بحر المذهب للرويانيصفحات 166-185

المعاوضة فضمن المقبوض سوماً.
مسألة: قال: "ولا يجوز في السلم الشرِكة والتولية لأنهما بيع".
وهذا كما قال: قد ذكرنا صورة الشركة والتولية قبل هذا وكلاهما لا يجوزان في السلم فيه، لأنه بعض البعض أو الكل، ولا يجوز ذلك في المسلم فيه.
وأما إذا قبضه جاز فيه الشركة والتولية.
وظاهر مذهب الشافعي أنه يجوز في بيع العين بلفظ الشركة والتولية، لأنه قال: "الشركة والتولية من البيوع" يحل بما يحل به البيوع، ويحرم بما يحرم به البيوع، فحيث كان البيع حلالاً فهو حلال، وحيثما كان البيع حراماً فهو حرام.
ولا يحتاج فيها إلى ذكر الثمن إذا كانا عالمين بقدر الثمن.
وقال مالك [ق 143 ب] رحمه الله: يجوز التولية في السلم قبل قبضة لأنها تشبه الإقالة لاختصاصها بالثمن الأول.
وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام قبل قبضه.
وأرخص في الشركة والتولية.
وهذا غلط لما ذكرنا أنها بيع محض.
وأما الخبر فهو غير مشهور، ثم أنه أرخص فيهما في الجملة، لأنه عطف على ما قبل القبض.
مسألة: قال: "ولو عجل له قبل محله أدنى من حقه أجزته ولا أجعل للتهمة موضعاً".
وهذا كما قال.
لو عجل المسلم إليه المسلم فيه قبل محله مما أسلم فيه فإن تراضيا عليه جاز، لأن كل واحد منهما متبرع بترك حقه، ولا يجوز أن يقال: أنه إنما عجله قبل محله بإزاء ما نقصه من صفته، لأن ذلك رجماً بالغيب وإضافة الحكم إليهما لم ينطلقا به، ولأنهما لو قصدا ذلك لم ينطقا به لم يضرهما بالتعجيل في مقابلة صفة الجودة.
ولو قال: أعجل لك حقك بشرط أن أعطيك دون حقك لا يصح، لأنه بالتعجيل وبالجاهلية، فإنهم كانوا يزيدون في الحق لزيادة الأجل، وهذا نقصان الحق لنقصان الأجل.
ولو قال: إذا حل الحق زدني في الأجل حتى أزيدك في الحق فهذا ربا الجاهلية المحض وهو محرم.

باب ما لا يجوز فيه السلف

مسألة: قال: "ولا يجوز السلم في النبل".
وهذا كما قال، أصل هذا الباب إن كان ما لا يأتي عليه الصفة على وجه يصح

المطالبة بالموصوف لا يجوز السلم فيه، ذكر الشافعي - رحمة الله عليه - من ذلك النبل والسهم.
وقال أصحابنا: هو على ثلاثة أضرب: مفروغ منه، ومنحوت، ومشبق للعمل.
فأما المفروغ منه فلا يجوز السلم فيه لأنه لا يمكن ضبط تخانته، فإنه دقيق الطرفين غليظ الوسط ويشتمل على عقب وخشب وغراء ونصل وريش طائر لا يؤكل لحمه، وهو كالقسي المعمولة المشتملة على أشياء كثيرة.
وأما المنحوت للعمل فلا يجوز السلم فيه أيضاً.
هكذا ذكره جماعة أصحابنا وقال في "الحاوي": في المنحوت المعمول من غير تركيب الحديد والعقب والريش، وهل يجوز السلم إذا ضبط نحتها وصفتها؟ قولان.
أحدهما: وهو ظاهر قوله ههنا أنه باطل لاختلاف تخانتها وأن وسطها شكلاً يخالف شكل طرفيها.
والثاني: نص عليه "الأم" أنه يجوز لأن صفة تخانتها وإن اختلفت مضبوطة وليس اختلافها بأكثر من اختلاف الأواني في عملها وصنعتها ويجوز السلم فيها، وهذا أصح.
قال: وكذلك السلم في القسي على هذا، وذكر في "المختصر" قال: "لا يجوز السلم في النبل لأنه لا يقدر على تخانتها وقوى تخانتها" والأصح الأول والتخانة: الغلظ.
وقال الإمام الجويني - رحمه الله - الثاني أشبه بالمعنى واللفظتان متقاربتان.
وأما المشبق المعمول للعمل الذي لم [ق 144 ب] ينحت وكان مستوى الأطراف والأوسط نص الشافعي - رحمة الله - على جواز السلم.
قال أصحابنا يجوز وزناً وعدداً إن أمكن وصف طولهما وعرضهما.
ذكره في "الإفصاح" وقيل: قال في موضع: لا يجوز السلم في النبل، وقال في موضع: يجوز السلم في النشاب وليس على قولين، بل على اختلاف حالين على ما ذكرنا ولو باع السهم، وفيه ريش ما لا يؤكل لا يجوز البيع.
فرع السلم في رماح القنا هل يجوز إن كان طويلاً واختلف طول الكعب وكان أسفل الرمح أطول العبا ورأس الرمح أقصر العبا لا يجوز للاختلاف، وأما ما قصر منها واستوى الكعب أسفله ورأسه في الطول والغلظ يجوز السلم فيه لضبطه بالصفة في طول أكعبه واستدارة كل كعب وغلظة.
مسألة: قال: "ولا في اللؤلؤ ولا في الزبرجد".

