بحر المذهب للرويانيصفحات 377-416

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: "ذَكَرَ اللَّهُ الصَّدَاقَ وَالأَجْرَ فِي كِتَابِهِ وَهُوَ المَهْرُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: 236] فَدَلَّ أَنَّ عُقْدَةَ النِّكَاحِ بِالكَلَامِ وَأَنَّ تَرْكَ الصَّدَاقِ لَا يُفْسِدُهَا".
الدليل على وجوب الصداق قال في الحاوي: والأصل وجوب الصداق في النكاح: الكتاب والسنة والإجماع.
فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: 4] وفيمن توجه إليه هذا الخطاب قولان: أحدهما: أنه متوجه إلى الأزواج وهو قول الأكثرين.
والثاني: أنه متوجه إلى الأولياء لأنهم كانوا يتملكون في الجاهلية صداق المرأة فأمرهم الله تعالى بدفع صدقاتهن إليهن وهذا قول أبي صالح وفي نحلة ثلاث تأويلات: أحدها: يعني تدينًا من قولهم: فلان ينتحل كذا أي يتدين به.
والثاني: يطيب نفس كما تطيب النفس بالنحل الموهوب.
والثالث: أنه نحل من الله تعالى لهن بعد ان كان ملكًا لأوليائهن والنحل الهبة وقال الله تعالى فيما حكاه عن شعيب في تزويج موسى بابنته قال: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَاجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: 27] ولم يقل على أن تأجرها فجعل الصداق ملكًا لنفسه دونها ثم قال: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: 4] يعني الزوجات إن طبن نفسًا عن شيء من صدقاتهن لأزواجهن في قول من جعله خطابًا للأزواج ولأولياهن في قول من جعله خطابًا للاولياء ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: 4] يعني لذيذًا نافعًا وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَاخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: 20] أي قد ملكن الصداق وإن استبدلتم بهن غيرهن ﴿قِنْطَارًا فَلَا تَاخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء:20] وإن كان الصداق قنطارًا وفي القنطار سبعة أقاويل: أحدها: أنه ألف ومائتا أوقية وهو قول معاذ بن جبل وأبي هريرة.

والثاني: أنه ألف ومائتنا دينار وهو قول الحسن والضحاك.
والثالث: أنه اثنا عشر ألف درهم أو ألف دينار وهو قول ابن عباس.
والرابع: أنه ثمانون ألف درهم أو مائة رطل وهو قول سعيد بن المسيب وقتادة.
والخامس: أنه سبعون ألفًا وهو قول ابن عمر ومجاهد.
والسادس: أنه ملئ مسك ثور ذهبًا وهو قول أبي نضرة.
والسابع: أنه المال الكثير وهو قول الربيع.
فذكر القنطار على طريق المبالغة لأنه لا يسترجع إذا كان صداقًا وإن كان كثيرًا إذ استبدل بها فكان أولى أن لا يسترجعه إذا لم يستبدل, ثم قال تعالى وعيدًا على تحريم الاسترجاع: ﴿أَتَاخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء:20] ثم قال تعليلًا لتحريم الاسترجاع: ﴿وَكَيْفَ تَاخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: 21] وفي الإفضاء هنا تأويلان: أحدهما: أنه الجماع قاله ابن عباس ومجاهد والسدي وبه قال الشافعي.
والثاني: أنه إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان وهو قول الحسن وابن سيرين والضحاك وقتادة.
والثالث: ما رواه موسى بن عبيدة عن صدقة بن يسار عن ابن عمر أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "أيها الناس إن النساء عندكم عوان أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله فلكم عليهن حق ولهن عليكم حق ومن حقكم عليهن ألا يوطئن فراشكم أحد ولا يعصينكم في معروف فإذا فعلن ذلك فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف".
وقال تعالى: ﴿اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: 24] يريد الصداق فعبر عنه بالأجر لأنه في مقابلة منفعة.
وفي قوله فريضة تأويلان: أحدهما: يعني فريضة من الله واجبة وهو قول الأكثرين.
والثاني: أي مقدرة معلومة وهو قول الحسن ومجاهد.
وأما السنة: فما روى عبد الرحمن بن البيلماني عن عبد الله بن عمر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "أدوا العلائق" قالوا: يا رسول الله, وما العلائق؟ قال: "ما تراضى به الأهلون"

وروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "من استحل بدرهمين فقد استحل" وروي عن عائشة رضي الله عنهما: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما تزوج أحد من نسائه ولا زوج واحدة من بناته على أكثر من اثني عشر أوقية ونشا.
قالت عائشة رضي الله عنه أتدرون ما النش؟ النش: نصف أوقية عشرون درهمًا يعني خمسمائة درهم لأن الأوقية أربعون درهمًا.
وروى المنذر بن فرقد قال: كنا عند سفيان الثوري فقال: كان صداق رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اثنتي عشر أوقية وشن فقال له القاسم بن معين: صحفت يا أبا عبد الله إنما هو نش أما سمعت قول الشاعر: تلك التي جاورها المحتش من نسوة صداقهن النش فأما أم حبيبة فقد كانت أكثر نساء رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صداقًا لأن النجاشي أصدقها عنه أربعة ألف درهم من عنده وبعث بها إليه مع شرحبيل ابن حسنة.
وروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "أول ما يسأل عنه العبد من ذنوبه صداق زوجته" وروي عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "من ظلم زوجته صداقها لقي الله وهو زان" قاله على طريقة التغليظ والزجر.
واجتمعت الأمم على أن صداق الزوجات مستحق.
فصل: والصداق: هو العوض المستحق في عقد النكاح.
وله في الشرع ستة أسماء جاء كتاب الله تعالى منها بثلاثة أسماء: وهي الصداق والأجر والفريضة وجاءت السنة منها باسمين: المهر والعلائق وجاء الأثر عن عمر رضي الله عنه باسم واحد: وهو العقود وقد مضت شواهد ذلك.
فصل: فإذا تقرر أن الصداق في عقد النكاح واجب فإن تزوجها على غير صداق سمياه في العقد صح العقد وإن كرهنا التسمية فيه.
وإنما صح العقد لقول الله تعالى {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ

تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ} [البقرة: 236] وفي معنى الآية قولان: أحدهما: معناها لا جناح عليكم إن طلقتم النساء وما لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن فريضة فتكون أو بمعنى لم.
والثاني: أن في الكلام محذوفًا وتقديره: فرضتم لهن فريضة أو لم تفرضوا لهن فريضة والمراد بالفريضة هنا الصداق وسماه فريضة لأنه أوجبه لها وأصل الفرض الوجوب كما يقال: فرض السلطان لفلان الفيء أي أوجب ذلك وكما قال الشاعر: كَانَتْ فَرِيضَة مَا أَتَيْتُ كَمَا كانَ الزِّنَا فَرِيضَةُ الرَّجْمِ فموضع الدليل من هذه الآية: أن الله تعالى قد أثبت النكاح مع ترك الصداق وجوز فيه الكلام وحكم لها بالمتعة إن طلقت قبل الدخول وبين أن الأولى لمن كره امرأة أن يطلقها قبل الدخول لقوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ﴾ [البقرة: 236] فكان ذلك أولى طلاقي الكاره.
وروى سعيد عن قتادة عن شهر بن حوشب عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "إن الله عز وجل لا يجب الذواقات" يعني الفراق بعد الذوق.
ويدل على ذلك أيضًا أن بروع بنت واشق تزوجت بغير مهر فحكم لها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمهر نسائها والميراث.
وروي أن أبا طلحة الأنصاري تزوج من أم سليم على مهر فأمضى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نكاحه.
ولأن المقصود من عقد النكاح التواصل والألفة والصداق فيه تبع المقصودة فخالف عقود المعاوضات وجهين: أحدهما: أن رؤية المنكوحة ليست شرطًا فيه.
والثاني: أن ترك العوض فيه لا يفسده.
فأما كراهتنا لترك الصداق في العقد وإن كان جائزًا فلثلاثة أمور:

أحدها: لئلا يتشبه بالموهوبة التي تختص برسول الله صلى الله عليه وسلم دون غيره من أمته.
والثاني: لما فيه من قطع المشاجرة والتنازع إلى الحكام.
والثالث: ليكون ملحقًا بسائر العقود التي تستحق فيها المعاوضات والله أعلم.
القول في النكاح إذا كان بمهر مجهول حرام.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَلَوْ عَقَدَ بِمَجْهُولِ أَوْ بِحَرَامٍ ثَبَتَ النِّكَاحُ وَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا عقد النكاح بمهر مجهول أو حرام كان النكاح جائزًا ولها مهر مثلها وهو قول جمهور العلماء.
وقال مالك في أشهر الروايتين عنه: إن النكاح باطل بالمهر الفاسد وإن صح بغير مهر مسمى.
استدلالًا بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن النكاح الشغار لفساد المهر فيه، قال: ولأن عقد نكاح بمهر فاسد فوجب أن يكون باطلًا كالشغار ولأنه عقد معاوضة ببدل فاسد فوجب أن يكون باطلًا كالبيع.
قال: ولئن صح النكاح بغير مهر فلا يمتنع أن يبطل بفساد المهر كما يصح البيع بغير أجل وغير خيار ويبطل بفساد الأجل وفساد الخيار.
ودليلنا رواية ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدي عدل" فتضمن هذا الخبر نفي النكاح بعدم الولي والشاهدين وإثبات النكاح بوجود الولي والشاهدين وهذا نكاح بولي وشاهدين توجب أن يكون صحيحًا.
ولأن فساد المهر لا يوجب فساد العقد كالمهر المغصوب ولأن كل نكاح صح بالمهر الصحيح صح بالمهر الفاسد كما لو أصدقها عبدًا فبان حرًا.
قال الشافعي: ولأنه ليس في فساد المهر أكثر من سقوطه وليس في سقوطه أكثر من فقد ذكره ولو فقد ذكره لم يبطل النكاح فكذلك إذا ذكر فاسدًا.
وتحريره قياسًا: أن كل ما تعلق بالمهر لم يؤثر في صحة النكاح قياسًا على تركه.
فأما الجواب عن نكاح الشغار: فهو أنه لم يبطل بفساد المهر وإنما بطل بالتشريك على ما بيننا.
وأما قياسه على البيع: فالمعنى فيه أنه يبطل يترك الثمن فبطل بفساده والنكاح لا يبطل بترك المهر فلم يبطل بفساده.
وأما استدلاله بأن البيع يبطل بفساد الخيار والأجل ولا يبطل بتركهما.

فالجواب عنه: أن الخيار والأجل قد فرق بلا جزء من الثمن بدليل أن الثمن في العرف يزيد بدخول الخيار والأجل فإذا بطل أوجب الطلاق ما قابلهما من الثمن فصار الباقي مجهولًا وجهًا له الثمن تبطل البيع وليس فيما أفضى إلى فساد المهر أكثر من سقوطه وسقوطه لا يبطل النكاح.
فصل: فإذا ثبت صحة النكاح بجهالة المهر وتحريمه فالمهر باطل بالجهالة وكل جهالة منعت من صحة البيع منعت من صحة المهر.
وقال أبو حنيفة: إذا أصدقها عبدًا غير معين ولا موصوف: جاز وكان لها عبد سندي لأن الروحي أعلى والزنجي أدنى والسندي وسط فيحكم لها به لأنه أوسط العبيد.
احتجاجًا بأن المهر أحد عوض النكاح فجاز أن يكون مجهولًا كالبضع قال: ولأن جهالة مهر المثل أكثر من جهالة العبد لأن مهل المثل مجهول الجنس مجهول القدر مجهول الصفة والعبد معلوم الجنس معلوم القدر مجهول الصفة فإذا جاز أن يجب فيه عندكم مهر المثل فلأن يجب العبد المسمى أولى.
ودليلنا أنها جهالة تمنع صحة البيع فوجب أن تمنع صحة الصداق أصله: إذا أصدقها ثوبًا واقفنا أبو حنيفة على فساد الصداق بإطلاقه ولأنه عوض في عقد يبطل بجهالة الثوب فوجب أن يبطل بجهالة العبد كالبيع.
فأما الجوانب عن قياسه على جهالة البضع فهو أن جهالة البضع تمنع من الصحة ألا ترى أنه لو كان له ثلاث بنات: كبرى وصغرى ووسطي، وقال: زوجتك بنتي وأطلق كان باطلًا، ولم يحز أن يحمل على الوسطى، كما لا يجوز أن يحمل على الكبرى والصغرى، وكذلك إذا أصدقها عبدًا وأطلق لم يجز أن يحمل على عبد وسط كما لا يجوز أن يحمل على أعلى وأدنى.
وأما ما استشهد به من جهالة مهر المثل فيفسد بجهالة الثوب ومهر المثل إنما أوجبناه لأن قيمة متلف يجوز مثله في البيع إذا وجيت فيه قيمة متلف وإن جهلت.
فصل: فإذا تقرر أن النكاح صحيح وإن سقط المهر بالفساد فلها مهر المثل لأن البضع مفوت بالعقد فلم تقدر على استرجاعه فوجب أن تعدل إلى قيمته وهي مهر المثل كمن اشترى عبدًا ثبوت فمات في يده ورده بائعه الثوب بعيب رجع بقيمة العبد حين فات الرجوع بعينه.

