بحر المذهب للرويانيصفحات 83-122

الصلاة، وهذا اختيار القفال وجماعة أصحابنا، واستدلوا بأن إخراج الزكاة يجوز في حال الردة والمرتد ليس من أهل نية القوية فدل أنه يكفي القول فيه، وقال بعض أصحابنا: وهو اختيار صاحب "التقريب" يحتاج أن ينوي بقلبه وأولوا النص بأنه أراد بقول هذا مع النية بالقلب لأن محل النية في جميع العبادات القلب وهذا التأويل خطأ لما ذكر من صريح العلة.
فرع لو تصدق بجميع ماله ولم ينو الزكاة لم يحزه عن الزكاة، وقال أصحاب أبي حنيفة: يجزيه استحسانًا وهذا لا يصح لأنه لم ينو الفرض كما لو صلى مائة ركعة بنية التطوع لا يجزيه عن الفرض ولو تصدق ببعضه قال محمد: أجزأه عن زكاة ذلك البعض، وقال أبو يوسف: لا يجزيه لأنه لم يزل ملكه عن جميعه.
مسألة: قال 1: ولا يُجْزِئهُ ذَهَبٌ عن وَرِقٍ.
الفصل وهذا كما قال: إذا أخرج غير ما وجب عليه باعتبار القيمة لا يجوز سواًء أخرج الدراهم عن الدنانير أو الدنانير عن الدراهم، أو ما لا إخراج عنهما بالقيمة، وقال أبو حنيفة: يجوز أن يخرج بقيمته كل مال، وقال مالك: يجوز الذهب عن الورق والورق عن الذهب [89 أ/4] ولا يجوز غير ذلك من الأموال وبه قال أحمد في رواية وهذا غلط، لما قال الشافعي، لأنه غير ما وجب عليه فلا يجوز كما لو أخرج السكني لا يجوز.
مسألة: قال 2: ولو أَخَرَجَ عشرةَ دراهمٍ فقالَ: إنْ كان مالي الغائبُ سَالمًا فهذه من زكاتُهُ أو نافِلةٌ.
الفصل وهذا كما قال: إذا كان له مال غائب زكاته عشرة دراهم فأخرج العشرة إلى أهل السهمان، وقال: إن كان مالي الغائب سالمًا فهذه زكاته أو نافلة فكان ماله سالمًا لم يجزه ذلك عن زكاته وكانت الزيادة باقية عليه لأنه جعل النية مشتركة بين النفل والفرض، ولو رتب النية فقال: إن كان مال الغائب سالمًا فزكاته، وإن كان تالفًا فنافلة، صحت النية فإن كان سالمًا كان عن فرضه، وإن كان تالفًا كان نافلة، قال الشافعي 3: لإن أعطاه عن الغائب هكذا وإن لم نقله يعني لو قطع في نيته بأن هذا عن مالي الغائب لا يكون إلا هكذا فيكون عنه إن كان سالمًا وإلا فيكون نافلة، فإذا لم يقطع بنية يجوز أيضًا فإن قيل: أليس نقل الصدقة لا يجوز عندكم في أحد القولين،

