بحر المذهب للرويانيصفحات 537-576

ولأنها إذا كانت في مستبذل مهان زال تعظيمها من النفوس فلم تحرم قد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإلقاء صنمين على الصفا والمروة فكانت تداس على باب المسجد وهو يقرها ولا يمنع من استبقائها لأنه عدل بتعظيمها إلى الاستهانة بها والإذلال بها.
فصل: فأما الدستور المعلقة على الأبواب والجدران فضربان: أحدهما: أن تكون صور ذات أرواح فاستعمالها محرم سوا، استعملت لزينة أو منفعة وقال أبو حامد الإسفراييني: إن كانت مستعملة للزينة حرمت وان كانت مستعملة للمنفعة لتستر بابا أو تقي من حر أو برد جاز ولم يحرم لأن العدول بها عن الزينة إلى المنفعة يخرجها عن حكم الصيانة إلى البذلة وهذا ليس بصحيح لأن الانتفاع بالشيء لا يخرجه من أن يكون مصانا عظيما فحرم استعمالها في الحالين وسقط بها فوض الإجابة إلى الوليمة.
والثاني: أن تكون الستور بغير صور ذات أرواح فهذا على ضرين: أحدهما: أن يستعمل لحاجة أو منفعة لأنها تستر باباً أو تقي من حر أو برد فلا بأس باستعمالها.
والثاني: أن تكون زينة للجدران من غير حاجة إليها ولا منفعة بها فهي سرف مكروه.
ووت عائشة رضي انه عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن انه لم يأمرنا فيما رزقنا أن نكسو الجدران والطين" لكن لا يسقط بهذه الستور فرض الإجابة للوليمة لأن حظرها للمسرف في الاستعمال لا للمعصية في المشاهدة.
فصل: ولا فرق في تحريم صور ذوات الأزواج من صور الآدميين والبهائم ولا فرق بين ما كان مستحسنا منها أو مستحسنا أو ما كان منها عظيما أو مستصغرا إذا كانت صور حيوان مشاهد.
فأما صورة حيوان لم يشاهد مثله محل صورة طائر له وجه إنسان أو صورة إنسان له جناح طير ففي تحريمه وجهان: أحدهما: يحرم بل يكون أشد تحريما لأنه قد أباع في خلق الله تعالى ولتول النبي صلى الله عليه وسلم: "يؤمر بالنضح فيه وليس بنافخ فيه أبداً".
والثاني: وهو قول أبي حامد المروزي: لا تحرم لأنه يكون بالتزاويق الكاذبة أشبه منه بالصور الحيوانية فعلى الوجه الأول يحرم عليه أن يصور وجه إنسان بلا بدن وعلى الوجه الثاني لا يحرم.

مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: " فِي نَثْرِ الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالسُّكَّرِ فِي الْعُرْسِ: لَوْ تُرِكَ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ لِأَنَّهُ يُؤْخَذُ بِخِلْسَةٍ وَنُهْبَةٍ، وَلَا يَبِينُ أَنَّهُ حَرَامٌ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ يَغْلِبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَيَاخُذُ مِنْ غَيْرِهِ أَحَبَّ إِلَى صَاحِبِهِ".
قال في الحاوي: أما نثر السكر واللوز في العرس أو غير ذلك من طيب أو دراهم فمباح إجماعاً اعتباراً بالعرف الجاري فيه لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم حين زوج عليا بفاطمة رضي الله عنها نثر عليهما لكن اختلف الفقهاء في استحبابه وكراهيته فمذهب أبي حنيفة إلى أنه مستحب وفعله أولى من تركه لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم عن النثر فقال: هبة مباركة.
وقال بعض أصحابنا هو مباح ليس بمستحب ولا مكروه وفعله وتركه سواء وقال سائر أصحابنا وهو الظاهر من مذهب الشافعي أنه مكروه وتركه أفضل من فعله لأمور: أحدها: أنه قد يوقع بين الناس تناهبا وتنافرا وما أدى إلى ذلك فهو مكروه.
والثاني: أنه قد لا يتساوى الناس فيه وربما حاز بعضهم أكثره ولم يصل إلى آخرين شيء منه فتنافسوا.
والثالث: أنه قد يلجأ الناس فيه إلى إسقاط المروءات إن أخذوا أو يتسلط محليهم السفهاء إن أمسكوا وقد كانت الصحابة ومن عاصر الرسول صلى الله عليه وسلم أحفظ للمروءات وأبعد للتنازع والتنافي فلذلك كره النثار بعدهم وان لم يكره في زمانهم وعادة أهل المروءات في وقتنا أن يقتسموا ذلك بين من أرادوا أو يحملوا إلى منازلهم فيخرج عن حكم النثر إلى الهدايا.
فصل: فإن تقرر ما وصفنا في النثر فمن أخذ منه شيئا وقع على الأرض فقد ملكه وكان مخيرا بين أكله أو حمله إلى منزله أو بيعه بخلاف طعام الوليمة الذي لا يملك إلا أكله في موضعه اعتبارا بالعرف في الحالين والقصد المفرق بين الأمرين فأما ما وقع من النثر في حجر بعض الحاضرين فإنه لا يملكه حتى يأخذه بيده لكنه يكون أولى به من غيره فإن أخذه غيره ملكه الأخذ وان أساء كما يقول في الصيد إذا دخل دار رجل كان أولى به من غيره فإن أخذه غيره ملكه أخذه فأما زوال ملك ربه عنه فغيه وجهان: أحدهما: أن يكون نثره بين الناس ويصير ذلك ملكاً لجماعتهم ولا يتعين ملكه لواحد منهم إلا بالأخذ.
والثاني: أنه باق على ملك صاحبه حتى يلتقطه الناس فيملك كل واحد منهم ما

التقطه فيزول عنه ملك صاحبه.
فصل: فأما التقاط النثر فقد اختلف أصحابنا في كراهيته مع إجماعهم على جوازه فلهم فيه وجهان: أحدهما: أنه مكروه، قال الشافعي: لأنه قد يأخذ من غيره أحب إلى صاحبه فعلى هذا لا يلزمهم التقاط لأن فعل المكروه لا يلزم.
والثاني: أنه ليس بمكروه إذا كان الملتقط مدعوا كما لا يكره أكل طعام الوليمة للمدعو وان جاز أن يأكل من غيره أحب إلى صاحبه فعلى هذا لا يجب الالتقاط على أعيان الحاضرين لأنه تملك محض يجري مجرى الهبة في وجوبه على الكافة وجهان: أحدهما: لا يجب تعليلا بالهبة فإن تركوه جميعا جاز.
الثاني: أنه من فروض الكفاية لما في ترك جميعهم له من ظهور المقاطعة وانكسار نفس المالك فعلى إذا التقطه بعضهم سقط فرضه عن الباقين وكذلك ولو التقط بعض الحاضرين بعض المنثور وبقي بعض الحاضرين وبعض المنثور سقط عنهم فرض التقاطه وان كان جميعه باقيا خرجوا بتركه أجمعين ثم النثر مختص في العرف بالنكاح وان كان مستعملا في غيره كالوليمة في اختصامها بعرس النكاح وإن استعملت في غيره كما أن الأغلب فيه نثو اللوز والسكر وان نثر قوم غير ذلك.
حكي أن أعرابيا تزوج فنثر على نفسه الزبيب لإعواز السكر وأنشأ يقول: وَلَمَّا رَأَيْتُ السُّكَّر العَامَ قَدْ غَلَا وَأَيْقَنْتُ أَنَّى لَا مَحَالَة نَاكِح صَبَبْتُ عَلَى رَاسِي الزَّبِيب لِصُحْبتَي وَقُلتُ كُلُوا أَكْل الحَلَاوَةِ صَالِح مختصر القسم ونشوز الرجل على المرأة قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ الله تَعَالَى: "قَالَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228]. قَالَ الشَّافِعِيُّ:" وَجِمَاعُ الْمَعْرُوفِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ: كَفُّ الْمَكْرُوهِ، وَإِعْفَاءُ صَاحِبِ الْحَقِّ مِنَ الْمُؤْنَةِ فِي طَلَبِهِ، لَا بِإِظْهَارِ الْكَرَاهِيَةِ فِي تَادِيَتِهِ، فَأَيُّهُمَا مَطَلَ بِتَاخِيرِهِ، فَمَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ " قال في الحاوي: أعلم أن الله تعالى أوجب للزوجة على زوجها حقا حظر عليه النشوز عنه كما أوجب له عليها من ذلك حقا حظر عليها النشوز عنه قال الله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ [الأحزاب: (50)] إشارة إلى ما أوجبه لها من كسوة ونفقة وقسم قال تعالى: ﴿وعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:19] فكان من عشرتها بالمعروف

تأدية حقها والتعديل بينهما وبين غيرها في قسمها قال تعالى: ﴿ولَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَة﴾ [النساء: (129)] وقال تعالى: ﴿ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ﴾ [البقرة: (228)] فبين الله تعالى أن لهن حقا وأن عليهن حقا ولم يرد بقوله: ﴿ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: (228)] في تجانس الحقين وتماثلهما وإنما أراد في وجوبهما ولزومهما فكان من حقها عليه وجوب السكنى والنفقة والكوة ثم فسر الشافعي قوله بالمعروف فقال: "وَجِمَاعُ الْمَعْرُوفِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ: كَفُّ الْمَكْرُوهِ، وَإِعْفَاءُ صَاحِبِ الْحَقِّ مِنَ الْمُؤْنَةِ فِي طَلَبِهِ" وهذا صحيح لأنه ليس نعل المكروه من المعروف المأمور به ين الزوجين ولا إلزام المؤنة ني اسيفاء الحق معروف.
ثم قال: "لَا بِإِظْهَارِ الْكَرَاهِيَةِ فِي تَادِيَتِهِ" وهذا صحيح لأن تأدية الحق بالكراهية وعبوس الوجه وغليظ الكلام ليس من المعروف.
ثم قال: "فَأَيُّهُمَا مَطَلَ بِتَاخِيرِهِ، فَمَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْم" وهذا صحيح لأن القادر على أداء الحق ظالم بتأخيره قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مطل الغني ظلم" ثم يدل على ما ذكرناه من طريق السنة ما روى موسى بن عقبة عن صدقة بن يسار عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أيها الناس إذ النساء عندكم عوان أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله فلكم عليهن حق ولهن عليكم حق ومن حقكم عليهن أن لا يوطئن بكلمة الله فراشكم أحدا ولا يعميكم في معروف فإذا فعلن ذلك فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف" فكان القسم من جملة المعروف الذي لهن.
وروي أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من كان له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل".
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" فالرجل راعٍ لأهله وهو مسؤول عنهم.

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقسم بين نسائه ويقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما لا أملك" يعني قلبه.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مرض طيف به على نسائه محمولاً فلما ثقل أشفقن عليه فحللنه من القسم ليقم عند عائشة رضي الله عنها لميله إليها فتوفي عندها صلى الله عليه وسلم فلذلك قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحري وفي يومي ولم أظلم فيه أحداً فدل هذا على وجوب القسم وتغليظ حكمه.
فصل: فإذا ثبت وجوب القسم فلوجوبه شرطان: أحدهما: أن يكون له زوجتان فأكثر ليصح وجوب التسوية بينهما بالقسم فإن كان له زوجة واحدة فلا قسم عليه وهو بالخيار بين أن يقيم معها فهو أولى به لأنه أحصن لها وأغض لطرفها وبين أن يعتزلها فلا مطالبة لها.
والثاني: أن يريا المقام عند إحداهما فيلزمه بذلك أن يقيم عند الأخرى مثل ما أقام عندها تسوية بينهما فيلزمه حينئذٍ القسم بينهما فأما إن اعتزلهما سقط القسم بينهما لأنه قد سوى بينهما في الاعتزال كما سوى بينهما في القسم لهما فلم يجز الميل إلى إحداهما (0) والله أعلم.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: " تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ تِسْعِ نِسْوَةٍ، وَكَانَ يَقْسِمُ لِثَمَانٍ، وَهَبَتْ سَوْدَةَ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ رضي الله عنهن.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وبهذا نقول".
قال في الحاوي: اعلم أن القسم من حقوق الآدميين يجب بالمطالبة ويسقط بالعفو ولا يجوز المعارضة على تركه كالشفعة ويجوز هبته لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات عن تسع زوجات وكان يقسم لثمان منهن لأن سودة بنت زمعة أراد طلاقها لعلو منها واستثقال القسم لها فلما علمت ذلك أتته فقالت: يا وسول الله قد أحببت أن أحشر في جملة نسائك فامسكني فقد وهبت يومي منك لعائشة.
رضي الله عنها تريد بذلك التقرب إليه لعلمها بشدة ميله إلى عائشة رضي الله عنها- فصار يقسم لعائشة رضي الله عنها يومين ويوم سودة ويقسم لغيرها من نسائه يوماً يوماً.
قال ابن عباس فنزل عليه في ذلك قوله تعالى: "فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ" [النساء: 128] فدل هذا الخبر على وجوب القسم ودل على جواز هبته.