مسألة: قال الشافعي: وفي قوله تعالى: ﴿وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: 20] دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لَا وَقْتَ لِلْصَّدَاقِ يَحْرُمُ بِهِ لِتَرْكِهِ النَّهْيَ عَنْ التَّكْثِيرِ وَتَرْكِهِ حَدَّ القَلِيلَ.
وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: "أَدُّوا العَلَائِقِ" قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا العَلَائِقُ؟ قَالَ: "مَا تَرَاضَى بِهِ الأَهْلُونَ" قَالَ: وَلَا يَقَعُ اسْمُ عُلِّقَ إلَّا عَلَى مَالَهُ قِيمَةٌ، وَإِنْ قُلْتَ مِثْلُ الفَلْسِ وَمَا أَشْبَهَهُ.
وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: الرَّجُلِ: "الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتِمًا مِنْ حَدِيدٍ" فَالْتَمَسَ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا فَقَالَ: "هَلْ مَعَكَ شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ؟ ". قَالَ: نَعَمْ سُورَةُ كَذَا وَسُورةُ كَذَا فقال: "قَدْ زَوَّجْتُهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ" وَبَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَن اسْتَحَلَّ بِدِرْهَمٍ فَقَد اسَتَحَلَّ" وَأَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: فِي ثَلَاثِ قَبْضَاتِ زَبِيبٍ مَهْرٌ.
وَقَالَ ابْنُ المُسَيَّبِ لَوْ أَصْدَقَهَا سَوْطًا جَازَ.
وَقَالَ رَبِيعَةُ قَالَ دِرْهَمٌ قُلْتُ وَأَقَلُّ؟ قَالَ: وَنِصْفُ دِرْهَم قَالَ: قُلْتُ لَهُ فَأَقَلُّ؟ قَالَ: نَعَمْ وَحَبَّةُ حِنْطَةٍ أَوْ قَبُضَةُ حِنطَةٍ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَمَا جَازَ أَن يَكُونَ ثَمَنًا لِشَيءٍ أَوْ مَبِيعًا بِشَيْءٍ أَوْ أُجْرَةً لِشَيْءٍ جَازَ إِذَا كَانَتْ المَرْأَةُ مَالِكَةً لأَمْرِهَا".
قال في الحاوي: الكلام في هذه المسألة يشتمل على فصلين: أحدهما: في أكثر المهر، والثاني: في أقله.
فأما أكثره فلا خلاف بين الفقهاء أنه لا حد له لقوله تعالى: ﴿وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: 20]، وقد ذكرنا في القنطار سبعة أقاويل.
وحكي الشعبي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قام خطيبًا فقال: لا تغالوا في صدقات النساء فما بلغني أن أحدًا ساق أكثر مما ساقه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا جعلت الفضل في بيت المال فاعترضته امرأة من نساء قريش فقالت: يعطينا الله وتمنعنا كتاب الله أحق أن يتبع قال الله تعالى: ﴿وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَاخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: 20]، فرجع عمر وقال: كل أحد يصنع بماله ما شاء فكل الناس أفق من عمر حتى امرأة.
وقد تزوج عمر بن الخطاب أم كلثوم بنت علي رضي الله عنهم وأصدقها أربعين ألف درهم.
وتزوج طلحة بن عبيد الله أم كلثوم بنت أبي بكر رضي الله عنهم وأصدقها مائة ألف.
وتزود مصعب بن الزبير عائشة بنت طلحة وأصدقها ألف درهم.
وتزوجها بعده عمر بن عبيد الله بن معمر التميمي وأصدقها مائة دينار وحكي عن عمر بن شبة عن محمد بن يحيى أن مصعب بن الزبير تزوج بالبصرة سكينة بنت الحسين رضي الله عنهما وأصدقها ألف ألف درهم فقال عبد الله بن همام السلولي: أبلغ أمير المؤمنين رسالة من

ناصح لك لا يريد وداعًا.
بِضْع الفَنَاةِ بَأَلفِ أَلفِ كَامِلٍ وَتَبِيت سَادَاتُ الجُنُود جِياعَا تَوْلَا أَبُو حَفْص أَقُولُ مَقَالَتِي وَأَبِث مَا حَدَّثْتُه لارْتَاعَا فصل فأما أقل الصداق فقد اختلف فيه الفقهاء فمذهب الشافعي رحمه الله أنه غير مقدر أن كل ما جاز أن يكون ثمنًا أو مبيعًا أو أجره أو مستأجرًا فجاز أن يكون صدقًا قل أو كثر.
وبه قال من الصحابة: عمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس حتى قال: عمر في ثلاث قبضات من زبيب مهرًا.
وبه قال من التابعين: الحسن البصري وسعيد بن المسيب حتى حكي أن سعيدًا زوج بنته على صداق درهمين.
وبه قال مالك أقل الصداق ما تقطع فيه اليد ربع درهم أو ثلاثة دراهم.
وقال ابن شبرمة أقله خمسة دراهم أو نصف دينار.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: أقله دينار أو عشرة دراهم فإن عقده بأقل من عشرة صحت التسمية وكملت عشرة ومنعت من مهر المثل إلا زفر وحده فإنه أبطل التسمية وأوجبت مهر المثل.
وقال إبراهيم النخعي: أقله أربعون درهمًا.
وقال سعيد بن جبير: أقله خمسون درهمًا.
واستدل أبو حنيفة بقول الله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: 24] ولا يطلق اسم الأموال على ما قل من الدانق والقيراط فلم يصح أن يكون ذلك ابتغاء بمال.
وروى بشر بن عبيد عن الحجاج بن أرطأة عن عطاء عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تنكحوا النساء إلا الأكفاء، ولا يزوج إلا الأولياء، ولا مهر أقل من عشرة دراهم" وهذا نص.
ولأنه مال يستباح به عضو فوجب أن يكون مقدرًا كالنصاب في قطع السرقة.
ولأن أحد يدلي النكاح فوجب أن يكون مقدرا كالبضع ولأن ما كان من حقوق العقد يقدر أقله كالشهود.
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237]. ومن الآية دليلان:

أحدهما: عام وهو قوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] فكان على عمومه من قليل أو كثير.
والثاني: خاص وهو أنه إذا فرض لها خمسة دراهم وطلقها قبل الدخول اقتضى أن يجب لها درهمان ونصف وعند أبي حنيفة يجب لها الخمسة كلها وهذا خلاف النص.
وروى عبد الرحمن بن البيلماني عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أدوا العلائق قالوا: يا رسول الله وما العلائق قال: "ما ترضى به الأهلون" فكان على عمومه فيما تراضوا به من قليل وكثير.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من استحل بدرهمين فقد استحل" يعنى فقد استحل بالدرهمين.
وروى أبو هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا جناح على امرئ أنه يصدق امرأة قليلًا أو كثيرًا إذا شهد وتراضوا".
وروى عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه، أن امرأة تزوجت على نعلين فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أرضيت من نفسك ومالك بهاتين النعلين؟ " فقالت: نعم فأجازه.
وروى أبو حازم عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل خطب منه المرأة التي بذلت نفسها له "التمس لو خاتمًا من حديد".
والخاتم من الحديد أقل الجواهر قيمة فدل على جواز القليل من المهر فإن قيل: فقد يجوز أن يكون من حديد صيني يساوي عشرة دراهم ويكون ثمن النعلين عشرة دراهم.
قليل: لو كان ذلك مخالفًا للعرف المعهود لنقل وليس في العرف أن يساوي نعلان في المدينة وخاتم من حديد عشرة دراهم.
على أن قوله: التمس ولو خاتمًا من حديد: على طريق التقليل ولو أراد ما ذكروه من الصفة المتقدرة لكان عدوله إلى العشرة المقدرة أسهل وأفهم فبطل هذا التأويل.
وروى يونس بن بكير عن صالح بن مسلم بن رومان عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لو أن رجلًا أعطى امرأة صداقًا ملء يديه طعام كانت به حلالًا".

وروى قتادة عن عبد الله بن المؤمل عن جابر قال: إنا كنا لننكح المرأة على الحفنة أو الحفنتين من دقيق! وروى قتادة عن أنس بن مالك قال: تزوج عبد الرحمن بن عوف امرأة من الأنصار على وزن نواة من ذهب قومت ثلاثة دراهم وهذه كلها نصوص لا يجوز خلافها.
ويدل عليه من طريق القياس: هو أن كل ما صلح أن يكون ثمنًا صلح أن يكون مهرًا كالعشرة ولأنه عند ثبت فيه العشرة عوضًا فصح أن يصبت دونها عوضًا كالبيع ولأنه عوض على على إحدى منفعتيها فلم يتقدر قياسًا على أجرة منافعها ولأن ما يقابل البضع من البدل لا يتقدر في الشرع كالخلع ولأن كل عوض لا يتقدر أكثر لا يتقدر أقله قياسًا على جميع الأعواض ولا يدخل عليه الجزية لأنها ليست عوضًا.
فأما الجواب عن الآية فمن وجهين: أحدها: أن ظاهرها متروك بالإجماع لأنه لو نكحها بغير مهر حلت.
والثاني: أن ما دون العشرة مال ألا تراه لو قال: له عليّ مال ثم بيّن درهمًا أو دانقًا قبل منه فدلت الآية على جوازه في المهر.
وأما الجواب عن حديث جابر فمن وجهين: أحدهما: أنه ضعيف لأنه رواية مبشر بن عبيد وهو ضعيف عن الحجاج بن أرطأة وهو مدلس.
وقد روينا عن جابر من طريق ثابتة قولًا مسندًا وفعلًا منتشرًا ما ينافيه فدل على بطلانه.
والثاني: أنه يستعمل إن صح في امرأة بعينها كان مهر مثلها عشرة فحكم لها فيه بالعشرة.
وأما قياسهم على القطع في السرقة فقولهم: مال يستباح به البضع فاسد من أربعة أوجه: أحدها: أنه لا يستباح القطع في السرقة بالمال وإنما يستباح بإخراجه.
والثاني: أنه لو استبيح بالمال لما لزم رد المال ورد المال لازم.
والثالث: أنه ليس يستباح به العضو وإنما يقطع به.
والرابع: أن عقد النكاح لا يختص باستباحة عضو بل يستباح به جميع البدن فبطل التعليل بما قالوه.
ثم المعنى في قطع السرقة أنه عن فعل كالجنايات فجاز أن يكون مقدرًا كسائر الجنايات والمهر عوض في عقد مراضاة فلم يتقدر كسائر المعاوضات وأما قياسهم على ما في مقابلته من البضع المقدر: ففاسد بالبدل في الخلع هو غير مقدر وإن كان في مقابلة بضع مقدر ثم المعنى في البضع أنه صار مقدرًا لأنه لا يتجزأ، فصار مقدرًا لا يزيد ولا ينقص والمهر يتجزأ فصح أن يزيد وصح أن ينقص.

وأما قياسهم على الشهادة فالمعنى فيها أنها من شروط العقد فتقدرت كما تقدرت بالزوج والولي وليس كالمهر الذي هو من أعواض المراضاة ولو تقدر لخرج أن يكون عن مراضاة.
فصل: فإذا ثبت أن أقل المهر وأكثره غير مقدر فهو معتبر بما تراضى عليه الزوجات من قليل وكثير وسواء كان أكثر من مهر المثل أو أقل إذا كانت الزوجة جائزة الأمر.
فإن كانت صغيرة زوجها أبوها لم يجز أن يزوجها بأقل من مهر مثلها لأنه معاوص في غيره فروعي فيه عوض المثل كما يراعى في بيعه لما لها ثمن المثل وإن لم يراع ذلك في بيعها لنفسها.
والأولى أن يعدل الزوجان عن التناهي في الزيادة التي يقصر العمر عنها وعن التناهي في النقصان الذي لا يكون له في النفوس موقع وخير الأمور أوساطها.
وأن يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم في مهور نسائه طلبًا للبركة في موافقته وهو خمسمائة درهم على ما روته السيدة عائشة رضي الله عنها.
وقد جعل عبد الملك بن مروان مهور الشريفات من نساء قومه أربعة آلاف درهم اقتداء بصداق أم حبيبة.
وقد روى مجاهد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خيرهن أيسرهن صداقًا".
وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أعظم النساء بركة أحسنهن وجهًا وأقلّهن مهرًا".
وروى ابن جريج عن ابن حسين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تياسروا في الصداق فإن الرجل ليعطي المرأة يبقى ذلك في نفسك عليها حسكة" وفي الحسيكة وجهان: أحدهما: العداوة، والثاني: الحقد.
فصل: ويجوز الصداق عينًا حاضرة ودينًا في الذمة: حالًا ومؤجلًا ومنجمًا وأن يشترط فيه رهن وضامن كالأثمان والأجور والله أعلم.

باب الجعل والإجارة

مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "وَإِذَا أَنْكَحَ صلى الله عليه وسلم بِالقُرْآنِ فَلَوْ نَكَحَهَا عَلَى أَنْ يُعَلِّمَهَا قُرْآنًا".