وهذا كما قال: لا يجوز السلم في اللآلئ واليواقيت والزبرجد والمزمرد والعقيق وسائر الجواهر والخرز، لأن المطلوب منها الرزانة في الوزن والنبالة في القدر وحسن التدوير وصفاء اللون وغير ذلك، فإذا وصف قال: لؤلؤة مدحرجة أو مستطيلة وزنها كذا، فقد تكون الثقيلة الوزن أوزن شيء وهي صغيرة، وأخرى أخف منها وهي كبيرة متفاوتين في الثمن ما بين المائتين والألفين ولا يكون ضبطها بالعظم فإن قيل: قال في "المختصر" مدحرجة مستطيلة، والمدحرجة كيف تكون مستطيلة؟ [ق 145 أ] قيل: ليس معنى المدحرجة ههنا المدورة وقد تكون مستطيلة، وقال بعض أصحابنا بخراسان: وعلى هذا لو أسلم في بطيخة واحدة لم يجز إذ لابد من ذكر الوزن.
وقيل: ما ينقص عن تلك الصفة التي ذكروا، ولو قال: مائة من البطيخ وجمع بطيخات متفاوتة يحصل مائة جاز، وقال مالك - رحمه الله -: يجوز السلم في اللؤلؤ وهو غلط لما ذكرنا.
فإن قيل: جوزتم في البلور والعقيق مثله؟ قلنا: العقيق شديد الاختلاف والحجر الواحد قد يكون موضع منه بفضل على ما سواه فضلاً كثيراً بخلاف البلور.
فرع لو أسلم في اللآلئ الصغار التي تسحق للدواء ولا تراد للزينة بحال وزناً يجوز ذكره أصحابنا.
مسألة: قال: "ولا يجوز السلم في جوز ولا رابخ".
الفصل وهذا كما قال: لا يجوز السلم في البطيخ والقثاء والرابخ والرمان والسفرجل والبيض ونحو ذلك عدداً، لأنها تتباين في الصغر والكبير ولا يجوز كيلاً، لأنها تتجافي في المكيال فلا تضبط، ويجوز السلم فيها وزناً.
ذكره أبو إسحاق وجماعة.
وأما الجوز، واللوز، والفستق، والبندق.
قال في "الأم": "إن كان الجوز لا يتجافي يجوز السلم فيه كيلاً والوزن أحب إلى وأصح فيه" وقال أبو إسحاق، وجماعة: يجوز السلم فيها كيلاً ووزناً، وحكي عن أبي إسحاق أنه قال: أراد الشافعي بالجوز الجوز الهندي حيث قال: لا يجوز [ق 145 ب] السلم فيه إلا وزناً" ولا يحتاج إلى هذا التأويل.
وهو غلط، لأن الشافعي - رحمة الله عليه - قال: ههنا: إلا أن يضبط بكيل أو وزن.
فذكر الكيل فيما يمكن كيله، وهذا التأويل، وذكر الرانج مع الجوز والرانج: الجوز الهندي فصح ما ذكرنا من الغلط، وقال الأوزاعي: يجوز السلم في البيض والسفرجل والرمان وما يتفاوت عدداً.

وحكي عن أبي حنيفة - رحمة الله -: يجوز في الجوز والبيض، واحتج بأن التفاوت بين الجوزتين والبيضتين يسير، وهذا لا يصح لأنه يتباين متفاوتاً كما في الرمان والبطيخ.
مسألة: قال: "وأرى الناس تركوا وزن الرؤوس".
الفصل.
وهذا كما قال: لا يجوز السلم في الرؤوس المشوبة ولا المطبوخة قولاً واحداً، كما يجوز في اللحم المطبوخ ولا يجوز في غير المشوبة عدداً لتباينها في الصغر والكبر.
وأما الوزن هل يجوز؟ فيه قولان: أحدهما: يجوز وبه قال مالك - رحمه الله - أنه لحم فيه عظم يجوز شراؤه فجاز السليم فيه كاللحم.
والثاني: لا يجوز.
وبه قال أبو حنيفة - رحمه الله - وهذا اختيار أكثر أصحابنا لأن ما فيها من العظم الذي ليس بمقصود أكثر من اللحم الذي هو مقصود فيكثر الغرر بخلاف اللحم، ولأن فيه أنواعاً مختلفة وطعوماً متباينة، فمنها اللسان، ومنها الخد، ومنها العين، ولا يمكن ضبط كل نوع منه، وقال أبو إسحاق: لا يجوز قولاً واحداً لهذا المعنى، وقوله: "لو تحامل رجل وأجاز السلم فيه [ق 146 أ] لم يجز إلا وزناً" أراد به قول الغير.
وقال بعض أصحابنا: يجوز قولاً إذا ذكر نوعاً من الخرفان أو الكباش أو التيوس أو النعاج، فيقول: مائة رأس وزن كل رأس كذا، ثم يلزمه أن يدافع ما بقى عما لا يفصل منها من الشعر والمناخر.
فرع هل يجوز السلم في الكوارع؟ قال القاضي الطبري: لا يجوز ولم يذكر خلافاً، والصحيح أنه لا فرق بينها وبين الرؤوس، لأنه أكثرها غير مقصود كما في الرؤوس إذا جوزنا، يقول: مائة كراع من المقادم أو المواخر وزنها كذا.
مسألة: قال: "ولا يجوز السلف في جلود الغنم".
وهذا كما قال: "لا يجوز السلم في الجلود لأنها إن قدرت بالذرع لم يصح لاختلاف خلقة مواضعها وتباينها في الدقة والغلط، وإن قدرت بالوزن فإن جلدين متفقان في الوزن مختلفان في الثمن اختلافاً متفاوتاً لشدة أحدهما وصلابته وضعف الآخر وخفته.
وقيل: جلد الورك ثخين قوي، وجلد الصدر ثخين رخو، وجلد الجنب ضعيف ولا يمكن العبارة عن هذا التفاوت.

وقال أصحابنا بخراسان: يجوز السلم فيها إذا ذكر الجنس والطول والعرض وإنما لا يجوز في جلد غير مدبوغ لأنه غير معلوم، وهذا خلاف النص.
فرع لو أسلم في قطعة من السبت مقدرة الطول والعرض موصوفة اللون والرقة والغلطة، هل يجوز؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لأنها من جملة [ق 146 ب] لا يصح السلم فيها ولأنها تختلف كالمعمولة وهو قول الأكثرين.
والثاني: يجوز بالوزن لأن ما تعذر ضبطه في الجلد وخيف اختلافه فيه مأمون في الفلقة المقطوعة على قدر معلوم، وهو اختيار بعض مشايخ خراسان.
فرع آخر قال في "الأم": ولا يجوز السلم في إرهاب من رقٍ ولا غيره" وأراد به ما يكتب فيه، وهذا لأنه جلد كسائر الجلود.
ويجب السلم في الكاغذ وزناً.
فرع آخر لا يجوز السلم في الخفاف والنعال لما فيه من الحشو والغراء.
وقال ابن سريج - رحمه الله -: لا يعلم في الخف إلا الله تعالى والإسكاف: يعني أنه مجهول، وحكي عن أبي حنيفة أنه يجوز أن يبتاع النعلين والشراكين، ثم يستأجر بأجرة معلومة على الجلد وعلى خرز الخفين، وإن لم يكن الجلد ميتاً لا يجوز وهذا لا إشكال فيه.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: يجوز استحساناً.
مسألة: قال: "ولا السلف في البقول حزماً".
وهذا كما قال: لا يجوز السلم في البقول حزماً لأنها تختلف وتتفاوت، وإن أسلم [ق 147 أ] فيها وزناً وذكر جنسه ونوعه فقال: كرات شامي أو طبري وذكر صغره وكبره

