بحر المذهب للرويانيصفحات 163-202

لله (والمصطفى) رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وخير ما افتتح به كتاب الله، قال الله تعالى: ﴿وأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ﴾ الآية.
وروي من خطب بعض السلف الحمد لله شكرًا لأنعمه وأياديه، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة تبلغه وترضيه، وصلى الله على محمد صلاة تزلفه وتحظيه، واجتماعنا هذا مما قضاه الله وأذن فيه، والنكاح مما أمر الله به ورضيه، قال تعالى: ﴿وأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ﴾ [النور: 32]، فتكون الخطبة على ما وصفنا.
قال الشافعي: "وأحب أن يقول الولي مثل ما قال ابن عمر: قد أنكحتها على ما أمر الله تعالى به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان".
فصل: فإذا تقرر ما وصفنا من حال الخطبة نظر في الخاطب، فإن كان غير المتعاقدين وهو ما عليه الناس في زماننا كانت خطبته نيابة عنهما، وإن خطب أحد المتعاقدين فيختار أن يخطبا معًا، لأن كل واحد منهما مندوب إلى مثل ما ندب إليه الآخر، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما زوج عليًا خطبا جميعًا.
والأولى أن يبدأ الزوج بالخطبة ثم يعقبه الولي بخطبته ليكون الزوج طالباً ويكون الولي محبباً، فإن بدأ الولي بالخطبة ثم خطب الزوج بعده جاز فإن تقدمت خطبتهما قبل البذل والقبول أو قبل الطلب والإيجاب ثم عقده النكاح بعد الخطبتين بالبذل أو بالقبول أو بالطلب والإيجاب.
فقد قال أبو حامد الإسفراييني: إن العقد صحيح، لأن ما تخللهما من الخطبة الثانية مندوب إليه في العقد فلم يفسد به العقد وهذا خطأ والصحيح وهو الظاهر من قول أصحابنا كلهم أن العقد باطل لأمرين: أحدهما: تطاول ما بين البذل والقبول.
والثاني: أن أذكار الخطبة ليست من البذل ولا من القبول وما قاله من أن الخطبة الثانية مندوب إليها في العقد فلم يفسد بها العقد فصحيح إذا كانت في محلها قبل العقد فأما في خلال العقد فلم يندب إليها فجاز أن يفسد بها العقد، والله أعلم.

باب ما يحل من الحرائر ويحرم ولا يتسرى العبد وغير ذلك

قال الشافعي: "انتهى الله تعالى بالحرائر إلى أربع تحريماً لئلا يجمع أحد غير النبي صلى الله عليه وسلم بين أكثر من أربع".
قال في الحاوي: وهذا كما قال.
أكثر ما يحل للحر نكاح أربع لا يجوز له الزيادة عليهن وهو قول سائر الفقهاء

وحكي عن القاسم بن إبراهيم ومن نسب إلى مقالته من القاسمية وطائفة من الزائدية أنه يحل له نكاح تسع استدلالاً بقوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وثُلاثَ ورُبَاعَ﴾ [النساء: 3] بواب الجمع.
والمثنى مبذل من اثنين والثلاثة مبدل ثلاث والرابع مبدل من أربع فصار مجموع الاثنين والثلاث والأربع تسعاً، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم مات عن تسع والله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21]، ولأنه لما ساوى رسول الله صلى الله عليه وسلم سائر أمته فيما تستبيحه من الإماء وجب أن يساويهم في حرائر النساء.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وثُلاثَ ورُبَاعَ﴾ [النساء: 3] وفيه دليلان: أحدهما: أنه ما خرج هذا المخرج من الأعداد كان المراد بها أفرادها دون مجموعها لأمرين: أحدهما: أنه لما كان المراد بقوله في صفة الملائمة: ﴿أُوْلِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وثُلاثَ ورُبَاعَ﴾ [فاطر: 1] أفراد هذه الأعداد وإن منهم من له جناح، وإن منهم من له جناحان ومنهم من له ثلاثة ومنهم من له أربعة وجب أن يكون في عدد النكاح كذلك.
والثاني: أن أهل اللغة أجمعوا فيمن قال: قد جاءني الناس مثنى وثلاث ورباح أن مفهوم كلامه أنهم جاؤوا على أفراد هذه الأعداد اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة وأربعة ولم يرد بمجموعها تسعة فكذلك مفهوم الآية.
والدليل الثاني: من الآية أن "الواو" التي فيها ليست واو جمع وإنما هي واو تخيير بمعنى أو تقدير الكلام مثنى وثلاث أو رباع وإنما كان كذلك لأمرين: أحدهما: أن ذكر التسعة بلفظهما أبلغ في الاختصار واقرب إلى الأفهام من ذكرها بهذا العدد المشكل الذي لا يفيد تفريقه.
والثاني: قوله بعد ذلك: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3] ولو كان المراد تسعاً ولم يرد اثنين على الانفراد لقال: فإن خفتم ألا تعدلوا فثمان ليعدل على التسع إلى أقرب الأعداد إليهما لا لبعده منهما، لأنه قد لا يقدر على العدل في تسع ويقدر على العدل في ثمان.
ولو كان على ما قالوه لكان من عجز عن العدل في تسع حرام عليه أن ينكح إلا واحدة ولما جاز له اثنتان ولا ثلاث ولا أربع، وهذا مدفوع بالإجماع ثم الدليل مع نص السنة أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم ومعه عشر نسوة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أمسك أربعاً وفارق سائرهن" وأسلم نوفل بن معاوية وأسلم معه خمسة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أمسك أربعاً وفارق واحدة".
ولأنه ما جمع في الإسلام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد تقييداً بفعله بين أكثر من أربع من رغبتهم في الاستكثار وحرصهم على طلب

الأولاد، وأنهم قد استكثرا من الإماء واقتصروا على أربع من النساء، فدل ذلك من إجماعهم على حظر ما عداه، فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد خص في النكاح بما حرم على سائر أمته، لأنه قد أبيح له النساء من غير عدد محصور، وما أبيح للأمة إلا عدد محصور، وليس وإن مات عن تسع يجب أن يكون هي العدد المحصور، فقد جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين إحدى عشر، ومات من تسع وكان يقسم لثمان.
وأما الإماء فلم يحضرنه بعدد ممكن على الإطلاق.
فصل: فإذا ثبت أنه لا يحل للحر نكاح أكثر من أربع فنكح خمساً نظر عقد عليهن في عقد واحد بطل نكاح جميعهن، لأن المحرمة من الخمس غير متعينة فبطل نكاح الجميع وإن عقد عليهن متفردات بطل نكاح الخامسة الأخيرة، وصح نكاح من تقدمها فلو تزوج ثلاثاً في عقد واثنين في عقد صح نكاح الثلاث لتقدمهن.
وبطل نكاح الاثنين لتأخرهما.
فلو أشكل المتقدم من العقد بطل الخمس كلهن فلو نكح ثلاثاً في عقد اثنين في عقد وواحدة في عقد وأشكل المتقدمات منهن صح نكاح الواحدة لأنها تتنزل في أحوالها كلها على الصحة وبطل نكاح الثلاث والاثنين لتزولهن بين حالتي صحة وفساد وبيان تنزيلهم في الأحوال إنه إن كان قد تقدم نكاح الثلاث ثم الاثنين ثم الواحدة صح نكاح الثلاث والواحدة بطل نكاح الاثنين وإن قد تقدم نكاح الاثنين ثم الثلاث ثم الواحد صح نكاح الاثنين والواحدة وبطل نكاح الثلاث، وأن تقدم نكاح الواحدة ثم الثلاث ثم الاثنين صح نكاح الواحدة والثلاث وبطل نكاح الاثنين وصارت الواحدة ثانية في الأحوال كلها فصح نكاحها ولما ردد نكاح الثلاث والاثنين بين حالتي صحة وفساد بطل نكاحهن.
مسألة: قال الشافعي: "والآية تدل على أنها على الأحرار بقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3] وملك اليمين لا يكون إلا للأحرار الذين يملكون المال والعبد لا يملك المال".
قال في الحاوي: وهذا صحيح لا يحل للعبد أن ينكح أكثر من اثنين على الشطر من استباحة الحر وبه قال من الصحابة: عمر، وعثمان، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر.
ومن التابعين: الحسن البصري، وعطاء.
ومن الفقهاء: أبو حنيفة وأهل العراق وأحمد وإسحاق.
وقال مالك: العبد كالحر في الجمع بين أربع.
وبه قال الزهري، وربيعة، والأوزاعي وأبو ثور وداود استدلالاً بعموم قوله تعالى:

﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وثُلاثَ ورُبَاعَ﴾ [النساء: 3]، ولأنه لما كان لعان الحرائر أربعاً مساواة بعدد من أبيح له من النساء، ثم كان لعان العبد أربعاً كالحر، وجب أن يستبيح أربعاً كالحر، ولأن نكاح العبد أوسع من نكاح الحر، لأنه قد ينكح الأمة على الحرة ويجمع بين أمتين بخلاف الحر فلم يجز وهو أوسع حكماً أن يضيق في العدد من حكم الحر ولأنه لما كان العبد مساوياً للحر في أعيان المحرمات وجب أن يساويه في أعداد المنكوحات.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ﴾ [الروم: 28] فدل على أن العبد غير مساو للحر، ولأنه إجماع الصحابة من وجهين: أحدهما: أن عمر قال: يطلق العبد تطليقتين وينكح اثنتين وتعتد الأمة حيضتين وصرح بمثله من الصحابة من ذكرنا.
وليس فيهم مخالف.
والثاني: ما رواه الليث بن أبي سليم عن الحكم بن عيينة قال: أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا ينكح العبد أكثر من اثنتين.
فثبت بهذين إجماع الصحابة على ما ذكرنا، ولأن ما نقص في عدله ومعناه شاطر العبد فيه الحر كالحدود، ولأنه لما نقص الأحرار فيما استباحوه من العدد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبعضهم عنه وجب أن ينقص العبد فيه عن الحر لنقصه عنه.
فأما استدلالهم بالآية فسياق الكلام من أوله إلى آخره متوجه إلى الأحرار دون العبيد، لأن قوله أوله: ﴿وإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي اليَتَامَى﴾ [النساء: 3] متوجه إلى الأحرار لأنهم يكونون على الأيتام وقوله: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3] متوجه إلى الأحرار، لأن العبد لا يملك أن ينكح ما طاب لنفسه وقوله: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3] متوجه إلى الأحرار، لأن العبد لا يملك.
وأما استدلالهم باللعان فهو غير موضوع على التفاضل ولا هو العلة في عدد المنكوحات وإن اتفقا، وإنما يجري مجرى اليمين عندنا والبينة عند غيرنا.
وأما استدلالهم بأن حكم العبد في النكاح أوسع فالجواب عنه: أنه أوسع حكماً فيما طريقه النقص وأضيق حكماً فيما طريقه الكمال، واستباحته للأمة نقص فاتسع حكمه فيه والعدد كمال فضامن حكمه فيه.
وأما استدلالهم بأنه لما ساواه في أعيان المحرمات مساواة في عدد المنكوحات فباطل بأن النبي صلى الله عليه وسلم يساوى الأمة في أعيان المحرمات ولا يساويه في عدد المنكوحات فدل على أن التحريم متساوي العدد متفاضل.
فإذا ثبت أن العبد لا ينكح أكثر من اثنين فحكمه إن أنكح ثلاثاً كحكم الحر إذا نكح خمساً على ما بيناه وكذلك المدبر والمكاتب ومن رق بعضه، والله أعلم.

مسألة: قال الشافعي: "فإذا فارق الأربع ثلاثاً تزوج مكانهن في عدتهن لأن الله تعالى أحل لمن لا امرأة له أربعاً وقال بعض الناس لا ينكح أربعاً حتى تنقضي عدة الأربع لأني لا أجيز أن يجتمع ماؤه في خمس أو في أختين.
قلت: فأنت تزعم لو خلا بهن ولم يصبهن أن عليهن العدة فلم يجتمع فيهن ماؤه فأبيح له النكاح وقد فرق الله تعالى بين حكم الرجل والمرأة فجعل إليه الطلاق وعليها العدة فجعلته يعتد معها ثم ناقضت في العدة.
قال: وأين؟ قلت: إذ جعلت عليه العدة كما جعلتها عليها أفيجتنب ما تجتنب المعتدة من الطيب والخروج من المنزل؟ قال: لا.
قلت: فلا جعلته في العدة بمعناها ولا فرقت بما فرق الله تعالى به بينه وبينها وقد جعلهن الله منه أبعد من الأجنبيات لأنهن لا يحللن له إلا بعد نكاح زوج وطلاقه أو مؤته وعدة تكون بعده والأجنبيات يحللن من ساعته".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا كان له أربع زوجات فطلقهن وأراد أن يعقد على أربع سواهن أو على أخت واحدة منهن لم يخل طلاقه من أن يكون قبل الدخول أو بعده فإن كان قبل الدخول جاز له عقيب طلاقهن سواء كان طلاقه ثلاثاً أو دونها وإن كان قد دخل بهن لم يخل طلاقه من أن يكون بائناً أو رجعياً، فإن كان رجعياً واحداً أو اثنين بغير عوض لمن يكن له العقد على أحد حتى ينقص عددهن، لأنهن من الزوجات ما كن في عددهن لوقوع طلاقه وظهاره عليهن.
وحصول التوارث بينه وبينهن فلو انقضت عدة واحدة منهن جاز العقد على أختها أو على خامسة غيرها ولو انقضت عدة اثنتين جاز له العقد على اثنتين ولو انقضت عدة ثلاث جاز له العقد على ثلاث ولو انقضت عدة الأربع جاز له العقد على الأربع وإن كان الطلاق بائناً أما أن يكون ثلاثاً أو دونهما بعوض فقد اختلف الفقهاء هل أن يتزوج في عددهن بأربع سواهن أو بأخت كل واحدة منهن فذهب الشافعي إلى جوازه.
وبه قال من الصحابة: زيد بن ثابت.
ومن التابعين: سعيد بن المسيب والزهري.
ومن الفقهاء: مالك.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز إلا بعد انقضاء عدتهن.
وبه قال من الصحابة علي وابن عباس.
ومن التابعين: سفيان الثوري استدلالاً بعموم قوله تعالى: ﴿وأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: 23] وهذا نص لما به يعقد في أختين، ولأنها معتدة في حقه في من طلاقه فلم يحل له العقد على أختها كالرجعية، واحترز بقوله: "من حقه"