قال في الحاوي: وهذا كما قال يجوز أن يتزوجها على تعليم القرآن فيكون تعليم القرآن مهرًا لها.
وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجوز.
واستدلالًا بقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: 24] وليس تعليم القرآن حالًا فلم يصح ابتغاء النكاح به.
وما روي عن أبي بن كعب أنه قال: لقنت رجلًا من أهل الصفة قرآنًا فأعطاني قوسًا فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: "أتحب أن يقوسك الله بقوس من نار؟ قلت: لا، قال: فاردده" فلو جاز أخذ العوض عليه لما توعده عليه فدل تحريمه أن يأخذ عليه عوضًا على تحريم أن يكون في نفسه عوضًا.
ولأن كل ما لم يكن مالًا ولا في مقابلته قال لم يجز أن يكون مهرًا قياسًا على طلاق ضرتها، وعتق أمته.
قالوا: ولأن تعليم القرآن فرض يجز أخذ العوض عليه كسائر الفروق ودليلنا ما رواه الشافعي عن مالك عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله قد وهبت نفسي لك وقامت قيامًا طويلًا فقال رجل فقال يا رسول الله إن لم يكن بك إليها حاجة فزوجنيها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل عندك شيء تصدقها؟ فقال: ما عندي إلا إزاري هذا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أخذته منك عريت وإن تشقه عريت فالتمس شيئًا ولو خاتمًا من حديد فالتمس فلم يجد شيئًا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل معك من القرآن شيء؟ قال: نعم سورة كذا وسورة كذا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد زوجتكما بما معك من القرآن" وهذا نص.
وروى عطاء عن أبي هريرة أن امرأة جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرضت نفسها عليه فقال: اجلسي بارك الله فيك ثم دعا رجلًا فقال: إني أريد أزوجكها إن رضيت فقال: ما رضيت لي يا رسول فقد رضيت فقال: هل عندك من شيء؟ فقال: لا والله فقال: ما تحفظ من القرآن؟ فقال: سورة البقرة والتي تليها فقال: قم فعلمها عشرين آية وهي امرأتك".
فإن قيل: وهو تأويل أبو جعفر الطحاوي معنى قوله: "قد زوجتكها بما معك من القرآن" أي لأجل فضيلتك بما معك من القرآن قيل عن هذا جوابان: أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "التمس ولو خاتمًا من حديد" ليكون صداقًا فلما لم يجد جعل القرآن بدلًا منه فاقتضى أن يكون صداقًا.

والثاني: إن هذا التأويل يدفعه حديث أبو هريرة لأنه قال: قم فعلمها عشرين آية وهي امرأتك.
فإن قالوا: وهذا تأويل مكحول أن هذا خاص لرسول الله صلى الله عليه وسلم قيل عنه جوابان: أحدهما: أنه لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المتزوج بها فيصير مخصوصًا بذلك وإنما كان مزوجًا لها فلم يكن مخصوصًا.
والثاني: أن ما خص به رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتاج إلى دليل يدل على تخصيصه وإلا كان فيه مشاركًا لأمته.
فإن قيل: فقوله: "قد زوجتكها بما معك من القرآن" مجهول وكذلك قوله في حديث أبي هريرة: "قم فعلمها عشرية آية" هي مجهولة ولا يجوز لها رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقًا مجهولًا قيل عنه جوابان: أحدهما: أنه كان معلومًا لأنه سأل الرجل عما معه من القرآن فذكر سورًا سماها فقال: زوجتكها بما معك من القرآن يعني السور المسماة وقوله في حديث أبي هريرة "عشرين آية" يعني السورة التي ذكرها وذلك يقتضي في الظاهر أن يكون من أولها فصار الصداق معلومًا.
والثاني: أن المقصود بهذا النقل جواز أن يكون تعليم القرآن صداقًا فاقتصر من الرواية على ما دل عليه وأمسك عن نقل ما عرف دليله من غيره.
ويدل عليه من طريق القياس أن كل منفعة صح أن يبذلها الغير عن الغير تبرعًا جاز أن يبذلها مهرًا قياسًا على سائر الأعمال المباحة ولا يدخل عليه عسيب الفحل لأن المقصود منه الماء وهو عين وليست بمنفعة.
فأما الاستدلال بالآية: فنحن نقول بنطقها وهم لا يقولون بدليلها ونحن وإن قلنا بدليل الخطاب فقد نقلنا عنه نطق دليل آخر وأما الخبر فقد روي عن أبي بن كعب تارة وعن عبادة بن الصامت أخرى وحديث عبادة أثبت وأيهما صح ففيه جوابان: أحدهما: أنه يجوز أن يكون تعليمه للقرآن قد تعين عليه فرضه فلم يجز أن يعتاض عنه.
والثاني: أنه أخذه من غير شرط فلم يستحقه.
وأما قياسهم على طلاق امرأته وعتق أمته فالمعنى فيه أنه لا ينتفع بتعليم القرآن فجاز أن يكون صداقًا.
فإن قيل: فهي تنفتع بطلاق زوجته أو عتق أمته لأنه ينفرد بها.
قيل ما تستحق من النفقة والكسوة مع الضرة والأمة مثل ما يستحقه منفردة فلم يعد عليها منه نفع.
وأما قياسهم على الصلاة والصيام بعلة أنه قربه فمنتقص بكتب المصاحف وبناء المساجد يجوز أن يكون مهرًا وإن كان قربة.
ثم المعنى في الصلاة والصيام أن النيابة فيهما لا تصح وأن نفعهما لا يعود على

غير ما وعليهما وليس كتعليم القرآن الذي يصح فيه النيابة ويعود نفعه على غيرنا علة.
وأما قولهم أنه فرض فلم يجز أخذ العوض عنه: فهو أنه إن كان فرضًا فهو من فروض الكفايات ويجوز أن تؤخذ الأجرة فيما كان من فروض الكفايات كغسل الموتى وحمل الجنائز وحفر القبور.
فصل: فإذا تقرر تعليم القرآن يجوز أن يكون صداقًا فلا بد أن يكون ما أصدقها منه معلومًا تنتفي عنه الجهالة لأن الصداق المجهول لا يصح.
وإن كان كذلك فله ثلاثة أحوال: أحدها: أن يصدقها تعليم جميع القرآن.
والثاني: تعليم سورة منه.
والثالث: تعليم آيات منه.
الحالة الأولى: أن يصدقها تعليم جميع القرآن فإن أصدقها تعليم جميع القرآن فجميعه معلوم وعليه أن يذكر بأي قراءة يلقنها فإن حروف القراء مختلفة في الألفاظ والمعاني والسهولة والصعوبة.
فإن ذكر قراءة معينة لم يعدل بها إلى غيرها وإن أطلق ولم يعين ففي الصداق وجهان: أحدهما: أنه صداق باطل لاختلاف القراءات من الوجوه التي ذكرناها فصار مجهولًا كما لو أصدقها ثوبًا فعلى هذا يكون لها مهر مثلها.
والثاني: أنه صداق جائز لأن كل قراءة تقوم مقام غيرها.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "نزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف" وكما لو أصدقها قفيزًا من صبرة جاز وإن لم يعين مكان من الصبرة لتماثلها فعلى هذا يكون فيما يلقنها به من الحروف وجهان: أحدهما: وهو قول أصحابنا البصريين: أنه يلقنها بالأغلب من قراءة البلد كما لو أصدقها دراهم كانت من غالب دراهم البلد.
والثاني: وهو قول بعض أصحابنا البغداديين: أنه يلقنها بما شاء من القراءة المفردة أو بالجائز وأن كل قراءة تقوم مقام غيرها.
والحالة الثانية: أن يصدقها تعليم سورة من القرآن وإن أصدقها تعليم سورة من القرآن فلا يصح حتى تكون السورة معلومة لاختلاف السور بالطول والقصر وأن فيها المشتبه وغير المشتبه فإن عين السورة كان الكلام في حروف القراءة على ما مضى.

الحالة الثالثة: أن يصدقها تعليم آيات من القرآن.
وان أصدقها تعليم آيات من القرآن.
فصحة ذلك معتبرًا بأربعة شروط: أحدهما: أن تكون السورة معلومة فإن كانت مجهولة لم يجز وكان الصداق باطلاً.
والثاني: أن تكون الآيات من السورة معلومة مثل أن يقول: عشر آيات من أول سورة البقرة أو من رأس المائدة أو عشر الطلاق فإن أطلق عشر آيات من سورة البقرة ففيه وجهان: أحدهما: باطل للجهل بتعيينها.
والثاني: جائز ويتوجه ذلك إلى عشر آيات من أولها اعتبارا بعرف الإطلاق وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل: "قم فعلمها عشرين آية" ولم يعين.
والثالث: أن يكون باذلاً أقصر سورة في القرآن وهي الكوثر ثلاث فصاعدًا ليكون قدرًا يختص بالإعجاز فإن كان أقل من ذلك لم يجز لأنه لا يختص بالإعجاز وتعيين القرآن يقتضي وجود الإعجاز.
والرابع: وهو حرف القراءة وذلك يختلف بحب اختلاف الآيات المشروطة فإن كانت حروف القراءة فيها لا تختلف أو كان اختلافها يسيرًا لا يؤثر في زيادة الحروف ونقصانها لم يلزم شرطه وإن كان بخلاف ذلك فهو على ما مضي من الوجهين: فأما إن أصدقها أن يعلمها القرآن شهرًا جاز وإن لم يعين السور والآيات لأن التعليم قد صار بتقدير المدة معلومًا وان عينه مجهولاً فصار بمنزلة قوله على أن أخدمك شهرًا فيجوز وإن لم يعين الخدمة كما يجوز إذا أطلق المدة وعين الخدمة ثم لها أن تأخذه بتعليم ما شاءت من القرآن لا بما شاء الزوج كمن استؤجر لخدمة شهر كان للمستأجر أن يستخدمه فيما شاء دون المؤجر.
فصل: فأما صفة التعليم فعليه أن يعلمها السورة آية بعد أية حتى إذا حفظت الآية بها إلى ما بعدها حتى تختم السورة.
وليس عليه إذا حفظت السورة أن يدرسها إياها لأن التدريس من شروط الحفظ لا من شروط التعليم فلو شرطت عليه حفظ القرآن لم يجز لأن حفظه إلى الله تعالى لا إليه.
وإذا كان كذلك فلها أربعة أحوال: أحدها: أن يعلمها فتحفظ ما علمها بأيسر تعليم وأسهله فهو المقصود وقد وفي ما عليه.
والثاني: أن يعلمها فتتعلم في الحال ثم تنسى ما تعلمته فهذا على ثلاثة أقسام: أحدها: أن تتعلم جميع السورة ثم تنساها فقد استقر التسليم ووفي ما عليه من التعليم فلا يلزمه أن يعلمها ثانية.

والثاني: أن يلقنها منه يسيرًا لا يختص بالإعجاز كبعض آية فالتسليم لم يستقر وعليه أو يعلمها.
والثالث: أن يعلمها قدر ما يتعلق به الإعجاز ففيه وجهان: أحدهما: أنه تسليم مستقر لجواز أن يكون هذا القدر بانفراده مهرًا فعلى هذا لا يلزمه تعليمها ثانية.
والثاني: أنه تسليم غير مستقر لأنه بعض جملة غير متميزة فعلى هذا يلزمه تعليمها ثانية.
والحال الثالث: أن يعلمها فتكون بليدة قليلة الذهن لا تتعلم إلا بمشقة وعناء فهذا عيب يكون الزوج فيه مخيرًا بين المقام عليه وبين أن يفسخ فيعدل إلى بدله وفي بدله قولان: أحدهما: وهو القديم: أجرة مثل التعليم.
والثاني: وهو الجديد: عليه مهر المثل وسنذكر توجيه القولين من بعد.
والحال الرابعة: أن تكون ممن لا تقدر على تعليم القرآن بحال ففي الصداق وجهان: أحدهما: باطل لتعذره وإعوازه وفيما تستحقه قولان على ما مضى.
والثاني: جائز وتأتي بغيرها حتى يعلمه لأن من له حق إذا عجز عن استيفائه بنفسه استوفاه بغيره ولا خيار لها لأن العيب من جهتها وهل للزوج الخيار أم لا؟ على وجهين: أحدهما: لا خيار له لأنه تعليم قد استحقته لنفسها فجاز أن تستوفيه بغيرها كسائر الحقوق.
والثاني: له الخيار في المقام أو الفسخ لأنه يستلذ من تعليمها ما لا يجوز أن يستلذ من تعليم غيرها فإن فسخ ففيما يلزمه قولان: أحدهما: أجرة مثل التعليم.
والثاني: مهر المثل.
فلو أرادت وهي قادرة على تعليم القرآن أن تأتيه بغيرها ليعلمه بدلاً منها فإن راضاها الزوج على ذلك جاز وإن امتنع ففي إجباره على ذلك وجهان وتعليلهما ما ذكرنا.
ولو لم يعلمها القرآن حتى تعلمته من غيره فقد فات أن تستوفيه بنفسها فيكون على ما ذكرنا من الوجهين: أحدهما: تأتيه بغيرها حتى يغيرها حتى يعلمها القرآن.
والثاني: قد بطل الصداق وفيما تستحقه قولان: أحدهما: أجرة مثل التعليم.