واختلف أصحابنا في وجوب القسم على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع إجماعهم على وجوب القسم على أمته على وجهين: أحدهما: كان واجباً عليه لهذا الخبر ولما رويناه أنه كان يقم بينهن ويقول اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما لا أملك يعني قلبه، وطيف به في مرضه على نسائه محمولاً حتى حللته من القسم فدل على وجوب القسم عليه وعلى جميع أمته.
والثاني: أنه غير واجب عليه وان كان واجباً على أمته وهذا قول أبي سعيد الإصطخري لقول الله تعالي" ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: 51] ولأن وجوب القسم عليه يقطعه عن التشاغل بتبليغ الرسالة وتوقع الوحي وبهذا المعنى فارق جميع أمته.
فصل: فإذا استقر بما ذكرنا أن هبة القسم جائزة فإنما تجوز برضا الزوج لأن له حق الاستمتاع بها فلم يكن لها أن تنفرد بإسقاط حقه منها إلا برضاه فإذا رضي بهبتها صار مسقطاً لحقه في الاستمتاع بها فتعتبر حينئذٍ حال هبتها فإنها لا تخلو من ثلاثة أقسام: أحدها: أن تهب ذلك لامرأة بعينها من نسائه.
والثاني: أن تهب ذلك لجميعهن.
والثالث: أن تهب ذلك للزوج فإن وهبت قسمها لامرأة بعينها كما وهبت سودة يومها لعائشة رضي الله عنها جاز ولم يعتبر فيه رضي الموهوب لها في تمكين الزوج من الاستمتاع بها كما لا يراعى ذلك في زمان نفسها فيصير لها يوم نفسها ويوم الواهبة وهل يجمع الزوج لها بين اليومين أو تكون على ما كان عليه من الافتراق على وجهين: أحدهما: يجمع لها بينهما ولا يفرقهما كما لا يفرق عليها يومها.
والثاني: أن يكون اليومان على تفريقهما يختص بيوم نفسها فإذا جاء يوم الواهبة على ترتيبه جعله لها ولم يجمع بينهما إذا كان في الترتيب مفترقين لأنها قد أقيمت فيه مقام الواهبة فلم يعدل به عن زمانه كما لا يعدل به عن مقداره وهذا أشبه وأما إن وهبت يومها لجميع نسائه من غير أن تخص به واحدة منهن بعينها فيسقط حقها من القسم ولا يتعين به قسم غيرها ويكون في حال القسم بعد هبتها كحاله لو عدمت فيصير مؤثراً في إسقاط حقها ولا يؤثر في زيادة حق غيرها وإنما يختص تأثيره إذا كن مع الواهبة أربعاً إن كان يعود يوم كل واحدة بعد ثلاثة أيام فصار يعود بعد يومين وأما إن وهبت يومها لزوجها فله أن يجعل يومها لمن أراد من نسائه فإذا جعله لواحدة منهن بعينها اختصت باليومين دون غيرها وفي جمعه وتفرقته ما ذكرنا من الوجهين فلو أواد الزوج أن ينقل يوم الهبة في كل نوبة إلى أخرى جاز فيجعل يوم الهبة في هذه النوبة لعمرة وفي النوبة الأخرى لحفصة وفي النوبة الثالثة لهند فيكون ذلك محمولاً على خياره لأنها هبة فجاز أن يختص بها من شاء.

فصل: فإذا رجعت الواهبة في هبتها وطالبت الزوج بالقسم لها سقط حقها فيما مضى لأنه مقبوض وقسم.
لها في المستقبل لأنها رجعت في هبة لم تقص فلو رجعت في تضاعيف يومها وقد مضى بعضه كانت أحق بباقية من التي صار لها وعلى الزوج أن ينتقل فيه إليها فلو رجعت الواهبة في يومها ولم يعلم الزوج برجوعها حتى مضى عليه زمان ثم علم قَالَ الشَّافِعِيُّ: "م يقضيها ما فات قبل علمه واستحقت عليه القسم من وقت علمه" وهذا صحيح لأنه لم يقصد الممايلة لغيرها.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "ويجبر على القسم".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن وجوب القسم معتبر بشرطين: أحدهما: أن يكون له زوجتان فصاعداً.
والثاني: أن يريد المقام عند بعضهن فإذا وجب القسم لهن أجبر عليه إن امتنع منه ظ ذا أراد أن يقسم وله زوجتان أقرع بينهما في التي يبدأ بالقسم لها فيزول عنه الميل.
فقد روي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يسافر بواحدة من نسائه أقرع بينهن فأيتهن خرج سهمها سافر بها فلذلك أمرناه بالقرعة لتزول عنه التهمة بالممايلة.
فإذا خرجت قرعة إحداهما بدأ بالقسم لها ثم قسم بعدها للثانية من غير قرعة ولا كن ثلاثا اقرع بعد الأولى بين الثانية والثالثة فإذا خرجت قرعة الثانية قسم بعدها للثالثة من غير قرعة ولو كن أربعا اقرع بعد الثانية بين الثالثة والرابعة فإذا خرجت قرعة الثالثة قسم بعدها للرابعة من غير قرعة فإذا استقر القسم لهن بالقرعة في النوبة الأولى سقطت القرعة فيما بعدها من النوب وترتبن في القسم في كن نوبة تأتي على مرتين بالقرعة في النوبة الأولى.
فلو رتبهن في النوبة الأولى على خياره من غير قرعة لم يستقر حكم ذلك الترتيب فيما بعدها من النوب إلا بقرعة يستأنفها نزول التهمة بما في الممايلة ولو أراد أن يستأنف القرعة بينهن في كل نوبة جاز وان لم يجب لما فيه من انتفاء التهمة.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَأَمَّا الْجِمَاعُ فَمَوْضِعُ تَلَذُّذٍ وَلَا يُجْبَرُ أَحَدٌ عَلَيْه قال الله تعالى: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا

كَالْمُعَلَّقَةِ} [النساء:129] قال بعض أهل التفسير لن تستطيعوا أن تعدلوا بما في القلوب لأن الله تعالى يجاوزه " فَلَا تَمِيلُوا" [النساء:129] لا تتبعوا أهواءكم أفعالكم فإذا كان الفعل والقول مع الهواء فذلك كل الميل.
وبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم فيقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك وأنت أعلم فيما لا أملك" يعني والله أعلم فيما لا أملك: قلبه.
قال: وبلغنا أنأ كان يطاف به محمولاً في مرضه على نسائه حتى حللنه".
قال في الحاوي: وهذا صحيح يلزمه القسم لهن للتسوية بينهن ولا يلزمه جماعهن إذا استقر دخوله بهن وله أن يجامع من شاء منهن ولا يلزمه جماع غيرها لأن الجماع إنما هو من دواعي الشهوة وخلوص المحبة التي لا يقدر على تكلفها بالتصنع لها قال الله تعالى ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء:129] قَالَ الشَّافِعِيُّ: معناه: ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء بما في القلوب من المحبة فلا تميلوا كل الميل في أن تتبعوا أهواءكم وأفعالكم فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ [النساء:129] وهي التي ليست بزوجة ولا مفارقة قالت هذه الآية على أن عليه التسوية بينهن فيما يقدر عليه من أفعاله في القسم والإيواء وليس عليه التسوية بينهن فيما لا يقدر عليه من المحبة والشهوة فكذلك الجماع.
وقال مالك: يؤخذ الزوج بجماع امرأته في كل مدة ليحصنها ويقطع شهوتها فإن أطال ترك جماعها وحاكمته إلى القافي فخ النكاح بينهما إن لم يجامع وأوجب عليه قوم أن يجامعها في كل أربح ليال مرة لأنه قد أبيح له نكاح أربع فصارت تستحق كل أربعة أيام يوماً وبهذا حكم كعب ب سور بحضرة عمر رضي الله تعالى عنه فاستحسن ذلك منه وولاه قضاء البصرة فكان أول قافي قضى بها.
وكلا المذهبين عندنا غير صحيح لما ذكرناه ويجوز أن يكون كعب توسط فيما حكم به بين الزوجين عن صلح ومراضاة وكما لا يجبر على جماعها فكذلك لا يجبر على مضاجعتها ولا على تقبيلها ومحادثتها ولا على النوم معها في فراش واحد؛ لأن كله من دواعي الشهوة والمحبة التي لا يقدر على تكلفها، وإنما يختص زمان القسم بالاجتماع والألفة.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُ"عِمَادُ الْقَسْمِ اللَّيْلُ؛ لِأَنَّهُ سَكَن فقال: ﴿أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم:21].
قال في الحاوي: وهذا كما قال على الزوج في زمان القسم أن يأوي إليها ليلاً وينصرف لنفسه نهاراً؛ لأن الليل زمان الدعة والإيواء والنهار زمان المعاش والتصرف قال

الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (12)﴾ [النبأ: 10 - 11] وفي اللباس تأويلان: أحدهما: الإيواء في المساكن وإلى سكنه فصار كاللابس لمسكنه ولزوجته.
والثاني: أنه يتغطى بظلمة الليل كما يتغطى باللباس.
وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم: (21)] والسكن يكون في الليل ولأن الليل زمان الدعة والإيواء فوجب أن يكون عمدة القسم ولأن السيد لو زوج أمته لزمه تمكين الزوج منها ليلاً وكان له استخدامها نهاراً فعلم أن الليل عماد القسم فلا يجوز له في الليل أن يخرج فيه من عند التي قسم لها إلا من ضرورة فأما النهار فله أن يتصرف فيه بما شاء ويدخل فيه إلى غيرها من نسائه من غير أن يتعرض فيه لوطئها.
روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قل يوم إلا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل على نسائه فيدنو من كل امرأة منهن فيقبل ويلمس من غير مسيس ولا مباشرة ثم يبيت عند التي هو يومها.
فإن كان في الناس من ينصرف في معاشه ليلاً ويأوي إلى مسكنه نهاراً كالحراس وصناع البزر ومن جرى مجراهم فعماد هؤلاء في قسمهم النهار دون الليل لأنه زمان سكنهم والليل زمان معاشهم.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُ:" إِنْ كَانَ عِنْدَ الرَّجُلِ حَرَائِرُ مُسْلِمَاتٌ وَذِمِّيَّاتٌ فَهُنَّ فِي الْقَسْمِ سَوَاءٌ ". قال في الحاوي: وهذا صحيح تستوي المسلمة والذمية في القسم لها لعموم قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19] ولأن حقوق الزوجية تستوي فيها المسلمة والذمية كالسكنى والنفقة ويترع بينهما في القسم ولا تقدم المسلمة بغير قرعة تعديلاً بينهما كما يعدل في قدر الزمان.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: ﴿يُقْسَمُ لِلْحُرَّةِ لَيْلَتَانِ وَلِلْأَمَةِ لَيْلَةٌ إِذَا خَلى المَوْلَى بَيْنُه وَبَيْنَهَا فِي لَيْلَتِهَا وَيَوْمِهَا﴾.
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا كان تحته حرة وأمة زوجتان وذلك من أحد وجهين إما أن يكون الزوج عبداً فنكح أمة وحرة ويكون حراً تزوج الأمة عند عدم الطول

ثم نكح بعدها حرة وذلك أن يقسم لهما ويكون قسم الأمة على النصف من قسم الحرة وذلك بأن يقسم للحرة ليلتين وللأمة ليلة أو للحرة أربع ليال وللأمة ليلتين.
وقال مالك: عليه التسوية بينهما في القسم استدلالاً برواية أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل".
ولأنهما يستويان في قسم الابتداء إذا نكحها حضها بسبع إن كانت بكراً وبثلاث إن كانت ثيباً وجب أن يستويا في قسم الانتهاء.
ودليلنا رواية الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا تنكح أمة على حرة وللحرة الثلثان وللأمة الثلث ". فإن قيل: فهذا مرسل وليست المراسيل عندكم حجة.
قيل: قد عضد هذا المرسل قول صحابي وهو ما روى المنهال عن زر بن حبيش عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال: إذا تزوجت الحرة على الأمة قسم لها يومين وللأمة يوماً.
وإذا عضد المرسل قول صحابي صار المرسل حجة.
وعلى أنه ليس لعلي رضي الله تعالى عنه في هذا القول مخالف فكان إجماعاً، ولأن ما كان ذا عدد تبعضت الأمة فيه من الحرة كالحدود والعدة والطلاق.
ولأن وجوب القسم لها في مقابلة وجوب الاستمتاع بها فلما تبعض الاستمتاع بها من الحرة لاستحقاق الاستمتاع بها في الليل ووجوب الاستمتاع بالحرة في الليل والنهار وجب أن يتبعض ما في مقابلته من القسم.
فأما الخبر فلا دليل فيه لأن العمل بما أوجبه الشرع لا يكون ميلاً محظوراً وأما استدلالهم بقسم الابتداء فقد اختلف أصحابنا هل يستويان فيه أم لا؟ على وجهين: أحدهما: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنهما لا يتساويان فيه بل يتفاضلان كقسم الانتهاء فسقط الدليل.
الثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي أنهما متساويان في قسم الابتداء وإن تفاضلا في قسم الانتهاء.
والفرق بينهما أن قسم الابتداء مرفوع للأنسية فاستوى فيه الحرة والأمة وقسم الانتهاء موضوع للاستمتاع بالأمة ناقص عن الاستمتاع بالحرة.
فصل: فإذا ثبت أن قسم الأمة على النصف من قسم الحرة فكذلك المدبرة والمكاتبة وأم الولد ومن فيها جزء من الرق وان قل فإن أعتقت الأمة في وقت قسمها كمل لها قسم حرة ولو أعتقت بعد زمان قسمها استأنف لها فيما يستقبله من النوب قسم حرة لكنه يقسم

للحرة مثل ما كان للأمة من القسم كأنه كان يقم للأمة ليلة وللحرة ليلتين فاستكملت الأمة ليلتها وهي على الرق وأقام مع الحرة ليلة واحدة ثم أعتقت الأمة فليس له أن يزيد الحرة على تلك الليلة الواحدة لأن الأمة قد صارت مثلها فلم يجز أن يفصل بينهما قَالَ الشَّافِعِيُّ نصاً في القديم.
وفيه عندي نظر لأن عتق الأمة يوجب تكميل حقها ولا يوجب نقصان حق غيرها فوجب أن تكون الحرة على حقها ويستقبل زيادة الأمة بعد عتقها فلو أعتقت الأمة ولم يعلم بعتقها حتى مضى لها نوب في القسم ثم علم لم يقض ما مضى وكمل قسمها في المستقبل بعد العلم بالعتق، والله أعلم مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: " وَلِلأَمَةِ أَنْ تُحَللَهُ مِنْ قَسْمِهَا دوُنَ المَوْلَى ". قال في الحاوي: وهذا صحيح لأن القسم حق لها دون سيدها لأنه إلف لها وسكن فإن حللت زوجها من القسم صح.
وإن لم يرض اليد ولو حلله اليد منه لم يصح وخالف ذلك المهر الذي إن عفا عنه السيد صح وان عفت عنه الأمة لم يصح لأن المهر للسيل دونها والقسم لها دون السيد فصح عفوها عنه دون السيد.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَا يُجَامِعُ الْمَرْأَةَ فِي غَيْرِ يَوْمِهَا وَلَا يَدْخُلُ بِاللَّيْلِ عَلَى الَّتِي لَا قَسْمَ لَهَا وَلَا بَاسَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا بِالنَّهَارِ لِحَاجَةٍ وَيَعُودَهَا فِي مَرَضِهَا فِي لَيْلَةِ غَيْرِهَا فَإِنْ ثَقُلَ مَرَضُهَا فَلَا بَاسَ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهَا حَتَّى تُشْفي أَوْ تَمُوتَ ثُمَّ يُوفِيَ مَنْ بَقِيَ مِنْ نِسَائِهِ مِثْلَ مَا أَقَامَ عِنْدَهَا ". قال في الحاوي: قد ذكرنا أن عماد القسم الليل دون النهار لكن النهار داخل في القسم تبعاً لليل والأولى أن يكون أول زمان القسم الليل لسعة اليوم الذي بعده لأن اليوم تبع لما تقدمه من الليل دون ما تأخر ولذلك كان أول الشهر دخول الليل فإن جعل أول زمان القسم النهار مع الليلة التي بعده جاز ويصير مقدماً للتابع على المتبوع فإن قسم لها يوماً وليلة فعليه أن يقسم عندها ليلاً لا يخرج فيه إلا من ضرورة ويجوز له الخروج نهاراً للتصوف في أشغاله فإذا أراد أن يدخل على غيرها من نسائه فإن كان في النهار جاز أن يدخل على من شاء من نسائه دخول غير مستوطن عندها ولا مقيم بل ليسأل عنها ويتعرف خبرها وينظر في مصالحها أو مصالح نفسه عندها ويجوز له في دخوله عليها أن يقبلها ويمسها من غير وطئ لما روينا عن حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: "قل يوم إلا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل على نسائه فيدنو من كل امرأة منهن فيقبل ويلمس من

