فرع آخر
لو حلف لا يلبس شيئًا فلبس درعًا أو جوشنًا أو خفًا أو نعلًا فيه وجهان؛ أحدهما يحنث؛ لأنه لبس شيئًا.
والثاني: لا يحنث؛ لأن إطلاق اللبس لا ينصرف آلي غير الثياب.
فرع آخر
لو قال: والله لا كلمتك حنث؛ لأنه بإعادة الكلام قد صار متكلمًا له.
فرع آخر
لو كلمه وهو نائم، فإن كان كلامًا يوقظ مثله النائم حنث به وإلا فلا.
فصل
قال صاحب "الحاوي": أذكر في الإيمان أصلًا يحمل عليه أحكامها ليسلم من الإخلال، فأقول: [17/ أ] كل يمين انعقدت على اسم يعتبر به البر والحنث لم يخل ذلك الاسم من أمرين؛ مجمل ومفسر، فإن كان مجملًا كقوله في الإثبات: والله لأفعلن شيئًا، وفي النفي: والله لا فعلت شيئًا، فاسم الشيء يُضم إلى كل مُسمى فلا يحمل على جميع الأشياء لخروجها عن القدرة، والعرف يوجب أن يحمل على بعضها ولا يتغير بعضها إلا بالبيان فيرجع فيها إلى بيانه، فإن كانت له نية وقت يمينه يحمل على نيته فيصير بالنية مفسرًا وبالقول مخبرًا، كأنه أراد بقوله: لا فعلت شيئًا أي لا دخلت هذه الدار.
وبقوله: لأفعلن شيئًا أي لأدخلن هذه الدار، فتعلق بره وحنثه بدخول الدار، سواء تقدم على بيانه أو تأخر، فإن لم يكن له نية وقت يمينه له أن يعينها بعد اليمين فيما شاء ويعمل فيها على خياره، كمن قال لنسائه: إحداكن طالق، ولم يعين واحدة، كان لهن تعيين الطلاق فيمن شاء منهن، وإذا كان التعيين إلى خياره فإن كان حلف بالطلاق أو العتاق يؤخذ جبرًا باليقين لتعلق حق الآدمي بها، وإن كان حلف بالله لا يجبر فيعين متى شاء ولا حنث فيها قبل التعيين، وإذا عينها باختياره فجعل قوله: لأفعلن شيئًا معينًا، في أن يركب هذه الدابة، وقوله: لا فعلت شيئًا معينًا في أن لا يركب هذه الدابة صار هذا التعيين هو المراد باليمين، فتعلق به البر والحنث دون غيره.
ثم لا يخلو إما إن وجد منه ركوب الدابة قبل التعيين أو لم يوجد، فإن لم يوجد تعلق بالبر والحنث بما يستأنفه من ركوبها بعد التعيين، وإن كان ركوبها قبل التعيين ففي وقوع البر والحنث به وجهان مبنيان على تعيين الطلاق المبهم في واحدة من نسائه، هل يوجب وقوعه وقت اللفظ أم وقت التعيين؟ فيه وجهان:
فإن قلنا: يقع باللفظ يتعلق البر والحنث بما تقدم من [17/ ب] الركوب قبل التعيين، ولا يتعلق بما تأخر عنه برُّ ولا حنثٌ.
والثاني: يقع الطلاق وقت التعيين، فعلى هذا يتعلق البر والحنث بالركوب بعد
التعيين ولا يتعلق بما تقدمه برٌّ ولا حنثٌ.
وأما الاسم المفسر فضربان، أحدهما: إن كان له حقيقة ومجاز كالسراج مجاز في الشمس، والبساط مجاز في الأرض، فينقسم في الإيمان خمسة أقسام:
أحدهما: أن يريد به الحقيقة دون المجاز، فيحمل على حقيقته لفظًا ومعتقدًا سواء كان من إرادة الحقيقة لغويًا أو شرعيًا، فإذا حلف لا يأكل الزبد لم يحنث باللبن على هذا.
والثاني: أن يريد به المجاز دون الحقيقة، فيريد بالسراج الشمس دون المصباح، وباللحم السمك، فإن كانت يمينه بالله عز وجل حمل على المجاز في الظاهر والباطن لاستثناء الحقيقة بنيته، وإن كان بالطلاق حملت على المجاز في الباطنٍ وحملت على أغلظ الأمرين في الظاهر، وسواء كان ما أراد من المجاز شرعيًا أو لغويًا.
والثالث: أن يريد به الجمع بين حقيقته ومجازه، فيحمل عليهما في بره وحنثه؛ لأنه أغلظ فيحمل السراج على المصباح والشمس على هذا.
والرابع: أن يريد به غير حقيقته ومجازه، كمن أراد بالسراج غير المصباح والشمس، فلا يحمل على الذي أراده لخروجه عن مقتضي لفظه، كمن أراد الطلاق بما ليس بصريح ولا كناية، ولا يحمل على المجاز لتجرده عن النية.
وأما حمله على الحقيقة، فإن كانت يمينه بالطلاق حملت على الحقيقة في الظاهر لا في الباطن، وإن كانت يمينه بالله تعالى لم يحمل على الحقيقة لا في الظاهر ولا في الباطن، وإن كانت لغوًا لا يتعلق بها برٌّ ولا حنثٌ.
وقال مالك ومحمد: إنه حمل يمينه على إرادته وإن خرج عن الحقيقة والمجاز إذا اقترن به ضربٌ من الاحتمال.
وحكي عن محمد أنه قال فيمن قال لغريمه: والله لأجرنك على الشوك [18/ أ] [برَّ] بمطله وتأخير دينه اعتبارًا بمخرج النية والنية لا يتعلق بها يمين، كما لو نوى يمينًا.
والخامس: أن تتجرد يمينه عن نيته وإرادته فتحمل في البر والحنث على الحقيقة دون المجاز [لأن افتقار المجاز إلى النية يسقط حكمه إذا تجرد عن نية مثل كنايات الطلاق إذا لم تقترن بها نية] فإن اختلف الشرع واللغة في حقيقته ومجازه كالنجاح في الشرع هو حقيقة في العقد ومجاز في الوطء، وفي اللغة حقيقة في الوطء مجاز في العقد، وكالصلاة، والزكاة، والصوم لها حقيقة في الشرع غير حقيقة اللغة، فيحمل على حقيقته في الشرع دون اللغة لأن الشرع ناقل.
والضرب الثاني على الاسم الخاص أن يكون له حقيقة وليس له مجاز، وهو على أربعة أقسام؛ مبهم، ومعين، ومطلق، ومقيد.
فالمبهم: لا كلمت رجلًا يحنث بكل من كلمه من الرجال دون الصبي والمرأة.
والمعين: لا كلمت زيدًا يحنث بكلامه صغيرًا أو كبيرًا.
والمطلق: أن يقول: لا شربت ماءً، فإطلاقه أن لا يذكر أنه قدرًا، ولا يعين له زمانًا ولا مكانًا، فيحنث بشربه في كل مكان وزمان إذا شربه صرفًا، فإن شربه ممزوجًا حنث ولا مكانًا، فيحنث بشربه في كل مكان وزمان إذا شربه صرفًا، فإن شربه ممزوجًا حنث إذا غلب على غيره بلونه وطعمه، وإن غلب عليه غيره بلونه وطعمه لم يحنث.
والمقيد: ثلاثة؛ مقيد بمكانٍ لا شربته بالبصرة، ومقيد بزمانٍ لا شربته اليوم، ومقيد بصفة لا شربته صرفًا فيتقيد به.
ويحنث في المبهم بالمعين ولم يحنث في المعين بالمبهم، وحنث في المطلق بالمقيد ولم يحنث في المقيد بالمطلق، لعموم المبهم والمطلق وخصوص المعين والمقيد، فإن أراد بالمبهم معينًا وبالمطلق مقيدًا حمل على إرادته لفظه، فيجعل المبهم معينًا والمطلق مقيدًا في الظاهر والباطن إن كان حالفًا بالطلاق؛ لأنه استثناء بعض ما شمله عموم الجنس، فصار بتخصيص العموم في النصوص الشرعية، فلا يحنث في إبهام قوله: لا كلمت رجلًا وقد أراد زيدًا [18/ ب] إلا بكلامه دون غيره من الرجال، ولا يحنث في إطلاق قوله: لا شربت ماءً وقد أراد شهرًا لا شربه فيه دون غيره من الشهور.
فأما عكس هذا إذا أراد بالمعين مبهمًا وبالمقيد مطلقًا حمل على لفظه في التعيين والتقييد ولم يحمل على إرادته في الإبهام والإطلاق؛ لأن ما تجاوز المعين والمقيد خارج عن لفظ اليمين، فصار مرادً بغير يمين فلا يحنث في تعيين قوله: لا كلمت زيدًا هذا وقد أراد كل الرجال إلا بكلام زيد وحده.
ولا يحنث في تقييد قوله: لا شربت الماء في شهري هذا وقد أراد كل الشهر على الأبد ألا يشربه فيه وحده.
وشاهده من الطلاق أن يقول لامرأته: أنت طالق واحدة ويريد بها ثلاثًا لا تطلق ثلاثًا؛ لأنه قد صرح بنفيها بلفظ فلم يقع بمجرد إرادته، فافترق حكم العكس لافتراق العلتين.
وأما العام فضربان؛ أحدهما: عامُ اللفظ عام المراد ينقسم ثلاثة أقسام:
أحدها: ما كان عمومه في لفظه ومعناه، مثل قوله: والله لا كلمت الناس يحمل على كل إنسان من صغير وكبير، وعلى كل نوع من الكلام سقيم وسليم، ومثله في التنزيل قوله تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [العنكبوت: 62]، وقياسه بالإيمان أن يقول: لا أكلت اللحم، يحنث بكل نوع من اللحم على كل صفة من الأكل.
والثاني: ما كان عمومه في لفظه دون معناه، كقوله: والله لا أكلت الحنطة، يحنث بكل نوع من الحنطة ولا يحنث بأكل ما حدث عن الحنطة من سويق أو دقيق.
وإذا قال: لا أكلت اللبن يحنث بكل نوع من اللبن ولا يحنث بما حدث من اللبن من جبن وصل [وزبد] وسمن، فيصير محمولًا على عموم لفظه دون معناه، وهذا يختص بما إذا تغير عن حاله زال عن اسمه فاجعل ذلك قياسًا مطردًا في نظائره.
