بحر المذهب للرويانيصفحات 302-303

كتاب قسم الفيء وقسم الغنائم

صفحات 302-303

بني فهر بن مالك فلما رأى من تقدم عليه قال: أكل هذا يدعى أمامي، فقال له عمر: يا أبا عبيدة اصبر كما صبرت أو كلم قومك، فمن قدمك منهم على نفسه لم أمنعه، فأما أنا وبنو عدي فنقدمك على أنفسنا إن أحبت ثم دعا بعد بني لؤي بن غالب بن غالب بن فهر.
ثم دعا بعدهم بني فهم بن مالك حتى استكمل قريشاً واختلف النسابون من علماء الشرع من قريش على قولين: أحدهما: أنهم بنو فهر بن مالك فمن تفرق نسبه من فهر فهو من قريش ومن جاوز فهر بن مالك بنسبه فليس من قريش وهذا قول ابن شهاب الزهري وطائفة.
والثاني: أن قريشاً هم بنو النضر بن كنانة جد فهر بن مالك؛ لأنه فهر بن مالك بن النضر بن كنانة فكل من كان من ولد النضر بن كنانة فهو من قريش ومن جاوز النضر بنسبه فليس من قريش، وهذا قول الشعبي وطائفة أخرى، واختلفوا في تسميتهم قريشاً على ستة أقاويل: أحدها: أن فهر بن مالك كان اسمه قريشاً وإنما نبزته أمه فهراً لقياً وهذا قول الزهري.
والثاني: أنه سمي قريشاً لأن قريش بن بدر بن مخلد بن النضر بن كنانة كان دليل بني كنانة في تجارتهم، وكان يقال قدمت عير قريش فسميت قريش به، وأبوه بدر بن مخلد هو صاحب بدر الموضع الذي لقي فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قريشاً وهو احتفر بئرها وفيه أنزل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران:123] وهذا القول حكاه الزبير بن بكار عن عمر.
والثالث: أنهم سموا قريشاً؛ لأن النضر بن كنانة سمي قريشاً لأنه كان يقرش عن خلة الناس وحاجتهم فيسدها والتقرش هو التفتيش ومنه قول الحارث بن حلزة 1: أيها الناطق المقرش عنا عند عمرو، فهل له إبقاء وهذا قول الشعبي.
والرابع: أنهم سموا قريشاً للتجارة لأنهم كانوا تجاراً في رحلتي الشتاء والصيف؛ لأن التجار يقرشون ويفتشون عن أموال التجارة وحكاه الزبير بن بكار.
والخامس: أنهم سموا قريشاً لتجمعهم إلى الحرم بعد تفرقهم لأن قصياً جمعهم إليه والتقرش التجمع ومنه قول الشاعر: إخوة قرشوا الذنوب علينا في حديث من دهرهم وقديم وهذا قول أبي عبيدة معمر بن المثنى.

والسادس: أنهم سموا قريشاً لقوتهم تشبيهاً بدابة في البحر قوية تسمى قريشاً كما قال تبع بن عمرو الحميري: وقريش هي التي تسكن البح ر بها سميت قريش قريشا تأكل الغث والسمين ولا تت رك يوماً من جناحين ريشا هكذا في العباد حي قريش يأكلون البلاد أكلا كشيشا ولهم آخر الزمان بني يكثر القتل فيهم والخموشا يملأ الأرض خيلة ورجالاً يحشرون المطي حشراً كميشا فلما فرغ عمر من قريش دعا بعدهم بالأنصار وقدمهم على سائر العرب بعد قريش لقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة:100] لنصرتهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا﴾ [الأنفال:72] ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الأنصار كرشي وعيبتي لو سلك الناس شعباً والأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار" 1. قال الشافعي: وشجر بين بني سهم وعدي في زمان المهدي فافترقوا فأمر المهدي ببني عدي فقدموا على سهم وجمع لسابقة فيهم، لأنهم أصهار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قبل حفصة بنت عمر رضي الله عنهما.
فصل فإذا ثبت ما وصفنا ينبغي أن يكون منع الديوان على مثل ما وضعه عمر يبدأ بقريش فيقام منهم بني هاشم وبني المطلب ثم من يليهم من بني أب بعد أب حتى يستوعب جمع قريش، ثم يقدم بعدهم الأنصار من الأوس والخزرج، ثم يعدل بعدهم إلى مضر ثم ربيعة ثم جميع ولد عدنان، ثم يعدل بعدهم إلى قحطان فيرتبهم على السابقة كما ذكرنا في قريش، فإذا فرغ من جميع العرب عدل بعدهم إلى العجم فرتبهم على سابقة إن كانت لهم.
فأما ترتيب أهل القبيلة الواحدة من قريش أو غيرهم فينبغي أن يقدم منهم ذو السابقة ثم ذو السن ثم ذو الشجاعة، فإذا أراد تفريق العطاء فيهم بدأ بالقبيلة المقدمة في الديوان، فقدمها في العطاء وقدم منها من كان في الديوان مقدماً؛ لأنه لا يمكن إعطاء جميعهم إلا واحداً بعد واحد، فيقدم الأسبق فالأسبق في الديوان حتى يتوفي جميع أهله، وبالله التوفيق.

جارٍ التحميل