من أن يدعي المطلق انقضاء عدتها وينكر فيكون القول قول المطلقة في استباحة عقده على أختها، والقول قولها في بقاء عدتها وتكون معتدة في حقها لا في حقه، واحترز بقوله: "من طلاقه" من ردتها فإنه يجوز له أن يتزوج بأختها وإن كانت المرتدة في عدتها، ومن أن يطأ أمه يبيعها، فيجوز أن يتزوج بأختها وإن كانت الأمة تستبرئ نفسها من وطئه.
قال: لأن كل جمع منع منه عقد النكاح منعت منه العدة كالجمع بين زوجين، لأن العقد قد حرم عليها نكاح غيره من الأزواج كما حرم عليه نكاح أختها من المساء ثم كان تحريم غيره باقياً عليها في العدة وجب أن يكون تحريم أختها باقياً عليه في العدة.
ودليلنا في قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم﴾ [النساء: 3] وقد يطيب له نكاح أختها في عدتها ولأنه جمع حرم على الزوج بالعقد فوجب أن يرتفع بالطلاق كالمطلقة قبل الدخول فإن قيل فالمطلقة قبل الدخول لما لم يحرم عليها نكاح غيره لم يحرم عليه والمطلقة بعد الدخول لما خرم عليها نكاح غيره حرم عليه.
قيل: إنما حرم عليها بعد الدخول نكاح غيره لأنها معتدة ولم يحرم عليه لأنه غير معتد، ولأنها مبتوتة يحل له نكاح أختها بعد العدة فحل له نكاح أختها قبل العدة كالمخبرة بانقضاء العدة ولأنها فرقة يمنع من وقوع فوجب أن يبيح ما حرم من الجمع يعقده كالوفاة، ولأنها لا تحل له إلا بنكاح جديد فلم يحرم عليه نكاح أختها لأجلها كالأجنبية، ولأن المبتوتة من العقد أغلظ تحريماً عليه من الأجنبية لأن الأجنبية تحل بالعقد في الحال وهذه لا تحل له إلا بعقد بعد عدتين وزوج فلم يجز وهي أغلظ تحريماً من الأجانب أن يحرم بها ما لا يحرم بالأجانب، ولأن العدة تختص بالمرأة دون الزوج لقوله تعالى: ﴿والْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] فلو منعت من الرجال للزم من العدة كما ألزمت ولو لزم من أحكام العدة كما لزمها لزمة سائر أحكامها من تحريم الطيب والزينة كما لزمها وفي المنع من إبراء أحكام العدة عليها فيما سوى النكاح منع من إجراء حكمها عليه في تحريم النكاح.
وأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿وأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: 23] فهو أن الطلاق مفرق فكيف يصير به جامعاً والجمع من الاجتماع.
والفرقة ضد الاجتماع.
وأما قياسهم على الرجعية فتلك زوجته يقع عليها طلاقه وظهاره وتستحق بينهما التوارث وهذه قد صارت أجنبية لأنها لا يلحقها طلاقه ولا ظهاره ولا يتوارثان فلم يجز أن يجمع بينهما في تحريم الجمع كما يجمع بينهما في النكاح والعقد.
وأما قياسهم عليها فالمعنى فيها أنها معتدة والمعتدة محرم عليها نكاح غيره لئلا يختلط ماؤه بماء غيره وليس كذلك الرجل لأنه غير معتد وليس في عقده على غيرها اختلاط مائتين فافترقا.
فصل: فأما الشافعي رضي الله تعالى عنه فإنه تكلم في هذا الموضع على إبطال مذهبهم

بثلاثة فصول ذكرنا منها فضلين: أحدهما: ما فيه من وجوب العدة على الزوج وقد أوجبها الله عليه دونه.
والثاني: أنها بالطلاق أسوا حالاً من الأجنبية فكيف تبقى على حكم الزوجية.
وأما الفصل الثالث: وهو الذي تفرد به الشافعي رضي الله عنه فتحرر كلامه من مقتضاه أنه لا يخلو تحريمهم لنكاح أختها في عدتها من أحد أمرين: أما أن يكون لعقد النكاح أو لئلا يجتمع ماؤه في اختين فإن كان لعقد النكاح فقد ارتفع بطلاق الثلاث وإن كان لئلا يجتمع ماؤه في أختين فهم يقولون: إنه لو خلا بها من طلقها حرم عليه نكاح أختها في عدتها وإن لم يجتمع ماؤه في أختين فبطل التعليل بكلى الأمرين واعترضوا على الشافعي في هذا الفصل بالفساد فقالوا: نحن حرمنا المدخول بها باجتماع المائين وتعلل غير المدخول بها من هذا الحكم بعلة أخرى ونقض العلة أن يكون بوجودها مع عدم الحكم ولا يكون النقض بوجود الحكم مع عدم العلة ألا ترى أن من قبل تعليلاً بالردة كان نقض العلة بأن لا تقبل مع وجود الرواة ولم يكن نقضها بأن تقبل مع عدة الردة بقتل أو زنا وكذلك هاهنا يحرم المدخول بها لاجتماع المائين ولا بنقض هذا التعليل تحريم غير المدخول بها لعلة أخرى والجواب عن هذا أن العلل ضربان: أحدهما: أن يكون التعليل عاماً لجنس الحكم.
والثاني: أن يكون خاصاً لأعيان ما يتعلق به الحكم.
فإن كانت العلة لجنس الحكم لتعليل الربا بأنه مطعوم انتقضت هذه العلة بوجوب الحكم ولا على كما تنقض بوجود العلة ولا حكم حتى إن وجد الربا فيما ليس بمطعوم كان نقضاً كما لو وجد مطعوماً ليس فيه ربا كان نقضاً وإن كانت العلة بوجودها مع عدم الحكم حتى وإن وجد مطعوم لا ربا فيه كان نقضاً وما ذكره الشافعي من إلزام النقض في تعليلهم باجتماع المائين إنما هو تعليل لجنس الحكم العام فانتقض بوجود الحكم ولا على كما ينتقض بوجود العلة ولا حكم.
مسألة: قال الشافعي: "ولو قتل المولى أمته أو قتلت نفسها فلا مهر لها".
قال في الحاوي: أعلم أن الزوجة إذا هلكت بعد الدخول بها فلها جميع المهر، لأنها قد استهلكته بالدخول سواء ماتت أو قتلت وسواء كانت حرة أو أمة فأما إذا هلكت قبل الدخول بها فهو على ضربين: أحدهما: أن يكون هلاكها بالموت.
والثاني: أن يكون هلاكها بالقتل فإن كان هلاكها بالموت فمذهب الشافعي

وجمهور أصحابه أن لها المهر سواء كانت حرة أم أمة، لأنه غاية النكاح مدة الحياة فإذا حدث الموت فقد انقضت مدة العقد فاستحقت بها جميع المهر.
وقال أبو سعيد الاصطخري: إن كانت حرة فلها جميع المهر وإن كانت أمة فلا شيء لها وفرق بينهما بأن الحرة في قبض الزوج، لأنها مخيرة على المقام معه، فإذا ماتت استحقت جميع المهر، كالسلعة إذا تلفت بعض قبض المشتري لها استحق عليها، ثمنها والأمة قبل الدخول في قبض السيد دون الزوج، لأنها لا تخير على المقام معه إلا باختيار السيد، فلم تستحق بالموت قبل الدخول مهراً كالسلعة إذا بلغت في يد بائعها سقط عن المشتري ثمنها.
فصل: وإن كان هلاكها بالقتل دون الموت فهو على ضربين: أحدهما: أن تكون هي القاتلة.
والثاني: أن يقتلها غيرها فإن قتلها غيرها فضربان: أحدهما: أن يقتلها الزوج فعليه مهرها حرة كانت أو أمة باتفاق جميع أصحابنا، لأن الحرة كالمقبوضة والأمة وإن كانت في حكم غير المقبوضة فقد استهلكها مستحق قبضها فلزمه مهرها كما يلزم مشتري السلعة إذا استهلكها في يد بائعها جميع ثمنها ويصير الاستهلاك قبض كذلك القتل.
والثاني: أن يقتلها أجنبي غير الزوج فحكم قتله لها في حق الزوجية حكم الموت فيكون لها المهر على مذهب الشافعي حرة كانت أو أمة وعلى مذهب أبي سعيد الاصطخري يكون لها المهر إن كانت حرة ولا يكون لها المهر إن كانت أمة، وإن كانت هي القاتلة لنفسها فقد قال الشافعي في الأمة: "إنه لا مهر إذا قتلت نفسها أو قتلها غيرها".
وقال في الحرة: إن لها المهر إن قتلت نفسها، فاختلف أصحابنا لاختلاف النص فيهما على وجهين: أحدهما: وهو قول أبي العباس بن سريج: أن اختلاف النص في الموضعين يوجب فأسقط مهرها كالرد والرضاع.
وبه قال أبو حنيفة: لأنها فرقة وقعت بالموت وخالفت الرضاع والردة، لما فيهما من التهمة لاختيار الفرقة، وأنه ليس في القتل تهمة باختيار الفرقة.
والثاني: هو قول أبي إسحاق المروزي وأبي سعيد الإصطخري وأبي حامد المروروزي - أن الجواب على ظاهره فتكون لها المهر إن كانت حرة، ولا يكون لها المهر

إن كانت أمة، وفرقوا بين الحرة والأمة من ثلاثة أوجه.
أحدها: ما قدمناه من فرق أبي سعيد الإصطخري أن الحرة في حكم المقبوضة؛ لأن الزوج يقدر على الاستمتاع بها متى شاء فصار التسليم من جهتها موجودا، فاستحقت المهر بحدوث التلف والأمة بخلافها؛ لأن الزوج لا يقدر على الاستمتاع بها إذا شاء حتى يرضى السيد، فصار التسليم من جهتها غير موجود فسقط المهر.
والثاني: أن المقصود من نكاح الحرة الألفة والمواصلة دون الوطء لجواز عقده على من لا يمكن وطئها من صفيره ورتقاء، وذلك حاصل قبل الدخول مثبت لها المهر، والمقصود من نكاح الأمة الوطء، دون المواصلة, لأنه لا يجوز له أن يتزوجها إلا من خوف العنت وذلك غير حاصل له قبل الدخول فسقط المهر.
والثالث: أن الحرة قد يستنفد ميراثها فجاز أن يغرم مهرها، والأمة لم تستنفد ميراثها فلم تغرم مهرها- والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وان باعها حيث لا يقدر عليها فلا مهر له حتى يد فعها إليه ". قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا زوج السيد أمته ثم باعها صح البيع ولم يبطل النكاح لأمرين: أحدهما: أن عائشة اشترت بريرة وهي ذات زوج فأثبت النبي ص الشراء ولم يبطل النكاح، وخيرها بعد العتق بين المقام أو الفسخ.
والثاني: أن عقد النكاح تناول الاستمتاع وعقد البيع تناول الرقبة فتناول كل واحد من العقدين غير ما تناوله الآخر فصحا معا كما لو أجرها ثم باعها، فإن قيل: لو أجرها ثم باعها كان بيعها على قولين: أحدهما: باطل، فهلا كان بيعها بعد تزويجها على قولين قلنا: إن يا المستأجر حائلة؛ لأن السيد يجبر على تسليمها له فجاز أن يبطل بيعها في أحد القولين ويد الزوج غير طائلة لأن السيد لا يجبر على تسليمها إليه فصح بيعها قولا واحدا.
فصل: فإذا ثبت جواز البيع وصحة النكاح فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون البيع بعد دخول بها فقد استحق الزوج مهرها سواء كان مسمى في العقد أو غير مسمى لاستقراره بالدخول الموجود في ملكه.
والثاني: أن يكون البيع قبل دخول الزوج بها فالمشتري يكون بمنزلة البائع لا يجبر

على تسليمها إلى الزوج، كما لا يجبر عليه البائع، فإن لم يسلمها المشتري إلى الزوج فلا مهر عليه وليس للبائع مطالبته.
ولو كان البائع قد قبضه منه كان للزوج استرجاعه، فإن سلمها للمشتري إلى الزوج حتى دخل بها استقر المهر عليه حينئذ، ولا يخلو حاله من ثلاثة أقسام: أحدهما: أن يكون المهر صحيحا مسمى في العقد فيكون مستحقا للبائع دون المشتري لأن استحقاقه بالعقد الموجود في ملكه فصار كالكسب المتقدم على المبيع.
والثاني: أن يكون المهر فاسدا مسمى في العقد فيحكم الحاكم لها بمهر المثل ويكون مستحقا للبائع أيضا دون المشتري لأن فساده مع التسمية في العقد يوجبه استحقاقه بالعقد.
والثالث: أن يكون عوضه لم يسم لها في العقد مهرا لا صحيح ولا فاسد فيفرض الحاكم لها مهر المثل وفيه قولان: أحدهما: أنه مستحق بالعقد كالمسمى لأن عقد النكاح لا يعرى عن مهر فعلى هذا يكون للبائع دون المشتري لاستحقاقه بالعقد الموجود في ملكه.
والثاني: أنه مستحق بالدخول دون العقد؛ لأنه لو استحق جميعه بالعقد بعد الدخول لاستحق نصفه قبل الدخول وهو لا يستحق قبل الدخول شيئا منه فدل على استحقاقها بالدخول فعلى هذا يكون المهر للمشتري دون البائع لوجود الدخول في ملكه وإن كان العقد موجودا في ملك البائع ومثل هذا إذا أعتق السيد أمته المزوجة قبل الدخول ولم يسم لها مهرا ودخل بها الزوج بعد العتق ثم فرض لها المهر فيكون مستحقه على هذين القولين: أحدهما: السيد المعتق إذا قبل: إنه مستحق بالعقد.
والثاني: الزوجة المعتقة إذا قيل: إنه مستحق بالدخول، والله أعلم بالصواب.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: "وَاِنْ طَلَبَ أَنْ يُبَوَّئَهَا مَعَهُ بَيْتًا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلَى السَّيَّد".
قال في الحاوي: وإذا قد مضى الكلام في المهر فتذكر الكلام في النفقة أما إذا كان الزوج غير ممكن من الدخول بها فلا نفقة عليه كما لم يكن عليه مهر وان كان ممكنا من الدخول بها لم يجز أن يمنع بعد التمكين من زمان الاستمتاع بها أقل من زمان الاستمتاع بالحرة لأن الحرة عليها تمكين نفسها من الزوج ليلا ونهارا والأمة يلزم تمكينها من الزوج ليلا ولا يلزم تمكينها منه نهاراً.