والثالث: ما كان عمومه في معناه دون لفظه، مثل قوله: لا أكلت عسلًا فأكل خبيصًا فيه عسل، [19/ أ] ولا أكلت دقيقًا فأكل خبيصًا فيه دقيق حنث؛ لأن في الخبيص عسلًا
ودقيقًا، وكذلك السمن، وهذا يختص بما إذا حدث له اسم بالمشاركة لم يزل الاسم الخاص عن كل نوع منها؛ لأنه لا يسمى خبيصًا إلا باجتماعهما ولا يزول اسم كل نوع عنه؛ لأنه لا يقال: هذا خبيص فيه عسل وفيه دقيق وفيه سمن.
فإن قيل: أليس لو قال: لا أكلت دقيقًا فأكل خبزًا حنث؟ قلنا: الفرق أنه لا يقال هذا خبز فيه دقيق، ويقال: هذا خبيص فيه دقيق، فصار اسم الدقيق في الخبيص باقيًا وفي الخبز زائلًا فافترقا.
والضرب الثاني: ما كان عام اللفظ خاص المراد، فهو ما خص عموم لفظه بسببٍ أوجب خروجه عن عموم كما خصه عموم الكتاب والسنة، وتخصيص اللفظ العام في الإيمان من خمسة أوجه أحدها: تخصيص عمومه بالمفقود.
والثاني: بالشرع.
والثالث: بالعرف.
والرابع: بالاستثناء.
والخامس: بالنية.
فأما الأول: ما امتنع استيفاء عمومه في القصد كقوله: والله لآكلنَّ الخبز، ولأشربنَّ الماء، ولأكلمنَّ الناس، ولأتصدقن على المساكين، لما امتنع أن يأكل كل الخبز، أو يشرب كل الماء، [ويكلم جميع الناس، ويتصدق على جميع المساكين] لما خص العقل عموم الجنس فتعلق البر والحنث بأكل بعضه وشرب بعضه، وكلام بعض الناس، والتصدق على بعض المساكين.
ثم هذه الأجناس ضربان [معدود وغير معدود] فغير المعدود الخبز والماء فيتعلق البر والحنث بقليله وكثيره.
والمعدود كالناس والمساكين، فإن كانت يمينه على الإثبات كقوله: لأكلمنَّ الناس، ولأتصدقنَّ على المساكين لم يبر حتى يكلم ثلاثةً ويتصدق على ثلاثة اعتبارًا بأقل الجمع، وإن كانت يمينه على نفي كقوله: لا كلمت الناس ولا تصدقت على المساكين حنث بكلام واحدٍ وبالصدقة على واحدٍ اعتبارًا [19/ ب] بأقل العدد، والفرق أن نفي الجميع ممكن وإثبات الجميع ممتنع، فاعتبر أقل الجمع بالإثبات واعتبر أقل العدد في النفي.
وأما التخصيص بالشرع فضربان؛ تخصيص اسم وتخصيص حكم، فتخصيص الاسم كالصيام في اللغة الإمساك عن الطعام والكلام، ثم خصه الشرع بالإمساك عن الطعام والشراب في النهار فلا تنعقد يمينه إلا بالصوم الشرعي، وكذا الحج، والصلاة.
وأما تخصيص الحكم فكلحم الخنزير خص بالتحريم من عموم اللحوم المباعة، ففي تخصيص العموم به في الإيمان وجهان:
فلا يحنث إذا حلف لا يأكل لحم الخنزير، ولا يبر إذا حلف ليأكلن اللحم فأكل لحم الخنزير، ولو حلف لأوطانَّ لا يحنث بالوطء في الدبر، ولو حلف أنه لا يطأ لم يبر بالوطء
في الدبر، ويبرَّ ويحن بوطء الزنا؛ لأنه من جنس المباح، وعلى هذا لو حلف لا يتيمم لا يحمل على موضوع اللغة وهو القصد، بل يحمل على التيمم الشرعي في سفرٍ أو مرضٍ وعلى الوجه الآخر لا يتخصص عموم الإيمان بالأحكام الشرعية، لاتفاق أحكام القرآن في الحظر والإباحة اعتبارًا بما انعقدت عليه، فيحمل على عمومها فيما حل وحرم اعتبارًا بالاسم دون الحكم فيحنث في اللحم بكل لحمٍ، وفي الوطء بكل وطء.
وأما تخصيص العموم بالعرف فضربان؛ عام وخاص.
فالعام: كمن حلف لغيره لا خدمتك الليل والنهار، فيختص بالعرف من خدمة النهار زمان الأكل والشرب، والطهارة والصلاة، والاستراحة بحسب ما يخدم فيه من شاقٍ وسهلٍ، ومن خدمة الليل وقت النوم المألوف، فإن ترك الخدمة فيها لم يحنث لخروجها بالعرف من عموم يمينه، وإن ترك الخدمة في غيرها من الأوقات حنث لدخولها في عرف يمينه، ولو حلف [20/ أ] لأضربنك الليل والنهار خرج بالعرف من زمان الليل والنهار ما ذكرناه، فلا يكون بترك الضرب فيها حانثًا، وخرج بالعرف من بقية الزمان في الضرب خصوصًا للوقت الذي يكون ألم الضرب فيه باقيًا، فيكون بقاء ألمه كبقاء فعله، فإن ترك ضربه مع بقاء الألم لم يحنث، وإن تركه مع زوال الألم حنث؛ لأن من دوام فعله أن يتخلله فترات من العرف، فاعتبر بدوام ألمه الحادث عنه.
ولو قال: والله لا وضعت ردائي عن عاتقي انعقدت يمينه على لبسه في زمان العرف، فإن نزعه في زمان الليل، أو في دخول الحمام، أو عند تبدله في منزله لم يحنث لخروجه بالعرف من زمان لبسه، وإن نزعه في غيره حنث لدخوله في عرف لبسها، ولو قال لغريمه: والله لا نزعت ردائي عن عاتقي أقضيك حقك حنث بنزعه قبل قضاء دينه في زمان العرف وغيره، والفرق أنه جعله في الإطلاق مقصودًا، وفي قضاء الدين شرطًا، والعرف معتبر في الإيمان دون الشرط.
وعلى هذا لو قال لغريمه: والله لا خدمتك حتى أقضيك حقك لم يحنث بترك الخدمة في زماني الاستراحة قبل القضاء؛ لأنه جعل الخدمة جزاءً ولم يجعلها شرطًا، وعلى هذا لو حلف لا يأكل الرؤوس لا يحنث بأكل رؤوس غير النعم لخروجها بالرف من عموم الاسم.
ولو حلف لا يلبس هذا القميص لا يحنث إذا ارتدى به، ولو حلف لا يلبس الخاتم لا يحنث بلبسه في الإبهام ويحنث بلبسه في الخنصر اعتبارًا بالعادة وتخصيصًا بالعرف.
وأما العرف الخاص: كقوله: لا قتلت ولا ضربت، فأمر بالقتل والضرب يحنث به الملوك دون السوقة.
ولو قال: والله لا تصدقت حنث الأغنياء بدفعها وحنث الفقراء بأخذها اعتبارًا بالعرف في الفريقين.
ولو قال: والله لا طفت ولا سعيت حنث أهل مكة [20/ ب] بالطواف بالبيت وبالسعي بين الصفا والمروة، وحنث غيرهم بالسعي على القدم وبالطواف في الأسواق، وحنث [أهل] الوشاة بالسعي إلى الولاة.
ولو قال: والله لا ختمت، حنث القارئ بختم القرآن، ويحنث التاجر بختم كيسه؛
لأنه عرفٌ بكل واحدٍ منهما به، ولو قال: والله لا قرأت، حنث بقراءة القرآن دون قراءة الشعر، ولو قال: والله لا تكلمت، حنث بالكلام، وإنشاء الشعر دون قراءة القرآن لخروجه بالإعجاز من جنس الكلام الذي ليس فيه إعجاز.
وأما تخصيص العموم بالاستثناء: فهو القول المخرج من لفظ اليمين بعد ما اشتمل عليه وله شرطان؛ أن يكون متصلًا بها، وأن يخالف حكم اليمين، فإن كانت على نفيٍ كان الاستثناء إثباتًا، وإن كانت على إثباتٍ كان الاستثناء نفيًا، واختلف أصحابنا في هذا الاستنثاء، هل يفتقر إلى اعتقاده في أول اليمين على وجهين:
أحدهما: يفتقر إليه حتى إن لم يعتقده بطل حكمه فيما بينه وبين الله تعالى، وإن كان حكمه في الظاهر صحيحًا.
والثاني: لا يفتقر ويصح إذا اتصل بها ظاهرًا وباطنًا، وحكم هذا الاستثناء أن يخرج عن يمينه بعض جملها وهو على أربعة أضرب:
أحدها: استثناء مكانٍ.
والثاني: استثناء زمانٍ.
والثالث: استثناء عددٍ.
والرابع: استثناء صفةٍ.
وفي ذكر إحداها بيان جميعها، فإذا قال: والله لأضربن زيدًا إلا في داري برَّ إن ضربه في غير داره، ولم يبر إن ضربه في داره.
ولو قال: والله لا ضربت زيدًا إلا في داري، حنث إن ضربه في غير داره، ولم يحنث إن ضربه في داره، وبرَّ إن لم يضربه في غير داره، ولم يبر إن لم يضربه في داره، وعلى هذا القياس.
وأما التخصيص بالنية: فإن ينوي بقلبه [21/ أ] في عقد يمنيه ما يصح أن يذكر بلفظه، فيحمل فيه على نيته إذا اقترنت بعقد يمينه، ولا يصح إن تقدمت النية على اليمين أو تأخرت عنها، وذلك مثل قوله: والله لا كلمت زيدًا وينوي به مبهمًا، أو لا أكلت خبزًا وينوي بله ليلًا، فيحمل في اليمين بالله تعالى على نيته ظاهرًا وباطنًا، وفي الطلاق يحمل ظاهرًا لا باطنًا والله أعلم.
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّم رَجُلًا فَسَلَّمَ عَلَى قَوْمٍ وَالمَحْلُوفُ عَلَيْهِ فِيهِمْ لم يَحْنَتْ".