والثاني: مهر المثل.
فصل:

وإذا أصدقها تعليم القرآن وهو لا يحفظ القرآن فهذا على ضربين: أحدهما: أن يجعل ذلك في ذمته مثل أن يقول: على أن أحصل لك تعليم القرآن فذا صداق جائز وإن كان لا يحسن القرآن وعليه أن يستأجر لها من يعلمها القرآن إما من النسا، أو من ذوي محارمها من الرجال وعلى هذا لو كان يحفظ القرآن كان مخيرًا بين أن يعلمها بنفسه أو يستأجر من يعلمها.
والثاني: أن يكون تعليم القرآن معقودًا عليه في عينه مثل أن يقول: على أن أعلمك القرآن نظر.
فإن كان يحسن الكتابة جاز فإنه يقدر على تعليمها من المصحف وان كان لا يحسن الكتابة ففي جوازه وجهان: أحدهما: يجوز كما لو أصدقها ألفا درهم لا يملكها جاز لأنه قد يجوز أن يملكها كذلك القرآن وإن كان لا يحفظه فقد يجوز أن يحفظه فيعلمها.
والثاني: لا يجوز ويكون الصداق باطلاً لأنه منفعة من معين ليست في ملكه فلم يجز أن يكون صداقًا كما لو أصدقها صدقة عبد لا يملكه كان باطلاً وإن جاز أن يملك العبد أو يستأجره.
وخالف أن يصدقها ألف درهم لا يملكها لأن الألف غير معينة.
والمنفعة ههنا معينة ألا تراه لو باع سلمًا ثوبًا موصوفًا في ذمته وهو لا يملك جاز لو باع ثوبًا معيبًا لا يملكه لم يجز.
فإذا تقرر: ما ذكرنا من الوجهين: فإن قيل بالوجه الأول أن الصداق جائز كانت الجنازتين أن تصبر عليه حتى يتعلم القرآن فيعلمها وبين أن تتعجل الفسخ وترجع عليه بأجرة مثل التعليم في أحد القولين وبمهر المثل في القول الثاني فلو قال لها: أنا أستأجر لك من يعلمك لم يلزمها ذلك لأن المنفعة مستحقة منه في عينه كما لو أجره عبدًا فزمن بطلت الإجارة ولم يكن له أن يقيم عبدًا غيره وخالف أن تريد إبطال نفسها بغيرها فيكون لها ذلك في أحد الوجهين.
والفرق بينهما: أنه لا حق لها فجاز أن تكون مخيرة في استيفائه وهو مستحق على الزوج فلم يكن مخيرًا في أدائه.
وإن قيل بالوجه الثاني أن الصداق باطل فلا فرق في بطلانه بين أن يتعلم القرآن من بعد أو لا يتعلمه وفيما ترجع به عليه قولان على ما مضى.
أحدهما: أجرة المثل.
والثاني: مهر المثل.

فصل: وإذا تزوج مسلم ذمية على تعليمها القرآن نظر: فإن كان قصاها الاهتداء به واعتبار إعجازه ودلائله جاز وعليه تعليمها إياه كالمسلمة.
وإن كان قصاها الاعتراض عليه والقدح فيه لم يجز وكان صداقًا باطلاً لما يلزم هن صيانة القرآن عن القدح والاعتراض.
وإن لم يعرف قصدها فهو جائز في ظاهر الحال لأن القرآن هداية وإرشاد ثم يسير بحث حالها في وقت التعليم فإن عرف منها مبادئ الهداية: أقام على تعليمها وان عرف منها مبادئ الاعتراض والقدح فسخ الصداق وعدل إلى بدله من القولين: أحدهما: أجرة المثل.
والثاني: مهر المثل.
فصل: إذا تزوج الذمي على أن يعلمها التوراة والإنجيل كان صداقًا فاسدًا لأنهما قد غيرا وبدلا فإن تحاكما إلينا قبل التعليم أبطلناه وإن تحاكما بعد التعليم أمضيناه كما لو أصدقها خمرًا أو خنزيرًا فتقابضا.
ولو تزوج مسلم ذمية على تعليم التوراة والإنجيل أبطلناه قبل التعليم وبعده.
والفرق بين المسلم والذمي: أن أهل الأمة يرونه جائزًا فأمضى منه ما تقابضاه ونحن نراه باطلاً فأبطلناه وإن تقابضاه.
فصل: وإذا تزوجها على تعليم الشعر: فإن كان الشعر غير معين لم يجز وكان صداقًا فاسدًا للجهالة به وان كان معينًا نظر: فإن كان هجاء وفحشًا لم يجز وكان لها مهر المثل لم يجز وكان مهر المثل وإن كان زهدًا وحكمًا وأمثالاً وأدبًا جاز أن يكون صداقًا.
حكي أن المزني سئل عن تعليم الشعر أيجوز أن يكون صداقًا فقال: إن كان كقول الشاعر: يود المرء أن يعطي مناه ويأبى الله إلا ما أراد يقول المر، فائدتي ومالي وتقوى الله أفضل من استفادا وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن من الشعر لحكمة وإن من البيان سحرًا" جاز أن يكون صداقًا والله أعلم.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "أَوْ يَاتِيَهَا بِعَبْدِهَا الآبِقِ فَعَلَّمَهَا أَوْ جَاءَهَا بِالآبِقِ".

قال في الحاوي: يجوز أن تكون منافع العبد والحر صداقًا لزوجته مثل أن يتزوجها على أن يخدمها شهرًا أو يبني لها دارًا أو يخيط لها ثوبًا أو يرعى لها غنمًا.
وقال مالك: لا يجوز أن تكون منافع الحر والعبد صداقًا.
وقال أبو حنيفة: يجوز أن تكون منافع العبد صداقًا ولا يجوز أن تكون منافع الحر صداقًا.
استدلالاً بقوله تعالى: ﴿وأُحِلَّ لَكُم مَّا ورَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ﴾ [النساء:24] وليس هذا مال فيصح ابتذال النكاح به ولأن تسليم المنفعة لا يصح إلا بتسليم الرقبة وليست رقبة الحر مالاً فلم يجب بتسليم منفعته تسليم حال فلذلك لم يجز أن يكون صداقًا ورقبة العبد حال موجب بتسليم منفعته تسليم مال فجاز أن لحون صداقًا.
ودليلنا: قول الله تعالى في قصة شعيب حين تزوج موسى بابنته ﴿إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَاجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص:27] يعني عمل ثماني حجج فأسقط ذكر العمل واقتصر على المدة لأنه مفهوم بينهما والعمل رعي الغنم فجعل رعي موسى ثماني سنين صداقًا لبنته وهذا نص.
فإن قيل: فهذا في غير شريعتنا فلم يلزمنا.
قيل: شرائع من تقدم من الأنبياء لازمة لنا على قول كثير من أصحابنا فلم يرد فسخ.
فإن قيل: فهذا مفسوخ لأن شرط صداقها لنفسه وقد فسخ الله تعالى ذلك في شريعتنا بقوله سبحانه: ﴿وآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَة﴾ [النساء: 4] قيل عنه جوابان: أحدهما: أنه أضاف ذلك إلى نغمه مجازًا لقيامه فيه بنفسه وإلا فهو ملك لها دونه.
والثاني: أنه ليس نسخ حكم من أحكامه دليلاً على نسخ جميع أحكامه كما لم يكن نسخ استقبال بيت المقدس دليلاً على نسخ الصلاة التي كانت إلى بيت المقدس.
فإن قيل: فشعيب جعل المنفعة مقدرة بمدتين ومثل هذا لا يجوز في شريعتنا.
قيل: المنفعة مقدرة بمدة واحدة وهى ثمان سنين قال ابن عباس: كانت على نبي الله موسى ثماني حجج واجبة وكانت سنتان عدة منه فقضى الله عنه عدته فأتمها عشرًا.
ومن طريق القياس أنها منفعة تستحق بعقد الإجارة فصح أن تثبت صداقًا كمنافع العبد، ولأنه عقد يصح على منفعة العبد فصح على منفعة الحر كالإجازة ولأن كل ما صح أن يثبت في مقابلة منافع العبد صح أن يثبت في مقابلة منافع الحر كالدراهم.
أما الآية فقد تقدم الجواب عنها.
وأما قولهم إنها منفعة لا تجب بتسليمها تسليم مال فخطأ لأن الرقبة ليست في مقابلة العوض فيراعى أن يكون مالاً وإنما العوض في مقابلة المنفعة فلم يؤثر فيها أن تكون الرقبة مالاً أو غير مال فالإجارة على منافع الحر كالإجارة على منافع العبد وإن لم

تكن رقبة الحر مالاً وكانت رقبة العبد مالاً فكذلك الصداق وعلى أنه لو أصدقها منافع أم ولده أو منافع وقفه جاز وإن لم تكن الرقبة مالأً.
فصل: فإذا تقرر ما وصغنا فصورة مسألتنا في رجل تزوج امرأة وجعل صداقها أن يأتيها بعبدها الآبق فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون العبد معروف المكان تصح الإجارة على المجيء به فهذا صداق جائز لأن ما جازت عليه الإجارة جاز أن يكون صداقًا كسائر الأعمال.
والثاني: أن يكون غير معروف المكان فهذا لا تصح عليها الإجارة وتصح عليه الجعالة فلا يصح أن يكون صداقًا لأمرين: أحدهما: أنه مجهول المكان فيصير الصداق به مجهولاً والصداق المجهول باطل.
والثاني: أن المعاوضة عليه جعالة غير لازمة والصداق لازم فتنافيا فبطل.
فصل: فأما المزني فإنه قال: إذا أصدقها أن يجيئها بعبدها الآبق ما يدل على أنه صداق جائز؛ لأنه قال: فإن طلقها قبل الدخول فلها نصف أجرة المجيء بالآبق.
فاختلف أصحابنا هل أشار بذلك إلى الضرب الأول إذا كان معروف المكان أو إلى الضرب الثاني إذا كان مجهول المكان؟ فقال بعضهم: أراد به ضرب الأول مع العلم بمكان الآبق فعلى هذا يكون موافقًا للشافعي ولسائر أصحابه.
وقال آخرون: بل أراد به الضرب الثاني إذا كان مجهول المكان وكانت المعاوضة عليه جعالة فعلى هذا يكون مخالفًا للشافعي لأنه قد نص على بطلان الصداق في كتاب الأم ومخالفًا لسائر أصحابنا لما ذكرنا من المعنيين في تعليل بطلانه والله أعلم.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ أَجْرِ التَّعْلِيم.
قَالَ المُزَنِيُّ: وَبِنِصْفِ أَجْرِ المَجِيءِ بِالآبِقِ فَإِنْ لَمْ يُعَلَّمْهَا أَوْ لَمْ يَاتِيهَا بِالآبِقِ رَجَعَتْ عَلَيْهِ بِنِصْفِ مَهْرٍ مِثْلِهَا؟ لأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْلُو بِهَا يُعَلِّمُهَا".
قال في الحاوي:- والكلام في هذه المسألة يشتمل على فصلين: أحدهما: إذا أصدقها تعليم القرآن ثم طلق.
والثاني: إذا أصدقها أن يجيئها بعبدها الآبق ثم طلق.

فأما الفصل الأول وهو أن يصدقها تعليم القرآن ثم طلق فهو على ثلاثة أقسام: الأول: أن يطلقها بعد تعليمها: أحدها: أن يطلق بعد أن علمها جميع القرآن فلا يخلو حال طلاقه من أحد أمرين: أما أن يكون قبل الدخول أو بعده.
فإن كان بعد الدخول: فقد استقر لها بالدخول جميع الصداق وقد وفاها إياه بتعليم جميع القرآن فلا تراجع بينهما بشيء.
وءن كان طلاقه قبل الدخول: فقد استحق أن يرجع عليها بنصف الصداق لقول الله تعالى: ﴿وإن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة:237] فإن كان عينًا حاضرة رجع بنصفها وإن كانت تالفة ولها مثل رجع بنصف مثلها وان لم يكن لها مثل: رجع بقيمة نصفها وليس تعليم القرآن عينًا حاضرة فيرجع بنصفها ولا هو مما له مثل فيرجع بمثل نصفه فلم يبق إلا أن يرجع بقيمة نصف وذلك نصف أجرة مثل التعليم.
فصل: القسم الثاني: أن يطلقها قبل أن يعلمها شيئًا من القرآن فينظر: فإن كان التعليم مشروطًا في ذمته استأجر لها من النساء ومن ذوي محارمها من الرجال من يعلمها على ما تستحقه من القرآن على ما سنذكره وإن كان التعليم مستحقًا عليه في عينه فقد اختلف أصحابنا هل يجوز له تعليمها بعد الطلاق أم لا؟ على وجهين: أحدهما: يجوز من وراء حجاب، كما يحوز سماع أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من النساء الأجانب وقد كانت نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثن من وراء حجاب.
والثاني: وهو الأصح لا يجوز لأمرين: أحدهما: ما في مطاولة كلامها من الافتتان بها.
والثاني: أنهما ربما هلو وهي محرمة عليه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ولا يخلون أحدكم بامرأة فإن الشيطان ثالثهما".
فإذا قلنا: إن تعليمها لا يجوز نظر حال الطلاق فإن كان بعد الدخول رجعت عليه في قوله القديم بأجرة المثل وفي قوله الجديد بمهر المثل وإن كان قبل الدخول: رجعت عليه في قوله القديم بنصف أجرة المثل وفي قوله الجديد بنصف مهر المثل.
وإن قلنا إنها تعلم القرآن لم يخل الطلاق من أن يكون قبل الدخول أو بعده فإن كان بعد الدخول فقد استقر لها جميع الصداق فعلى هذا يعلمها جميع القرآن.
فلو اختلف فقال قد علمتك القرآن وقالت: لم تعلمني فلا يخلو حالها من أن تكون حافظة للقرآن في الحال أو غير حافظة فإن كانت غير حافظة فالقول قولها مع يمينها وعليه تعليمها وإن