وجوزتم هاهنا نقل الصدقة عن بلد المال، قيل: الشافعي ذكر هذا على القول الذي جوّز نقل الصدقة أو إذا كانت [89 ب/4] المسافة قريبة أو لم يكن في بلده أهل السهمان.
فرع لو قال: إن كان مالي الغائب سالمًا فهذه زكاته، وإن لم يكن سالمًا فهذه زكاة مالي الحاضر يجوز لأنه قطع نية الفرض وإنما رتب المال فلم يمنع ذلك جوازها، ولو قال: هذه زكاة مالي الغائب إن كان سالمًا ولم يزد عليه فكان ماله تالفًا فأراد أن يصرفها إلى الحاضر لم يجز، لأنه عينها في مال بعينه فلا يجوز أن يصرفها إلى غيره، وقال في "الشامل": يحتمل أن يجوز لأنها لم تصر زكاة بعد.
فرع آخر لو أخرج خمسة ونوى بكلها الزكاة والتطوع لم يجزه عن الزكاة وكانت تطوعًا وبه قال محمد، وقال أبو يوسف: يجزيه عن الزكاة وهذا غلط، لأنه يشرك بين النفل والفرض.
فرع لو لم يعلم أن ماله الغائب ذهب أو ورق أو ماشية فأخرج خمسة دراهم أو نصف دينار أو شاة على الظن لم يجز، وإن أخرج جميع ذلك ونوى به الزكاة جاز، وإن لم يعين.
فرع آخر لو كانت له مائتا درهم وعرض للتجارة بمائتي درهم فأخرج خمسة ونوى فرض الزكاة ولم يعين إحدى المائتين يجوز، وكذلك لو قال: هي عن الدراهم فإن كانت تالفة فعن الفرض فإنه يجوز، وإن قال هي عن [90 أ/4] إحداهما ثم عين بعد ذلك بقلبه أو لم يعين يجوز وهذا لأنه لا يحتاج إلى تعيين النية كالكفارة سواء.
مسألة: قال 1: ولو أخرَجَها وهيَ خمسةُ دراهم لتقسيمها فهَلَكَ مالُهُ - يعني المخرج منه قبل إمكان الأداء - كانَ لهُ حبسُ الدَّراهم.
وهذا على القول الذي يقول إمكان الأداء هو من شرائط الوجوب وقد تقدمت هذه المسألة، وكذلك ما ذكر بعد هذه المسألة إذا تلفت هذه الخمسة بقي أصل المال ولو أخرجها إلى الوالي ثم بان له أن المال كان هالكًا ليس له الرجوع إلا أن يكون باقيًا عنده لم يصرفها إلى أهل السهمان فيستردها منه أو يصرفها في زكاة مال سواه.
مسألة: قال 2: وإذا أخذَ الوالي منْ رجلٍ زكاةَ بلا نيةٍ في دفعها إليه أجزأت عنه.
وهذا كما قال: إذا أراد إخراج الزكاة فلا يخلو من ثلاثة أحوال، إما أن يليها بنفسه أو يدفعها إلى وكيله أو إلى الساعي فإن وليها بنفسه فقد ذكرنا النية، وإن دفعها إلى وكيلة فإن نويا معًا رب المال عند الدفع والوكيل عند الإيصال أجزأه، وإن لم ينو واحد منهما لم يجز، وإن نوى الوكيل دون الموكل لم يجز، وإن نوى الموكل دون

الوكيل ففيه طريقان، قيل: قوله واحد يجوز وقيل: هو بناء على [90 ب/4] ما ذكرنا من جواز تقديم النية على الدفع فإن قلنا: لا يجوز ذلك لا يجوز هاهنا، وإن دفعها إلى الوالي فإن نويا معًا أو نوى رب المال دون الوالي أجزأه قولًا واحدًا، لأن يد الإمام يد المساكين فإنه يسقط فرضه بالدفع إليه، ولو دفع الزكاة إلى المساكين ولم ينو المساكين جاز فكذلك إذا لم ينو الإمام وإن نوى الوالي دون رب المال المذهب أنه يجوز، لأنه لا يدفع إليه إلا الفرض فاكتفي بالظاهر عن النية، ومن أصحابنا من قال: وهو الأقيس لا يجوز لأن الإمام كالوكيل في أنه نائب الفقراء، وتأؤل هذا القائل نص الشافعي على أن من امتنع من أداء الزكاة فأخذها الإمام منه قهرًا فإنها تجزيه لأنه تعذرت النية من جهته فقامت نية الإمام مقام نيته، ومن أصحابنا من قال: في الحكم يجوز وفي الباطن لا يجوز وهو ضعيف، وإن لم ينو الإمام ولا رب المال نص في "الأم": أنه يجوز لأنه قال: وإذا أخذ الوالي من رجل زكاة بلا نية من الرجل في دفعها إليه طائعًا كان الرجل أو مكرهًا ولا نية للوالي الأخذ في أخذها من صاحب الزكاة أو له نية تجوز وهذا لأن أخذ الإمام أو دفعه إلى الإمام الظاهر منه أنه [91 أ/4] فرضه لأنه لا يأخذ إلا الواجب ولا يدفع إليه إلا الصدقة الواجبة فقام ذلك مقام النية بخلاف ما إذا وكل ولم ينو لا الوكيل ولا الموكل لا يجوز لأنه ليس في دفعه إلى الوكيل ظاهر يدل على أنه فرضه، فلابد من نية الموكل وهذا النص يمنع التأويل السابق، ومن أصحابنا من قال: لا يجوز هاهنا لأنه نفذت النية المشروطة في الأداء، ومن أصحابنا بخراسان من قال: إذا أخذ بالإكراه لا يجوز فيما بينه وبين الله تعالى وهل يجوز في الحكم وجهان، وهذا خلاف النص، وقال أبو حنيفة: لا يأخذ الإمام الزكاة من الممتنع بل يحبسه حتى يؤدي، قال الشافعي 1: كما ينوب عنه في القسم ينوب عنه في النية.
مسألة: قال 2: وأُحِبُّ أنْ يَتَوَلَّى الرَّجلُ قسمَتَهَا عنْ نَفْسِهِ.
الفصل وهذا كما قال: هذه المسألة تنبني على أصل وهو أن المال ضربان، باطن وظاهر، وإن شئت قلت: صامت وناطق فالباطن يجوز أن يقسم زكاته بنفسه، وأما الظاهر فهل له أن يقسم زكاته بنفسه؟ فيه قولان، قال في القديم: ليس له ويجب دفعه إلى الإمام فإن فرقها بنفسه ضمن لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: 103] وبه قال أبو حنيفة ومالك، وقال في الجديد: له ذلك وبه قال الحسن [91 ب/4] والنخعي ومكحول: لأنها زكاة واجبة كزكاة أمواله الباطنة، فإذا قلنا بقوله القديم لا يقال في هذا أفضل ولا غير أفضل، لأنه لا يجوز إلا وجهًا واحدًا، فإذا قلنا بقوله الجديد: هل للإمام المطالبة؟ منهم من قال: لا يطالب إذا علم أنهم يؤدونها بأنفسهم كما لو علم أنهم يصلون لا يطالبهم بها، ومنهم من قال: له المطالبة إذا أدى اجتهاده إليه لا على