غير مسيس ولا مباشرة ثم يبيت عند التي هو يومها ولأن المقصود من القسم الليل دون النهار فإذا دخل النهار على واحدة لم يفوت على صاحبة القسم حقها منه وكان دخوله على غيرها من نسائه كدخوله على غير نسائه فأما وطؤه لغيرها من النهار فلا يجوز لأن الوطء مقصود القسم فلم يجز أن يفعله في زمان غيرها.
وقد روى الحسن وقتادة أن النبي شر دخل على زوجته حفصة في يومها فوجدها قد خرجت لزيارة أبيها فاستدعى مارية فخلا بها فلما علمت حفصة عتبت على النبي صلى الله عليه وسلم وقالت في بيتي وفي يومي يا رسول الله فأرضاها بتحريم مارية على نفسه وأمرها أن لا تحبر بذلك أحداً من نسائه فأخبرت به عائشة رضي الله تعالى عنها لمصافاة كانت بينهما فتظاهرتا عليه وفي ذلك أنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم: (1)] فإن أطال المقام عند غيرها في نهار قسمها أو وطئ فيه غيرها لم يقض مدة مقامه وان شاء لأنه أحق بالنهار منها لأنه زمان التصرف دون الإيواء فلم يقضه.
فأما الليل فليس له أن يخرج من عندها فيه إلا من ضرورة سواء أراد الخروج إلى زوجته أو غير زوجته لأنه مقصود القسم فلم يجز أن يفوته عليها فإن دعته ضرورة إلى الخروج من عندها ليلاً فخرج لم يأثم ونظر في مدة الخروج فإن كان يسيراً لا يقضي مثله كان عفواً وان كان كثيراً يقضي مثله كأن خروج نصف الليل أو ثلثه قضاها زمان خروجه ليوفيها حقها من القسم ثم ينظر في مدة الخروج الذي يلزمه قضاؤه فإن كان لضرورة عرضت له عند غير زوجة قضاها ذلك الزمان لا من زمان واحدة من نسائه وان كان قد خرج فيه إلى غيرها من نسائه لمرض خاف عليها منه فإن ماتت سقط قسمها وقضى صاحبة القسم ما فوته عليها من ليلتها وان لم تمت قضى صاحبة القسم من ليلة المريضة ما فوته عليها من ليلتها فأما ما نقله المزني عن الشافعي يعودها في مرضها ليلة غيرها فقد كان أبو حامد الإسفراييني ينسب المزني إلى الخطأ في هذا النقل ويقول: إن الشافعي إنما قال: يعودها في مرضها في نهار غيرها.
وهذا الاعتراض فاسد ونقل المزني صحيح ويجوز له أن يعودها في مرضها في نهار غيرها وهذا الاعتراض فاسدا ونقل المزني صحيح ويجوز له أن يعودها في ليلة غيرها إن كان مرضها مخوفاً لأنه وبما تعجل موتها قبل النهار ففاته حضورها وهو المراد بما نقله المزني فأما إن كان مرضها مأموناً لم يكن له عيادتها في الليل حتى يصبح فيعودها نهاراً وإنما قضاء زمان الخروج وان كان فيه معذوراً لأن حقوق الآدميين لا تسقط بالإعذار فلو خرج في ليلتها إلى غيرها فوطئها ثم عاد إليها في الحال فقد اختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه: أحدها: لا يلزمه قضاؤه لقصوره عن زمان القضاء.
والثاني: يلزمه قضاء ليلة بكمالها لأن مقصود القسم في الليل هو الوطئ فإن وطئ فيه غيرها فكأنه فوت عليها جميع الليلة فلذلك لزمه قضاء جميعها من ليلة الموطوءة.
والثالث: أن عليه في ليلة الموطوءة أن يخرج من عندها إلى هذه فيطأها ثم يعود

إلى تلك ليسوى بينهما في فعله وهذا في القضاء صحيح وفي الوطء فاسد لاستحقاق الزمان دون الوطء والله أعلم.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَقْسِمَ لَيْلَتَيْنِ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثاً ثَلَاثاً كَانَ ذَلِكَ لَهُ وَأَكْرَهُ مُجَاوَزَةَ الثلَاثِ ". قال في الحاوي: وهذا صحيح الأولى بالزوج في القسم بين نسائه أن يقسم لكل واحدة منهن ليلة ليلة أتباعاً لرسول صلى الله عليه وسلم في القسم بين نسائه ولأنه أقرب إلى استيفاء حقوقهن فإن جعل القسم ليلتين لكل واحدة جاز وكذلك لو جعله ثلاث ليال لأن أخر حل القلة وأول حد الكثرة ولا اعتراض لهن عليه في ذلك بل هو إلى خياره دونهن فأما إن أراد الزيادة على ثلاث بأن يقسم لكل واحدة أسبوعا أو شهراً فقد قَالَ الشَّافِعِيُّ في الإملاء يقسم مياومة ومشاهرة ومسانهة.
وهذا إنما يجوز له مع رضاهن بذلك فإذ لم يرضين فليس له أن يجاوز بهن ثلاثاً ولأن ما زاد على الثلاث دخل في الكثرة التي لا يؤمن تفويت حقوقهن فيها بالموت فإن قسم لواحدة منهن شهراً فقد أساء وعليه أن يقم للباقيات شهراً شهراً فإذا استوفين الشهر فلهن أن يلزمنه تقليل القسم إلى ثلاث.
فصل: فإن طلق واحدة من نسائه في مدة قسمها وقد بقيت منها بقية فإن كان الطلاق ثلاثاً سقط باقية سواء نكحها بعد زوج أم لا، وان كان الطلاق رجعياً فإن لم يراجعها حتى انقضت عدتها ثم نكحها لم يقضها بقية قسمها ولا ما مضى من نوب القسم بعد طلاقها وقبل نكاحها موان راجعها في العدة لم يلزمه أن يقضيها ما تجدد من نوب القسم بعد طلاقه وأما بقية النوبة التي كان الطلاق فيها فإنك تنظر فإن كانت آخر النساء قسماً في النوبة قضاها بقية أيامها في تلك النوبة لأنها قد استحقتها بالقسم لمن تقدمها موان كانت أول النساء قسماً في النوبة لم يقضيها بقية أيامها لأنه ابتداء قم لم يستحق استكماله وعليه أن يقسم لمن سواها مثله ألا ترى أنه لو أراد أن يقتصر بها على هذا القدر ليقسم للباقيات مثله جاز إذا جاز إذا كانت أوله ولم يجز إذا كانت آخره.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَيَقْسِمُ لِلْمَرِيضَةِ وَالرَّتْقَاءِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَلِلَّتِي آلَى أَوْ ظَاهَرَ مِنْهَا وَلَا يَقْرَبُهَا حَتَّى يُكَفِّرَ؛ لِأَنَّ فِي مَبِيتِهِ سُكْنَى وَإِلْفًا".

قال في الحاوي: وهذا كما قال والقسم للإلف والسكنى ولا للجماع فلذلك لزمه أن يقسم لمن قدر على جماعها أو لم يقدر من المريضة والرتقاء والحائض والنفساء والتي آلى منها أو ظاهر.
قَالَ الشَّافِعِيُّ في الأم: ويقسم للمحرمة فأما المجنونة فإن أمنها على نفسه قسم لها وإن لم يأمنها لم يقسم ويقم لذوات العيوب من الجذام والبرص فإن عافته نفسه فسخ.
وإذا وجب عليه القسم لمن ذكرناه فله أن يستمتع بالمريضة فيما سوى الوطء إذا كان يضرها.
وأما الرتقاء فيستمتع بما أمكن منها.
وأما الحائض والنفساء فيستمع بها د ون الفرج.
وأما التي آلي منها فله وطها ويكفر عن يمينه.
وأما التي ظاهر منها فليس له وطئها.
وفي إباحة التلذذ فيما سوى الوطء وجهان وأما المحرمة فلا يجوز له الاستمتاع بشيء منها وعلى المحبوب والعنين أن يقسم لنسائه وان لم يقدر على جماعهن لما ذكرنا من مقصود القسم وكذلك لو كان الزوج مريضاً لزمه القسم لهن كالصحيح ولو كان عبداً لزمه القسم كالحر.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ " وَإِنْ أَحَب أَنْ يَلْزَمَ مَنْزِلاً يَاتِيَنهُ فِيهِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ عَلَيْهِن فَأَيتُهُن امْتَنَعَتْ سَقَطَ حَقُهَا ". قال في الحاوي: اعلم أن للزوج الخيار في القسم بين أن يطوف محليهن في مساكنهن فيقيم عند كل واحدة منهن في زمان قسمها كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع نسائه وبين أن يقيم في منزل ويأمرهن بإتيانه فيه كل واحدة منهن إلى منزله فتقيم عناه مدة قسمها والأول أولاهما به اقتداء برسول صلى الله عليه وسلم في قسمه ولأن ذلك أصون لهن وأجمل في عشرتهن فلو أمرهن بإتيانه فامتنعت واحدة منهن أن تأتيه فإن كان لمرض عذرت وكانت على حقها من القسم والنفقة وان كان بغير مرض ولا محذر صارت بامتناعها ناشزاً وسقط حقها من القسم والنفقة لأن عليها قصده وليس عليه قصدها ألا ترى أنه لو أراد أن يسافر بها لزمها أتباعه ولو أرادت أن تسافر به لم يلزمه أتباعها فإن كانت هذه المرأة من ذوات الأقدار والخفر واللاتي لم تجز عادتهن بالبروز صينت عن الخروج إليه ولم يلزمها أتباعه ووجب عليه أن يقسم لها في منزلها.

فصل: وإذا حبس الزوج أمكن نساؤه أن يأوين معه في حبسه فهن على حقوقهن من القسم لأن حاله في الحبس كحاله في منزله ولو لم يمكنهن ذلك من معه في الحبس من الرجال أو لأنه ممنوع من الناس سقط القسم.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَكَذَلِكَ المُمْتَنِعَةُ بِالجُنُونِ».
قال في الحاوي: قد ذكرنا بأن المجنونة إذا خاف على نفسه منها سقط قسمها فأما الذي لا يخاف على نفسه من جنونها فالقسم لها واجب لأن فيه إلفًا لها وسكنًا فإن امتنعت عليه بالجنون جرى عليها حكم النشوز وإن لم تأثم وسقط بذلك قسمها ونفقتها لأنها في مقابلة استمتاع قد فات عليه بامتناعها وإن عذرت لأن حقوق الآدميين تستوي في الوجوب مع العذر والاختيار ألا ترى أن المؤجر إذا امتنع من تسليم ما أجر لعذر أو غير عذر سقط حقه من الأجرة ثم إذا سقط قسمها بالامتناع قسم بين الباقيات من نسائه وكذلك لو نشزت عليه وهي عاقلة سقط حقها وكان القسم لمن سواها فلو أقلعت عن النشوز عاد قسمها معهن كالذي كان.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَإِنْ سَافَرَتْ بِإذْنِهِ فَلَا قَسَمٌ لَهَا وَلَا نَفَقَةٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ أَشْخَصَهَا فَيَلْزَمُهُ كُلُّ ذَلِكَ لَهَا».
قال في الحاوي: اعلم أنه لا يخلو حال سفرها من أحد أمرين: إما أن تكون مع الزوج أو منفردة عنه فإن سافرت مع الزوج كانت على حقها من النفقة والقسم ثم ينظر فإن سافر بها بالقرعة لم يقض باقي نسائه ما أقام معها وإن كان بغير قرعة قضاهن مدة سفرها معه وإن سافرت منفردة فعلى ضربين: أحدهما: بإذنه.
والثاني: بغير إذنه.
فإن سافرت بغير إذنه فلا قسم لها ولا نفقة وهي في سفرها آثمة وصارت أسوأ حالًا من المقيمة الناشزة وإن سافرت بإذنه فقد قال الشافعي ها هنا: لها القسم والنفقة.
وقال في كتاب النفقات: لا نفقة لها ولا قسم.
فاختلف أصحابنا في ذلك على طريقتين: أحدهما: وهي طريق أبي حامد الإسفراييني أن ذلك على اختلاف قولين: أحدهما: وهو المنصوص عليه في هذا الموضع لها القسم والنفقة لأنها لما خرجت بإذنه من المأثم خرجت من حكم النشوز.

