كل واحدة عبدًا نصفًا عن واحدة ونصفًا عن واحدة يكمل في العتق" فأخبر أنه كمل فيها العتق، وقوله: "أعتق عن كل واحدة عبدًا تامًا عن واحدة ونصفًا عن واحدة" إخبار عن فعل المعتق أنه هكذا فعل، ولكن انقلب ذلك وسرى على ما ذكرنا، وهذا اختيار أبي حامد، وذكر أنه نص عليه في الأم هكذا.
ومن أصحابنا [154/ ب] من قال: يعتق كل واحد منهما عن الكفارتين؛ لأنه هكذا نوي، فلا يجوز أن يقلب عما نوى، كما لو جب عليه كفارتان فأعتق عبدًا عن إحديهما لا ينقلب إلى الأخرى، وهذا أظهر من كلام الشافعي ها هنا.
وقوله: "فكمل العتق فيهما" أي: كمل من طريق الحكم فجاز، لا أنه كمل من طريق السراية.
وفائدة هذا الخلاف لا يتبين في هذه المسألة، وإنما يتبين في مسألة أخرى، وهو إذا كان له نصف عبدين فأعتقهما عن كفارته وهو معسر.
فعلى قول ابن سريج لا يجوز بحالٍ؛ لأن الله تعالى أمر بعتق رقبة كاملة وهذا لم يعتق رقبة كاملة، ولأن ما أمر بصرفه إلى شخص واحد في الكفارة لم صرفه إلى اثنين كالمد من الطعام، وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة.
وعلى قول القائل الثاني يجوز بكل حالٍ، وبه قال أحمد؛ لأنه ينظم أحد النصفين إلى الآخر فتكون رقبة كاملة، ولأن الأشقاص بمنزلة الأشخاص فيما لا يمتنع منه العيب اليسير كما في الزكاة فإن من ملك ثمانين شاه مشتركًا كان بمنزلة إن تملك أربعين، ولا يلزم على هذا إذا ضحى بنصف شاتين لا يجوز لأنه يمتنع منها العيب اليسير.
ومن أصحابنا من ذكر وجهًا ثالثًا إنه إن كان باقيهما حرًا يجوز، وإن كان رقيقًا لا يجوز؛ لأنه إذا كان الباقي حرًا فقد كمل الأحكام فيه ووجد مقصود الحرية، بخلاف ما لو كان الباقي رقيقًا، والأول أظهر؛ لأن تكميل الأحكام لم تحصل بما أعتقه عن الكفارة، وإنما حصل بانضمام عتق النصف الآخر فلا يجوز.
فرع
لو أخرج في الزكاة نصفي شاتين بدل شاة، هل يجوز؟ وجهان؛ أحدهما: لا يجوز، وهو قول عامة أصحابنا.
والثاني: يجوز، وهو اختيار الأصطخري [155/ أ] وكان يقول: لا أعلم خلافًا بين أصحابنا في الممتنع إذا ذبح نصفي شاتين يجوز، وأن نصفي رقبتين في وجوب زكاة الفطر بمنزلة رقبة واحدة، وعندي أن في الممتنع إذا ذبح نصفي شاتين يجوز على قياس قول أصحابنا؛ لأنه يمتنع بالعيب اليسير كالأضحية.
مسألة: قال: "ولو كانَ ممَن عليهِ الصومُ فصيامَ شهرينِ متتابعينِ عِنْ أحديهمَا كانَ له أنْ يجعلَه عنْ أيهمَا شاءَ".
الفصل
قد بينا أن الكفارة لا تحتاج إلى نية التعيين، ولكن تحتاج إلى النية.
قال الشافعي في "الأم": ولا تجزئة الكفارة حتى ينوي مع التفكير أو قبله واختلف أصحابنا في جواز تقديم نية الكفارة عليها الظاهر هذا الكلام، فمنهم من قال: يجوز، ومنهم من قال: لا يجوز إلا مع الفصل كما لا يجوز في الصلاة وهو الأظهر.
وأراد الشافعي بما ذكر أنه ينوي قبله واستصحب النية، وهو كالوجهين في نية الزكاة؛ أحدهما: عند عزلها، والثاني: عند دفعها.
ولا إشكال أنه لا تجوز النية قبل أن يتعين له العبد الذي يعتقه والطعام الذي يطعمه، والوجهان بعد تعيين العبد والطعام.
فإذا تقرر هذا لو كان عليه كفارتان فصيام عن إحديهما شهرين متتابعين هو معسر جاز، وهو بالخيار إن شاء عين الأن عن أحدى الكفارتين ثم يصوم شهرين آخرين عن الكفارة الثانية، وإن شاء تركها كما هي ويصوم شهرين آخرين عن كفارة أخرى لا يعينها، فإن عينها عن إحدى الكفارتين ثم أراد أن يصدقها إلى الآخر فليس له ذلك، كما لو أحرم إحرامًا موقوفًا له أن يصرفه إلى أي النسكين شاء من الحج والعمرة، فلو صرفه إلى أحدهما ليس له أن يصرفه إلى الآخر بعد ذلك.
ولو صام أربعة أشهر عن كفارتين ونوى أن كل يوم عنهما أو يوم عن هذا ويوم عن ذاك، [155/ ب] أو شهر عن هذا وشهر عن ذاك لم يجز؛ لأن التتابع شرط.
ولو كان عليه ثلاث كفارات وكان له رقبة فأعتقها عن إحديهما صام عن الأخرى، ثم مرض فأطعم عن الثالثة ونوى بالجميع الكفارة جاز؛ لأنه قد أتى بكل واحد من هذه الأجناس وهو من أهله فجاز، ولو عين الكفارة فأخطأ، مثل أن كانت عليه كفارة القتل لا غير فنوى عن كفارة الظهار لم يجز؛ لأن أصل النية واجب، وإن لم يكن التعين واجبًا، فإذا أخطأ في التعين لم يجز، وهذا كما لو أخرج خمسة دراهم زكاة ونوى عن أحد ماليه جاز بعد ما كان تالفًا لم يجز عن الآخر وعند الإطلاق لو بان تلف أحدهما تعين ما أدى عن الآخر، وكذا إذا صلى على جنازة فلا حاجة إلى أن يعرف أنه رجل أو امرأة، فلو عين وأخطأ لم يجزه.
فرع
لو قال لعبديه: أحدكما حر عن ظهاري أجزأه وتعين العتق.
فرع آخر
لو قال: إن كان ذا المقبل عبدي سالمًا فهو حر عن ظهاري، فكان ظاهر المذهب أنه لا يجزيه، كما لو قال لمكاتبه: إن عجزت فأنت حر عن ظهاري لم يجز.
مسألة: قال: "ولو وجبتَ عليهِ كفارةٌ فشكَ أَنْ يكونَ مِن ظهارِ أو قتلٍ أو نذرٍ،
فأعتقَ رقبةَ عن أيهمَا كانَ أجزأَه".
إذا كان عليه كفارة ولم يعلم سببها فأعتق عنها رقبة أجزأه؛ لأن المأخوذ عليه أصل النية وقد وجد، فإن نوى عن الكفارة التي عليه جاز بلا إشكال.
وقول الشافعي: "أو نذر" أراد به النذر الذي يجري مجرى اليمين وهو نذر اللجاج، فأما نذر البرر لا يكفي فيه نية التفكير.
بل يحتاج إلى أن يأتي فيه إلى نية النذر، ولو أعتق في مسألتنا عبدًا ينوي به [156/ أ] العتق مطلقًا لا يجوز؛ لأن الظاهر من العتق المطلق، المطلق المتطوع به.
وكذلك لو نوي عتقًا واجبًا لا يجوز؛ لأن الواجب قد يكون عن كفارة وقد يكون غيرها، ولو لم يكن عليه إلا المنذور فأعتق رقبة عن الحواجب الذي عليه جاز في ظاهر نص الشافعي.
مسألة: قال: "ولو أعتقهَا لا ينويَ واحدةً منهَا لمْ يجزئْهُ".
قد بينا أن النية شرط في صحة الكفارة، وصفتها أن ينوي عتقها عن الكفارة، فإذا زاد الواجبة كان تأكيدًا واعلم أن ها هنا إشكالًا وذلك أنه عطف بهذا على المسألة قبلها، وظاهر أن التعين واجب بلا خلاف ما قبلها، وإزالة هذا الإشكال بأن يقال: يحتمل أن يكون مراد الشافعي بقوله: "لا ينوي واحدًا منها" راجعًا إلى الصفة، أي لا ينوي الواجب عند العتق؛ لأن كل واحدة منهما واجبة فلا بد من أن ينوي واجبًا واحدًا من الواجبات التي شك فيه حتى يجزيه، ويحتمل معنى آخر، وهو أن ينوي بالعتق ما يتعين أنه غير واجب عليه، ثم يستبين أن الواجب غيره على ما ذكرنا.
مسألة: قال: "ولو ارتدَ قبلَ أن يكفرَّ فأعتقَ عبدًا عَنْ ظهارهِ فإنَ رجعَ أجزأهُ".
إذا وجب عليه عتق رقبة فارتد ثم أعتق، ومن أصحابنا من قال: هذا مبني على تصرفه وملكه وفيهما ثلاثة أقول: أحدها: تصرفه باطل وملكه زائل.
والثاني: تصرفه نافذ وملكه باق.
والثالث كلاهما مراعى الوقوف.
