باب صفة الصائد من كلب وغيره
وما يحل من الصيد وما يحرم
قال الشّافِعيِ رحمهُ اللهُ تعالى:" كُلّ معلم مِن كلِبِ وفهد ونمر وغيْرها مِن الوَحشِ وكان إذاً أشلي استشلى وإذاً أخذ حبس ولم يأكل فإنّه إذاً فعلًّ هذا مرّةً بعد مرّةً فهوَ معلم وإذاً قتل فكُلّ ما لم يأكل".
قال في الحاوي: والأصل في إباحة الصيد الكتاب والسنة هو إجماع الأمة.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة:1] وفي قوله تعالى ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:1] فيه تأويلان:
أحدهما: أنها العقود التي يتعاقدها الناس بينهم من بيع، أو نكاح، أو يعقدها المرء على نفسه من نذر أو يمين.
والثاني: أنها العقود التي أخذها الله تعالى على عباده، فيها أحله لهم وحرمه عليهم، وأمرهم به، ونهاهم عنه.
العقد أوكد من العهد، لأن العقد ما كان بين اثنين، والعهد قد ينفرد به الإنسان في حق الله وحق نفسه.
وفي ﴿بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ [المائدة:1] تأويلان:
أحدهما: أنه أجنة الأنعام التي توجل ميتة في بطون أمهاتها إذا ذبحت وهذا قول ابن عباس وابن عمر.
والثاني: أنها وحش الأنعام من الظباء وبقر الوحش، وجميع الصيد، وهذا قول أبي صالح.
وفي تسميتها "بهيمة" تأويلان:
أحدهما: لأنها أبهمت عن الفهم والتميز.
والثاني: أنها أبهمت عن الأمر والنهي.
وفي قوله تعالى: ﴿إلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة:1] يريد به جميع الوحش من صيد البر يحرم في الحرم، والإحرام، وفي قوله تعالى: ﴿وأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ تأويلان:
أحدهما: في الحرم، وهو قول ابن عباس.
والثاني: في الإحرام، وهو قول أبي صالح ﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ تأويلان:
أحدهما: يقضي ما يريد عفو وانتقام.
والثاني: يأمر بما يريد من تحليل وتحريم، وهذه أعم آية في إباحة الأنعام والصيد في حالي تحليل وتحريم.
وقال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ وطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ﴾ [المائدة:96] يعني ما عاش فيه من سمكه وحيتانه وطعامه ﴿مَتَاعًا لَّكُمْ ولِلسَّيَّارَةِ﴾ فيه تأويلان:
أحدهما: مملوحة.
والثانية: طافية.
﴿وحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة:96] فدل على إباحته لغير المحرم، كما قال تعالى: ﴿وإذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة:2] وهذا وان كان أمراً، وهو بعد حظر فدل على الإباحة دون الوجوب.
وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ومَا عَلَّمْتُم مِّنَ الجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة:4] وفي مراده بالطيبات تأويلان:
أحدهما: ما استطبتموه من اللحمان سوى ما خص بالتحريم.
والثاني: أنه أراد بالطيبات الحلال، سماه طيباً، وان لم يكن مستلذاً تشبيهاً بما يستلذ لأنه في الدين مستلذ.
﴿ومَا عَلَّمْتُم مِّنَ الجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة:4] يعني: وصيد ما علمتم من الجوارح،
فأضمره، لدلالة المظهر عليه.
والجوارح: ما صيد به من سباع البهائم، والطير، وفي تسميتها بالجوارح تأويلان:
أحدهما: لأنها تجرح ما صادت في الغالب.
والثاني: لكسب أهلها بها من قولهم: "فلان جارحة أهله" أي: كاسبهم.
قال الله تعالى: ﴿ويَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام:60] أي كسبتم.
وفي قوله تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ تأويلان:
أحدهما: أنها الكلاب وحدها ولا يحل صيد غيرها، وهذا قول ابن عمر والضحاك والسدي.
والثاني: أن التكليب من صفات الجوارح من كلب وغيره وفيه تأويلان:
أحدهما: أنه الضراوة على الصيد، ومعناه: مضرين عليه، وهذا قول ابن عباس.
والثاني: أنه التعليم، وهو أن يمسك، ولا يأكل.
ثم قال تعالى: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة:4] فيه تأويلان:
أحدهما: ترسلوهن على ما أحله الله لكم دون ما حرمه عليكم.
والثاني: تعلمونهم من طلب الصيد لكم مما علمكم الله من التأديب الذي علمكم، وهو تعليمه أن يستشلي إذا أشلى، ويحيب إذا دعى ويمسك إذا أخذ.
ثم قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة:4] فكان هذا نصاً في الإباحة وفي سبب نزول هذه الآية قولان:
أحدهما: ما رواه أبو رافع أن جبريل عليه السلام أراد الدخول على محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرأى كلباً، فرجع، وقال: "إنا لا ندخل بيتا فيه كلب ".
قال أبو رافع: "فأمرني بقتل الكلاب، فقتلتها، فقالوا: يا رسول الله ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فسكت حتى نزلت عليه بهذه الآية".
والثاني: أن زيد الخيل وفد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال له: "فينا رجلان يقال لأحدهما دريع، والآخر يكنى أبا دجانة، ولهما أكلب خمسة تصيد الظباء فما ترى في صيدها؟ ".
وحكى هشام عن ابن عباس أن أسماء هذه الكلاب الخمسة التي لدريع وأبي دجانة: المختلس، وغلاب، وسهلب والغيم والمتعاطي، فأنزل الله تعالى هذه الآية وأما السنة، فروى أبو سلمة عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من اقتنى كلباً إلا كلب ماشية أوصيد أو زرع انتفض من أ<ره كل يوم قيراط ".
وروى أبو إدريس الخولاني عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كل ما ردت عليك قوسك وكلبك".
وروى عامر الشعبي عن عدي بن أبي حاتم قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: إنا قوم نصيد بهذه الكلاب، فقال: إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت اسم الله، فكل ما أمسك عليك، وإن قتل إلا أن يأكل الكلب، فلا تأكل، فإني أخاف أن يكوك إنما أمسك على نفسه، وإن خالطتها كلاب غيرها، فلا تأكل ".
قال: وسألته عن صيد البازي، فقال: ما أمسك عليك، فكل.
قال: وسألته عن الصيد إذا رميته، فقال: إذا رميت سهمك، فاذكر اسم الله فإن وجدته قد قتلته، فكله إلا
أن تجده قد وقع في ما،، فمات فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك".
وقال: وسألته عن سهم المعراض، فقال: ما صاب بجده فكل، وما أصاب بعرضه، فهو وقيز".
وهذا الحديث يستوعب إباحة الصيد بجمع آلته.
فصل:
وإن ثبت إباحة الصيد جاز صيده بجميع الجوارح المعلمة من ضواري البهائم كالكلب والفهد والنمر، وكواسر الطير كالبازي والصقر والعقاب والنسر، وهو قول الجمهور، وقال الحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وأحمد بن حنبل، واسحاق بن راهويه: كل الصيد يجمعها إلا بالكلب الأسود البهيم.
وقال عبد الله بن عمر، مجاهد والسدي: لا يحل إلا صيد الكلب وحده، ويحرم الاصطياد بما عداه، استدلالاً بقول الله تعالى: ﴿ومَا عَلَّمْتُم مِّنَ الجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة:4] واستدل الحسن برواية عبه الله بن مغفل قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لولا أن الكلاب أمة من الأمم، لأمرت بقتلها، فاقتلوا منها الأسود البهيم".
وفيما قدمناه دليل على الفريقين؛ ولأن ما وجدت فيه شروط التعليم جاز الاصطياد به، كالكلب الأبيض.
فصل
فإذا ثبت جواز الاصطياد بجميعها، فلا يخلو حال الصيد أن يدرك حياً أو ميتاً، فإن أدرك حياً قوي الحياة، فلا اعتبار بصفة ما صاره من معلم أو غير معلم عن إرسال واسترسال، وهو حلال إذا ذكى، فإن فاتت ذكاته حتى مات، فهو حرام، وان أدرك الصيد ميتاً اعتبر في إباحة أكله تكامل خمسة شروط إذا تكاملت حل، وإذا لم تتكامل حرم:
أحدها: أن يسترسل الجارح عن أمر مرسله، فإن استرسل بنفسه لم يحل أكله، لقوله الله تعالى ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ فلم يحل ما أمسكه على نفسه.
والثاني: أن يكون المرسل مما تحل ذكاته، فإن كان ممن لا تحل ذكاته حرم لأن إرساله كالزكاة.
والثالث: أن لا يعيب عن عين مرسله، فإن غاب عن عين مرسله لم يحل، لأنه قد يحدث بعد مغيبه ما يمنع من إباحته.
والرابع: أن لا يشركه في قتله من لا يحل صيده، وان شركه فيه لم يحل.
والخامس: أن يكون الجارح المرسل معلماً: لقوله تعالى: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ﴾ [المائدة:4]
فإن كان غير معلم لم يحل.
وتعليمه (يكون) بأربعة شروط:
أحدها: أن يستشلى إذا أشلى، وهو أك يرسل، فيسترسل.
والثاني: أن يجيب إذا دعى، وهو أن يعود إذا طلب، ويزجر إذا زجره.
والثالث: أن يحس ما أمسكه، لا يأكله.
والرابع: أن يتكرر ذلك منه مراراً حتى تصير له عادة، ولا يصير بالمرة والمرتين معلماً.
قال الحسن البصري: يصير بالمرة الواحدة معلماً.
وقال أبو حنيفة: يصير بالمرتين معلماً، لأن الثانية من الإرسال فتصير عادة وهذا فاسد، لأن في تكامل العليم غير مقنع في العرف، ولأنه لا يمتنع أن يكوك بسبب امتناعه في الأولى موجوداً في الثانية، وإذا تكرر مع اختلاف أحواله زال، ولأن مقصود التعليم هو أن ينتقل عن طبعه إلى اختيار مرسله وهو لا يتقل عه إلا بالمرون عليه، فإن قيل: فقد عبر الشافعي عن إرساله بإشلائه، وهذا خطأ في اللغة: لأنه يقال: أشليت كلبي إذا دعوته وأشليته إذا أرسلته، واستعمل الإشلاء في ضد معناه فعنه ثلاثة أجوبة:
أحدها: أنه من الأسماء الأضداد يجوز استعماله في الأمرين.
والثاني: أنه يستعمل في الدعاء وحده، لكنه دعاه إلى الصيد، فجاز أن يكوك مشلياً له، كما لو دعاه إلى نفسه كما قال الشاعر:
أَشلَيْت غَيرِي، وَمسَحْتُ عَقْبِي
والثالث: أن الإشلاء هو الإغراء، فبأي شي، أغراه كان مشلياً له، كما قال الشاعر:
صَدَدْتُ وَلَمْ يَصْدُونَ خَوْفاً لِرِيْبَةٍ وَلّكِنْ لإِتْلاَفِ المُحَرشِ وّالمُشلَّى
أي المغرى والله أعلم.
مسألة:
قالُ الشّافِعيِ رحمهُ اللهُ تََعَالَى: "فإنّ أكُلّ فلا تأكّل فإنّما أمُسُك على نفسُه وذكر الشُّعبيِ عن عُدّيِ بُنِّ حاتم رضيَ اللهُ عنه أنّه سمِع النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - يقول: "فإنّ أكُلّ فلا تأكّل" قَالَ: وإذاً جمع البازيِ أوْ الصّقر أوْ العِقاب أوْ غيْرها مِمّا يصيدُ أن يدّعيَ فيَجيبُ ويشلى فيَطيرُ ويَأخُذُ فيُحبِسُ مرّةً بعد مرّةً فهوَ معلم فإنّ قتل فكُلّ وإذاً أكُلّ ففي القياس أنّه كالكلِبِ.
قال المُزَنيُّ رحمهُ اللهُ: ليْس البازيِ كالكلِبِ؛ لأنَّ البازيَِّ وصفّهُ إنّما يُعلِمُ بِالطُّعمِ وبِهِ يأخُذُ الصّيْدُ والكلِبُ يُؤدِّبُ على تركِ الطُّعمِ والكلِبُ يُضرِبُ أدُبا ولا
يمُّكُنّ ذلِك في الطّيْرِ فهُما مُختلِفانِ فيُؤكِّلُ ما قِتلُ البازيِ وإنّ أكُلّ ولا يُؤكِّلُ ما قِتلُ الكلِبِ إذاً أكُلّ لِنهي النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - عن ذلِك".
قال في الحاوي: إذا أرسل الجارح المعلم على صيد، فقتله، ولم يأكل منه حل أكله؟ لقوله الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾.
وإن أكل الجارح من الصيد الذي قتله، ففي إباحة أكله قولان سواء كان من كواسب البهائم أو كواسر الطير:
أحدهما: وهو قوله في القديم - يحل أكله.
وبه قال من الصحابة عبد الله بن عمر، وسعد بن أبي وقاص وسلمان الفارسي.
ومن الفقهاء مالك، وأبو ثور، وداود.
والقول الثاني: وبه قال في الجديد: لا يحل أكله.
وبه قال من الصحابة عبد الله بن عباس، وأبو هريرة.
ومن الفقهاء أهل العراق.
وقال أبو حنيفة، والمزني وهو مذهب الشعبي والنخعي أن ما كان من كواسب البهائم لم يحل أكله، وان كان من كواسر الطير يعلم بالأكل ولا فرق بينهما عند الشافعي على القولين: لأمرين:
أحدهما: أن البازي يعلم بالأكل في مبادئ التعليم، وبالامتناع من الأكل عن استكماله، ولو كان تعليمه بالأكل في الحالين، لما صحّ تعليمه إذا امتنع من الأكل، ولكان أكل منه شرطاً في إرادة أكله، وهذا مدفوع.
والثاني: أنه يعلم بالأكل من يد معلمه، ولا يعلم من أكل ما صاده وإذا لم يكن بينهما فرق على القولين، فإن قيل بقوله في القديم أنه يحل أن يؤكل ما أكل منه، في ليله حديث أبي ثعلبة الخشني.
روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلاً أتى رسول - صلى الله عليه وسلم - يقال له أبو ثعلبة، فقال: يا رسول الله إن لي كلاباً مكلبة فأفتني في صيدها فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن كانت الكلاب مكلبة، فكل مما أمسكن عليك.
قال: ذكي، وغير ذكي؟ قال: ذكي وعير ذكي.
قال: وإن أكل منه؟ فقال: وان أكل منه".
وروى أبو إدريس الخولاني عن أبي ثعلبة الخشني عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إذا أرسلت كلبك المكلب، وذكرت اسم الله عليه فكل، وإن أكل منه" فهذا نص.
ولأن ما حل أكله بفوات نفسه لم يحرم بحدوث أكله كالمذكى، ولأن ما حل من صيده إذا لم يأكل منه حل، وإن أكل منه، كما لو تركه بعد صيده، ثم عاد فأكل منه؛ ولأنه لو أكل من غير صيده، وأكل غيره من صيده لم يحرم واحد منهما، فدل على أن الأكل لا يوجب التحريم.