وجه الولاية بل جهة النيابة عن المستحقين وحثا عن الخروج عن حقوقهم لأنهم من أهل الرشد ولا تثبت عليهم الولاية وهل الأفضل أن يفرقها بتقسط أم يدفعها إلى غيره ليفرقها عنه؟ ينظر فإن كان ذلك الغير وكيلًا فالأفضل أن يفرقها بنفسه لأنه على يقين من فعل نفسه وهو في شك من فعل غيره ومعناه أن فعل الدفع إلى من هو مستحق لها في الظاهر يقين، فأما أن تكون وقعت موقعًا يقينًا فلا لأنه يعمل فيها بغالب الظن في الظاهر وزاد الشافعي في قسم الصدقات فقال: يجوز لأنه المحاسب بها والمسئول عنها، وإن كان الغير هو الإمام لم يخل من أحد أمرين: إما أن يكون عادلًا أو جائرًا فإن كان عادلًا، فالمذهب إن دفعها إليه أفضل لأن ذمته تبرأ [92 أ/4] بذلك عن الزكاة قطعًا والإمام أبعد من الخطأ في قسمها وأعرف بحال المستحقين وأراد الشافعي بما ذكر هاهنا إذا أراد الدفع إلى الوكيل أو أراد أن يتولى الدفع إلى الإمام بنفسه ولا يكله إلى غيره، ومن أصحابنا من قال: الأفضل تفريقها بنفسه أيضًا كما نص عليه هاهنا ليكون له إجراء التفريق والتكلف، كذلك بنفسه وهذا ليس بشيء لأنه علل فقال: لأنه على يقين من أدائها وهذا في الدفع إلى الإمام موجود وزيادة على ما ذكرنا، وإنما يقع الشك في الدفع إلى الوكيل، ومن أصحابنا من قال: أراد الشافعي هاهنا زكاة أمواله الباطنة فأما زكاة أمواله الظاهرة فالأفضل دفعها إلى الإمام، لأن الشافعي قال في آخر قسم الصدقات: ويعطي الولاة زكاة الأموال الظاهرة الثمر والزرع والمعدن والماشية، فإن أعطاهم زكاة التجارة والفطر والركاب أجزأتهم إن شاء الله.
وإن كان الإمام جائرًا فاسقًا.
قال صاحب "الإفصاح": فيه وجهان، إحداهما الأفضل أن يفرقها بنفسه لأنه ليس بموضع الأمانة لما ظهرت منه الجناية، والثاني: يدفعها إليه أيضًا وليس عليه من إثمها شيء لأن النبي صلى الله عليه وسلم [92 ب/4] قال: "سيكون بعدي أمورًا تنكرونها فقالوا: يا رسول الله فما تأمرنا قال: أدوا حقهم وسلوا الله حقكم" 1 وقال في "الحاوي" 2: للإمام أربعة أحوال، أحدها: أن يكون عادلًا في الزكاة وفي غيرها، فالأفضل دفعها إليه، والحالة الثانية: أن يكون عادلًا في الزكاة جائرًا في غيرها فيه وجهان، إحداهما: دفعها إليه أولى أيضًا لأنه روى عن سهل بن صالح عن أبيه أنه قال: سألت سعيد بن مالك وقلت: عندي مال مجتمع يعني من مال الصدقة وهؤلاء القوم كما ترى فما أصنع به؟ قال: ادفعه إليهم، قال: وسألت أبا سعيد الخدري فقال مثل ذلك، وسألت أبا هريرة فقال مثل ذلك، وسألت عبد الله بن مسعود فقال مثل ذلك، والثاني: يفرقها بنفسه أولى، وإن كان جائرًا في الزكاة وغيرها أو جائرًا في الزكاة عادلًا في غيرها لا يجوز دفعها إليه وتفريقها بنفسه فإن دفعها إليه لم يجز، لأنه لم يصل إلى المستحق وهذا حسن.