جاز، وكذلك في النعناع والطرخون والخس وغير ذلك.
وقال بعض أصحابنا: لا يجوز في الخس والفجل قولاً واحداً فإنه شيئان اللب والورق منه ما يكون كثير اللب قليل الورق، ومنه ما يكون صغيراً كثير الورق ولا يمكن ضبطه، وإن ذكر البقل مطلقاً لا يجوز لأنه اسم شامل.
فرع قال: ولا بأس بالسلم في قصب السكر وزناً ويقطع أعلاه الذي لا حلاوة فيه ولا منفعة، ويطرح ما عليه من القشر ويقطع مجامع عروقه من أسفله، وذكر بعض أصحابنا أن المزني قال: وأنا أقول: ويشترط أن يقطع مجامع عروقه من أسفله، ولم يذكره الشافعي.
فمن أصحابنا من قال: وهو شرط مثل قطع أعلاه، لأن كلها غير مقصود.
ومن أصحابنا من قال: لا يشترط هذا لأن فيه حلاوة وعروقه يسيرة ولا حلاوة في أعلاه.
فرع آخر لا يجوز السلم في الجزر والسلجم إلا بعد قطع ورقه، لأن ورقه غير مقصود ولا فيه منفعة لأن قلعه مفسد له فجرى مجرى قشوره.
فرع آخر لا يجوز السلم في الجزر والسلجم إلا بعد قطع ورقه، لأنه ورقه غير مقصود ولا فيه منفعة لأن قلعة مفسد له فجرى قشوره.
فرع آخر ويجوز السلم في التين كيلاً أو وزناً من جنس معروف إن اختلفت أجناسه، وكذلك في القصب والقرط والبصل وما أنبت من الأرض وزناً.
فرع آخر السلم في تعليم القرآن يجوز، لأنه يثبت في الذمة مهراً، ومن أصحابنا من قال: لا يجوز [ق 147 ب] قال والدي - رحمه الله: والأول أجود لأن الشافعي - رحمة الله عليه - نص على جواز السلم في المنافع واعتبر قبض المقابل لها في المجلس ولم يفصل.
فرع آخر لو جعل رأس المال منفعة دار فيسلم الدار له قبل أن يفارقه، ولو جعل رأس ماله تعليم سورة من القرآن يسلم نفسه إليه ثم يتخايرا ويفارقه برضاه من غير امتناع ليقطع بأحد هذين الأمرين خيار المجلس، ووجه ذلك أن تسليم ما ينتفع به جار مجري تسليم المنفعة في باب الأعواض.
فرع آخر لو اسلم إلى المحرم في صيد إلى أجل يعلم خروجه من الإحرام عنده لو فعل الأظهر جواز السلم، لأن الغالب وجوده غالباً وقت الاستحقاق.
وقد يعلم يقيناً إباحة الصيدلة عند التحلل على القول الذي يقول بحل الصيد بالتحلل الأول، وإن فوات وقت

رمي جمرة العقبة يفيد التحلل إذا قلنا الحق ليس بنسك، ولكن ينبغي أن يشترط في المسألة على هذا التحقيق وجود المسلم بعد الوقوف بعرفة لتصح هذه المعرفة من جهة اليقين لو بقى الحاج على شرط التكليف.
فرع آخر لو أسلم دراهم في ذمته في طعام ثم عينها قبل التفرق وقبل القبض، قال المسلم إليه أعطني بدله مثله لا أنه يكون أصلاً بنفسه ففعل هل يصح أم لا؟ قال والدي - رحمه الله: يحتمل أن يقال: يصح، ويحتمل أن [ق 148 أ] يقال: لا يصح ويبطل هذا الاشتراط.
فرع آخر لو جاءه بالمسلم فيه أجود مما شرط فأعطاه عوض الجودة لا يجوز، وقال أبو حنيفة: يجوز.
وهذا غلط، لأن الجودة صفة فلا يجوز إفرادها بالعقد.
فرع آخر اختلاف المسلم والمسلم إليه كاختلاف المتبايعين على ما ذكرنا، وإن اختلفا في الأجل فقال المسلم: بغير أجل، وقال المسلم إليه: بأجل واتفقا على الأجل واختلفا في قدره فقال من له الحق: شهر، وقال من عليه الحق: شهران تحالفا، ولو اتفقا على مبلغ الأجل واختلفا في انقضائه فقال من له الحق: قد انقضى، وقال من عليه الحق: ما انقضى، أو اختلفا في ابتدائه فقال من له الحق: شهر، وقال من عليه الحق: شهران تحالفا، ولو اتفقا على مبلغ الأجل واختلفا في انقضائه فقال من له الحق قد انقضى، وقال: من عليه الحق ما انقضى لو اختلفا في ابتدائه فقال: من له الحق أو له غرة شوال وقال: من عليه الحق أو له غرة القعدة فالقول قول من عليه الحق، لأن الأصل أنه ما انقضى.
وهكذا إذا اختلفا الأجير والمستأجر، فقال الأجير: قد انقضت المدة، وقال المستأجر ما انقضت فالقول قول من ينفي الانقضاء.
فرع آخر لو أسلم إليه وسلم رأس المال فقال: سلمه إليه بعد افتراقنا عن المجلس فالسم باطل.
وقال المسلم إليه: سلمته [ق 148 ب] في المجلس وأقام كل واحد منهما بنية.
قال ابن سريج: بنية المسلم إليه أولى لأنه يدعى صحة العقد، والظاهر من صحته وهكذا لو كان رأس المال في يد المسلم وقد تفرقا عن المجلس فقال: تفرقنا قبل القبض.
وقال المسلم إليه: قبضته ثم تفرقنا ثم أودعتكه أو غصبته وأقام كل واحد منهما بينة فبينة المسلم إليه أولى لما ذكرنا.
ولو لم يكن بنية فالقول قول من يدعي الصحة، ولو