كانت حافظة وقالت حفظت منم غيرك ففيه وجهان: أحدهما: أن القول قولها أيضًا مع يمينها.
والثاني: أن القول قوله مع يمينه لأنه حفظها شاهد على صدقه وإن طلاقها قبل الدخول فلها نصف الصداق فعلى هذا اختلف أصحابنا في القرآن هل يتجزأ أم لا؟ على وجهين: أحدهما: أن يتجزي في كلماته وحروفه التي جزأها السلف عليها فعلى هذا يلزمه أن يعلمها نصف القرآن.
والثاني: أنه وإن تجزأ في كلماته وحروفه فليس يتماثل لما فيه من المتشابه وإن بعضه أصعب من بعض وسورة أصعب من صورة وعشر أصعب من عشر وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "شيبتني هود وأخواتها" فعلى هذا لا يلزمه إذا استحقت النصف أن يعلمها شيئًا منه لتعذر تماثله، وتراجع عليه بنصف أجرة التعليم على قوله في القديم وبمثل نصف مهر المثل على قوله في الجديد.
فصل: والقسم الثالث: أن يطلقها بعد أن علمها بعض القرآن وبقي بعضه فلا يخلو حال طلاقه من أحد أمرين: أما أن يكون قبل الدخول أو بعده.
فإن كان بعد الدخول: فقد استقر لها جميعه.
فإن قلنا يعلمها بعد الطلاق فعليه تعليمها ما بقي من القرآن حتى تستوفي به جميع الصداق.
وان قلنا: لا يجوز أن يعلمها بعد الطلاق ترتب ذلك على اختلاف أصحابنا في تجزئة القرآن.
فإن قلنا: إن متساوي الأجزاء سقط عنه من الصداق بقدر ما علم كأنه علمها النصف فيسقط عنه نصف المهر وترجع ببدل نصف الباقي على القولين: أحدهما: وهو في القديم: بنصف أجرة التعليم.
والثاني: وهو الجديد: بنصف مهر المثل.
وإن قلنا إنه غير متساوي الأجزاء: ترتب ذلك على اختلاف قوليه فيما ترجع به عليه من بقية صداقها فإن قيل بالقديم: أنها ترجع عليه بالباقي من أجرة مثل التعليم سقط ههنا عنه الصداق بقدر أجرة ما علم وبني لها عليه بقدر أجرة مثل ما بقي على ما سنذكره من

تقسيط ذلك على الأجرة لا على الأجزاء.
وان قيل بالجديد: إنها ترجع عليه بالباقي من مهر مثلها سقط عنه من النصف نصفه وهو الرابع لأن أجزاء النصف الذي علمها قد لا تماثل أجزاء النصف الباقي لها فلذلك سقط عنه نصف ما علمها وهو الربح لأنه مماثلة لحقها ورجع عليها بأجرة نصف ما عليها وهو الربح ورجعت هي عليه بالباقي لها وهو ثلاثة أرباع مهر المثل.
وإن كان الطلاق قبل الدخول فلها نصف الصداق ولا يخلو ما علمها من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون قد علمها منه النصف.
والثاني: أقل من النصف.
فإن علمها منه النصف: ترتب ذلك على اختلاف أصحابنا في تساوي الأجزاء فإن قيل إنها متساوية فقد استوفت بالنصف حقها ولا تراجع بينهما وإن قيل إنها مختلفة ترتيب ذلك على اختلاف قوليه فيما رجح به عند فوات الصداق: فإن قيل في القديم: إنها ترجع بأجرة التعليم تقسط ذلك على الأجرة لا على الأجزاء.
مثاله: أن يقول كم تساوي أجرة مثل تعليم القرآن؟ فإن قيل: عشرة دنانير.
قيل: فكم تساوي أجرة مثل النصف الذي علمها؟ فإن قيل: ستة دنانير لأنه أصعب النصفين صارت مستوفية لأكثر من حقها فيرجع عليها بالفاضل وهو دينار وإن قيل أجرة النصف الذي علمها أربعة دنانير لأنه أخف النصفين صارت آخذة أقل من حقها فترجع عليه بالباقي وهو دينار.
فأما إذا قيل بالجديد: أنها ترجع بمهر المثل سقط من النصف الذي علمها نصفه وهو الربع ورجع عليها بأجرة تعليم الربع.
ورجعت عليه بربع مهر مثلها.
فإن كان قد علمها أكثر من النصف كأنه علمها الثلثين من القرآن فإن قلنا: أنه متساوي الأجزاء: فقد استوفت بالنصف منه حقها وكان له أن يرجع عليها بأجرة مثل الباقي وهو السدس وإن قلنا أنه غير متساوي الأجزاء ترتب على ما ذكرناه من القولين: فإن قيل بالقديم: إن الرجوع يكون بأجرة المثل نظر أجرة مثل التعليم فإذا قيل عشرة دنانير: نظر أجرة مثل الثلثين الذي علمها فإن كانت خمسة دنانير فقد استوفت حقها ولا تراجع بينهما، وإن كانت سبعة رجح عليها بدينارين وإن كانت أربعة ورجعت عليه بدينار وإن قيل بالجديد: إن الرجوع يكون بمهر المثل سقط عنه من الصداق الثلث وهو نصف ما علم ورجع عليها بأجرة مثل الثلث الباقي ورجعت عليه بتمام النصف من صداقها وهو سدس مهر المثل.
وإن كان قد علمها أقل من النصف كأنه علمها الثلث.
فإن قلنا: إن القرآن متساوي الأجزاء وأنه يجوز أن يعلمها بعد الطلاق فعليه أن يعلمها تمام النصف وقد استوفت.
وإن قلنا: إنه متساوي الأجزاء وأنه لا يجوز أن يعلمها سقط عنه من الصداق بقسط

ما علم وهو الثلث وبقي لها تمام النصف وهو الدس فترجع عليه في قوله القديم بالسدس من أجرة المثل وعلى قوله في الجديد بالسدس من مهر المثل.
وإن قلنا: إن القرآن غير متساوي الأجزاء ترتب على ما ذكرنا من القولين.
فإن قيل: إن الرجوع يكون بأجرة المثل قومت أجرة الجميع على ما وصفنا فإذا قيل: عشرة نظرت أجرة الثلث فإن قيل: خمسة فقد استوفت وإن قيل: ثلاثة رد عليها دينارين وإن قيل: ستة ردت عليه دينارًا.
وإذا قيل: إن الرجوع يكون بمهر المثل سقط عنه من الصداق نصف الثلث وهو السدس ورجع عليها بأجرة مثل السدس الباقي ورجعت عليه ببقية النصف من الصداق وهو ثلث مهر المثل.
فصل: وأما الفصل الثاني منهما وهو: أن يصدقها المجيء بعبدها الأبق ثم يطلقها فيترتب ذلك على ما ذكرنا من الضربين في صحة الصداق وفساده.
فإن كان على الضرب الذي يكون فيه الصداق صحيحًا بأن يكون مكان العبد معلومًا فلا يخلو حاله من أحد أمرين: إما أن يكون قد جاءها بالعبد الآبق أو لم يجيئها به.
فإن كان قد جاءها بعبدها فلا يخلو حال طلاقه من أحد أمرين: إما أن يكون قبل الدخول أو بعده.
فإن كان بعد الدخول: فقد استكملته واستوفته فلا تراجع بينهما.
وان كان قبل الدخول فلها نصفه وقد استوفت جميعه فله أن يرجع عليها بنصف أجرة مثل المجيء بالآبق.
وإن لم يكن قد جاءها بالآبق ف يخلو طلاقه من أن يكون قبل الدخول أو بعده.
فإن كان بعد الدخول فقد استكملته وعليه أن يأتيها بالأبق ليوفيها الصداق.
وإن كان الطلاق قبل الدخول لم يلزمه أن يجيئها بالآبق لأنها لا تستحق جميع الصداق ويتبعض فيؤخذ بنصفه وإذا كان كذلك ففيما ترجع به عليه قولان: أحدهما: هو القديم بنصف أجرة المثل.
والثاني: وهو الجديد نصف مهر المثل.
وإن كان على الضرب الذي يكون الصداق فيه فاسدًا بأن يكون مكان العبد مجهولاً فلا يخلو أن يكون قد جاءها بالعبد أو لم يجيئها به.
فإن كان قد جاءها به فلا يخلو طلاقه من أن يكون قبل الدخول أو بعده.
فإن كان بعد الدخول كان لها أن ترجع عليه بمهر المثل قولاً واحدًا لفساد الصداق

ويرجع عليها بأجرةً مثل المجيء بالآبق فإن كان من جنس واحد تقاضاه على الصحيح من المذهب وترادًا الفضل إن كان.
وإن كان الطلاق قبل الدخول رجعت عليه بنصف مهر المثل ورجع بأجرة مثل المجيء بالآبق.
وإن لم يكن قد جاءها بالعبد الآبق حتى طلقها لم يخل أن يكون طلاقه بعد الدخول فترجع عليه بمهر المثل ولا يؤخذ بالمجيء بالعبد لفساد الصداق فيه أو يكون طلاقه قبل الدخول فترجع عليه بنصف مهر المثل.
قال المزني ههنا: أن بنصف أجرةً المجيء بالآبق من هذا التخريج قيل بتجويزه هذا الصداق وهو خطأ لما ذكرناه والله أعلم.
مسألة: قال المزني:" وَكَذَا لَوْ قَالَ نَكَحَتْ عَلَى خِيَاطَةِ ثَوْبِ بِعَيْنَه فَهَلَكَ الثَّوْبِ، فَلَهَا مَهْرَ مِثْلُهَا، وَهَذَا أَصَحَّ مِنْ قَوْلِهُ: لَوْ مَاتَ رَجَّعَتْ فِي مَالِهُ بأجر مِثْلُه فِي تَعْلِيمِهُ".
قال في الحاوي: وصورتها في رجل تزوج امرأةً وأصدقها خياطةً ثوب بعينه فهذا يجوز إذا وصفت الخياطةً كما يجوز أن يعقد عليه إجارةً فإن تجدد ما يمنع عن خياطته فعلى ضربين: أحدهما: أن يكون بتلف الثوب.
والثاني: أن يكون بعطلةً الزوج بزمانه أو عمى.
فإن تلف الثوب ففي بطلان الصداق وجهان: أحدهما: وهو الذي نصف عليه المزني ههنا: أن الصداق باطل لأنه معين في تالف فصار كما لو أصدقها حصاد زرع فهلك.
والثاني: أن الصداق جائز لأن الثوب مستوفي به الصداق ليس هو الصداق فصار كمن استأجر دارًا ليسكنها أو دابةً ليركبها فهلك قبل السكنى والركوب لم تبطل الإجارةً لهلاك من تستوفي به المنفعةً كذلك تلف الثوب قبل الخياطةً.
وهذان الوجهان مخرجان من اختلاف قوليه فيمن خالع زوجته على رضاع ولده فمات هل يبطل بموته أم لا؟ على قولين لأن الولد يستوفي به الرضاع المستحق.
وإن تعطل الزوج عن الخياطةَ بعمى أو بزمانه مع بقاء الثوب فإن كان الصداق في ذمته لزمه أن يستأجر من يقوم بخياطته ولا يبطل الصداق بزمانته.
وإن كان الصداق معقودًا عليه في به بطل بزمانته وعطلته لأن الصداق (مستوفى) منه

فبطل بتلفه كموت العبد المستأجر وانهدام الدار المكراةً فصار استيفاء الصداق متعلقًا بثلاثةً أشخاص: مستوفي له ومستوفي به ومستوفي منه.
فالمستوفي له: هي الزوجةً وموتها لا يؤثر في فساده.
والمستوفي منه: هو الزوج وموته في فساده.
والمستوفي به: هو الثوب وفي فساد الصداق بتلفه وجهان: فصل: فإذا تقررت هذه الجملة فإن قلنا: إن الصداق لا يبطل الثوب فلها أن تأتيه بثوب مثله حتى يخيطه.
وإن قلنا: إن الصداق قد بطل بتلف الثوب ففيما ترجع عليه قولان: أحدهما: وهو القديم أجرةَ المثل.
والثاني: وهو الجديد مهر المثل.
فلو كان الزوج على سلامته والثوب باقيا فطلقها كان كما لو طلقها وقد أصدقها تعليم القرآن فيكون على ثلاثةَ أقسام: أحدها: أن يكون قد خاط لها جميع الثوب فلا يخلو حال الطلاق من أن يكون قبل الدخول أو بعده.
فإن كان بعد الدخول فقد استكملته واستوفته فلا تراجع بينهما.
فإن كان قبل الدخول فقد ملك الزوج نصف الصداق وقد استوفت جميعه فيرجع عليها بنصف أجرةَ الخياطةً.
والثاني: ألا يكون قد خاطه ولا شيئًا منه.
فإن كان الطلاق بعد الدخول أخذ الزوج بخياطة الثوب.
وإن كان قبل الدخول فإن كانت خياطةً الثوب تتجزأ أو تتبعض أخذ الزوج بخياطةً نصفه وإن كانت لا تتجزأ لم يؤخذ بخياطته وكان فيما يلزمه لها قولان: أحدهما: نصف أجرةَ المثل.
والثاني: نصف مهر المثل.
والثالث: أن يكون قد خاط بعضه وبقى بعضه.
فإن كان الطلاق بعد الدخول أخذ بإتمام خياطته.
وإن كان الطلاق قبل الدخول فلها نصفه فيراعى قدر ما خاطه وحال تجزئته وتبعيضه ويراعي فيه ما روعي في تعليم القرآن من اعتبار أقامةُ الثلاثةَ في أن خياطةَ البعض إما أن يكون النصف أو أقل من الصف أو أكثر من الصف فيحمل على ما تقدم جوابه وبالله التوفيق.