والفرق بينهما: أن الأمة قد استحق السيد استخدامها وللزوج الاستمتاع بها ولذلك جاز للسيد بعد تزويجها أن يؤجرها وليست الحرة مستحقة لخدمة نفسها.
ولذلك لم يجز للزوجة أن تؤجر نفسها وإذا اجتمع في منفعة الأمة حقان: حق الاستخدام لليد وحق الاستمتاع للزوج وجب أن يراعى زمان كل واحد منهما فيستوفيه مستحقه فوجدنا الليل بالاستمتاع أحق من النهار فجعلنا الليل لاستمتاع الزوج ووجدنا النهار بالاستخدام أخص من الليل فجعلنا النهار لاستخدام السيد ولو كان ما يستحقه من الاستخدام بالنهار يمكن أن يستوفيه منها وهي عند الزوج كالغزل والنساجة وما جرى مجراهما من صنائع المنازل فهل يجبر السيد إذا وصل إلى حقه من المنفعة والاستخدام أن يسكنها مع الزوج نهارا أم لا؟ على وجهين: أحدهما: وهو قول أبي إسحاق، يلزمه ذلك ويجبر عليه لوصوله إلى حقه.
والثاني: وهو قول أبي حامد الإسفراييني، إنه لا يلزمه ذلك لأن له أن يعدل عن هذا الاستخدام إلى غيره وإذا كان كذلك لم يخل حالها مع الزوج من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يمكنه السيد منها ليلا ونهارا فعلى الزوج نفقتها كاملة كمال الاستمتاع.
والثاني: أنه بمنعه منها ليلا ونهارا فليس على الزوج نفقتها ولا شيء منها لفوات استمتاعه بها.
والثالث: أنه يمكنه منها ليلا في زمان الاستمتاع ويمنعه منها نهارا في زمان الاستخدام.
ففي نفقتها وجهان: أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي، أنه لا نفقة لها على الزوج ويلتزمها السيد؛ لأن الزمان الذي يستحق به المنفعة وهو النهار الذي يستحقه السيد.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة: أن على الزوج أن ينفق عليها بقسط ما يستحقه من الاستمتاع بها في الليل وعلى السيد أن ينفق عليها بقسط ما يستحقه من الاستمتاع في الليل وعلى السيد أن ينفق عليها بقسط ما يستحقه من الاستخدام لها في النهار؛ لأن لكل واحد من الزمانين حظا من الحاجة إلى النفقة فلم يلزم السيد قسط الليل كما لم يلزم الزوج قسط النهار.
مسألة: قال الشافعي: " ولو وطء رجل جارية ابنه فأولدها كان عليه مهرها وقيمتها.
قال المزني: قياس قوله أن لا تكون ملكا لأبيه ولا أم ولد بذلك وقل أجاز أن يزوجه أمته فيولدها فإذا لم يكن له بأن يولدها من خلال أم ولد بقيمة فكيف بوطء حرام وليس بشريك فيها فيكون في معنى من أعتق شركا له في أمة وهو لا يجعلها أم ولد للشريك

إذا أحبلها وهو معسر وهذا من ذلك أبعد قال: وإن لم يحبلها فعليه عقرها وحرمت على الابن ولا قيمة له بأن حرمت عليه وقد ترضع امرأة الرجل بلبنه جاريته الصغيرة فتحرم عليه ولا قيمة له قال في الحاوي: وصورتها في رجل وطء جارية ابنه فقد أثم بوطئه لقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: 5 - 6] ولا ملك يمين فلم يحل له وطئها، فإن قيل: فلو كان هذا الأب من يستحق على ابنه أن يعف فكان له باستحقاق الإعفاف أن يطأ جاريته إذا منعه من الإعفاف كما منع من حق أن يتوصل إلى استحقاقه.
قيل: لا يجوز له ذلك وان منع من الإعفاف بعد استحقاقه لأنه ليس يتعين حق إعفائه في هذه الأمة وان للابن أن يعدل إلى إعفائه بغيرها من الإماء أو النساء فلذلك صارت مع استحقاقه محرمة وان كان كذلك لم يخل وطء الأب لها من أحد أمرين إما أن يحبلها، أو لا يحبلها فالكلام في وطئها يشتمل على أربعة أحكام: أحدها: في وجوب الحد.
والثاني: في وجوب المهر.
والثالث: في ثبوت التحريم.
والرابع: في وجوب القيمة.
فأما الفصل الأول: في وجوب الحد فلا يخلو حال الأمة الموطوءة من أن يكون الابن قد وطئها قبل ذلك أو لم يطئها فإن لم يكن الابن قد وطئها فلا حد على الأب في وطئها وهو قول جمهور الفقهاء وحكي عن الزهري وأبي ثور وجوب الحد عليه استدلالا بأنه لما حد الابن بوطئه جارية الأب مع وجود الشبهة في ماله الذي يسقط بها عنه قطع السرقة وجب أن يحد الأب بوطئه جارية الابن وان كانت له شبهة في ماله يسقط بها عنه قطع السرقة وهذا خطأ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أنت ومالك لأبيك" ولقوله صلى الله عليه وسلم: "أولادكم من كسبكم فكلوا من طيب كسبكم " فلما تميز الأب في مال الابن بهذا الحكم قويت شبهته فيه عن شبهة الابن في مال الأب فوجب لقوة شبهته الابن أن يدرأ بها عنه الحد لقوله صلى الله عليه وسلم: " ادرءوا الحدود بالشبهات " ولأنه لما منع الابن من نفس أبيه قودا منع حدا؛ لأن الأب لو قتل ابنه لم يقتص منه ولو قذفه لم يجد به.
ويقتل الابن بأبيه ويحد بقذفه فوجب أن يسقط الحد عن الأب بوطئه جارية الابن وان لم يسقط الحد عن الابن بوطئه جارية الأب لأن الحد إن ألحق بحد القذف لم يجب وان ألحق بالقود في النفس لم يجب وهذا دليل وانفصال ولأن على الابن إعفاف أبيه لو احتاج وليس على الأب إعفاف ابنه إذا احتاج فلما كان الوطء، جنسا يجب على الابن تمكين أبيه منه ولم ينجب على الأب تمكين ابنه

منه وجب أن يسقط الحد عن الأب؛ لأنه له حقا من جنسه ولا يسقط عن الابن؛ لأنه ليس حق من جنه وهذا أيضا دليل وانفصال.
فأما السرقة فإنما سقط القطع عن كل واحد منهما في حال الآخر لتساؤلهما في شبهه كل واحد منهما في حال الآخر؛ لأن نفقة الابن قد يجب في مال الأب كما تجب نغمة الأب في مال الابن فاستويا، وليس كذلك حد الوطء لاختصاص الأب فيه بالشبهة دون الابن كما يستحقه الأب على الابن من الإعفاف ولا يستحقه الابن على الأب فافترقا، فإذا ثبت أن لا حد عليه ففي تعزيزه وجهان: أحدهما: يعزر ليرتدع هو وغيره عن مثله.
والوجه الثاني: لا يعزر لأن التعزير بدل من الحد، وليس عليه حد، فكذلك ليس عليه تعزير، فهذا حكم الوطء الأب لها لم يكن الابن قد وطئها فأما إذا كان الابن قل وطئها ثم وطئها الأب بعده ففي وجوب الحد عليه وجهان: أحدهما: عليه الحد إذا علم بالتحريم إنها ممن لا تحل له أبدا بخلاف التي لم يطأها الابن فصارت من حلائل أبنائه فلزمه الحد كما يلزمه في وطء زوجة ابنه.
والثاني: لا حد عليه؛ لأنها وان وطئها فهي من جملة أمواله التي يتعلق بها شبهة أبيه ويشبه أن يكون تخريج هذين الوجهين من اختلاف قوليه في وجوب الحد على من وطء أخته من نسب أو رضاع أو بملك اليمين.
وأما الفصل الثاني: في وجوب المهر فهو معتبر بوجود الحدود وسقوطه فإن قلنا: إنه لا حد عليه فعليه مهر المثل لكونه وطء شبهة في حقه يوجب درء الحد فاقتضى لزوم المهر لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " فلها المهر بما استحل من فرجها " ويكون المهر حقا لابنه عليه لأنه من اكتساب أمته وان قلنا: إن الحد واجب عليه فقد سقطت شبهته في حق نفسه فينظر في شبهة الأمة فإن كانت مكرهة قهرها الأب على نفسها ثبت شبهتها في سقوط الحد عنه فوجب المهر في وطئها وان لم يكن لها شبهة في حق نفسه وكانت مطاوعة، فلو كانت حرة لما وجب المهر وإذا هي أمة ففي وجوب المهر قولان: أحدهما: لا مهر لها لأنها بالمطاوعة قد صارت بغيا وقد "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مهر البغي" وهذا اختيار أبي إسحاق المروزي.
والثاني: لها المهر ويملك الحد لأنه من إكسابه فلم يسقط بمطاوعتها وخالفت الحرة التي تملك ما أباحته من نفها ولا تملكه الأمة.
ألا ترى أن الحرة لو بذلت قطع طرف من أطرافها لم يضمنه القاطع؛ لأن الباذل له مالك ولو بذلته الأمة ضمنه القاطع؛ لأن الباذل له غير مالك.
وهذا اختيار ابن سريج.
وأما الفصل الثالث: وهو ثبوت التحريم فالتحريم من وجهين: أحدهما: تحريمها على الابن.
والثاني: تحريمها على الأب.

فأما تحريمها على الابن فمعتبر بوطء الأب فإن كان موجبا للحد لم يحرم به على الابن؛ لأن الزنا لا يحرم الحلال وان كان موجب للحد حرمت على الابن لأن الشبهة قد صرفته إلى حكم الوطء الحلال وأما تحريمها على الأب إن حكمها معتبر بحال الابن وان كان قد وطئها حرمت على الأب كزوجة الابن إذا وطئها الأب بشبهة حرمت عليهما معا.
وان كان ~ل الابن فإن وطئها حلت للأب أن يطأها بحق ملكه فلو كان الابن قد قبلها أو وطها دون الفرج ففي تحريمها على الأب قولان.
وأما الفصل الرابع: وهو وجوب قيمتها على الأب فلا يجب سواء حرمها على الابن أو لم يحرمها.
وقال العراقيون: إن حرمها على الابن وجبت قيمتها عليه وهذا خطأ لأنها غير مستهلكة عليه بالتحريم لأنه قد يصل إلى ثمنها بالبيع فلم يلزمه بالتحريم غرم كما لو أرضعت زوجة الرجل أمته بلبنه حرمت عليه ولم يلزمها غرم قيمتها لوصوله إلى ثمنها لكن لو كانت بكرا فافتضها الأب لزمه أرش بكارتها؛ لأنه قد استهلك عضوا من بدنها فهذا ما يتعلق بأحكام وطئه إذا لم تحبل.
فصل: فأما إذا أحبلها الأب بوطئه فالأحكام الأربعة لازمة له، ويختص بإحباله لها أربعة أحكام: أحدها: لحوق الولد به.
والثاني: كونها أم ولد.
والثالث: وجوب قيمتها.
والرابع: وجوب قيمة الولد.
فأما لحوق الولد به فإن وجب الحد عليه لم يلحق به الولد؛ لأن وجوب الحد لارتفاع الشبهة ولحوق الولد يكون مع وجود الشبهة فتنافيا وإذا كان كذلك ووجب الحد فصار زانيا وولد الزنا لا يلحق الزنى لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " الولد للفراش وللعاهر الحجر" ويكون الولد مرفوقا للابن وان لم يجب الحد على الأب لحق به الولد؛ لأن الشبهة في إدراء الحد موجبه للحوق الولد وإذا لحق به الولد صار حرا لأنه من شبهة ملك فكان حكمه كحكم الولد من ملك كما أن الولد من شبهة نكاح في نكاح الولدين نكاح.
فصل: وأما كونها أم ولد فمعتبر بحال الولد فإن لم يلحق به لم تمر له أم ولد وان لحق به الولد فهل تصير أم ولد أم لا؟ على قولين: أحدهما: وهو المنصوص عليه في هذا الموضع أنها تعتبر له أم ولد وبه قال الربيع.

والثاني: وهو المنصوص عليه في الدعوى والبينات أنها لا تصير أم ولد وبه قال المزني فإذا قيل: بالأول إنها تصير أم ولد وهو اختيار الربيع وجمهور أصحابنا فوجهه هو انه لما لحق به ولاها بشبهة الملك كلحوقه به في المالك وجب أن تصير له أم ولا بشبهة الملك كما تصير له أم ولد بالملك.
وإذا قيل بالثاني: إنها لا تصير أم ولد وهو اختيار المزني فوجهه أنه أولدها في غير ملك فلم تصر به أم ولد وان أعتق الولد كالغارة التي يتزوجها بشرط الحرية فتكون أمة ظ ن ولاها منه حر ولا تصير له أم ولد فأما المزني فإنه استدل بصحة هذا القول بثلاثة أشياء: أحدها: أن قال قد أجاز الشافعي للابن أن يزوج أباه بأمته ولو أولدها هذا الوطء الحلال لم تصر به أم ولد فكيف تصير أم ولد بوطء حرام؟ والثاني: أن قال: ليس للأب شريكا فيها كوطء أحد الشريكين إذا كان موسرا فتصير به إذا أولدها أم ولد؛ لأن الشريك ملكا وليس للأب ملك.
والثالث: أنه قال لما تصر به أم ولد للشريك إذا كان معسرا وله ملك فلان لا عير هـ أم ولد للأب وليس له ملك أولى فانفصل أصحابنا عن استدلال المزني ترجيحا للقول الأول.
فإن قالوا: أما استدلاله الأول بأن للابن أن يزوج أباه بأمته ولا تصير بالإحبال أم ولد فمرفوع عنه واختلفوا في سبب دفعه عنه فكان أبو العباس بن سريج وأبو إسحاق المروزي بنسبان المزني إلى السهو والغفل في نقله، وانه غلط في تزويجه لجارية أبيه إلى تزويجه لجارية ابنه، ومنعوا أن يتزوج الأب بجارية الابن وإن حل للابن أن يتزوج بجارية الأب، وأن الشافعي قد قال ذلك نصا في "الدعوى والبينات"؛ لأن على الابن أن يعف أباه فلم يجز أن يزوجه بأمته وليس على الأب أن يعف ابنه فجاز أن يزوجه بأمته وإنما كان وجوب إعفافه على الابن يمنعه من التزويج بأمة الابن؛ لأن الحر لا يجوز له أن ينكح الأمة إلا بشرطين: عدم الطول وخوف العنت فإن كان الأب موسرا لم يعدم الطول وان كان معسرا صار لوجوب إعفائه على الابن واجدا للطول فعلى هذا استدلاله مرفوع بغلطه، وقال آخرون: بل نقل المزنى صحيح في تزويج الأب بجارية ابنه ثم اختلفوا في صحة هذا النقل على وجهين: أحدهما: أنه عام في جواز تزويجه بها وأنه قول ثاني للشافعي أنه لا يلزم الابن إعفاف أبيه كما لا يلزم الأب إعفاف ابنه.
والثاني: أنه جوز تزويجه بها في موضع مخصوص لا على العموم وان كان إعفافه على الابن واجبا ومن قال بهذا اختلفوا في موضع الخصوص الذي يجوز فيه تزويجه بها على وجهين: أحدهما: أن أباه كان مملوكا فزوجه بأمته لأن إعفافه لا يجب عليه ولو كان حرا لم يجز.