كان الاختلاف بالضد فقال المسلم إليه: تفرقنا قبل القبض، وقال المسلم: ما تفرقنا إلا بعد القبض والثمن في يد المسلم وأقام كل واحد بينة بما يدعيه فالبينة بينة المسلم لأنها تثبت قضاء تنفيه الأخرى فيكون عقد السلم بحالة وقد عاد ثمن السلم فيه إلى يد المسلم بعد أن قبضه منه.
فيكون القول قول المسلم إليه في حقه إلى المسلم وإن لم يكن مع واحد بينة فأقول قول من معه سلامة العقد.
فرع آخر ضمان المسلم فيه جائز وقد ذكرنا، فلو ضمن فصالح الكفيل عماله بشيء يأخذ منه لا يصح الصلح، لأن الصلح بيع.
ولا يجوز بيع المسلم فيه من الكفيل لأنه بيع ما لم يقبضه.
ولو كان في لفظ الصلح صالحني مالك في ذمة المسلم إليه بمثل الثمن الذي أسلمته إليه لم يصح أيضاً، لأنه إقالة والإقالة من غير العاقد لا تصح.
ولو قال المسلم إليه: صالحني مما في ذمتي بمثل ذلك الثمن فصالحه يجوز لأنها إقالة بلفظ الصلح [ق 149 أ] وإن لم يذكر ذلك المسلم فإنه بيع ولا يجوز بيع المسلم فيه قبل القبض.
فرع آخر لو أسلم إلى رجل وشرط موضع التسليم ثم صالحه على أن يسلمه إليه في غير ذلك الموضع ويأخذ منه كرى الحمل إلى الموضع المشروط لا يجوز، ذكره ابن سريج.
فرع آخر لو قبض المسلم المسلم فيه ووجده معيباً رده، فإن حدث عنده عيب آخر قال القاضي الطبري - رحمه الله: كان له الرجوع بأرشه عندي على مذهب الشافعي - رحمة الله عليه.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله: لا يرجع بالأرش لأن الرجوع بالأرش أخذ عوض الجزء الغائب.
ومع المسلم فيه قبل القبض لا يجوز، وهذا غلط، لأنه عوض يجوز رده بالعيب، فإذا سقط الرد بحدوث عيب آخر ثبت الرجوع بالأرش كالمبيع في بيع العين، وأما ما ذكره فلا يصح، لأن بيع المبيع قبل القبض لا يجوز، ويجوز أخذ أرش العيب.
وقال ابن سريج - رحمه الله: هذا باعتياض على الجزء الفائت ولكنه فسخ في الجزء الفائت، فإذا كان المسلم فيه عيب ينقص عشر قيمته، وأخذ الأرش فقد أخذ عشر رأس المال فينقص البيع فيه، وفي الباقي البيع صحيح تام.
وذكر القفال أن الشافعي - رحمة الله عليه - نص على ما ذكره القاضي الطبري وقال المزني: "لا يجوز ذلك، كما قال أبو حنيفة، وقال ابن سريج: ما قاله الشافعي صحيح على ما ذكرنا عنه، وذكر [ق 149 ب] والدي - رحمه الله - أنه يرد مع أرش العيب الحادث عنده ويطالبه بالمسلم فيه على الصفات المشروطة، لأنه استحق في ذمته ثوباً سليماً، وهو دفع غير ما استحقه فله الرد وأخذ المستحق كما لو كان عليه درهم جيد فدفع رديئاً يرد.
ويطالبه بالجيد.
قال: وعلى هذا لو كان عليه لآخر عبد سليم فدفعه معيباً ولم يعلم به القابض حتى اكتسب العبد

مالاً، أو كانت جارية فولدت ثم أراده رده بالعيب، له الرد وعليه رد ما اكتسبه معه، لأن ملك الرافع لم يزل بالدفع إلا بشرط الرضا، فإذا لم يكن رضا علم أنه باق على ملكه فيكون الكسب له، وهذا لا يصح عندي، لأن ملك الدافع زال الدفع، ولهذا لو وجد به عيباً فسكت بطل الرد وبقي على ملكه، وكذلك لو رضي بالعيب فلا معنى لهذا.
فرع آخر لا يجوز أن يشتري سلعة ويشترط على البائع سربلها، وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: يجوز لأن الناس يفعلون ذلك، وهذا غلط لأنه بيع شرط فيه على البائع منفعة بغير عوض فلا يجوز، كما لو اشترى حنطة على أن يطحنها البائع.
فرع آخر لو قال: اشتريت هذه السلعة بدرهم واستأجرتك لسويتها بدرهم فيه طريقان: أحدهما: فيه قولان، لأنه جمع بين بيع وإجازة.
والثاني: لا يجوز وجهاً واحداً لأنه شرط العمل فيما لم يملكه بعد.
فرع آخر لو قال لعبد رجل: اشتر نفسك [ق 150 أ] من مولاك بكذا فاشترى نفسه له من مولاه، قال ابن سريج: فيه وجهان وقيل قولان: أحدهما: يصح البيه لأنه إذا جاز أن يكون وكيلاً له في شراء عبد جاز أن يكون وكيلاً في شري نفسه، ولأنه إذا ناب عن غيره كان بمنزلة قبول الموت عنه وهذا أقيس، وبه قال مالك رحمه الله.
والثاني: لا يجوز وهو المذهب، لأن يد العبد يد سيده، وإذا لم يجز أن يشتري من نفسه لغيره فكذلك لا يجوز.
فإذا قلنا: يصح فإن صدقه المشتري له أنه وكله كان الشري له، وإن لم يصدقه كان الشري لازماً له وعتق ويثبت الثمن في ذمته، وكذلك لو وكل رجل عبد رجل بأن يشتري له عبداً لسيده هل يصح؟ وجهان.
فرع آخر لو باع عبده من نفسه صح ويكون عتقاً بعوض فيعتق ويستحق الثمن في ذمته وإن أقر العبد بعد ذلك أنه ابتاع لزيد، فإن صدقه السيد وزيد على ذلك فيه وجهان، والصحيح أنه يقبل، وإن كذبه السيد فالقول قول السيد مع يمينه على أنه لا يعلم ووقع البيع لنفسه وعتق لأن الظاهر أنه ابتاع لنفسه.

باب التسعير

قال: أخبرنا الدراوردي الخبر.

وهذا كما قال.
لا يجوز للسلطان ولا للناظر في أمور المسلمين أن يسعر على [ق 150] التجار في امتعتهم في الطعام وغيره لا في حال الخصب والرخص، ولا في حال الغلاء والقحط.
وقال مالك: للإمام، التسعير عند غلاء الأقوات، فإن خالفوا أدبهم إلا أن يمتنعوا عن البيع أصلاً فلا يجبروا.
وقيل عنه: أنه له يبيع من بيته كيف شاء.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: للإمام التسعير وإن لم يكن ضرورة عند مالك وعندنا في زمان القحط وشدة الحال ومع رجل أو جماعة طعام لا يبيعونه يسعى الوقت فسعر الإمام نظر للناس هل يجوز أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز.
والثاني: يجوز للمضطرين أن يغيروا على طعام الغير فيأخذونه بقيمة مثله ذكره أبو حامد أيضاً.
ولكنه في الحقيقة ليس تسعير لأنه يجوز له الأخذ جبراً وقيل: إنما يسعر في السوق فأما في بيته يبيع كيف شاء، لأن عمر - رضي الله عنه - قال لحاطب إما أن ترفع في السعر، وإما أن تدخل بيتك فتبيعه كيف شئت.
وقال أبو إسحاق: إن كان يجلب إليه الطعام لا يجوز التسعير، وإن كان طعام أهل البلد من البلد فللإمام أن يسعر وهذا خلاف النص.
واحتج الشافعي رحمه الله بما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: سعر على أصحاب الطعام، فقال: "بل أدع الله" ثم جاء آخر فقال: يا رسول الله، سعر على أصحاب الطعام، فقال: "بل ادع الله" ثم جاء آخر فقال: يا رسول الله، سعر على أصحاب الطعام، فقال: "بل ادع الله يرفع ويخفض، [ق 151 أ] وإني لأرجو أن ألقي الله تعالى وليست عندي لأحد مظلمة".
وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما قيل له: يا رسول الله غلا السعر فسعر لنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله تعالى وليس لأحد منكم من يطلبني بمظلمة في دم ولا مال".
فقال الشافعي: ولأن الناس مسلطون على أموالهم ليس لأحد أن يأخذها ولا شيئاً منها بغير طيب أنفسهم إلا في المواضع التي تلزمهم، وهذا ليس منها، وأراد بالمواضع التي تلزمهم أروش الجنايات ونفقات الغرامات فالحقوق اللازمة للمستحقين وهي كثيرة، ومن جملتها أن الضرورة إذا اشتدت بالمضطر كان للسلطان أن يتعاطى أخذ مال الناس لشدة..... جبراً ولكنه لا يجوز إلا بعوض، فإن وجد للمضطر ما يصرف إلى قيمة الطعام صرفه، وإن لم يجد له مالاً وفي بيت المال شيء فالقيمة في بيت المال، وإن لم يكن في بيت المال ما أجبر الناس على إشباع الجائعين بلا عوض ولا بغير طيب أنفسهم في هذه المنزلة ولكنه يجتهد