فرع إذا قلنا بقوله القديم: فلم يبعث الإمام الساعي أو لم يقدر على الإمام يجب على رب المال أن يفرقها بنفسه وهو المذهب، لأنه حق الفقراء والإمام نائبهم [93 أ/4] فإذا ترك النائب قبض الحق لا يجوز أن يترك أداءه، ومن أصحابنا من قال: أنه يتوقف حتى يطالبه الإمام لأنه مال حق القبض فيه إلى الإمام فإذا لم يطلبه الإمام لم يفرق هو كالخراج.
فرع إذا علم الإمام أنه لا يؤدي الزكاة فقاتل فقتل إنما يقاتل لأن الزكوات كلها كانت تحمل إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن عثمان فرض إلى أرباب الأموال باجتهاده فإذا ظهر منهم التقصير كانت له المطالبة، وقيل: لأن الزكاة حق الله تعالى وهو نائب الله تعالى ويتفرع على هذا أنه لو كان عليه كفارة أو منذور فامتنع من الأداء هل يطالبه الإمام وجهان مبنيان على هاتين العلتين.

باب ما يسقط الصدقة عن الماشية

قال: روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قالَ: "في سائمةِ الغنمِ زَكَاةٌ" 1. وهذا كما قال: السائمة هي الراعية وسميت سائمة لأنها تسوم أي: ترعى فكل ماشية يجب الزكاة فيها لا تجب إلا إذا كانت سائمة للذر والنسل فإن كانت للعمل كالنواضح ونقل المتاع من بلد إلى بلد فلا زكاة فيها، كما يجب في السائمة، وقال داود في معلوفة الغنم لا يلزم الزكاة، وفي معلوفة الإبل والبقر يجب الزكاة لأن النبي صلى الله عليه وسلم [93 ب/4] خص الغنم وهذا غلط، لما ذكر الشافعي من الخبر وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: في سائمة الغنم زكاة" فدل على أنه لا زكاة في غير السائمة وهذا استدلال منه بمفهوم الخطاب واحتج بالأثر فقال: روي عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنه ليس في البقر والإبل العوامل صدقة" 2، ومن أصحابنا بخراسان من قال: أراد به إذا كانت العوامل معلوفة فإن كانت سائمة يلزم فيها الزكاة لأن منفعتها أكثر فكانت أولى بوجوب الزكاة فيها وهذا خلاف ظاهر نص الشافعي، لأنه قال: فإن كانت معلوفة أو مستعملة فلا زكاة فيها، فأفردهما وهو قول أهل العراق أجمع ودليل ذلك أن نماء الرعي للذر والنسل لا يتم إذا كانت مستعملة، وإن لم تكن معلوفة فلا زكاة ثم أن المزني فصل بهذا الأثر قوله: حتى تكون سائمة فوهم أنه ن جملة الأثر وليس كذلك بل هو من كلام الشافعي وهو أنه ذكر هذا الأثر في البقر والإبل عطف عليه فقال: وكذلك الغنم لا صدقة فيها حتى تكون سائمة فأخل المزني بالاختصار كما بيناه، ثم بين