والثاني: أن الابن كان معسرا لا يملك غير الأمة وهو إليها محتاج فزوجه بأمته لأنه معسرا لا يجب عليه إعفاف أبيه ولو كان موسرا لم يجز فعلى هذا إذا كان له على هذا الوجه العام فتزويج أبيه بأمته لم تصر بإحبال الأب أم ولد فإن صارت بإحباله لها في غير نكاح أم ولد.
والفرق بينهما أنه إذا وطئها بشبهة الملك من غير نكاح كان الولد حرا فانتشرت حرمته وتعدت إلى أمه فصارت به أم ولد وإذا وطئها في نكاح كان الولد مملوكا ليس له حرمة حرية تعقا إلى الأم فلم تصر به أم ولد.
وأما استدلاله الثاني: في أنه ليس بمالك مخالف الشريك المالك فهو محجوج به لأنه لما صارت حصة غير الوطء أم ولد للواطئ وليت ملكا له ولا له فيها شبهة ملك فلأن تصير جارية الابن أم ولا للأب؛ لأن له فيها شبهة ملك وان لم يكن له فيها ملك أولى.
وأما استدلاله الثالث: بأنه لما لم تصر حصة الشريك باعتبار الواطئ أم ولد للشريك الواطئ وله ملك فلأنه لا تصر للأب الذي ليس له ملك أولى فهو خطأ لأن إعصار الأب مخالف لإعسار الشريك لأن الأب يقوي شبهته بإعساره لوجب إعفافه والشريك تضعف شبهته بإعساره في أنه لا يتعدى عتقه إلى حصة الشريك ثم يسار الأب مخالف ليسار الشريك؛ لأن الأب عفافه ليساره والشريك يتعدى عتقه إلى حصة شريكه ليساره فمار إعسار الأب مساويا ليسار الشريك لا لإعساره وقد ثبت أن يساره موجب لكونها أم ولد فكذلك الأب.
فصل: فأما وجوب قيمتها على الأب فعلى ضربين: أحدهما: أن يلحق به ولدها.
والثاني: أن لا يلحق به فإن لم يلحق به ولدها لم يخل حالها من أحد أمرين: إما أن تموت بالولادة أو لا تموت فإن لم تمت بالولادة فليس عليها قيمتها؛ لأنها باقية على رق الابن.
وهو قادر على بيعها وأخذ ثمنها وان ماتت بالولادة ففي وجوب قيمتها عليه لأجل استهلاكه لها لا أجل كونه أم ولد قولان ذكرناهما في كتاب "الغصب ". أحدهما: عليه غرم قيمتها لتلفها بسبب من جهته.
والثاني: لا يلزمه غرم قيمتها لأن نشوء الولد الذي حدث به موتها ليس من فعله ولجواز أن يكون موتها بغيره فعلى هذا إن قيل الأول أنه غارم للقيمة لزمته قيمتها أكثر ما كانت من وقت الوطء المحبل والى وقت التلف وان نقصتها الولادة ولم تمت فمن نقص قيمتها كالمغصوبة.
وعلى القول الثاني: لا يلزمه ضمانه قيمتها ولا ضمان نقصها فهذا حكم ضمانها إذا

لم يلحق به ولدها.
فأما أذا لحق به ولدها فإن جعلناها له أم ولد ضمن قيمتها يوم العلوق؛ لأنها به صارت أم ولد سواء ماتت بالولادة أو لم تمت وسواء كان الأب موسرا أو معسرا ولا وجه لما فرق به بعض أصحابنا بين يساره وإعساره كوطء أحد الشريكين لأننا جعلناهم أو ولد للأب لحرمة الولد بشبهة الملك فاستوت الحال في يساره وإعساره ولو جعلناها في اعتبار الواطئ أم ولد لأدخلنا على الشريك الضرر ولم ترفعه عنه وان لم يجعلها للأب أم ولد فعلى ضربين: أحدهما: أن تموت بالولادة فيلزمه غرم قيمتها قولا واحدا بخلاف التي لم تلحق به ولدها في أحد القولين؛ لأن ولد هذه لا حق به فكان سبب موتها متصلا به وولد تلك غير لاحق فكان سبب موتها منفصلا عنه.
والثاني: أن لا تموت فلا يلزمها قيمتها مدة لا في حال الحمل ولا بعد الوضع وقال أبو حامد الإسفراييني: يؤخذ بقيمتها مدة الحمل إلى أن تضع فإذا وضعت استرجع القيمة لأن الابن ممنوع من بيعها بإحبال الأب لها لكون ولدها حرا فلا يصح بيعها مع الولد لحويته ولا يجوز استثناء ولدها في البيع لأن بيع الحامل دون ولدها لا يصح فصارت ممنوعة من تصرف المالك فجرى عليها حكم المغصوبة إذا أبقت يؤخذ الغاصب بقيمتها حتى إذا عادت ردت القيمة كذلك هذه وهذا خطأ لأن القيمة إنما تستحق عنا استهلاك العين وتعذر القدرة على التصرف في الملك والعين هاهنا موجودة والتصرف فيها بغير البيع ممكن فلم يجز مع بقائها في يده وتصرفه فيها أن يجمع بينهما وبين قيمتها بخلاف المغصوبة إذا أبقت فسلم لم عليها يد ولا هو على التصرف في منافعها قادر وليس ما اقتضاه الشرع من تأخير بيعها إلى وقت الوضع موجبا لأخذ القيمة لأنه تأخير يتوصل به إلى التسليم كالمغصوبة إذا هربت إلى مكان معروف يؤخذ الغاصب يردها ولا يؤخذ بقيمتها كذلك هذه في مدة حملها فهذا وجه لم يفسر ما قاله من وجه ثان وهو أن القيمة إنما تستحق إذا ملكت ملكا مستقرأ في الظاهر لأن المقصود به إذا أبقت يحكم بقيمتها تغليبا لحكم الفوات وهذه القيمة لا تملك ملكا مستقرا وإنما تصير في يده إما كالعارية وأما كالوهن وليس واحد منهما بواجب فلماذا يحكم بها غير مملوكة ولا معارة ولا مرهونة يفسر من وجه ثالث وهو أنه يصير جامعا بين الرقبة والقيمة وأحدهما بال الآخر فلم يجز الجمع بينهما.
فصل: وأما وجوب قيمة الولد فهو ضربين: أحدهما: أن يكون مملوكا لا يلحق بالأب فليس عليه قيمته لبقاء رقه ولا يعتق على الابن لأنه غير مناسب ولو ناسبه بالإخوة.
والثاني: أن يكون الولد حرا قد لحق بالأب فهذا على ضربين:

أحدهما: أن لا تجعل أمه أم ولد ويستبقيها على وق الابن فيجب على الأب غرم قيمته؛ لأنه قد استهلك وقه بالحرية واعتبر قيمته وقت الولادة.
وقال أبو يوسف: وقت الترافع إلى القاضي وهذا خطأ لتقدم استهلاكه بالحرية على وقت الترافع إلى القاضي؛ لأنه عتق وقت العلوق ولكن لم يتمكن الوصول إلى قيمته إلا عنا الولادة فلذلك اعتبرناها فيه ولو أمكن الوصول إلى قيمته وقت العلوق لاعتبرناه.
والضرب الثاني: أن يجعل أمه أم ولد فهذا على ضربين: أحدهما: أن يضعه بعد دمع قيمتها فلا يلزم الأب قيمة ولدها: لأنها بدفع القيمة قد استقرت له أم ولد فصارت واضعة له في ملكه.
والثاني: أن تضعه قبل دفع قيمتها وفي وجوب قيمته قولان مبنيان على اختلاف قوليه متى تصير أم ولد فأصح قوليه: إنها تصير أم ولد بنفس العلوق فعلى هذا لا يلزم قيمة الولد لأنها تضعه بعد كونها أم ولد.
والقول الثاني: أنها تصير أم ولد بالعلوق مع دفع القيمة فعلى هذا يلزم قيمة الولد لأنها لم تكن وقت الولادة أم ولد فهذا حكم وطء الأب جارية ابنه وذلك لو وطء جارية بنته أو بنت ابنه أو ابن بنته أو من سفل من أولادهء والله أعلم.
فصل: فأما إذا وطء الابن جارية أبيه فهو زان والحد عليه واجب إن لم يجهل التحريم بخلاف الأب لما قدمناه من الفرق بينهما في التسمية في الإعفاف وفي الحرمة في القصاص فيجري عليه حكم الزنا في وجوب الحد واستحقاق المهر إنه أكرهها وفيه إن طاوعته قولان: لا يلحق به ولدها ولا تصير به أم ولد وفي وجوب قيمتها قولان: وان كان جاهلا بتحريمها لإسلامه حديثا أو قدومه من بادية صار ذلك شبهة لم يسقط عنه الحد ووجب عليه المهر في الإكراه والمطاوعة ولحق به الولد مملوكا في حال العلوق؛ لأنه لم يكن له شبهة ملك كالأب ولا أعتقا حرية الموطوءة كالغارة فلذلك كان الولد في حالا العلوق مملوكا لكنه يعتق على الأب لأنه ابن ابنه ومن ملك ابن ابنه عتق عليه ولا يرجع بقيمته على الابن لأنه لما لم يملك قيمته ولا تصير الأمة أم الولد للابن في الحال ولا إن ملكها في ثاني حال؛ لأنها ما علقت منه بحر وإنما صار بعد الوضع حرا فلم يتعد إليها حكم حريته كما لو أولدها من نكاح ثم ملكها لم تصر له أم ولد! لأنها علقت منه بمملوك هكذا حكم الابن إذا وطء جارية أبيه أو جده أو جدته أو وطء الأخ جارية أخيه.
فصل: وإذ قد مضى الكلام في وطء الأب جارية ابنه ووطء الابن جارية أبيه قد ذكر ما يجب على كل واحد منهما من إعفاف صاحبه.
أما الابن فلا يجب على الأب إعفافه مران وجبت عليه نفقته: لأن نفقة الابن بعد الكبر مستصحبة لحال الصغر التي لا يراعى فيها

الإعفاف فاستقر فيه حكم ما بعد الكبر اعتبارا بحال الصغر.
فأما الأب فوجوب إعفافه على الابن معتبر بوجوب نفقته عليه فإن كان الأب موسرا لم تجب عليه نفقته ولا إعفافه وان كان معسرا نظر فإن كان عاجزا عن الكسب بزمانه أو هرم وجبت نفقت وان كان قادرا عليه ففي وجوب نفقته قولان: أحدهما: تجب اعتبارا بفقره.
والثاني: لا تجب اعتبارا بقدرته.
فإن لم تجب تفقة الأب لم يجب إعفافه وان وجبت نفقته فإن لم يكن به إلى الزوجة حاجة لضعف شهوته لم يجب على الابن تزويجه وان كان محتاجا إلى النكاح لقوة شهوته فغي وجوب إعفافه على الابن قولان: أحدهما: نقله ابن خيران وتأوله غيره من كلام المزني هاهنا أنه لا يجب إعفافه وان وجبت نفقته وبه قال أبو حنيفة اعتبارا بأمرين: أحدهما: بالابن في أن وجوب نفقته لا تقتضي وجوب إعفافه لو احتاج.
والثاني: بالأم في أن وجوب نفقتها لا تقتضي وجوب إعفافها لو احتاجت وان كان إعفافه معتبرا بالطرف الأدنى سقط بالابن وان كان معتبرا بالطرف الأعلى سقط بالأم.
والقول الثاني: نص عليه في "الدعوى والبينات" وهو اختيار جمهور أصحابنا أن إعفافه واجب لنفقته لعموم قوله تعالى: ﴿وصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: (15)] وانكاحه من المعروف ولأنه لما وقيت نفس الأب بنفس الابن فلم يقتص من الأب بالابن فأولى إن توقى نفسه بمال الابن في وجوب إعفافه على الابن وبهذا المعنى فوقنا بينه وبين الأب في الإعفاف للافتراق بينهما في القصاص فأما الفرق بين الأب والأم في الإعفاف هو أن إعفاف الأب إلزام فوجب على الابن واعفاف الأم اكتساب فلم يجب على الابن.
فصل: فإذا تقرر وجوب الأب على أمح القولين, فالكلام فيه يشتمل على ثلاثة فصول: أحدها: فيمن يجب إعفافه من الآباء.
والثاني: فيمن يجب عليه الإعفاف من الأبناء.
والثالث: فيما يكون به الإعفاف.
فأما الفصل الأول: فيمن يجب إعفافه من الآباء فهو كل والد فيه بعضية وان علا وسواء كان ذا عصبة من قبل الأب كأبي الأب أو كان ذا رحم كأبي الأم وهما في وجوب النفقة والإعفاف سواء وهكذا أبو الأب وأبو الأم وهكذا أبو أم الأب وأبو أم الأم هما سواء في الزوج وسواء في وجوب النفقة والإعفاف، وهكذا لو اختلف درجهما فكان أحدهما أبا أب والأخر أبا أم وجبت نفقتها واعفافها إذا أمكن تحمل الولد لهما.
فأما إذا اجتمع وضاقت حال الابن عن نفقتهما واعفافهما وأمكنه القيام بأحدهما

فهذا على ضربين: أحدهما: أن يستويا في الدرج.
والثاني: أن يتفاضلا.
فإن استويا في الدرج فعلى ضربين: أحدهما: أن يكون أحدهما عصبة والآخر ذا رحم كأبي أب الأب أبو أم الأم فالعصبة منهما أحق بتحمل نفقته وإعفائه من ذي الرحم لقوة سببه.
والثاني: أن يكونا جميعا ذا رحم كأبي أم الأب وأبي أب الأم فهما سواء في الدرجة والرحم وإذا كان كذلك وجب أن يسري بينهما لاستوائهما في كيفية التسوية بينهما إذا أعجزه القيام يهما وجهان: أحدهما: ينفق على أحدهما يوما وعلى الآخر يومأ لتكمل نفقة كل واحد منهما في يومه.
والثاني: وهو عندي أصح ينفق على كل واحد منهما في كل يوم نصف نفقته لتكون النفقة في كل يوم بينهما فأما الإعفاف فلا يجيء فيه هذان الوجهان, لأن المهايأة بينهما على الوجه الأول لا يمكن والقسمة بينهما فيه على الوجه الثاني لا يمكن وإذا لم يمكنا وجب مع استواء سيدهما أن يقرع بينهما فيه فأيهما قرع كان أحق بالإعتاق من الآخر وأما إن تفاضلا في الدرج فعلى ضربين: أحدهما: أن يكون الأقرب عصبة والأبعد ذا وحم كأبي الأب وأبي أم الأم فيكون أبو الأب أحق بالنفقة والإعفاف من أبي أم الأم لاختصامه بسببي القربى والتعصيب.
والثاني: أن يكون الأقرب ذا وحم والأبعد عصبة كأبي الأم وأبي أبي الأب فقد قال أبو حامد الإسفراييني: هما سواء لأن الأقرب منهما ناقص الرحم والأبعل منهما زائد بالتعصيب فتقابل السببان فاستويا وهذا الذي قال عندي غير صحيح بل الأقرب منهما أحق وان كان ذا وحم من الأبعد.
وان كان ذا تعصيب, لأن المعنى في استحقاق النفقة والإعفاف هو الولاية دون التعصيب فلما تساوت الدرج وقوي أحدهما بالتعصيب كان أحق كأخوين أحدهم لأب وأم الآخر لأب.
وإذا اختلف الدرج كان الأقرب أحق وان قوي الأخر لتعصيب كأخ لأب وابن أخ لأب وأم.
وأما الفصل الثاني: فيمن يجب عليه الإعفاف من الأبناء فهم البنون ثم البنات ثم بنوهما وان بعدوا فيجب على الابن إذا كان حرا موسرا دون البنت وان كانت موسرة كما يتحمل الأب نفقة ابنه دون الأم فإن أعسر به الابن تحملته البنت كما لو أعسر الأب تحملتها الأم فلو كان للأب ابنان موسران تحملا بينهما نفقته واعفافه فيحمل كل واحد نصف الإعفاف في كيفية تحمله لنصف النفقة وجهان على ما مضى فلو كان أحدهما موسرا والآخر معسرا تحمل ذلك الموسر منهما دون المعسر فلو أيسر المعسر وأعسر