وإن قيل بقوله في الجديد: إن أكل ما أكل منه حرام، فدليله قول الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ وما أكل منه، فقد أمسكه على نفسه، لا على مرسله، ويدل عليه حديث عدي بن حاتم، وهو أثبت من حديث أبي ثعلبة الخشني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله عليه فكل، وان قتل إلا أن يأكل منه، فلا تأكل".
وهذا نص.
ولأن من شرط التعليم أن لا يأكل منه، وإذا أكل بان أنه غير معلم، فخرم؛ ولأن أكله وان احتمل أمرين:
أحدهما: نسيان التعليم، فمحرم.
والثاني: لغلبة الجوع، فلا يحرم.
وجب عند تعارضهما أن يعاد إلى أصله في الحظر والتحريم كما لو اختلط مذكي بميتة لم يحل الاجتهاد فيه؛ تغليباً للتحريم؛ ولأن الصيد الواحد لا يتبعض حكمه فلما كان ما أكله قد أمسكه على نفسه، كذلك باقية، وما أمسكه على نفسه حرام.
فصل
فإذا تقرر توجيه القولين فيها أكل منه، فلا يختلف مذهب الشافعي أن ما تقدمه من صيده الذي لم يأكل منه حلال.
وقال أبو حنيفة: يحرم جميع صيده المتقدم بأكله من الصيد المستأخر؛ استدلالاً بأمرين:
أحدهما: أن الأكل إذا كان منافياً للتعليم دلّ حدوثه منه على تقدمه فيه فصار صائداً لجميعه، وهو غير معلم كالشاهدين إذا شهدا، وهما عدلان في الظاهر، فلم يحكم الحاكم بشهادتهما ففسقا لم يحكم بها، وإن تقدمت على فسقهما؛ لأنهما دليل على تقدم الفسق فيهما.
والثاني: أن التعليم ينقله عن طبعه، فإذا لم ينتقل عنه مع الآخر دلّ على أنه كان غيره منتقل مع الأول، وصار ترك أكله في الأول اتفاقاً لا تعليماً.
ودليلنا: قول الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة:4] وقد أمسك على مرسله بما تقدم فحل؛ لأن ما وجدت شروط الإباحة فيه لم يحرم تقدمها في غيره كإسلام مرسله لو ارتد عنه بعدم إرساله لم يحرم ما صيد قبل ردته؛ ولأنه قد حكم بتعليمه بما تكرر من ترك أكله، وحدوث الأكل منه يحتمل أن يكون لشدة جوع، ويحتمل أن يكون لحدوث نسيان ويحتمل أن يكون لأن تعليمه لم يستقر فلم يجز أن ينقض ما تقدم من الحكم بتعليمه بأمر
محتمل يتردد بين حدوث وقدم، كالشاهدين إذا نفذ الحكم بشهادتهما، ثم حدث فسقهما لم يجز أن ينتقض به الحكم المتقدم؛ لجواز تردده بين حدوث وقدم؛ ولأن تركه الأكل شرط في التعليم كما أن استرساله إذا أرسل شرط فيه، ثم ثبت أنه صار يسترسل إن لم يرسل ولا يسترسل إن أرسل لم يدلّ على تحريمه ما تقدم من صيده، وإن كان غير معلم فيه، كذلك حدوث الأكل.
وبتحرير هذه الأدلة تكون الأجوبة عما قدموه من الدليل.
فإن قيل: فإذا تعارض ما يوجب الحظر والإباحة، يغلب حكم الحظر على الإباحة.
قيل: قد اختلفت أصحابنا فيه، فمنهم من سوى بينهما واعتبر ترجح أحدهما بدليل.
ومنهم من غلب الحظر، وهو قول الأكثرين، لكن يكون هذا فيما امتزج فيه حظر وإباحة.
فأما ما لم يمتزج فيه الحظر والإباحة، فلا يوجب تغليب الحظر على الإباحة، كالأواني إذا كان بعضها بخساً، وبعضها طاهراً لم تمنع من الاجتهاد في الظاهر، وها هنا قد تميزت الإباحة في المتقدم على الحظر، في المستأجر، فلم يجز تغليب أحدهم على الآخر، وأثبت كل واحد من الحكمين في محله.
فصل:
وإذا ولغ الكلب في دم الصيد لم يحرم وحرمه النخعي، وأجراه مجرى الأكل، وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أن الدم خارج من الإباحة، فلم يعتقد منه التحريم كالفرث.
والثاني: أنه منفصل، فلم يوجد منه حكم متصل، والله أعلم.
مسألة:
قالُ الشّافِعيِ رحمهُ اللهُ تعالى:" وذا أرِسل أحببتُ لهُ أن يُسمّيَ اللهُ تعالى فإنّ نسيّ فلا بأس لان المُسلِمُ يُذبِّحُ على اِسمِ الله ".
قال في الحاوي: التسمية على الصيد والذبيحة سُنَّة، وليست بواجبة، فإن تركها عامداً أو ناسياً، حل أكله.
وبه قال من الصحابة عبا الله بن عباس، وأبو هريرة.
ومن الفقهاء عطاء، ومالك.
وقال الشعبي، وداود، وأبو ثور: التسمية واجبة، فإن تركها عامداً أو ناسياً حرم الأكل.
وقال سفيان الثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه، وإسحاق بن راهويه: تجب مع الذكر، تسقط مع النسيان، فإن تركها عامداً حرم، وان تركها ناسياً حلّ؛ استدلالاً بقول
الله تعالى: ﴿ولا تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام:121] وهذا نص، وبقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعدي وأبي ثعلبة الخشني: "إذا أرسلت كلبك المكلب وذكرت اسم الله عليه، فكل" فعلق الإباحة بشرطين، فلم يجز أن يتعلق بأحدهما، ولأنه لما كان من شرط الذكاة أن يكون المذكي من أهل التسمية، فحلت زكاة المسلم والكتابي؛ لأنه من أهلها.
ولم تحل ذكاة المجوسي، والوثني؛ لأنه ليس من أهلها، كانت التسمية أولى أن تكون من شرط الذكاة؛ لأنه حرمه أهلها بها.
وبعكسه لما لم تكن التسمية شرطاً في صيد السمك لم تكن من شرط صائده أن يكون من أهل التسمية من مجوسي ووثني كما حل صيد من كان من أهلها من مسلم وكتابي.
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿ومَا أَكَلَ السَّبُعُ إلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة:3] فكان على عمومه، وإن قيل: فالتسمية هي الذكاة كان فاسداً من وجهين:
أحدهما: أن التسمية قول والذكاة فعل، فافترقا.
والثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الذكاة، فقال: "في الحلق واللبة ". وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ [المائدة:5] يعني ذبائحهم.
والظاهر من أحوالهم أنهم لا يسمون عليها، فدل على إباحتها.
وروى البراء بن عازب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " المسلم يذبح على اسم الله سمى أو لم يسمّ".
والظاهر من أحوالهم أنهم لا يسمون عليها، فدل على إباحتها.
وروى أبو هريرة أن رجلاً قال: يا رسول الله أرأيت الرجل منا يذبح، وينسى أن يسمي الله تعالى، فقال: "اسم الله على قلب كل مسلم".
وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أن قوماً قالوا: يا رسول الله إن قوماً يأتون بلحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا) فقال: "اذكروا اسم الله عليه، ثم كلوه".
وأباح الذبيحة من غير تسمية أو التسمية عند الأكل لا تجب فدل على أنها مستحبة.
وروى أبو العشراء الدارمي عن أبيه أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المتردية من الإبل في بثر لا نصل إلى منحرها.
فقال: "وأبيك لو طعنت في فخذها أجزاك "، فعلق الإجزاء بالعقود دون التسمية، فدل على الإباحة.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "ما أنهر الدم، وفرى الأوداج، فكل "؛ ولأن ما يوجد فيه فعل الذكاة، لم تحرم بترك التسمية كالناس؛ ولأن ما لم يحرم به ذكاة الناس لم تحرم به ذكاة العامد كالأخرس؛ لأن ما لم يكن للذكر شرط في انتهائه لم يكن شرطاً في ابتدائه كالطهارة طرداً والصلاة عكساً، ولأن ما لم يكن شرطاً في الذكاة مع النسيان، لم يمكن شرطاً فيها مع الذكر كالصلاة على النبي ولأن الحوت يستباح بتاركها كما يحل الصيد بذكاته، فلما لم تكن التسمية شرطاً في استباحة الحوت لم تكن شرطاً في استباحة غيره.
فأما الجواب عن الآية فمن وجهين:
أحدهما: أنه حقيقة الذكر بالقلب؛ لأن ضده النسيان المضاف إلى القلب، فيكون محمولاً على من لم يوجد الله من عبدة الأوثان.
ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وإنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام:121] والمشركون هم أوليا، الشياطين دون المسلمين.
والثاني: محمول على الميتة؛ لأمرين:
أحدهما: قوله تعالى: ﴿وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام:121] وذكاة ما لم يسم عليه لا تكون فسقاً.
والثاني: أن قوماً من المشركين قالوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: تأكلون ما قتلتموه ولا تأكلون ما قتله الله؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وأما الجواب عن الخير من وجهين:
أحدهما: أن نطق الخبر إباحة الأكل مع التسمية، ودليل خطابه متروك عندنا بدليل ومتروك عنده بغير دليل؛ لأنه لا يجعل إثبات الشيء دليلاً على نفي ما عداه.
الثاني: أنه محمول على الاستحباب بدليل ما ذكرناه.
والجواب عما استدل به من ذكاة المجوسي والوثني؛ لأنه ليس من أهل التسمية وهو أنه ليس لهذا المعنى حرم ذكاته، ولكن لتغليظ كفره، ولذلك حرمت مناكحته، وإن لم تكن التسمية شرطاً في النكاح.
وأما صيد السمك فلا يعتبر فيه فعل آدمي، وذلك حل إذا مات بغير سبب وعند أبي حنيفة إذا كان بسبب، فلذلك حكم على عموم الأحوال.
مسألة
قالُ الشّافِعيِ رحمهُ اللهُ تعالى:" ولوْ أرِسل مُسلِمِ ومجوسي كلبيْنِ مُتفرِّقين أوْ طائِريْنِ أوْ سهميْنِ فقتّلا فلا يُؤكِّلُ".
قال في الحاوي: اعلم أن الصيد إذا أدرك حياً، فالاعتبار في إباحته بذابحه دون صائده، فإن صاده مجوسي، وذبحه مسلم حرم، ولو صاده مسلم وذبحه مجوسي حرم.
فأما إذا أدرك الصيد ميتاً، فالاعتبار في إباحته بصائده دون مالك الآلة، فإن أرسل مسلم كلب مجوسي، فصاد كان صيده حلالاً؛ لأنه صيد مسلم، ولو أرسل مجوسي كلب مسلم، كان صيده حراماً؛ لأنه صيد مجوسي.
وقال محمد بن جرير الطبري: الاعتبار بمالك الكلب دون مرسله، فيحل ما صاده المجوسي بكلب المسلم، ويحرم ما صاده المسلم بكلب المجوسي، وبناه على أصل تفرد به أن الكلب لو تفرد بالاسترسال من غير إرسال حل صيده وهذا فاسد الأصل، لمخالفة النص.
وحكى في التفريع؛ لأن الإرسال قد رفع حكم الاسترسال، وكذلك لو رمى مسلم بعمهم مجوسي عند قوسه حل، وعكسه المجوسي؛ لأن الاعتبار بالصائد لا بالآلة، ولهذا إذا كانت الآلة مغصوبة كان الصيد للصائد دون صاحب الآلة، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الصيد لمن صاده لا لمن أثاره".
فصل:
فإذا تقررت هذه الجملة، فصورة مسألتنا أن يجتمع مسلم ومجوسي على صيد يرسل كل واحد منهما كلبه عليه أو يرسل أحدهما عليه كلباً، والآخر فهداً أو بازياً أو سهماً سواء تماثلا في آلة الاصطياد أو اختلفا، فإن الحكم فيهما سواء وإذا كان كذلك لم يخل حال المرسلين في الصيد من سبعة أقام:
أحدها: أن يشترك كلب المجوسي وكلب المسلم على إمساك الصيد وقتله فيكون حراماً؛ لأنه قد اجتمع تحليل بكلب المسلم، وتحريم بكلب المجوسي، واجتماع التحريم والتحليل في العين الواحدة يوجب تغليب التحريم على التحليل، كالأمة بين شريكين يحرم على كل واحد منهما إصابتهما؛ لاجتماع التحليل في حقه والتحريم في حق شريكه.
والثاني: أن يشركا في إمساكه ثم يموت من غير اشتراك في قتله، فيحرم، لأن الامساك صار قتلاً، فصار كاشتراكهما في قتله.
والثالث: أن يشتركا في جراحه من غير إمساك، فيحرم؛ لأنهما قاتلاه إلا أن يكون كلب المسلم قد ابتدأ بجراحه، فوجأه بقطع حلقومه أو بإخراج حشوته ثم أدركه كلب المجوسي مضطرباً فجرحه فيحل بتوجيه كلب المسلم، ولا يحرم لما تعقبه من جراح كلب المجوسي، كالشاة المذبوحة إذا أكل منها سبع لم تحرم وان كانت باقية الحركة.
والرابع: أن يشتركا في إمساكه، وينفرد أحدهما بقتله، فيحرم سواء انفرد بقتله كلب المجوسي أو كلب المسلم لحدوث القتل عن الإمساك المشترك.
والخامس: أن ينفرد أحدهما بإمساكه، ويشتركا في قتله، فيحرم سواء انفرد بإمساكه كلب المسلم أو كلب المجوسي؛ لأن قتله مشترك.
والسادس: أن ينفرد أحدهما بإمساكه، وينفرد الآخر بقتله، فيحرم سواء قتله كلب المجوسي أو كلب المسلم؛ لأنه أمسكه كلب المسلم وقتله كلب المجوسي حرم؛ لأنه قتله كلب مجوسي، وان أمسكه كلب المجوسي، وقتله كلب المسلم حرم؛ لأنه بإمساك كلب المجوسي له قد صار مقدوراً على ذكاته، فلم يحل بقتل كلب المسلم له، فاستويا في التحريم، واختلفا في التحليل.
والسابع: أن ينفرد أحدهما بالإمساك، والقتل دون الآخر، فينظر، فإن تفرد به كلب المجوسي حرم، وإن تفرد به كلب المسلم حل، سواء أثر كلب المجوسي في إعيائه ورده أو لم يؤثر.
وقال أبو حنيفة: إن أثر كلب المجوسي في إعيائه ورده حرم كما لو أمسكه؛ لتأثير الأمرين فيه، وهذا خطأ؛ لأن الإمساك مباشرة تخالف حكم ما عداها ألا ترى أن الصيد لو مات بالإعياء في طلب الكلب حرم، ولو مات بإمساكه حل، ولو طلبه محرمان، فأعياه أحدهما وأمسك الآخر، فمات كان جزاؤه على الممسك دون المعيي، فدل على افتراق الحكمين.