الشافعي النكتة المفرقة بين السائمة والمعلوفة فقال 1: والسائمة الراعية [94 أ/4] وذلك أن يجتمع فيها أمران إن لا يكون لها مؤنة في العلف ويكون لها نماء الرعي فتجتمع قلة المؤنة وكثرة النما لأنهما سببًا وجوب الزكاة التي هي مواساة، وإذا علفت فالعلف مؤنة يحيط بفضلها، وقال في "المختصر الكبير": يحيط بكلها أو بعضها أي: العلف ربما يحيط بجميع نمائها وربما يحيط ببعض نمائها فيخرج به عن احتمال المواساة ثم رجح ذلك بقوله، وقد كانت النواضح على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خلفائه فلم أعلم أحدًا روى أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ منها صدقة ولا أحذًا من خلفائه ثم في آخر الباب رجع إلى الرد على مالك أيضًا فقال: من مذهب مالك أنه لا زكاة في الذهب والورق إذا كانت مصوغة عن جهة النماء مع قوله صلى الله عليه وسلم في الرقة ربع العشر 2، فجاز أن لا يلزم الزكاة في المعلوفة مع قوله صلى الله عليه وسلم في أربعين شاة، وفي خمس من الإبل شاة 3. إذ لا فرق بينهما، وأما قول داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الإبل السائمة: "في كل أربعين بنت لبون" 4. مسألة: قال 5: وإن كانتِ العَوَامِلُ تَرعَى مُدَّةً وتَترُك أُخرى.
الفصل وهذا كما قال: الكلام الآن في [94 ب/4] العلف الذي يسقط به حكم السوم وينقطع به حكم الحول اختلف أصحابنا فيه فقال أبو إسحاق: إذا علف اليوم واليومين لا يسقط الزكاة فاعتبر العلف في مدة لو لم يعلف فيها لتلفت وذلك ثلاثة أيام فأكثر، ومن أصحابنا من قال: قليل الزمان وكثيره فيه سواء قصد المالك أو علفه الغير ليلة من غير علمه لظاهر قول الشافعي، وهذا لأن السوم شرط في وجوب الزكاة فإذا عدم في قليل المدة أو كثيرها سقط حكم الحول كالنصاب والأول هو المذهب الصحيح، ومن أصحابنا من قال: إذا علفها دفعنة ونوى القطع انقطع الحول نص عليه في الأم، وقد قال: في موضع آخر: لا زكاة حتى يسميها دهرها وهذا لأن النية قارنت الفعل المسقط للزكاة فسقطت، وإن قل الفعل ذكره القاضي أبو علي البندنيجي وهذا غريب، ومن أصحابنا بخراسان من قال: ينظر إلى أكثر الحول فإن علف في أكثر الحول سقطت وإلا فلا، وهذا ليس بشيء ويحكى هذا عن أبي حنيفة.
فرع لو كان الرعي يكفيها ولكنه يعلفها أيضًا لا يتغير حكمها به، وإن كان الرعي لا

يكفيها يتغير حكمها بالعلف، وقد ذكر القفال: أنه لو كان يسرحها كل يوم وأراد ردها بالليل إلى المراح فألقي إليها [95 أ/4] شيئًا من العلف لا ينقطع الحول وأراد به ما ذكرت ثم اعلم أن بعض أصحابنا قال: معنى لفظ المختصر وإن كانت العوامل ترعى مرة وتترك أخرى عن الرعي فتعلف وهذا خطأ، بل معناه وتترك أخرى عن الرعي فتستعمل، وإن لم يعلف بدليل أنه عطف عليه قوله أو كانت غنمًا تعلف في حين وترعى في أخرى وحكم في هاتين المسألتين بأنه لا زكاة تغليبًا للعطف على الرعي والاستعمال على السوم.
مسألة: قال (1): "ولا صَدَقَةَ في خيلٍ".
الفصل وهذا كما قال: عندنا أنه لا صدقة في الخيل إلا أن تكون للتجارة، وبه قال عمر وعلي ابن عمر رضي الله عنه، وأما مالك والليث والأوزاعي وسفيان الثوري وأبو يوسف وعمر بن عبد العزيز وعطاء والنخعي والشعبي والحسن وأحمد وإسحاق ومحمد رحمهم الله، وقال أبو حنيفة رحمه الله: يلزم في إناثها وإناثها وذكورها إذا اجتمعت ولا زكاة في ذكورها إذا انفردت وبه قال حماد، ثم هو بالخيار إن شاء أخرج عن كل فرس دينارًا أو عشرة دراهم، وإن شاء قومها وأخرج ربع عشر قيمتها، وقد قال الشافعي (2): لا زكاة بدلالة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك وأراد بالسنة ما رواه وهو قوله صلى الله عليه وسلم "عفوت [95 ب/4] لكم عن صدقة الخيل والرقيق" (3)، وقال علي رضي الله عنه قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تجوّزنا لكم عن صدقة الخيل" (4) وروي: "قد تجاوزت لكم عن صدقة الخيل" (5) وقال يزيد سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخيل فيها شيء، قال: "لا إلا ما كان منها للتجارة" وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة" (6)، وروي في خبر آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس في الجارة ولا في الثجة ولا في الكسعة صدقة" (7) والجارة الخيل والثجة الدقيق والكسعة الحمير لأنها تقتني للزينة والتجمل لا للنماء كالبغال.