الموسر تحولت النفقة من المعسر إلى الموسر فأما الإعفاف فإن كان قد عجز من أعسر سقط عمن أيسر إلا ما يستحق بالإعفاف من نفقة الزوجة وان لم يحمل من أعسر وجب أن يلتزمه من أيسر فلو كان للأب بنت وابن ابن وهما موسران إن كان ابن الابن أحق بتحملها من البنت كما يكون الجد أحق بتحمل النفقة من الأم فلو كان له ابن بنت وبنت ابن ففي أحقهما بتحمل الإعفاف والنفقة ثلاثة أوجه: أحدهما: ابن البنت لأنه ذكر.
والثاني: بنت الابن لإدلائها بذكر.
والثالث: أنهما سواء لأن الذكر يدلي بأنثى والأنثى مدليه بذكر فصار في كل واحل ة من الجهتين ذكر وأنثى فلو أعف الابن أباه ثم أيسر الأب سقطت عن الابن نفقته ونفقة من أعفه بها من زوجة، أو أمة ولم يكن للابن أن يرجع على أبيه بالأمة إن كان قد أعفه بها ولا بصداق الحرة إن كان قد زوجه بها, لأنه قد يستحقه بسبب لا يعتبر استدامته كما لا يعتبر استدامة عدم الطول وخوف العنت بعد نكاح الأمة.
وأما الفصل الثالث: فيما يكون به الإعفاف فهو ما خص الفرج من استمتاع بحرة يزوجه بها أو تسري بأمة يملكه إياها والخيار سيفه بين التزويج والتسري إلى الابن دون الأب فإن أراد الابن أن يزوجه بنفسه لم يجز لأن الأب وشيد لا يولى عليه ولكن يتزوج الأب ويلتزم الابن صداق الزوجة ثم نفقتها وكسوتها وليس للأب أن يغالي في صداق زوجته وفيما يستحقه من ذلك وجهان: أحدهما: أقل صداق من تكافئه من النساء اعتبارا بحاله.
والثاني: من يستمتع بها من جميع النساء اعتبارا بحاجته وليس على الابن أن يحمله على تزويج من لا متعة فيها من الأطفال وعجائز النساء وذوات العيوب التي يفسخ بها النكاح ومن تشوه خلقها لنفور النفس عنها.
وتعذر الاستمتاع بهن لكن لا فرق بين المسلمة والذمية.
فأما الأمة فلا يجوز أن يزوجه بها, لأن الأمة لا يتزوجها إلا من عدم الطول وهو بالابن واجد للطول فهذا حكم إعفافه بالتزويج.
فأما إعفافه بملك اليمين فالابن بالخيار بين أن يهب له أمة من إمائه على الوصف الذي ذكرنا ببذل وقبول واقباض لينتقل بصحة الهبة بالبذل والقبول واستقرارها بالقبض في في ملك الابن إلى ملك الأب وبين أن يأذن له في ابتياع أمة يرفع عنه ثمنها فإن ابتاعها الابن له نظر فإن كان بإذنه مع الشراء له وجاز له الاستمتاع بها لاستقرار حكمه فيها وان كان بغير إذنه فالشراء للابن دون الأب لأن الشراء للرشيد بغير إذنه لا يصح فإن استأنف الابن هبتها له على ما ذكونا صارت ملكا له بالهبة دون الثراء وجاز له الاستمتاع بها ثم على الابن التزام نفقتها وكسوتها كالحرة فلو أذن الابن لأبيه في وطء أمة له لم يهبها له لم يجز للأب وطئها لأن الأمة لا يجوز وطئها إلا بملك يمين أو عقد نكاح والأب لم يملكها بهذا الإذن ولا يصح أن يتزوجها لوجود الطول فلو زوجه الابن أو سراه فأعتق الأب أو

طلق لم يلزمه الابن أن يزوجه ويسر به ثانية بعد طلاقه, لأن الأب قد استهلك بنفسه ما استحقه من ذلك فلو ألزم الابن مثله لفعل الأب مثله فأدى إلى ما لا نهاية له ولكن لو ماتت الزوجة أو الأمة حتف أنفها ففي وجوب إعفافه على الابن ثانية وجهان: أحدهما: يجب عليه لبقاء السبب الموجب له وأنه غير منسوب إلى تفويت حقه منه.
والثاني: أنه لا يجب عليه غير الأولى, لأنه عقد يوضع للتأبيد في الأغلب، والله أعلم.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: " قَالَ اللهُ تًعَالَى: ﴿والَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: (5)] الآيَة، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ أَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَرَادَ الأَحْرَارَ, لأَنَّ العَبِيدَ لَا يَمْلِكُونَ.
وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "مَنْ بَاعَ عَبْداً وَلَهُ مَالٌ فَمَاُلُه لِلْبَائِع إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطُه الُمبْتَاعُ" فَدَلَّ الكِتَابُ وَالسُّنَّهُ أَنَّ العَبْدَ لَا يَمْلِكُ مَالاً بِحَالٍ وَإِنمَا يُضَافُ إِليْهِ مَالُهُ كَمَا يُضَافُ إِلَى الفَرَسِ سَرْجُهُ وَاِلَى الرَّاعي غَنَمُةُ، فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ العَبْدَ يَتَسَرَّى.
قِيلَ: وَقَدْ رُوِىَ خِلَافُهُ، قَالَ ابن عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا لَا يَطَأُ الرَّجُلُ إِلَّا وَليدَةً إِنْ شَاءَ بَاعَهَا وَاِنْ شَاءَ وَهَبَهَا وَاِنْ شَاءَ صَنَعَ بِهَا مَا شَاء".
قال في الحاوي: إنما أراد الشافعي بهذا هل للعبد أن يتسرى وهو مبني على أن العبد هل يملك إذا ملك أم لا؟ فلا يختلف الفقهاء أنه ما لم يملك السيد لم يملك، ويكون جميع ما يكتسبه من صيد أو حشائش أو بصنعة أو عمل ملكا لسيده دونه، وإن ملكه السيد فهل يملك أم لا؟ على قولين: أحدهما: وهو قوله في القديم: إنه يملك إذا ملك وبه قال مالك: داود ثم اختلفوا في حكم ملكه على هذا القول فعلى مذهب الشافعي يكون ملكا ضعيفا لا يتحكم فيه إلا بإذن السيد وللسيد استرجاعه.
وقال مالك: هو ملك قوي يتحكم فيه كيف شاء اه لكن للسيد استرجاعه.
والثاني: قاله الشافعي في الجديد أنه لا يملك إذا ملك.
وبه قال أبو حنيفة، وقد مضى توجيه القولين في كتاب "البيوع" فإذا تقرر القولان وأراد العبد أن يتسرى بأمة فإن لم يملك السيد إياها لم يكن له أن يطأها وان أذن له السيد فيه لأنه لا يحل لأحد أن يستبيح إلا وطء زوجة أو ملك يمين وليست هذه الأمة المأذون للعبا في وطئها زوجة له ولا ملك يمين فلم يحل له وطئها لمجرد الإذن كما لا يحل لغيره من الناس أن يطأها متسريا لها ما لم يأذن له السيد في وطئها وان صار مالكا لها, لأنه ملك ضعيف فإن أذن له في وطئها جاز له حينئذ التسري بها لم يرجع السيد في ملكه أو إذنه.

وروي عن ابن عباس أنه أجاز لعكرمة أن يتسرى بجارية أعطاه إياها.
وروي عن ابن عمر أن العبد يتسرى وان رجع السيد في ملكه حرم محلى السيد أن يتسرى بها لزوال السبب الذي استباح به التسري فلو كان العبد قد أولدها صارت أم ولد له وحرم عليه بيعها فإن رجع السيد عليه بها جاز للسيد بيعها, لأنها صارت أم ولد في حق العبد لا في حق السيل هذا كله حكم قوله في القديم.
فأما على قوله في الجديد: فلا يملكها العبد, وان ملكه السيد ولا يجوز أن يتسرى بها وان أذن له السيد، والمروي عن ابن عباس أنه أجاز لعكرمة أن يتسرى بجارية أعطاه إياها، فالمروي خلافه وهو أنه كان قد زوجه بها ثم طلقها عكرمة بغير إذنه، وكان ابن عباس رد طلاق لا يقع بغير إذن سيده، فأمره بالمقام عليها فكره عكرمة ذلك فأباحه أن يتسرى بها تطيبا لنفسه ومعتقدا أن الإباحة لعقد النكاح.
وأما ابن عمر فقد روي عنه خلاف ما ذكر قال ابن عمر: لا يطأ الرجل إلا وليدة إن شاء باعها وان شاء صنع بها ما شاء.
يريد بذلك الأحرار دون العبيد لكن إن وطئها العبد على هذا القول فلا حد عليه لمكان الشبهة.
فصل: فلو زوج الرجل عبده بأمته ثم باعها أو أحدهما أو وهبهما أو أحدهما كان النكاح بحاله ولو وهب العبد لزوجته وأقبضها أباه فعلى قوله في القديم: يملكه بالهبة ويبطل النكاح, لأن المرأة لا يصح أن تملك زوجها فتكون بعد الملك زوجا لها وهكذا لو وهبت الأمة لزوجها ملكها وبطل نكاحها وعلى قوله في الجديد: لا يصح الهبة ويكون النكاح بحاله.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عنه: "وَلَا يَحِلُّ أَنْ يَتَسَرَّى العَبْدُ وَلَا مَنْ لَمْ تَكْمُلْ فِيهِ الحُرَّيَّةُ بِحَالٍ" قال في الحاوي: أما التسري فهو الاستمتاع بالأمة لأنها تسمى إذا كانت من ذوات المتع سرية وفي تسميتها بذلك تأويلان: أحدهما: أنه مأخوذ من السر وهو الجماع, لأن المقصود من الاستمتاع.
والثاني: أنه مأخوذ من السرور لأنها تسر المستمتع بها.
فأما تسري العبد فقد مضى الكلام فيه وكذلك حكم المدبر والمخارج والمعتق على صفة لم توجا والمكاتب.
فأما من تبغضبت فيه الحرية والرق فكان نصفه حرا ونصفه مملوكا فهو يملك بعضه الحر من إكسابه مثل ما يملكه السيد بنصفه المملوك فإن هايأه

السيد على يوم ويوم كان ما كسبه في يومه ملكا له وما كسبه في يوم سيده ملكا لسيده وان لم يهايئه كان نصف ما كسبه العبد في كل يوم ملكا لنفسه ونصفه ملكا للسيد فإذا اشترى بما ملكه من كسبه أمة ملكها مستقرأ: لأنه ملك بحريته بتمليك سيده لكن ليس له وطئها بغير إذن سيده وان ملكها لأمرين: أحدهما: أن أحكام الرق عليه أغلب في جميع أحكامه فكذلك في تسريه.
والثاني: أن الحرية لا تتميز في أعضائه من الرق فكل عضو منه مشترك الحرية والرق فلم يجز أن يطأ بعضو بعضه مرقوق للسيد إلا بإذنه كما لو كان جميعه مرقوقا فإذا ثبت هذا فالشرط في إباحة تسريه أذن السيد دون تمليكه وأن افتقر في العبد إلى تمليكه وإذنه لأن هذا مالك فلم يفتقر إلى تمليكه والعبد غير مالك فافتقر إلى تمليكه فإذا أذن له جاز تسريه فإن أولدها صارت له أم ولد وحرم بيعها بكل حال: لأنها ملكت بحريته فجرى عليها حكم أمهات الأولاد, وكان أولاده منها أحرارا لاختصاصهم بحريته دون رقة.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عنه: "وَلَا يَفْسَخ نٍكَاحَ حَامِلً مِنْ زِناً وَأُحِبُّ أَنْ تُمْسَكَ حَتَّى تَضَعَ.
وَقَالَ رَجُلٌ لِلْنَّبِيَ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ امْرَأَتِي لاَ مِس قَالَ: "طَلَّقْهَا" قَالَ: إِنَّي أُحِبُّهَا قَالَ: "فَأَمْسِكْهَا".
وَضَرَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رّضِي الله عَنْهُ رَجُلاً وامُرَأةً في زِناً وَحَرَصَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فَأَبَى الغُلاَمُ".
قال في الحاوي: اعلم أننا نكره للعفيف أن يتزوج بالزانية ونكره للعفيفة أن تتزوج بالزاني لعموم قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً والزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا﴾ [النور: (3)] ولما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "فعليك بذات الدين تربت يداك" وإذا كان كذلك فالكلام في نكاح الزانية يشتمل على ثلاثة فصول: أحدها: في الرجل إذا زنا بامرأة هل يحل به نكاحها أم لا؟ والثاني: في زوجة الرجل إذا زنت هل يبطل نكاحها أم لا؟ فأما الفصل الأول في الرجل إذا زنا بامرأة فيحل له أن يتزوجها وهو قول جمهور الصحابة والفقهاء.
وذكر عن علي بن أبي طالب رضوان ا~ عليه والحسن البصري أنها قد حرمت عليه أبدا فلا يجوز أن يتزوجها بحال.
وقال أبو عبيدة وقتادة وأحمد بن حنبل وإسحاق: إن تابا من الزنا حل أن يتزوجها وان لم يتوبا لم يحل.
قالوا: والتوبة أن يخلو أحدهما بصاحبه فلا يهم به استدلالا بقوله تعالى: {الزَّانِي لا

يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً والزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى المُؤْمِنِينَ) [النور: (3)] فكان ما تقدم من المنع ولا تعقب من الترحيم نصاً لا يجوز خلافه ودليلنا قوله تعالى بعد ذكر المحرمات من ذوات الأنساب: ﴿وأُحِلَّ لَكُم مَّا ورَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24].
فكان على عمومه في العفيفة والزانية.
وروى ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا يحرم الحرام الحلال" وهذا نص، ولأنه منتشر في الصحابة بالإجماع، روي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وابن عمر، وابن عباس، وجابر, فروي عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أنه قال: "إذا زنى رجل بامرأة لم يحرم عليه نكاحه".
وروي عن عمر رضي الله عنه أن رجلا تزوج امرأة وكان لها ابن عم من غيرها ولها بنت من غيره، ففجر الغلام بالجارية وظهر بها حمل فلما قدم عمر مكة رفع إليه فسألهما فاعترفا، فجلدهما عمر الحد وعرض أن يجمع بينهما فأبى الغلام.
وروي عن عبد الله بن عمر أنه كان له أمة وعبد، فظهر بالأمة حمل، فاتهم بها الغلام، فسأله فأنكر، وكان للغلام أصبع زائدة، فقال له: إن أتت بولد له أصبع ذائدة جلدتك فقال: نعم، فوضعت ولدا له أصبع زائدة فجلده ثم زوجه بها.
وروي عن ابن عباس: أنه سئل أيتزوج الزاني بالزانية؟ فقال: نعم ولو مرق رجل من كرم عنبا لكان يحرم عليه أن يشتريه.
فهذا قول من ذكرنا ولم يصح عن غيرهم خلافه فصار إجماعا فأما استدلالهم بالآية.
فقد اختلف أهل التأويل فيها على ثلاثة أقاويل: أحدهما: أنها نزلت مخصوصة في رجل من المسلمين استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأة يقال لها أم مهزول من بغايا الجاهلية من ذوات الروايات، وشرطت له أن تنفق عليه، فأنزل الله هذه الآية فيه، وهذا قول عبد الله بن عمرو ومجاهد.
والثاني: أن المراد بالآية أن الزاني لا يزني إلا بزانية ولا يزني فيها إلا زان وهذا قول ابن عباس.
والثالث: أن الولاية عامة في تحريم نكاح الزانية على العفيف ونكاح العفيفة على الزاني ثم نسخه قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:3] وهذا قول سعيد بن المسيب.
فصل: وأما الفصل الثاني في زوجة الرجل إذا زنت عل ينفسخ نكاحها أم لا؟ فمذهب