قال أصحابنا: جملة هذا أنه إذا علم ونواه بقلبه حنث قولًا واحدًا، وإن عَزَله بقلبه وقصد السلام على غيره لم يحنث قولًا واحدًا وإن لم يعلم فسلم على جماعتهم فهل يحنث؟ قولان؛ لأنه مخطئ، وفي الخاطئ قولان، ولو مرَّ عليه فسلم عليه ناسيًا فيه قولان، وإن سلم عليه ذاكرًا لليمين إلا أنه لا يعرف فهو خاطئ فيه قولان، وإن نوى السلام على جماعتهم حنث؛ لأنه سلم عليه وعليهم، وإن أطلق السلام عالمًا بأنه فيهم ولم يعزله بالنية ولا قصده بالنية، قال في "الأم" ونقله المزني إلى "المختصر": لا يحنث.
وقال الربيع: وفيه قول آخر إنه يحنث.
فالمسألة على قولين:
أحدهما: لا يحنث؛ لأنه يحتمل أن يسلم عليهم دونه، ويحتمل أن يسلم عليه وعليهم فلم يحنث بالشك.
والثاني: يحنث؛ لأنه إذا سلم عليهم وهو فيهم فقد سلم عليهم وعلى كل واحدٍ منهم لحق عموم اللفظ فحنث به.
مسألة: قَالَ: " وَلَوْ كَتَبَ إِلَيْهِ كِتَابًا أَوْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولًا فَالوَرَعُ أَنْ يُحَنِّثَ نَفْسَه".
اعلم أنه إذا حلف لا يكلم رجلًا، فكتب إليه، أو أرسل إليه رسولًا، أو أشار إليه، أو أومَأ إليه هل يحنث؟ قولان:
قال في "القديم": يحنث، وبه قال مالك لقوله تعالى: ﴿ومَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلاَّ وحْيًا﴾ [الشورى: 51] فاستثني الوحي من الكلام.
[21/ ب] وقال تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إلاَّ رَمْزًا﴾ [آل عمران: 41] فاستثني الرمز من الكلام، ولأن الكلام يراد لإفهام ما في القلب، وبهذه الأشياء يحصل الإفهام.
وقال في "الجديد" لا يحنث وهو الأصح، واختاره المزني؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَقُولِي إنيِّ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: 26] الآية، ثم قال: ﴿فَأَشَارَتْ إلَيْهِ﴾ [مريم: 29]، فلو كانت الإشارة من الكلام لما أشارت وقد نذرت أن لا تتكلم، ولنه يصح نفي اسم الكلام عن هذه الأشياء فيقول: ما تكلمت ولكن أشرت وكتبت فلم يحنث به، وأما الآية التي ذكروها قلنا: ذاك استثناء من غير الجنس وقد ورد به القرآن، قال الله تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إلاَّ سَلامًا﴾ [مريم: 62].
واحتج المزني على اختياره بأن الله تعالى قال: ﴿أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًا فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرَابِ فَأَوْحَى إلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًا (11)﴾ [مريم: 10، 11] فافهم بما يقوم في الفهم مقام الكلام ولم تتكلم به، وقد احتج الشافعي - رضي الله عنه - بأن الهجرة محرمة فوق ثلاثٍ، فلو كتب أو أرسل إليه وهو يقدر على كلامه لم يخرجه هذا من الهجرة التي يأثم بها، فلو كان الكتاب كلامًا يخرج به من الهجرة، وأجاب بعض أصحابنا عما ذكر المزني فقال: أما حديث زكريا صلى الله عليه وسلم فلأنه نهي عن الكلام مع استثناء الإشارة، وهو قوله تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إلاَّ رَمْزًا﴾ [آل عمران: 41]، وبهذا استدللنا على أن الرمز كلام.
وأما الهجرة فإن كانت المخاطبة بينهما فيما قبل الهجرة بالكتاب أو الرسالة خرج من الهجرة إذا كانت عادته جارية بالتسليم بالإشارة، وإن كاتبه وهما في مجلس واحدٍ وقال في هذه الحالة لغيره: قل له كذا وكذا، فهذا إصرار منه على الهجرة؛ لأنه لا تزول به الوحشة وإن كان كلامًا إذا لم يقصد إزالة الوحشة حتى لو غاب صاحبه فكاتبه [22/ أ] معتذرًا أو غير معتذرٍ، ولكنه لم يؤذنه بما في الكتاب زالت الهجرة بذلك، ولو كاتبه بالشتم أو استقبله فشافهه بالشتم لم تزل به الهجرة وإن تكلم، وهذا المعنى غير موجود، هكذا ذكره أصحابنا بخراسان.
وقال في "الحاوي" وغيره: إذا كتب إليه أو أرسل إليه رسولًا (وهو) يقدر على
الكلام معه، هل يخرج عن مأثم الهجرة؟ فيه وجهان؛ قال أبو إسحاق: لا يخرج.
وقال ابن أبي هريرة: يخرج؛ لأن المقصود نفي الوحشة التي بينهما وعودهما إلى ما كان عليه من الأنس.
ومن أصحابنا من قال في أصل المسألة: لا يحنث قولًا واحدًا، وما ذكر في "القديم" أراد به في الورع، وأراد أنوى في يمينه المكاتبة والمراسلة.
ومن أصحابنا من قال: هذا في المعاتبة بحيث جرت العادة بالمكاتبة والمراسلة، فإن كان معه في المجلس فكتب إليه رقعة لم يحنث قولًا واحدًا.
فرع
لو حلف لا يكلم فلانًا فكلم غيره بكلامٍ سمعه، فإن لم يكن فيه تعريض له لم يحنث، وإن كان فيه تعريض له، فإن كان مواجهًا بالكلام حنث به؛ لأنه قد صار مكلمًا له، وإن كان غير مواجهًا له لم يحنث.
وقد روي عن عائشة - رضي الله عنها - لما أرادت الخروج إلى البصرة أشارت عليها أم سلمة ألا تفعل، وحلفت عليها إن خرجت أن لا تكلمها، فلما خرجت وعادت إلى المدينة، قالت أم سلمة: عليها إن خرجت أن لا تكلمها، فلما خرجت وعادت إلى المدينة، قالت أم سلمة: يا حائط ألم أقل لك، يا حائط ألم أنهك، فبلغت غرضها وسلمت من الحنث.
فرع
لو كان الحالف إمامًا والمحلوف عليه مصليًا خلفه فسلم في الصلاة، فالحكم فيه كما ذكرناه إذا سلم على جماعة وهو فيهم في قياس المذهب.
وقال أبو حنيفة: لا يحنث؛ لأن سلام الصلاة ليس بكلام [22/ ب] كتكبيرها وهذا لا يصح؛ لأنه شرع له أن ينوي السلام على الحاضرين، وليس كالتكبير فإنه يخرج بالسلام من الصلاة وينافيها، ولو قدمه عامدًا عن موضعه بطلت صلاته.
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ حَلَفَ لَا يَرَى كَذَا إِلَّا رَفَعَهُ" إلى فلان القاضي ثم رآه نُظر، فإن رفعه إليه بَّر، وإن لم يرفعه إليه مع الإمكان حتى مات القاضي أو هو حنث؛ لأنه فاته رفعه إليه بتفريط من جهته، وإن أمكنه رفعه إليه إلا أنه حجب عن القاضي ومنع من رفعه إليه حتى فات بموته هل يحنث؟ فيه قولان، وإن لم يمكنه رفعه إليه حتى مات القاضي أو هو، مثل أن يرى فيموت القاضي عقيبه من غير أن يكون بين الرؤية وبين موته زمان يمكن رفعه إليه، أو يرى فيخرج في الحال ثم يموت هو في الطريق.
قال أبو إسحاق: لا يحنث قولًا واحدًا؛ لأن ما لم يمكنه رفعه إليه فهو كما لم يره، وإنما يلحقه الحنث إذا أمكنه الرفع مع الرؤية، ووافقه بعض أصحابنا على هذا وقال: القولان في المكره الذي أدركه زمان الرفع فمنع.
وقال أبو حامد: في هذا قولان أيضًا كالمكره، والأول أصح.
فإن قيل: قال الشافعي رضي الله عنه: "لو حلف لا يرى كذا إلا رفعه آلي قاضٍ" فنكر ولم يعين فلم يصح حمل المسألة على تعيين القاضي؟ قلنا: الشافعي لم يحك لفظ الحالف وإنما هو لفظه، ألا ترى أنه لو وصل به إلى قاضٍ سماه
وعينه كان صحيحًا فثبت ما قلناه.
قال الشافعي رضي الله عنه: "وَلَوْ عُزِلَ فَإِنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ أَنْ يَرْفَعَهُ إِلَيْهِ إِنْ كَانَ قَاضِيًا فَلَا بَجِبُ رَفْعُهُ إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌُ خَشِيتُ أَنْ يَحْنِثَ إِنْ لَمْ يَرْفَعْهُ إِلَيْهِ".
ومعنى هذا الكلام أنه إذا سمى القاضي وعنيه ثم رأى الأمر الذي حلف على رفعه [23/ أ] إليه فلم يرفعه حتى عزل عن القضاء يُنظر، فإن قال: ما دام قاضيًا أو نوى ذلك بقلبه، فهو بمنزلة موته حتى عزل عن القضاء يُنظر، فإن قال: ما دام قاضيًا أو نوى ذلك بقلبه، فهو بمنزلة موته على ما بيناه فأغنى عن الإعادة، وإن لم يقل ذلك ولا نية له، قال الشافعي: "حشيت أن يحنث إن لم يرفع فيه".
قال أبو إسحاق: إنما علَّق الشافعي القول في حنثه ولم يقطع؛ لأنه لم يقتصر على اسمه حتى وصفه بالقضاء، فيمكن أن يكون هذا شرطًا ويمكن أن يكون هذا شرطًا، وتكون الإشارة واقعة على العين دون الصفة.
وقال بعض أصحابنا: فيه وجهان:
أحدهما: أنه إشارة إلى العين والصفة؛ لأنه سمى ووصف فتعلق بهما.
وقال أبو حنيفة: لأن الرفع إليه لا يكون إلا في حال الولاية.