ويجبر المتولين والأغنياء وأولادهم الناس على الإشباع والكفاية، لأن الأسعار وإن ارتفعت فلا يكاد يعدم الفقراء من يتصدق عليهم بثمن الطعام.
واحتج مالك رحمه الله بما روى عن عمر - رضي الله عنه - أنه مر بحاطب في سوق المصلي [ق 151 ب] وبين يديه غرارتان فيهما زبيب، فسأله عن سعرها كل مدين بدرهم، فقال له: حدثت بعير مقبل من الطائف وهم يعتبرون بسعرك، فإما أن ترفع في السعر، وإما أن تدخل زبيبك البيت فتبيعه كيف شئت.
فدل على جواز التسعير.
وروى عن علي رضي الله عنه أنه سعر على قوم طعاماً فخالفوه فحرقه عليهم من الغد.
والجواب ما ذكره الشافعي رحمه الله قال: هذا الذي رواه مالك بعض الحديث، وتمام الحديث: أنه لما رجع حاسب نفسه كل ليلة لما جرى في يومه فوجد في حسابه أنه سهر الحاطب، فأتى حاطباً في جوف الليل، وقال: إن الذي قلت ليس بعزيمة مني ولا قضاء، وإنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد، فحيث شئت فبع وكيف شئت فبع.
قال الشافعي: وهذا الحديث يقتضي ليس بخلاف لما روى مالك، ولكنه روى بعض الخبر أو رواه من رواه عنه، وهذا أتى بأول الخبر وآخره، ثم أشار إلى ما ذكرنا من القياس.
وأما لفظ الحديث: "فسعر له مدين لكل درهم"، قرئ بتنوين اللام ورفع الدرهم "لكل درهم"، وهو اختيار القفال.
ومعناه: كل مد بدرهم.
وقرئ بتنوين اللام وخفض الدرهم، ومعناه: بعه مدين بدرهم.
وهذا يحتمل اللفظان ثبتت به الرواية، ولا يختلف الحكم بذلك، وفي هذا الأمر دليل على أن الإمام إذا أمر بشيء وهو يريد به المصلحة وليس ذلك بحتم في الشرع فعليه تبيينه للمأمور على أن [ق 152 أ] مرادي بذلك المصلحة وليس ذلك بحت في الشرع لئلا يظن المأور خلافه.
ولهذا أتى عمر - رضي الله عنه - حاطباً في داره نبه على ذلك.
وقال أصحابنا: المستحب للإمام أن يباشر مطالعة أحوال الأموال، ولا يرتفع عن ذلك كما كان عمر - رضي الله عنه - يفعل.
وأما خبر علي - رضي الله عنه - فلا يصح وهو متروك بالإجماع.
فرع إذا جوزنا التسعير في الطعام هل يجوز في علف البهائم؟ وجهان، لأن لها حرمة بالروح.
فرع آخر إذا سعر الإمام فخالفه له أن يعزره، وهل يصح البيع؟ وجهان:

أحدهما: لا يجوز، لأنه صار محجوراً عليه، ويجوز الحجر على الخصوص.
والثاني: يجوز، لأنه لو باع في بيته يجوز.
فرع آخر الاحتكار محرم في الجملة لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن احتكار الطعام.
وروى ابن عمر - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الجالب مرزوق والمحتكر ملعون" وروى: "المحتكر ممحوق".
وقال مالك رحمه الله: لا يجوز في الطعام وغيره من السلع.
وقال: ليست الفواكه من الحكرة.
وقال أحمد رحمه الله: لا احتكار إلا في الطعام خاصة لأنه قوت.
وقال: في مثل مكة والمدينة والثغور، فأما في بغداد والبصرة فلا، لأن السفن تخترقها.
وروى أن عمر - رضي الله عنه - خرج مع أصحابه فرأى طعاماً كثيراً قد ألقى على باب مكة، فقال: ما هذا الطعام؟ فقالوا: جلب إلينا، فقال: بارك الله فيه [ق 152 ب] وفيمن جلبه.
قيل له: إنه قد حكر، فقال: ومن حكره؟ فقيل: فلان مولى عثمان وفلان مولاك، فأرسل إليهما وقال: ما حملكما على احتكار طعام المسلمين؟ فقالا: نشتري بأموالنا ونبيع.
فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من احتكر على المسلمين طعامهم لم يمت حتى يضربه الله بالجذام أو الإفلاس".
وقال الراوي: فأما مولى عثمان فباعه، وقال: والله لا احتكر أبداً.
وأما مولى عمر فلم يبعه، فرأيته مجذوماً مخدوشاً.
قال صاحب "الإفصاح": معناه إذا احتكر في الأوقات التي يضطر الناس إلى ما احتكره ومس حاجتهم إليه.
فأما إذا نقص السعر لكثرة الطعام وسعته فاشتراه طلباً للربح فيه كان جائزاً.
وروى سعيد بن المسيد عن معمر بن أبي معمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحتكر إلا خاطئ".
فقيل لسعيد: إنك تحتكر، قال: ومعمر كان يحتكر.
وتأويله أن المحرم نوع على ما ذكرنا.
قال أصحابنا: وهكذا لو جلبه من بلد الرخص إلى بلده ليبيعه وقت الغلاء والحاجة بسعر اليوم يجوز؟ وربما يكون هذا حسنه، لأنه ينتفع به الناس.
وكذلك إذا ارتفع من طعام فحبسه زماناً ليبيه وقت الحاجة يجوز إن كانت نيته أن لا يبيعه وقت حاجتهم وجوز مغالتهم إياه فهو حرام.
وفي هذا روى ابن عمر - رضي الله عنهما - أن

النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من احتكر طعاماً أربعين ليلة بريء من الله، وأيما [ق 153 أ] أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت ذمة الله منهم".
ومن أصحابنا من قال: الاحتكار مكروه والنهي نهي كراهةٍ، والصحيح ما ذكرنا.
وبه قال مالك وأبو حنيفة.
فرع روى عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع المضطر، وبيع الغرر، وبيع الثمرة على نخلها قبل أن تدرك.
وأراد: إذا اضطر إليه بالإكراه عليه فلا يصح.
وقيل: أن يضطر إلى البيع لدين أو مصادره فيبيع بالوكس للضرورة.
فالمستحب أن لا يبتاع على هذا الوجه ولكن يعان ويقرض ويمهل إلى اليسار، فإن عقد جاز في الجملة.

باب ابتياع ذي الحق من أخذه وما لا يلزمه قبوله

مسألة: قال: "وأصل ما يلزم المسلف قبول ما سلف فيه أنه يأتيه به من جنسه".
وهذا كما قال: إذا أتى المسلم إليه بالمسلم فيه لا يخلو من ثلاثة أحوال، إما أن يأتي به على الصفة التي تناولها العقد، أو أزيد منها، أو دونها.
فإذا أتى به على الصفة لزمه قبوله، فإن امتنع من قبوله قيل له: إما أن تقبضه أو تبرئه من الحق، لأن له عرضاً أن تبرأ ذمته من حقك، فإن فعل وإلا قبضه الحاكم عنه وبريء المسلم إليه منه، لأن الحاكم ينوب عن الممتنع بولايته عليه، وليس للحاكم الإبراء، لأن الولي يملك القبض ولا يملك الإبراء.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قول [ق 153 ب] لا يجبر على قبوله كمن لا حق قصاص لا يقال: إما أن تأخذ أو تبرئ.
وهذا ضعيف، لأن في القصاص ذمته بريئة، وقد خرج من المأثم بالتمكين، ولأن هناك لا ضرر وههنا ضرر، لأنه ربما يطالبه بعد ذلك وقد أعسر، وهذا إذا لم يكن له غرض إلا براءة ذمته، فإن كان هناك غرض آخر بأن كان يحتاج في حفظه إلى مؤنة أو يخاف هلاك المال يجبر على قبوله وجهاً واحداً، فإن اختلفا في الوصف الذي شرطاه سئل أهل الخبرة، فإن قالوا: قد وجد هذا الوصف فيه أجبر على قبوله.

قال الشافعي رحمة الله عليه: ويعتبر أقل ما يقع عليه اسم الوصف الذي شرطاه وإن كان هناك أجود منه، وإن أتى به دون صفته لم يلزمه قبوله، لأنه لا يجبر على إسقاط حقه.
وإن أتى به فوق حقه لا يخلو إما أن يأتيه فوق صفته أو بنوع آخر أجود من نوعه، أو بجنس آخر خير من جنسه، فإن أعطاه من نوعه أجودهما شرط يلزمه قبوله، لأنه أتاه بما تناوله العقد وزيادة تابعة لما تناوله العقد تنفعه ولا تضره.
ويفارق هذا إذا اشترى شيئاً بعينه وأعطاه من نوعه خيراً منه لا يلزمه قبوله، لأن العقد تناول عيناً فلا يصح في عين أخرى إلا بعقد جديد وفسخ الأول، وههنا ما يقبضه يعين فيه العقد الأول، وإن أتى به زائد القدر لا يلزمه قبول الزيادة، لأنه يمكن تمييزها ولا تكون [ق 154 أ] الزيادة تابعة لما تناوله العقد، بل هذا ابتداء هبة، وإن قبلها كانت هبة تفتقر إلى ما تفتقر فيه الهبة، وإن أتى بجنس آخر من المسلم فيه، مثل أن يسلم في التمر فيأتيه بالزبيب، أو يسلم في الشعير فيأتيه بالحنطة لا يجبر على قبوله، لأن هذا غير المعقود عليه، وإن أراد قبوله لم يجز، لأنه بيع المسلم فيه قبل القبض.
ولو أتى بشاة حمراء بدل شاة سوداء يجوز إذا رضي، وإن كان نوعاً غير النوع الذي أسلم، مثل أن يأتي بالضأن بدل المعز، أو أتى بالزبيب الخراساني بدل الزبيب الرازي لم يلزمه قبوله، لأنه يختلف فيه الغرض.
وإن كان ما أتى به أكثر قيمة، وهل يجوز أن يتراضيا؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز، لأن ذلك بيع المسلم فيه كما قلنا في الجنسين.
وبه قال أبو إسحاق.
والثاني: وبه قال ابن أبي هريرة: يجوز، لأنهما جنس واحد ويضم أحدهما إلى الآخر كالزكاة.
وهذا أصح.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان، وهو غريب.
وقال أبو حامد رحمه الله: يجوز قبوله، وهل يلزم قبوله؟ فيه وجهان: أحدهما: يلزمه قبوله - وهو الصحيح - لأن زيادة النوع كزيادة الصفة، ولأنه لو لم يكن المبيع لم يجز قبوله.
ولأن الشافعي رحمة الله عليه قال: "وأصل ما يلزم السلف قبول أن يأتي من جنسه" فاعتبر الجنس فقط ولا يصح هذا، لأن الشافعي قال: وإن كان زائداً يصلح ما يصلح له [ق 154 ب] ما أسفله فيه أجبر على قبضه، وقد يصلح أخذ النوعين لما لا يصلح الآخر فأخذ الزبيين يصلح للخل ولا يصلح الآخر له، وأخذ اللحمين يصلح في اللون من الآخر، ويخالف زيادة الصفة، لأن الغرض فيه موجود مع زيادة بالغة.
وأما جواز الأخذ فلا أسقط ما عدمه من صفة النوع الذي عينه، فهو يأخذ كما يأخذ الرديء عن الجيد، ولا يشبه الجنس الآخر لا يجوز أخذه، لأنه لا يدخل في صفاته ولا في بعضها فافترقا.
وعلى هذا أتى بثوبه مروي فكان ثوب هروي فهو زيادة النوع