الشافعي وجمهور الفقهاء أن النكاح صحيح لا ينفسخ بزناها وهو قول الصحابة إلا حكاية عن علي بن أبي طالب ورضوان الله عليه أن نكاحها قد بطل وهو قول الحسن البصري لتحريم اجتماع المائين في فرج.
ودليلنا مع ما قدمناه من حديث عائشة ما رواه أبو الزبير عن جابر قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن امرأتي لا ترد يد لامس قال: "طلقها" قال: إني أحبها قال: "استمتع بها" فكنى بقوله: "لا ترد يد لامس" عن الزنا فأمره بطلاقها ولو انفخ نكاحها بالزنا لما احتاج إلى طلاق ثم لما أخبره أنه يحبها أذن له في الاستمتاع بها ولو حرمت عليه لنهاه عن الاستمتاع بها ولا أعلمه تحريمها.
فإن قيل: فالمراد بقوله: "لا ترد يد لامس" أنها لا ترد متصدقا طلب منها ماله.
قيل: هذا خطأ من وجهين: أحدهما: أنه لو أراد هذا لقال لا ترد يد تلتمس لأن الطالب يكون ملتمسا واللامس يكون مباشرا فلما عدل إلى يد لامس خرج عن هذا التأويل: أحدهما: أنه لو أواد هذا لقال لا ترد يد ملتمس, لأن الطالب يكون ملتمسا واللامس يكون مباشرا فلما عدل إلى يد لامس خرج عن هذا التأويل.
والثاني: أنها لو كانت تتصدق بماله لما خرج قوله فيها مخرج الأم ولما أمر بطلاقها ولأمره بإحراز ماله منها.
وروي أن رجلا قال: يا رسول الله إن امرأتي ولدت غلاما أسودا فقال النبي صلى الله عليه وسلم "لعل عرقا نزعه" فكان ذلك منه كناية عن زناها بأسود فلم يحرمها عليه, ولأن العجلاني أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه وجد مع امرأته رجلا فلاعن بينهما ولم يجعلها بالزنا حراما.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تزنوا فتزني نساءكم فإن بني فلان زنوا فزنت نساؤهم" فدل هذا على بقائهم مع الأزواج بعد الزنا فأما تحريم اجتماع المائين في فرج فنحن على تحريمهما وإذا اجتمعا ثبت حكم الحلال منهما وسقط حكم الحرام.
الفصل: وأما الفصل الثالث: في الزنا هل يتعلق عليه شيء من أحكام النكاح أم لا؟ فالكلام في هذا يشتمل على فصلين: أحدهما: في الزنا هل ينشر عنه حرمته في تحريم المصاهرة حتى تحرم عليه أمهاتها

وبناتها ويحرم على آبائه وأبنائه أم لا؟ والكلام في باب مفرد يأتي عن ذكره فيه.
والثاني: هل لما ذكرناه حرمة تجب بها العدة أم لا؟ فمذهب الشافعي: أنه لا حومة في وجوب العدة منه سواء كانت حاملا من الزنا أو حائلا وسواء كانت ذات زوج فيحل للزوج أن يطأها في الحال أو كانت خلية فيجوز للزاني وغيره أن يستأنف العقه عليها في الحال حاملا كانت أو حائلا غير أننا نكره له وطها في حال حملها حتى تضع.
وقال مالك وربيعة والثوري والأوزاعي وإسحاق: عليها العدة من وطء الزنا بالإقرار إن كانت حائلا ووضع الحمل إن كان حاملا فإن كانت ذات زوج حرم عليه وطئها حتى تنقضي عدتها بالإقرار أو بالحمل.
وقال ابن شبرمة وأبو يوسف: إن كانت حاملا حرم نكاحها حتى تضع وان كانت حائلا لم يحرم نكاحها ولم تعتد.
وقال أبو حنيفة: لا يحرم نكاحها حاملا ولا حائلا لكن إن نكحها حاملا حرم عليه وطئها حتى تضع.
فأما مالك فاستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض".
وأما أبو يوسف فاستدل بقول الله تعالى: ﴿وأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: (4)].
وأما أبو حنيفة فاستدل بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تسق بمائك زرع غيرك" والدليل على جماعتهم حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحرم الحرام الحلال " وأن عمر حين جلد الغلام حرص أن يجمع بينهما من غير اعتبار عدة فأبى الغلام ولأن وجوب العدة من الماء إنما يكون لحرمته ولحوق النسب به ولا حرمة لهذا الماء تقضي لحوق النسب فلم تجب منه العدة, ولأنه لما انتفي عن الزنا سائر أحكام الوطء الحلال من المهر والنسب والإحسان والإحلال للزوج الأول انتفي عنه حكمه في العدة.
فأما استدلال مالك بقوله عليه السلام: ألا لا توطأ الحامل حتى تضع فهذا وارد في سبي أوطاس وكن منكوحات وللإماء حكم يخالف الحرائر في الاستبراء.
وأما استدلال أبي يوسف بقوله تعالى: ﴿وأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6].
فالمراد به من الزوجات المطلقات بدليل ما في الآية من وجوب نفقاتهن وكسوتهن من قول: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وجْدِكُمْ ولا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وإن كُنَّ أُوْلاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6].

وأما استدلال أبي حنيفة بقوله: "لا تسق بمائك زرع غيرك" فإنما أراد فرعا بنسب إلى غيره وهو الحلال الذي يلحق بالواطء والحرام الذي يضاف إلى أحد فلم يتوجه النهي على أن هذا الحديث وارد في رجل يملك أمة وسأل هل يطأها فقال: "لا تسق بمائك زرع غيرك" إشارة إلى ماء البائع وذاك حلال بخلاف الزنا، والله أعلم.
نكاح العبد وطلاقه قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: "وَيَنْكَحُ العَبْدُ اثْنَتَيْنِ وَاحْتَجَّ في ذَلكَ لعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ وَعَلىَّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ".
قال في الحاوي: قد مضى الكلام في العبد وأنه لا يحل له أن ينكح أكثر من اثنتين وخالف مالك فيجوز له نكاح أربع كالحر وقد مضى الكلام معه وكذلك المدبر والمكاتب ومن فيه جزء من الرق وان قل ما لم تكمل فيه الحرية وسواء جمع بين حرتين أو أمتين أو حرة وأمة تقدمت الحرة على الأمة أو تأخرت.
وقال أبو حنيفة: ليس للعبد أن يتزوج الأمة على الحرة كالحر.
وهذا خطأ لأن الحر أغلظ حكما في نكاح الأمة لكماله ونقصهما من العبد الذي ساوى الأمة في نقصها, لأن نكاح الحر مشروط بخوف العنت وعدم الطول فنكاح العبد غير مشروط بخوف العنت فلم يكن مشروطا بعدم الطول.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وقال عمر يطلق تطليقتين وتعتد الأمة حيضتين والتي لا تحيض شهرين أو شهراً ونصفاً.
وقال ابن عمر" إذا طلق العبد امرأته اثنتين حرمت عليه حتى تنكح زوجاً غيره وعدة الحرة ثلاث حيض والأمة حيضتان وسأل نقيع عثمان وزيداً، فقال: طلقت امرأة لي حرة تطليقتين فقال: حرمت عليك.
قال الشافعي: وبهذا كله أقول".
قال في الحاوي: وهذا كما قال لا يملك العبد من الطلاق إلا اثنتين في الحرة والأمة ويملك الحر ثلاثا في الحرة والأمة فيكون الطلاق معتبرا بالزوج دون الزوجة.
وقال أبو حنيفة: الطلاق معتبر بالزوجات دون الأزواج فيملك زوج الحرة ثلاث طلقات حرا كان أو عبدا وزوج الأمة تطليقتين حرا كان أو عبدا استدلالا سنذكره من بعد مستوفيا لقول الله تعالى: ﴿إذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] فجعل الطلاق معتبرا بالعدة ثم كانت العدة معتبرة بالنساء دون الأزواج فكذلك الطلاق.
ولما روى عطية العوفي عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "طلاق الأمة

اثنتان وحيضتها اثنتان وعدتها حيضتان"، فجعل الطلاق والعدةَ معتبرا بالمطلقةَ والمعتدةَ ولأن الحر لما ملك اثنا عشر طلقةً في الحرائر الأربع وجب أن يملك العبد ست طلقات في الحرتين ليكون على النصف في عدد الطلقات كما كان على الصف في عدد الزوجات.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم: (28)] إنكار لتساويهما في شيء من الأموال فكذلك في الطلاق لأنه نوع الملك.
وروي عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله كم طلاق العبد فقال: "طلقتان" قالت: وعدة الأمة.
قال: "حيضتان".
وروت عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يطلق العبد تطليقتين وتعتد الأمة حيضتين وكذلك قال عمر خاطبًا على المنبر.
وروى يحيى بن آبي كثير عن آبي سلمةً قال: حدثني نفيع أنه كان مملوكًا وتحته حرةُ فطلقها طلقتين وسأل عثمان وزيد بن ثابت فقالا: طلاقك طلاق عبد وعدتها عدةً حرة.
وروي عن أبي سلمةً وابن عباس قال: قد حرمت عليك، وليس لمن ذكرنا فخالف من الصحابةَ فكان إجماعًا ولأنه لما ملك الحر رجعتين وجب أن يملك العبد رجعةً واحدةً لأنه فيما يملك بالنكاح على النصف من الحر.
فأما استدلاله بالآية فالمقصود بها وقوع الطلاق في العدةً؛ لأنه في العدةً معتبر بالعدةً وأما الخبر فمحمول على أنه كان زوجها عبدًا؛ لأن الأغلب من الأزواج الإماء العبيد وأما استدلاله بأنه لما ملك الحر اثنتي عشر طلقةً وجب أن يملك العبد ست طلقات فخطأ لأن العبد يملك زوجتين والحر يملك في الزوجتين ست طلقات فلم يجز أن يساويه العبد فيهن ووجب أن يكون مالكًا لنصفهن، وكان قياسه أن يملك ثلاث طلقات في الزوجين لكن لما لم يتبعض الطلاق فيصير مالكًا لطلقةً ونصف في كل واحدةً كما الكسر فصار مالكًا لأربع طلقات في الزوجتين، فكان هذا استدلالًا بأن يكون لنا دليل أشبه.
مسألة: قال الشافعي: "وإن تزوج عبد بغير إذن سيده فالنكاح فاسد وعليه مهر مثلها إذا عتق".

قال في الحاوي: قد مضى الكلام في أن ليس للعبد أن يتزوج بغير إذن سيده لقوله - صلى الله عليه وسلم - "أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فقد عاهر" فإن تزوج بغير إذنه فقد ذكرنا بطلان نكاحه، وإن أبا حنيفة جعله موقوفًا على إجازةُ سيده وملك إمضائه وجعل لسيده استئناف فسخه وذكرنا من حال المهر أن ينكح بإذنه وغير إذنه ما أقنع، فأما إذا دعا العبد سيده إلى تزويجه فقد ذكرنا في إجبار السيد على إنكاحه قولين.
فلو أراد السيد إجبار عبده على التزويج فقد ذكرناه على قولين: فأما الأمةَ إذا أراد السيد إجبارها على التزوج فله ذلك قولًا واحدًا، ولو دعت الأمةَ السيد إلى تزويجها لم يجبر عليه إذا كانت تحل له، ولأنها فراش له لو استمتع بها فإن كانت ممن لا تحل له لكونها أخته أو خالته أو عمته من نسب أو رضاع فهل يجبر السيد على تزويجها إذا دعته إليه آم لا؟ على وجهين مخرجين من اختلاف قوليه في إجباره على تزويج العبد وهكذا لو كانت الأمة ملكاً لامرأة كان في إجبارها على تزويجها وجهان.
مسألة: قال الشافعي: " فَإِنَّ أَذَّنَ لَهُ فَنَكُحُّ نكاحَا فَاسَدَا فِيهَا قَوْلَانِ: أحدهما أَنَّه كإذنه لَهُ بالتجَارةً فَيُعْطِي مِنْ مَالِ إِنَّ كَانَ لَهُ وَإلّا فَمَتَى عتقَ والأخر كَالْضُّمَّانِ عَنْه فَيُلْزِمُهُ أَنْ يَبِيعَهُ فِيه إلّا أَنْ يُفَدِّيَهُ ". قال في الحاوي: وهذا مما ذكرناه وأن الفاسد من مناكح العبد هل تدخل في مطلق إذن السيد أم لا؟ على قولين وذكرنا من التفريع عليهما ما أجزأ والله أعلم بالصواب.

باب ما يحرم وما يحل من نكاح الحرائر ومن الإماء

مسألة: قال لشافعي رحمه الله: "أصْلُ مَا يُحْرِمُ بِهِ النَّسَّاءَ ضَرَبَانَ أحدهما بأنساب والأخر بأسباب مِنْ حادِثِ نكاحِ أَوْ رَضّاعٍ".
قال في الحاوي؛ المحرمات من الماء ضربان ت أحدهما: ضرب حرمت أعيانهن على التأبيد، وضرب حرم تحريم جمع فأما المحرمات الأعيان على التأييد فضربان: أحدهما: بأنساب.
والثاني: بأسباب.
فأما المحرمات بالأنساب فالتحريم طارئ عليهن وقد نص الله عليهما في كتابه فنص على تحريم أربع عشرةَ امرأةً: سع منهن حرمن بأنساب، سبع منهن حرمن بأسباب.