والقول الثاني: وهو المنصوص عليه في النفقات لا قسم لها ولا نفقة لأنهما في مقابلة الاستمتاع قد فات عليه وإن عذرت.
والطريقة الثانية: وهي طريق أبي حامد المروزي أنه ليس على اختلاف قولين وإنما على اختلاف حالين فالذي قاله ها هنا في وجوب القسم لها محمول على أنها سافرت بإذنه فيما يخصه من أشغاله لأن له أن يستوفي حقه منها بالاستمتاع وغيره والذي قاله في كتاب النفقات أنه لا قسم لها إذا سافرت بإذنه فيما يخصها من أشغالها لأنه تصرف قد انصرف إليها دونه وإن عذرت ويكون تأثير إذنه في رفع المأثم لا في وجوب القسم.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَعَلَى وَلِيِّ المَجْنُون أَنْ يَطُوفَ بِهِ عَلَى نِساَئِهِ أَوْ أَنْ يَاتِيهِ بِهِنَّ وَإِنْ عَمَدَ أَنْ يَجُوزَ بِهِ أَثِمَ».
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا كان للمجنون أربع نسوة وذلك بأن يتزوجهن في حال صحته ثم يطرأ عليه الجنون لأنه لو كان وقت العقد مجنونًا لم يجز أن يزوج بأكثر من واحدة وإن احتاج إليها فالقسم لنسائه واجب وإن كان غير مكلف لأنه من حقوق الآدميين فأشبه النفقة وإذا كان كذلك فعلى وليه أن يستوفي منه حقوق نسائه من القسم لأن فيه سكنًا له ولهن ويفعل الولي أصح الأمرين من إفراده بمسكن يأمرهن بإتيانه فيه وبين أن يطيف عليهن في مساكنهن فإن كان الزوج قد رتبهن في القسم وقدر زمان كل واحدة منهن أجراه الولي على ما تقدم من قسمه في الترتيب والتقدير وإن لم يتقدم الزوج لهن استأنف الولي بالقرعة من يقدمها منهن وقدر لها من مدة القسم ما يراه أصح له ولهن ولا يزيد على ثلاث فإن عمد الولي أن يجوز في القسم أثم في حقه وحقوقهن ولا عوض لهن على ما فوت من قسمهن لأن المعارضة عليه لا تجوز فإن أفاق الزوج وقد جار به الولي نظر في جوره فإن كان يمنع الزوج من جميعهن فلا قضاء على الزوج بعد إفاقته لتساويهن في سقوط القسم ويستأنف الزوج لهن القسم وإن كان جور الولي به أن أقامه عند بعضهن ومنعه من باقيهن فعلى الزوج بعد إفاقته قضاء الباقيات بما فوته الولي عليهن من القسم.
فصل: وإذا خفن على أنفسهن من جنون الزوج سقط بذلك حقه من القسم ولم تسقط حقوقهن فإن طلبن القسم من الخوف وجب على الولي أن يقسم لهن من الزوج إلا أن يرى من الأصلح له أن لا يقيم عند واحدة منهن فسقط قسمهن.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: «فَإِنْ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ وَاحِدَةٍ فِي اللَّيْلِ أَوْ أَخْرَجَهُ سُلْطَانٌ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ

يُوفِّيَهَا مَا بَقِيَ مِنْ لَيْلَتِهَا».
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا كان الزوج عند إحدى نسائه في زمان قسمها فخرج من عندها أو أخرجه السلطان.
فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون ذلك نهارًا فلا قضاء لها عليه لأن النهار زمان التصرف وإنما يدخل في القسم تبعًا لليل وأنه لا حق فيه لغيرها من نسائه.
والثاني: أن يكون ذلك ليلًا فإن خرج لغير ضرورة أثم وقضى وإن خرج لضرورة لم يأثم وعليه القضاء إن لم يظلم بالخروج وإن كان مظلومًا بإخراجه لأن السلطان أكرهه على الخروج ظلمًا ففي وجوب القضاء وجهان: أحدهما: عليه القضاء؛ لأن إكراه السلطان عذر والأعذار لا تسقط قضاء القسم.
والثاني: لا قضاء عليه ويكون السلطان قد استهلك عليهما حقهما في زمان الإكراه فلا يصير الزوج مختصًا بذلك دونها.
فصل: فإذا أراد قضاء ما وجب من زمان خرجه في الليل نظر فإن كان قد خرج النصف الثاني من الليل لم يجز أن يقضيها في النصف الأول وإن كان قد خرج في النصف الأول لم يجز أن يقضيها في النصف الثاني وقضى كل واحد من النصفين في مثله فإذا أراد قضاء النصف الأول أقام عندها النصف الأول من الليل ثم خرج من عندها فأقام لا عند واحدة من نسائه حتى يستأنف لهن ليال كوامل وإذا أراد قضاء النصف الثاني أقام في النصف الأول لا عند واحدة من نسائه فإذا دخل النصف الثاني أقام فيه عند صاحبه القصاء ولا يأوي في تلك الليلة عند زوجة إلا نصف القضاء وحده حتى يتبعض الليل في قسمهن فذلك ممنوع منه لأنه لا يكمل به إلف ولا سكنى.
وأقل زمان القسم ليلة بكاملها ويكون اليوم تبعًا لها فلو أراد أن يقسم لإحدى نسائه ليلة بلا يوم والأخرى يومًا بلا ليلة لم يجز لأن ليل القسم مقصود ونهاره تبع.
والله أعلم.
مسألة: قَاَلَ الشَّافِعِيُّ: «وَلَيْسَ لِلإِمَاءِ قَسْمٌ وَلَا يُعْطَلْن».
قال في الحاوي: وهذا كما قال: لا قسم للإماء في بعضهن مع بعض ولا مع الحرائر لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يقسم لمارية ولا لرياحانة مع نسائه ولأن القسم من أحكام الزوجية فاختص بالزوجات دون الإماء كالظهار والإيلاء ولأن مقصود القسم الاستمتاع ولا حق للإماء في الاستمتاع بدليل أنه لو كان السيد مجنونًا أو غنيًا لم يكن لهن خيار فلذلك لم يكن لهن قسم.

قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَا يُعْطِلْن فيه تأويلان: أحدهما: أنه لا يعطلن من القسم يعني في السراري.
والثاني: لا يعطلن من الجماع لأنه أحصن لهن وأغض لطرفهن وأبعد للريبة منهن فعلى هذا لو كان إماء سراري وزوجات فأقام عند الإماء واعتزل الحرائر أو أقام عند واحدة من إمائه واعتزل باقيهن وجميع الحرائر جاز ولا قضاء عليه للحرائر لأن القضاء إنما يجب في القسم المستحق وليس مقامه عند الأمة قسمًا مستحقًا فلم يقضه وجرى مجرى مقامه معتزلًا عن إمائه ونسائه.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَإِذَا ظَهَرَ الإِضْرَارُ مِنْهُ بِامْرَأَتِهِ أَسْكَنَّاهَا إِلَى جَنْبِ مَنْ نَثِقُ بِهِ.
قال في الحاوي: وأما إذا ظهر منه إضرار لم يشتبه فيه حاله كف عنه وأمر بإزالته لقول الله تعالى: ﴿وعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النِّسَاء: 19] فأما إذا أشبهت حاله فيه فإن ادعت إسقاط حقها من القسم والنفقة أو تعديه عليها بالضرب وسوء العشرة وهو منكر ذاك وغير معترف به فعلى الحاكم إذا شكت ذلك إليه أن يسكنها إلى جنب من يثق به من أمنائه ليراعي حالها ويأخذه بحقها ويكف أذاه عنها فإن الحاكم لتشاغله بعموم الخصوم لا يقدر على مراعاتها بنفسه.
فإن قيل: فليس للزوج أن يسكن زوجته حيث يشاء فلم يجب عليه ها هنا أن يسكنها حيث لا تشاء.
قيل: إنما جاز له ذلك مع زوال الاشتباه وارتفاع الضرر ولا يجوز له ذلك مع خوف الضرر وهكذا لو شكي الزوج منها الإضرار وأنها لا تؤدي حقه ولا تلزم منزله ولا تطيعه إلى الفراش وأنكرت ذلك أسكنها الحاكم إلى جنب من يراعيها من أمنائه ليستوفي منها حق الزوج كما استوفي لها حقها من الزوج.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسْكِنَ امْرَأَتَيْنِ فِي بَيْتٍ إِلَّا أَنْ تَشَاآ.
قال في الحاوي: وهذا كما قال.
قال: على الزوج أن يفرد لكل واحدة من نسائه مسكنًا لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك في نسائه وكما لا يشتركن في النفقة فكذلك لا يشتركن في المسكن ولأن بين الضرائر تنافسًا وتباغضًا إن اجتمعن خرجن إلى الافتراء والقبح ولأنهن إذا اجتمعن شاهدت كل واحدة منهن خلوة الزوج بضرتها وذلك مكروه.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الوجس وهو أن يطأ بحيث يسمع حسه فلذلك لزمه أن يفرد لكل واحدة منهن مسكنًا فإن أسكنهن في دار واحدة وأفرد لكل واحدة منهن بيتًا منها وكانت

إذا دخلت توارت عن ضرائرها جاز إذا كان مثلهن يسكن مثل ذلك ولم يكن لواحدة منهن أن تطالبه بإفراد مسكن وإن كان مثلهن مثل ذلك فأسكنهن في دار واحدة وأفرد كل واحدة منهن بحجرة منها تواريها جاز إذا كان مثلهن يسكن مثل ذلك.
وإن كان مثلهن لا يسكن مثل ذلك لجلالة قدرهن ويسار زوجهن أفرد كل واحدة منهن بدار فسيحة ذات بيوت ومنازل اعتبارًا بالعرف كما يعتبر العرف في كسوتهن ونفقاتهن فلو تراضى جميع نسائه بسكنى منزل واحد يجتمعن فيه جاز كما لو تراضين بالاشتراك في النفقة ولم يكن له أن يخلو بواحدة منهن حذاء ضرائرها فإن غاب أبصارهن جاز وإن علمن بخلوته ولو أراد أن يجمع بين واحدة منهن وبين أمه له سرية لم يجز لأن حفصة رضي الله تعالى عنها أنكرت من رسول الله صلى الله عليه وسلم خلوته بمارية في بيتها فاعتذر إليها.
فإذا جمع بين إمائه في مسكن واحد جاز ولم يلزمه أن يفرد لكل واحدة منهن مسكنًا لأنه لا قسم لهن ولا يلزمه الخلوة بهن ولأن ما يجب لهن من النفقة والكسوة والسكنى مواساة بخلاف الزوجات المستحقات لذلك معارضة ألا تراه يملك فاضل نفقات إملائه ولا يملك فاضل نفقات نسائه.
فصل: ولو كان له زوجتان في بلدين فأقام في بلد إحداهما فإن اعتزلها في بلدها ولم يقم معها في منزلها لم يلزمه المقام في بلد الأخرى لأنه ليس مقامه في بلد الزوجة قسمًا يقضي ولو كان قد أقام معها في منزلها لزمه أن يقضي الأخرى فيقيم ببلدها في منزلها مثل تلك المدة؛ لأن القسم لا يسقط باختلاف البلدان كما لا يسقط باختلاف المحال.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَلَهُ مَنْعُهَا مِنْ شُهُودِ جَنَازَةِ أُمِّهَا وَأَبِيهَا وَوَلَدِها وَمَا أُحِبُّ ذَلِكَ لَهُ».
قال في الحاوي: وهذا صحيح وللزوج منع امرأته من الخروج من منزله؛ لأن دوام استحقاقه للاستمتاع به يمنعها من تفويت ذلك عليه بخروجها ولأن له تحصين مائة بالمنع من الخروج فلو مرض أبوها أو أمها كان له منعها من عيادتهما ولو ماتا كان له منعها من حضور جنازتهما للمعنى الذي ذكرناه وكمن استأجر أجيرًا ليعمل مقدارًا بمدة كان له منعه من الخروج لذلك وقد روى ثابت عن أنس أن رجلًا سافر عن زوجته ونهاها عن الخروج فمرض أبوها فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيادته فقال: «اتق الله ولا تخالفي زوجك» ثم مات أبوها فاستأذنته في حضور جنازته فقال: «اتق الله ولا تخالفي زوجك» فأوحى الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن الله قد غفر لأبيها بطاعتها لزوجها ولأن في إتباع النساء للجنائز هتكة ينهين عنها.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج مع جنازة إلى البقيع فرأى فاطمة فقال من أين؟ قالت:

عدت مريضًا لبني فلان.
قال: إني ظننتك مع الجنازة ولو كان ذلك ما كلمتك أبدًا.
قال الشافعي: إلا أنني لا أحب له أن يمنعها من عيادة أبيها ثقل ومن حضور مواراته إذا مات لما فيه من نفورها عنه وإغرائها بالعقوق.
فصل: وله أن يمنعها من حضور المساجد لصلاة وغير صلاة.
فإن قيل: فلم يمنعها وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وليخرجن تافلات» فعن ذلك أربعة أجوبة: أحدها: أنه أراد الخليات من الأزواج اللاتي يملكن تصرف أنفسهن.
والثاني: أنه محمول على المساجد الحج الذي ليس للزوج منعها من فرضه في أحد القولين.
والثالث: أنه مخصوص في زمانه لما وجب من تبليغ الرسالة إليهن ثم زال المعنى فزال التمكين.
والرابع: أنه منسوخ بما وكد من لزوم الحجاب.
وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال لنسائه حين حج بهن: «هذه ثم ظهور الحصر» وقالت عائشة: لو علم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء بعده لمنعهن أشد المنع، والله أعلم.

باب الحال التي يختلف فيها حال النساء

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى في قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لأُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: «إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ عِنْدِكِ وَسَبَّعْتُ عِنْدَهُنَّ وَإِنْ شِئْتِ ثَلَّثْتُ عِنْدَكِ وَدُرْتُ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا تَزَوَّجَ البِكْرَ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ عَنْدَهَا سَبْعًا وَالثَّيِّب ثَلَاثًا وَلَا يَحْتَسِبُ عَلَيْهِ بِهَا نِسَاؤُهُ اللَّاتِي عَنْدَهُ قَبْلَهَا.
وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ لِلْبِكْرِ سَبْعٌ وَلِلثَّيَّبِ ثَلَاثٌ».
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا استجد الرجل نكاح امرأة وكان له زوجات يقسم بينهن وجب عليه أن يخص المستجدة إن كانت بكرًا بسبع ليال وإن كانت ثيبًا بثلاث ليال يقيم فيهن عندها لا يقضي باقي نسائه ولا تحسب به من قسمها فإذا انقضت شاركتهن حينئذٍ في القسم.
وقال أبو حنيفة: يقيم مع البكر سبعًا ومع الثيب ثلاثًا ويقضي نساءه مدة مقامه معها استدلالًا برواية أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل.
قال: وهذا منه ميل إن لم يقض.