والثاني: لا يتعلق بالصفة وإنما يتعلق بالعين ويكون ذكر الصفة زيادة في معرفة العين وهو الصحيح، وهو ظاهر مذهب الشافعي رضي الله عنه؛ لأنه قال: "فإن لم يرفعه بعد عزله خشيت أن يحنث"، فنص على الحنث، فدل على أنه كان أقوى في نفسه، وهذا اختيار القاضي الطبري.
قال: والدليل عليه أن رجلًا لو قال: والله لا ركبت دابة فلان بن فلان القاضي، ثم عزل فركب دابته حنث، وإن لم يكن قوله: القاضي إلا زيادة في تعريف عينه، فيجب أن يكون هنا مثله.
فإذا ثبت هذا وقلنا: القضاء لا يتعلق به اليمين، فإنه يرفعه إليه بعد عزله ويبر، فإن لم يرقعه حنث.
وكذلك ما يراه بعد عزله يحتاج أن يرفعه إليه، فإن لم يفعل حنث.
وإذا قلنا: يتعلق اليمين بالقضاء، فإذا عزل كان كما لو مات على ما قدمناه.
فرع
لو لم يسم فقال: لا أرى منكرًا إلا رفعته إلى قاضٍ، فإن كان قاضيًا أو عزل ثم رآه فعليه رفعه إلى القاضي بعده؛ لأنه لم يخص قاضيًا دون قاضٍ، فإن مات الذي كان قاضيًا [23/ ب] وقت يمينه قبل الرفع إليه أو عُزل وولي غيره رفعَهُ إليه برَّ بيمينه ولا يحنث هاهنا حتى يرى منكرًا ويمكنه الرفع إلى قاضٍ، ولا يرفعه حتى يموت فيحنث به.
فرع آخر
لو قال: لا أرى منكرًا إلا رفعته إلى القاضي، قال أبو إسحاق: هذا التعريف وهو القاضي في بلده؛ لأنه المعروف والمعهود، ولو أمكنه الرفع إلى قاضي بلده في ذلك الوقت فلم يرفعه حتى مات ذلك القاضي حنث، ولا يبر بأن يرفع إلى القاضي بعده.
ولم يذكر أبو إسحاق في هذا القسم إذا رأى بعد موت قاضي البلد وتقليد غيره كيف الحكم، ويجب أن يقال: لا يجب رفعه إليه؛ لأن التعريف عنده تعلق بالقاضي الموجود في حال يمينه، ويكون حكم هذا القسم حكم مسألة الكتاب، فإن التعريف إذا رجع إليه كان بمنزلة ما لو عنيه وعرّفه بيمينه.
وقال القاضي الطبري: هذا مذهب أبي
إسحاق وقد ذكره في شرحه.
وقال بعض أصحابنا: إن لم يكن له نية المعهود كان للجنس، وهذا يصح على قول من قال من أصحابنا: إن الاسم المفرد إذا عرف بالألف واللام ظاهرة للجنس ويجعل للعهد بدليل، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] الآية، ﴿الزَّانِيَةُ والزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: 2] الآية، ونحو ذلك، فعلى هذا فآلي أي قاضٍ رفعه في ذلك البلد يبرَّ في يمينه، ولا يحنث بموته إذا ولي آخر رفعه إليه ويبرّ.
مسألة: قَالَ: "ولو حَلَفَ مَا لَهُ مَالٌ وَلَهُ عَرَضٌ أَوْ دِينٌ حَنَثَ".
إذا حلف ما له مال وله شيء من العروض والعقار ونحو ذلك حنث.
وقال أبو حنيفة: لا يحنث إلا أن يملك شيئًا من الأموال الزكاتية استحسانًا؛ لأن عرف المال في الشرع ينصرف إلى الزكاتي لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: 103]، ودليلنا [24/ أ] أن العروض مال حقيقة، بدليل أن الله تعالى قال: ﴿وأُحِلَّ لَكُم مَّا ورَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم﴾ [النساء: 24]، ويجوز الترويح بالعروض، وقال صلى الله عليه وسلم: "خير المال مهرة مأمورة، أو سكة مأبورة".
والمهرة المأمورة: الخيل الكثيرة النتاج، والسكة المأبورة، النخيل المصطفة المؤبرة.
وقال مالك: لا يحنث إلا بالذهب والفضة دون غيرها، وهذا أيضًا لا يصح لما ذكرنا.
فرع
إذا قال: إن شفي الله مريضي فلله عليَّ أن أتصدق بمالي، فالحكم فيه كما ذكرنا في اليمين، ويتناول ذلك كل ما يتمول خلافًا لأبي حنيفة ومالك رحمهما الله.
فرع آخر
قال: لو كان له دين على إنسان، فإن كان حالًا حنث، فإن ذلك مال يملك أخذه والمطالبة به متى شاء كالوديعة، وإن كان مؤجلًا ففيه وجهان:
أحدهما: لا يحنث؛ لأنه لا يملكه في الحال، وإنما يملكه بعد حلول الأجل، بدليل أنه لا يملك المطالبة به، وبه قال مالك رحمه الله.
والثاني: وهو الأصح يحنث؛ لأنه مال له وإن لم يملك المطالبة به كالدين على المعسر، وعدم المطالبة لا تخرجه عن كونه مالًا، كما لو آجره داره وسلمها إليه فليس له المطالبة بها وهي ماله.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا يحنث به حالًا كان أو مؤجلًا، كما لو كانت له المطالبة بالشفعة وهذا غلط؛ لأن الزكاة تتعلق بالدين ولا تجب الزكاة إلا في المال، ولأنه لو قال: لفلانٍ علىَّ مال، وفسره بالدين فدل على أنه يسمى مالًا.
فرع آخر
لو كان يملك بضع زوجته لم يحنث.
قال أصحابنا: وكذا لو ملك سائر المنافع؛
لأنها لا تسمى أموالًا وإن كانت في معنى المال.
فرع آخر
لو كان له مكاتب أو أم ولدٍ أو مدبرٌ يحنث لقبولها على ملكه، ذكره أصحابنا مشايخ خراسان.
وقال صاحب "الحاوي": [24/ ب] في أم الولد وجهان؛ أحدهما: لا يحنث لأنه لا يجوز أن يعوض عنها بمال بخلاف المكاتب إذا عجز.
فرع آخر
لو كان له مال مغصوب يحنث لبقائه على ملكه، وفي الضال وجهان؛ أحدهما: لا يحنث؛ لأن بقاءه مشكوك فيه.
والثاني: يحنث؛ لأن الأصل بقاءه.
فرع آخر
لو كان له وقف، فإن قلنا: رقبة الوقف غير داخله في ملكه لم يحنث، وإن قلنا: رقبة الوقف داخلة في ملكه فيه وجهان كأم الولد، ولو نوى مالًا دون مالٍ فهو على نيته فيما بينه وبين الله تعالى.
فرع آخر
لو قال: ما لي إلا مائة درهم ولم أملك إلا خمسين درهمًا، ونوى أنه لا يملك زيادة على مائةٍ لم يحنث، وإن أطلق ففيه وجهان.
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ مائَةَ شَوْطٍ".
الفصل
في هذا مسائل؛ إحداها: أن يجمع مائة سوطٍ ويشدها وضربه بها ضربة واحدة، وتحقق أن المائة كلها أصابته فقد برَّ في يمينه.
وقال مالك رحمه الله: لا يبرّ حتى يضربه مائة سوطٍ متفرقة، وبه قال أحمد، وهذا لا يصح لقوله تعالى: "وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ ولا تَحْنَثْ"
فدل أنه يبر بذلك، ولأن حقيقة الضرب أن يصيب المضروب من يد الضارب، وهذا يوجد في الضرب بالجمع كوجوده بالمتفرق فحصل البر بهما.
فرع
لو حلف ليضربنه مائة ضربة، فجمع مائة سوط أو مائة شمراخ فضربه بها دفعة واحدة هل يبر بذلك؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يبر؛ لأنه ما ضرب إلا ضربةً واحدةً فصار كالرامي سبع حصيات في رمي الجمار تعد رمية واحدة؛ لأن هاهنا جعل العدد للضربات، وفي المسألة الأولى جعل العدد الأسواط.
والثاني: يبرُّ به؛ لأن كل سوط يحصل به ضربة، ألا ترى أن الزاني إذا ضرب به [25/ أ] سقط عنه الحد.
فرع آخر
متى وقع اسم الضرب فقد برَّ، سواء ألمه بذلك أو لم يؤلمه، نص عليه.
وقال مالك: لا يبر إلا بأن يألم بالضرب؛ لأنه يشترط الإيلام في ضربه الحد والتعزيز، وهذا لا يصح؛ لأن اسم الضرب يتناوله مؤلمًا كان أو غير مؤلم، يقال: ضربٌ مؤلمٌ، وضربٌ غير مؤلم، فإذا تناوله الاسم برَّ به ويخالف الحد والتعزيز؛ لأن الغرض بهما الردع والزجر، ولا يحصل ذلك إلا بالإيلام، وهاهنا الاعتبار بما يتناوله وله الاسم فلا يشترط فيه الألم.
ولو وضع عليه السوط ورفعه لا يبر به بلا خلاف.
فرع آخر
لو علم أن الجميع لم يماسه لم بر؛ لأن الضرب لم يحصل بكماله ومماسته الجميع أن يقع البعض فوق البعض حتى يصل إليه شدة الكل.
فرع آخر
لو شك هل أصابه الكل أم لا ظاهره قال ههنا: إنه يبر، والورع أن يحنث نفسه.
قال المزني: هذا خلاف قوله: ليفعلن كذا إلا أن يشاء فلان فمات فلانٌ حنث، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم، وعند أبي حنيفة والمزني هاهنا لا يبر.
وقال القفال: هاهنا قول آخر لا يبر أيضًا كما في مسألة المشتبه، وهما كالقولين في إعتاق العبد الغائب الذي لا يعرف حياته عن الكفارة، ففي قول يعتبر براءة الذمة، والأصل أنها لم تبرأ، بل هي مشتغلة بالكفارة، وفي قول يعتبر أصل بقاء العبد، كذا هاهنا يعتبر أحد القولين ظاهر إصابته الكل، وفي الثاني يعتبر أن الأصل أنه لم يبر ما لم يتيقن.