فإن قلنا: ملكه باق وتصرفه نافذ يجوز أن يعتق عن الظهار من ماله، ولو كفر بالإطعام فيه وجهان؛ أحدهما: يجوز كالعتق.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه بدل عن الصيام الذي لا صلح منه، فأجرى على البدل حكم المبدل، هكذا ذكره صاحب "الحاوي" وسائر أصحابنا [156/ ب] لم يفصلوا بين العتق والإطعام بوجه، ولو صام في ردته لا يجوز، والفرق لأن الصوم عبادة بدنية محضة لا منفعة فيه للآدمي بحال، فالكفر يمنع جواز أدائه، وفي هذا نفع للآدمي، والأغلب فيه معنى الغرامة فجاز مع الكفر، ولأن الصوم عمل البدن لا يدخل في النيابة حتى لو أناب فيه كافرًا، فجاز إذا كان المؤدي كافرًا.
فإن قيل: أليست الأعمال بالنيات والكافر ليس من أهل النية في حال كفره وجود نيته وعدمها بمنزلةٍ والكفارة عبادة تفتقر إلى النية، فكيف صحت من المرتد في
حال ارتداده؟ قيل: في الكفر بالمال معنيان؛ أحدهما: التطهير عن الذنب.
والثاني: الإرفاق بأهل الحاجة، فلئن لم يحصل بتفكيره في الردة معني التطهير فقد حصل معنى الإرفاق، ونظيرها الحد يتضمن التنكيل والتطهير ويوجب الحد على الكافر على وجه التنكيل لا على وجه التطهير، ولا نعتبر فيه نية القربة بل يكفر نية الكفارة فقط، كما ينوي في كنايات الطلاق والعتاق، أو نقول: النية تابعة في الكفارة والفعل مقصود إرفاقًا بالغير، فإذا حصل الفعل في حال تعذر النيية سقط الفرض، ولهذا قلنا في الزكاة: إذا امتنع من أدائها فأخذها الإمام من غير نية منهما جاز.
وإن قلنا: تصرفه باطل وملكه زائل لا يجوز عتقه عن الكفارة أيضًا.
وإن قلنا: تصرفه وملكه موقوفان فعتقه أيضًا موقوف، فإن أسلم تبينا جوازه عن الكفارة، وإن قتل تبينا أنه لا يجوز، ومن أصحابنا من قال: يجوز أن يكفر عن الظهار من ماله.
وإن قلنا ملكه زائل وتصرفه مردود أو مراعى؛ لأنه استحق عليه قبل الردة فهو كالدين والزكاة والقصاص وحد القذف [157/ أ] كما صح أداءه الدين أو القود أو الحد، فكذلك الكفارة.
باب ما يجزئ من العيوب في الرقاب الواجبة
مسألة: قال "لمَا لمْ اعلمْ أحدًا ممَن مضى مِنْ أهلِ العلمِ ولا ذكرَ لي عنهُ ولا بقيَ من خالفٍ فِي أَنْ من ذواتِ النقصِ مِنْ الرقابِ مَا لا يجزئ".
الفصل
قال الشافعي: "لا خلاف بين أهل العلم" وأراد أهل العلم المتقدمين.
وقوله: ولا بقي أراد ممن بقي أن بعض العيوب يمنع الجواز في الكفارة وبعضها لا يمنع.
وحكي عن داود أنه قال: يجوز مع كل عيب وهو كان بعض الشافعي، واحتج بأن اسم الرقبة يقع عليه وهذا غلط؛ لأن المقصود بالعتق في الكفارة تكميل الأحكام وتمليك المنفعة، وهو أن يصير بالحرية مالكًا لمنافع نفسه، فيجب أن يكون كامل المنافع، ولأن العتق أحد لا ما يكفر به فلا يجوز ما يقع عليه الاسم أصله الإطعام، فإنه لا يجوز فيه المسوس، وإن كان اسم الطعام يقع عليه.
فإذا تقرر هذا نقول: كل عيب في الرقبة يضر بالعمل ضررًا لا يمنع جوازها في الكفارة وكل عيب لا يضر بالعمل ضررًا بينًا لا يمنع جوازها في الكفارة، وهو كالبيع ما يؤثر في مقصوده يعد عيبًا، وما لا يؤثر في مقصوده لا يعد عيبًا، فعلى هذا نقول الأعمى لا يجوز؛ لأنه عاجز عن الاكتساب فلا يمكن العمل مع العمى في أكثر الصنايع والأعوز لا يجوز؛ لأن ما يعمل ذو العينين يعمل الأعور ويخالف الأضحية،
ولا يجوز فيها الأعور؛ لأن العين مقصودة بالأكل وهو المقصود فيه [157/ ب] وها هنا المقصود ما ذكرنا.
فرع
لا يجوز الزمن سواء كان أقطع اليدين أو إحديهما، أو أقطع الرجل من خلال يجوز، وإن كان من وفاق كلاهما من جانب واحد لا يجوز، واحتج بأن منفعة الجنس باقية مع قطع إحدى اليدين وإحدى الرجلين وهذا غلط؛ لأن هذا النقص يؤثر في العمل ويضر به ضررًا بينًا كما لو كانا من وفاق.
فرع آخر
إذا كان مقطوع الإصبع نظر، فإن كان مقطوع الإبهام أو السبابة أو الوسطى يجوز، وإن كان مقطوع البنصر والخنصر من يد واحدة لا يجوز، وإن كان مقطوع الخنصر والبنصر من اليدين أجزأه، وإن كان مقطوع الخنصر أو البنصر من يد واحدة يجوز أيضًا؛ لأنه لا يضر بالعمل ضررًا بينًا.
فرع آخر
لو كان هذا الرجل، قال ابن أبي هريرة: لا فرق بين أن يكون ذلك من اليد أو الرجل؛ لأنه يزول به معظم القوة من المشي كما يزول معظم القوة من البطش، هو اختيار القاضي الطبري.
وقال في "الحاوي": قطع إبهام الرجل يمنع الجواز؛ لأنه يضر بالمشي.
وأما غير الإبهام إذا قطع أحدهما من سبابة أو وسطى أو بنصر أو خنصر لا يمنع الجواز بخلاف اليد؛ لأن منافعها في الرجل متقاربة، وفي اليد متفاصلة فإن قطع إصبعين منها في رجل واحدة لا يجوز؛ لأن اجتماعهما مضر بالمشي.
وقال القفال: مفقود أصابع الرجل يجوز؛ لأنه لا يذهب به أكثر المشي ولم يذكر غير هذا وهو غريب، والصحيح ما ذكره صاحب "الحاوي".
فرع آخر
شلل الأصبع فيما ذكرنا يقوم مقام قطعها، فإذا منع القطع منع الشلل.
[158/ أ].
فرع آخر
لو كان مقطوع الأنملة، فإن كان من الإبهام لا يجوز، وإن كان من سائر الأصابع جاز، حتى لو كانت السبابة والوسطى والبنصر والخنصر مقطوعة الأنامل كلها جاز؛ لأنه لا يضر بالعمل ضررًا بينًا، وإن كان مقطوع الأنملين لم يجز إذا كان من الإصبع التي يمنع تقدمها الجوار وهي الأصابع الثلاثة من الإبهام والمسبحة والوسطى، فأما الخنصر أو البنصر ففقدها لا يمنع جوازها عن الكفارة، ففقد أنملتين أولى بأن لا يمنع.
فرع آخر
مقطوع الأذنين يجوز في الكفارة، وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك وزفر: لا يجوز؛ لأنه يجب فيهما الدية كاليدين، وهذا غلط؛ لأن قطعهما لا يضر بالعمل ضررًا بينًا، وإنما يورث نقصان السمع.
فرع آخر
يجوز الأجدع وغيره أولى منه بالخروج من الخلاف، وإنما جاز لأنه لا يؤثر في العمل.
فرع آخر
يجوز مفقود الأسنان، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: لا يجوز لأن منفعة المضغ ذاهبة وهذا غلط؛ لأنه لا يضر بالعمل ضررًا بينًا.
فرع آخر
الأصم يجوز؛ لأنه لا يضر بالعمل بل يزيد العمل لأنه لا يسمع بالسفلة عنه، وقد قال الشافعي: "فإن كان أبكم وأصم يعقل أو أحمق أو ضعيف البطش أجزأه".
وقال بعض أصحابنا بخراسان: الصمم كالخرس، وهذا ليس بشيء.
فرع آخر
الأبكم الذي ولد أخرس، والأخرس هو الذي خرس بعد الولادة وقد ذكرنا حكمه.
قال المزني: أولى قوليه أنه يجوز، وهو كما قال، وليست المسألة على قولين لما روي أن رجلًا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه جارية خرساء، فقال: يا رسول الله، علي رقبة [158/ ب] فهل تجزئ عني هذه؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أين الله؟ " فأشارت إلى السماء.
فقال لها: "من أنا؟ " فأشارت إلى أنه رسول الله، فقال: "أعتقها فإنها مؤمنة".
فرع آخر
الأحمق هو الذي يقارف الفعل أو القول وهو يعلم قبحه فيجوز عتقه عن الكفارة، وقيل: الأحمق الأخرق العاقل، فأما من لا يعلم قبح ما يأتيه من القول والفعل فإنه مجنون، وحكمه أنه إن كان مطلقًا لا يجوز.
فرع آخر
قد ذكرنا أن إعتاق المجنون عنها لا يجوز إذا كان الجنون مطبقًا؛ لأن الجوارح وإن كانت باطنية فملاك منافعها العقل، وإن كان يجن ويفيق قال الشافعي: يجوز.
قال أصحابنا: الاعتبار فيه بالغالب، فإن كان الغالب الإفاقة جاز، وإن كان الغالب الجنون
لا يجوز، وإن كان يجن ويفيق قال الداركي: لا يجوز، وينبغي أن يكون زمان إفاقته أكثر، وظاهر ما قال أصحابنا أنه يجوز.
فرع آخر
لو كان زمان إفاقته أكثر ولكنه يبقى في زمان إفاقته سدرًا مصعوقًا لا يقدر على العمل إلا بعد حين لا يجوز، وإن كان يزول عنه السدر ويقدر على العمل يجوز.