وقال: لأن القسم حق من حقوق النكاح فوجب أن تساوي المستجدة فيه من تقدمها كالنفقة.
قال: ولأنه خص بعض نسائه بمدة فوجب أن يلزمه قضاء مثلها للبواقي قياسًا عليه إذا قام معها بعد مدة الزفاف.
ودليلنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تزوج أم سلمة دخل بها قال: يا رسول الله أقم عندي سبعًا.
فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «ما بك من هوان على أهلك إن شئت سبعت عندك وسبعت عندهن وإن شئت ثلثت عندك ودرت».
روى أيوب عن أبي قلابة عن أنس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «للبكر سبعة أيام وللثيب ثلاثة» ثم يعود إلى نسائه.
فدل على استحقاق هذه المدة من غير قضاء من وجهين: أحدهما: فرقه فيه بين البكر والثيب.
والثاني: حصره بعدد وما يقضي لا يفترقان فيه ولا ينحصر جريان العادة فيما تختص به المستجدة عرفًا وشرعًا تجعله حكمًا مستحقًا ولأنه لما خصت المستجدة بوليمة العرس إكرامًا وإيناسًا ولم يكن ذلك ميلًا خصت بهذه المدة لهذا المعنى ولأن للمستجدة حشمة لا ترتفع إلا بمكاثرة الاجتماع ومطاولة الإيناس ولذلك وقع الفرق في أن خصت البكر بسبع والثيب بثلاث لأن الثيب لاختيار الرجال أسرع أنسة من البكر التي هي أكثر انقباضًا وأقل اختبارًا.
فأما الجواب عن الخبر فهو أن ذلك ليس بميل لأنه يفعله مع كل زوجة.
وأما قياسًا على النفقة فعنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أنه قياس يرفع النصف فكان مطروحًا.
والثاني: أن التساوي في النفقة لا يوجب التساوي في القسم لأن الحرة والأمة يستويان في النفقة ويختلفان في القسم.
والثالث: أن النفقة لما لم تختلف بالحرية والرق لم تختلف في الابتداء والانتهاء ولما اختلف القسم بالحرية والرق اختلف في الابتداء والانتهاء.
وأما قياسه على قسم الانتهاء فمنتقض بالتي سافر بها على أنه لما جاز قطع النوبة في قسم الابتداء ولم يجز في قسم الانتهاء دل على الفصل في الاستحقاق بين قسم الابتداء والانتهاء.
فصل: فإذا ثبت أن البكر مخصوصة بسبع والثيب بثلاث فليس له النقصان منها إلا (برضى)

المستجدة ولا له الزيادة عليها إلا برضي المتقدمات فإن أقام عند الثيب سبعًا كالبكر ففيه وجهان: أحدهما: أنه يقضي ما زاد على الثلاث ولا يقضي الثلاث لأنها مستحقة لها.
والثاني: ذكره أبو حامد الإسفراييني أنه تقضي السبع كلها لقوله صلى الله عليه وسلم لأم سلمة: «إن شئت سبعت عندك وعندهن وإن شئت ثلثت عندك ودرت».
فصل: وإذا استجد نكاح امرأتين لم يجمع بينهما في الدخول كما لا يجمع بين زوجتين في قسم ويبدأ بأسبقهما زفافًا إليه.
فإن زف إليه في وقت واحد بدأ بأسبقهما نكاحًا فإن نكحهما في وقت واحد قرع بينهما وبدأ بالقارعة منهما فإن قدم إحداهما من غير قرعة كرهنا ذلك له وأجزأه ثم يدخل بالثانية ويوالي بين الزفافين وليس للمتقدمات من نسائه أن تمنعه من الموالاة بينهما فلو أقام عند هذه يومًا وعند هذه يومًا حتى وفاهما وهما بكران أربعة عشر يومًا فقد أساء وأجزأ لأن الموالاة مستحقة وإن سقطت بالتفرقة كقضاء الديون.
فصل: وإذا كان له زوجتان وقسم لكل واحدة منهما ليلتين فأقام عند إحداهما بعض زمانها استجد نكاح ثالثة زفت إليه فإن كان ذلك بعد أن انقضت الليلة بكمالها كأنه أقام عند المتقدمة إحدى الليلتين بكمالها وبقيت لها الليلة الأخرى فاستجد نكاح الثالثة قدم قسم المستجدة وقطع قسم المتقدمة لمعنيين: أحدهما: أن قسم المستجدة مستحق بالعقد وقسم المتقدمة مستحق بالفعل والمستحق بالعقد أوكد.
والثاني: أن قسم المستجدة لا يقضي وقسم المتقدمة يقضي وما لا يلزم قضاؤه أوكد فإذا وفي المستجدة قسمها وفي المتقدمة باقي قسمها وهي ليلة ثم استأنف القسم بين الثلاث وإن كان قد استجدها في تضاعيف الليلة الأولى من قسم المتقدمة ففيه وجهان: أحدهما: يقطع الليلة عليها ويقسم للمستجدة لما ذكرنا مع المعنيين ثم يقضي للمتقدمة بقية ليلتها الأولى وجميع الليلة الثانية.
الثاني: يكمل تلك الليلة لأنه قد تعين استحقاق المتقدمة بها بالدخول فيها وإن في تبعيض الليلة عليها مباينة لها وانكسارًا لنفسها والفرق بين الليل والنهار أنه لما جاز في النهار أن يخرج من عندها جاز أن يقسم لمن استجد نكاحها ولم لم يجز في الليل أن يخرج من عندها لم يجز أن يقسم فيه لغيرها.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَتَخَلَّفَ عِنْ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ وَلَا شُهُودِ جَنَازَةٍ وَلَا بَرٍّ

كَانَ يَفْعَلُهُ وَلَا إِجَابَةِ دَعْوَةٍ».
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا كان مع المستجدة في قسم الابتداء لم يجز أن يخرج من عندها لئلا يقسم في المتقدمات في الانتهاء وجاز أن يخرج من عندها نهارًا في أشغاله ومتصرفاته لأن حكم القسمين سواء لكن العادة جارية بأن تكون ملازمته للمستجدة في نهار قسمتها أكثر من المتقدمة ليتعجل بذلك أنسها ويقوى به ميلها لكننا لا نحب له أن يتخلف بها عن حضور صلاة الجمعة وعيادة المرضى وتشييع الجنائز ولا عن بر كان يفعله وإن دعي إلى وليمة أجاب ويختار له في هذا القسم إن كان معتادًا الصيام والتطوع أن يفطر فيه لأنها أيام بعال وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في أيام التشريق: «ألا إنها أيام أكل وشرب وبعال فلا تصوموا»، والله أعلم.

باب القسم للنساء إذا حضر سفر

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «أَخْبَرَنَا عَمِّي مُحَمَّدُ بْنُ عَلَيِّ بْنِ شَافِعٍ أَحْسَبُهُ عَنْ الزُّهْرِي شّكَّ المُزَنِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا».
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا كان للرجل أربع زوجات وأراد سفرًا فهو بالخيار بين ثلاثة أحوال: أحدهما: أن يسافر بجميعهن فله ذاك إذا كان سفره مأمونًا؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سافر بجميع نسائه في حجة الوداع، ولأنه يستحق الاستمتاع بهن في السفر كما يستحق في الحضر، فإذا سافر بهن كن على قسمهن في السفر كما كن عليه في الحضر فإذا امتنعت واحدة منهن أن تسافر معه صارت ناشزًا وسقط قسمها ونفقتها؛ إلا أن تكون معذورة بمرض لعجزها عن السفر فلا تعصى، ولها النفقة ولا يلزمه قضاء قسمها؛ لأنه قد بذل ذلك لها فكان الامتناع من جهتها، وإن عذرت فيه بأن كان سفره في معصية وامتنعن من السفر لأجل المعصية لم يكن ذلك عذرًا لهن عن التأخير إذا أمن؛ لأنه ليس يدعوهن إلى معصية وإنما يدعوهن إلى استيفاء حق لا يسقط بالمعصية، فإن أقمن بذلك على امتناعهن نشزن وسقط قسمهن ونفقتهن.
فصل: والثانية: أن يتركهن في أوطانهن ولا يريد السفر بواحدة منهن فله ذلك؛ لأنه لو اعتزلهن وهو مقيم جاز فإذا اعتزلهن بالسفر كان أولى بالجواز إذا قام بما يجب لهن من الكسوة والنفقة والسكنى فإذا خفن على أنفسهن إذا سافر عنهن لزمه أن يسكنهن في موضع يأمن فيه فإن وجد ذلك في وطنه وإلا نقلهن إلى غيره من المواطن المأمونة فإن أمرهن بعد سفره عنهن أن يخرجن إليه لزمهن الخروج إذا كان السفر مأمونًا ووجدن ذا محرم فإن

امتنعن نشزن وسقطت نفقاتهن.
فصل: والثالثة: أنه يريد السفر ببعضهن دون بعض فله ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد فعل ذاك في أكثر أسفاره ولأنه لما جاز أن يسافر بجميعهن فأولى أن يسافر ببعضهن.
ولما جاز أن يترك جميعهن فأولى أن يترك بعضهن وإذا كان كذلك فليس له أن يتخذ بعضهن للسفر إلا بالقرعة التي تزول بها عنه التهمة لما روته عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها ولأنهن قد تساوين في استحقاق القسم فلم يجز أن يميزهن فيه من غير قرعة كابتداء القسم فإذا أقرع بينهن ليسافر بواحدة منهن فأيتهن قرعت سافر بها على ما سنذكر من صفة القرعة في بابها ولو راضاهن على السفر بواحدة منهن بغير قرعة جاز فإن امتنعن بعد الرضا من تسليم الخروج لتلك إلا بالقرعة كان ذلك لهن إذا لم يشرع في الخروج فإن شرع فيه وسافر حتى جاز له القصر لم يكن لهن ذلك واستقر حتى المتراضي سفرها وتعين ذلك لها ولو أراد الزوج بعض خروجها على المراضاة أن يردها بعد شروعه في السفر جاز لأن له أن يعتزلها في السفر فجاز له ردها من السفر وكذلك الخارجة معه بالقرعة ولو أقرع بينهن فقرعت واحدة منهن فقال الزوج لست أريدها فإن قال ذلك لأنه لا يريد السفر بواحدة منهن جاز وإن قاله مريدًا للسفر بغيرها لم يجز لأنه قسم قد تعين حقها بالقرعة.
فصل: وإذا سافر بواحدة منهن عن قرعة أو تراضٍ لم يقض للمقيمات مدة سفره مع الخارجة سواء كان في السفر مخالطًا لها أو معتزلًا عنها، لأن عائشة رضي الله عنها لما حكت قرعة رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن يسافر بها لم تحك بأنه قضى باقي نسائه مثل مدتها ولو فعل لحكته.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرع بين نسائه لبعض أسفاره فخرجت القرعة لعائشة وحفصة رضي الله تعالى عنهما فسافر بهما ولم يقض للباقيات.
ولأن المسافرة معه وإن حظيت به فقد عانت من لأواء السفر ومشاقه ما صار في مقابلته كما أن المقيمات وإن أوحشهن فراقه فقد حصل لهن من رفاهة المقام ما في مقابلته فلا يجمع لهن بين القسم والرفاهة التي حرمتها المسافرة.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «وَكَذَلِكَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ باثْنَتَيْن أَوْ أَكْثَرَ أَقْرَعَ».
قال في الحاوي: وهذا صحيح يجوز للزوج أن يسافر بواحدة من أربع وباثنين منهن وبثلاث ويخلف واحدة كما جاز له أن يسافر بواحدة ويخلف ثلاثًا لكنه يستعمل القرعة في إخراج الواحدة فإذا قرع اثنان منهن وسافر بهما قسم بينهما في سفره كما كان يقسم بينهما في حضره إلا أن يعتزلهما فيسقط القسم لهما ولا يقضي المقيمين مده سفره بالخارجتين وإن قسم لهما كما لا يقضي مدة سفره بالوحدة فلو سافر بواحدة منهن بالقرعة ثم أراد في

سفره إخراج واحدة من المقيمات أقرع بينهن ولم يكن لهن أن ينفردن بالقرع لأن فيها حقًا للزوج فلا يبطل حقه من القرعة بانفرادهن بها وأقرع الحاكم بينهن وأخرج من قرعت منهن فإذا وصلت إليه استأنف القسم بينهما وبين المتقدمة معه ولم يقضها مدة سفرها إليه.
فلو تراضى المقيمات بإخراج واحدة منهن بغير قرعة لم يجز لحق الزوج في القرعة فلو حصل معه في السفر اثنتان بالقرعة فأراد رد إحداهنَّ لم يكن له ردها إلا بالقرعة.
والله أعلم.
فصل: وإذا كان له زوجتان فاستجد نكاح زوجتين فصرنا أربعًا وأراد أن يسافر بواحدة منهن وجب عليه أن يقرع بين الأربع فأيتهن قرعت سافر بها ولا يجوز أن تختص بإخراج إحدى الجديدتين وإن كان قسم العقد لها معجلاً فإن خرجت قرعة السفر على إحدى المتقدمين فسافر بها بالقرعة ثم الثانية بعدها، فإذا أوفاها حق العقد استأنف قسم المماثلة بين جماعتين ولو خرجت قرعة السفر على إحدى المستجدتين فسافر بها سقط حقها من قسم العقد؛ لأن مقصود التفرد بها للألفة والاستمتاع وقد حصل لها ذلك بالسفر معه من غير تقدير مدة.
فعلى هذا لو قدم قبل سبع وهي بكر لم يلزمه لها تمام السبع لأنه لو لزمه إتمام سبع إذا عاد قبلها لمنعت الزيادة إذا طال سفرها ثم إذا قدم فهل يسقط حق المستجدة المقيمة من قسم العقد أم لا على وجهين: أحدهما: قد سقط حقها من ذلك ويقسم لها مع الجماعة قسم المماثلة لأن المنكوحة معها قد سقط حقها من قسم العقد بالسفر فلم يجز أن يخصها بقسم العقد لما فيه من التفضيل.
والثاني: وهو أصح لها عليه قسمه العقد فتقدمها به قبل قسم المماثلة لأنه حق لها توفاه وقد صار إلى المسافرة من قسم السفر ما يقوم مقام قسم العقد، والله أعلم.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَإِنْ خَرَجَ بِوَاحِدَةٍ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْسِمَ لِمَنْ بَقِيَ بِقَدْرِ وَاحِدَةٍ إِلَّا أَوْفي البَوَاقِي مِثْلَ مُقَامِهِ مَعَهَا مَغِيبِهِ مَعَ الَّتِي خَرَجَ بِهَا وَلَوْ أَرَادَ السَّفَرَ لِنَقْلِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْقِلَ».
قال في الحاوي: قد ذكرنا أنه إذا أراد السفر بواحدة منهن أن عليه أن يقرع بينهن فمن قرعت سافر بها لم يقض المقيمات مدة سفره معها فأما إن سافر بواحدة من غير قرعة فعليه أن يقضي المقيمات مدة غيبته معها وقال أبو حنيفة: لا يقضي استدلالاً بأن القسم