باب المبادلة بالمشاشية

قال 8: وإذا بادَلَ إبٍلًا أو غَنَمًا بغَنَمٍ.1234567

الفصل وهذا كما قال: كل مال يجب في عينه الزكاة كالإبل والبقر والغنم، والأثمان فبادله بنصاب يجب فيه الزكاة استأنف الحول سواء كانا جنسًا واحدًا إبلًا بإبل أو بقرًا ببقر أو جنسين كإبل ببقر أو بقر بغنم أو ذهب بفضة، وقال أبو حنيفة: إن كان ذلك ي الأثمان لا يستأنف الحول، وإن كان في غير الأثمان استأنف الحول وهذا على أصله أن وجوب الزكاة في الأثمان في معانيها لا في أعيانها ولهذا [96 أ/4] قال يضم الذهب إلى الفضلة، وقال مالك: إن بادل جنسًا بجنس آخر يستأنف الحول، وإن بادل جنسًا بجنسه يبنى على الحول الأول وهذا غلط، لأنه بادل ما يجب الزكاة في عينه بما تجب الزكاة في عينه فوجب أن يستأنف الحول قياسًا على موضع الوفاق ولو بادل بعض النصاب بمثله حتى كان الباقي في ملكه أقل من النصاب انقطع الحول، وقال أبو حنيفة: لا ينقطع الحول بناء على أصله أن نقصان النصاب في خلال الحول لا يضر وأن المستفاد يبني على حول الأصل.
فرع اختلف أصحابنا في مال الصيارفة فمنهم من قال يستأنفون الحول كلما بادلوا دراهم بدنانير وهو الصحيح، ونص في "الأم": على استئناف الحول ولم يفرق بين الصيارفة وغيرهم، وقال ابن سريج في هذا بشروا الصيارفة في أنه لا زكاة عليهم والتعليل ما ذكرناه ويؤكده أن الحلاب إذا اشترى بدراهم أربعين شاة استأنف الحول، وإن كان ذلك عارية لا يختلف المذهب فيه ومنهم من قال: لا ينقطع حولهم بالمبادلة لأن مقصودهم التجارة، فالنقود في حقهم كالعروض للتجارة لسائر الناس، قال في "الشامل": وهذا ظاهر المذهب وهذا غلط، لأنا لو أوجبنا الزكاة هاهنا بحول الأصل يوجب في عين المال [96 ب/4] بخلاف مال التجارة، وقال القفال وأبو حامد: هذا مبني على أصل وهو أنه إذا اجتمعت زكاة العين وزكاة التجارة هل تغلب زكاة العين أم زكاة التجارة قولان فإن قلنا: يغلب زكاة التجارة فلا ينقطع الحول هاهنا، لأن حول التجارة لا ينقطع بالمبادلة، وإن قلنا: تغلب زكاة العين ففيه وجهان، إحداهما: ينقطع، والثاني: لا ينقطع لأنه عدم بالمبادلة شرط زكاة العين وهو دوام الملك في العين حولًا كاملًا فصار إلى زكاة التجارة كما لو كان له ثلاثون من الغنم للتجارة وبلغت قيمتها نصابًا يجب زكاة التجارة قولًا واحدًا والله أعلم.
مسألة: قال 1: وأكرَهُ الفِرَارَ منَ الصَّدَقَةِ.
وهذا كما قال: إذا قارب تمام الحول أو لم يقارب فأراد أن يسقط الزكاة عن نفسه ببيعه فهذا فرار من الصدقة فيكره ذلك فإن فعل فالبيع صحيح ولا يكون عاصيًا به،

وقال مالك وأحمد: هو محرم ولا يسقط فيه الصدقة وهذا غلط، لما قال الشافعي، وإنما تجب الصدقة بالملك والحول لا بالفرار يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول" وهذا المال بعد المبادلة لم يحل عليه الحول، وإن لم يقصد به الفرار بل كله أو بعضه بحاجة من قضاء دينه أو أهداه لم يكره [97 أ/4] ولا زكاة بلا إشكال.
مسألة: قال 1: "ولو رَدَّ إحداهما بعيبٍ قَبْلَ الحَوْلٍ".
الفصل وهذا كما قال: المبادلة في الحقيقة هي بيع يثبت فيه الرد بالعيب فإذا تراد بعيب أو غيره استأنف كل واحد منهما حوله من ذلك الوقت لتبدل الملكين وهذا لأن الرد بالعيب هو فسخ في الحال، وليس بدفع للعقد من الأصل، وقال أبو حنيفة: إن رد بالعيب وإن وجد العيب بعد تمام الحول فإن كان أخرج الزكاة من غيرها كان له الرد بالعيب قولًا واحدًا سواء قلنا: إن الزكاة في الذمة أو قلنا: إنها في العين ومن أصحابنا من قال: فيه وجه آخر: أنه لا يرد إذا قلنا: إن الزكاة في العين لأنه زال ملكه ثم عاد الملك بأداء الزكاة من غيرها كما لو اشترى وباع ثم ملك ثم وجد عيبًا قديمًا لا يرد في أحد الوجهين وهذا لا يصح، لأنه استدرك الظلامة بالبيع ولم يستدرك هاهنا، وقد تحقق زوال الملك هناك حتى لا يعود إلا بالرضا من آخر أو بسبب يوجب الملك وهاهنا لا يتحقق لأن له أداء الزكاة من موضع آخر، وقال القفال: إن قلنا: إنَّ الزكاة في الذمة أو تتعلق بالعين تعلق الجناية فله الرد كما لو رهنه ثم فكه ثم وجد به عيبًا آخر أو جنى العبد ففداه السيّد ثم وجد به عيبًا [97 ب/4] فله الرد فإن قلنا: على معنى الشركة ففيه وجهان، إحداهما: الرد لأن هذه الشركة لا تتحقق على ما ذكرنا، والثاني: لا يرد لأنه زال ملكه عن شاة لا بعينها ثم عاد ملكها، ومن أصحابنا بخراسان من قال: وإن قلنا: يتعلق تعلق الجناية وجهان أيضًا، لأن في مسألة الجناية وجهين وهو ضعيف، فإذا قلنا: يرد رد الكل واستأنف الحول فيما عاد إليه وإذا قلنا: لا يرد شيئًا هاهنا قولًا واحدًا سواء قلنا: الصفقة تفرق أو لا تفرق لأن التي سقط ردها بالعيب غير متعينة فلا يمكن رد ما عداها ويمتنع الرد في الكل، ومن أصحابنا من قال: يرد ما عدا الزكاة إذا قلنا: الصفقة تفرق وهو غلط ظاهر وإن كان قد أخرج الزكاة من عينها قال الشافعي: لم يكن له ردها ناقصة كما أخذه ويرجع بأرش العيب من أصل الثمن وهذا إذا قلنا: إن الصفقة لا تفرق، فأما إذا قلنا: إن الصفقة تفرق رد ما بقي بقسطه من الثمن فحصل قولان فإن اختلفا في قيمة التالف قال الشافعي القول قول البائع لأنه هو المأخوذ منه الثمن، قال الربيع: في قول آخر: إن القول قول المشتري لأنَّ الشيء تلف في يده فكان القول قوله، والأول أصح، وأجود فإذا قلنا: لا يرد يرجع [98 أ/4]