ومن أصحابنا من أنكر هذا وقال: ما لم يماسه في السياط فقد يقل ما ماسه، فقد حصل معنى الضرب بالمماس وغير المماس، وهذا خلاف نص الشافعي رضي الله عنه؛ لأنه قال: أحاط أنها ل تماسه كلها لم يبر.
ومن أصحابنا من قال: إذا شك في الإصابة ولم يغلب على ظنه شيء حنث، وإن لم يتيقن الإصابة وغلب على ظنه [25/ ب] الكل برَّ.
وقال أبو حنيفة والمزني: لا يبر؛ لأن الأصل عدم الإصابة مالم يتيقن وهذا لا يصح؛ لأن غلبة الظن أجريت في الحكم مجرى اليقين، كما يحكم بخبر الواحد والقياس على غلبة الظن.
فرع آخر
لو قال: مائة سوط لم يبر بعثكال النخل، ولو قال مائة خشبة برَّ بالعثكال.
فرع آخر
لو كان عليه لباسٌ يمنع وصول الضرب إلى بشرة بدنه، فإن كان كثيفًا يخرج عن
العرف ويمنع من الإحساس بالضرب لم يبر، وإن كان مألوفًا لا يخرج عن العرف ولا يمنع من الإحساس بالضرب يبر وإن لم يألم.
فرع آخر
لو قال: ليضربن عبده مائة مرةٍ فعليه في البر أن يفارقها، ولا يجوز أيجمعها، فإن جمعها وضربه كانت مرة، ولو قال: أضربك بمائة سوطٍ وضربه بها جاز وإن لم يصل جميعها إلى بدنه على ما ذكرنا؛ لأن دخول الباء على العدد لم يجعله صفة لآلة الضرب ولا يجعله صفةً لعدد المضروب، ولو قال: أضربك مائة سوطٍ وحذف الباء من العدد لزم البر أن يصل جميعها إلى بدنه؛ لأنه جعله صفةً لعدد الضرب دون الآلة، ذكره في "الحاوي".
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ حَلَفَ لَا يَهَبُ لَهُ هِبَةٌ فَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ أَوْ نَحَلَهُ أَوْ أَعْمَرَهُ فَهُوَ هِبَةٌ".
الفصل
اعلم أنه إذا حلف لا يهب لفلانٍ هبة فإن هذا يتناول جميع أنواع التمليك بغير عوضٍ في حال الحياة، فإن وهب له شيئًا أو أهدى إليه هدية وأقبض، وإن لم يتقدمها عقد، أو كان ابنه فنحله أو أعمره، أو تصدق عليه صدقة تطوع يحنث بجميع ذلك، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: لا يحنث في صدقة التطوع؛ لأن الصدقة لا تسمى هبة، ولهذا كانت الصدقة لا تحل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتحل له الهدية والهبة وهذا لا يصح؛ لأن [26/ أ] المسكين الذي يتصدق عليه بشيء لا يتحاشى في العبارة أن يقول: وهب لي فلان كذا، ولأن الهبة اسم عام لجميع التمليكات بغير عوض، إلا أن كل نوع منها مختص باسم، فإذا وهب النضير من النضير يقال: هبة، وإذا وهب لمن هو أعلى منه يقال: هدية، وإذا وهب الولد يقال: نحله، وإذا وهب الفقير يقال: صدقة حنث بكلها، وهو كاسم الرطب يتناول أنواعًا كثيرة.
وأما صدقة التطوع هل كانت تحل لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيه قولان.
فرع
لو أوصى بمالٍ لم يحنث؛ لأنه ليس بتمليك عين في حال الحياة، وإنما يحصل التمليك منها بالموت والقبول، وإذا مات سقطت.
فرع آخر
إذا عقد الهبة ففي زمان حنثه وجهان مخرجان من القولين متى يملك الهبة؟ أحدهما: بالقبض، فيحنث وقت إقباضها.
والثاني: يدل بالقبض على ملكها وقت عقدها فيحنث وقت العقد.
فرع آخر
إذا عقد الهبة وسلم فلم يقبلها الموهوب له وردها هل يحنث؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يحنث؛ لأن الهبة لم تتم تخريجًا من قوله أنه ملكها بالقبض.
والثاني: يحنث؛ لتعلقها بفعله تخريجًا من قوله أنها تملك بالعقد.
ذكره في "الحاوي"، وقد ذكرنا هذا فيما قبله مختصرًا.
فرع آخر
لو تصدق عليه صدقةً فرض لم يحنث لخروجها عن تبرع الهبات، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان، ولو حاب في بيع لم يحنث لخروجها عن الهبةَ، ولو أبرأ من دين عليه، فإن قلنا القبول شرط في صحته حنث، وإن قلنا لا يشترط القبول ففي صحته وجهان; أحدهما: يحث به؛ لأنه نوع من الهبةَ.
والثاني: لا يحنث به لتعلقه بالذمةَ دون العين.
فرع آخر
لو عفا عن قود عليه [(86) / ب] لم يحنث؛ لأنه ليس ملك، وكذلك لو عفا عن الشفعةَ.
فرع آخر
لو وقف عليه وقفًا، فإن قلنا: إن رقبةَ الوقف لا تُملك لم يحنث به وإن قلنا: تُملك ففي حنثه به وجهان؛ أحدهما: يحنث لنقل ملكيةً بغير بدلٍ.
والثاني: لا يحنث؛ لأن ملكه غير تام لمنعه من كمال التصرف فيه.
فرع آخر
لو دعاه إلى طعام وليمةً لم يحنث به؛ لأن طعام الوليمةَ غير موهوب، هما هو مأذون في استهلاكه على صفةً مخصوصةً.
فرع آخر
قال الشافعي رضي الله عنه: "فإن أسكنه دارًا فهي عاريةً لم يملكها إياه، ومتى شاء رجع" فلا ينطلق عليه اسم الهبةَ ولا يحنث.
وحكي عن مالك رحمه الله أنه قال: يحنث بالعاريةً والوقف.
فرع آخر
لو حلف لا يتصدق فتصدق على غني حنث، ذكره أصحابنا بخراسان.
ونال أبو
حيفة: لا يحث؛ لأن الصدقة على الغني هبة.
ولو حلف لا يتصدق فوهب لم يحنث بلا خلاف، كما لو حلف لا يأكل خوخا فأكل غيره من الفواكه لا يحنث؛ لأنه غم الذي خصه بالاسم.
مسألة: قال: "ولو حلف لا يركب دابة العبد فركب لم يحنث".
الفصل
صورة المسألة أن يحلف لا يركب دابةً العبد فركب دابةً جعلها السيد برسم عبده يركبها
لم يحنث.
وقال أبو حنيفة؛ يحنث: لأن هذه الدابةً تضاف إلى عبده ولا تضاف إليه، وهذا لا يصح؛ لأن العبد لا يملكها، والإضافةَ تقتضي الملك في حق من يملك، فإذا لم يملكها المحلوف عليها لم يحنث الحالف، كما لو ركبا دابةً استعارها المحلوف عليه لم يحنث الحالف، ولأن الدابةً الواحدةَ لا تنسب إلى اثنين في حالةٍ واحدةٍ على طريق الحقيقةَ، وقد ثبت أنه لو قال: لا ركب دابةٍ سيده فركب دابةً جعلها برسم عبده يحنث، وأما ما ذكروه فلا يصح؛ لأن اليمين تحل على الحقيقةَ دون المجاز إذا كان لها [(27) / أ] حقيقةً ومجاز، وكذلك الخلاف إذا قال: والله لا دخلت دارًا الليلةَ، فدخل دارًا لا يسكنها لا يحنث في يمينه؛ لأن الدار لغيره خلافًا لأبي حنيفةَ، ويقوله قال المزني.
فرع
لو حلف لا يركب دابةً زيد فركب دابةً جعلها زيدٌ لركوبه يحنث عندنا خلافًا لأبي حنيفة.
فرع آخر
لو حلف لا يركب دابة فلان فملكه سيده دابةً.
فإن قلنا: يملك العبد بالتملك حنث، وإن قلنا: لا يملك لا يحنث.
فرع آخر
لو حلف لا يركب دابةً زيي فركب دابةً لمكاتبه لا يحنث؛ لأن السيد لا يملكها ولا ينفذ تصرفه فيها.
فرع آخر
لو حلف لا يركب دابةً زيد فركب دابةً ملكها زيد عبده، قال صاحب "الإفصاح"; يحنث؛ لأنه المالك حقيقةً.
وقال بعض أصحابنا: هذا مبنى على أنه يملك بالتمليك، فإن قلنا يملك التمليك لا يحنث، وإن قلنا: لا يملك يحنث.
فرع آخر
لو حلف لا يركب دابةً المكاتب فركب دابةً له، قال أبو حامد: يحتمل أن يقال: لا يحنث؛ لأنه له الملك حقيقةً، ويحتمل أن يقال: يحنث؛ لأنه يتصرف فيه تصرف المالك، ويملك ملكًا ضعيفًا، وهو اختيار مشايخ خراسان وهذا أظهر؛ لأنه إذا لم يضف إلى سيد المكاتب لا بد من إضافتها إليه.
فرع آخر
لو قال: لا أركب سرج هذه الدابةَ، أو دابةً الطبل حنث بركوب السرج الذي هو برسم تلك الدابةَ؛ لأن مقصوده بذلك التعريف لا التمليك ولذلك لو قال: لا آكل ثمرةً هذه النخلةَ أو طعام هذه القريةَ فأكل حنث.
فرع آخر
لو قادت لا أدخل دارا في كانجار بابل آو خان يحي بنيسابور حث بدخوله في ذلك
الموضع وإن مات أضيف إليه ذلك كما ذكرناه.
فرع آخر
[(88) / ب]: لو حلف لا يملك عبدًا وله مكاتب لا يحنث، نص عليه، وقال في "الأم": "لو ذهب ذاهب إلى أنه عبث ما بقي عليه درهم" فإنما يعني به أنه عبدَّ في حال دون حال؛ لأنه لو كان عبدًا لكان مسلطًا على بيعه وأخذ كسبه، فقد قيل: هذا قول آخر.
وقال صاحب "الإفصاح": لا نجعل هذا قولًا آخر؛ لأن الشافعي - رضي الله عنه - ألزم نفسه شيئًا وانفصل عنه فلا يجعل بذلك قول آخر.