فرع آخر
في الأبله ينظر فإن كان بله بلادة ودهش لم يجزءه؛ لأنه يؤثر في العمل، وإن كان بله سلامة وقلة فطنة أجزأه.
فرع آخر
يجوز الأقرع، والأبرص، والرتقاء، والمجنون؛ لأنه لا يمنع العمل والاكتساب.
فرع آخر
يجوز ولد الزنا وغيره أولى لرفع الخلاف.
وقال الزهري والأوزاعي: لا يجوز لقوله صلى الله عليه وسلم: "ولد الزنا شر الثلاثة" وهذا غلط؛ لأنها رقبة سليمة الخلق كاملة الرق، فأشبه صحيح النسب.
وأما الخبر له أربع تأويلات [159/ أ] أحدها: أنه نشر الثلاثة ذكرًا؛ لأنه يذكر أبدًا أنه ولد الزنا إذا سئل عن أبيه.
والثاني: أنه شر الثلاثة نسبًا؛ لأنه لا ينسب إلى أب.
والثالث: أنه شر الثلاثة إن كان زانيًا؛ لأنه قد جمع بين الزنا وفساد النسب.
والرابع: أنه ذكر ذلك عن طريق التعريف؛ لأنه كان واحدًا من ثلاثة وقد عرفوا بالشر، فقال: ولد الزني فيهم شرهم، كما يقال: المشتمل بثوبه هو شر الجماعة للتعريف لا لاشتماله الثوب.
وقيل: أراد نسبه ضائع لا يستدرك وهما يستدركان حال أنفسهما بالتوبة.
فرع آخر
يجوز قصير الخلق إذا كانت خلقته صحيحة ولم يعجز عن العمل، فإن عجز عن العمل لا يجوز، وإن كان موجود في العمل من بعيد يجوز.
فرع آخر
لو كان مريضًا، قال الشافعي رحمة الله عليه: إن كان يرجى برؤه أجزأه، وإن كان لا يرجى لا يجوز، وهو مثل السل ونحوه.
قال أصحابنا: والشيخ الكبير مثله إن كان يرجى عمله يجوز، فإن كان عاجزًا عن الكسب والعمل لا يجوز.
فرع آخر
لو كان به شجاج لم يندمل منها، فإن كانت دون مأمومة الرأس وجائفة البدن يجوز؛
لأنها غير مخوفة، وإن كانت مأمومة الرأس أو جائفة لم يجز؛ لأنهما قبل الاندمال مخوفان.
فرع آخر
الأعرج إذا كان خفيف العرج لا يضر العمل بنقصان مشية يجوز، وإن كان عرجًا شديدًا لا يجوز.
وقيل: يعتبر في الرقبة التي تجزئ عن الكفارة خمس شرائط؛ أحدها: الإسلام.
والثاني: السلامة من العيوب.
والثالث: كمال العقل.
والرابع أن لا يكون معتاطًا فيها.
والخامس: النية، وهذا حسن، وتفصيله ما ذكرنا [159/ ب].
باب من له الكفارة بالصيام
مسألة: [قال]: "من كانَ لهُ مسكنٌ وخادمٌ لا يملكُ غيرهُ وَلَا مَا يشتريَ بهِ مملوكًا كانَ لهُ أَنْ يصومُ".
الفصل
إذا وجبت عليه كفارة وله خادم لا يملك غيره، وبه حاجة إلى خدمته إما لضعفه أو لمروته فإنه ممكن لا يخدم نفسه؛ لا يجب عليه إعتاقه وقد يجوز له أن يصوم وبه قال أحمد.
وقال مالك وأبو حنيفة والأوزاعي: لا يجوز أن يصوم ويجب عليه إعتاقه، ووافقنا أبو حنيفة أنه لو كان معه ثمن الرقبة وهو يحتاج إليه لا يلزمه شراء الرقبة، وعند مالك والأوزاعي يلزمه شراءها وهذا غلط لأن حاجته تستغرقه فصار كالعادم كما لو وجد الماء وهو يحتاج إليه للعطش؛ يجوز له الانتقال إلى التيمم، ولا يلزمه التوضؤ به.
فرع آخر
له رقبة تخدمه ولكنه غير محتاج إليها، لم تجر عادة مثله الخدمة؛ فيه وجهان: أحدهما: وهو الأصح لا تضاف تلك إلى كفايته وتكون فاضلة عن يلزمه التكفير بها وبه قال أكثر أصحابنا، والثاني: أنها من كفايته لكونها من كفاية غيره، وإن من يخدم نفسه فلعدم القدرة على من يخدمه، وكان الداركي يحكي عن أبي إسحاق أنه قال: يحتمل أنه يقال: لا يلزمه إعتاقها لأن على الإنسان مشقة في خدمة نفسه ولهذا لا يلزمه أن يبيع مسكنه، وإن كان مثله يبيت في المدرسة أو المسجد لأن عليه في البيتوتة في المسجد مشقة عظيمة؛ فسومح فيه كذلك هاهنا.
فرع آخر
لو كان الخادم ثمينًا يمكنه بيعه وشراء من يخدمه ببعض ثمنه وسوى رقبة الكفارة بالفاضل عنه لزمه ذلك ولا يجزيه الصوم، وهذا لأنه لا ضرر عليه فيه.
وكذلك لو كانت له ثياب فاخرة تزيد على ملابس مثله [160/ أ] يمكنه أن يبيعها ويشتري بثمنها ما يكفيه من لباسه ورقبة يعتقها عن الكفارة، وكذلك لو كان له مسكن واسع كثير الثمن.
يمكنه أن يبيعه ويشتري مسكنًا آخر يقدر حاجته ويفضل ما يشتري به رقبة يمكنه إعتاقها يلزمه ذلك.
فرع آخر
لو أمكن بيع المسكن في محلته وشري مسكن آخر في محلة أخرى ببعض وشري فيه للكفارة بالفاضل عنه، ظاهر ما قال أصحابنا أنه يلزمه ذلك.
وقال القفال: فيه وجهات؛ أحدهما: هذا، والثاني: لا يكلف ذلك لأنه يشق عليه الجلاء عن وطنه.
فرع آخر
لو كانت معه بضاعة لا تكفيه قال ابن أبي هريرة: تكون كفارته كفارة المعسر فيجوز له الصوم ولهذا جاز له أخذ الزكاة معها.
ومن أصحابنا من قال: كفارته كفارة الموسر ولا يجزيه الصوم لأن حاجته إلى البضاعة أخف من حاجته إلى المسكن والخادم والأول أصح.
فرع آخر
إذا كان غائبًا عن بلده لا يقدر على العتق وهو في بلده موسر واحد المعتق، فإن كان في كفارة القتل أو الفطر لم يجز له الانتقال إلى البلد، بل يكون في ذمته إلى أن يصل إلى ماله، وإن كان في كفارة الظهار فيه وجهان، أحدهما: لا يجوز له الانتقال إلى الصوم لوجود الأصل في ماله، ولا يخاف بتأخيره فوات عباده وهو أصر بنفسه حيث ظاهر، والثاني: يجوز الانتقال إلى الصوم لأن الضرر يلحقه ولحق امرأته بالصبر في ذلك لأن لا يجوز له وطأها حتى يكفر.
فرع آخر
لو وجد ثمن الرقبة ولا يجد رقبة يشتريها؛ قال بعض أصحابنا بخراسان: يلزمه الصبر إلى أن يجد الرقبة، ولا ينتقل على الصوم بخلاف المحصر، إذا وجد الثمن ولم يجد الهدي يصوم ولا يلزمه الصبر لأن عليه ضررًا [160/ ب] في ذلك والإحضار سبب هو معذور فيه، وعلى قياس ما تقدم يحتمل وجهًا آخر أنه لا يلزمه الصبر للضرر.
فرع آخر
لو وجد رقبة باع منه نسيئة ولد مال ببلد آخر، قال بعض أصحابنا: يجب الشراء، وعندي أنه لا يجب ذلك لأنه إنما يملك ماله قبل توفر ثمنها منه فيلحقه الضرر.
فرع آخر
لو وهب منه رقبة، أو عرض عليه إعتاقها عنه لا يلزمه قبولها لأن ذلك منه عظيم.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا: من المادة من كفايته ولا يلزمه الإعتاق حتى يفصل منها ما يمكنه أن يشتري به رقبة وهي من إحدى جهات ثلاث؛ إما من استغلال عقار، أو ربح
تجارة، أو كسب صناعة.
فأما استغلال العقار فقد يكون تارة أرضًا تزرع، وتارة شجرة تستثمر، وتارة أبنية تؤجر، ومثله أن يكون ماشية تحتلب فإن ملك منها ما يكون غلته وفق كفايته من غير زيادة كانت هذه الأصول من جملة كفايته فيجزيه الصوم ولا يلزمه العتق، وإن كانت تزيد على كفاييته يلزمه صرف الزيادة إلى العتق، فإن نقصت عن قيمة رقبة يجزيه الصوم، وأما ربح التجارة إن كان يملك من رأس المال ما يكون ربحه وفق كفايته كان رأس المال من جملة الكفاية، ويكفر بالصوم، وإن زاد تلزمه الرقبة من الزيادة، وأما كسب الصناعة فإن كان وفق الكفاية يجوز الصوم، وإن كان لكثر ينظر فإن كان لا يجتمع قيمة الرقبة إلا في زمان طويل ينسب فيه إلى تأخير التكفير عن وقته لم يلزمه جمعها للعتق، وله أن يكفر بالصوم، وإن كان يبلغ قيمة الرقبة في ثلاثة أيام فما قاربها، ففي وجوب جمعها للتكفير بالعتق وجهان أحدهما يلزمه جمعها والتكفير بالعتق لأن قادر عليه، والثاني وهو الأشبه لا يلزمه [161/ أ] ذلك ويجوز أن يكفر بالصوم لأنه في وقت وجوب العتق غير قادر فعلى هذا إن لم يدخل في الصوم حتى جمع فاضل الكسب فبلغ قيمة الرقبة فيه قولان بناءً على أن الاعتبار بوقت الوجوب أو بوقت الأداء.