فأما السبع المحرمات بالأنساب فضربان: ضرب حرمن برضاع وضرب حرمن بنكاح وهن المذكورات في قوله تعالى: ﴿وأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: (23)] فذكر من المحرمات بالرضاع اثنتين ثم قال: ﴿وأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ ورَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: (23)] وقال في آيةً أخرى: ﴿ولا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: (22)] فذكر من المحرمات بالنكاح خمسا: أربع منهن تحريم تأييد وخامسةَ تحريم جمع، وهو الجمع بين الأختين فقدم الله تعالى ذكر السبع المحرمات بالأنساب لتغليظ حرمتهن وأن تحريمهن لم يتأخر عن وجودهن فأول من بدآ بذكرها الأم لأنها أغلظ حرمة فحرمها بقوله: ﴿ُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء; (23)] واختلف أصحابنا في هذا التحريم المنصوص عليه إلى هذا الوجه على وجهين: أحدهما: وهو قول الأكثرين أنه متوجه إلى العقد والوطء معاً.
والثاني: أنه متوجه إلى العقد.
فأما الوطء فحرم بالعقل والأول من الوجهين أصح؛ لأن العقل لو أوجب تحريم وطئها لما منع آن يكون الشرع وارد به ومؤكدًا له وإذا حرمت الأم فكذلك أمهاتها وإن علون من قبل الأم كأم الأم وجدتها ومن قبل الأم كأم الأب وجداته لكن اختلف أصحابنا هل حرمن بالاسم أو بمعناه على وجهين: أحدهما: حرمن بالاسم قال الشافعي: لأن كلا تسمى أماً.
فعلى هذا يكون اسم الأم منطلقاً على كل واحدةً منهن حقيقةً لغة وشرعا.
والوجه الثاني: حرمن لمعنى الاسم وهو وجود الولادةَ والعصبةَ فيهن فحرس كالأم لاشتراكهما في المعنى دون حقيقةَ الاسم ويكون انطلاق اسم الأم عليهن مجازاً في اللغة وحكماً في الشرع.
فلو أن رجلًا وطئ أنه يعقد آو غير عقد حد حدّ الزنا وقال أبو حنيفة: لا حدّ عليه وجعل العقد شبهةً في أدارئه عنه.
وهذا خطأ لأن النص المتطوع به يمنع من دخول الشبهةَ عليه لا خروجه من آن يكون نصاً قاطعاً.
والثاني: من المحرمات البنات فهن محرمات على الآباء وهل تناول النص فيهن تحريم العقد والوطء معاً أم لا؟ على ما ذكرنا من الوجهين ثم كذلك بنات البنات والأبناء وإن سلفن ثم على ما ذكرنا من الوجهين: أحدهما: حرمن بالاسم قال الشافعي: لأن كلا يسمى بنتاً.
والثاني: بمعنى الاسم من وجود الولادةً والبغضيةً فلو أن رجلا وطئ بنته بعقد أو غير عقد حدّ، وأبرأ أبو حنيفة عنه الحد بالعقد.
والثالث: من المحرمات: الأخوات فنكاحهن حرام وسواء كانت أختاً لأب وأم

وأختاً لأب أو أختاً لأن وهي باسم الأخوات محرمات فلو وطئ رجل أخته نظر فإن كان بعقد نكاح حدّ وإن كان بملك يمين ففي وجوب حده قولان: أحدهما: يحد كالنكاح.
والثاني: لا يحد لوطئه بالملك فإن حد لوطئه بالنكاح لارتفاع النكاح فزالت الشبهةً والملك ثابت فيها فثبتت شبهته، والأم تحد في وطئها بنكاح وملك لأن ملكها يزول بشرائها وملك الأخت لا يزول وإن لم يثبت عليها العقد ويلحق به ولدها وأن ضر وتصير الأخت به أم ولد وليس يلحق ولد مع وجوب الحد إلا في هذا الموضع، وهو إذا وطئ أخته من نسب أو رضاع فإن وطئ الذمي مسلمةً على ملكه كان في حدةِ قولان والولد لاحق به على القولين.
والرابع من المحرمات: وهو أخوات الأب وسواء كن لأب وأم أو لأب أو لأم وكلهن محرمات بالاسم ثم عمات الأب والأم وعمات الأجداد والجدات كلهن محرمات كالعمات.
وهل حرمن بالاسم أو بمعناه على وجهين فإن وطئ إحداهن بعقد نكاح حد وإن كان بملك يمين فعلى القولين.
والخامس من المحرمات: الخالات وهن أخوات الأم سواء كن لأب وأم أو لأب أو لأم وكلهن محرمات بالاسم خالات الأب والأم ثم خالات الأجداد والجدات كلهن محرمات كالخالات وهل حرمن بالاسم أو بمعناه؟ على الوجهين فإن وطئ إحداهن بعقد نكاح حد وإن كان بملك يمين فعلى القولين.
والسادس من المحرمات: بنات الإخوةَ وسواء كان الإخوةً لأب وأم أو لأب أو لأم وكلهن محرمات بالاسم ثم بنات بني الإخوةَ وبنات بنات الإخوةَ وإن سفلن كلهن محرمات كبنات الإخوةً وهل حرمن بالاسم أو بمعناه على الوجهين فإن وطئ واحدة منهن بعقد نكاح حد، وإن كان بملك يمين فعلى القولين.
والسابع من المحرمات: بنات الأخوات سواء كانت الأخوات لأب وأم أو لأب أو لأم وكلهن محرمات بالاسم وكذلك بنات بني الأخوات وإن سفلن كلهن محرمات كبنات الأخوات وهل حرمن بالاسم أو بمعناه على الوجهين والولد يلحق في هذه المواضع إذا كان الوطئ بملك يمين.
مسألة: قال الشافعي: "وَمَا حَرَمَ مِنْ النِّسَبِ حَرَمَ مِنْ الرّضاعِ".
قال في الحاوي: وأما المحرمات بالرضاع فذكر الله تعالى اثنين: الأمهات والأخوات بقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: (23)] فاحتمل أن

يكون التحريم بالرضاعةً مقصوراً عليها كما قال داود وقوفًا على النص واحتمل أن يكون متعديًا عنهما إلى غيرهما كذوات الأنساب ولما روت عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "يحرم من الرضاعةً ما يحرم من الولادةً".
وروي غيرها عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" وجب إجراء الرضاع في التحريم على حكم النسب فيحرم بالرضاع سبع كما يحرم بالنسب الأمهات والبنات والأخوات والعمات والحالات وبنات الأخ وبنات الأخت.
وبيان ذلك أن المرأةً إذا أرضعت ولداً بلبن من زوج فالولد المرضع ابن لها وللزوج لأن اللبن حادث عنها بسبب ينتسب إلى الزوج فاقتضى أن يكون المرصع ابناً لها كالمولود منهما وإذا كان كذلك كانت المرضعةً أماً له وكان أمهاتها جداته من أم وآباؤها أجداده من أم وبناتها أخواتها من أم أخوتها أخواله من أم وأخواتها خالاته من أم وكان الزوج أباً له وآباؤه أجداده من أب وأمهاته جداته من أب، وبنوه إخوته من أب وإخوته من أب وأخواته أعمامه وأخواته عماته كذلك على ترتيب الأنساب فيكون على ما ذكرنا من الأحكام فتصير المحرمات بالرضاع سبعاً كما كان المحرمات بالأنساب سبعًا ويتنوع عليهن من ذكرنا من المفرعات على المناسبات فيكون أخت الأب من الرضاع عمته محرمةً سواء كانت أختًا من نسب أو رضاع وكذلك أخت الجد من الرضاع وآبائه محرمةً كالعمةً سواء كانت أختًا من نسب أو رضاع وهل يحرم باسم العمةً أو بمعناها على ما ذكرتا من الوجهين ويكون أخت الأم من الرضاع خالة محرمة سواء كانت أختا ينسب أو رضاع وكذلك أخت الجدةً وأمها كالخالةً في التحريم سواء كانت أختًا من نسب أو رضاع وهل يحرم باسم الخالةً أو بمعناها على ما مضى من الوجهين وعلى هذا يكون حكم سائر القرابات من الرضاع يحمل على حكم القرابات من النسب فلو وطئ الرجل أمه من الرضاع بعقد نكاح حن وإن كان بملك يمين فعلى قولين وفي الأم المناسبة يحذ قولًا واحدًا وإن كان ملكها؛ لأنها تعتق عليه بالملك فارتفعت شبهته بزوال الملك فحد، والأم المرضعةَ لا تعتق بالملك فكانت شبهته باقيةً مع بقاء الملك فلم يحد في أحد القولين وهكذا لو وطئ أخته من الرضاع أو خالته أو عمته من الرضاع بعقد حد وإن كان بملك يمين فعلى ضربين ما مضى من القولين والولد يلحق إذا كان وطئه لواحدةً من هؤلاء بملك يمين قولًا واحدًا.
فصل: فإذا تقرر ما وصفناه من تحريم الرضاع بعدما قدمنا من التحريم بالنسب فقد مضى

(من) المنصوص على تحريمهن في الآيةً تسع: سبع عن النسب واثنتان من الرضاع وبقي من المنصوص على تحريمهن في الآية خمس حرمهن الله تعالى تحريم مصاهرةً يعقد نكاح وإحداهن: أم الزوجة بقوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ﴾ [النساء: (23)].
والثانية: بنت الزوجةً وهي الربيبة بقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: (23)].
والثالثة: زوجةَ الابن وهى حليلته بقوله تعالى: ﴿وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ﴾ [النساء: (23)].
والرابعة: زوجة الأب بقوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: (22)] وفيه تأويلان: أحدهما: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء بالنكاح الصحيح إلا ما قد سلف بالزنا والسفاح فإن كان نكاحهن حلالًا لأنهن لم يكن حائل.
والخامس: الجمع بين الأختين بقوله تعالى: ﴿وَان تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: (23)] فهؤلاء الخمس حرمن بالقرآن ثم جاءت السنة بتحريم اثنتين: إحداهما: تحريم الجمع بين المرأة وعمتها.
والثانية؛ تحريم الجمع بين المرأة وخالتها.
وسنذكر السنةُ الواردةَ فصار المحرمات بعقد النكاح في القرآن والسنة سبعًا كما كان المحرمات بالأنساب سبعًا وكما صار المحرمات بالرضاع سبعًا، وهؤلاء السبع المحرمات بعقد النكاح ينقسم حكمهن في التحريم ثلاثةً أقسام: قسم حرمن بالعقد تحريم تأبيد.
وقسم حرمن بالعقد تحريم جمع.
وقسم حرس تحريم جمع وبالدخول تحريم تأبيد.
فأما المحرمات بالعقد تحريم تأبيد فهن ثلاث: إحداهن: أم الزوجة هي حرام عليه بالعقد على البنت سواء دخل بالبنت أم لا أقام معها أو فارقها قد صارت أمها حرامًا عليه أبدًا وكذلك أم الأم ومن علا من جداتها حرمن عليه على التأبيد وهل يحرمن بالاسم آو بمعناه على ما مضى من الوجهين، فإن وطئ واحد منهن بعقد حد لأن كان بملك يمين فعلى ما مضى من القولين.
والثانية: زوجة الأب محرمةً على الابن بعقد الأب عليها تحريم تأبيد سواء دخل الأب بها أم لا وكذلك زوجةً الجد ومن علا من الأجداد محرمةً عليه تحريم تأبيد وهل حرمن بالاسم أو بمعناه على ما ذكرنا من الوجهين فإن وطئ واحدةً منهن بعقد حد وإن كان يملك يمين فعلى قولين.
روى عدي بن ثابت ص يزيد بن البراء بن عازب عن أبيه مربى خالي ومعه لواء

فقلت: يا خالي أين تذهب؟ فقال: بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى رجل تزوج امرأةً أبيه آتيه برأسه.
والثالثة: زوجةَ الابن محرمةً على الأب لعقد الابن عليها تحريم تأييد سواء دخل بها الابن أم لا، وهي الحليلةَ، واختلف في تسميتها الحليلةً على ثلاثةَ أوجه: أحدها: أنها سميت حليلةً لأنها تحل للزوج.
والثاني: لأنها تحل في المكان الذي يحل به الزوج.
والثالث: لأن كل واحد منهما يحل إزار صاحبه.
وإذا حرمت حليلةً الابن فكذلك حليلةً ابن الابن وإن سفل تحرم على الأب وإن علا وهل تحرم بالاسم أو بمعناه على ما مضى من الوجهين فإن وطئ واحدةً منهن بعقد حد وإن كان بملك يمين فعلى ما مضى من القولين.
فإن كان الابن قد وطئها بملك اليمين والأب قد وطئها بالزوجيةً حد قولًا واحدًا وأما القولان إن كان الأب قد وطئها الزوجيةً والابن قد وطئها بملك اليمين فيصور الفرق بينهما في الحكم بحدّه، فلزمهما في المعنى.
وأما المحرمات بالعقد تحريم جمع منهن ثلاث: إحداهن: الجمع بين الأختين فإذا عقد على امرأةً حرم عليه أختها وسواء كانت الأخت للأب والأم أو للأب أو للأم فإذا فارق التي تزوجها منهما حل له أختها.
والثانية: الجمع بين المرآةً وعمتها كالجمع بين الأختين وكذلك الجمع بين المرأة وعمةَ أبيها وجدها وعمةَ أمها وجدتها ثم على ما ذكرنا ومن تحريمهما بالاسم أو بمعناهما.
والثالثة: الجمع بين المرأة وخالتها وكذلك تحريم الجمع بينهما وبين خالة أمها وجداتها وخالة أبيها وأجدادها نم على ما ذكرنا من تحريمهما بالاسم أو بمعناه.
وأما المحرمات بالعقد تحريم عقد وبالدخول تحريم تأبيد فجنس واحد وهن الربائب.
والربيبةً بما الأخت فإذا عقد على امرأةً حرمت عليه ابنتها تحريم جمع فإذا دخل الأم حرمت عليه ابنتها تحريم تأبيد وكذلك بنت بنتها وبنت ابنها وإن سفلت تحرم بالعقد تحريم جمع وبالدخول تحريم تأبيد ثم على ما ذكرنا من تحريمها بالاسم أو بمعناه.
فإن قيل: لماذا حرمتم بنت الربيبةَ كالربيبةً؟ فهلا حرمتم بتت حليلةً الابن كالحليلةً؟ قلنا: لا تحرم والفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن بنت الربيبةً ينطلق عليها اسم الربيبة فحرمت كالربيبةً وبنت الحليلةً لا يطلق عليها اسم الحليلةً فلم تحرم.
والثاني: هو أن الأصل في المعنى المعتبر في تحريم المصاهرةً إنما هو يصير الزوج الواحد قد جمع بين ذي نسبين كحليلة الابن مع الأب وهذا المعنى موجود في بنت الربيبةً

فحرمت كالربيبةً وهو غير موجود في بنت الحليلةً لأنه لم يجمع الواحد ذات نسبين ولا اجتمع في الواحدة ذو نسبين فلم يحرم والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي: " وَحُرَمُ اللهِ تَعَالَى الْجُمْعُ بَيْنَ الأختين ". قال في الحاوي: أما الجمع بين الأختين فحرام بنص الكتاب وإجماع الأئمةُ وأما الجمع بينهما بملك اليمين وإن جمع بينهما في الملك بالشراء جاز إذا لم يجمع بينهما في الاستمتاع لأن المقصود بالملك التحول دون الاستمتاع، ولذلك جاز أن يملك من لا يحل له وطئها من أخواته وعماته وخالف عقد النكاح الذي مقصوده الاستماع ولذلك لم يجز أن يتزوج من لا تحل له من أخت وعمةُ فلذلك بطل الجمع بينهما في النكاح ولم يبطل الجمع بينهما في الملك فأما إذا أراد أن بجمع بين الأختين بملك اليمين في الاستمتاع فيطأ كل واحدة منهما لم يجز وهو قول عامة الصحابةَ والتابعين والفقهاء.
وقال داود: يجوز الجمع بينهما في الاستمتاع وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس وربما أضيف إلى عثمان بن عفان واستدلالًا بعموم قوله تعالى: ﴿أوّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: (3)] ولم يشترط في ملك اليمين تحريم الجمع بين أختين وكذلك في قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: (3)] فأطلق ملك أليمين وكان على عمومه ثم قال: ولأن تحريم النكاح نوعان: تحريم عدد، وتحريم جمع.
فأما العدد فهو تحريم الزيادةً على الأربع وأما تحريم الجمع فهو الجمع بين الأختين فلما لم يعتبر في ملك اليمين وتحريم العدد وجاز أن يجمع أي عدد شاء من الإماء وجب أن لا يعتبر تحريم الجمع ويجوز أن يستمتع بأختين.
داود: ولأن الجمع بينهما في الاستمتاع غير ممكن لأنه لا يقدر إلا أن يطأ إحداهما بعد الأخرى والجمع بينهما في النكاح ممكن فلذلك حل الجمع بينهما في الاستمتاع بالملك لتعذره وحرم في النكاح لإمكانه وهذا خطأ.
ودليلنا عموم قوله تعالى: ﴿وَأن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: (23)] ولم يفرق بين تحريمها بنكاح أو ملك ولأن تحريم الجمع بينهما بملك اليمين مستفيض في الصحابة كالإجماع.
روى مالك عن الزهري عن قبيصة بن ذؤيب: أن رجلا دخل على عثمان بن عفان فسأله عن الجمع بين الأختين بملك اليمين فقال عثمان: أحكهما آيةً وحرمتهما آيةً والتحريم أولى فخرج السائل فلقي رجلا من الصحابةً فسأله عن ذلك فقال: لو كان من الأمر شيء ثم وجدت رجلًا يفعل هذا لجعلته نكالًا.