فرع آخر
لو قال: لا ضربت عبد زيدٍ، فوهبه زيد ولم يقبضه، أو جني فتعلق أرش الجنايةً برقبته فضربه حنث؛ لأن ملكه لم يزل بعد كما لو رهنه.
مسألة: قال: " وَلَوْ قَالَ: مَالُي فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ صدقَهُ عَلَى مُعَنّى الأيمان ".
الفصل
هذه المسألة بالنذر أشبه منها بالأيمان، غير آن المزني أوردها هاهنا لتعلقها بالأيمان، والحكم فيها أن الرجل إذا نذر نذرًا أخرجه مخرج اللجاج والغضب، بأن يقصد به منع نفسه عن فعل شيء أو إلزامها فعل شيء، فيقول: إن فعلت كذا فمالي صدقةً، أو إن لم أفعل كذا فمالي صدقةً، فوجد شرطًا ذلك لزمه حكمه، واختلف العلماء فيما يلزمه على سبعةً مذاهب:
فذهب الشافعي - رضي الله عنه - آلي أنه بالخيار بين أن يفي بنذره وبين أن يكفر كفارة يمين، وبه قال عمر، وابن عمر، وابن عباس، وعائشةً، وحفصةً، وزينب، وأم سلمه - رضي الله عنهم - وعطاء، وطاوس، وعبيد الله العنبري، وشريك، والحسن، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور.
وقال في كتاب "الاعتكاف" لو قال: إن فعلت كذا وكذا فعلي اعتكاف شهر، وكان قد فعل ذلك الشيء فعليه اعتكاف شهي.
ومن أصحابنا من قال: الواجب الكفارة، [(28) / أ] وإذا أخرج ماله كان زيادةً على الكفارةً، واختلف أصحابنا فيه على طرقٍ:
إحداها: فيه قولان؛ أحدهما: أنه مخير.
والثاني: يلزمه الوفاء فقط.
والثانية: قولًا واحدًا هو مخير، وما ذكره في الاعتكاف ليس بقول ثانٍ، بل هو أحد الشيئين المخير فيهما.
والثالثة: قال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان؛ أحدهما: أنه مخير.
والثاني: يلزمه كفارة؛ لأنه يمين لا نذر.
وقد قال الشافعي رضي الله عنه: القياس آن عليه كفارة يمين.
والرابعة: فيه ثلاثةَ أقوال؛ أحدها: يلزمه كفارةَ اليمين ولكنه إن وفي بما ذكره أجزأه، وهذا العبد في القياس عبد عبدٍ.
وقال في والحاوي: إذا قلنا بالتخيير فيه وجهان:
أحدهما: الواجب عليه أحدهما وهما في الوجوب سواء، وله الخيار فيما شاء منهما.
والثاني: الواجب عليه الكفارةً وله إسقاطها بالنذر؛ لأن حكم اليمين أغلب وهي بالله أغلظ وإن كان الوفاء بالنذر أفضل.
وقال الحكم وحماد والنخعي: لا يلزمه بهذا القول شيء بحالٍ؛ لأنه وصف ماله بما لا يصير موصوفًا به، وقال ربيعة: يلزمه أن يتصدق بقدر الزكاة من الأموال الزكاتية؛ لأن المطلق محمول على معهود الشرع، وإنما يجب في الشرع من المال قدر الزكاةً.
وقال مالك، والزهري، وأحمد في روايةً: يلزمه أن يتصدق بثلث ماله، واحتج بأن آبا لبابة قال: يا رسول الله، أتأذن لي آن أنخلع من مالي كله؟ فقال: "يجزيك منه الثلث".، فثبت أن الثلث يقوم مقام الكل.
وقال أبو حنيفة: يلزمه أن يتصدق بجمع أمواله الزكاتيةً دون غيرها، فإن لم يكن له إلا المال الزكاتي أمسك منه قدر النفقةً ثم قضى ذلك إذا أيسر.
وقال عثمان البتي: يلزمه التصدق بجميع ماله الزكاتي وغير الزكاتي، كما لو قال: إن شفي الله مريضي [(88) / ب] فلله علتي التصدق بمالي، وهو رواية عن ابن عمر - رمحي الله عنهما - وقال جابر ين زيد أبو الشعثاء ت إن كان ماله كثيرًا يتصدق بعشرهِ، وإن وسطًا يتصدق بسبعهِ، وإن كان قليلًا يتصدق بخمسهِ، والكثير ألفان، والوسط ألف، والقليل خمسمائةً.
ودليلنا ما روت عائشة - رضي الله عنها - أن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال؛ " من حلف بالمشي والهدى، أو جعل ماله في سبيل الله أو المساكين، آو في رتاج الكعبةَ فكفارته كفارة يمينًا، وأيضًا فبدايته بداية الأيمان، ونهايته نهايةَ النذر فخيرنا بين حكميهما.
وروى سعيد بن المسيب آن أخوين كان بينهما ميراث، فسأل أحدهما صاحبه القسمةً، فقال- صلى الله عليه وسلم - إن عدت سألتني القسمة لا أكلمك أبدأ وكل مالي في رتاج الكعبةً، فقال له عمر - رضي الله عنه- إن الكعبةً غنية عن مالك، كفر عن يمينك وكلم أخاك، سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب".
وقال في قطيعةُ الرحم؛ "ولا فيما تملك".
وأصل الرتاج الباب، ولم يرد به الباب نفسه، وإنما المعنى أن يكون ماله هديًا إلى الكعبةً، أي في كسوةَ الكعبةً والنفقةً عليها.
وروي أن رجلا مال عائشةَ - رضي الله عنها - عمن قال: كل عالي في سبيل الله، أو كل مالي في رتاج الكعبةً، ما يكفر ذلك؟ فقالت: يكفره ما يكفر اليمين.
وروى عقبة بن عامر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: وكفارةَ النذر كفارةَ اليمين، وهذا معتبر في نذر اللجاج، فإن في نذر النذور لا تجري الكفارة، وروي عن أبي رافعٍ أن مولاته حلفت بالمشي إلى بيت الله، وكل مملوك لها حر؛ وهي يومًا يهوديةً ويومًا نصرانيةً، وكل شيء لها في سبيل الله إن لم تفرق بينه وبين امرأته، فسألت [(29) / أ] ابن عمر، وابن عباس، وآبا هريرة، وعائشةً، وحفصةً، وأم سلمه - رضي الله عنهم - فكلهم: كفري عن يمينك وخلي بينهما، ففعلت وروى عمران بن حصين - رض الله عنه - أن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال: "لا نذر في غضب، وكفارته كفارة يمين".
وأما ما ذكره النخعي فلا يصح؛ لأنه ألزمهُ وهو قربةً في نفسه فيستحيل ألا يلزمه شيء، وأما ما ذكره ربيعةً فلا يصح؛ لأن الزكاةً تجب مواساةً من المال، وهاهنا تصدق بجميعه، وأما ما ذكره مالك، قلنا: أبو لبابةً كان من الثلاثةَ الذين خلفوا، فأراد أن يتبرع بماله على سبيل الله والشكر، ولم يكن أوجب ذلك؛ لأنه يقابله ما روي أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه -تصدق يجمح ماله فأقره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ذلك.
وأما ما ذكره أبو حنيفةَ فلا يصح؛ لأن نذر التبرر لم يخرج مخرج اليمين بخلاف هذا، وأما ما ذكره جابر بن زيدٍ فلا يصح لما ذكرناه.
فإذا تقرر هذا فما تعلق بهذا النذر على ثلاثة أضرب:
أحدها: صدقة المال، أو الصوم، آو الصلاة، أو الاعتكاف، فإذا وجد شرطه تخير على المذهب الصحيح.
والثاني: إن تعلق به طلاقًا أو عتاقًا يلزمه ذلك عند وجود الشرط؛ لأنهما ينتجزان عند وجود الشرط، وصورته أن يقول: إن كلمت فلانًا فعبدي حرٌ، أو امرأتي طالق، ولو قال: إن كلمت فلانًا فلله علتي أن أعتق عبدًا، فكلمه كان مخيرًا بين العتاق والكفارةً على ما ذكرنا، والفرق أنه رفع العتق والطلاق بشرط هناك، فإذا وجد الشرط وقعا، وهاهنا التزم في الذمةً بالشرط، فإن لم يكن الشرط فيه عوضًا لم يلزم.
والثالث: [29/ ب] إن تعلق به حجًا فالمنصوص أنه مخير، ومن أصحابنا من قال: يلزمه الحج، والفرق بينه وبين سائر العبادات آن الحج يلزم بالدخول فيه، فكذلك بالنذر بخلاف الصوم والصلاةَ.
ومن أصحابنا من قال: قال المزني: قال الشافعي - رضي الله عنه -: ومن حنث بالمشي إلى بيت الله الحرام ففيه قولان: أحدهما: قول عطاء عليه كفارةَ يمين، ومذهبه أن أعمال البر لا تكون إلا في فرض الله تعالى، وسكت الشافعي عن القول الثاني
إيجاب الوفاء.
ومنهم من أراد بالقول الثاني التخيير بين الوفاء وبين الكفارة؛ ففي هذه المسألة ثلاثةَ أقاويل كالمسألة الأولى، وهي منصوصةً في مواضع متفرقةٍ.
ومن أصحابنا من قال: ليس على قولين عنده، وإنما حكي خلاف الناس على قولين، واختار لنفسه قول عطاء، ومعناه أنه يجزئه كفارةَ اليمين لا أنه تتعين الكفارة، ومن خرج من هذه المسائل على قولين فإنما خرج القول الآخر من الاعتكاف على ما ذكرنا، وقدر المزني أنه خرجه على قولين فقال: قطع بأنه قول عددٍ من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -والقياس، فلا وجه للقول الآخر، والجواب عنه ما ذكره هذا القائل.
قال المزني: وقد قال الشافعي في موضع آخر: لو قال: لله علتي نذر حج إن شاء فلان، فشاء لم يكن عليه شيء، إنما النذر ما أريد به الله تعالى ليس ما أريد به الخلق، الخلق والثاني غير الناذر، فمال المزني إلى هذا القول وهو إيجاب الكفارةً،
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هو الكفارةَ كما في الأيمان يحنث لا يتخير بينهما وبين غيرها، وهو ظاهر قول عطاء، وهو القياس.