مسألة: قال: "فإنْ أفطرَ مِنْ عذرٍ أو غيرهِ، أو صامَ فيهَا تطوعًا".
الفصل
إذا أراد أن يصوم شهرين عن الظهار أو الجماع في رمضان أو القتل يلزمه أن يتابع بين أيامها ولا يفطر ولا يصوم من غيرها فإن أفطر لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون بعذر، أو بغير عذر، فإن كان بغير عذر لزمه الاستئناف، وإن كان لعذر؛ فالعذر على ثلاثة أضرب: حيض، ومرض، وسفر.
فأما الحيض فلا يقطع التتابع قولًا واحدًا لأنه ينافي الصوم من غير أن يكون لها فيه صنع بوجه، ولا يمكن الاحتراز منع في شهرين، وأما المرض ففيه قولان؛ أحدهما قاله في "القديم" أنه مثل الحيض لا يقطع التتابع، وبه قال أحمد ومال، واختاره المزني، وروي ذلك عن ابن عباس، ووجه هذا أنه أفطر بسبب لا يتعلق باختياره فأشبه إذا أفطرت بالحيض ولهذا سوي بين حكم المرض والحيض في الفطر في صوم رمضان، والثاني: قاله في "الجديد" وهو قول أبي حنيفة أنه يقطع التتابع لأن المريض يفطر بفعله واختياره بخلاف الحائض.
وأما السفر فإن قلنا المرض يقطع التتابع فالسفر أولى لأن الفطر وسبب الفطر كانا باختياره.
وإن قلنا: المرض لا يقطعه ففي السفر قولان؛ أحدهما: لا يقطع لأن الله تعالى سوى بينه وبين المرض في إباحة الفطر في رمضان وجعلهما عذرين فيه كذلك هاهنا، والثاني: يقطع لأن السفر كان باختياره بخلاف المرض.
وقال القاضي الطبري: الصحيح أنه
يقطع التتابع قولًا واحدً ولا أعرف فيه القول الآخر للشافعي، وإنما نص في "القديم" على المرض وحده.
[161/ ب]
فرع
لو أفطرت بالنفاس هل يبطل التتابع أم لا؟ فقال جماعة أصحابنا: هو كالمرض، ومن أصحابنا من قال: فيه وجهان؛ أحدهما هذا، والثاني: يبطل التتابع لأنه ليس بغالب ويقدر على صوم شهرين لا نفاس فيهما.
فرع آخر
لو أفطر بالجنون أو الإغماء قال جماعة أصحابنا هو كالمريض، ومن أصحابنا من قال: إن قلنا: بالمرض لا ينقطع التتابع فهذا أولى، وإن قلنا بأنه ينقطع به التتابع فيه قولان؛ أحدهما: يقطعه لإمكان خلوه في الأغلب من هذا والثاني: لا يقطعه لأنه ينافي الصوم كالحيض خلاف المرض.
فرع آخر
الحامل والمرض إذا خافتا على أنفسهما فأفطرتا فهو كالفطر بالمرض، وإن كان الخوف على الولد فأفطرتا له فإن قلنا في المرض يبطل التتابع فهاهنا أولى، وإن قلنا المرض لا يقطع التتابع فيه وجهان؛ أحدهما: لا يبطل، والثاني: يبطل لأن العذر في غيرهما والفطر باختيارهما، ولهذا يلزمهما الفدية دون المريض، ومن أصحابنا من قال: يبطل في حق المرضع دون الحامل كما لا يلزم الفدية في أحد الأقوال على المرضع دون الحامل.
فرع آخر
لو أكره على الفطر في أثناء الشهرين، فإن كان أوجر الطعام في حلقه لم يفطر قولًا واحدًا، وإن أكره حتى أكل بنفسه هل يفطر؟ قولان؛ فإذا قلنا يفطر هل يبطل تتابعه قولا؛ أحدهما: يبطل تتابعه ولا ينافي الصوم، والثاني: يبطل لأنه معذور فيه كالمرض، وقيل قول واحد؛ يطل.
وهو اختيار الداركي، والطريقة الأولى اختارها صاحب "الحاوي".
فرع آخر
إذا أوجبنا التتابع في صوم كفارة اليمين في أحد القولين، وكانت لها إبانة معلومة للحيض فابتدأت الصوم في وقته يتخلله الحيض يبطل التتابع، وإن لم يكن لها معلومة قال أصحابنا: يحتمل وجهين، وظاهر [162/ أ] المذهب أنه يبطل التتابع لإمكان الاحتراز من تخللها.
فرع آخر
إذا تخللها رمضان أو يوم العيد يستأنف ويبطل التتابع قولًا واحدًا لأنه إن كان عالمًا فهو متعد، وإن كان جاهلًا فهو مفرط لأنه يمكنه الاحتراز منه عن غير مشقة.
واعلم أنه لا يتصور أن يتخلل الشهرين عند الفطر لأن زمان شهر رمضان يسبقه في قطع التتابع ويتخللها يوم النحر، ولا يتصور تخلل أيام التشريق أيضًا لأن يوم النحر يسبقها وانقطاع التتابع به لا بما بعده، وقال أحمد: لا ينقطع التتابع به لأن فطره مستحق كما في زمان الحيق، وهذا غلط لما ذكرنا، ويفارق الحيض لأنه لا يمكن الاحتراز منها، ولو ابتدأ بصوم شهرين من يوم الفطر لا يصح صومه فيه ويصح صيامه بقية الشهر وصوم ذي القعدة يجب له ولا فرق في شهر ذي القعدة بأن يكون ناقصًا أو كاملًا، وأما شوال فلم يصح جميعه لأنه لا يصح الصوم في يوم الفطر فإن كان شوال تامًا صام أو يوم من يوم ذي الحجة ويكفيه، وإن كان ناقصًا صام من أول ذي الحجة يومين ليكمل ثلاثين يومًا وإن ابتدأ بصيام التشريق فهو مبني على ما قال أصحابنا، وهو أن في أيام التشريق هل يجوز صوم المتمنع قولان؛ فقيل: خص المتمتع به لرخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: على هذا القول يجوز أن يصوم فيها كل صوم له سبب، فإن قلنا بهذا كان ابتداء الصوم في الكفارة من أولها، وإن قلنا لا يصح صومها وهو المذهب الذي كان ابتداء الكفارة من الرابع عشر من ذي الحجة ويكون صوم المحرم معتبرًا بالهلال تامًا كان أو ناقصًا ويكمل تمام الثلاثين من شهر صفر وأما قول الشافعي: أو من الأيام التي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامها أراد هذه الأيام الخمسة ولم يرد به [162/ ب] يوم الشك، فإذا ختم به الشهرين ولم يتبين أنه كان من رمضان أجزأه.
فرع آخر
إذا قلنا: يشترط التتابع في صوم كفارة اليمين في قول: فمرض أو سافر في أثناء الصوم فأفطر فإن قلنا ينقطع التتابع به في صوم الشهرين فهاهنا أولى وإن قلنا: لا ينقطع التتابع به هناك، فهاهنا وجهان؛ وقيل: هذا الاختلاف لا يتصور في كفارة اليمين لأن في "الجديد": لا يشترط التتابع فيه وفي "القديم": يشترط التتابع والمرض في قوله القديم: لا يبطل التتابع فلا يتصور ذلك لا على قوله الجديد ولا على قوله القديم.
فرع آخر
إذا أفطر على أن الشمس غربت فأخطأ أو على أن الفجر لم يطلع وكان قد طلع ينقطع التتابع لأنه مفرط فيه، وكان يمكنه التوقف حتى يتبين الحال.
وذكر والدي وجهًا آخر: أنه لا ينقطع لأنه معذور.
فرع آخر
قال القفال: قال الشافعي: لو غير النية في غير أيام التشريق إلى صوم القطوع بطل التتابع قال: وهذا دليل على صحة أحد وجهي أصحابنا، فمن نوى بالخروج من الصوم
بطل صومه لأنه أبطل تتابعه بنفس تغير النية والكلام في تغير النية إلى الفطر؛ وإلى التطوع هاهنا واحد، ويمكن أن يتناول كلام الشافعي فيقال: أراد غير النية في انعقاد اليوم فبطل قبل انعقاد الصوم أو غير في الليل بصوم الغد.
فرع آخر
إذا شرع في صوم شهرين متتابعين فصام يومًا بل يلزمه الشروع في اليوم الثاني حتمًا.
أو له تركه ليستأنف في اليوم الثالث، قال والدي رحمه الله: يلزمه الشروع في صوم اليوم الثاني لأن صوم الشهرين كصوم يوم واحد لأن فساد بعضهما يؤدي إلى الباقي، ولو شرع في صوم للفرض لم يترك الصوم في أثناء اليوم فلذلك هاهنا.
[163/ أ].
مسألة: قال: "إذا صامَ بالأهِلَّةِ صامَ شهرينِ".
الفصل
إذا ابتدأ التكفير بالصوم من أول الشهر يصوم شهرين ما بين الهلالين تامًا كان أو ناقصًا، وإن كان تسعة أو ثمانية وخمسين وقد ذكرنا هذا فيما تقدم، وإن مضي بعض الهلال سقط فيه اعتبار الهلال ويعتبر بالعدد ثلاثين يومًأ.
مسألة: قال: "ولا يجزيهِ حتى يقدَّم نيةَ الصومُ قبلَ الدخولِ فيهِ".
