الولاء بهم من غير رضاهم.
فرع آخر
إذا قال: أعتق عبدك عني غدًا ولك عليَّ ألف فأعتق عنه غدًا يعتق عنه.
قال القفال: وهل يستحق عليه المسعى أو قيمة العبد؟ وجهان؛ والظاهر أنه يستحق المسمى.
مسألة: قال: "ولو أعتقَ عبدينِ عنْ ظهارينِ أو ظهارٍ وقتلٍ كلُّ واحدٍ منهمَا [154/ أ] عن الكفارتين أجزأه".
الفصل
إذا كان عليه كفارتان عن ظهار أو جماع في رمضان، أو ظهار وقتل فأعتق عنهما عبدين فيه أربع مسائل؛ أحديها: أن يعتق أحدهما عن كفارة القتل فيجزئه إجماعًا.
والثانية: أن يعتق عبدًا عن إحدى الكفارتين لا بعينها، وأعتق الآخر عن الكفارة الأخرى لا بعينها، فيجوز أيضًا؛ لأنه قد أتى بنية التكفير، وإنما فقدت منه نية التعيين، ولا اعتبار بنية التعيين في الكفارة عندنا، سواء اتفقت الكفارتان أو اختلفنا.
وقال أبو حنيفة وأحمد: لا يفتقر إلى تعيين النية عند الاتفاق، وتعتبر عند الاختلاف، مثل أن تكون إحديهما عن ظهار والأخرى عن قتل، وهذا غلط؛ لأنها كفارة واجبة فلم يفتقر صحة أدائها إلى تعيين سببها، كما لو كانت عليه كفارة واحدة.
والثالثة: أن ينوي عتق كل واحد منهما عن الكفارتين، بأن يقول: أعتقت هذا عن كفارتي، ثم قال: أعتقت هذا الآخر عن كفارتي.
نص الشافعي - رحمة الله عليه - أنه لا يجوز، ولا يختلف فيه أصحابنا، ولكن اختلفوا في كيفية وقوع العتق عن الكفارتين.
فقال ابن سريج وابن خيران: يعتق كل واحد عن كل واحدة من الكفارتين على التمام؛ لأنه لما أعتق نصفه عن إحدى الكفارتين سرى ذلك إلى الباقي فعتق عنها، وكذلك الآخر، وهذا بيَّن في كلام الشافعي هاهنا؛ لأنه قال: "أجزأه؛ لأنه أعتق عن