وقال في "الحاوي": [(30) / أ] إذا علق به الحج قال في "الأم": فيه قولان، فوهم أبو حامد وخرج مذهبه على قولين؛ أحدهما: يتخير، والثاني: يلزمه الحج؛ لأن الحج في الالتزام بخلاف الصدفةَ، والصوم، والصلاةً.
وقال جمهور أصحابنا مذهبه لا يختلف فيه كما لم يختلف في غيره، وأنه مخير بين الحج والكفارة قولًا واحدًا كما في الصدقةَ والصلاةً، وحملوا قول الشافعي: "فيه قولان" أي تفقهًا؛ لأن لهم في الصدقةً أقاويل وليس لهم في الحج إلا قولان، ومذهبه التخيير قولًا واحدًا في الكل.
وأما قول الشافعي هاهنا: "والتبرر أن يقول: لله علي إن شفاني الله أن أحج له نذرًا قال أصحابنا هذا يدل على أنه إذا قال: لله عليّ آن أتصدق بمالي لم يلزمه شيء حتى يعلقه بمعنى، فيقول: إن شفي الله مريضي، أو رد على غائبي، أو آتاني مالأ".
ومن أصحابنا من قال: لا يدل على هذا المعنى؛ لأن الشافعي قال: "لو قال فه علي آن أحج في عامي هذا كان عليه أن يحج" وإنما أراد الشافعي أن يبين أن أقل اليمين يخالف النذر، وهذا ظاهر المذهب.
وقد فرع في مسائل الاعتكاف ولم يشترط فيه آن يكون على المجازاةً، وبه قال ابن سريج، وابن أبي هريرةً، والأصطخري، ولأن نذر الهدي المسمى لبيت الله الحرام لا يتعلق بالمجازاة بالإجماع، وكذلك إيجاب الضحايا، وكذلك سائر القربات والطاعات، فحصل من هذا أن النذر ضربان: نذر تبرر، ونذر لجاج وغضب.
فأما نذر اللجاج فيه طرق؛ أحدها: قول واحد وهو التخيير.
والثانيةً: قولان التخيير والوفاء.
والثالثةً: ثلاثةَ أقوال على ما ذكرنا.
والرابعة: قولان كفارةَ اليمين والتخيير.
والخامسةُ: قول واحد وهو كفارةَ اليمين، وهو اختيار كثير من مشايخ خراسان.
وأما نذر التبرر ضربان: أحدهما: ما يقصد به المجازاةً بأن يستجلب نعمةً، مثل أن يقول: إن رزقني الله ولدًا أو علمًا، أو شفي مريضي فلله عليّ كذا، أو يدفع به نعمةً بأن يقول: [30/ ب] إن نجاني الله من ظلم فلانٍ أو من الغرق أو الحرق؛، فلله علي كذا، فهذا يلزمه الوفاء به بلا خلاف عند وجود الشرط لقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: (1)]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ [التوبة: (75)] الآية، فذم من لم يف بنذره، ولأنه في مقابلةً شرط بمنزلة المعاوضات، فإذا وجد الشرط لزم كما يلزم الثمن في مقابلة الثمن.
والثاني: ما يبتدئ به النذر مطلقًا من غير المجازاةً فهو على خلافٍ، بين أصحابنا؛ فقال الجمهور: يلزم الوفاء به قولًا واحدًا، وبه قال أبو حنيفة - رحمه الله وقال أبو إسحاق والصيرفي: لا يلزم الوفاء به، وبه قال أبو يوسف، وهذا لأن حقوق الآدميين إنما تلزم ما كان في مقابلها عوض كالبيع وما لا عوض في مقابلها لا تلزم، فكذلك حقوق الله تعالى بالنذر لا تجب إلا أن يكون في مقابلته عوض.
وحكي غلام ثعلب عن ثعلب أنه قال: النذر عند العرب وعد بشرطٍ، ودليلنا أنه ألزم نفسه غرامةً على وجه التبرر فيلزمه كما لو ألزم نفسه أضحيته، وأما ما ذكر ثعلب فلا يصح؛ لأن العرب تسمي الملتزم نذرًا.
وأما ما ذكروه فلا يصح؛ لأن الأضحيةً والضمان عن الغير يلزمان بغير عوض، ومن أصحابنا من قال: فيه قولان مخرجان، آو وجهان، والصحيح الطريقة الأولى.
فرع
لو قال: إن رأيت فلانًا فلله عليّ أن أحج، سئل فإن قال: أردت إن رزقني الله رؤيته فرأيته كان عليه الحج.
وإن أراد به اليمين كان حالفًا فيتخير بين الوفاء وبين كفارةً اليمين.
قال أصحابنا: وكذلك لو قال: إن دخلت مكة فلله علىّ أن أعتق رقبةً، فإن أراد إن رزقني الله دخولها فهو نذرٍ، وإن أراد معنى اليمين، آي لأدخلنها فهو مخير على ما ذكرنا.
وكذلك لو قال: إن سلمت علىّ فلان فلله علتي كذا، يحتمل هذين المعنيين.
فرع آخر
لو قال: إن دخلت الدار [(31) / أ] فمالي عليّ حرام فهو موقوف على ما حرمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على نفسه في ماريةُ القبطيةُ حتى أنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: (1)] الآيةً، روى الأكثرون أنه حرم ماريةَ، فعلى هذا لا يلزم الحالف في تحريم غير ذات الفروج من ماله شيء، ويكون اليمين فيه لغوًا، وروي أن الذي حرمه الغسل فعلى هذا يلزم الحالف تحريم ماله، وعليه كفارة يمين كما يلزم في تحريم ذات الفروج كفارةَ يمين.
فرع آخر
لو قال: إن شفي الله مريضي تصدقت بمالي، وقد ذكرنا أنه يلزمه الوفاء به، وفي قدر ما يستر به عورته وجهان؛ أحدهما: يتصدق به لاستثنائه بالشرع في حقوق الله
والثاني: يلزم ذلك لعموم اللفظ.
فرع آخر
لو قال: إن شفي الله مريضي فلا ألبس جديدًا ولا آكل الحلوى لا ينعقد ولا يلزم الوفاء به.
فرع آخر
لو قال: إن هلك فلانٌ وهبت داري لفلان، فإن كان الهالك من أعداء الله تعالى انعقد به الشرط؛ لأنه طاعةً، وإن لم يكن كذلك فلا ينعقد به الشرط.
ثم إن كان الموهوب له ممن يقصد بهبته الأجر والثواب لزمه الجزاء؛ لأنه طاعة، وإن كان ممن يقصد به التواصل والمحبةً لم يلزم به الجزاء لأنه مباح.
فرع آخر
لو قال: إن سَليم مالي وهلك مال فلان أعتقت عبدي وطلقت امرأتي، انعقد نذره على سلامةً ماله ولم ينعقد على هلاك مال غيره؛ لأن ما شرطه من سلامةُ ماله مباح، وما شرطه من هلاك مال غيره معصيةً، ولزمهُ في الجزاء عتق عبده ولا يلزمه الطلاق؛ لأن الجزاء بالعتق طاعًا، والجزاء بالطلاق مباح.
فرع آخر
لو قال: إن شفي الله مريضي فلله عليّ نذر، ينحرف إطلاق هذا النذر إلى الصدقةً؛ لأنها الأغلب من عرف النذور، ولا يتعذر إطلاقها بما في فجاز تقليل المال اعتبارًا بالاسم.
فرع آخر
لو قال: [31/ ب] أيمان البيعةً لازمةً لي، لم يلزمه بإطلاق هذا شيء ولا ينعقد به يمين؛ لأن البيعةً التي كانت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والصحابةً والتابعين كانت أخذًا باليد بلا يمين، وإنما أحدثت الأيمان في بيعةَ الحجاج بن يوسف، فأدخل أيماناً بالله تعالى، وبالعتاق، والطلاق، والحج، وصدقةَ المال، فإذا قال: أيمان البيعةً لازمةً لي ينصرف ذلك إلى البيعةً الشرعيةُ، وليس فيها يمين.
فإذا قال ذلك وعنى به الأيمان التي رتبها الحجاج نظر، فإن قال: بطلاقها وعتاقها فقد صرح بذكرها، فلا تحتاج إلى النيةً وتنعقد يمينه بالطلاق والعتاق، وإن لم يصرح بذلك ونوى أيمان البيعةً هذه التي فيها الطلاق والعتاق انعقدت يمينه بالطلاق والعتاق خاصةً؛ لأن اليمين بها تنعقد بالكناية مع النية، وليس ذلك من أجل ذكر البيعة.
وقال في والحاوي: لو قادت علي أيمان البيعةً انصرف ذلك عن بيعة الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛
لأنه لم يكن في بيعته يمين وتوجه إلى بيعةً الحجاج لانعقادها على يمين، والحكم على ما ذكرنا.
فرع آخر
إذا قال: إن كلمت زيدًا وشفي الله مريضي فلله عليّ أن أحج، هل يخير بين الوفاء والكفارةً عند وجود الشرطين على قول التخيير في نذر اللجاج؟ قال والدي - رحمه الله -: القياس يقتضي أنه يخير؛ لأن التخيير هناك إنما يثبت لاجتماع الشبهين فيه، وهذا المعنى موجود هاهنا فوجب إثبات التخيير.
فرع أخر
لو حلف ثم نوى في الليل أن يصوم غدًا عن كفارة اليمين ثم حنث صحت هذه النيةً، وإذا طلع الفجر بعد وجوب الكفارةً، وإن كنا نقول لا يجوز تقدم الصوم على الحنث في كفارةَ اليمين؛ لأنه من صحةً النيةً لا يعتبر وجوب الصوم، وإن اعتبر في صحةً الصوم وجوبه، ألا ترى أنه ينوي في الليل صوم الغد من رمضان [(32) / أ] فيجوز، وإن لم يكن الصوم ثابتًا في الذمةً في تلك الحالةً، ولا يصح منه صومه إلا في الوقت الذي ثبت وجوبه، ومحل نيةَ الصوم محل طهارة الصلاةً قبل دخول وقت الصلاة وإن لم تكن واجبة فيه، ولا تصح الصلاة قبل وجوبها كذلك في الموضع مغله، ليحتمل وجهًا آخر، وهو أن النية في مسألة الكفارةَ لا تصح؛ لأن النيةً عبادةً على البدن، وهو في حال النيةً غير مخاطب بصوم الغد ويخالف صوم رمضان؛ لأنه مخاطب في حال النيةً يصوم الغد، وهذا الوجه ذكره والدي - رحمه الله -.