فصل:
وعلى هذا التقسيم لو كان لمسلم كلبان: أحدهما: معلم، والآخر: غير معلم فأرسلهما على صيد كاجتماع كلب المجوسي وكلب المسلم على صيد؛ لأن ما صاده غير المعلم في التحريم كالذي صاده الكلب المجوسي، وكذلك لو كان لمسلم كلبان معلمان، فأرسل أحدهما، واسترسل الآخر، كان على هذا التقسيم في الجواب؛ لأن صيد المرسل حلال، وصيد المسترسل حرام.
ولو أشكل حكم الصيد في هذه الأحوال كلها، هل هو مباح لإباحة نفسه؟ أوجب حمله على التحريم دون التحليل؛ لأن الأصل في فوات الروح لحظر حتى يعلم به الإباحة، فإن أدرك هذا الصيد بشك أو يقين، وفيه حياة، فذبح نظر في الحياة التي كانت فيه، فإن كانت قوية يعيش معها اليوم واليومين حلّ أكله بهذا الذبح وصار مذكى، وإن كانت حياته ضعيفة، كاضطراب المذبوح لا يبقى معها زماناً مؤثراً لم يحل أكله بذبحه، وكان على تحريمه.
مسألة:
قالُ الشّافِعيِ رحمهُ اللهُ تعالى:" وإذاً رمى أوْ أرِسل كلِبِهُ على الصّيْدِ فوُجدهُ قتيلاً
فالخبِر عن اِبنِ عباسِ والقياس أن لا يأكُلُهُ لِأنّه يمّكُنّ أن يُكوِّن قِتلُهُ غيْره.
قالُ اِبنِ عباسِ: كُلّ ما أصميت ودع ما أنميْتُ وما أصميت وأنتِ تِراهُ وما أنميْتُ ما غابُ عنكِ فقتلهُ إلّا أن يبلُغ مِنه مبلغ الذِّبحِ فلا يضُرُّهُ ما حدثُ بعده".
قال في الحاوي: وصورتها أن يرمي صيداً بهم أو يرسل عليه كلباً، فيغيب الصيد عنه، ثم يجده ميتاً، فهذا على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون السهم أو الكلب قبل مغيب الصيد قد بلغ منه مبلغ الذبح وهو يراه، ثم تحامل الصيد بضعف الحياة حتى غاب عنه، ثم وجده ميتاً، فهذا مأكول؛ لأنه قد صار مذكى عند مشاهدته، فلم يحرم ما حدث بعده.
والثاني: أن يغيب الصيد قبل أن يقع فيه السهم، وقبل أن يجرحه الكلب، ثم يجده بعد غيبته مجروحاً ميتاً، فهو حرام لا يؤكل سواء كان السهم واقعاً فيه والكلب واقعاً عليه، أو لا؛ لأنه قد يجوز أن يشارك عقر الكلب في قتله جراحة سبع أو لسعة أفعى، ويغرب فيه سهم إنسان آخر، فلما احتمل هذا وغيره وجب أن يكون محرماً؛ لأنه على أصل الحظر.
والثالث: أن يقع فيه السهم ويجرحه الكلب، وهو يراه ويغيب عنه، وهو قوي الحياة، ثم يجده ميتاً، فهي مسألة الكتاب.
والذي نص عليه الشافعي، ونقله المزني أنه لا يؤكل للخبر عن ابن عباس والقياس.
وقال في كتاب " الأم":لا يؤكل إلا أن يكون قد ورد فيه خبر، فيسقط حكماً خالفه، ولا يقوم له رأي، ولا قياس، وقد ورد فيه خبر، وهو ما روي أن أبا ثعلبة الخشني قال: "يا رسول الله إني أرمي الصيد وأجده ميتاً، فقال: كله ما لم تر فيه أثر غيرك" وروي أن عدي بن حاتم قال: "يا رسول الله إني أرمي الصيد فأقتفي أثره اليوم والثلاثة واجده ميتاً، فقال: "كله ما لم ينتن ". وروي: ما لم يصل: أي لم يتغير، وهذان الخبران قد وردا من طريق ضعيف، فإن لم يصح واحد منهما، والحكم فيه ما نص عليه أنه غير مأكول، وإن صح هذان الخبران أو أحدهما، فهو مأكول، واختلف أصحابنا في صحته، فذهب أكثر البصريين إلى أنه ليس بصحيح، ولا ثابت، وأن المسألة على قول واحد إنه غير مأكول.
وذهب أبو العباس بن سريج وأكثر البغداديين إلى أنه قد صح، وثبت، وأن في إباحة أكله قولين:
أحدهما: وهو منصوص عليه أنه غير مأكول.
والثاني: وهو الموقوف على صحته الخبر أنه مأكول.
وقال أبو حنيفة: إن كان مقيماً على اتباعه وطلبه حتى وجده ميتاً أكل، وان تركه وتشاغل عنه، ثم وجده ميتاً لم يؤكل؛ لأنه ما دام على طلبه يصل إلى ذكاته مع القدرة، ولا يصل إليها مع الترك.
وقال مالك: إن وجده في يومه أكل، وإن وجده بعد انقضاء يومه لم يؤكل وفيما نكره من توجيه القولين دليل عليهما في مخالفة القولين، فإذا قلنا بالأول إنه غير مأكول، وهو الأظهر فوجهه ما رواه عكرمة أن رجلاً أتى ابن عباس، فقال له: إني أرمي، فأصمي، وأنمي فقال له ابن عباس: "كُلْ ما أصميت، ودع ما أنميت" يريد بما أصمى ما قتله، وهو يراه، وبما أنمى ما غاب عنه، فلم يره حتى نمى إليه، خبر موته، ولأنه احتمل مع الغيبة أن يكون موته من عقره، فيحل، وأن يكون بغيره من الأسباب، فيحرم وجب أن يغلب حكم التحريم.
وإذا قلنا في الثاني: إنه مأكول، فوجهته مع الخبرين ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر بالروحاء فإذا هو بحمار وحشي عقير فيه سهم قد مات، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: دعوه حتى يأتي صاحبه"، فجاء رجل من فهر، فقال: هي رميتي يا رسول الله، فكلوه، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر أن يقسمه بين الرفاق، وهم محرمون".
فدل على أن ما غاب لم يحرم، ولأن حكم عقره بالسهم، والكلب ثابت، فلم يجز العدول عنه، بتجويز غيره، كما لو جرح حيواناً فمات قبل اندمال جرحه، كان ضامناً لقيمته، وان جاز أن يموت بغيره، وكذلك لو جرحٍ إنساناً فمات كان مأخوذاً بالقود، وإن جاز أن يحدث بعد جرحه سبب يموت به إثباتاً لحكم النفي وإسقاطاً لحكم الشك، كذلك حكم الصيد يجب أن يكون منسوباً إلى عقره المتحقق دون ما يطرأ من شك يجوز.
مسألة:
قالُ الشّافِعيِ رحمهُ اللهُ تعالى:"وإذاً أدرك الصّيْدِ ولم يُبلِغُ سِلاحُهُ أوْ معلمةً ما يُبلِغُ الذِّبحُ فأمكنهُ أن يذبحهُ فلم يُفعِّلُ فلا يأكُلُ كان معه ما يُذبِّحُ بِهِ أوْ لم يكِن فإنّ لم يُمكّنك أن تذبحهُ ومعكِ ما تُذكيهُ بِهِ ولم تُفرِطُ حتّى مات فكُلّ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال.
إذا رمى صيداً، فجرحه أو أرسل عليه كلبه، فعقره، ومات من غير ذكاته فهذا على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون العقر قد وجأه، وبقيت فيه حياة، كجرحه المذبوح وذلك بأن
يكون السهم قد فرق في قلبه أو يكون الكلب قد قطع حلقومه أو أخرج حشوته، فهذا حلال مأكول، ولا يلزمه ذبحه، وان قدر عليه لفوات نفسه بذكاة مثله أو لم يكن لبقاء الحركة تأثير في الحياة كما لو شق سبع بطن شاة، فذبحت لم تحل لفوات الحياة بغير الذبح، وإن كانت الحركة باقية.
والثاني: أن يكون العقر قد أثبته، ولم يوجه، ومات قبل وصول الرامي أو المرسل إليه، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يفوته إدراك حياته، تأخره وإبطائه، فهذا حرام غير مأكول، لأنه قد كان في حكم المقدور على ذكاته لو بادر إليه.
والثاني: أن يفوته إدراك حياته مع مبادرته إليه، فهذا حلال مأكول، لتعذر القدرة على ذكاته، واختلف أصحابنا في ما يعتبر في مبادرته إليه على وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة: أنه يعتبر صفة مشى مثله على مألوف سكينته، ولا يعتبر السعي كما لا يعتبر في إدراك الجمعة.
والثاني: أنه يعتبر فيه السعي المهود في طلب الصيد؛ لأنه مخالف لسكينة المشي في عرف أهل، فعلى هذين الوجهين، لو كان يدركه بالسعي فمشى إليه حتى مات كان مأكولاً على الوجه الأول، وغير مأكول على الوجه الثاني.
والثالث: أن يكون العقر قد أثبته، وأدركه الرامي حياً، فلم يذبحه حتى مات فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون قادراً على ذكاته، فأخرها حتى مات، فهو حرام لا يؤكل؛ لأن المقدور عليه لا يحل بغير الذكاة.
والثاني: أن لا يقدر على ذكاته حتى يموت فهذا على ضربين:
أحد هما: أن لا يقدر عليه لقصور زمان حياته، فهذا حلال مأكول.
وقال أبو حنيفة: وهو غير مأكول؛ لأنه قد صار بإدراك حياته، كالمقدور على ذكاته، وهذا خطأ؛ لأن العجز عنها بقصور الزمان، كالعجز عنها لفواته ألا ترى أن العجز عن استعمال الماء مع وجوده كالعجز عنه مع عدمه في إباحة التيمم كذلك وجب أن يكون العجز عن الذكاة مع إدراكها كالعجز عنه مع فواتها في إباحة الأكل.
والثاني: أن لا يقدر على ذكاته؛ لتعذر الآلة، فلا يجد سكيناً أو وجدها وهي كآلة لا تقطع، فهو حرام غير مأكول؛ لأنه قد كان قادراً على ذكاته لو لم يفرط في آلته.
فلو كانت معه سكين، فضاعت أو غصبه عليها غاصب حتى مات لم يؤكل ولو حال بينه وبين الصيد سبع، فلم يصل إليه حتى مات أكل.
والغرق بين غصب السكين، وبين منع السبع أن غصب السكين وضياعها عائد إليه، ومنع السبع عائد إلى الصيد، فلو كانت السكين في قراب قد أمك عليها فتعسر عليه
خروجها حتى مات، قال أبو علي بن أبي هريرة: يكون مأكولاً؛ لأن السكين في الأغلب تصان في قرابها إلى وقت الحاجة إليها، فلم يكن مفرطاً، وهذا عندي معتبر بحال القراب، فإن كان على المعهود في الإمساك لما اشتمل عليه كان مأكولاً، وان خرج المعهود في الضيق والشدة كان غير مأكول.
ولو أخرج السكين، وتشاغل بإحدادها حتى مات، فهو غير مأكول ولو تشاغل بطلب موضع الذبح حتى مات فهو مأكول؛ لأنه لا يجد من طلب موضع الذبح ابداً، ويجد من إحداد السكين بداً.
فلو شك في الصيد بعد موته: هل أدرك ذكاته، فيحل له كالمجروح إذا غاب عنه، فيكون على قولين:
أحدهما: يحرم، وهو الأظهر هناك.
والثاني: يحل، وهو الأصح ها هنا.
مسألة:
قالُ الشّافِعيِ رحمهُ اللهُ تعالى: ولوْ أرِسل كلِبِهُ أوْ سهمهُ وسمى اللهِ تعالى وهوَ يرى صيداً فأصاب غيْره فلأ بأس بأكله مِن قبل أنّه رأي صيداً ونوْاهُ وإنّ أصاب غيْره".
قال في الحاوي: وهذا كما قال.
إذا رأى صيداً، فأرسل عليه كلباً أو سهماً، فأصاب غيره، وقتله، فلا يخلو من أحد أمرين:
إما أن يكون الصيدان في جهة واحدة، أو في جهتين، فإن كانا في جهة واحدة حل أكله، وإن كان غير ما أرسل عليه سواء كان الصيد المصاب موجوداً عند الإرسال أو معرضاً بعده، وبه قال أبو حنيفة والأكثرون.
وقال مالك: هو حرام؛ لأنه أصاب غير ما أرسل عليه، فصار والكلب فيه المسترسل من غير إرسال.
ودليلنا: قول الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة:4] فكان على عمومه؛ ولأن تعين الصيد في الإرسال لا يلزم، ألا تراه لو أرسله على واحد من جماعة جاز، وأيها صار حل؛ لأن تعليمه على معين منها غير ممكن، وإذا سقط التعين حل غير المعين؛ ولأن ذكاء المقدور عليه أغلظ، وقد ثبت أن المذكي لو أراد شاة، فذبح غيرها حلت، فكان الصيد الممتنع إذا أرسل عليه كلبه، فصار غيره أولى أن يحل، ولأنه لولا أرسل على صيد كبير، فهرب، وكان معه ولد صغير وأخذه الكلب حل بوفاق مالك، فإذا كان كبيراً فأولى أن يحل؛ لأنه أمنع.
فصل:
فإن كان الصيدان في جهتين، فأرسل إلى إحداهما، فعل ل إلى الآخر، فله في اختلاف الجهات أسماء يقال: صيد سائح إذا كان عن يسار الرامي، وهو أمكن، وصيد بارح إذا كان عن يمين الرامي، وهو أشق وصيد قعيد إذا كان مقابل الرامي فإذا أرسل على صيد في جهة، فعدل إلى غير من جهة أخرى، فلا يخلو أن يكون سلاحاً أو جارحاً، فإن كان سلاحاً خرج عن يده من سهم رماه أو سيف ألقاه، فعدل السهم أو السيف عن تلك الجهة إلى غيرها إما لريح اعترضته أو لخطأ كان منه، فالصيد مأكول، لأنه منسوب إلى فعله، وإن أخطأ في قصده، وخطأ المذكي لا يمنع من إباحة ذكاته كما لو أراد شاة فذبح غيرها.
وان كان ذلك جارحاً من كلب أرسله إلى جهة، فعدل إلى غيرها، فقد حكى أبو حامد الإسفراييني في إباحته وجهين:
أحدهما: أنه مباح الأكل كالسهم، ونسبه إلى قول أبي إسحاق المروزي ولم أره في شرحه.