كل صوم واجب لا بد فيه من النية في الليل وصوم الكفارة من جميلة الواجبات، هل يشترط فيه التتابع فيه؟ اختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه؛ أحدها: لا بد أن يأتي بها كل ليلة لأن التتابع فيه واجب كوجوب الصوم، فيلزمه نية التتابع كل ليلة كما يلزمه فيه نية الصوم كل ليلة ولأنها كنية الجمع تجب في أول الصلاتين، والثاني: تكفيه نية التتابع مرة واحدة ليتميز التتابع من غيره، والتميز يحصل بمرة واحدة، والثالث: وهو الأصح لا يفتقر إلى نية التتابع بحال لأن الواجب نية العبادة لا شرائطها، ويفارق الجمع من الصلاتين لأنه رخصة فافتقر إلى نية الترخص، قال أصحابنا: وفائدة الخلاف أنه لو صام رمضان عن الكفارة وشوال هل يجزى صوم شوال غير يوم العيد حتى يكمله؟ فإن قلنا: نية التتابع لا تشترط يجوز، وإن قلنا: إنها تشترط لا يجوز.
مسألة: قال: "ولو نوى صومَ يومٍ فأغميَ عليهِ فيهِ ثم أفاقَ قبلَ الليلِ أوْ بعدهُ، ولمْ يطعمْ؛ أجزأهُ إذا دخلَ فيه بعدَ الفجرِ وهوَ يعقلُ".
هذه المسألة نصت في كتاب الصوم والصحيح أن المسألة على قول واحد أنه متى كان في بعض منامه مفيقًا حتى ينظم فعل الصوم إلى النية جاز صومه، وإن لم يكن مفيقًأ في جزء من النهار لا يجوز.
واعلم أن الشافعي قيد الإفاقة المشروطة بأول النهار
فقال: إذا دخل فيه بعد الفجر [163/ ب] وهو يعقل فظن بعض أصحابنا أن الإفاقة يجب وجودها حين يدخل في الصوم، وإنما أراد الشافعي اشتراط الإفاقة في شيء من النهار وأوله وأخره سواء، واختار الزني أنه يصح صومه وإن استغرق الإغماء جميع النهار كاليوم، وهذا لا يصح لأن النائم يقضي ما فات من الصلوات بخلاف المغمي عليه.
ثم قال الشافعي: ولو أغمي عليه فيه وفي يوم بعده ولم يطعم استأنف، ولا شك أنه لا يصح صومه في اليوم الثاني لعدم النية، وينقطع التتابع في قوله الجديد كما نص هاهنا، وقد ذكرنا ما قيل فيه.
مسألة: قال: "ولو صامَ شهرَ رمضانَ في شهرينِ أعادَ شهرَ رمضانَ واستأنفَ شهرينِ".
المكفر إذا صام شهرين فيهما شهر رمضان؛ فإن صام شعبان، ثم رمضان بنية الكفارة لم يجزه أحدهما، أما رمضان فلانه مستحق الغير، فلا يجوز صومه عن غيره ولا يجوز عن رمضان أيضًا لأنه لم يعين له النية، وأما شعبان لا يجوز لأنه ينقطع التتابع بدخول رمضان، فعليه أن يقضي صوم شهر رمضان، ويصوم شهرين متتابعين بعده، وإن صام أولًا رمضان ثم ما بعده لا يجوز صوم رمضان لما ذكرنا.
ولا يجوز صوم أول يوم من شوال، وأما ما بعده فقد ذكرنا حكمه.
وحكي عن الأوزاعي، وأبي عبيدة بن حربويه أنهما قالا: يجزيه صوم شهر رمضان عنهما جميعًا، وهذا غلط فاحش له لو كان عليه قضاء رمضان، فصام ينوي إذا الحاضر في قضاء الفائت لا يجوز بالإجماع، فكيف يجوز هذا؟
مسألة: قال: "وأقلُ ما يلزمُ منَ قالَ إنْ الجماعَ بينَ ظهرانيِ الصومِ يفسدُ الصومِ؛ لقولهِ تعالى: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 3] أي: يزعمُ أن الكفارةَ بالصومِ والعتقِ لا يجزيانِ بعدَ أن يتماسَا قالَ: "والذِي صامَ شهرًا قبلَ التماسِ [164/ أ] وشهرًا بعدهُ أطاعَ اللَّهَ في شهرِ وعصاهُ بالجماعِ قبلَ شهرِ بصومه".
الفصل
وقصد به الرد على أبي حنيفة حيث قال ينقطع التتابع بالوطئ في ليالي الصوم.
واحتج عليه بهذا الفصل وهو أنه إذا صام شهرًا قبل المسيس وشهرًا عده كما يقول؛ يكون أولى من قول من يقول يستأنف ويصوم شهرين بعد المسيس لأن هاهنا كلا الشهرين بعد العصيان وعلى ما ذكرنا أحد الشهرين بعد العصيان وعلى ما ذكرنا أحد الشهرين قبل العصيان والآخر بعده.
مسألة: قال: "وإنما حكمهُ في الكفاراتِ حينَ يكفرُّ كمَا حكمهُ في الصلاةِ حينَ يصليَ".
اختلف قول الشافعي -رحمة الله عليه.
في الكفارة هل تعتبر لحال الوجوب أو لحال الأداء؟ فنص هاهنا أنه يعتبر لحال الأداء وبه قال مالك وأبو حنيفة، ووجهه أن الكفارة معنى له بدل من غير جنسه فكان الاعتبار فيها حال الأداء كالطهار، ولأن الصلاة تعتبر بحال الأداء في القيام والقعود عند القدرة والعجز كذلك الكفارة.
وقال في "كتاب الأيمان": الاعتبار فيها لحال الوجوب وبه قال أحمد؛ لأنها عقوبة للتكفير والتطهير فيعتبر لحال الوجوب كالحد وهذا لا يصح لأنه لا تجوز الزيادة في الحد، وهاهنا لو أخرج العتق مع جواز الصوم يجوز فجاز أن يزيد تغير الحال بخلاف الحد وفيه قول ثالث فخرج الاعتبار فيها بأغلط الأحوال لأنه حق يجب في الذمة بوجود مال فاعتبر فيه أغلط الأحوال كالح وهذا لا يصح أيضًا لأنه يعتبر في الحج حال الأداء لأنه أوجب عليه وهو صحيح، ثم ومن يجوز له الاستنابة والأول أصح، وهو اختيار المزني.
فإن قلنا: الاعتبار بحالة الأداء، فإن كان في حال التكفير معسرًا لم يلزمه العتق وفرصة الصوم، وإن كان في حال الوجوب موسرًا إلا أنه يختار العتق ويحمله فيكون أفضل [164/ ب] وإن كان عند التكفير موسرًا يلزمه العتق، وإن كان وقت الوجوب قويًا قدرًا على الصوم ولو لم ويسر بالعتق فكفارته الصيام.
وإن قلنا: الاعتبار بحالة الوجوب؛ فإن كان وقت الوجوب موسرًا ثم أعسر ففرضه العتق قال الشافعي: وأحب أن يصوم حتى إن مات قبل أن يحد الرقبة يكون قد أتى بشيء، فإن صام ثم وجد الرقبة يلزمها إعتاقها، وإن كان وقت الوجوب معسرًا يجوز له الصوم، وإن كان موسرًا عند الأداء، فإن أعتق المذهب أنه يجوز وقيل: فيه وجه آخر أنه لا يجوز لأنه لا يخرج عن الصوم بالمال كما لا يخرج عن المال بالصوم.
وإن قلنا: الاعتبار بأغلط الأحوال ففي أي حال كان موسرًا لم يجز إلا العتق.
وأما قول الشافعي: كما حكمه في الصلاة حين يصلي: أو أذنه في القعود والقيام وستر العورة واستقبال القبلة، والطهارة بالماء والتراب، والقدرة على القراءة والعجز عنها كما يعتبر بحال أداء الصلاة كذلك هاهنا.
فإن قيل: أليس العبد إذا وجبت عليه كفارة الظهار ثم عتق قبل أن يؤدي وأيس لم تجب عليه الكفارة بالعتق اعتبارًا بحال الوجوب دون حال الأداء؟ قلنا: الفرق أن حالة الوجوب لم تكن ممن تجب عليه العتق ولا يجزيه فلم يلزمه بتغير الحال كخلاف مسألتنا.
فرع
إذا كان معسرًا في حال الوجوب وقلنا: الاعتبار لحال الوجوب فآخر الأداء شهرًا ثم شرع في الصوم فصام شهرًا ثم مات وهو واحد للرقبة هل يلزم الإطعام لصوم شهر أو يلزم الإعتاق أو إطعام ستين مسكينًا أما الإعتاق لا يلزم لأنه لم يكن واجبًا في حال الحياة وأما الإطعام [165/ أ] فواجب وما هو فيه وجهان؛ أحدهما: يلزمه الإطعام لصوم شهر لأنه لما دخل في الصوم تعين فوجب الإطعام لما لم يقضه إذا كان متمكنًا
من الجميع في حال الحياة، والثاني: يلزم إطعام ستين مسكينًا لأن صومه شهرين لعبادة واحدة فلا يجوز أن يؤدي بعضه ويطعم عن بعضه، كما لا يجوز في اليوم الواحد فإذا بطل هذا وقد تعذر اليوم وجب الانتقال إلى ما جعل بدلًا عنه في بعض الأحوال وهو إطعام ستين مسكينًأ دون الرقبة، وإن قلنا: الاعتبار بحال الأداء أو بأغلظ الأحوال وجب إعتاق الرقبة لأن الرقبة في مال الورثة موجودة عند أداء الكفارة من الوارث، هكذا ذكره والدي رحمه الله تعالى.