فرع لو أتى بجاموس بدل بقرة هل يجوز قبوله؟ وجهان.
ولو أسلم في حمار وحشي فأتاه بأهلي، فإن قلنا لا يجوز في الجاموس فههنا أولى.
وإن قلنا يجوز في الجاموس فههنا وجهان: فرع آخر لو اسلم في غنم فأعطاه غنماً خرجت من الظباء، والغنم فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: يجوز قبوله.
والثاني: لا يجوز.
والثالث: إن كانت الأم غنماً يجوز قبوله وإلا فلا يجوز.
مسألة: قال: "وإن كانت حنطة فعليه أن يوفيه إياها نقية من التبن".
وهذا كما قال.
إذا كان الحق حنطة فعليه أن يوفيه حنطة خالصة ليس فيها مدر ولا شعير ولا نصل ولا زوان، فإن جاء بها وفيها دقاق التبن أو التراب، فإن كان كثيراً لم يلزمه قبولها، فإن كان الشرط وزناً لا يلزمه [ق 155 أ] قبوله بحال، لأنه يأخذ قسطاً في الميزان.
مسألة: قال: "وليس عليه أن يأخذ التمر إلا جافاً".
وهذا كما قال: إذا كان الحق تمراً يلزمه ما يفع عليه اسم التمر، وهو إذا بلغ أول وقت الادخار، وليس له أن يطالبه بما تناهي خفافه، فلو أعطاه ما جاوز حد الرطب ولم يبلغ حد الادخار لم يلزمه قبوله، لأنه خفة.
وقال مالك رحمه الله: إذا اسلم في جيد له أوسط ما ينطلق عليه الاسم.
فرع يلزمه أن يقبل من أقاع التمر ما ألصق بها، لأنه أحفظ لها، ولا يلزمه أن يأخذ ما انفصل منها كالنوى.
فرع آخر لو اسلم في لحم الطير والسمك، قد ذكرنا أنه لا يلزمه أخذ الرأس.
وقال بعض أصحابنا

بالبصرة: إن كان الطير صغيراً لا يحتمل أن يباع مبضعاً لزمه فيه أخذ الرأس والرجلين.
وكذلك فيما صغر من الحب يؤخذ الرأس والذنب، لأنه يؤكل معه ويطبخ معه إلا أن يشترط قطع ذلك، كالعظم، وبهذا القول وجه ولكن المذهب خلافه، ولا فرق بين صغار ذلك وكباره، لأن الرأس والرجلين تتميز عن اللحم والعظم، داخل في اللحم، واللحم متراكب عليه فافترقا.
فرع آخر أخذ الجلد مع اللحم، فإن كان لحم إبل أو بقر أو غنم لم يلزمه قبوله، وإن كان لحم طير أو حوت لزمه، لأنه مأكول معه ولا يكاد ينفصل عنه فكان أولى [ق 155 ب] أن يلزم قبوله من العظم الذي قد ينفصل عنه ولا يؤكل معه.
وهكذا لو كان السلم في لحوم الجدي الصغار لزمه قبول الجلد فيه كما ذكرنا من المعرف المعتاد في أكله معها، وأنه لا يتميز في الغالب عنها.
مسألة: قال: "وإن أعطاه مكان كيل وزناً، أو مكان وزن كيلا أو مكان جنس غيره لم يجز بحال".
وهذا كما قال.
كل موضع أراد قبض ما في ذمته فإنما يقبضه على الوجه الذي لزم في الذمة لو كان كيلاً فكيلاً، وإن كان وزناً فوزناً، ولا يأخذ مكان الكيل وزناً ولا مكان الوزن كيلاً، لأنه لا يعلم هل أخذ بعض حقه أم أكثر، أو فوق حقه.
فإن خالف بغير ما وجب له كان وجب له قفيز طعام فأخذ مائة وعشرين رطلاً كان القبض فاسداً، فإن كان الطعام قائماً كلناه، فإن خرج وفق حقه فذلك، وإن كان دون حقه فعليه الفضل، وإن كان أكثر رد الفضل، وإن كان تالفاً فإن اتفقا على شيء حمل الأمر عليه، وإن اختلفا في القدر أو نفس الطعام فالقول قول القابض.
وقال مالك، والثوري، والأوزاعي: إذا أصدقه في الابتداء فالقول قول البائع.
وهو غلط، لأن الأصل عدم القبض وطريق القبض كان فاسداً ههنا.
ولو تصرف هذا القابض قبل الكيل هل يصح؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لأنه بيع المسلم فيه قل قبضه.
والثاني: وهو [ق 156 أ] اختيار أبي إسحاق يجوز، لأنه دخل في ضمانه.
وقد مضى نظير هذه المسألة.
فإن قال قائل: إذا استحق عليه حنطة كيلاً فأعطاه وزناً فقد استوفي حنطة وحقه حنطة، فلم قال الشافعي: "فإنه بيع المسلم فيه قبل أن يستوفي"؟ قلنا: شبهه بالبيع بخلاف الرابع في الاستيفاء، فجعل بدل الاستيفاء كبدل المستوفي وذلك غير بعيد.
وتقدير اللفظ

ههنا لأنه كبيع المسلم فيه قبل الاستيفاء.
ويحتمل أن يقال: جمع الشافعي بين المسائل الثلاث وانعطف تعليله على المالية وحدها، وهي قوله: "أو مكان جنس غيره".
والعلة في المسألتين الأوليتين غير هذه وهي ما ذكرنا.
ثم ذكر أن الاعتبار في الكيل والوزن بالحجاز، وبصاع رسول الله صلى الله عليه وسلم دون سائر الأصع خلافاً لأبي حنيفة.
وفائدة هذه المسألة في الربا لا في السلم، لأن السلم في المسلم في الكيل بالوزن يجوز، وقد ذكرنا قبل هذا.
فرع روى علقمة بن عبد الله عن أبيه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تكسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس.
وأراد به كسر الدراهم المضروبة على السكة.
وقيل: إنه كره لما فيه من ذكر الله تعالى.
وقيل: كره لما فيه من الرصعة وفيه تضييع المال.
وقال ابن سريج رحمه الله: كانوا يرصون الدراهم [ق 156 ب] ويأخذون أطرافها فنهوا عنه.
وقال بعض أهل العلم: إنما كره قطعها وكسرها من أجل التدنيق.
وقال الحسن: لعن الله الدانق وأول من أحدث الدانق.
فرع آخر إذا مات المسلم إليه قبل الأجل وهناك ضامن عنه ولم يوجد الشيء، فالصحيح أن السلم باق والمسلم بالخيار في أصح الوجهين، فإن فسخ سقط الضمان.
وإن مات الضامن فله مطالبة ورثته بالشيء إن وجد، وإن غرموه لم يرجع على المضمون عنه إلا بعد أجله إن كان ضمان أبيهم بأمره، وإن عدم الشيء فلا مطالبة له عليهم.
فرع آخر إذا جعل المسلم فيه قبل قبضه هذا فالميت المسلم إليه لم يجزئه وإن كان المسلم إليه امرأة قالت: تزوجني عليه لم يجز.
وكذلك الخلع.
مسألة: قال: "لوجاء [بحقه] قبل محله".
الفصل: وهذا كمال قال.
إذا جاءه بالحق قبل محله لا يخلو من أحد أمرين، إما أن يكون له