والثاني: أنه لا يؤكل، وفرق بين الكلب والسهم، لأن للكلب اختياراً ينصرف به، وأصحّ عندي من هذين الوجهين أن يراعي مخرج الكلب عند إرساله، فإن خرج عادلاً عن جهة إرساله إلى غيرها لم يؤكل صيده منها، وإن خرج إلى جهة إرساله ففاته صيدها، فعدل إلى غيرها، وأخذ صيدها أكل؛ لأنه على الصفة الأولى مخالف، فصار مسترسلاً وعلى الصفة الثانية موافق، وكان مرسلاً، وهذا أدل على فراهته؛ لئلا يرجع خلياً إلى مرسله.
ألا ترى أن الصيد له عدل عن جهة إلى غيرها، فعدل الكلب إليها حتى أخذه حل؛ كذلك إذا أخذ غيره.
فصل:
وإذا أرسل سهمه على صيد في الحل، فعصفت الريح بالصيد والسهم إلى الحرم حتى قتله فيه ضمنه بالجزاء، ولم يأكله.
ولو أرسل كلبه على صيد في الحل، فعدل الصيد والكلب إلى الحرم حتى قتله فيه لم يضمنه، وحل له أكله؛ لأن حكم الكلب معتبر بحال إرساله، وحكم السهم معتبر بحال وقوعه، ولو أرسل سهمه على صيد، فأصاب السهم الأرض، ثم أدلف فيها إلى الصيد فقتله ففي إباحة أكله وجهان:
أحدهما: يؤكل لوصوله إليه بفعله.
والثاني: لا يؤكل؛ لأن وصوله إلى الأرض قاطع بفعله.
وهذان الوجهان من اختلاف قولي الشافعي في السهم المزدلف إذا أصاب هل يحتسب به في الإصابة على قولين.
مسألة:
قال الشّافِعي رحمهُ اللهُ تعالى:" وإنّ أرِسلهُ ولا يرى صيدا ونوى فلأ يأكُلُ ولا نُعمِلُ النّيّة إلّا مع عيْن ترى ولوْ كان لا يجوزُ إلّا ما نوّاهُ بِعيْنه لكان العلم يُحيطُ أن لوْ أرِسل سهما على مائة ظبي أوْ كلّبا فأصاب واحِدا المصابّ غيْر منّوي بِعيْنه".
قال في الحاوي: أما إذا أرسل كلبه، وهو لا يرى صيداً، فعن للكلب صيد وأخذه لم يؤكل؛ لأن إرساله على غير شيء ليس بإرسال، فصار الكلب كالمسترسل فلم يؤكل صيده.
ولو أرسل سهمه، ولا يرى صيداً، فاعترضه صيد وأصابه، ففي إباحة أكله وجهان:
أحدهما: أنه لا يؤكل كالذي صاده الكلب؛ لأنهما على غير شيء.
والوجه الثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي أنه يؤكل، وان لم يؤكل ما صاده الكلب، والفرق بينهما أن القصد في ذكاته غير معتبر؛ لأنه ليس يعارضه اختياره غيره.
فصل:
ألا تراه لو قطع خشبة لينة، فصادف حلق شاة، فذبحها أكلت.
والقصد في إرسال الكلب معتبر؛ لأنه قد يعارضه اختيار الكلب، فإذا لم يصح منه القصد صار منسوباً إلى اختيار الكلب، فافترق.
وقد حكى ابن أبي هريرة عن بعض أصحاب الشافعي أنه إذا أخطأ في قطع الخشبة إلى ذبح الشاة لم تؤكل، وقد نص الشافعي على إباحة أكلها، وما قاله الشافعي فقياس واضح؛ لأن الصبي والمجنون تصح ذكاتها، وان لم يصح قصدهما، وكذلك الخاطئ.
مسألة:
قالُ الشّافِعيِ رحمهُ اللهُ تعالى:" ولوْ خرّج الكلِبُ إلى الصّيْدِ مِن غيْر إرسال صاحِبهُ فزجرهُ فاِنزجر وأشلّاهُ فاستشلى فأخذ وقتل أكُلّ وإنّ لم يُحدث غيْر الأمر الأول فَلَا يأكُلُ وَسَوَاء استشلاه صاحِبهُ أوْ غيْره مِمّن تجوُّز ذكاتِهُ.
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن إرسال الكلب شرط في إباحة صيده، فإن استرسل بغير إرسال لم يحل صيده إلا أن يدرك حياً، فيذكى، وهو قول جمهور الفقهاء، وشذ الأصم وابن جرير الطبري، فلم يعتبر الإرسال: لأنه بالتعليم قد صار مرسلاً، وهذا خطأ؛ لأن التعليم هو أن لا يسترسل حتى يرسل وينزجر عن الاسترسال، فإذا كان كذلك، واسترسل الكلب لنفسه، فله مع صاحبه أربعة أحوال:
أحدها: أن يتركه على استرساله، ولا يشليه، ولا يزجره، فلا يؤكل ما صاده.
والثانية: أن يزجره، فلا ينزجر، فلا يؤكل صيده؛ لأنه بالإسرع بعد الزجر أسوأ حالاً.
والثالثة: أن يزجره ثم يشليه، فيستشلى، فيؤكل صيده؛ لأنه صاده بعد الانزجار عن إرساله.
والرابعة: أن يشليه بعد الاسترسال، ويغريه بالصيد، فيمضي على إسراع بعد إشلائه واغرائه، سواء زاد إسراعه بالإغراء أو لم يزد، فإنه لا يؤكل.
وقال أبو حنيفة: يؤكل استدلالاً بأن ما تقدم من استرساله قد انقطع بما حدث من إغوائه كما ينقطع زجره قبل إغرائه، فوجب أن يكون الحكم معتبراً بالآخر دون الأول؛ ولأنه إذا اجتمع استرسال وإغراء تعلق الحكم بالإغراء دون الاسترسال كالصيد إذا استرسل على طلب، فأغراه به محرم ضمنه الجزاء تغليباً لحكم الإغراء، كذلك في إباحة الأكل.
ودليلنا: إن الاسترسال حاظر والإغراء مبيح، وإذا اجتمع الحظر والإباحة يغلب حكم الحظر على الإباحة، كما لو اجتمع على إرساله مسلم ومجوسي؛ ولأن الإغراء بعد الاسترسال موافق له، فصار مقوياً لحكمه، وزائداً عليه، فلم يزد حكمه بالقوة والزيادة، كما لو أرسله مجوسي وأغراه مسلم، أو أرسله مسلم وأغراه مجوسي.
فأما الجواب عن قوله: إن الإغراء قد قطع الاسترسال كالزجر، فإنه إنما يقطع الاسترسال ما خلفه ولا يقطع ما وافقه والزاجر مخالف للاسترسال فصار قاطعاً والإغراء موافق له، فلم يكن قاطعاً.
وأما الجواب عن قوله: إن اجتماع الاسترسال والإغراء موجب لتغليب حكم الإغراء كالمحرم، فهو أنه فيه لأصحابنا وجهين:
أحدهما: أنه لا ضمان على المحرم بإغرائه، تغليباً لحكم الاسترسال، ويصير دليلاً لنا لا علينا.
والثاني: يضمن بالإغراء، وان لم يصر مأكولاً بالإغراء؛ لأنه إذا اجتمع في هذا الضمان إيجاب وإسقاط، يغلب حكم الإيجاب على الإسقاط، وإذا اجتمع في المأكول حظر وإباحة يغلب حكم الحظر على الإباحة.
ألا ترى أن الصيد المتولد من بين مأكول وغير مأكول إذا قتله المحرم ضمنه بالجزاء تغليباً لحكم الإيجاب ولا يؤكل تغليباً لحكم الحظر؟ كذلك في مسألتنا، فلا يكون إسقاطاً لحكم الاسترسال بالإغراء.
مسألة:
قالُ الشّافِعيِ رحمهُ اللهُ تعالى:"وإذاً ضرِب الصّيْدِ فقطعهُ قِطعتيْنِ أكُلّ وإنّ كانت إحدى القِطعتيْنِ أقلُّ مِن الأخرى ولوْ قِطعِ مِنه يدا أوْ رجلا أوْ أذِنا أوْ شيئا يمّكُنّ لوْ لم يُزد على ذلِك أن يُعيِّش بعد ساعةِ أوْ مدّةً أكثرُ مِنها ثمّ قتلهُ بعد بُرميّتِهُ أكُلّ كُلّ ما كان
ثابتاً فيه مِن أعضائه ولم يأكُلُ العُضوُ الّذي بان وفيه الحياة لِأنّه عُضوَ مقطوعِ مِن حيّ وحيّ بعد قِطعةٍ ولوْ مات مِن قِطعِ الأول أكُلّهُما معا لأن ذكاة بعضُه ذكاة لكُلّه".
قال في الحاوي: وهذه المسألة تشتمل على فصلين:
أحدهما: أن يرمي صيداً، فيقطعه قطعتين، فهذا توجيه، فتؤكل القطعتان معا سواء تفاضلت القطعتان أو تماثلتا، وسواء كان ما اتصل بالرأس أكثر أو أقل.
وقال أبو حنيفة: إن تساوت القطعتان أو كان ما اتصل بالرأس أكثر أكل دون الأقل، ومن أصحابه من قدر الأقل بالثلث فما دونه، وجعل ما زاد على الثلث ونقص عن النصف خارجاً عن حكم الأقل.
واستدلوا على تحريم الأكل إذا انفصل عن الرأس برواية عبا الله بن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما أبين من حي فهو ميت"؛ ولأنه أبان منه ما لا يمنع من بقاء الحياة فيما بقي، فوجب أن يكون محرماً كما لو أدركه حياً فذبحه.
ودليلنا ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لأبي ثعلبة الخشني: "كل ما ردت عليك يدك فكل ". ولم يفرق، ولان كلما كان له ذكاة لبعض البدن كان ذكاة لجميعه قياساً على ما اتصل بالرأس، ولأن كلما كان ذكاة لما اتصل بالرأس كان ذكاة لما انفصل عنه كالأكثر.
فأما الجواب عن خبرهم فمن وجهين:
أحدهما: أنه خارج على سبب، وهو ما روي أنه ذكر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن قوماً يحبون ألايا الغنم، فيقطعونها منها، فقال: "ما أبين من حي فهو ميت" فكان محمولاً على سببه من حياة المقطوع منه.
والثاني: أن أبا داود السجستاني قد روى نصاً في سنته أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما أبين من بهيمة وهي حية، فهو ميت".
وأما الجواب عن قياسهم، وهو أن المعنى في الأصل أن القطع لم يكن ذكاة للمتصل، فلم يكن ذكاة للمنفصل، والقطع في الفرع قد كان ذكاة للمتصل، فكان ذكاة للمنفصل.
فصل:
الفصل الثاني: أن يقطع من الصيد عضواً كَيَد أو رِجل أو أُذُن، ويجوز أن يحيى بعد قطعه زماناً طويلاً أو قصيراً، وهذا على ضربين:
أحدهما: أن يموت بغير هذا القطع إما بالذبح إن قدر عليه، وإما برمية بائنة إن كان
غير مقدور عليه، فلا يؤكل ما بان منه بالقطع الأول؛ لأنه لم يكن ذكاة له، فلم تصر ذكاة لما بان منه، وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "نهى عن الخطفة" وهو ما اقتطعه كلب أو سيف أو سبع من الصيد، فبات منه.
هذا تأويل ابن قتيبة، وتأوله أبو جعفر الطبري أن الخطفة النهبة، ومنه سمي الخطاف خطافاً لاختطافه.
والثاني: أن يموت بهذا القطع دون غيره، فينظر فيه: فإن أدركه حياً، فقار على ذكاته حتى مات فلم يزكه كان الصيد مع ما بان منه ميتاً لا يؤكل؛ لأن حكم البائن معتبر بأصله، وان لم يقدر على ذكاته حتى مات أو أدرك ميتاً أكل جميعه البائن منه اعتباراً بأصله؛ لأن ذلك القطع كان هو المبيح لأكل الصيد، فصار مبيحاً لأكل البائن منه اعتباراً بأصله.
وحكى ابن أبي هريرة وجهاً أخر عن بعض أصحابنا أن البائن منه لا يؤكل، وان كان الأصل مأكولاً؛ لأنه بان منه مع بقاء الحياة فيه، وتأول كلام الشافعي أنه يؤكل على ذكاة الأصل مع بقاء الحياة إذا تعذر فيه الذبح كما يكون إذا وجأه وجب أن يكون البائن منه في إباحته في الحالين على سواء، ولا يختلفون أنه لو تعلق المتطوع بجلدة متصلة بأصله أن يكون ما ألحقنا به في إباحة أكله.
مسألة:
قالُ الشّافِعيِ رحمهُ اللهُ تعالى:" ولا بأس أن يصيد المُسلِمُ بِكلِبِ المجوسيِّ ولا يجوزُ أكُلّ ما صادُّ المجوسيِّ بِكلِبِ مُسلِمِ لأن الحُكم حُكم المُرسِلِ وإنّما الكلب أَدَاةٌ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح.
لأن حكم الكلب حكم لمرسله، كالآلة يكون حكمها حكم الرامي دون مالكها، وسواء عليه المرسل أو غيره.
فإذا صاد مجوسي بكلب مسلم لم يحل صيده؛ لأن مرسله مجوسي، كما لو رمى مجوسي بسهم مسلم لم يحل صيده وهذا متفق عليه.
ولو صاد مسلم بكلب مجوسي حلّ صيده.
وقال الحسن البصري وسفيان الثوري: لا يحل صيده، لقول الله تعالى: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة:4] وهذا الشرط غير موجود في كلب المجوسي، وهذا فاسد من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الكلب آلة كالسلاح، وقد ثبت أن مسلماً لو صاد بسلاح مجوسي حل كذلك إذا صاد بكلبه.
والثاني: أن الاعتبار في الكلب بمرسله دون معلمه.
ألا ترى أن المجوسي إذا صاد بكلب مسلم لم يحل إجماعاً، فوجب أن يحل إذا صاد مسلم بكلب مجوسي قياساً.
والثالث: أن المجوسي لو علم كلباً، ثم أسلم، حل صيده؛ لأنه بإرساله مسلم وإن كان بتعليم مجوسي، كذلك إذا صاد به غيره من المسلمين.
مسألة:
قالُ الشّافِعيِ رحمهُ اللهُ تعالى:"وأيُّ أبويه كان محبوسا فلا أرى تُؤكِّلُ ذبيحتُهُ.
وقالُ في كِتابُ النّكاحِ: ولا يُنكِحُ إنّ كانت جاريّةُ وليْست كالصّغيرةِ يُسلِمُ أحدّ أبويها لأن الإسلام لا يُشرِكُهُ الشِّرك والشُّرُك يُشرِكُهُ الشِّرك ".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن ذبيحة المجوسي لا تحل، وتحل ذبيحة أهل الكتاب في كل حيوان مباح.
وقال مالك: تحل لنا ذبائح أهل الكتاب في كل حيوان مما يستحلونه من البقر والغنم، ولا تحل فيما لا يحلونه من الإبل؛ لأنهم يقصدون بذبحه الإتلاف دون الذكاة، وهذا غلط؛ لقوله تعالى: ﴿وطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ﴾ [المائدة:5] يريد بالطعام: الذبيحة دون ما يستطعمونه لأنهم يستطعمون الخنزير، ولا يحل لنا.