وعندي أنه بشروعه في الصوم ينتقل الحكم إليه ولا يعتبر ما بعده من القدرة على العتق أو الإطعام كما في حال حياته لا يعتبر ذلك.
مسألة: قال: "ولو دخلَ في الصومِ ثمَّ أيسرَ كانَ لهُ أن يمضيَ على الصيامِ".
إذا كان معسرًا عند وجوب الكفارة فشرع في الصوم ثم أيسر لا يلزمه الانتقال إلى العتق قولًا واحدًا ويستحب له ذلك وبه قال مالك، وأحمد، وقال أبو حنيفة والمزني: يلزمه الانتقال إليه وهذا غلط لأنه قدر على المبدل بعد شروعه في صوم البدل فلا يلزمه العود إليه كما لو وجد الهدي في صوم السبعة، وأعلم أن الكلام في هذا بعد التسليم أن الاعتبار في الكفارة بوقت الأداء، فإن قلنا: يعتبر بوقت الوجوب قبل وجد الرقبة وقبل الشروعه في الصوم لا يلزمه الإعتاق أيضًا إذا كان عند الوجوب معسرًا فلا يعيد الكلام هاهنا، واحتج المزني لمذهبه الذي مذهب أبي حنيفة [165/ ب] فقال: لو كان فرضه الصوم ما جاز له اختيار أبطال الفرض والرقبة فرض وحدها لا غيرها كما أن الوضوء بالماء فرض وحده لا غيره ولا خيار في ذلك بين أمرين.
وقصده بهذا الكلام تقسيم كأنه قال: إما أن يكون فرضه الصوم أو العتق فإن كان الصوم فرضه فكيف لحرية العتق؟ وإن كان العتق فرضه فكيف لحرية الصيام، والكفارة مرتبة والجواب أن يقال: لا يستبعد مثل هذا التخيير في العبادة المرتبة، ألا ترى أن المسافر إذا كان معه من الماء ما يحتاج إليه فشرب ويمكنه صرفها إلى الوضوء بنوع من التحامل على التنفس من غير خوف التلف كان مخيرًا؛ إن شاء توضأ، وإن شاء تيمم.
واحتج أيضًا بالمعتادة بالشهور، إذا رأت الحيض بطلب الشهور، وقد أجبنا عنه في كتاب الطهارة.
واحتج أيضًا بقول الشافعي في الأمة تعتق وقد دخلت في العدة إنها لا تكون في عدتها حرة وتعتد عدة أمة.
وفي المسافر يدخل في الصلاة ثم يقيم لا يكون في بعض صلاته مقيمًا، ويقصر.
قلنا: الأمة إذا أعتقت فانتقلت إلى عدة الحرة لم يبطل عليها ما مضى من عدتها ولكنها تبني عليه، وكذلك المسافر إذا نوى المقام، وهذا الصائم لو كلفناه العود إلى الإعتاق أبطلنا عليه ما مضى من الصيام في حكم الإجزاء عن الكفارة فافترقا.
مسألة: قال: "ولو قالَ لعبدِ: أنتَ حرّ الساعةَ عنْ ظهاري إنْ تظهَّرُتَهُ".
الفصل
إذا قال لعبده: أنت حر الساعة عن ظهاري إن تظهرت كان حرًا الساعة، ولا تتعلق بالشرط لأنه نجز في الحال فلا يملك تعليقه بالشرط الذي يتأخر.
وهكذا قال: أنت حر الساعة [166/ أ] إن دخلت الدار عتق في الحال.
قال الشافعي: ولم يجزه عن ظهاره إن تظهر لأنه لم يكن ظهار ولا سبب منه يريد أنه قدم على السببين جميعًا، وحق المال لا يجوز تقدمه على جميع أسباب الوجوب.
ولو قال له: أنت حر عن ظهاري إن تظهرت، ولم يقل الساعة لم يعتق في الحال، وتعلق بالشرط فإن تظهر منها وقع العتق ولا يجزيه عن ظهاره لأن التحرير سابق الظهار وذلك يمنع جوازه عن الظهار على ما ذكرنا في كتاب "الإيلاء".
ومن أصحابنا من قال: فيه وجهان؛ أحدهما: هذا، والثاني: يجزيه عن الظهار لأنه لو أوقعه بنية الكفارة وعتق بعد وجود الظهار.
فرع آخر
لو ظاهر منها ثم طلقها عقيبه ثم أعتق عن الظهار ثم راجعها كانت الرجعة عودًا وكان التحرير بعد الظهار وقبل العود فهل يجزيه عن الظهار؟ المذهب أنه يجوز لأنه وجد أحد سببي الكفارة وقدمها على أحد السببين كما تجوز كفارة اليمين بالمال بعد اليمين الحنث، وقال بعض أصحابنا: فيه وجهان؛ أحدهما: ما ذكرنا، والثاني لا يجوز ذلك لأنه استباحة محظور فلا يجوز فيه تقديم الكفارة، كما لو كان الحنث في اليمين معصية لا يجوز تقديم الكفارة في اليمين وهذا لا يصح، لأن التكفير هاهنا يستبيح الوطئ المحظور وفي اليمين إذا كفر لا يستبيح حنث المعصية فافترقا.
فرع آخر
قال ابن الحداد: لو قال: إذا دخلت الدار فأنت عليَّ كظهر أمي، ثم أعتق عبدًا عن ظهاره قبل دخول الدار أجزأه العتق لأن لفظ الظهار وإيقاعه قد وجد منه وهو السبب في الظهار، فقد حصلت الكفارة بعد وجود سببها، وقال سائر أصحابنا لا يجوز لأنه ليس بمظاهر فلم يوجد أحد سببي الكفارة فلا يصح [166/ ب] التكفير ولا اعتبار بما ذكره من لفظ الظهار وإنما الاعتبار بكونه مظاهرًأ ولم تحصل.
وقال صاحب "المنهاج": لفظ الشافعي دليل على الوجه الأول لأنه قال: ولم يجزه أن تظهر لأنه لم يكن ظهار ولا سبب منه ممن هو منه أنه لو كان منه سبب يجوز وتعلق ظهارها بدخول الدار سبب من أسباب الظهار وهذا ضعيف لما ذكرنا.
فرع آخر
لو ظاهر وأعتق عقبيه عن الظهار بأن قال: أنت عليَّ كظهر أمي، وعبدي هذا حر عن ظهاري فيه وجهان؛ لأن حروف العتق وهو قوله غلامي هذا حر، أقل من حروف قوله: أنت طالق فيكون العتق بين الظهار والعود والصحيح جوازه على ما ذكرنا.
فرع آخر إذا صام عن كفارته ثم بان أن موروثًا له مات؛ وورث منه رقبة ولم يعلم؛ اعتد بصومه ولم يلزمه العتق، ولو نسى الرقبة في ملكه فصام لا يجوز صومه للفرق بين الجاهل والناسي، هكذا ذكره بعض أصحابنا، ويحتمل أن يقال: لا يجوز فيهما.
باب الكفارة بالإطعام
مسألة: قال: فيمَن تظاهرَ ولمْ يجدْ رقبةً ولمْ يستطعَ حينَ يريدُ على الكفارةِ صومَ شهرينِ بمرضِ أو علةٍ ما كانتْ، أجزأهُ أن يطعمَ".
الفصل
إذا لم يجد الرقبة ولم يستطع الصوم لمرض أو علة أجزأه أن يطعم، قال أصحابنا: عدم الاستطاعة هاهنا أن يلحقه من الصوم مشقة غليظة أو زيادة في مرضه، وقال الداركي: سئل أبو إسحاق عن من كان به شبق مفرط لا يقدر على الصوم، هل يجوز له أن يطعم ويترك الصوم؟ فقال: نعم؛ لأن المشقة تلحقه بذلك، ولأن الأعرابي لما قال للنبي صلى الله عليه وسلم وهل أتيت إلا من الصوم [167/ أ] أي: لا أصبر عن النساء حيث قال له صم شهرين متتابعين عن الكفارة جوز له الإطعام فدل على ذلك.
مسألة: قال: "ولا يجزيهِ أقلَّ منْ ستينَ مسكينًا".
يلزمه أن يطعم ستين مسكينًا كل مسكين مدًا، فإن صرف مدين إلى مسكين واحد؛ لا يجوز بحال، وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: إن صرفه إليه في يوم واحد لم يجز، وإن صرفه إليه في يومين جاز، وعلى هذا لو صرف طعام ستين مسكينًا إلى مسكين واحد في ستين يومًا جاز، وربما يقولون: لو صرف كلها إلى مسكين واحد في يوم واحد في ستين مرة يجوز، وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿فَإطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: 4].
فنص على العدد والصفة وهي المسكنة.
ثم لا يجوز الإخلال بالصفة فلا يجوز الإخلال بالعدد ولأن تقديره فعليه أن يطعم ستين مسكينًا وهذا يمنع الاقتصار على دون الستين ولأنه مسكين استوفي حقه من هذه الكفارة فلا يجوز أن يدفع إليه ثانيًا منها كما في اليوم الأول.
وأما قوله: كل مسكين مدًا من طعام بلده الذي يقتات به قصد به الرد على أبي حنيفة فإنه عندما يلزم في جميع الكفارات صرف مد إلى كل مسكين بمد الرسول صلى الله عليه وسلم وهو رطل وثلاث، وهذا على التقريب لأنه لا اعتبار فيه الوزن بل بالاعتبار به بالكيل، ولا يختلف ذلك باختلاف الأقوات برًا كان أو شعيرًا، أو زبيبًا، أو تمرًا، أو ذرة، وغير ذلك.
ولا يختلف باختلاف الكفارات إلا في فدية الأذى، يلزمه لكل مسكين مدين، وبه قال الأوزاعي.
وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس، وزيد بن ثابت، وأبي
هريرة -رضي الله عنه -وعنده البر نصف صاع ومن غيره صاع.
وقال مالك: لكل مسكين مد، ولكنه بمد هشام وهو مدان بمد النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل إنه دون المدين [167/ ب] وإنه مد وثلث بمد الرسول صلى الله عليه وسلم.
وروي عن مالك نحو قولنا في جميع الكفارات إلا في كفارة الظهار فإنها بمد هشام؛ وهو ابن عبد الملك بن مروان وهذا بعيد.
وقال أحمد: هو من البر مدٌّ، ومن التمر والشعير مدين.
واحتج بما روى يزيد المدني قال: جاءت امرأة من بني بياضة بنصف وسق من شعير؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمظاهر: "أطعم هذا ستين مسكينًا".
وفي الزبيب روايتان؛ واحتج بخبر سلمة بن صخر أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه وسقًا للتفريق على ستين مسكينًا، والوسق ستون صاعًا وهذا غلط لما ذكرنا من خبر الأعرابي المجامع في رمضان.
وأما ما ذكروه من الخبر فمحمول على الجواز والاستحباب.
وروى سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق فليدفع إليك وسقًا من تمر فأطعم ستين مسكينًا، وكل بقيته أنت وعيالك" فدل علي أنه يعطي من الوسق ستين مسكينًا ثم يأكل بقية الوسق وهو على مذهبنا أورده الشيخ الحافظ أحمد البيهقي.
فإن قيل: فالفرق بين فدية الأذى وبين سائر الكفارات حيث قلتم: لا يجوز أقل من مدين لكل مسكين، قلنا: السنة فرقت بينهما وقد قال صلى الله عليه وسلم لكعب بن عجرة: احلق رأسك وأطعم ستة مساكين ثلاثة آصع من تمر وأبو حنيفة خالف السنة في جميع الكفارات فإنه قال في فدية الأذى: لا يجوز ثلاثة أصع من تمر بل يجب ستة أصع وهذا الخبر الذي ذكرنا صحيح أورده أبو داود وخبر الأعرابي المجامع لا شك في صحته وفيه خمسة عشرة صاعًا من تمر لستين مسكينًا، فإذا تقرر هذا فالواجب غالب قوت بلده كما قلنا [168/ أ] في زكاة الفطر، فإن أخرج أعلى منه كان أفضل، وإن أخرج أدون منه فالمذهب أنه لا يجوز، وإن أخرج قوتًا لا يلزم فيه الزكاة فإن كان غير لاقط لا يجوز، وإن كان لاقطًا نص هاهنا يجوز، وفيه قولان.
وقد شرحنا في زكاة الفطر.
مسألة: قال: "ولا يجزيهِ أَنْ يعطيهُمْ جملةً ستينَ مدًا أَوْ أكثرَ لأَنْ أخذهمْ الطعامَ يختلفْ".
اختلف أصحابنا في تأويل هذه المسألة.
فقال ابن سلمى وابن خيزران: تأويلها أن يحضر ستين مسكينًا وأحضر ستين مدًا من تمر واطعمهم ذلك.
وقال: خذو هذا وكلوا فقد أعطيتكم ذلك فلا يجوز؛ لأنه ما ملكهم ولأن أكلهم يزيد وينقص، فأما إذا قال: هذه ستون مدًا لكل واحد منكم مد فملكتهم كلها يجوز؛ لأنه قد ملكهم وسوى بينهم وإنما بقيت القسمة وليس في ذلك مؤنة كبيرة وبه قال أحمد، وقال الأصطخري: لا
يجوز؛ لأن عليه تسليم حقهم إليهم من غير مؤنة ألا ترى أنه لا يجوز أن يدفع الحب إليهم إلى مصفي، والتمر إلا جافًا منقى وهاهنا قد بقيت مؤنة القسمة فلا يجوز.
والأول أصح، فإذا ثبت جوازه ينظر فيما حصل مع كل واحد فإن كان قدر مد فقد استوفي كل واحد حقه، وإن كان أقل تمم له تمام المد، وإن كان أكثر لم يسترجع الفضل لأن الظاهر أنه تطوع به وهذا إذا لم يقل لكل واحد منكم مد فإن قال ذلك له إن يسترجع الزيادة.
وقال القفال: صورة المسألة أنه أحضر ستين فقيرًا وأباح لهم ستين مدًا ليأخذوا نهية ولا يجوز إلا واحد منهم لأنهم إن أخذوا بالسوية فذاك، وإن تفاوتوا فقد حصل الواحد منهم فصاعدًا أكثر من مد فإن يتقن أن عشرةً منهم مثلًا أخذوا أكثر من مد فعليه أن يتمم للباقين مدًا قال: ولو ملكهم مشاعًا فقال: هذا لكم يجوز؛ لأنه ملكهم ثم يقتسمونه كما شاء [168/ ب] ولا يضر أن يدع بعضهم بعض حقه إلى صاحبه وكذلك لو وكل المساكين رجلًا يقبض الكل جاز ثم هم أعلم.
وقال أبو حنيفة: لو غداهم أو عشاهم أجزأه لقوله تعالى: "فإطعام ستين مسكينًا" وهذا قد أطعمهم وهذا غلط؛ لأنه حق مال يصرف إلى المساكين شرعًا فيحب تمليكه كالزكاة، وأما الأية أراد به التمليك بالإجماع فدل أنه المراد بالآية.
مسألة: قال: "ولا يجزيهِ أن يعطيهمْ دقيقًا ولا سويقًا".
الفصل
لا يجوز عند الشافعي في الإطعام إلا الحب نفسه كما قلنا في زكاة الفطر.
وقال الأنماطي: يجزيه الدقيق وهو مذهب أحمد وهو اختيار ابن أبي هريرة، وعن أحمد في الخبز روايتان، وقال الأنماطي وابن أبي هريرة: يجوز الخبر لأنه مهيأ للاقتيات وبه نفتي.
فأعطى إلى كل مسكين رطلين بالبغدادي، ومن نصر المذهب الاقتيات أحد منافعه وقد عدم أكثر منافع الجب، وقال أبو حنيفة: يجزئه الدقيق لا على طريق القيمة، ويجزئه الخبز وغيره على طريق القيمة.
مسألة: قال: "وسواءُ الصغيرُ منهمْ والكبيرُ".
قوله منهم يعني من المساكين، وجملته أنه يجوز صرف الطعام إلى الصغير لأن الله تعالى قال: ﴿فَإطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾.
ولم يفرق، ولأنه أحد ما يكفر به فجاز وضعه في الصغير كالعتق.
ثم اعلم أن الصغير ليس من أهل القبض، فلا يدفع إليه بل يدفع إلى وليه، فإن دفعه إليه لم يجز، وإن كان الصغير رضيعًا قال أبو إسحق مرة لا يجوز حكاه الداركي لأن طعامه اللبن دون الحب، ثم رجع عنه وقال: يجوز؛ وهو الصحيح لأن الاعتبار ليس الأكل وإنما الاعتبار بالانتفاع، وهذا تصرف في منافعه.
ألا ترى أن
المريض المبرسم [169/ أ] يجوز أن يعطى من التمر وإن كان لا يأكله.
مسألة: قال: "ولا تجزيهِ أن تعطيهِ مَنْ تلزمهُ نفقتهُ".
قد ذكرنا أنه لا يعطي من سهم الفقراء والمساكين من تلزمه نفقته والكفارة بجملتها كسهم الفقراء والمساكين في الزكاة فلا يجوز صرفها إلى ولده ووالده والزوجة ولا إلى العبد لأنه لا يملك إلا أن يكون السيد فقيرًا فيعطيه بإذن سيده فيكون قد أعطى السيد ولا يعطي المكاتب بحال كيفما كان السيد لأن كسبه لا يكون للسيد، وهذا لأنه إذا كان له كسب ومال فهو غني، وإن لم يكن فإنه يمكنه أن يعجر نفسه فيلزم السيد نفقته، فإذا كان كذلك لم يجز أن يصرف إليه، وأما الزكاة يصرف سهمًا منها إلى المكاتب لأن في أهل سهمان الزكاة الأغنياء بخلاف الكفارة فإنها للفقراء ولا حق فيها للأغنياء فهي بمنزلة سهم الفقراء من الصدقات لا يجوز صرف شيء منه إلى المكاتب لغنائه بماله أو سيده.
وقال أبو حنيفة: يجوز صرف الإطعام إلى المكاتب كالزكاة وهذا غلط لما ذكرنا.
ولو كان والده فقيرًا عبر زمن فالصحيح أنه لا يجب نفقته فيجوز دفع الكفارة والزكاة إليه.
مسألة: قال: "ولا أحدًا على غيرِ دينِ الإسلام".
لا يجوز دفع الكفارة إلى الكافر خلافًا لأبي حنيفة كما قال في زكاة الفطر: ووافقنا أنه لا يجوز دفعها إلى المرتد.
مسألة: قال: "وقالَ في "القديم": لو علمَ بعدُ أَنْ أعطاهُ أنهُ غنيٌّ أجزأه ثم رجع إلى أَنَه لا يجزيهِ".
ظاهر المذهب أنه إذا علم غناه بعد أن أعطاه لا يجوز وهو اختيار المزني؛ لأنه أعطى من لم يفرضه الله تعالى له بل حرمه عليه وقد ذكرنا هذا في كتاب الزكاة بالشرح ولو بان كافرًا [169/ ب] أو عبدًا قيل قول واحدًا لا يجوز؛ لأنه يعرف يقينًا والغنى يعرف اجتهادًا وقال القفال: الصحيح أن الكل على قولين وقد تقدم شرح الكلام فيه أيضًا.