صداق ما يزيد ببدنه وينقص مسألة: قال الشافعي رحمه الله: "وَكُلَّ مَا أَصُدُقُهَا فَمَلَكَتَهُ بِالْعُقَدَةِ ضَمَنَتَهُ بِالدُّفَعِ فَلَهَا زِيادَتَهُ وَعَلَيهَا نُقْصَانَهُ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: الزوجةَ مالكةً لجميع الصداق بنفس العقد.
وهو قول أبي حنيفة.
وقال مالك: قد ملكت بالعقد نصف وبالدخول باقيةً.
استدلالًا بأنه لو طلقها قبل الدخول لم يكن لها إلا نصفه ولو كانت مالكةُ لجمعه ما زال ملكها عن نصفه إلا بعقد فدل على أنها لم تملك منه إلا النصف أو لأنه لو كان ملك الصداق مقابلًا لملك البضع لتساويا في التأجيل والتنجيم حتى يجوز تأجيل البضع وتنجيمه كما يجوز في الصداق.
أو لا يجوز في الصداق كما لا يجوز في البضع فلما اختص الصداق بجواز التأجيل والتنجيم دون البضع اختص بتمليك البعض وإن ملك جميع البضع.
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: (4)] في ذك دليلان: أحدهما: إضافةَ جميع الصداق إليهن فاقتضى أن يكون ملك جميعه لهن.
والثاني: أمره بدفع جميعه إليهن فاقتضى أن يكون جميعه حقًا لهن.
ولأن الزوج قد ملك بالعقد جميع البضع فوجب أن تملك عليه بالعقد جميع المهر كما أن المشتري لما ملك بالعقد جميع المبيع ملك عليه جميع الثمن، ويتحرر منه قياسان: أحدهما: أنه عقد تضمن بدلًا ومبدلًا فوجب أن يكون ملك البدل في مقابلًا ملك المبدل كالبيع.
والثاني: أنه أحد بدلي العقد فوجب أن يكون مملوكا بالعقد كالبضع ولأنه لما كان لها المطالبةَ بجميعه قبل الدخول وحبس نفسها به إن امتنع وأن تضرب بجميعه مع غرمائه إن أفلس دل على أنها مالكةً لجميعه لأنه لا يجوز أن يثبت لها حقوق الملك مع عدم الملك.
فأما استرجاع الزوج نصفه بالطلاق قبل الدخول فلا يمنع أن تكون مالكةً لما استرجعه كما لو ارتدت قبل الدخول أو فسخت نكاحه بعيب استرجع جميعه ولم يمنع أن تكون مالكةً لما استرجعه وكما يسترجع المشتري الثمن إذا رد بعيب ولا يمنع أن يكون البائع مالكا له.
وأما اختلاف الصداق والبضع في التأجيل والتنجيم فلا يقتضي اختلالها في التمليك كما أن بيوع الأعيان يجوز التأجيل والتنجيم في أثمانها ولا يجوز فيها ولا يمنع

من تساويهما في أنهما قد ملكا بنفس العقد.
فصل: القول في ضمان الزوج للصداق وقت الضمان ووقوعه.
فإذا ثبت أنها مالكةً لجميع الصداق بنفس العقد فهو مضمون على الزوج حتى تقبضه منه لأنه مملوك عليه بعقد معاوضةً فوجب أن يكون مضمونًا عليه كالمبيع.
وإن كان مضمونًا على الزوج فهو مضمون الأصل ومضمون النقص.
فأما ضمان الأصل: فقد اختلف قول الشافعي فيه؛ هل يضمن بما في مقابلته أو به في نفسه على قولين: أحدهما: وهو في قوله في الجديد: أنه يضمن بما في مقابلته وهو البضع وليس للبضع مثل فضمن بقيمته وقيمته مهر المثل فيكون الصداق على هذا القول مضمونًا على الزوج إن تلف بمهر المثل، والثاني: وهو قوله في القديم أنه يكون مضمونًا في نفسه لا بما في مقابلته كسائر الأعيان المضمونةَ فعلى هذا إن كان الصداق مما له مثل كالدراهم والدنانير والبر والشعير ضمنه بمثله في جنسه ونوعه وصفته وقدره وإن كان مما لا مثل له كالثياب والعبيد والمواشي ضمنه بقيمته وفي كيفيةَ ضمان قولان: أحدهما: ضمان عقد فعلى هذا يلزمه قيمته يوم أصدق.
والثاني: ضمان غصب فعلى هذا يلزمه قيمته أكثر ما كانت من حين أصدق إلى أن تلف.
وأما ضمان القص فهو معتبر باختلاف حاليةُ في تمييزه واتصاله.
فإن كان النقصان متميزًا كتلف أحد الثوبين، وموت أحد العبدين ضمنه ضمان الأصل على ما ذكرنا من القولين.
وإن كان غير متميز: كمرض العبد وإطلاق الثوب ففيه وجهان: أحدهما: أنه يضمن بأرش النقص وهذا على القديم الذي جعل تلف الأصل موجبًا لضمان قيمته.
والثاني: أنه ضمانه له موجب لخيار الزوجةً بين أن تقيم عليه بنقص أو تفسخ وترجع إلى مهر المثل؛ وهذا على القول الجديد الذي يجعل تلف الأصل موجبًا لمهر المثل.
فصل: فإذا استقر أن الأصل مضمون على الزوج بما ذكرنا فليس للزوجة أن تعاوض عليه قبل قبضه كما لا تعاوض على ما ابتاعته قبل القبض وإن حدث من الصداق في يد الزوج

نماء كالنتاج والثمرةً كان جميعه ملكًا للزوجةً لأنها مالكةً لجميع الأصل.
وعند مالك: أنها مالكةً لنصفه لأنها عنده مالكةً لنصف الأصل وإذا كانت الزوجةَ مالكةً لجميع النماء الحادث في يد الزوج فهل يكون مضمونًا على الزوج أم لا؟ على قولين: أحدهما: يكون مضمونًا عليه تبعًا لأصله.
والثاني: لا يكون مضمونًا عليه ويكون أمانةً في يده لأن العقد تناول الأصل دون النماء فأوجب فان الأصل دون النماء.
وإذا قبضت الزوجةَ الصداق صار جميعه من ضمانها وكان لها جميع ما حدث فيه من نماء.
وقال مالك: تضمن نصف الذي ملكته والنصف الآخر يكون في يدها أمانةً للزوج ولا يلزمها ضمانه وله نصفا النماء.
وبناء ذلك على أصله الذي قدمناه وقد مضى الكلام فيه.
فصل: فإذا تقررت هذه الجملةَ جئنا إلى شرح كلام الشافعي.
قال: "وكل ما أصدقها مملكته بالعقد وضمنته بالدفع فلها زيادةً وعليها نقصانه" وهذه جملةً اختصرها المزني من كلام الشافعي في كتاب "الأم" فإن الشافعي بسطه فأحسن المزني اختصاره.
فقوله: وكل ما أصدقها فملكته بالعقد أبان عن مذهبه أن الزوجةَ مالكةً لجميع الصداق بالعقد ورد به قول مالك أنها تملك نصفه بالعقد.
وأما قوله: وضمنته بالدفع فصحيح لأنه قبل دفعه إليها مضمون على الزوج دونها فإذا دفع إليها سقط ضمانه عن الزوج وصار مضمونًا عليها.
وأما قوله: فلها زيادته وعليها نقصانه: فنقصانه لا يكون عليها إلا إذا دفع إليها.
وإلا فهو على الزوج دونها وأما زيادته فهي لها قبل الدفع وبعده.
فإن قيل: فكيف جمع بين زيادته ونقصانه في أن جعل ضمانها بالدفع موجبًا وهذا الشرط يصح في النقصان؛ لأنه لا يكون عليها إلا إذا ضمنته الدفع أما الزيادة فلا يصح هذا الشرط فيها لأنها لها قبل دفعه إليها وبعده فعن هذا ثلاثة أجوبةً: أحدها: أن جعل ذلك لها بعد الدفع لا يمنع أن يكون لها قبل الدفع.
والثاني: أن في الكلام تقديمًا وتأخيرًا وتقديره: وكل ما أصدقها مملكته بالعقد فلها زيادته فإذا ضمنته بالدفع فعليها نقصانه ومثل هذا يجوز إذا دل عليه وضع الخطاب أو شواهد الأصول.
والثالث: أن الكلام على نسقه صحيح والشرط في حكمه معتبر لأن الزيادةَ الحادثةً بعد الدفع تملكها ملكا مستقرًا وقبل الدفع تملكها غير مستقر لأنه قد يجوز أن يتلف

الصداق في يد الزوج فيزول ملكها عن الزيادةً إن قيل: إنها ترجع بمهر المثل على ما سنذكره فصار الدفع شرطا في استقرار الملك فصح، والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي: فإن أصدقها أمة أو عبدا صغيرين فكبرا، أو أعميين فأبصرا ثم طلقها قبل الدخول، فعليها نصف قيمتهما يوم قبضهما إلا أن تشاء دفعهما زائدين، فلا يكون له إلا ذلك، إلا أن تكون الزيادةً غيرتهما بأن يكونا كبرًا كبرًا بعيدًا، فالصغير يصلح لما لا يصلح له الكبير، فيكون له نصف قيمتهما وإن كانا ناقصين فله نصف قيمتهما إلا أن يشاء أن يأخذهما ناقصين، فليس لها منعه إلا أن يكونا يصلحان لما لا يصلح له الصغير في نحو ذلك " قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا سمى لزوجته صداقا ثم طلقها فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون قد سلم الصداق إليها.
والثاني: أن لا يكون قد سلمه إليها.
فإن لم يكن قد سلمه إليها حين طلقها فهو على ضربين: أحدهما: أن يكون موصوفا في الذمة كمسمى من دراهم أو دنانير أو موصوفًا من بر أو شعير فلا يخلو طلاقه من أن يكون قل الدخول أو بعده.
فإن كان بعد الدخول فقد استحقت جميعه واستقر ملكها عليه وليس له أن يرجع بشيء منه.
قال الله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَاخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: (21)].
وإن كان الطلاق قبل الدخول أبراء من نصف الصداق لقول اله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرةً: 237] وفيه تأويلان: أحدهما: معناه فنصف ما فرضتم لكن يرجع إليكم بالطلاق وهذا تأويل من قاله: إنها قد ملكت جميع الصداق بالعقد.
والثاني: معناه فنصف ما فرضتم للزوجات لا يملكن أكثر منه هذا تأويل من قال إنها لا تملك بالعقد إلا نصفه وإذا كان كذلك لم يخل حال الصداق من أن يكون حالًا أو مؤجلًا أو منجمًا فإن كان حالًا ساق إليها نصفه وقد بريء من جميعه.
وإن كان مؤجلًا: فعليه إذا حل الأجل أن يسوق إليها النصف وقد بريء من الكل ولا يحل قبل أجله إلا بموته.
وإن كان منجما: بريء من نصفه على التنجيم وكان النصف باقيًا لها إلى نجومه.

فلو كان إلى نجمين فحل أحدهما وقت الطلاق لم يكن لها أن تتعجل النصف في الحال فيتسضر ولا أن يؤخر به إلى النصف المؤجل فتستضر الزوجة ويبرأ الزوج من نصف الحال والنصف المؤجل وتأخذ الزوجةَ نصف الحال وتصبر بنصف المؤجل حتى يحل.
فصل: والضرب الثاني: أن يكون الصداق عينًا معلومةً كالإماء والعبيد والمواشي والشجر فلا يخلو حاله وقت الطلاق من أحد خمسةً أقسام: أحدها: أن يكون باقيًا بحاله.
والثاني: آن يكون قد تلف.
والثالث: أن يكون قد زاد.
والرابع: أن يكون قد نقص.
والخامس: أن يكون قد زاد من وجه ونقص محن وجه.
فأما القسم الأول وهو أن يكون باقيًا بحاله لم يزد ولم ينقص فلا يخلو حال الطلاق من أن يكون قبل الدخول أو بعده.
فإن كان بعد الدخول فقد استقر لها جميعه وعليه تسليمه إليها كاملا، وإن كان قبل الدخول ملك الزوج نصفه، وبماذا يصير مالكًا؟ فيه قولان: أحدهما: وهو الأظهر أنه ملك بالطلاق نصف الصداق سواء اختار تملك ذلك أو لم يختره كما أن المشتري إذا رد بالعيب ملك بالرد جميع الثمن.
والثاني: إليه ذهب أبو إسحاق المروزي: أنه ملك بالطلاق أن يتملك نصف الصداق كالشفيع الذي ملك بالشفعةَ أن يتملك فإذا اختار الزوج أن يتملك نصف الصداق صار بالاختيار لا بالطلاق.
فإذا صار الزوج ملكاً للنصف إما بالطلاق على القول الأول أو بالاختيار على القول الثاني صارا شريكين فيه فإذا كان مما لا يقسم كانا فيه على الخلطةً وإن كان مما يقسم جبرًا فأيهما طلبها أجيب إليها وإن كان مما لا يقسم إلا صلحًا فأيهما امتنع منها أقر عليها.
فصل: وأما القسم الثاني: وهو أن يكون الصداق قد تلف فهذا على ضربين: أحدهما: أن يتلف قبل أن يحدث منه نماء كعبد مات آو دابةً نفقت فيما تستحق الزوجة قولان: أحدهما: وهو الجديد: مهر المثل فعلى هذا يكون الصداق تالفًا على ملك الزوج سواء تلف بحادث سماء أو جنايةً آدمي ثم ينظر في الطلاق فإن كان قبل الدخول فلها نصف مهر المثل.