غرض في تأخيره إلى وقت محله مثل أن يكون رطباً أو لحماً أو غير ذلك مما يخاف تغييره وفساده إلى المحل أو كان شيئاً له حجم يحتاج إلى حفظه إلى مكان مثل القطن ونحوه إن كان يخاف تلفه، مثل الحيوان فيلزمه مؤنة علفة فلا يلزمه قبوله، وإن كان لا يخاف فساده ولا له مؤنة ولا يحتاج في حفظه إلى مؤنة كالدراهم والدنانير والرصاص [ق 157 أ] والحديد ونحو ذلك ينظر، فإن كان الوقت مخوفاً فلا يجبر أيضاً على قبوله.
وقال بعض أصحابنا: إن كان الخوف موجوداً عند العقد هل يلزمه القبول؟ وجهان.
وإن كان الوقت آمناً على قبوله لأنه لا غرض له في تأخير قبوله.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان: أحدهما: هذا والثاني: لا يلزمه، لأنه ربما يستقرضه صديق له فيستحي أن يرده وما أشبه ذلك، فيريد أن لا يكون في يده ذلك.
قال هذا القائل: إن كان للدافع غرض في ذلك مثل فك رهن أو إبراء ضامن، أو نجوم كتابة يريد أن يعتق بأدائه يلزم المستحق قبوله قولاً واحداً.
وفيه ورد الحديث أن أنس بن مالك رضي الله عنه كاتب سيرين، فجاء بالنجم قبله محله، فأبى أن يأخذه، فرفعه سيرين إلى عمر - رضي الله عنه - وقال: أنه يريد أن أموت ويأخذ مالي وأولادي، فقال عمر رضي الله عنه: لتأخذنه ولأجعلنه في بيت المال وأحكم بعتق سيرين.
وروى أنه أخذه منه وقال: اذهب فقد عتقت.
قال هذا القائل: وهذا في غير السلم، فأما المسلم اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: هو من الجملة الثانية، لأن للمؤدي غرضاً في ذلك، وتلك أشياء....... من إنقاذ المسلم فيه من أيدي الناس فينفسخ السلم أو يثبت فيه الخيار [ق 157 ب] للمسلم.
ومنهم من قال: ليس هذا من الأغراض وهو من الجملة الأولى فيه قولان.
وقال في "الحاوي": لو كان في سوق ينتظر ويتوقع زيادة سعر فيه وجهان: أحدهما: أنه قصد صحيح، وهذا عذر في تأخيره فلا يلزمه أخذه.
والثاني: هذا المعنى لا يختص بالمسلم وإنما يختص بالسلم فلم يجز له عذر في تأخير القبض ويجبر على أخذه.
فرع إذا أسلم ثوباً في ثوب فيه أوجه.
أحدهما: يجوز حتى يتفاوتا في بعض الأوصاف.

والثاني: لا يحتاج إلى هذا، ولكن إطلاق العقد يقتضي ثوباً آخر للعادة كما في نقد البلد، فإذا بقى بذلك الثوب لا يلزمه قبوله، فإن قبل كان تقليلاً واسترجاعاً لرأس المال.
والثالث: يجوز، وإذا أتى به يلزمه قبوله.
فرع آخر إذا جوزنا فجاء بذلك الثوب وألزمناه القبول فأراد إقالة السلم هل يجوز؟ وجهان: أحدهما: لا يجوز، لأن الإقالة ترد على عين........ لا على ما في الذمة فيؤدي إلى أن يصير عين الثوب عوضاً ومعوضاً في الإقالة فلا يصح.
والثاني: يجوز يقابلان في القيمة كما لو هلك رأس المال.
فرع آخر لو قال: بعتك بعشرة من نقد كذا، فإن كان انقطع عن أيدي الناس بطل، لأنه لا يقدر على تسليمه، وإن كان موجوداً في تلك البلدة إلا أنه يحتاج في تحصيله إلى كلفة وطلب يصح نقداً [ق 158 أ] كان أو نسيئة.
وإن كان عزيز الوجود نظر، فإن كان موجوداً عند المشتري أو كان مؤجلاً، ويمكنه تحصيله في تلك البلدة يصح.
فإن لم يكن موجوداً عند المشتري والثمن حال لا يصح، لأنه التزم بالعقد تسليم ما لا يقدر عليه.
وإن كان النقد لا يوجد في تلك البلدة ويوجد في بلدة أخرى، وإن كان الثمن حالاً أو مؤجلاً بأجل قصير لا يتمكن من إحضاره في تلك المدة لا يصح، وإن كان يتمكن من إحضاره يصح، ثم أن أحضره فلا كلام.
وإن تعذر، فإن قلنا: أخذ البدل عن الثمن لا يجوز فحكمه حكم المسلم فيه إذا انقطع.
وإن قلنا: يجوز أخذ البدل عنه يستبدل ولا يفسخ العقد.
وقال بعض أصحابنا: للبائع فسخ العقد، لأنه تعذر وصوله إلى الثمن المستحق بالعقد كما لو أفلس.
فرع آخر قال المسلم إليه: الجنس المستحق في هذه السنة فيه قلة ولا آمن أن يكون عند المحل منقطعاً فيطالبني برد رأس المال، فهل هذا غرض صحيح حتى يجبر المسلم على الاستبقاء إذا لم يكن فيه ضرر؟ وجهان: أحدهما: يجبر لأنه أمر محتمل.
والثاني: لا يجبر لأنه أمر موهوم.
فرع آخر لو جاء به غير مكان العقد ولا عرض في الموضع وليس فيه التزام غرامة، فهل

يلزمه [ق 158 ب] قبوله؟ وجهان: فرع آخر لو جاء به وفي نقله مؤنة فقال: أنا التزم هذه الغرامة وأعطني أجرة النقل لا يلزمه قبوله في غير المكان المشروط.
فرع آخر لو جاء بالمسلم فيه وخلى بينه وبين المالك.
فإن قلنا: التخلية في البيع قبض فههنا وجهان، والفرق أن هناك الملك ثابت له في العقود عليه قبل القبض، والذي ترك عنده ملكه فجعلناه قابضاً له وههنا ليس الملك فيه له وإنما يملك بالاستيفاء ولم توجد حقيقة القبض فلم ينقل الملك فيه إليه.

جارٍ التحميل