ولأن ما حلّ بذبيحة المسلم حلّ بذبيحة الكتابي، كالبقر والغنم طرداً، وكالبغال والحمير عكساً.
وإذا كان هذا أصلاً مقرراً، وقياساً مستمراً، فاختلف أبو الكافر، فحلت ذبيحة أحدهما، ولم تحل ذبيحة الآخر بأن يكون أحدهما يهودياً والآخر مجوسياً نظر: فإن كان أبوه مجوسياً وأمه يهودية فلا تحل ذبيحته لوجهين:
أحدهما: أنه نسبه يلحق بأبيه، فكان حمله أبيه.
والثاني: أن الحظر والإباحة إذا اجتمعا يغلب حكم الحظر على الإباحة وإن كان أبوه يهودياً وأمه مجوسية، ففي إباحة ذبيحته قولان:
أحدهما: تحل ذبيحته تعليلاً بأنه يرجع إلى أبيه في نسبه.
والثاني: لا تحل ذبيحته تعليلاً بأن اجتماع الحظر والإباحة يوجب تغليب الحظر على الإباحة، كالمتولد من حمار وحشي وحمار أهلي.
وقال أبو حنيفة: إن كان أحدهما كتابياً حلّت ذبيحته سواء كان الكتابي منهما أباه وأمه، كما لو كان أحد أبويه مسلماً، والآخر مجوسياً، ولا يوجب تغليب الحظر على الإباحة، كما لم يغلب الحظر في إسلام أحد أبويه، وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أنه لما غلب في النكاح حكم الحظر على الإباحة في ولد الكافر، وان لم يغلب حكم الحظر إذا كان أحدهما مسلماً وجب حكم الذبيحة بمثابته.
والثاني: وهو ما علل به الشافعي أن الإسلام لا يشركه الشرك والشرك يشركه الشرك، وبيانه أن الإسلام والشرك لا يجتمعان، ويرتفع الشرك بقوة الإسلام، لقوله الله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى البَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء:18] ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم - "الإسلام يعلو، ولا يعلى [عليه] ".
وماذا كان أحد أبويه ملسماً، والآخر مشركاً، غلبه حكم الإسلام على حكم الشرك، ويجتمع الشرطان؛ لأنهما باطلان، فلم يرتفع حكم أحدهما بالآخر، وإذا لم يرتفع حكماً أحدهما وجب أن يغلب الحظر منهما.
مسألة:
قالُ الشّافِعيِ رحمهُ اللهُ تعالى:"ولا يُؤكِّلُ ما قِتلتُهُ الأحبولة كان فيها سِلاح أوْ لم يكِن لِأنّها ذكاة بِغيْر فعلًّ أحدٍ".
قال في الحاوي: اعلم أن الصيد الممتنع لتعذر القدرة عليه يتوصل إليه بأسباب تجعل حيلاً في القدرة عليه، وهو يتنوع بأنواع:
أحدها: الجوارح المرسلة عليه، وقد ذكرناها.
والثاني: السلاح الذي يرمى به، فإن قتل بثقله كالحجر والخشب، فهو وقيذ لا يؤكل، وان قطع بعده أو بعد تدمية، فهو مأكول، فأما المعراض.
فهو آلة تجمع خشباً وحديداً، فإن أصاب بحده أكل، وان أصاب بعرضه فهو وقيذ.
والثالث: ما نصب له من الآلة التي تفارق آلته، فتضغطه، وتمسكه كالفخ والشرك والشبكة والأحبولة، فإذا وقع فيه وأدركت ذكاته حل، وان فاتت ذكاته ومات لم يؤكل سواء كان في آلة سلاح قطع بحد أو لم يكن فيها سلاح، فمات بضغطه.
وقال أبو حنيفة: إن كان فيها سلاح قطع بحده يحل استدلالاً لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ما أنهر الدم وفرى الاوداج، فكل".
ولأنه يمتنع عقره بحا، فحل أكله كالمرمي بحديدة.
ولأنه لما استوى السبب والمباشرة في وجوب الضمان وجب أن يستويا في إباحة الأكل.
ودليلنا: ما علل به الشافعي أنها ذكاة بغير فعل أحد.
وبيانه: أن الذكاة تكون بفعل فاعل مباشر، ولا تحل بغير فعل مباشر.
وتحريره أنها
ذكاة، فوجب أن تحل بالمباشرة دون السبب كمن نصب سكيناً فاحتكت بها شاة فانذبحت لم تؤكل.
وعلل أبو الطيب بن سلمة بأن الصيد يحل إذا كان معيناً أو من جملة معينة، كما لو رمى سهماً إلى علو فسقط على صيد اعترضه لم يحل، والمقتول بسلاح الأحبولة لم يكن معيناً، ولا من جملة معينة، وفي هذ التعليل دخل؛ لأنه لو نصبه لصيد معين أو لجملة معينة لم يحل.
وعلل أبو إسحاق المروزي بأن الذكاة تحل بالفاعل، والأحبولة لا فعل لها، وإنما الفعل للصيد الواقع فيها، فلم يحل كما لو احتك بحديدة أو شجرة انذبح بها.
وأما الجواب فهو أنه وارد فيما تصح فيه الذكاة من الآلة إذا أنهر الدم وفرى الأوداج بحده ثم بشروط الاستباحة، فهي موقوفة على غير المباشرة.
وأما قياسهم على المباشرة، فهو ما منعنا به من الجمع بين السبب والمباشرة وأما استدلالهم بالضمان، فوجوب الضمان أعم، وإباحة الأكل أخص فافترق حكم العموم والخصوص.
مسألة:
قالُ الشّافِعيِ رحمهُ اللهُ تعالى: " والذّكاة وجهانِ أحدّهُما ما كان مقدورا عليه مِن إنسي أوْ وحشي لم يحِل إلّا بِأن يذكى وما كان مُمتنِعا مِن وحشي أوْ إنسي فما قدّرت بِهِ عليه مِن الرّمي أوْ السِّلاح فهوَ بِهِ ذكيّ".
قال في الحاوي: والحيوان ضربان: مقدور عليه، وممتنع.
فأما المقدور عليه، فلا تحل ذكاته إلا في الحلق واللبة سواء كان أهلياً أو وحشياً، وأما الممتنع، فضربان:
أحدهما: وحشي كالصيد، فعقره ذكاته في أي موضح أصبته، وهو متفق عليه.
والثاني: أهلي، كالنعم إذا توحش، فمذهب الشافعي أن عقره في أي موضح أصبت من ذكاته، كالصيد، وبه قال من الصحابة علي، وابن عباس وابن مسعود، وابن عمر.
ومن التابعين: الحسن، وعطاء، وطاوس.
ومن الفقهاء: أبو حنيفة وأصحابه، وسفيان الثوري.
وقال مالك: لا يحل إلا بالذكاة في الحلق واللبة.
وبه قال من التابعين سعيد بن المسيب.
ومن الفقهاء: ربيعة والليث بن سعد، استدلالاً بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الذكاة في الحلق واللبة".
ولأنه الأصل في الأهلي أن يذكى، ولا يفدى بالجزاء، فلو جاز إذا توحش أن يتغير عن حكم أصله في الذكاة، فيصير بعقره بعد أن كانت في حلقه ولبته لوجب أن يتغير حكمه في الجزاء، فيفديه المحرم بعد أن لم يكن مفدياً، أو لصار الحمار الأهلي إذا توحش مأكولاً، فلما بقي على أصله في سقوط الجزاء وتحريم الأكل وجب بقاؤه على أصله في الذكاة.
ودليلنا: ما رواه عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج عن أبيه عن جده رافع بن خديج بعيراً ند، فرماه رجل بسهم، فحبسه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن لهذه الإبل أو قال: للنعم أوابد كأوابد الوحش، فما غلبكم فاصنعوا به هكذا" فكان في هذا الحديث دليلان:
أحدهما: أن قوله: "فحبسه" أي: قتله، لما روي في خبر آخر: فحبسه الله أي: أماته.
والثاني: قوله: "فاصنعوا هكذا".
ولو لم يحل بالرمي لم يأمر به.
لأنه حيوان ممتنع، فجاز أن يكون عقره ذكاته، كالوحش.
ولأن ما صح به ذكاة الوحش جاز أن يصح به ذكاة الأهلي كالذبح.
ولأنه اعتبر في ذكاة الأهل حكم أصله إذا توحش، ولا يكون إلا في الحلق واللبة لوجب أن يعتبر في ذكاة الوحش حكم أصله إذا تأنس فيكون بعقره في غير الحلق واللبة، وفي بطلان هذا في الوحش إذا تأنس دليل على بطلانه في الإنس إذا توحش؛ اعتباراً بالامتناع والقدرة.
فأما الخبر فوارد في المقدور عليه على ما سنورده في سببه.
وأما الجواب عن استدلاله بالجزاء والأكل مع فساده بالوحش إذا تأنس، فهو أنهما يخالفان القدرة والامتناع في الزكاة؛ لأنهما حكمان لازمان لا ينتقلان، والقدرة والامتناع يتعاقبان، فيصير مقدوراً عليه بعد أن كان ممتنعاً، وممتنعا بعد أن كان مقدوراً عليه، ولا يصير مأكولاً بعد أن كان غير مأكول، ولا غير مأكول بعد أن كان مأكولاً، فافترقا.
مسألة:
قالُ الشّافِعيِ رحمهُ اللهُ تعالى: " وقال - صلى الله عليه وسلم -: "ما أنُهُرُ الدّمِ وذكر اِسمِ اللهِ عليه فكُلوهُ إلّا ما كان مِن سِنِّ أوْ ظفر؛ لأن السِّنّ عِظم مِن الإنسان والظّفر مدًى الحبشِ وثبت عن النّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنّه جعل ذكاة الإنسي مِثلُ ذكاة الوَحشيِ إذاً اِمتنع.
قالُ: ولمّا كان الوَحشيِ يحِل بِالعُقرِ ما كان مُمتنِعا فإذاً قدر عليه لم يحِل إلّا بِما يحِل بِهِ الإنسي كان كذلِك الإنسي إذاً صار كالوَحشيِ مُمتنِعا حِلّ بِما يحِل بِهِ الوَحشيِ".
قال في الحاوي: اعلم أن الذكاة تجوز بالحديد، وبما صار في اللحم مور الحديد
فذبح بحده لا نثقله من محدد الخشب، والقصب، والزجاج، والحجارة إلا أن يكون سناً أو ظفراً، فلا تجوز الذكاة به، وإن قطع بحده متصلاً كان أو منفصلاً، وسواء كان من إنسان أو سبع، وأجاز أبو حنيفة الذكاة به إذا كان منفصلاً، ولم يجزها به إذا كان متصلاً، احتجاجاً بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ما أنهر الدم وفرى الأوداج، فكل فكان على عمومه، ولأنه آلة يمكن الذبح بها، فحلت ذكاتها كالحديد، ولأنها ذكاة منع منها لمعنى في الآلة، فحلت كالسكين المغصوبة، وفرق بين المتصل والمنفصل بأن المتصل يرض بثقله والمنفصل يشق بحده.
ودليلنا: ما رواه الشافعي بإسناده عن رافع بن خديج أنه قال: قلت: يا رسول الله إنا ملاقوا العدو غداً، وليس معنا مدي أفنذكي بالليط" فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه، فكلوا إلا بما كان من سن أو ظفر، فإن السن عظم من الإنسان والظفر مدي الحبشة".
فاستثناهما من الإباحة، فدخلا في التحريم: وصار عموم أوله مخصوصاً بآخره، ولأنه ذبح بعظم، فوجب أن لا يحل كالمتصل؛ ولأن ما لم تحل الذكاة به إذا كان متصلاً لم تحل الذكاة به إذا كان منفصلاً كالشعر إذا حرق طرداً والحديد إذا قطع عكساً؛ ولأنه في الاتصال أقوى وأمضى منه بعد الانفصال، فلما لم تجز الذكاة به في أقوى حاليه، كان بأن لا يجوز في أضعفهما أولى.
فأما الخبر، فقد يخصه آخره.
وأما القياس على الحديد فيه جوابان:
أحدهما: بطلانه بالمتصل.
والثاني: أن نص السُّنة يدفعه.
وأما القياس على السكين المغصوبة، فعنه جوابان:
أحدهما: أن المنع من السن في حق الله، فصار كذبح ما لا يؤكل.
والمنع من السكين المغصوبة في حق الآدميين، فصار كذبح الشاة المغصوبة.
والثاني: أن الذبح بالسن مختص بالذكاة، لجواز استعماله في غيرها، والمنع من السكين المغصوبة غير مختص بالذكاة لتحريمها فيها وفي غيرها.
فصل:
فأما الذكاة بالعظم قال الشافعي: كرهته ولا سن أن يحرم: لأنه لا يقع عليه اسم سن، ولا ظفر، واعتبر الشافعي في التحريم الاسم، وأجازه بالعظم لخروجه عن الاسم، وكرهه، لأنه في معناه، ولم يقسه عليه لاستثناء أصله، وفيه عندي نظر، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - علل المنع من المنع، لأنه عظم الإنسان، فصار تعليل السن بالعظم دليلاً على اشتراكهما
في الحكم من جهة النص، وليس بقياس على النص.
مسألة:
قالُ الشّافِعيِ حمهُ اللهُ تعالى:" قالُ ولوْ وقع بعيرِ في بِئرِ وطعن فهوَ كالصّيْدِ".
قال في الحاوي: وصورتها في بعير أو بقرة أو شاة وقعت في بئر، أو دخلت في غار، أو حصلت تحت هدم، فلم يكن إخراجها في الحياة للذكاة، فلا يخلو أن يكون موضع الذبح من الحلق واللبة ظاهراً أو غير ظاهر، فإن كأن ظاهراً لم تصح ذكاته إلا في الحلق واللبة كالمقدور عليه، لأن ذبحه مقدور عليه، وإن لم يكن موضع الذبح ظاهراً حل بعقره في أي موضع عقر من جسده من مقتل وغير مقتل كالصيد الممتنع.
ومنع مالك من تذكيته بذلك بناء على أصله في الحيوان الأهلي إذا امتنع أن ذكاته لا تحل إلا بذبحه.
ودليلنا: مع ما قدمناه مما رواه حماد بن سلمة عن أبي العشراء الدارمي، عن أبيه، أن بعيراً تردى في بئر فقلت: يا رسول الله ما تكون الذكاة إلا في الحلق واللبة؟ فقال: "رأيتك لو طعنت في فخذه لأجزاك" وهذا نص.
وروي أنه تردى بعير، فلم يستطيعوا أن ينحروه إلا من قبل شاكلته، فاشترى منه ابن عمر عشراً بدرهمين، وهذا إجماع، لأنهم تبايعوه، وأكلوه، ولم ينكروه.