وإن كان بعد الدخول فلها جميعه ويعتبر به مهر مثلها وقت العقد لا وقت الطلاق ولا وقت تلف الصداق لأن تلف الصداق يدل على وجوب مهر المثل بالعقد دون الطلاق.
والثاني: وهو في القديم: أنها ترجع عليه بقيمةَ الصداق فعلى هذا يكون الصداق تالفا ملكها.
ولا يخلو حال تلف من ثلاثةً أقسام: إما أن يكون بحادث سماء أو بجنايةً منه أو بجنايةً من أجنبي.
فإن كان بحادث سماء: ففي كيفيةُ ضمانه قولان: أحدهما: يضمنه ضمان عقد فعلى هذا عليه قيمته يوم أصدق.
والثاني: ضمان غصب هذا عليه قيمته أكثر ما كان قيمته من وقت العقد أو وقت التلف.
وإن كان تلفه بجناية منه: فإن قيل إن ضمانه غصب ضمنه بأكثر قيمته في الأحوال كلها وإن قيل ضمانه ضمان عقد فعليه أكثر القيمتين من وقت العقد أو وقت التلف واحدًا إن كانت قيمته وقت العقد أكثر فهي مضمونةً عليه بالعقد وإن كانت وقت التلف أكثر فهي مضمونةً عليه بالجنايةً ولا يضمن زيادتهُ فيما بين العقد والجنايةً.
وإن كان تلفه بجناية أجنبي؛ فلا تخلو قيمته وقت العقد ووقت الجنايةَ من ثلاثةَ أقسام: أحدها: أن يكونا سواء.
والثاني: أن يكون وقت العقد أكثر.
والثالث: أن يكون وقت الجناية أكثر.
فإن استوت قيمته في الحالين كعبد كانت قيمته ألف درهم وقت العقد ووقت الجنايةً فالزوج ضامن لها في حق الزوجيةَ بالعقد والجاني ضامن لها في حق الزوج والزوجةً بالجنايةً وللزوجةً الخيار في طالبةً الزوج بها أو الجاني.
فإن طلبت الزوج بها وكان الطلاق بعد الدخول دفع إليها جميع القيمةَ ورجع على الجاني بجميع القيمةً.
وإذا أرادت الزوجةَ في الابتداء أن تطالب بها الجاني دون الزوج كان لها ذلك.
فإن كان طلاقها بعد الدخول رجعت عليه بجميع القيمةَ وبرئا من حقها وبريء الجاني من حقهما.
وإن كان الطلاق قبل الدخول رجعت عليه بنصف القيمة وبريء الزوج والجاني من حقها ورجع الزوج على الجاني بباقي القيمة وص النصف الذي ملكه الزوج بطلاقه.
وإن كانت قيمةُ الصداق وقت العقد أكثر منها وقت الجنايةً كأنه عبد قيمته وقت العقد ألف ووقت الجناية خمسمائةَ فالجاني ضامن بخمسمائةَ لأنها قيمته وقت جنايته

والزوج ضامن لجميع الألف لأنها قيمته وقت عقده، فإن كان طلاقها بعد الدخول كانت بالخيار بين أن ترجع على الزوج فترجع عليه بجمع الألف وقد استحقته ويرجع الزوج على الجاني بخمسمائةً وبين أن ترجع على الجاني بخمسمائةً وعلى الزوج بخمسمائةً وليس للزوج أن يرجه بها على الجاني بشيء.
وإن كان طلاقها قبل الدخول: كانت بالخيار بين أن ترجع على الزوج الألف وهي خمسمائةً ويرجع الزوج على الجاني بخمسمائةَ وتكون الخمسمائةً التي هي فاضل القيمةَ المضمونةً على الزوج في مقابلةً ما استحق من نصف الصداق وبين أن ترجع على الجاني بالخمسمائةَ كلها وقد استحقت بها نصف قيمةَ صداقها وقت العقد ويكون ما ضمنه من فانحل القيمةُ في مقابلةَ ما استحقه بطلاقه.
وإن كانت قيمة الصداق وقت الجناية أكثر كأنه عبد قيمته وقت العقد خمسمائةَ ووقت الجنايةً ألف فالجاني ضامن لك ألف وفيما يضمنه الزوج قولان: أحدهما: خمسمائة إذا قيل إنه يضمنه ضمان عقد.
والثاني: ألف إذا قيل: إنه يضمنه ضمان غصب.
فإذا قيل: إن الزوج يضمن جميع الألف ضمان الغصب كانت مخيرةً إن كان طلاقها بعد الدخول في رجوعها بالألف على من شاءت من الزوج أو الجاني تم الكلام في التراجع على ما مضى.
وإن كان طلاقها قبل الدخول رجعت بنصف الألف على من شاءت منهما فإن رجعت بها على الزوج رجع الزوج على الجاني بالألف كلها وإن رجعت بها على الجابي رجع الزوج على الجاني بخمسمائة بقية الألف.
فإن قيل: إن الزوج يضمن خمسمائةً ضمان العقد نظر.
فإن كان طلاقها بعد الدخول فإن شاءت الرجوع على الجاني رجعت عليه بجميع الآلف وقد بريء وإن شاءت الرجوع على الزوج لم ترجع عليه إلا بخمسمائةً لأنه لم يضمن أكثر منها ورجعت على الجاني بخمسمائةً بقيمةً الآلف ورجع الزوج على الجاني بالخمسمائةً الباقيةً من الألف.
وإن كان طلاقها قبل الدخول فإن شاءت الرجوع على الجاني رجعت عليه الألف ورجع الزوج عليه بخمسمائةً بقيمةُ الألف وان شاءت الرجوع على الزوج لم ترجع عليه إلا بنصف الخمسمائةً ورجعت على الجاني بمائتين وخمسين بقيةً نصف الألف ورجع الزوج على الجاني بسبعمائةً وخمسين بقيةَ الألف.
والضرب الثاني: في الأصل: أن يكون قد حدث من الصداق قبل تلفه نماء كولد أمة ونتاج ماشيةً فهو معتبر بما ترجع به الزوجةً من بدل الصداق.
فإن قيل: إنها ترجع على الزوج بقيمته فالنماء لها لحدوثه في ملكها، وإن (قيل): إنها

ترجع على الزوج بمهر مثلها ففي النماء وجهان: أحدهما: أنه للزوج لأن الرجوع عند تلفه إلى بدل ما في مقابلته فوجب لرفعه من أصله فكأنها لا تملكه فلم تملك نماءه.
والثاني: أنه للزوجةً لأنه حدث عن أصل كان في ملكها إلى وقت التلف ولا يصح أن يستحدث الزوج ملكه بعد التلف.
فصل: وأما القسم الثالث: وهو أن يكون الصداق قد زاد فهذا على ضربين: أن تكون الزيادةً منفصلةً لولد الأمةً ونتاج الماشيةً فلها إن طلقت بعد الدخول أن تأخذ جميع الصداق وجميع الماء وإن طلقت قبل الدخول أن تأخذ نصف الصداق وجميع النماء لحدوثه عن أصل كانت مالكة لجميعه.
وعند مالك تأخذ نصف الأصل ونصف النماء.
والثاني: أن تكون الزيادةً متصلة كمن المهزول وبرء المريض وتعلم القرآن فإن كان الطلاق بعد الدخول فلها أن تأخذ جميع الصداق زائدا.
وإن كان قبل الدخول فهي بالخيار بين أن تعطي الزوج نصفه زائدًا أو تأخذ نصفه بين أن تعدل به إلى نصف القيمةَ يوم أصدق فيكون جميع الصداق لها لأن فيه زيادةً تختص بملكها دون الزوج لا تتميز عن الأمل.
وقال مالك: للزوج أن يأخذ نصفه بزيادته لأنه الزيادةً التي لا تتميز تكون تبعًا للأصل كالمفلس إذا زاد المبيع في يده غير متميزة كان للبائع أن يرجع مع زيادته.
قيل: قد اخلف أصحابنا في التسويةً بينهما والجمع ين حكميهما على وجهين: أحدهما: وهو قول أبي العباس وأبي إسحاق: أنه لا فرق بينهما في الحكم إذا استويا في معناه.
وذلك أن المفلس إنما رجع البائع معه بعين ماله زائدًا لأنه تعذر عليه أن يرجع ببدله وهو الثمن لأجل الفلس فجاز أن يرجع بالعين زائدة.
ولو لم يتعذر عليه البدل لما رجع بالعين وفي الصداق ليس يتعذر على الزوج الرجوع بالبدل فلم يرجع بالعين زائدةً ولو تعذر عليه الرجوع بالبدل لفلس الزوجة لرجع بالعين زائدةً.
والثاني: وهو قول جمهور أصحابنا: أنهما يفترقان في الحكم فيكون للبائع إذا أفلس المشترى أن يرجع بمن ماله زائدًا ولا يكون للزوج إذا طلق قبل الدخول أن يرجع بنصف الصداق زائدا سواء كانت الزوجةً مفلسةً آو موسرةً.
والفرق محنهما من وجهين: أحدهما: أن البائع في الفلس يرجع بفسخ قد رفع العقد من أصله فجاز أن يرجع

بالزيادةً لحدوثها بعد العقد المرفوع والزوج إنما يرجع بطلاق حدث بعد الزيادةً لم يرفع الصداق من أصله فلم يرجع بالزيادةً لتقدمها قبل الطلاق الحادث.
والثاني: أن الزوج متهوم لو جعلت له الزيادةً أن يكون قد طلقها رغبةً فيما حدث من زيادةً صداقها فمنع منها وليس البائع متهومًا في فلس المشتري فلم يمنع من الزيادةً، والله أعلم.
فصل: وأما القسم الرابع: وهو أن يكون الصداق قد نقص فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون النقصان متميزًا كعبدين مات أحدهما أو صبرةً طعام تلف بعضها فلا يخلو حال الطلاق من أن يكون بعد الدخول أو قبله.
فإن كان بعد الدخول فقد استكلمت به جميع الصداق وقد تلف بعضه فينبني جوابه على ما نقوله في الرجوع ببدل التالف وفيه قولان: أحدهما: وهو القديم: أنها ترجع بقيمةً ما تلف فعلى هذا لا يبطل الصداق في التالف ولا في الباقي وترجع بعين ما بقي وبقيمةً التالف إن لم يكن له مثل وبمثلهِ إن كان له مثل ولا خيار لها في مقام ولا فسخ.
والثاني: وهو الجديد: أن الرجوع عند التلف يكون بمهر المثل فعلى هذا قد بطل الصداق فيما تلف وصح على الصحيح من مذهب الشافعي فيما سلم فلا وجه لمن خرج فيه من أصحابنا قولًا ثانيًا من تفريق الصفقةً أنه باطل في السلم لبطلانه في التالف لأن الصفقةً لم تفرق في الحال العقد وإنما تفرقت بعد صحةَ العقد.
وإذا كان كذلك فالزوجةً بالخيار لأجل ما تلف بين أن تقيم على الباقي أو تفسخ فإن فسخت رجعت على الزوج بمهر المثل وعاد الباقي من الصداق إلى ملك الزوج.
وإن أقامت فمذهب الشافعي أنها تقيم عليه بحسابه من الصداق وقد وترجع بقط ما بقي من مهر المثل.
فإن كان التالف النصف رجعت بنصف مهر المثل وإن كان الثلث رجعت بثلثيهِ ولا وجه لمن خرج فيه أصحابنا قولًا ثانيًا أنها تقيم على الباقي بجميع الصداق اعتبارًا بتفريق الصفقةً في حال العقد لما ذكرنا من الفرق بين ما اقترن بالعقد وبين ما حدث بعد صحة العقد.
وإن كان الطلاق قبل الدخول فلها نصف الصداق وهو على ضربين: أحدهما: أن يكون متماثل الأجزاء كالحنطةً فلها أن تأخذ من الباقي نصف الجميع ولا خيار لها.
والثاني: أن يكون مختلف الأجزاء كعبدين مات أحدهما ففيه قولان:

أحدهما: أنها تأخذ نصف جميع العبد الباقي إذا تساوت قيمتها فعلى هذا لا خيار لها والثاني: أنها تأخذ نصف الباقي وفيما ترجع ببدله من نصف التالف قولان: أحدهما: ترجع بقيمةَ نصف التالف وهو القديم فعلى ها لا خيار لها.
والثاني: ترجع بقسط ذلك من مهر المثل فعلى ذا يكون لها الخيارين هذا وبين أن تفسخ وترجع بنصف مهر المثل وقد ذكرنا هذا في كتاب الزكاةً فهذا حكم النقصان إذا كان متميزًا.
والضرب الثاني: أن يكون المقصان غير متميز كالعبد إذا كان سمينًا فهزل وصحيحًا فمرض أو بصيرًا فعمي فلها الخيار سواء قل العيب أو كثر.
وقال أبو حنيفة: لا خيار لها إلا أن يتفاحش العيب.
احتجاجًا: بأنها إذا ردت الصداق بالعيب اليسير رجعت بقيمته سليمًا وقد يخطئ المقومان فيقومانه صحيحًا بقيمته مع يسير العيب لأن بسير العيب لا يأخذ من القيمة إلا يسيرًا فعفي عن يسير العيب لأنه لا يتحقق استدراكه ولم يعف عن كثيرةُ لأنه يتحقق استدراكه ولم يعف في البيع عن يسيره ولا كثيرةُ ولأنه قد تحقق استدراكه في الرجوع بالثمن دون القيمةً.
ودليلنا هو أن ما جاز رده بكثير العيب جاز رده بيسيرةُ كالثمن ولأنه عيب يجوز به الرد في البيع فجاز به الرد في الصداق كالكثير.
فأما الجواب عما ذكره فهو أننا نوجب مع الرد مهر المثل في أصح القولين دون القيمةً.
ثم لو وجب الرجوع بالقيمةً لاقتضى أن يحمل التقويم على الصواب دون الخطأ وعلى فرق المقوم بين السليم والمعيب.
فإذا تقرر ما ذكرنا فلا يخلو ذلك عن ثلاثةَ أقسام: أحدهما: أن يكون ذلك بحادث سماء.
والثاني: أن يكون بجناية الزوج.
والثالث: أن يكون بجناية أجنبي.
فإن كان بحادث سماء كهزال السمين وحرض الصحيح فإن سمحت بنقصه أخذته ناقصًا إن طلقت بعد الدخول ونصفه إن طلقت قبله ولا خيار للزوج فيما حصل له من نصف الناقص لأنه مضمون عليه، وإن لم تسمح بنقصه كان خيارها في الفسخ معتبرًا بما ترجع به لو فسخت؛ فإن قيل: إنها ترجع بقيمته فلا خيار لها في الفسخ وتأخذه ناقصًا مع أرش نقصه إن طلقت بعد الدخول ونصفه ونصف أرشه إن طلقت قبله وإنما سقط خيارها في الفسخ لأن أخذه ناقصًا مع الآرش أخص بحقها من العدول عنه إلى قيمته.
وإن قيل: لو فسخت رجعت بمهر المثل فلها الخيار في الفسخ أو المقام فإن