بأرش العيب كما نص عليه هاهنا لأنه لحقه الضرر بالعيب والرد متعذر في الحال وهذا دليل لأحد الوجهين في مسألة اختلف فيها أصحابنا وهي أن الرجل إذا اشترى عبدًا ومات وخلف اثنين فوجدا بالعبد عيبًا فأراد إحداهما رد نصيبه بالعيب وأبى الآخر هل لمريد الرد وجهان، فإذا قلنا: ليس له ذلك هل يرجع بالأرش لهذا النص فإنه أثبت له الأرش مع توهم العود إلى ملكه، ومن أصحابنا من قال: إن تلفت الشاة في يد المساكين يرجع بالأرش، وإن كانت باقية لا ترجع بالأرش لأنه لا ييأس من الرد لتوهم رجوع الشاة المخرجة إلى ملكه فيتمكن من رد الكل وهذا اختيار كثير من أصحابنا، وإن لم يكن إخراج الزكاة أصلًا لا منها ولا من غيرها وأراد ردها ليس له ذلك لأن بعضها مستحق لغيره أو مرتهن بحق غيره كما لو رهن المبيع ثم وجد به عيبًا لا يرد وهو ظاهر "المختصر"، قال: لم يكن له ردها ناقصة عمَّا أخذه، ومن أصحابنا بخراسان من قال: إذا قلنا: إن الزكاة في الذمة له ردها لأنه ردها كما أخذ وهذا غلط، لما ذكرنا وأيضًا لا يؤمن أن يتعلق به الساعي فيأخذ منه الزكاة إذا لم يقدر على المشتري فهو عيب [98 ب/4] من هذا الوجه.
فرع لو رضي البائع بها فردها عليه صح ويطالب الساعي المشتري بزكاتها لأنها وجبت عليه في ملكه نص عليه في "الأم" 1، فإنه لم يقدر على المشتري قد ذكرنا.
فرع آخر لو وجد عيبًا بعد الحول فبادر إلى إخراج الزكاة من غيرها عند ظهور العيب حتى يتخلص عن حق الغير ولم يتطاول الزمان هل له الرد فيه وجهان، إحداهما: يرد لقرب الوقت ووجود الرد عقيب العيب، والثاني: لا يرد لأن إخراج الزكاة هو اشتغال بغير الرد وهذا كله إذا كانت المبادلة صحيحة، فإن كانت المبادلة فاسدة فكل واحد منهما يزكي مال نفسه لأن ملكه لم يزل وهو قادر على انتزاعه من يد صاحبه، وإن كان قد سلم إليه ويخالف المغصوب لأنه محول دونه بيدٍ غالبةٍ، وقال أبو حنيفة: إذا باع وأقبض انقطع حول بناء على أصله أن البيع الفاسد يوقع الملك إذا اتصل بالقبض.
فرع ذكره بعض أصحابنا بخراسان أنه لو أسامها المشتري بشرًى فاسد هل يلزم فيها الزكاة؟ وجهان: كالغاصب فإذا قلنا: يلزم هل يرجع على المشتري بها وجهان، بناء على الحلال إذا حلق شعر المحرم تلزم الفدية وهل يغرمها المحرم ثم يرجع بها على الحالق أم يطالب [99 أ/4] الحالق بها ابتداء قولان، وفي هذا نظر.
مسألة: قال 2: ولو حَالَ الحوْلُ عَلَيْهَا ثمَّ بادَلَهَا أو بَاعَهَا.