فرع أخر
إذا حلف وحنث ثم حلف ولم يحنث، ثم اعتق رقبةً بنية الكفارةً ولم يمن، وأراد صرف هذا العتق آلي كفارةَ اليمين الثانيةً هل له ذلك؟ قال والدي - رحمه الله -: يحتمل وجهين: أحدهما: له ذلك كما لو كانتا واجبتين عليه؛ لأن جواز كفارةَ اليمين قبل الحنث وبعد الحلف كجوازها بعدهما.
والثاني: يكون العتق عن الواجب وقد تعين عنه عند الوقوع؛ لأنه إذا عين بالنيةَ إحدى الكفارتين الواجبتين عليه تعين في ذلك المزيةَ الحاصلةً بنيته التي أحدثها، وهاهنا المزيةَ حاصلةً بالوجوب فانصرف إليه دون غيره.
وهكذا إذا كان عليه دينان مثلان مؤجل ومعجل وماله مرهون بالمؤجل، فقضى أحدهما من غير تعيين ولا نيةً، ثم أراد صرفه إلى المؤجل احتمل ما ذكرناه من الوجهين.
فرع أخر
إذا حلف لا شيء عليه لفلان، فقبل شهد شاهدان أن عليه لفلانٍ كذا وكذا، وأنه كان عليه عند هذا الحلف حنث في الحكم ووقع الطلاق إن كان الحلف به؛ لأن الشاهدين صحةً في الطلاق، والثاني وهو كالطلاق المعلق بدخول الدار، فإذا صح
الدخول بالشهادةً، كان كصحته بالإقرار في وقوع الطلاق، فكذلك إذا كانت الصفةُ [32/ ب] وجوب الحق عليه، ولا يصح أن يقال: يجوز أن يكون وفّر المال على صاحب الحق والشهود لا يعلمونه، فلا يقع الطلاق بالاحتمال؛ لأن هذا الموضع من رقيع الطلاق يصح من وجوب المال أيضًا، ويمنع من قبول الشهادة في مسألة الدخول لاحتمال كذب الشهود، ويمنع من قبول الشهادةً على أصل الطلاق لاحتمال الكذب، فلما حمل على الظاهر في هذه المواضع يحمل على الظاهر فيما نحن فيه، فلو شهد شاهدان في ذلك المجلس أن عليه لفلان كذا، ولم يكن، وكان عليه عند الحلف احتمل ألا يقبل في وقوع الطلاق لجواز وجوبه بعد اليمين في ذلك المجلس، بأن يعقد وكيله بعد اليمين عقدًا أو يجيئه الرَّاد للآبق به، وكان شرط له جعلًا ونحو ذلك من الأسباب التي قد لا تظهر، ويكون الحالف عارفًا بها والشهود كمثله ولكنهم يشهدون من غير بيان السبب، فإذا أمكن هذا لم يجز إيقاع الطلاق بالاحتمال.
فرع آخر
قال والدي - رحمه الله -: إذا قدم الإطعام على وقت الوجوب كأنه خرج خطأ وهو عادم للرتبةً ولا يستطيع الصوم، فأطعم ستين مسكينًا قبل ثبوت الخروج، هل يصح الإطعام؟ عندي أنه ينظر، فإن كان شيخا كبيرًا لا يستطيع الصوم بحال صح الإطعام، وإن كان مريضًا ولكن يرجى زوال مرضه احتمل أن لا يجوز؛ لأن الإطعام إنما يجوز عند العجز عن أصله وهو الصوم، وهذا إنما يعتبر عند وجوب الصوم وقبل الموت لم يكن الصوم، وإن أطعم ربما يكون قادرًا على الصوم في وقت الوجوب، وهو عقيب موت المخرج، ولا تجوز عبادةً البدن موقوفةً على شرط متأخر عنها، ويحتمل جوازه؛ لأنه حق ما في يتعلق بالكفارة فصح تقديمه كالعتق، وفي الشيخ الهرم أيضًا نظر.
فرع أخر
إذا مات وعليه كفارةَ القتل وهو عادم للرقبة وله مال، [(33) / أ] الظاهر أنه يطعم عنه من جهةَ أن أداء الصوم إذا تعذر بالموت بعد الإمكان يوجب الإطعام كقضاء رمضان، فإن كان هذا الصوم لا بدل له من حيث الإطعام في حال الحياةً، ولو صار هذا المكفر شيخًا هرمًا بعد الإمكان لا يجوز الإطعام لجواز أن يتمكن من العتق، وقد قيل خلاف هذا، والأصح ما ذكرنا.
وهذا إذا قلنا الاعتبار في الكفارةً بحالة الأداء، فإن قلنا الاعتبار بحالةً الوجوب يلزم الإطعام.
فرع أخر
لو قال لها: إن خرجت من الدار بغير إذني فأنت طالق، فأذن لها في الخروج وبقي مجنونا هل يصح الإذن؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يمح كما لو أذن لها في البيع والشراء.
والثاني: يصح وهو الأصح؛ لأن البيع والشراء لا يصحان من المجنون فلم يصح الإذن بها للمجنون، والدخول والخروج يوجد من المجنون فصح الإذن به للمجنون.
فإذا قلنا بالثاني لم يقع الطلاق، وإذا قلنا بالأول صار كما لو خرجت بغير إذنٍ،
فيبنى على القولين في أن عمد المجنون عمد أم خطأ؟ فإن قلنا: عمدٌ وقع الطلاق، وإن قلنا: خطأ ففي ومع الطلاق قولان كما لو خرجت ناسيةً فيه قولان، والقول في الصبيةً كالقول في المجنونةَ وفيه وجهان.
فرع آخر
لو قال: والله لا أدخل هذه الدار مثلًا هل يعتبر القصد عند قوله والله؟ فيه ثلاث مسائل: أحدها: أن ينوي عند قوله: والله؟ تعقيبه بالدخول ذكرا فهذا حلف لا محالةً.
والثانية: أن ينوي عند قوله: والله شيئًا، فلما فرغ منه عقَّبه بذكر الدخول، فهذا لا يكون حلفا.
والثالثة: أن ينوي عند قوله: والله تعقيبه بذكر شيء لا على التعيين على وجه اليمين، فلما فرغ منه عقبه بذكر الدخول فيحتمل وجهين:
أحدهما: يكون حلفًا ولا يجعل التعيين شرطًا عند ذكر الله تعالى.
والثاني: لا يكون [33/ ب] حلفًا لفقد التعيين عند ذكر الله تعالى.
فرع آخر
إذا لاعن ولاعنت فالكاذب منهما يلزمه الكفارة؛ لأنه يمين عندنا، وهل يلزم كفارة أم كفارات؟ يحتمل أن يقال: يلزم كفارةً واحدةً؛ لأن الأيمان إذا تكررت على شيء وكان القصد الإعادةً التكرار فالواجب كفارةً، وكذا في أيمان القسامةً إذا كانت كذبًا يكفي كفارةً واحدةً لما ذكرنا.
فرع آخر
إذا حلف الكافر الذي ينفي الإله بالله تنعقد يمينه؛ لأنه يستحلف في الدعاوى بالله تعالى، وإن حلف بالله تعالى ومراده الصنم أعيد عليه الحلف؛ لأن اليمين بغير الله تعالى لا تصح بحالٍ، ولو حلف بجسم فقال: والله الذي هو جسم لا أفعل كذا، يحتمل أن يقال: لا تنعقد يمينه؛ لأنه حلف بغير الله تعالى في الحقيقةَ لاستحالةُ كون الله تعالى جسمًا، وهذا أوضح على قول من يكفرهم، ويحتمل أن يقال: تنعقد يمينه؛ لأنه حلف بالله تعالى ولكنه أخطأ في وصفه، وهذا أوضح على قول من لا يكفرهم، وهكذا لو حلف لتلك الدعوى هل تعاد عليه اليمين؟ تخرج على وجهين:
أحدهما: تعاد عليه اليمين، وهذا على الوجه الأول.
والثاني: لا تعاد عليه، وهذا على الوجه الثاني.
فرع آخر
إذا أقر بالقتل عمدا ثم رجع عن إقراره هل يقبل قوله في سقوط الكفارة؟ قال الإمام والدي - رحمه الله - يحتمل أن يقال: إن كان من أهل الإعتاق أو الإطعام لم يقبل، وإن كان من أهل الخيام قُبل، والفرق أن حق الآدمي يتعلق بكفارةَ العتق والإطعام فلم يقبل الرجوع من أجل حق الآدمي بخلاف الصوم؛ لأن حق الله تعالى على الاختصاص لا حق للآدمي فيه بوجه، فجاز قبول الرجوع فيه.
فرع أخر
إذا حلف لا يدخل الدار اليوم فدخلها ناسيًا وانقضى اليوم [(34) / أ] صار بارَّا في يمينه، ولو حلف لا يدخلها فدخلها ناسيًا لا يصير حانثًا في أحد القولين.
والفرق أن الغرض في الأول تحصيل الدخول، والحلف وقع ليكون داعيًا إلى فعله، فإذا حصل الدخول فقد وجد المقصود بالداعي فأغنى عن ذكر الداعي، وفي المسألة الثانيةً المقصود انتفاء الدخول والحلف ليكون داعيًا له إلى الترك، وإنما يصح أن يكون داعيًا له إلى تركه إذا كان ذاكرًا له، فإذا لم يكن ذاكرًا صار كأن حلفه لم يتناول هذا الفعل فلم يقع الحنث.
تم الجزء العاشر
ويليه إن شاء الله الجزء الحادي عشر
وأوله: كتاب النذور
بحر المذهب في فروع المذهب الشافعي
تأليف القاضي العلامة فخر الإسلام شيخ الشافعية الإمام أبي المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل الروياني المتوفي سنة 502 هـ
تحقيق طارق فتحي السيد
الجزء الحادي عشر
يحتوي على الكتب التالية: النذور - أدب القضاء- العدد- الرضاع- النفقات
بسم الله الرحمن الرحيم