يسقط عن المسافر ولو وجب عليه القضاء إذا لم يقرع لوجب عليه إذا أقرع كالحضر.
ودليلنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرع بين نسائه فلو سقط القضاء في الحالين لم يكن للقرعة معنى ولنه افترق وجود القرعة وعدمها في الإباحة افتراقا في القضاء ولأنه خص إحدى نسائه بمدة يلحقه فيها التهمة فوجب به القضاء كالمقيمة وليس لما ادعاه من سقوط القسم عن المسافر ولأنه لو سافر باثنتين لزمه القسم لهما ولو سقط عنه بالسفر لم يلزمه فإذا ثبت وجوب القضاء عليه فوجوبه يكون بمخالطته للمسافرة وحلولها معه في سفره حيث يحل.
فأما إذا اعتزلها في سفره وأفردها بخيمة غير خيمته وفي مسكن إذا دخل بلدًا غير سكنه فلا قضاء عليه ولا يكون قربه منها في السفر قسمًا يقضي كما لا يكون قربها في الحضر قسمًا مؤدى فلو خالطها شهرًا قضى مخالطتها ولم يقض شهر اعتزالها فإن اختلفوا في المقام والاعتزال فالقول قول الزوج مع يمينه.
فصل: ولو سافر بإحدى نسائه بالقرعة إلى بلد قريب ثم سافر منه إلى بلد هو أبعد منه أو على أن مدة سفره شهر فصار أكثر منه جاز ولا قضاء عليه لأنه سفر واحد قد أقرع فيه وليس ينحصر السفر بمدة ومسافة لأنه عوارض السفر.
فصل: ولو تزوج على التي سافر بها زوجة أخرى في سفره خصها بقسم العقد لأن معها غيرها ثم استأنف لها قسم المماثلة بينها وبين المسافرة ولا يقضي الباقيات كان سفره بالواحدة بقرعة، ويقضيهن إن سافر بها بغير قرعة.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَلَوْ خَرَجَ بِهَا مُسَافِرًا بِقُرْعَةٍ ثُمَّ أَزْمَعَ المُقَامَ لِنَقْلَةٍ احْتُسِبَ عَلَيْهَا مُقَامُهُ بَعْدَ الإِزْمَاعِ».
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا سافر بواحدة منهن بالقرعة سفر حاجة ثم صار إلى بلد فنوى المقام فيه فهذا على ضربين: أحدهما: أن ينوي المقام فيه مستوطنًا له فعليه أن يقضي الباقيات مدة مقامه معها بعد نيته إلا أن يعتزلها لأنه بالاستيطان قد خرج من حكم السفر.
والثاني: أن ينوي المقام مدة مقدرة يلزمه لها إتمام الصلاة ثم يعود من غير استيطان كأنه نوى مقام أربعة أيام فما زاد إلى مدة قدرها ثم يعود إلى وطنه ففي وجوب قضائه لتلك المدة وجهان: أحدهما: لا يلزمه القضاء لأنه وإن كان مقيمًا فهو غير مستوطن.

والثاني: يلزمه القضاء لأنه مقيم فأشبه المستوطن وهذان الوجهان من اختلاف أصحابنا هل ينعقد به الجمعة أم لا؟ فأحد الوجهين: أن الجمعة لا تنعقد به وإن وجبت عليه فعلى هذا لا يلزمه قضاء القسم لأنه بالمسافر أخص.
والثاني: أن الجمعة تنعقد به كما تجب عليه، فعلى هذا يلزمه قضاء القسم لأنه بالمقيم أخص فإذا قيل: لا قضاء عليه، فلا مقال.
وإذا قيل: عليه القضاء فعليه أن يقضي مدة المقام وفي قضاء مدة المقام وفي قضاء مدة العود وجهان: أحدهما: يقضيه إلحاقًا بما تقدمه.
والثاني: لا يقضيه لمعاناة السفر فيه كالسفر في التوجه، والله أعلم.

باب نشوز المرأة على الرجل

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: قَالَ الله تَبَارَكً وَتَعالَى ﴿واللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: 34] قّالَ فِي ذَلكَ دَلاَلَةٌ عَلَى اخْتِلَافِ حَالِ المَرْأَةِ فِيمَا تُعَاتَب فِيهِ وَتُعَاقَب عَلَيْهِ فَإِذَا رَأَى مِنْهَا دَلَالَةً عَلَى الخَوْفِ مِنْ فِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ وَعَظَهَا فَإِنْ أَبْدَتْ نُشُزًا هَجَرَهَا فَإِنْ أَقَامَتْ عَلَيْهِ ضَرَبَهَا وَقَدْ يُحْتَمَلُ ﴿تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: 34] إِذَا نَشَزْنَ فَخِفْتُمْ لَجَاجَتَهُنَّ فِي النُّشُوزِ يَكُونُ لَكُمْ جَمْعُ العِظَةِ وَالهَجْرِ وَالضَّربِ.
وَقَالَ عَلَيهِ السَّلَامُ: «لَا تَضْرِبُوا إمَاءَ اللهِ» قَالَ: فَأَتَاهُ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَقَالَ: يَا رَسُلَ اللهِ ذَئِرَ النِّسَاءُ عَلَىِ أَزْوَاجِهِنَّ فَأَذَنَ فِي ضَرْبِهِنَّ فَأَطَاف بآلِ مُحَمدٍ نِسَاءٌ كَثِرٌ، كُلُّهُنَّ يَشْتَكِينَ أَزْوَجَهُنَّ فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَقَدْ أَطَافَ بِآلِ مُحَمَّدٍ سَبْعُونَ امْرَأَة كُلُّهُنَّ يَشْتَكِينَ أَزْوَجَهُنَّ فَلَا تَجِدُونَ أُولَئِكَ خِيَارُكُمْ» وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَبْلَ نُزُولُ الآيةِ بِضَرْبِهِنَّ ثُمَّ أَذِنَ فَجَعَلَ لَهُمُ الضَّرْبَ فَأَخْبَرَ أَنَّ الاخْتِيَارَ تَرْكُ الضَّرْبِ».
قال الحاوي: أما نشوز المرأة على زوجها فهو امتناعها عليه إذا دعاها إلى فراشه مأخوذ من الارتفاع ولذلك قيل للمكان المرتفع نشز فسميت الممتنعة على زوجها ناشزًا لارتفاعها عنه وامتناعها منه ولا يخلو حال النشوز بين الزوجين من أربعة أقسام: أحدها: أن يكون النشوز من الزوج على الزوجة والأصل فيه قول الله تعالى: ﴿وإنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: 128]. وقد مضى الكلام فيما يلزمه بنشوزه عنه وما لا يلزمه فإن الذي يؤخذ به جبرًا في نشوزه النفقة والكسوة والسكنى والقسم الذي يندب إليه استحبابًا أن لا يهجر مباشرتها ولا يظهر كراهيتها ولا يسيء عشرتها.
والثاني: أن يكون النشوز من الزوجة على الزوج والأصل في بيان حكمه قول الله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وبِمَا أَنفَقُوا مِنْ

أَمْوَالِهِمْ} [النساء: 34] يعني أن الرجال أهل قيام على نسائهم في تأديبهن والأخذ على أيديهن فما يجب لله تعالى وللرجال عليهن وقوله: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: 34] يعني بما فضل الله تعالى له الرجال على النساء من العقل والرأي وبما أنفقوا من أموالهم من المهور والقيام بالكفاية ثم قال: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: 34] يعني فالصالحات المستقيمات الدين العاملات بالخير ويعني بالقانتات المطيعات لله تعالى ولأزواجهن وحافظات للغيب أي لأنفسهن عند غيبة أزواجهن ولما أوجبه من حقوقهم عليهن وفي قوله: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: 34] تأويلان: أحدهما: يعني بحفظ الله تعالى لهن حتى صرن كذلك وهو قول عطاء.
والثاني: بما أوجبه الله تعالى على أزواجهن من مهورهن ونفقاتهن حتى صرن بها محفوظات وهو قول الزجاج.
وقد روى ابن المبارك عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:» خير النساء امرأة نظرت إليها سرتك وإذا أمرتها أطاعتك وإذا غبت عنها حفظتك في مالها ونفسها ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: 34] إلى آخر الآية.
ثم قال تعالى: ﴿واللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ واهْجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِعِ واضْرِبُوهُنَّ فَإنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء: 34] فأباح الله تعالى معاقبتها على النشوز بثلاث أشياء بالعظة والضرب والهجر ثم قال: ﴿فَإنْ أَطَعْنَكُمْ﴾ [النساء: 34] يعني في الإقلاع عن النشوز ﴿فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء: 34] فيه تأويلان: أحدهما: فلا تقابلوهن بالنشوز عنهن.
والثاني: أن لا تكلفها مع الطاعة أن تحبك.
وأما القسم الثالث: من النشوز فهو أن يشكل حال الزوجين فيه فلا يعلم أيهما هو الناشز على صاحبه فهو الذي ذكرنا فيه أن الحاكم يسكنها في جوار أمينه ليراعيهما ويعلم الناشز منهما فيستوفي منه حق صاحبه أو ينهيه إلى الحاكم حتى يستوفيه.
والقسم الرابع: أن يكون النشوز في كل واحد من الزوجين على الآخر فهو الذي أنزل الله تعالى فيه: ﴿وإنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء: 35] وسيأتي في الباب الآتي.
فإذا تقررت هذه الجملة فهذا الباب مقصور على نشوز الزوجة ولا يخلو حالها من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يخاف نشوزها بأمارات دالة عليه من غير إظهار له مثل أن يكون عادتها أن تلبي دعوته وتسرع إجابته وتظهر كرامته فتعدل عن ذلك فلا تلبي له دعوة ولا تسرع له إجابة ولا تظهر له كرامة ولا تلقاه إلا محبة ولا تجيبه إلا متبرمة لكنها مطيعة له في

الفراش فهذا من أسباب النشوز وإن لم يكن نشوزًا.
والثاني: أن يظهر منها ابتداء النشوز الصريح من غير إضرار عليه ولا مداومة له.
والثالث: أن تصر على النشوز الصريح وتداومه وإذا كان لها في النشوز ثلاثة أحوال فقد جعل الله تعالى عقوبتها عليه بثلاثة أحكام: وقد اختلف قول الشافعي في العقوبات الثلاث هل ترتب على الأحوال الثلاثة أم لا؟ على قولين: أحدهما: وهو المنصوص عليه في الجديد أن العقوبات مترتبات على أحوالها الثلاث ويكون الترتيب مضمنًا في الآية ويكون معناها إن خاف نشوزها وعظها فإن أبدت النشوز هجرها فإن أقامت على النشوز ضربها ويكون هذا الإضمار في ترتيبها كالمضمر في قوله تعالى: ﴿إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ﴾ [المَائدة: 33] وإن معناها المضمر فيها: أن يقتلوا إن قتلوا أو يصلبوا إن قتلوا وأخذوا المال أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلال إن أخذوا المال ولم يقتلوا كذلك آية النشوز، لأن العقوبات المختلفة يجب أن تكون في ذنوب مختلفة ولا تكون كبائر العقوبات لصغائر الذنوب ولا صغائر العقوبات لكبائر الذنوب فأوجب اختلاف العقوبات أن تكون على اختلاف الذنوب.
والثاني: قاله في القديم وذكر احتماله في هذا الموضع أن العقوبات الثلاث مستحقة في حالين اختلف أصحابنا في كيفيتها على وجهين: أحدهما: وهو قول البصريين أنه إذا خاف نشوزها وعظها وهجرها فإذا أبدت النشوز ضربها وكذلك إذا أقامت عليه.
والثاني: وهو قول البغداديين أنه إذا خاف نشوزها وعظها فإذا أبدت النشوز هجرها وضربها وكذلك إذا أقامت عليه ووجه هذا القول أن العقوبة هي الضرب وما تقدمه من العظة والهجر إنذار والعقوبة تكون بالإقدام على الذنوب لا بمداومته ألا ترى أن سائر الحدود تجب بالإقدام على الذنوب لا بمداومتها فكذلك ضرب النشوز مستحق على إبدائه دون ملازمته فصار تحريم المذهب في ذلك أن له عند خوف النشوز أن يعظها وهل له أن يهجرها أم لا؟ على وجهين وله عند إبداء النشوز أن يعظها ويهجرها وهل له أن يضربها أم لا؟ على قولين: وله عند مقامها على النشوز أن يعظها ويهجرها ويضربها.
فصل فإذا تقرر ما وصفنا انتقل الكلام إلى صفة العظة والهجر والضرب أما العظة فهو أن يخوفها بالله تعالى وبنفسه فتخويفها بالله أن يقول لها: اتق الله وخافيه وأخشي سخطه واحذري عقابه فإن التخويف بالله تعالى من أبلغ الزواجر في ذوي الدين وتخويفها من نفسه أن يقول لها: إن الله تعالى قد أوجب لي عليك حقًا إن منعتيه أباحني ضربك وأسقط عني حقك فلا تضري نفسك بما أقابلك على نشوزك إن نشزت بالضرب المؤلم وقطع النفقة الدارة فإن تعجيل الوعيد أزجر لمن قلت مراقبته.
وهذه العظة وإن كانت على خوف