وإذا كان كذلك جاز عقرها بما يقطع بحده أو يثقب بوقته حلّ أكله، وإن أرسل عليه كلها، فعقره ففي إباحته وجهان:
أحدهما: وهو قول البصريين أنه يحل، لأنه قد صار كالصيد الممتع، فاستبيح بكل واحد من الأمرين.
والثاني: وهو الصحيح أنه لا يحل بعقر الكلب، وان حلّ بعقر الحديد؛ لأن الحديد يستباح به الذكاة مع القدرة، وعقر الكلب لا يستباح به مع القدرة، فاستوى عقر الحديد وعقر الكلب في الصيد الممتنع، وافترقا في الحيوان المندفن فلو قطع يد البعير من البئر فمات من قطعها حلّ أكله، وأكل يده، ولو لم يمت من قطعها حتى قطع يداٌ أخرى حرمت اليد الأولى؛ لأن الذكاة لم تحصل بقطعها، وحلّت اليد الثانية مع البدن لحصول الذكاة بقطعها.
مسألة:
قالُ: الشّافِعيِ رحمهُ اللهُ تعالى:" ولوْ رمى صيداً فكسرهُ أوْ قطع جناحِهُ ورّماهُ آخر فقتلهُ كان حراما وكان على الرّامي الآخر قيمتهُ بِالحالِ الّتي رمّاهُ بِها مكسوراً أوْ
مقطوعاً.
قالُ اِلمِزِنّي رحمهُ اللهُ: معنًى قوْلِ الشّافِعيِّ عِندي في ذلِك أنّه إنّما يُغرِمُ قيَمتُهُ مقطوعاً لِأنّه رمّاهُ فقطع رأّسهُ أوْ بلّغ مِن مُقاتِلِهُ ما يُعلِمُ أن قِتلهُ دون جُرحِ الجناحِ.
ولوْ كان جرِحا كالجُرحِ الأول ثمّ أخذّهُ ربّهُ فماتِ في يديِهُ فقد مات مِن جُرحين فعلى الثّاني قيمة جُرحِهُ مقطوع الجناحِ الأول ونِصف قيَمتُهُ مجروحا جُرحين لأن قِتلهُ مقطوع الجناحين مِن فُعُلِهُ وفِعل مالِكِه".
قال في الحاوي: وصورة هذه المسألة في رجلين رميا صيداً، فأصابه كل واحد منهما، فلها حالتان:
إحداهما: أن يتفقا في إصابته.
والثاني: أن يختلفا فيها.
فإن اتفقا في إصابته، فرمياه معاً، في حال واحدة لم يسبق أحدهما الآخر، فلن تخلو الإصابتان من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يكون كل واحد منهما موجية، فيكون الصيد بينهما، وهو مأكول.
والثاني: أن يكون كل واحد منهما غير موجية فيكون بينهما، فإن لم يقدر على ذكاته بعد الجراحتين كان مأكولاً، وإن قدر عليهما كان غير مأكول.
والقسم الثالث: أن تكون إحدى الجراحتين موجية، والأخرى غير موجية، فغيه وجهان:
أحدهما: أن يكون ملكاً لهما، وهو مأكول، ويستوي فيه من وجا، ومن لم يوج لأن غير الموجية قد تسم، وتذكيه كالموجية.
والثاني: أنه يكون ملكاً للموجي خاصة؛ لأننا على يقين من إثباته، وتذكيته بها، وفي شك من إثباته بغير الموجية، فوجب أن يكون ملكه مستحقاً باليقين دون شك.
فصل:
وإن اختلفا في الإصابة، وأصابه أحدهما دون الآخر، فهو على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن تكون الإصابة الأولى موجية دون الثانية.
والثاني: أن تكون الإصابة الثانية موجية دون الأولى.
والثالث: أن تكون كل واحدة من الإصابتين غير موجية، ولا حكم لرابع إن خرج به التقسيم أن تكون كل واحدة منهما موجية، لأنه لا توجية بعد التوجية فأما القسم الأول وهو أن تكون الإصابة الأولى موجية دون الثانية، وهو الأول الموجي، وقد حل بالتوجية سواء كانت في محل الذكاة أو في غيرها، وينظر في إصابة الثاني، فإن لم تؤثر في نقص قيمته، فهي هدر، ولا شي، فيها، وان أثرت في شق الجلد نقصاً ضمن أرشها، فإن اختلفا، فادعى كل واحد منهما أنه الأسبق الموجي، وعدما البينة تحالفا، فإن حلف أحدهما، ونكل الآخر قضى بالصيد للحالف، وقضى بأرش النقص على الناكل، وإن
حلفا جعل الصيد بينهما بأيمانهما، لتكافئهما فيه، وسقط غرم الأرش بالإصابة الثانية، للجهل بمستحقه والمستحق عليه، وان نكلا انقطع التخاصم بينهما، ووقف الصيد، والأرض على اصطلاحهما.
فصل:
وأما القسم الثاني: وهو أن يكون الموجي هو الثاني دون الأول، فهذا على ثلاثة أضرب.
أحدها: أن يكون الأول لم يثبته بإصابته، فيكون الصيد ملكاً للثاني الموجي وتكون التوجية ذكاة سوا، كانت في محل الذكاة أو كانت في غيرها.
والثاني: أن يكون الأول قد أثبته بإصابته، فيكون ملكاً للأول، وينظر في توجية الثاني: فإن كانت في عد محل الذكاة من الحلق واللبة كان مأكولاً، وضمن بالتوجية ما بين قيمته مجروحاً ومذبوحاً، وإن كانت التوجية في غير محل الذكاة بأن قطع نصفين، فهو غير مأكول؛ لأنه قد صار بإثبات الأول مقدوراً عليه لا يحل إلا بذكاته في الحلق واللبة، ويضمن الموجي جميع قيمته مجروحاً.
والثالث: أن يشك فيه هل أثبت الأول بإصابته أم لا، فيكون الشك مسقطاً لحكم الإثبات في حق الأول؛ لأنه على أصل الامتناع، ويكون ملكاً للثاني، وينظر في توجيته.
فإن كانت في محل الذكاة أكل، وإن كانت في غير محلها ففي إباحة أكله وجهان:
أحدهما: مباح، لأن إثبات الأول قد يسقط بالشك.
والثاني: محظور، لتردده بين جواز في محتملين مع ما يقتضيه حكم الأول من الحظر، وإنما يسقط بالشك ملك الأول؛ لأن الأصل أنه غير مالك ولم يسقط بالشك حكم الحظر؛ لأن الأصل فيه الحظر، ولو ادعى الجارح الأول أنه قد أثبته وأنكر الموجي فالقول قول الموجي مع يمينه، والتوجية كالتذكية.
فإن قيل: ألستم قلتم: إنهما اتفقا على إصابته أنه بين الجارح والموجي في أحد الوجهين، فهلا جعلتموه في تقدم أحدهما على الآخر على وجهين.
قيل: الفرق بينهما في أحد الوجهين من وجهين:
أحدهما: أن أيديهما في الاتفاق متساويان، وفي الاختلاف مفترقان.
والثاني: أنه لم يمض مع الاتفاق زمان الإثبات، فيراعى، وقد مضى مع اختلاف في زمان الإثبات، فصار مراعى.
فصل:
وأما القسم الثالث: وهو أن يكون كل واحد من الأول والثاني جارحاً غير موج، فلا تخلو جراح الأول من أحد ثلاثة أضرب:
أحدها: أن يثبت الصيد بها.
والثاني: أن لا يثبته بها.
والثالث: أن يشك في إثباته بها.
فإن علم أن الأول قد أثبت الصيد بجراحته.
وذلك بأن يكسر رجل ما يعدو وجناح ما يطير، فهو ملك للأول دون الثاني؛ لأنه بالإثبات قد صار مملوكاً، فوجب أن يكون ملكاً لمثبته، وإن لم يصر إلى يده كما لو وقع في فخه أو شبكته، وإن علمنا أو الأول لم يثبته بجراحته وذلك بأن يراه بعد الجراحة يعدو أو يطير، وهو للثاني دون الأول لوجود الإثبات بجراحته.
فإن قيل: فكل واحد من الجرحين قد أثر في إثباته، فهلا كان بينهما كما لو جرحا عبداً فمات فكان ضمانه عليها، ولم يكن على الثاني منهما.
قيل: لأن الجراحة الأولى في الصيد لم تؤثر في الملك، فلم توجب الاشتراك فيه، والجراحة الأولى في العبد مؤثرة في الضمان، فأوجب الاشتراك فيه، وإن شككنا في جراحة الأول، هل أثبت الصيد بها أم لا؟ وجب أن يكون الشك مطرحاً واليقين معتبراً فيكون للثاني دون الأول؛ لأنه أصل الاقتناع حتى يتيقن ما عداه، ويتيقن الإثبات مع الثاني دون الأول، فصار ملك الصيد هنا بين أن يكون الأول في حالة واحدة وبين أن يكون الثاني في حالتين، ولا يصح أن يكون بينهما نصفين؛ لأنهما فيه غير متساويين.
فصل:
فإذا تقررت هذه الجملة، فإن جعلنا الصيد ملكاً للثاني؛ فلا ضمان في تلفه على الأول، ولا على الثاني، أما الأول فلأنه جرحه في حال الإباحة، وأما الثاني فلأنه قد جرحه في ملكه فلم يضمنه في حق نفسه، وإن جعلها الصيد ملكاً للأول بإثباته، وجرحه الثاني، فسرت الجراحة إلى نفسه فمات، فقد صار موته من جراحتين مختلفي الحكم: فالجراحة الأولى مستجلبة للحكم، مبيحة للأكل لو انفردت، والجراحة الثانية مستهلكة للملك محرمة للأكل لو انفردت، فإذا اجتمعت الجراحتان مع حصول الاستهلاكين والتحريم، فقد اختلف أصحابنا هل يكون حكم الاستهلاك والتحريم مختصاً بالجراحة الثانية فيكون الثاني ضامناً لجميع القيمة، ويكون مضافاً إلى الجراحتين والقيمة مقسطة على الجراحتين؟ على أربعة أوجه:
أحدها: وهو الظاهر على مذهب الشافعي، وهو قول جمهور أصحابه، أن حكم الاستهلاك والتحريم مضافاً إلى الجراحتين، وأن قيمة الصيد المستهلكة مقسطة على الجارحين، لأن التلف كان لسراية الجراحتين، فلم يمنع اختلاف حكمهما من تقسيط الضمان عليهما، كما لو قطع الصيد يد عبده في الرقة وقطع أجنبي يده في جناية، ومات منهما كان على الجاني نصف قيمته؛ لأنه مات بسراية القطعتين، وإن كان الأول فيهما مباحاً غير مضمن كذلك في هذه الجراحتين.
والثاني: وهو قول أبي سعيد الإصطخري أن الضمان مختص بالجراحة الثانية وعلى الجارح الثاني جميع القيمة بعد الجراحة الأولى، قال: لأن الجراحة الأولى لما
استجلبت الملك، أباحت الأكل، ولم يتعلق بها حكم ما لم يوجد فيها من استهلاك وتحريم.
والجراحة الثانية لما استهلكت الملك، وحرمت الأكل اختص بها حكم ما يوجد فيها من الاستهلاك والتحريم؛ لتنافي الحكم في الجراحتين، فعلق على كل واحدة حكمها.
والثالث: حكاه أبو علي بن أبي هريرة أن ينظر حال الصيد، فإن حصل في يد صاحبه حياً، فعلى الثاني، قسطه من القيمة كما قلناه في الوجه الأول لأن الجراحة الأولى مع إدراك حياته قد صارت كالثانية في استهلاكه وتحريمه، فتقسطت القيمة عليهما، وإن لم يحصل في يد صاحبه إلا ميتاً، فعلى الثاني جميع القيمة كما قيل في الوجه الثاني؛ لأن الجراحة الأولى عنا فوات ذكاته لم يكن لها تأثير في استهلاكه، ولا تحريم.
والرابع: وهو أظهرها عندي أنه إن مضى في الزمان بين الجراحتين قدر ما يدركه صاحبه.
فالقيمة بينهما، وعلى الثاني قسطه منها كالوجه الأول؛ لأن مضى زمان إدراكه موجب لتحريمه عنا فوات ذكاته، فاستوت الجراحتان في التحريم فقسطت القيمة عليهما وإن لم يمض بين الجراحتين زمان إدراكه، والجراحة الثانية هي المختصة بالتحريم، فاختص الثاني بجميع القيمة كالوجه الثاني؛ لأن قصور الزمان يمنع من تأثير الأول في التحريم.
فصل:
فإذا تقرر ما ذكرنا من هذه الوجوه الأربعة وتعليل كل وجه منها، فإن وجب بها على الثاني جميع القيمة على مقتضى تعليلها صار الجرح الثاني كالتوجية في غير محل الذكاة، فيلزم الثاني جميع قيمة الصيد مجروحاً، وزعم المزني أن مسألة الكتاب في الثاني أن يكون موجياً؛ لأنه أوجب جميع القيمة، وأنكر سائر أصحابنا أن تكون مسألة الكتاب في الثاني أن يكون موجياً، لأنه أوجب جميع القيمة وما قاله الشافعي من إطلاق وجوب القيمة محمول على اختلاف الوجوه الأربعة، فيكون إطلاقها عند وجوب الكل محمولاً عليه، وعند وجوب القسط محمولاً عليه، وأما إذا وجب على الثاني قسطه من القيمة على مقتضى الوجوه الأربعة، وهو مختص بمسألة الكتاب، فقد اختلف أصحابنا حينئذٍ في تعليل الحكم الموجب لتقسيط القيمة والعمل المؤدي إليه على خمسة أوجه يتضح بيانها إذا ذكرت قيمة الصيد وأوش الجرح، فتصورها في صيد مملوك قيمته عشرة دراهم جرحه الأولى جرحاً نقص من قيمته درهماً، وجرح الثاني نقص من قيمته درهماً، ثم مات من الجراحتين، فأخذ الوجوه الخمسة في تعليل الحكم من طريق العمل وهو قول أبي إبراهيم المزني إنك توجب على كل واحد من الجارحين أوش جراحه، ثم تقسم قيمة الصيد بعد الجراحتين بينهما نصفين، وتجمع على كل واحد منهما ما بين نصف قيمته (وأرش) جراحته
فتجعل على الأول درهماً هو أرش جراحة، وعلى الثاني درهماً هو أرش جراحه وقيمة الصيد بين الجراحتين ثمانية دراهم تجب على كل واحد من الجارحين نصفها أربعة دراهم، فتضم إلى الدراهم الذي لزمه بأرش الجراحة، فيصير على كل واحد منهما خمسة دراهم، ولو كانت جراحة الأول أرشها درهماً، وجراحة الثاني أرشها درهمين.