قال مالك: قال الزهري أراه علي بن أبي طالب رضوان الله عليه.
وقد روي مثل ذلك عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وابن مسعود وعائشةً وعمار من غير أن يظهر خلاف فصار إجماعًا ولأن التحريم ضربان: تحريم تأبيد لتحريم أمهات الموطوءة وبناتها وتحريم جمع كتحريم أخوات الموطوءةً وعماتها فلما كان تحريم التأييد معتبرًا في وطء الإماء كالنكاح وجب بأن يكون تحريم الجمع معتبرًا في وطئهن كالنكاح ولأن ثبوت الفراش بالوطء أقوى من ثبوته بالعقد لأنه يثبت في فاسد الوطء إذا كان عن شبهه كما ثبت في فاسد العقد وإن ثبت في صحيحةُ فلما ثبت تحريم الجمع في العقد كان تحريمه في الوطء أولى؛ ولأن تحريم الجمع في النكاح إنما كان ليدفع به تواصل ذوي الأرحام فلا يتقاطعون لأن الضرائر من النساء متقاطعات وهذا المعنى موجود في الأختين اليمين كوجوده فيهما بعقد النكاح فوجب أن يستويا في التحريم.
فأما الاستدلال بعموم الآيتين فقد حضه قوله تعالى: ﴿وَأن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: (23)] وأما قوله إن تحريم العدد لما حرم بالنكاح كذلك تحريم الجمع: فالجواب عنه أن تحريم العدد إنما ثبت في الزوجات خوفًا من الجور فيما يجب لهم من النفقةً والكسوةً والقسم وهذا معدوم في الإماء لأن نفقاتهن وكسوتهن في أكسابهن ولا قسم لهن فأمن الجور فافترقا في تحريم العدد وهما في المعنى الذي أوجب تحريم الجمع سواء؛ لأن خوف التقاطع والتباغض والتحاسد وهذا موجود في الإماء كوجوده في الزوجات فاستويا في تحريم الجمع لاشتراكهما في معناه وان افترقا في تحريم العدد لافتراقهما في معناه وأما قول داود: إن الجمع بينهما في الوطء غير ممكن، فعنه جوابان: أحدهما: أنه قد يمكن الجمع بينهما في الاستمتاع بأن يضاجعهما معًا ويلمسهما وهذا محرم في الأختين.
والثاني: أنه قد ينطلق اسم الجمع على فعل الشيء بعد الشيء كالجمع بين الصلاتين كذلك بين الوطئين فيكون الجمع جمعين جمع متابعة وجمع مقارنةً.
والثالث: أن الصحابة قد جعلته من معنى الجمع ما نهت عنه ولم تجعله مستحيلًا.
فصل: فإذا تقرر تحريم الجمع بين الأختين بملك اليمين كتحريمه بعقد النكاح فملك أختين كان له أن يستمتع بأيهما شاء فإذا استمتع بواحدةً منهما حرمت عليه الأخرى ما كان على استمتاعه بالأولى حتى يحرمها عليه بأحد خمسةُ أشياء: إما أن يبيعها، وإما أن يهبها، وإما أن يعتقها، وإما أن يزوجها، وإما أن يكاتبها فتصير بأحد هذه الخمسةُ الأشياء محرمةُ عليه فيحل له حينئذ أن يستمتع بها بالثانية وتصير الأولى إن عادت إلى إباحته محرمةً عليه أن يستمتع بها حتى تحرم الثانية بأحد ذكرنا من الأشياء الخمسة، وحكي عن قتادةَ أنه عزم على أن لا يطأ التي وطئ حلت له الأخرى وهذا خطأ لأن التحريم يقع بأسبابه لا بالعزم عليه وقد يحرم عليه بسببين آخرين ليسا من فعله وهما: الرضاعةَ والردةً فأما التدبير: فلا

يحرم ثم إذا أخرج الثانيةً بأحد ما ذكر عادت الأولى إلى إباحتها وحل له الاستمتاع بها فلو أنه حين استمتع بالأولى استمتع بالثانيةً قبل تحريم الأولى عليه كان بوطء، والثانيةً عاصيًا ولم تحرم الأولى عليه بمعصية الوطء الثانية.
قال الشافعي: وأحب أن يمسك عن وطء الأولى حتى يستبرأ الثانية لأن لا يجمع ماؤه في أختين فإن ووطئها قبل استبراء الثانيةً جاز وإن أساء.
مسألة: قال الشافعي: وَنُهًى رَسُولِ اللهِ "صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلْمَ أَنْ تَنْكَحَ المرأةً عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتَهَا، وَنُهًى عُمَرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه عَنْ اِلْأَمْ وَاِبْنَتَهَا مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ، وَقَالَ اِبْنِ عُمَرِ: وُدِدْتِ أَنْ عُمَرِ كَانَ فِي ذَلِكَ أَشَدِّ مِمَّا هُوَ، وَنَهَتْ عَنْ ذَلِكَ عَائِشَةٍ، وَقَالَ عثمان فِي جُمْعِ الأختين: أَمَا أَنَا فَلَا أَحُبَّ أَنْ أَصْنَعَ ذَلِكَ، فَقَالَ رَجُلِ مِنْ أَصِحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلْمَ-: لَوْ كَانَ إِلَي مِنْ الأمر شَيْءَ ثَمَّ وَجَدَتْ رَجَّلَا يُفَعِّلُ ذَلِكَ لِجَعَلَتْهُ نَكَالَا، قَالَ الزَّهْرِيِ أَرَّاهُ عَلَي بنَ أَبِي طَالِبَ." قال في الحاوي: وهذا كما قال: الجمع بين المرأةُ وعمتها وبين المرأةً وخالتها حرام بعقد النكاح وملك اليمين كالجمع بين أختين وهو قول الجمهور.
وحكي عن الخوارج وعثمان البتي أنه لا يحرم الجمع بينهما في نكاح ولا ملك معه وحرم داود الجمع بينهما في النكاح دون ملك اليمين فأما داود فقد مضى الكلام معه في الجمع بعد الأختين وأما البتي والخوارج فاستدلوا بأن تحريم المناكح مأخوذ من نص الكتاب دون السنةً ولم يرد الكتاب بذلك فلم يحرم وهذا خطأ لأن كل ما جاءت به السنة يجب العمل به كما يلزم بما جاء به لكتاب.
قال تعالى: ﴿ومَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى (3) إنْ هُوَ إلاَّ وحْيٌ يُوحَى﴾ [لنجم: (3) - (24)] وقد جاءت السنةُ بما رواه مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرةَ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"لا يجمع بين المرأةَ وعمتها ولا بين المرأة وخالتها".
وروى داود بن أبي هند عن الشعبي عن أبي هريرةَ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تنكح المرأةً على عمتها ولا العمةً على بنت أخيها، ولا تنكح المرأة على خالتها ولا الخالةَ على بنت أختها، ولا تنكح الصغرى على الكبرى ولا الكبرى على الصغرى".
وهذان الحديثان نص والثاني أكمل وهما وإن كانا خبرًا واحدًا فقد تلقته الأمةً القبول وعمل به، الجمهور فصار بأخبار التواتر أشبه فلزم الخوارج العمل به وإن لم يلتزموا أخبار الآحاد؛ ولأن الأختين يحرم الجمع بينهما لأن إحداهما لو كان رجلًا حرم عليه نكاح أخته كذلك المرأةً وخالتها وعمتها يحرم الجمع بينها لأنه لو كان إحداهما رجلًا حرم عمته وخالته.

فأما الجمع بين المرأةً وبين بنت عمتها أو بينهما وبين بنت عمها فيجوز وكذلك الجمع بين المرأةَ وبنت خالتها أو بينهما وبين بنت خالتها فيجوز؛ لأن إحداهما لو كان رجلًا لجاز آن يتزوج بنت عمه وبنت عمته وبنت خاله وبنت خالته وهذا هو أصل في تحريم الجمع وإحلاله بين ذوات الأنساب وبهذا المعنى حرمنا عليه الجمع بين المرأةَ وعمةُ أبيهما وعمةُ أمها وبينهما وبين خالةَ أبيها وخالةَ أمها؛ لأن أحدهما لو كان رجلًا حرم عليه نكاح الأخرى، والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي: " فَإذاً تَزَوُّجَ امرأة ثَمَّ تَزَوُّجَ عَلَيهَا أُخَتْهَا أَوْ عَمَّتَهَا أَوْ خَالَتَهَا وَإِنَّ بَعَّدَتْ فَنِكَاحَهَا مفسوخ دَخَلَ أَوْ لَمْ يُدْخَلْ وَنِكَاحَ الأولى ثَابِتَ وَتَحِلُ كُلَّ واحدَةً مِنْهُمَا عَلَى الْاِنْفِرادِ وَإِنَّ نَكَحَهَا مَعَّا فَالنِّكَاحَ مفسوخ " قال في الحاوي: اعلم أن الجمع بين مناكح ذوات الأنساب ينقسم ثلاثة أقسام: قسم يوجب تحريم المصاهرةً على التأبيد وقسم يوجب تحريم المصاهرةً في الجمع لا على التأبيد وقسم إباحةُ لا يوجب التأبيد ولا تحريم الجمع.
فأما القسم الأول: وهو تحريم التأبيد ففي أنساب البغضيةً والولادةً كالمرأةَ في تحريم أمهاتها وبناتها عليه يحرمن على الأبد.
وأما القسم الثاني: وهو تحريم الجمع في حال العقد ممن غير تحريم على التأبيد ففيما تجاوز الولادةً واتصل بها من ذوات المحارم كالجمع بين الأخوات والحالات والعمات لما تزلن عن درجةُ الأمهات والبنات في التعصيب لم يحرمن على التأبيد ولما شاركتهن في المحرم حرمن تحريم الجمع.
وأما القسم الثالث: وهو من لا يحرمن على التأبيد ولا على وجه الجمع فمن عدا الفرقين من بنات الأعمام والعمات، وبنات الأخوال والحالات لما نزلن عن الدرجتين ولم يكن لهن بعصبةُ الأمهات والبنات ولا محرم العمات والحالات لم يتعلق عليهن واحد من حكم التحريم لا التأبيد ولا الجمع، وجاز للرجال أن يجمع بين أرع منهن وإن تناسبن لبعد النسب وخلوه من معنى أحد التحريمين.
فصل: فإذا تقررت هذه المقدمةً وأن تحريم الجمع يختص به ذوات المحارم من نسب أو رضاع كالأخوات والعمات والخالات فنكح الرجل أختين أو امرأةً وخالتها وعمتها فهذا على ضربين: أحدهما: أن يعقد عليهما معًا في عقد واحد فنكاحهما باطل؛ لأنه لما حرم الجمع

بينهما ولم يتعين المختصةَ بالصحةَ منهما وجب بطلان العقد عليهما لتساويهما وسواء دخل بأحدها أو لم يدخل وهو بالخيار بين أن يستأنف العقد على أيهما شاء فإن عقد على التي دخل بها سقط ما عليها من عدةً إصابتها وإن عقد على غير المدخول بها صح عقدهِ ويستبح أن يمسك عن إصابتها حتى تنقضي عدةَ أختها من إصابتهِ لئلا يجتمع ماؤه في أختين.
والثاني: أن يعقد عليهما ثانيةً بعد أولى فنكاح الأولى ثابت ونكاح الثانيةُ باطل لاستقرار العقد على الأولى قبل الجمع فلو شك في آيتهما نكح أولًا فهذا على ضربين: أحدهما: أن يطرأ الشك بعد تقدم اليقين فنكاحهما موقوف وإحداهما زوجةً مجهولةً العين والأخرى أجنبيةً وكل واحدةً منهما ممنوعةً منه ومن غيره من الأزواج حتى يبين أمرها فإن صرح بطلاق إحداهما حلت لغيره وكان تحريمها عليه بحالةً والأخرى على التحريم فإن استأنف عليها عقدًا حلت له.
والثاني: أن يكون الشك مع ابتداء العقد لم يتقدمه يقين فنكاحها باطل لا يوفق على البيان لعدمه وهل يفتقر بطلانه إلى فسخ الحاكم أم لا؟ وجهين: أحدهما: يفتقر ويكون الإشكال والاشتباه باطلًا لأن ما لم يتميز إباحته من الحظر غلب عليه حكم الحظر.
والثاني: أنه لا يصح إلا بحكم حاكم؛ لأن العلم محيط بأن فيهما زوجةً فلم يكن الجهل بها موجباً لفسخ نكاحها حتى يتولاه من له في فسخ النكاح وهو الحاكم.
فصل: فإذا عقد الرجل على امرأةً نكاحًا فاسدًا ثم تزوج عليها أختها فهذا على ضربين: أحدهما: أن يعلم بفساد العقد الأول فتكون نكاح الثانيةُ جائزًا سواء علم أنها أخت الأولى وقت العقد أو لم يعلم.
والثاني: أن لا يعلم بفساد النكاح في حين يعقد على انتهاء فهذا على ضربين: أحدهما: أن لا يعلم وقت عقده على الثانيةُ إنها أخت الأولى فيكون نكاحها جائزًا؛ لأنه لم يفترق بعقده منع.
والثاني: أن يعلم وقت عقده على الثانيةً أيهما أخت الأولى ولا يعلم بفساد نكاح الأولى حتى يعقد على الثانيةً نكاح الثانيةً باطل؛ لأنه أقدم على نكاح وهو ممنوع منه في الظاهر فجرى عليه حكم الحظر في الفساد والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي: "وَإِنَّ تَزَوجَ امرأةً، ثُم طَلْقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخَلَ بِهَا، لَمْ تَحِلْ لَهُ؛ لأنّها

جارٍ التحميل