نشوز لم يتحقق فليس يضاره لأنه إن كانت الأمارات التي ظهرت منها لنشوز تبديه كفها عنه ومنعها منه وإن كان لغيره من هم طرأ عليها أو لفترة حدثت منها لسهو لحقها لم يضرها أن تعلم ما حكم الله تعالى به في النشوز وأما الهجر نوعان: أحدهما: في الفعل.
والثاني: في الكلام.
فأما الهجر في الفعل فهو المراد بالآية وهو الإعراض عنها وأن لا يضاجعها في فراش أو يوليها ظهره فيه أو يعتزلها في بيت غيره.
أما هجر الكلام فهو الامتناع من كلامها.
قال الشافعي: لا أرى به أساسًا فكأنه يرى أن الآية وإن لم يضمنه فهو من إحدى الزواجر إلا هجر الفعل يجوز أن يستدعيه الزوج بحسب ما يراه صلاحًا.
فأما هجر الكلام فلا يجوز أن يستديمه أكثر من ثلاثة ايام لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث والسابق أسبقهما إلى الجنة».
وأما الضرب فهو ضرب التأديب والاستصلاح وهو كضرب التعزير لا يجوز أن يبلغ به أدنى الحدود ويتوقى بالضرب أربعة أشياء: أن يقتل أو يزمن أو يدمي أو يشين.
قال الشافعي: «ولا يضربها ضربًا مبرحًا ولا مدميًا ولا مزمنًا ويقي الوجه» فالمبرح القاتل، والمدمي إنهار الدم، والمزمن تعطيل إحدى أعضائها وضرب الوجه يشينها ويقبح صورها.
وقد روى ابن المبارك عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت: يا رسول الله نساؤنا ما تأتي منهن وما نذر قال: حرثك، فأت حرثك أن شئت غير أن تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت وأطعم إذا أطعمت واكس إذا اكتسيت كيف وقد أفضى بعضكم إلى بعض.
وروى بشر عن عكرمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اضربوهن إذا عصينكم في المعروف ضربًا غير مبرح وإذا كان كذلك توقى شدة الضرب وتوقى ضرب الوجه وتوقى المواضع القاتلة من البدن كالفؤاد والخاصرة وتوقى أن توالي الضرب موضعًا فينهمر الدم فإن ضربها فماتت من الضرب نظر فإن كان مثله قاتلًا فهو قاتل عمد وعليه القود وإن كان مثله يقتل فهو خطأ شبه العمد فعليه الدية مغلظة يتحملها عند العاقلة وعليه الكفارة في الحالين وبان بإفضاء الضرب إلى القتل أنه كان غير مباح كما تقوله في التعزيز وضرب المعلم الصبيان.
فصل: فأما ما ورد من السنة في إباحة الضرب وحظره فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا

تضربوا إماء الله» فنهى عن ضربهن وهذا مخالف للآية في إباحة الضرب.
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: «كنا معاشر قريش يغلب رجالنا نساءنا وكان الرجل منا بمكة معه هراوة إذا ترمرمت عليه امرأته هراها بها فقدمنا هذين الحيين: الأوس والخزرج فوجدنا رجالًا مغانم لنسائهم يغلب نساؤها رجالهم فاختلط نساؤنا بنسائهم فذئرن فقلت: يا رسول الله ذئر النساء على أزواجهن فأذن في ضربهن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «فاضربوهن» قال: فضرب الناس نساءهم تلك الليلة قال: فأتى نساء كثير يشتكين الضرب فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد أطاف بآل محمد الليلة سبعون امرأة كلهن يشتكين أزواجهن ولا تجدون أولئك خياركم» وفي قول عمر ذئر النساء على أزواجهن تأويلان: أحدهما: أنه البطر والأشرة.
والثاني: أنه البذاء والاستطابة.
قال الشاعر: ولمَّا أَتانِي عَنْ تَمِيمٍ أَنَّهُمْ ذَئِروا لِقَتْلَى عَامِرٍ وَتَغَضَّبوا وهذا الخبر مخالف للخبر المتقدم وإن كان موافقًا للآية.
فإن قيل: فكيف يترتب هذان الخبران مع الآية وليس بصحيح على مذهب الشافعي أن يفسخ القرآن السنة فلأصحابنا في ذلك ثلاثة أوجه: أحدها: أن ما جاءت به الآية والخبر من إباحة الضرب فوارد في النشوز وما ورد به الخبر الآخر من النهي عن الضرب ففي غير النشوز فأباح الضرب مع وجود سببه ونهى عنه مع ارتفاع سببه وهذا متفق لا يعارض بعضه بعضًا.
والثاني: أنه أباح الضرب جوازًا ونهى عنه اختيارًا فيكون الضرب وإن كان مباحًا بالإذن فيه فتركه أولى للنهي عنه ولا يكون ذلك متنافيًا ولا ناسخًا ومنسوخًا.
والثالث: أن خبر النهي عن الضرب منسوخ بخبر عمر الوارد بإباحته ثم جاءت الآية مبينة لسبب الإباحة فكانت السنة فكانت السنة ناسخة للسنة والكتاب مبينًا ولم ينسخ الكتاب السنة، والله أعلم.

باب الحكم في الشقاق بين الزوجين

قَال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «فَلَمَّا أَمَرَ اللهُ تَعَالَى فِيمَا خِفْنَا الشِّقَاقَ بَيْنَهْمَا

بِالحَكَمَينِ دلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُمَا غَيْرُ الأّزْوَاج فَإِذَا اشْتَبَهَ حَالَاهُمَا فَلَمْ يَفْعَلِ الرَّجُلُ الصُّلْحَ وَلا الفُرْقَةَ وَلَا المَرْأَةُ تَادِيَةَ الحَقِّ وَلَا الفِدْيَةَ وَصَارَا مِنَ القَوْلِ وَالفِعْلِ إِلَى مَا لَا يَحِلُّ لَهُمَا وَلَا يَحْسُنُ وَتَمَادَيَا بَعَثَ الإِمَامُ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا مَامُونَيْنِ بِرِضَا الرَّوْجَيْنِ وَتَوْكِيلِهِمَا إِيَّاهُمَا بِأَنْ يَجْمَعَا أَوْ يُفَرِّقَا إَذَا رَأَيَا ذَلِكَ.
وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا، ثُمَّ قَالَ لِلْحَكَمَيْنِ: هَلْ تَدْرِيَانِ مَا عَلَيْكُمَا؟ عَلَيْكُمَا أَنْ تَجْمَعَا إِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تَجْمَعَا وَأَنْ تُفَرِّقَا إِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تُفَرِّقَا.
فَقَالَتِ المَرْأَةُ: رَضِيتُ بِكِتَابِ اللهِ بِمَا عَلَيَّ فِيهِ ولِي، فَقَالَ الرَّجُلُ أَمَّا الفُرْقَةُ فَلَا، فَقَالَ عَليٌّ: كَذَبْتَ وَاللهِ حَتَّى يُقِرَّ بِمِثْلِ الَّذِي أَقَرَّتْ بِهِ.
فَدَلَّ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِلْحَاكِمِ إِلَّا بِرِضَا الزَّوْجَيْنِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَبَعَثَ بِغَيْرِ رِضَاهِمَا».
قال في الحاوي: وهذا الباب يشتمل على الحكم في نشوز الزوجين وهو الشقاق وفي تسميته شقاقًا تأويلات: أحدهما: لأن كل واحد منهما قد فعل ما شق على صاحبه.
والثاني: لأن كل واحد منهما قد صار في شق بالعداوة والمباينة.
والأصل في ذلك قول الله تعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إن يُرِيدَا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النّسَاء: 35] فإذا شاق الزوجان وشقاقهما يكون من جهة الزوجة بنشوزها عنه وترك لزومها لحقه ويكون من جهة الزوج بعدوله عن إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان فهذا على ضربين: أحدهما: أن لا يكونا قد خرجا في المشاقة إلى قبح من فعل كالضرب ولا إلى قبيح من قول كالنسب فإن الحاكم ينصب لهما أمينًا بأجرة بالإصلاح بينهما وأن يستطيب نفس كل واحد منهما لصاحبه من عفو أو هبة فإن سودة لما همّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بطلاقها استعطفته بأن وهبت يومها لعائشة رضي الله عنها لعلمها بشدة ميله إليها فعطف لها وأمسكها فنزل فيه قول الله تعالى: ﴿وإنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النِّسَاء: 128]. والثاني: أن يكون الشقاق قد أخرجهما إلى قبيح الفعل فتضاربا وإلى قبيح القول فتشاتما، وهو معنى قول الشافعي وصارا من القول والفعل إلى ما لا يحل لهما ولا يحسن فهي الحال التي قال الله تعالى فيها: ﴿وإنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إن يُرِيدَا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النّسِاء: 35] فيجب على الحاكم إذا ترافعا إليه فيها أن يختار من أهل الزوج حكمًا مرضيًا ومن أهلها حكمًا مرضيًا فإن جعل الحاكم إلى الحكمين الإصلاح بين الزوجين دون الفرقة جاز بل لو فعله الحاكم مبتدئًا قبل ترافع الزوجين إليه أو فعله الحكماء من قبل أنفسهما من غير إذن الحاكم لهما جاز قال الله تعالى ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النِّساء: 114] وإن أراد الحاكم أن يرد إلى الحكمين الإصلاح إن رأياه أولى والفرقة إن رأياها أصلح أو الخلع إن رأياه أنجح فهل يصح ذلك من الحكمين بإذن

الحاكم من غير توكيل الزوجين أم لا يصح إلا بتوكيلهما على قولين: أحدهما: يصح ذلك من الحكمين بإذن الحاكم من غير توكيل الزوجين نص عليه الشافعي في كتاب الطلاق من أحكام القرآن وبه قال مالك ودليله قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إن يُرِيدَا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النِّسَاء: 35] فكان الدليل من ثلاثة أوجه: أحدهما: أنه خطاب توجه إلى الحاكم فاقتضى أن يكون ما يضمنه من إنفاذ الحكمين من جهة الحاكم دون الزوجين.
والثاني: قوله: ﴿إن يُرِيدَا إصْلاحًا﴾ [النّسَاء: 35] راجع إلى الحكمين فدل على أن الإدارة لهما دون الزوجين.
والثالث: أن إطلاق اسم الحكمين عليهما لنفوذ الحكم جبرًا منهما كالحاكم فلم يفتقر ذلك إلى توكيل الزوجين.
وروي أنه شجر بين عقيل بن أبي طالب وبين زوجته فاطمة بنت عتبة بن ربيعة خصومة تنافرا فيها وكان سببها أن فاطمة كانت ذات مال تدل بمالها على عقيل وتكثر إذكاره بمن قتل يوم بدر من أهلها فتقول له: ما فعل عتبة ما فعل الوليد وما فعل شيبة وعقيل يعرض عنها إلى أن دخل ذات يوم ضجرًا فقالت له: ما فعل عتبة والوليد وشيبة؟ فقال لها: إن دخلت النار فعلى يسارك فجمعت رحلها وبلغ ذلك عثمان فقرأ قوله تعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا﴾ [النِّسَاء: 35] فاختار من أهل عقيل: عبد الله بن عباس ومن أهل فاطمة: معاوية بن أبي سفيان وقال: عليكما أن تجمعا إن رأيتما أو تفرقا إن رأيتما.
فقال عبد الله بن عباس والله لأحرص على الفرقة بينهما.
فقال معاوية: والله لا فرقت بين شيخين من قريش فمضيا إليهما وقد اصطلحا.
فدل هذا القول منهما على أن الحكمين يملكان الفرقة إن رأياها وذلك بمشهد من عثمان رضي الله تعالى عنه وقد حضره من الصحابة من حضر فلم ينكره ولأن للحاكم مدخلًا في إيقاع الفرقة بين الزوجين بالعيون والعنة وفي الإيلاء فجاز أن يملك بها تفويض ذلك إلى الحكمين.
والثاني: أنه لا يصح من الحكمين إيقاع الفرقة والخلع إلا بتوكيل الزوجين ولا يملك الحاكم الإذن لهما فيه نص عليه الشافعي في كتاب الأم والإملاء وبه قال أبو حنيفة لقول الله تعالى: ﴿إن يُرِيدَا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النِّسَاء: 35] فدل على أن المردود إلى الحكمين الإصلاح دون الفرقة.
ولما روى ابن عون عن ابن سيرين عن عبيد الله السلماني قال: جاء رجل وامرأة إلى علي رضي الله عنه مع كل واحد منهما قيام من الناس يعني جمعًا فتلا الآية.
وبعث إلى الحكمين وقال: رويدكما حتى أعلمكما ماذا عليكما إن رأيتما أن تجمعا جمعتكما وإن رأيتما

أن تفرقا فرقتكما ثم أقبل على المرأة وقال: أقد رضيت بما حكما؟ قالت: نعم رضيت بكتاب الله عليَّ، ثم أقبل على الرجل فقال: قد رضيت بما حكما فقال: لا، ولكن أرضى أن تجمعا ولا أرضى أن تفرقا، فقال له علي: كذبت والله لا تبرح حتى ترضى بمثل الذي رضيت.
فموضع الدليل من هذا الخبر أنه لو ملك الحكمان ذلك بغير توكيل الزوجين لم يكن لرجوع علي عنه إلى رضي الزوج وجه ولكان بإذن الحكمين فيه وإن امتنع.
فإن قيل: فما معنى قوله كذبت والله حتى ترضى بمثل الذي رضيت وكيف يكون امتناعه من الرضى كذبًا فعنه جوابان: أحدهما: يجوز أن يكون تقدم من الرضى ثم أنكره فصار كذبًا وزال بالإنكار ما تقدم من التوكيل.
والثاني: أن قوله كذبت بمعنى أخطأت وقد يعبر عن الخطأ بالكذب لأنه بخلاف الحق ومنه قول الشاعر: كَذَبَتْكَ عَيْنُكَ أَمْ رَأَيْتَ بِوَاسِطٍ غَلَسَ الظَّلَامِ مِنَ الرَّبَابِ خَيَالَا يعني أخطأتك عينك ويدل على ما ذكرنا أن الله تعالى لم يجعل الطلاق إلا إلى الأزواج فلم يجز أن يملكه غيرهم ولأن الحاكم لا يملك إيقاع الطلاق والخلع بين الزوجين إلا عن رضاهما فلأن لا يملكه الحكمان من قبله أولى.
فصل: فإذا تقرر توجيه القولين كان الحكمان على القول الأول حاكمين وعلى القول الثاني وكيلين ولا بد من اعتبار شروط صحته تحكيمهما وهي تنقسم ثلاثة أقسام: قسم يجب اعتباره فيهما.
وقسم يستحب اعتباره فيهما.
وقسم يختلف باختلاف القول فيهما.
فأما ما يجب اعتباره فيهما من الشروط فثلاثة: أحدهما: أن يكونا رجلين فإن كانا أو أحدهما امرأة لم يجز.
والثاني: أن يكونا حرين فإن كانا أو أحدهما عبدًا لم يجز.
والثالث: أن يكون عدلين فإن كانا أو أحدهما غير عدل لم يجز.