مسألة: قال: "ويكفرُ بالطعامِ قبلَ المسيسِ".
لا يجوز المسيس قبل الإطعام كما لا يجوز قبل العتق والصوم وقوله: لأنها في معنى الكفارة قبلها أي.... في معنى العتق والصوم المذكور قبل الإطعام، وبه قال أبو حنيفة وكافة العلماء، وقال مالك: يجوز أن يطأها قبل التكفير حكاه بعض أصحابنا، وأومى إليه أحمد وبه قاال داوود واحتج بأن الله تعالى لم يقل في الإطعام قبل أن يتماسا وهذا غلط؛ لأن الله تعالى ذكر بعض الأحكام وبعضها نفسها فلما قيد العتق بقوله: ﴿مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾.
نبهنا به على الإطعام فإن قيل: فلم كرر هذا التقيد في
الصيام قلنا: التنبيه لا يحصل في بالشيء إلا على ما يماثله ويشاكله والإطعام نظير الإعتاق لأن الكل واحد يحصل في زمان قصير فأما الصوم فلا يحصل إلا في شهرين ولا يقع التنبيه عليه بالعتق كما يقع على الإطعام فإذا ثبت هذا يجوز أن يكفر بالإطعام متواليًا ومتفرقًا لظاهر الآية، فإن فرق ثم قدر على الصوم في أثنائه لم يلزمه العود إلى الصوم كما ذكرنا في الصوم إذا قدر في أثنائه على العتق نص عليه في "الأم".
فرع
إذا وطئ في خلال الإطعام لم يلزمه الاستئنافن وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك: يلزمه الاستئناف لأنه وطئ في أثناء الكفارة فيلزمه الاستئناف، كما لو طئ في خلال الصيام وهذا غلط لأن وجود الوطئ لا يبطل ما فعله من الإطعام ويبطل الصوم حتى لو كان في الليل لا يبطل عندنا.
مسألة: قال: "ولو أعطى مسكينًا مدًا عنْ ظهارهِ، ومَدًا عن يمينهِ [170/ أ] أجزأهُ".
إذا وجبت عليه كفارتان فدفع مدين إلى مسكين واحد؛ مدًا عن هذا ومدًا عن هذا أجزأه لأنه قد وجد العدد والطعام المقدور في كل واحدة من الكفارتين، وإن أعطي من كفارة واحدة لم يجز، وعليه أن يعيد أحد المدين، وهل يرجع به عليه نظر، وإن كان مطلقًا لم يرجع، وإن شرط من كفارة واحدة يرجع.
فرع
لو دفع ستين مدًا إلى مائة وعشرين مسكينًا إلى كل مسكين نصف مد يجزيه ذلك النصف المد، وعليه أن يتمم ذلك مدًا، مدًا لستين مسكينًا منهم أيهم اختار، ولا يسترجع الباقي لأنه قد وقع موقعه بدليل أنه لو أراد الأمام لهم أجزأه، فلم يجز له الاسترجاع هكذا ذكر أصحابنا.
وقال بعض أصحابنا: إذا شرط عليهم أنها كفارته؛ له أن يسترجع من الباقين الذين لم يتمم لهم، وهذا لأن الإجزاء تعلق بمن يغنيه منهم، فإذا عين ستين منهم لم يتعلق الإجزاء بالباقين ذكره في "الشامل" وهو الصحيح عندي.
واعلم أن فيما نقله المزني إشكالًا وذلك أنه قال: لأنهما كفارتان مختلفتان؛ يعني كفارة الظهار، وكفارة اليمين.
وهذا يوهم أنه لو أعطاه مدين عن يمينين لا يجوز، وبالإجماع يجوز، وإزالة هذا الإشكال أن يقال معنى قوله كفارتان مختلفتان؛ أنهما يسلم كفارة واحدة، ولم يرد أن يشترط تبايين صفة الكفارتين.
مسألة: قال: "ولا يجوزُ أَنْ يكفرَ إلَا كفارةً كاملةً مِنْ أيِّ الكفاراتِ كفّرَ".
معناه أنه لا يجوز أن ينقض الكفارة فيصوم ثلاثين يومًا ويطعم ثلاثين مسكينًا لأن الله تعالى رتب هذه الكفارة، وفي هذا إثبات التجير، وفي اليمين لا يجوز أن يطعم
خمسة، ويكسو خمسةً لأن الله تعالى أثبت التحير على وجهٍ وهذا إثبات تجير زائد، وهكذا لا يجوز [170/ ب] أن يعتق نصف عبد ويصوم شهرًا، ووافقنا أبو حنيفة في كل هذا إلا في كفارة اليمين فإنه قال: يجوز كسوة خمسة وإطعام خمسة.
فرع
لو بعض في جزاء الصيد فأدى ثلث شاه، وأطعم قدر ثلث شاه وصام بالباقي منها هل يجوز؟ قال القفال: فيه وجهان؛ أحدهما: لا يجوز، والثاني: يجوز لأنه قد يجب الثلث منه ابتداءً دون الكل خلاف الكفارة، وهذا أقيس عندي وأشبه بالمذهب.
فرع آخر
لو دفع الكفارة بالإطعام إلى الأمام فتلف في يد الإمام قبل تفريقها على المساكين، هل يسقط الفرض قال والدي -رحمه الله -: عندي أنه لا يسقط الفرض بخلاف الزكاة الواجبة لأنها إلى الأمام دون الكفارة، ويحتمل سقوط الفرض، وإن لم يكن إلى الأمام كزكاة الأموال الباطنة وهو الأظهر عندي.
مسألة: قال: "وكلُّ الكفاراتِ مدٌّ بمدِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم".
الفصل
قصد به الرد على أبي حنيفة وقد ذكرنا مذهبه أن اعتبر الصاع الحجاجي ومدّه ونحن اعتبرنا صاع الرسول صلى الله عليه وسلم ومده.
واحتج الشافعي عليه هاهنا فقال: سنة نبيه صلى الله عليه وسلم يدل على أنه بمده فكيف يكون بمدين لم يوفِ عهده أو مدًا أحدث من بعد ثم قال: وإنما قلت: مدًا لكل مسكين لحديث النبي صلى الله عليه وسلم في المكفر في رمضان، وقصد به الرد على أبي حنيفة، وقد ذكرنا مذهبه، وفي خبر الأعرابي: المجامع في رمضان أنه أعطاه عرمًا فيه تمر قال سفيان بن عيينة وهو ستون مدًا وكان قد أعلمه أن عليه إطعام ستين مسكينًا فيكون لكل واحد مد.
فإن قيل: أليس أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يفرق من طعام لستة مساكين في فدية الأذى فيحصل لكل مسكين مدان، قيل: قال الشافعي: الكفارة بالكفارة أشبه في القياس [171/ أ] وهذا منه قياس مختلف فيه على مختلف فيه.
أما الفرع فالظهار، وأما الأصل فكفارة الجماع في رمضان، ولكنه وجد في كفارة الجماع نصًا ورد في المقدار فقاس فرعًا لا أصل فيه على أصل منصوص عليه، وإن كان في ذلك الأصل خلاف ثم رجع الشافعي إلى مسألة الصاع فقال: وقال بعض الناس: يعني أبا حنيفة المد رطلان بالحجاجي وقد احتججنا فيه مع أن الأثار على ما قلنا، وأمر الناس بدار الهجرة وما ينبغي لأحد أن يكون أعلم بها من أهل المدينة ثم ذكر مذهبه أنه قال: لو أعطى الكل إلى مسكين واحد أجزأه.
واحتج الشافعي عليه فقال: لئن أجزأه في كل يوم وهو واحد يجزه في مقام واحد وبعضهم لا يسلم هذا الأصل وهو غير مشهور.
واحتج أيضًا بأن الله تعالى شرط في الشهادة العدد والعدالة، ولا يجوز الإقلال بالعدد هناك حتى لو شهد اليوم ثم أعاد شهادته غدًا لا تكون شهادة عدلين فكذلك هاهنا؛ وجب أن لا يجوز الإقلال بالعدد ثم ذكر مذهبه أنه قال: لا يجوز أن يصرف الإطعام إلى الحربي ويجوز إلى الذمي، واحتج عليه بالحربي وقال: فإن أجزأه غير المسلمين، وقد أوصى الله تعالى الأسير فلم يجزء أسير المسلمين الحربي، وأراد بأسير المسلمين أسير كافر يكون في يد المسملمة والمستأمنون إليهم وهذا ما ارتكبه المتأخرون منهم.
وقالوا: يجوز دفع الكفارة إلى المستأمن والأسير وفي هذا إشارة إلى الترجح وهو أنه إذا لم يجز صرفها إلى الأسير مع وصية الله تعالى بالإحسان إليه فلأن لا تجوز صرفه إلى الذمي أولى.
ثم ذكر مذهبه في النقدية والمعيشة واحتج عليه بأنه يخلف ذلك بالصبيان والمرضي والأقرباء، ثم ذكر مذهبه أنه جوز فيه الطعام، واحتج عليه بأنه لو تصدق بقيمة الرقبة طعامًا لا يقوم مقام العتق ثم قال: فإن أجازه فقد أجاز الإطعام [171/ ب] مع القدرة على العتق وهم لا يمنعون هذا الإلزام ويعتدون بأن القصد من العتق تكميل الشخص لا تمليك المال ولا يوجد ذلك في قيمة الرقبة، وإن كانت طعامًا فلهذا لا يجوز.
وهاهنا المقصود سد الحلة ويحصل ذلك بالقيمة ثم ألزمهم على أصلهم إحالة الصوم مع الطاقة إلى الصدقة لأن التبديل والتقويم إذا جاز في البعض يجب أن يجوز في الجميع فلما لم يجز ذلك بالإجماع كذلك هاهنا.