فهما أرش جرحته، ثم مات الصيد بعد الجراحتين وقيمته سبعة دراهم، فيكون على كل واحد منهما نصفها ثلاثة دراهم ونصف فيصير على الأول مع الدرهم أربعة ونصف، وعلى الثاني مع الدرهمين خمسة دراهم ونصف، ولو كانت جراحة الأول أرشها ثلاثة دراهم، وجراحة الثاني أرشها درهمان أوجب على الأول ثلاثة دراهم هو أرش جراحته، وأوجب على الثاني درهمين هما أرش جراحته، ومات الصيد بعد الجراحتين وقيمته خمسة دراهم على كل واحد منهما نصفها، يضم إلى ما عليه، فيصير على الأول خمسة دراهم ونصف، وعلى الثاني أربعة دراهم ونصف ثم على هذه الطريقة فيما زاد ونقص، وهي إن صحت في العمل فهو تفسد على أصول الشافعي في وجهين:
أحدهما: أن الجراحة إذا سرت إلى النفس لم يعتبر أرشها، وإذا لم تسر إلى النفس اعتبر أرشها، ألا ترى أن رجلاً لو قطع يد عبد، فمات من السراية ضمن جميع القيمة، ودخل أرش القطر في قيمة النفس، ولو لم يمت من القطع حتى قتله آخر كان على القاطع دية يده، لأن قطعه لم يسر، كان على القاتل قيمة نفسه؟ والمزني اعتبر أرش الجراحة مع سرايتها، وفيه مخالفة لهذا الأصل.
والثاني: أن قيمة المجنى عليه معتبرة عند وقوع الجناية عليه، ولا تعتبر قيمته بعد استقرارها عليه، ألا ترى لو قطع يا عبد فمات اعتبرت قيمته قبل قطعه ولم تعتبر بعده، والمزني اعتبر القيمة بعد الجراح، مخالف هذا الأصل، واختلف أصحابنا كذلك فيما ذهب إليه المزني، هل قاله تخريجاً على مذهب الشافعي، فكان مخطئاً، أو قاله مذهباً لنفسه فكان مجتهداً؟ فعلى وجهين:
أحدهما: قاله تخريجاً.
والثاني: قاله مذهباً غير اجتهاد، فهذا حكم الوجه الأول على قول المزني.
فصل:
والوجه الثاني: وهو الظاهر من مذهب الشافعي على قوله أكثر أصحابه، وقيل: إنه قول أبي إسحاق المروزي، وإن لم أره في شرحه، أن قيمته في حق كل واحد منهما معتبرة بحال جنايته وجراحة كل واحد منهما، قد سرى نصفها إلى ما دخل في ضمان، فسقط اعتباره، وسرى نصغها إلى ما دخل في ضمان غيره فوجب اعتباره، لأنها لو سرت في حقه إلى جميع النفس سقطت، ولو لم تسر في حقه إلى شي، من النفس وجبت، فوجب إذا سرت في حقه إلى نصف النفس أن يسقط نصف الأرش ويجب نصف الأرش مضموماً إلى نصف القيمة وقت جنايته، ويتحمل الثاني عن الأول نصف الأرش كما
تحمل عنه نصف النفس.
وبيانه: أن نقول جرحه الأول، وقيمته عشرة دراهم، وأرش جراحته درهم فوجب عليه نصف العشرة، وهي خمسة ونصف الأرش وهو نصف درهم يتحمله عنه الثاني، ثم جرحه الثاني، وقيمته تسعة دراهم وأرش جراحته درهم، فوجب عليه نصف قيمته أربعة دراهم، ونصف أرشه جراحته، وهو نصف درهم يتحمله عن الأول، فيصير عليه خمسة دراهم، وعلى الأول خمسة دراهم، فيصير هذا موافقاً لقول المزني في الجواب، ومخالفاً له في التعليل، ليكون سليماً على الأصول، فعلى هذا لو كان أرش جراحة الأول درهماً، وأرش جراحة الثاني ثلاثة دراهم كان على الأول نصف العشرة، وهي خمسة ونصف أرش جراحته وهو نصف درهم، وجرحه الثاني، وقيمته تسعة دراهم، فعليه نصفها أربعة دراهم ونصف، وعليه نصف أرش جراحته وهو درهم ونصف تحملها عن الأول، فصار عليه ستة دراهم، وبقي على الأول أربعة دراهم، وعلى هذا لو كان أرش جراحة الأول ثلاثة دراهم وأرش جراحة الثاني درهماً، كان على الأول نصف قيمته، وهي خمسة دراهم، ونصف أرش جنايته، وهو درهم ونصف، يصير عليه ستة دراهم ونصف، وجرحه الثاني وقيمته سبعة دراهم عليه نصفها ثلاثة دراهم ونصف، ونصف أرش جراحة، وهي نصف درهم يتحمله عن الأول، فيصير على الثاني أربعة دراهم، وبقي على الأول ستة دراهم، ثم على هذا القياس، فيكون الوجهان متفقين في الجواب مختلفين في التعليل.
واختلف من قال بهذا الوجه فيما يحمله الثاني عن الأول من نصف الأرش: هي يكون في ضمان الأول حتى يؤخذ من الثاني؟ أو يكون ساقطاً عنه بصفات الثاني؟ على وجهين:
أحدهما: أنه يكون في ضمانه حتى يؤخذ من الثاني كالغاصب إذا غصب عبداً فجرحه آخر في يده كان أرش الجراح من ضمانه وضمان غاصبه، كذلك ها هنا فعلى هذا يكون مالك العبد مخيراً في أخذ نصف أرش جراحة الثاني في الأول أو الثاني، فإن أخذه من الأول رجع به الأول على الثاني، وإن أخذه من الثاني لم يرجع به على الأول.
والثاني: وهو أمح أنه يسقط عن الأول بضمان الثاني، كما سقط عنه نصف القيمة بضمان الثاني، فلا يستحق مالك الصيد مطالبة الأول به، ويستحقه على الثاني مع نصف القيمة.
فإن قيل: فهلا كان اعتبار قيمة الصيد في حق الجارحين سواء، فتكون القيمة قبل الجراحتين بينهما نصفين بالسوية، كالحرّ إذا جرحه اثنان، فمات كانت الدية عليهما بالسوية نصفين، ولم يكن ما على الثاني منهما أقل مما على الأول قيل: لأن دية الحرّ بعد الجناية كديته قبلها، وقيمة العبد بعد الجناية أقل من قيمته قبلها ألا تراه لو قتل حراً مقطوع اليد كانت عليه دية من ليس بأقطع؟ ولو قتل عبداً مقطوع اليد كانت عليه قيمة عبد أقطع؟ فهذا حكم الوجه الثاني.
فصل:
والوجه الثالث: وهو قول أبي الطيب بن أبي سلمة أنه كالوجه الثاني في اعتبار القيمة ونصف الأرش، لكن لا يحتمل الثاني عن الأول ما لزمه من نصف الأرش، وتقسم قيمة الصيد بينهما على مقدار ما لزمها.
وبيانه: أن نقول: إذا كانت جراحة الأول درهماً، وجراحة الثاني درهماً على أن للأول نصف القيمة، ونصف الجراحة خمسة دراهم ونصف، وعلى الثاني نصف القيمة مجروحاً، ونصف الجراحة خمسة دراهم بعير عليها ما عشرة دراهم ونصف، وقيمة الصيد عشرة دراهم، لا يستحق مالكه أكثر منها، فتقسم العشرة التي هي القيمة على عشرة أسهم ونصف، فيكون على الأول منها خمسة أسهم ونصف من عشرة أسهم ونصف من العشرة، وكان على الثاني منها خمسة أسهم من عشرة أسهم ونصف العشرة، ولو كانت جراحة الأول درهماً، وجراحة الثاني درهمين، كان على الأول نصف القيمة، ونصف الجراحة ستة دراهم، وعلى الثاني نصف القيمة مجروحاً ونصف الجراحة خمسة دراهم، فإذا اجتمعت بينهما كانا أحد عشر درهماً تجعلها سهاماً، وتقسم العشرة التي هي القيمة على أحد عشر سهماً، منها على الأول ستة أسهم من أحد عشر سهماً، وتقسم العشرة التي هي القيمة على أحد عشر سهماً، منها على الأول ستة أسهم من أحد عشر سهماً من العشرة وعلى الثاني خمسة أسهم من أحد عشرة سهماً من العشرة، ولو كانت جراحة كل واحد منهما ثلاثة دراهم كان على الأول نصف القيمة خمسة دراهم، ونصف الجراحة درهم ونصف، يكونان ستة دراهم ونصف درهم، وعلى الثاني نصف قيمته مجروحاً وهي ثلاثة دراهم ونصف جراحته درهم ونصف يكونان خمسة دراهم، فإذا جمعتهما صار أحد عشر سهماً ونصف وعلى الأول ستة أسهم ونصف من أحد عشر سهماً ونصف ويكون جراحته ثلث درهم فتصير ثلاثة دراهم من العشرة، وعلى الثاني خمسة أسهم من أحد عشر سهماً، ونصف العشرة، ولو كانوا ثلاثة فكانت جراحة الأول درهماً، وجراحة الثاني درهمين، وجراحة الثالث ثلاثة دراهم، كان على الأول ثلث قيمته ثلاثة دراهم وثلث درهم وثلث جراحته ثلاثة دراهم، تصير على ثلاثة دراهم وثلثا درهم، وعلى الثاني ثلث قيمته مجروحاً بجرح واحد ثلاثة دراهم وثلث جراحته ثلث درهم، فتصير ثلاثة دراهم وثلثي درهم، وعلى الثالث ثلث قيمته مجروحاً جرحين وهي سبعة دراهم يكون عليه درهمان وثلث، وعليه ثلث جراحة درهم يصير عليه ثلاثة دراهم وثلث درهم، فإذا جمعت ما عليهم فعلى الأول ثلاثة وثلثان، وعلى الثاني ثلاثة وثلثان، وعلى الثالث ثلاثة وثلث، كانت عشرة وثلثين تجعلها سهاماً، وتقسم العشرة عليهما، فيكون على الأول ثلاثة أسهم وثلثا سهم من عشرة أسهم وثلثي سهم من عشرة، وعلى الثاني مثلها وعلى الثالث ثلاثة أسهم وثلث من عشرة أسهم وثلثي سهم من العشرة ثم على هذا العبر يكون الحكم على هذا الوجه، مخالفاً للوجهين المتقدمين في الجواب والتعليل.
فصل:
والوجه الرابع: وهو قول أبي علي بن خيران إنك توجب على كل واحد من الجارحين جميع قيمته عند جنايته، وتجمع بين القسمين، وتقسم قيمة الصيد قبل الجراحتين عليهما، ويلزم كل واحد منهما قسط منها، فيصير معتبراً بجراحة الأول في حق الثاني، ولا يصير معتبراً بجراحة الثاني في حقه، ولا في حق الأول، مثله: إذا جرحه كل واحد منهما جراحة أرشها درهم، فحصل على الأول جميع قيمته صحيحاً وهي عشرة دراهم، وحصل على الثاني جميع قيمته صحيحاً وهي عشرة دراهم، وحصل على الثاني جميع قيمته مجروحاً وهي تسعة دراهم ويجمع بين القيمتين تكون تسعة عشر درهماً، فتجعلها سهاماً، وتقسم العشرة عليها وتوجب على الأول عشرة أسهم من تسعة عشر سهماً من العشرة، وتوجب على الثاني تسعة أسهم من تسعة عشر سهماً من العشرة، ولو كانت جراحة كل واحد منهما درهمين جعلت على الأول عشرة، وعلى الثاني ثمانية، وجمعت بينهما تكون ثمانية عشر فتقم العشرة على ثمانية عثر سهماً، وجب على الأول منها عشرة أسهم من ثمانية عشر سهماً من العشرة، وعلى الثاني ثمانية أسهم من ثمانية عشر سهماً من العشرة ولو كانوا ثلاثة، وكان أرش جراحة كل واحد منهم ثلاثة دراهم كانت جراحة الأول معتبرة في حق الثاني، وجراحة الثاني معتبرة في حق الثالث، وغير معتبرة في حق الأول، وجراحة الثالث غير معتبرة في حق الثاني، ولا في حق الأول، فيجعل على الأول جميع قيمته صحيحاً، وهي عشرة، وعلى الثاني جميع قيمته بعد جراحة الأول، وهي سبعة، وعلى الثالث جميع قيمته بعد جراحة الثاني، وهي أربعة، ويجمع بين القيم الثلاث وهي عشرة وسبعة وأربعة تكون إحدى وعشرين، فتقسم العشرة بينهم على أحد وعشرين سهماً يوجب على الأول منها عشرة أسهم من أحد وعشرين سهماً من العشرة، وعلى الثاني سبعة أسهم من أحد وعشرين سهماً من العشرة، وعلى الثالث أربعة أسهم من أحد وعشرين سهماً من العشرة ثم على هذه العبرة، وهذا الوجه مخالف حكم الوجوه الثلاثة في الجواب والتعليل.
فصل:
والوجه الخامس: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أن كل واحد منهما يضمن نصف قيمته وقت جراحه، ولا اعتبار بما تقدمها ولا بما تأخر عنها، ولا اعتبار بأرش كل واحد منهما إذا صارت نفساً لدخولها في ضمان النفس، فإذا جرحه الأول وقيمته عشرة دراهم وجرحه الثاني، وقيمته تسعة دراهم، كان على الأول نصف العشرة خمسة دراهم، وعلى الثاني نصف التسعة أربعة دراهم ونصف، وسقط ضمان نصف درهم من العشرة دخل به النقص على الملك؛ لأنه ليس له في وجوب ضمانه محل.
ولو جرحه الأول، وقيمته عشرة دراهم، وجرحه الثاني، وقيمته ستة دراهم على الأول نصف العشرة خمسة دراهم وعلى الثاني نصف الستة ثلاثة دراهم ويسقط ضمان درهمين، ولو كانوا ثلاثة
جرحه الأول، وقيمته عشرة دراهم وجرحه الثاني وقيمته ثمانية، وجرحه الثالث وقيمته ستة، كان على الأول ثلث العشرة ثلاثة دراهم وثلث، وعلى الثاني ثلث الثمانية درهماً وثلثان وعلى الثلث ثلث الستة درهماً، يصير مجموع ما عليهما ثمانية دراهم ويسقط ضمان درهمين على هذه العبرة، وهذا الوجه مخالف للوجوه الأربعة في الحكم والمقدار والعمل.
فصل:
وإذا تقررت أحكام هذه الوجوه الخمسة، فكذلك حكمها في جميع البهائم المملوكة.
وأما حكمها في الآدميين، فإن كان المجروح حراً سقط اعتبار أرش الجراح فيه لكمال ديته قبل الجراح وبعدها على سواء، وان كان المجروح عبداً فإن لم يكن في جراحه أرش مقدر فهو كالصيد وسائر البهائم على ما شرحناه وإن كان في جراحه أرش مقدر كالأطراف، فقد خرج فيه أبو علي بن أبي هريرة وجهين:
أحدهما: أنه يصير بتقدير أطرافه كالحرّ.