فسخت رجعت بمهر المثل إن طلقت بعد الدخول وبنصفه إن طلقت بعد الدخول وبنصفه إن طلقت قبله وإن أقامت أخذته ناقصًا ولا أرش لها كالبائع إذا رضي أن يتمسك بالمعيب وإن طلقت قبل الدخول رجعت بنصفه ناقصًا من غير أرش ويكون نصفه معيبًا للزوج ولا خيار له فيه لأنه مضمون عليه.
وإن كان النقصان بجنايةً الزوج: كأنه قطع إحدى يديه أو قلع إحدى عينيه فهو يضمنه الجاني بنصف القيمةً ويضمنه غير الجاني بما نقص فيكون الزوج ها هنا ضامنًا له بأكثر الأمرين من نقصه أو نصف قيمته وإن كان نصف القيمة أكثر لؤمه ذلك لأنه قد يلتزمه بالجناية من غير يد ضامنة فلأن يلزمه مع اليد الضامنةً أولى وإن كان نقصه أكثر من نصف القيمةً لزمه ذلك لأنه قد يلتزمه باليد الضامنةَ من غير جناية فلان يلتزمه مع الجنايةً أولى وإذا لزمه ضمان أكثر الأمرين ترتب جوابه على ما يوجبه في الرجوع مع التلف.
فإن قيل: إن تلف الصداق موجب للرجوع بقيمته على قوله في القديم فلها أن تأخذ العبد ناقصًا وما أوجبناه من ضمان نقصه أو يقدر بجنايته إن طلقت بعد الدخول أو نصف ذلك إن طلقت قبله ولا خيار بها.
وإن قيل: إن تلف الصداق موجب للرجوع بمهر المثل فهي ها هنا بالخيار بين المقام أو الفسخ فإن فسخت رجعت بمهر المثل إن طلقت بعد الدخول أو بنصفه إن طلقت قبله وإن أقامت أخذت العبد ناقصًا وما أوجبه ضمان الجنايةً وهو نصف القيمةً ولا اعتبار بما زاد عليه من ضمان النقص باليد الضامنةً على هذا القول.
ألا تراه لو نقصت قيمتهُ من غير جنايةً لم يضمنها على هذا القول إذا أقامت ولم يفسخ هذا إن كان الطلاق بعد الدخول فإن كان قبله أخذت نصفه وربع القيمة بالجنايةً.
وإن كان النقصان بجناية أجنبي؛ كأنه قطع إحدى يديه أو فقأ إحدى عينيه فعلى الجاني نصف القيمةً أرش الجنايةً ويضمن الزوج نقصان القيمةً قل أو كثر ضمان اليد ثم يترتب حقها فيما ترجع به على ما مضى من القولين.
إن قلنا: أنها ترجع مع التلف بالقيمة رجعت عليه إن طلقت بعد الدخول بالعبد الناقص ورجعت معه بأكثر الأمرين من ضمان الجنايةً وهو نصف القيمةً أو ضمان اليد وهو نقصان القيمةً وهي بالخيار في الرجوع على من شاءت منهما فإن رجعت على الجاني رجعت عليه بنصف القيمةً فإن كان هو الأكثر فقد استوفت ولم يرجع على الزوج بشيء ولا يرجع الزوج على الجاني بشيء وإن كان هو الأقل رجعت بالباقي من نقصان القيمة على الزوج ولم يرجع به الزوج على الجاني وإن رجعت على الزوج رجعت عليه بنقصان القيمةً فإن كان هو الأكثر فقد استوفت ورجع على الجاني بنصف القيمةَ وإن كان هو الأقل رجعت على الجاني بالباقي من نصف القيمةً ورجع الزوج عليه بما غرم من نقصان بالقيمةَ.
فإن طلقت قبل الدخول رجعت بنصف ذلك.
وإن قلنا: إنها ترجع مع التلف بمهر المثل على قوله في الجديد فهي بالخيار بين

المقام أو الفسخ فإن فسخت رجعت على الزوج بمهر المثل إن طلقت بعد الدخول وبنصفه إن طلقت قبله ورجع الزوج على الجاني بنصف القيمةً أرش الجنايةً وإن أقامت كان لها إن طلقت بعد الدخول أخذ العبد ونصف القيمةً التي هي أرش الجنايةً سواء كانت أقل الأمرين أو أكثرهما فإن كان هو الأقل كان لها الخيار في الرجوع به على من شاءت منهما فإن رجعت به على الزوج رجع به الزوج على الجاني لأن رجعت به على الجاني لم يرجع به الجاني على أحد وإن كان نصف القيمةً هو الأكثر لم يكن لها أن ترجع على الزوج إلا بنقصان القيمةً وترجع بالباقي من النصف على الجاني ويرجع عليه الزوج بما غرم من نقصان القيمةَ وإن رجعت على الجاني رجعت عليه ينصف القيمةَ وقد استوفت وإن كان الطلاق قبل الدخول رجعت بالنصف من ذلك ورجع الزوج بالنصف الآخر.
فصل: وأما القسم الخامس وهو أن يكون الصداق قد زاد من وجه ونقص من وجه فلا تخلو حال الزيادةً والنقصان من أربعةَ أقسام: أحدهما: أن يكونا متميزين.
والثاني: أن يكونا غير متميزين.
والثالث: أن تكون الزيادةً متميزةً والنقصان غير متميز.
والرابع: أن تكون الزيادةً غير متميزةً والنقصان متميزًا.
فأما القسم الأول: وهو أن تكون الزيادةً متميزةً والنقصان متميزًا: فمثاله: أن يكون قد أصدقها أمتين فماتت واحدةً وولدت لأخرى فموت إحداهما نقصان متميز وولادةً أخرى زيادةً متميزةً فيكون الكلام في موت إحداهما كالكلام في النقصان المتميز إذا انفرد عن الزيادةً.
فأما الولد فإن قيل: ترجع في التالف بقيمته فالولد لها وإن قيل: ترجع في التالف بمهر المثل نظر فإن لم تفسخ ولم ترجع بمهر المثل فالولد لها سواء كان الولد من الباقيةً أو من الميتةُ وإن فسخت ورجعت بمهر المثل نظر في الولد؛ فإن كان من الباقيةً دون الميتةً فهو لها لأن الباقيةً خرجت من الصداق بالفسخ الذي هو قطع إلا بالموت الذي هو رفع وإن كان الولد من الميتةَ ففيه وجهان: أحدهما: أنه للزوجة أيضًا لحدوثه على ملكها.
والثاني: أنه يكون للزوج لأن موت أمه قد رفح العقد من أصله.
وأما القسم الثاني: وهو أن تكون الزيادةً غير متميزةً والنقصان غير متميز.
فمثاله: أن يصدقها أمتين إحداهما مريضةً والأخرى صحيحةً فتبرأ المريضة وتمرض الصحيحةً.
فإن كان الطلاق بعد الدخول وقلنا بقوله في القديم: أنها ترجع مع التلف بالقيمةً أخذت الأمتين ورجعت بنقصان قيمةً الصحيحة التي مرضت ولا يجبر ذلك بالزيادةً

الحادثةُ في برء المريضةً لأنها زيادةً لا يملكها، وإن قلنا بقوله في الجديد: أنها ترجع مع التلف بمهر المثل نهى ها هنا بالخيار بين أن تأخذ الأمتين بالزيادةَ والنقصان من غير أرش وبين أن تفسخ وترجع بمهر المثل.
وإن كان الطلاق قبل الدخول ترتب على القولين إذا تلفت إحداهما وبقيت الأخرى هل لها إذا تساوت قيمتها أن تأخذ الباقيةً منهما بالنصف أم لا؟ فإن قيل بأحد القولين أنها تأخذ الباقية بالنصف فلا خيار لها ها هنا وتأخذ بالصف الذي لها الأمةً التي زادت وترد للزوج الأمةُ التي نقصت.
وإن قيل بالقول الثاني: أنها تأخذ النصف من كل واحدةً من الأمتين: ترتب على إليه مع التلف.
فإن قيل بالقديم آن الرجوع يكون بالقيمةً رجعت بنصف الأمتين وينصف الأرش ومن نقصان التي نقصت ولا يجبر ذلك بزيادةَ التي زادت.
وإن قيل بالجديد: أن الرجوع مع التلف يكون بمهر المثل كان بالخيار بين أن ترجع بنصف الأمتين من غير أرش وبين أن تفسخ وترجع بنصف مهر المثل.
وأما القسم الثالث: وهو أن تكون الزيادةً متميزة والنقصان غير متميز، فمثاله: أن يصدقها أمتين فتلد إحداهما وتمرض الأخرى فالكلام في مرض إحداهما كالكلام في النقصان الذي لا يتميز إذا لم يكن معه زيادةً متميزةً على ما مضى.
فأما الولد فيكون للزوجةً بكل حال سواء، أقامت على الصداق أو فسخت ورجعت بمهر المثل مواء كان الولد من الناقصةً أو من الأخرى لأن بقاء أمه إن فسخ الصداق فيها موجب لقطعه لا لرفعه.
فأما القسم الرابع: وهو أن تكون الزيادةَ غير متميزةً والنقصان متميزا فمثاله: أن يصدقها أمتين مريضتين فتموت إحداهما وتبرأ الأخرى فيكون الكلام فيه كالكلام في النقصان المتميز إذا لم يكن معه زيادةً فيكون على ما مضى وليس للزيادةً هاهنا تأثير يتغير به الحكم.
فصل: فأما القسم الثاني من أصل المسألة وهو أن يكون الزوج قد ساق الصداق بكماله إليها ثم طلقها فلا يخلو طلاقه من أن يكون قبل الدخول أو بعده فإن كان بعد الدخول فلا حق له في الصداق وقد استوفته.
وإن كان قبل الدخول فله نصفه، وإذا كان كذلك: لم يخل الصداق من أحد أمرين: إما أن يكون موصوفًا في الذمةَ أو يكون عينًا معلومةً.
فإن كان موصوفًا في الذمةَ كالدراهم والدنانير فلا يخلو أن يخون ذلك باقيًا في يدها أو مستهلكاً.

فإن كان مستهلكًا رجع عليها بالنصف من مثل ذلك الصداق، وإن كان باقيًا في يدها ففيه وجهان: أحدهما: أنه للزوج أن يرجع بالنصف من الصداق الذي أقبضها لأنه عين ماله وليس لها أن تعدل به إلى مثله.
والثاني: أنها بالخيار بين أن تعطيه النصف من ذلك الصداق وبين أن تعدل به إلى نصف مثله لأنه لم يكن متعينًا بالعقد بل كان مضمونًا في الذمةَ فاستقر فيه حكم الخيار في مثله.
والأول أظهر لأنه قد تعين بالقبض فصار كالمتعين بالعقد، فلو كانت قد اشترت بالصداق جهازًا أو غيره ورجع عليها بمثل نصف الصداق ولم يلزمه أن يأخذ نصف الجهاز.
وقال مالك: إذا تجهزت بالصداق لزمه أن يأخذ نصف الجهاز وبني ذلك على أصله في أن على المرأةً أن تجهز لزوجها.
وعندنا: لا يجب على المرأةَ أن تتجهز للزوج لأن المهر في مقابلةَ البضع دون الجهاز فلم يلزمها إلا تسليم البضع وحده.
ولأن ما اشترته من الجهاز كالذي اشترته بغير الصداق ولأن ما اشترته بالصداق من الجهاز كالذي اشترته من غير الصداق، وأما إن كان الصداق في الأصل معينًا بالعقد فلا تخلو حاله مما ذكرناه من الأقسام الخمسة: أحدهما: أن يكون باقيًا بحاله لم يزد ولم ينقص فله أن يرجع بنصفه فيكون شريكًا فيه وهل يكون شريكًا فيه بنفس الطلاق أو باختياره أن يتملك بالطلاق نصف الصداق؟ على ما ذكرنا من القولين.
والقسم الثاني: أن يكون الصداق قد تلف في يدها فهذا على ضربين: أحدهما: أن يتلف في يدها قبل طلاق الزوج.
والثاني: أن يتلف بعد طلاقه.
فإن تلف قبل طلاق الزوج فللزوج أن يرجع عليها بنصف قيمته قولًا واحدًا أقل ما كان قيمته من وقت العقد إلى وقت التسليم لأن قيمته إن نقصت فهي مضمونةً عليها فلا يرجع بها لأن زادت فالزيادةَ لغيره فلم يجز أن بملكها.
وقال مالك: لا يرجع عليها بشيء لأن عنده الصداق أمانة في يدها وقد مضى الكلام عليه.
وأما إن تلف الصداق في يدها بعد آن ملك الزوج نصفه بطلاقه فلم يتسلمه حتى تلف فهذا على ضربين: أحدهما: أن يتلف في يدها قيل بذله له وتمكين منه فله أن يرجع عليها بنصف قيمته على ما مضى.

جارٍ التحميل