وإنما اعتبرنا هذه الشروط الثلاثة على القولين معًا لأنهما إن كانا حاكمين فلا بد من اعتبار هذه الشروط في الحاكم وإن كانا وكيلين فقد اقترن بوكلتهما ولاية اختيار الحاكم لهما ولا يصح فيمن رد الحكم إليه نظر إلا أن يكون بهذه الصفات ألا ترى أن الحاكم لو أراد أن يرد النظر في مال يتيم إلى عبد أو فاسق لم يجز وإن جاز أن يكون وكيلًا.
وأما ما يستحب اعتباره فهو أن يكون الحكمان من أهل الزوجين لقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا﴾ [النِّساء: 35] ولأن الأول أخص بطلب الحظ من الأجانب ولأن الأنس بالأهل والاستجابة لهم وشرح الحال معهم أكثر من الأجانب فلهذه الأمور اخترنا أن يكون الحكمان من أهل الزوجين فإن كانا أجنبيين جاز لأنه إن جرى التحكيم مجرى الحاكم فحكم الأجنبي نافذ وإن جرى مجرى الوكالة فوكالة الأجنبي جائزة ولأنه قد لا يكون لواحد من الزوجين أهل ولا أنه كانوا حضروا ولا إن حضروا كانوا عدولاً فدعت الضرورة إلى جواز تحكيم غير الأهل.
وأما ما يختلف باختلاف القول فيهما فهو أن يكونا فقيهين من أهل الاجتهاد في الأحكام.
فإن قلنا: إنهما يجريان مجرى الحاكمين فلا بد أن يكونا من أهل الاجتهاد فإن لم يكونا من أهله لم يجز؛ لأنه حكم فلم ينفذ إلا من مجتهد.
وإن قلنا: إنهما يجريان مجرى الوكيلين جاز أن يكونا من أهل الاجتهاد؛ لأن وكالة العامة جائزة فإن عدل الحاكم عن أهلها إلى أجنبيين اختار لكل واحد منهما حكمًا يثق به ويأنس إليه ولا يجوز أن يحكم عليهما عدويين للتهمة اللاحقة بهما.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَلَوْ فَوَّضَا مَعَ الخُلْعِ وَالفُرْقَةِ إِلَى الحَكَمَيْنِ الأَخْذَ لِكُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ كَانَ عَلى الحَكَمَيْنِ الاجْتِهَادُ فِيمَا يَرَيَانِهِ أَنَّهُ صَلَاحٌ لَهُمَا بَعْدَ مَعْرِفَةِ اخْتِلَافِهِمَا».
قال في الحاوي: والكلام في هذه المسألة يشتمل على فصلين: أحدهما: على ما يتم به ولاية الحكمين.
والثاني: ما يجوز أن يفعله الحكمان وما لا يجوز لهما فعله.
فأما الأول فيما يتم به ولاية الحكمين فهو معتبر باختلاف القولين فيهما.
فإن قلنا: إنهما حكمان تمت ولايتهما بتقليد الحاكم لهما ولا يعتبر فيهما إذن الزوجين ولا رضاهما لكان لا بد للحاكم أن يعين كل واحد من الحكمين أن يكون مختصًا بأحد الزوجين فإن لم يعينه لم يجز لأن كل واحد منهما ينوب عن أحد الزوجين في استيفاء حقه من الآخر والنظر في مصلحته، ثم يرد إليهما ما رأياه صلاحًا من إصلاح أو طلاق أو خلع، فإن

أراد بعد تحكيمها أن يستبدل بهما غيرها، فإن كان لتغير حالهما أو لوجود من هو أولى منهما جاز، وإن لم يكن لتغير حال ولا لوجود من هو أولى لم يجز ولو اعتزل الحكمان جاز وما يستحب ذلك لهما إلا أن يكون لعجز منهما أو لاشتباه الأصلح عليهما، وليس لهما بعد عزل أو اعتزلا أن يحكما عليهما بشيء، فإن حكما لم ينفذ حكمهما وإن قلت إن الحكمين وكيلان لم يتم ولايتهما إلا بتوكيل الزوجين إلى إذن الحاكم، وإنما افتقرا مع توكيل الزوجين إلى إذن الحاكم لهما، لأن له مع الوكالة ولاية لا تصح إلا بالحاكم وإذا كان كذلك احتاج كل واحد من الزوجين أن ينفرد بتوكيل الحكم الذي ينوب عنه فيأذن الزوج لحكمه في الطلاق وعدده وفي الخلع ومقداره ولا يكتفي في الإذن بالطلاق عن الإذن في الخلع لأن الخلع يسقط الرجعة فلا يفعل ذلك إلا بإذن مستحقيها وتأذن الزوجة لحكمها أن يخالع عنها من مالها بما تقدره له أو تعينه ثم يأذن الحاكم للحكمين بعد توكيل الزوجين في فعل ما وكلا فيه وإمضائه فيكون التوكيل من الزوجين والولاية من الحاكم.
فصل: وأما ما يستحق على الحكمين فعله فهو الاجتماع على فعل الأصلح للزوجين فإن كان الأصلح لهما الإصلاح بينهما فليس لهما أن يعدلا عن الإصلاح إلى طلاق أو خلع فإن طلقا أو خالعا لم يجز وكان مردودًا وإن كان الأصلح لهما الطلاق من غير خلع اتفقا عليه تفرد حكم الزوج بإيقاعه ولم يجز أن يخالعا وإن كان الأصلح لهما الخلع اجتمعا على عقد الخلع بعد اتفاقهما على عدد الطلاق وقدر العوض وتفرد حكم الزوجة بالبذل وحكم الزوج بالقبول وإيقاع الطلاق.
فلو أراد الحكمان فسخ النكاح بغير طلاق لم يجز لأنه غير مأذون فيه فإن أذن لهما الحاكم في الفسخ جاز إن قيل: إن التحكيم حكم لأن الحاكم بالفسخ أخص منه بالطلاق وإن قيل: إن التحكيم وكالة لم يجز؛ لأن الموكل لم يرد الفسخ إليهما فلو رد الزوجان إليهما لم يجز.
وإن قيل: إن التحكيم وكالة لأن الزوجين لا يملكان الفسخ إلا بالعيب.
فأما إن ظهر لأحد الزوجين على صاحبه مال لم يكن للحكمين أن يستوفياه إلا عن إذن مستحقه من الزوجين دون الحاكم لأنه رشيد لا يولى عليه فإن أخذه الحاكم لم يبرأ منه الدافع فإن جعل كل واحد من الزوجين إلى حكمه أن يستوفي ما وجب له من حق على صاحبه لم يحتج إلى إذن الحاكم فيه وجاز له استيفاؤه ولو جعل الحاكم ذلك إليه لم يجز على القولين معًا سواء قيل: إن الحاكم أو وكيل لأن الحاكم لا مدخل له في استيفاء حقوق أهل الرشد وإن كان له مدخل في إيقاع الفرق بينهم وهكذا لا يجوز للحكمين الإبراء من حق وجب لأحد الزوجين من نفقة أو دين لأن الإبراء لا يصح إلا من مالك أو بإذن مالك.

مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَلَوْ غَابَ أَحَدُ الزُّوْجَيْنِ وَلَمْ يَفْسَخِ الوَكَالَة أَمْضَى الحَكَمَانِ رَايَهُمَا».
قال في الحاوي: وهذا كما قال.
إذا استقرت ولاية الحكمين في شقاق الزوجين فعاف الزوجان أو أحدهما وأراد الحكمان تنفيذ ما إليهما فهو مبني على اختلاف القولين فيهما فإن قلنا: إن التحكيم وكالة جاز لهما مع غيبة الزوجين أن يفعلا ما رأياه صلاحًا لأن للوكيل أن يستوفي حق موكله ويوفي ما عليه من حق وإن كان غائبًا هذا إذا كان مفترقين في الغيبة فأما إذا كان في غيبتهما مجتمعين، لم يكن للحكمين إيقاع طلاق ولا خلع لجواز أن يصطلحا في الغيبة وإن قيل: إن التحكيم حكم لم يجز للحكمين أن يحكما مع غيبتهما سواء كانا فيهما مجتمعين أو مفترقين لأنه وإن جاز الحكم عندنا على الغائب فالحكم له لا يجوز حتى يحضر فإن رجع الزوجان عن التحكيم فإن كان مع اصطلاحهما بطلت ولاية الحكمين سواء قيل: إن التحكيم حكم أو وكالة لأن الشقاق قد زال وإن كان مع مقامها على الشقاق بطل التحكيم إن قيل: إنه وكالة ولم يبطل إن قيل: إنه حكم.
ولو رجع أحد الزوجين دون الأخر كان كرجوعهما معًا يبطل به التحكيم إن قيل إنه وكالة ولم يبطل به إن قيل: إنه حكم لأن التحكيم لا يصح إلا بحكمين.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَأَيُّهُمَا غَلَبَ عَلَى عَقْلِهِ لَمْ يَمْضِ الحَكَمَانِ بَيْنَهُمَا شَيْئًا حَتَّى يَفِيقَ ثُمَّ يُحْدِثَ الوَكَالَةَ».
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا جن أحد الزوجين بعد تحكيم الحكمين أو أغمي عليه لم يجز للحكمين أن ينفذا حكم الشقاق بين الزوجين على القولين معًا، لأنه إن قيل: إن التحكيم وكالة فقد بطلت بجنون الموكل.
وإن قيل: إنه وكالة حتى يستأنفها المفيق منهما دون الآخر ولا يحتاج إلى استئناف إذن من الحاكم ولم يبطل التحكيم إن قيل: إنه حكم وجاز للمحكمين بالإذن الأول إمضاء حكمهما على الزوجين ولم يؤثر الجنون في إبطال تحكيمهما وإنما أثر التوقف إلى إفاقتهما ليعلم حالهما بعد الإفاقة في مقامها على الشقاق أو إقلاعهما عنه.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَعَلَى السُّلْطَانِ إِنْ لَمْ يَرْضَيَا حَكَمَيْنِ أَنْ يَاخُذَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ مَا يَلْزَمُ وَيُؤَدِّبَ أَيُّهُمَا رَأَى أَدَبَهُ إِن امْتَنَعَ بِقَدْرِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَقَالَ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ مِنْ أَحْكَام القُرْآنِ وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: نَجْبُرُهُمَا عَلَى الحَكَمَيْن كَانَ مَذْهَبًا.
قَالَ المُزَنِيُّ رَحِمَهُ اللهُ هَذَاّ ظَاهِرُ الآيَةِ وَالقِيَاسُ مَا عَلَيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لأَنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ الطَّلَاقَ

لِلأَزْوَاجِ فَلاَ يَكُونُ إِلَّا لَهُمْ».
قال في الحاوي: وصورتهم أن يمتنع الزوجان من الرضى بالحكمين مع مقامهما على الشقاق.
فإن قيل: إن التحكيم حكم لم يؤثر فيه امتناع الزوجين وأمضى الحاكم رأيه عن اختيار الحكمين.
وإن قيل: إنه وكالة لم يصح مع امتناع الزوجين ولا يجوز إجبارهما عليه لأن الوكالة لا تصح مع الإجبار وكذلك لو امتنع أحدهما كان كامتناعهما وإذا لم يصح التحكيم على هذا القول إلا عن رضى الزوجين فعلى الحاكم أن ينظر بينهما ويستوفي الحق لمن وجب له على من وجب عليه غير أنه لا يوقع بينهما طلاقًا ولا خلعًا؛ لأن الحاكم مندوب إلى استيفاء الحقوق وإنصاف المظلوم، فإن علم من أحدهم عدونًا على صاحبه منعه منه، فإن لم يمتنع أدبه عليه.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «وَلوَ اسْتَكْرَهَهَا عَلَى شَيْءٍ أَخَذَهُ مِنْهَا عَلَى أَنْ طَلَّقّهّا وَأَقَامَتْ عَلَى ذَلِكَ بَيَّنَةً رَدَّ مَا أَخَذَهُ وَلَزِمَهُ مَا طَلَّقَ وَكَانَتْ لَهُ الرَّجْعَةُ».
قال في الحاوي: وهذه مسألة من الخلع وكثيرًا ما يختم المزني بمسألة من الكتاب الذي يليه.
وصورتها في رجل أكره زوجته على الخلع بضرب أو حبس أو أحد أنواع الإكراه حتى بذلت له مالًا على طلاقها فالخلع باطل؛ لأن عقود المعارضات لا تصح مع الإكراه، وعليه رد المال عليها وطلاقه واقع لأنه أوقعه باختياره، وله الرجعة إن كان الطلاق دون ثلاث؛ لأن البذل لم يحصل له، فإن ادعت عليه أنه خالعها مكرهًا فذكر أنه خالعها مختارة فالقول قولها مع يمينها؛ لأنها تنكر استحقاق البذل وهو يدعيه وطلاقه قد وقع بائنًا ولا رجعة له مقر بطلاق لا يستحق فيه الرجعة والفرق بين هذه المسألة والتي تقدمها في الرجعة أنه في المسألة الأولى مقر بفساد الخلع فثبت له الرجعة وفي هذه المسألة مقر بصحة الخلع فللم يثبت له الرجعة فلو ادعت عليه أنه خالعها مكرهًا لها فأنكرها الخلع كان القول قول يمينه ولا طلاق عليه لأن في هذه المسألة منكر للطلاق فلم يلزمه وفي التي تقدمها مقر بالطلاق فلزمه، وبالله التوفيق.
تم الجزء التاسع ويليه إن شاء الله الجزء العاشر وأوله: كتاب الطلاق

جارٍ التحميل