والثاني: أنه يصير مع التقدير كالبهيمة وكلا الوجهين معلول على الإطلاق، لأن العبد تنقص قيمته بعد جراحة الأول، بخلاف الحرّ فيبطل بينه وبين الحرّ والعبد تتقدر أطرافه بخلاف البهيمة فبطل الجمع بينه وبين البهيمة فإذا بطل الوجهان صار حكمه في المقدر مشتركاً بين أحكام الحرّ في التقدير وبين أحكام البهيمة في اعتبار القيمة ثم يخالفها من وجه ثالث: أنك تعتبر في طرق العبد أكثر الأمرين من المقدر فيه أو ما نقص من القيمة ما لم يستوعب المقدر جميع القيمة، فإن استوعبها أوجبت أقلها، وهو نقصان القيمة؛ لأن الشركة مع السراية تمنع من وجوب جميعها على أحدهما فيعمل على ما يوجبه هذا التعليل من الوجوه الخمسة، وإذا كان كذلك، فإن كان الجانيان على الصيد والبهيمة أجنبيين، ولم يكن أحدهما مالكاً فعلى كل واحد منهما من القيمة ما أوجبته الشركة على الوجوه الخمسة، وإن كان أحدهما مالكاً سقط عنه قسطه، ووجب على الأجنبي قسطه، ويتصور في غير الصيد أن يكون المالك أولاً وثانياً، ولا يتصور في العبه الممتنع أن يكون المالك في المضمون إلا الأول دون الثاني والله أعلم.
مسألة:
قالُ الشّافِعيِ رحمهُ اللهُ تعالى:" ولوْ كان مُمتنِعا بعد رميِهُ الأول يطيرُ إنّ كان طائِرا أوْ يعدو إنّ كان دابّةُ ثمّ رمّاهُ الثّاني فأثبتهُ كان لِلثاني".
قال في الحاوي: اعلم أن الصيد ضربان، ممتنع وغير ممتنع، فأما الممتنع، وهو
ما بعد عن طلبه بطيرانه إن كان من الطير أو بعدوه إن كان من الدواب، فلم يقدر عليه إلا بآلة يتوصل بها إليه.
وأما غير الممتنع، وهو صغاره الذي لم يتكامل قوته، ولا يقدر أن ينهض بجناح، وإن كان طائراً، ولا يعدو برجل إن كان دابة قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المائدة:94] فيه تأويلان:
أحدهما: معناه: ليكلفنكم إباحة ما أحله، أو حظر ما حرمه.
والثاني: ليختبرنكم في قبول أوامره، والانتهاء عن زواجره ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ ورِمَاحُكُمْ﴾ فيه تأويلان:
أحدهما: ما: تناله أيدينا الصغار، ورماحنا الكبار، قاله ابن عباس فإن كان الصيد غير ممتنع لصغر لم يملك إلا بالأخذ والتناول؛ لقوله تعالى: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ﴾ [المائدة:94] ولا تكون ذكاته إلا في الحلق واللبة؛ لأنه مقدور عليه، فلو دل عليه رجل وأخذه آخر، كان ملكاً لآخذه دون الدال عليه، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الصيد لمن صاده لا لمن أثاره"، فلو نبش عليه أحدهما بيته حتى طيره، وأخذه الآخر كان للآخذ دون النابش، فلو وقعت أيديهما عليه كان لأسبقهما يداً، فإن استوت أيديهما معاً كان بينهما يستوي فيه من أخذ برأسه ومن أخذ برجله أو ذنبه، ولا يقسم عليهما بقدر أيديهما عليه، ومواضعهما منه؛ لأن اليد على بعضه يد على جميعه ألا ترى أن رجلين لو تنازعا على دابة في يد أحدهما رأسها وفي يد الآخر ذنبها كانا في اليد عليها سواء.
فصل:
وأما الممتنع بعدوه أو طيرانه، فيملك بأحد ثلاثة أشياء:
أحدها: بالأخذ والتناول بأن يظفر به في بيته، أو يعقله على مائة أو حضانة ولده وبيضه، فيصير بحصوله في يده ملكاً له، وان كان باقياً على امتناعه لو أرسل.
والثاني: أن يقع في شبكته أو شركه، فلا يقدر على الخلاص، فيصير بحصوله فيها ملكاً لواضع الشبكة والشرك سواء كان حاضراً أو غائباً، وسواء عقرته الشبكة أو لم تعقره، إذا لم يقدر على الخلاص منها، فإن قدر على الخلاص لم يستقر ملكه عليه في حال قدرته على الخلاص إلا بأحد أمرين.
إما أن يأخذه بيده ويصير بوقوعه فيها أحق به من غيره، وإن أخذه غيره صار الآخذ له أملك به من صاحب الدار، فإن أفضت الشبكة باضطراب الصيد فيها إلى عجزه عن الخلاص منها، فقد ملكه حينئذٍ صاحب الشبكة، وإن أخذه في هذه الحال غيره، كان صاحب الشبكة أحق به، ولو انقطعت الشبكة فأفلت الصيد منها.
نظر في قطع الشبكة، فإن قطعها الصيد الواقع فيها عدا بعد انفلاته إلى حال الإباحة وملكه من صاده؛ لأنه بان أن الشبكة لم تثبته، ولو قطعها غيره من صيود أُخر اجتمعت على قطعها كان باقياً على ملك صاحبها، لا يزول عنه بانفلاته منها؛ لأنها قد أثبتته، فلا يملكه غيره إذا صاده،
ويسترجعه منه كالعبد الآبق والبعير والشارد، فمان كانت الشبكة فارغة، فاضطر الصيد غير واضع الشبكة إليه، فوقع فيها بطرده إليها، كان ملكاً لواضع الشبكة دون طارده؛ لأن إثباته بالشبكة دون الطرد فلو وضع الشبكة غير مالكها كان الصيد ملكاً لواضعها دون مالكها، سواء كان مستعيراً أو غاضباً، وعليه إن غصب أجرة مثلها، فلو حضر مالك الشبكة، بعد وضعها، فإن كان معيراً كان واضعها أحق بالصيد منه، وان كان مغصوباً كان ما وقع فيه قبل حضوره ملكاً للغاصب، وما وقع بعد حضوره ملكاً للمغصوب إن رفع يد الغاصب، وملكاً للغاصب إن لم يرفع يده عنها؛ لأن الغاصب يبرأ من ضمانها إذا رفعت يده، فصار وضعها قبل وضع يده منسوباً إلى الغاصب وبعد رفع منسوباً إلى المغصوب.
والثالث: الذي لا يملك به الصيد أن يثبته بعد الامتناع فلا يقدر على عدو ولا طيران.
وهذا الإثبات معتبر بشرطين:
أحدهما: أن يكون بفعل منه وصل إلى الصيد بالآلة المؤثرة في إثباته من ضرب أو جرح، وإن سعى خلف الصيد فوقف بإعيائه، لم يملكه بالوقوف، حتى يأخذه، لأن وقوفه استراحة منه هو بعدها على امتناعه، وكذلك لو توحّل الصيد عنه طلبه في طين لم يقدر على الخلاص منه لم يملكه حتى تأخذه؛ لأن الطين ليس من فعله، فلو كان هذا الذي أرسل الماء في الأرض حتى توحّلت ملكه بوقوعه في الوحل؛ لأن الوحل من فعله، فصار به كوضع الشبكة ولو اعترضه منه سبع فعقره فأثبته لم يملكه؛ لأن اعتراض السبع ليس من فعله، فلو كان هذا الذي أغرى السبع باعتراضه حتى عقره فأثبته نظر، فإن كانت له على السبع يد ملك الصيد بعقره، وصار كإرسال كلبه، وإن لم يكن له على السبع يا لم يملك الصيد بعقره حتى يأخذه لأن اختيار السبع أقوى من إغرائه.
والثاني: أن يصير الصيد بما وصل من فعله عاجزاً عما كان عليه من امتناعه سواء كان ما وصل إليه قد عقره كالحديد أو لم يعقره كالحجر، وإذا كان كذلك لم يخل حاله بعد وصول الآلة إليه من ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يعقر بها في موضع فلا يقدر على عدو ولا طيران، فهذا إثبات قد صار به مالكاً لصيد، فإن عادت قوة الصيد فامتنع بها بعد إثباته نظر، فإن كانت بعد أخذه، وهو باق على ملكه، وإن كانت قبل أخذه فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون زمان عودها قريباً لا تنشأ في مثله قوة مستفادة فقد عاد إلى الإباحة، ولم يستقر ملكه عليه، وعلم أن وقوفه لاستراحة.
والثاني: أن يطول زمانه حتى تنشأ في مثله قوة مستفادة، فيكون باقياً على ملكه ولا يعود إلى الإباحة كما لو قصّ جناح طائر قد صاده، فثبت جناحه، وطار لم يزل عن ملكه.
والثانية: أن يفوت الصيد بعد ومول الآلة إليه على امتناع في عدوه وطيرانه، فلا
يصير مالكاً له بجراحته، وسواء كانت الجراحة مما يسلم من مثلها أو لا يسلم، وسواء طال زمان امتناعه أو قصر زمان رماه آخر، فأثبته كان ملكاً للثاني دون الأول، وهي مسألة الكتاب؛ لأن إثباته من فعل الثاني دون الأول، ولو لم يرمه آخر حتى ثبت بجراحة الأول صار حينئذٍ ملكاً للأول، لأنه قد صار مثبتاً له، فإن ثبت بالعطش بعد الجراحة نظر، فإن كان عطشه لعدم الماء لم يملكه الجارح، وإن كان عطشه لعجزه عن وصوله إلى الماء ملكه الجارح؛ لأن الجراح مؤثرة في العجز دون الماء.
والثالثة: أن يقصر عن امتناعه من غير وقوف بمكانه، فيعدو دون عدوه ويطير دون طيرانه، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون بما بقي فيه من العدو والطيران يمتنع به عن أن تناله الأيدي فلا يملكه الجارح، ويكون باقياً على حكم امتناعه؛ لأنه لو لم يكن فيه من القوة إلا هذا القدر لكان بها ممتنعاً.
والثاني: أن لا يمتنع بما بقي له من العدو والطيران عن الأيدي، وتناله يد من أراده، فيصير بهذه الحالة مثبتاً يملكه جارح ويكون أحق به من آخذه؛ لأنه قد صار بها غير ممتنع، فلو رمى صيداً فأصابه ثم مرق السهم منه، فأصاب صيداً ثانياً ومرق من الثاني، فأصاب ثالثاً ملك منها ما أثبته دون ما لم يثبته، سواء كان أولاً أو آخراً، فإن أثبت جميعها ملكها، وان لم يثبت شيئاً منها لم يملكها، والله أعلم.
مسألة:
قالُ الشّافِعيِ رحمهُ اللهُ تعالى:" ولوْ رمّاهُ الأول بِهذِهِ الحال فقتلهُ ضِمن قيَمتُهُ لِلثاني لِأنّه صار لهُ دونهُ.
قالُ اِلمِزِنّي رحمهُ اللهُ: ينبغي أن يُكوِّن قيَمتُهُ مجروحا الجُرحيْنِ الأولين في قياسِ قوْلِهُ".
قال في الحاوي: وصورتها في رجل رمى صيداً فجرح، ولم يثبته، ورمى آخر فجرحه وأثبته، وعاد الأول فجرحه، ومات، فقد صار ملكاً للثاني بإثباته، وعلى الأول ضمانه للثاني بجراحته الثانية، تعليلاً بما قدمناه من الأصول المغررة، وإذا صار في ضمان الأول لم يخل حال جراحته الثانية من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون موحية في الحلق واللبة، فعليها أرشها، وما بين قيمته حياً مجروحاً، وما بين قيمته مذبوحاً.
والثاني: أن تكون جراحته موحية في غير الحلق واللبة، فعليه جميع قيمته مجروحاً جرحين؟ لأنه أفسد لحمه.
والثالث: أن تكون جراحة غير موجية، فهل يضمن جميع قيمته، أو يضمن قسط
منها؟ على ما ذكرنا من الوجوه الأربعة، فإن ضمناه جميع قيمته صار كالتوجية يضمن قيمته حياف مجروحاً جرحين، فإن ضمناه قسطه منها كانت الجراحة الأولى هدراً، لأنها في حال الامتناع والإباحة، وهل يعتبر في فوات النفس أو لا؟ على وجهين:
أحدهما: أنها غير معتبرة فيه ويعتبر فوات النفس بالجراحة الثانية والثالثة بخروج الأولى عن ضمانة في ملك، فيجب عليه نصف القيمة.
والثاني: هو أصح، أنها معتبرة في فوات النفس بسرايتها إلى النفس مع غيرها، وان خالفت غيرها، فعلى هذا، هل تنفرد بحكمها في سقوط الضمان أو تكون مشاركة للثانية؟ لأنها من واحد على وجهين:
أحدهما: أنها تنفرد بحكمها عن الثالثة، وإن كانتا من جارح واحد اعتباراً بالجراح دون الجارح فيصير موت الصيد من ثلاثة جراحات، اختصت الثالثة منها بالضمان فأحيت ضمان ثلث القيمة.
والثاني: وهو أظهر أنها تكون مشاركة للجراحة الثالثة، لأنها من كل واحد اعتباراً بالجارح دون الجراح، فعلى هذا يصير موت الصيد من جارحين أحدهما: غير ضامن، وهو الثاني الذي أثبت الصيد بجراحته، وصار في ملكه، ومن الجارح الثاني الذي جرحه في الأول، ولم يثبته الجراحة الثانية بعدما أثبته الجارح الثاني: وجرحه في ملكه، ونصف فعله غير مضمون؛ لأن الجراحة الأولى كانت في حال الإباحة والامتناع، ونصف فعله مضمون، وهو جراحة الثانية للصيد بعدما صار الصيد ممتنعاً بجراحة الجارح الثاني، وصار في ملكه وروح الصيد قد خرجت بثلاث جراحات بجراحة من مالك الصيد بإثباته، وبملكه، وبجراحته من الجارح الآخر أحد جراحته غير مضمون، وهو الجراحة الأولى، وجراحة الثانية مضمونة، وهي الجراحة التي وصلت بعدما ملك الصيد الجارح الثاني بإثباته، والجارح الذي ملك الصيد لا يضمن جراحته، وسقط نصف قيمة الصيد، لأنه أحد الجارحين، فأما الجارح الآخر فقد جرح جراحتين، إحداهما: غير مضمونة، وهي الجراحة الأولى فسقط عنه ربع القيمة، ويضمن الجراحة الثانية التي يعد جراحة المالك بإثباته الصيد بجراحته، فيضمن بالجراحة الثانية الجارح الأول ربع قيمته، فصار الصيد مضموناً بربع قيمته، على ما بيناه.
ومثاله: رجلان جرحا مرتداً، فأسلم، ثم جرحه أحدهما بعد إسلامه، فمات من سراية الجراحات كلها ضمن ربع دية؛ لأنه مات من جارحين:
أحدهما: جرحه هدر، فلم يضمن الآخر نصفه هدر، ونصفه مضمون، فضمن ربع الدية، فيصير فيما يضمنه الأول بجراحته الثانية أربعة أوجه:
أحدها: جميع القيمة.
والثاني: نصفها.
والثالث: ثلثها.