الفصل وهذا كما قال: إذا كان له مال يجب الزكاة في عينه فباعه رب المال بعد وجوب الزكاة فيه هل يصح البيع في الكل أم في البعض؟ هذه المسألة هي مبنية على أصلين، إحداهما: أن تجب الزكاة وقد ذكرنا ذلك، والثاني: تفريق الصفقة فإذا جمعت بين ما يجوز بيعه وما لا يجوز بطل البيع فيما لا يجوز وهل يجوز في الباقي قولان، فإذا تقرر الأصلان رجعنا إلى المسألة فلا يخلو إما أن يبيع الكل أو يبيع البعض فإن باع الكل اختلف أصحابنا في ترتيب المسألة فقال ابن أبي هريرة: إن قلنا: إن الزكاة في العين لا تجوز في قدر الزكاة لأن المساكين ملكوا ذلك القدر فقد باع ملك الغير بلا إذن وهل يجوز في الباقي قولان، بناء على تفريق الصفقة فإذا قلنا: يفرق يجوز في الباقي، وإذا قلنا: لا يفرق لا يجوز في الباقي فإذا قلنا: يجوز فالمشتري بالخيار بين أن ينقص البيع لنقصانه وبين أن يجيزه فإن أجاز بكم نأخذ قولان إحداهما: بكل الثمن، والثاني: بحصته من الثمن وعلى هذا هل يثبت للبائع الخيار لانتقاض الثمن،؟ وجهان، وإن [99 ب/4] قلنا: الزكاة في الذمة فإن أخرج الزكاة من غيرها صح البيع في الكل وإن أخرجها منها بطل البيع في ذلك القدر وهل يبطل فيما عداه قولان، على ما قدمناه، وقال أبو إسحاق: إن قلنا: الزكاة في العين هل يصح البيع في قدر الزكاة قولان إحداهما: باطل لما ذكرنا وعلى هذا لو أخرج البائع الزكاة من غيرها لا يصح البيع لأنه ملكها من هذا الوقت فلا يصح البيع السابق الذي صادف ملك غيره وهل يصح البيع في الباقي؟ قولان، بناء على تفريق الصفقة.
والثاني: وبه قال أحمد البيع جائز لأن المساكين لم يملكوا ملكًا مستقرًا وهو على ملك رب المال، ولهذا له أن يدفع إليهم حقهم من موضع آخر من غير رضى أحد فإن أدى الزكاة من غيره علمنا أن ملكه لم يزل عن شيء منه، وإن البيع صحيح ولا خيار للمشتري لأنه بمنزلة عيب وجده ثم ارتفع ذلك قبل فسخ البيع وهذا القول هو الذي نص عليه هاهنا، وإن قلنا: إن الزكاة في الذمة والعين مرهونة بها ففيه قولان مخرجان إحداهما: البيع في مقدار الزكاة باطل لأنه بمنزلة من باع شيئًا مرهونًا ثم قضي الدين لا يصح البيع حتى يجدده بعد فك الرهن، والثاني: أنه صحيح لأن حق المساكين [100 أ/4] تعلق بغير اختيار رب المال، فلا يمنع صحة البيع كبيع العبد الجاني يجوز في أحد القولين، وعلى هذا يكون موقوفًا فإن أدّى من غيره تم البيع وإن أدى من غيره بطل البيع في قدر الصدقة وهل يبطل في الباقي قولان، بناء على تفريق الصفقة فسّوى أبو إسحاق بين القول الذي يقول: الزكاة في العين والقول الذي يقول: الزكاة في الذمة في أن في إفساد البيع في قدر الزكاة قولين، وقال بعض أصحابنا: إذا جوّزنا البيع ثم أدى الزكاة من عينها أبو بطل البيع في مقدار الزكاة لا يبطل في الباقي قولًا واحدًا لأن هذا فساد طرأ بعد صحة العقد والفساد الطارئ بعد القبض هل يجعل في حكم الفساد الموجود عن العقد وجهان، فإن قلنا: لا يجعل يصح البيع هاهنا في الباقي قولًا

واحدًا، ومن أصحابنا بخراسان من قال: في محل الزكاة طريقان إحداهما: قولان إحداهما: تجب في الذمة ولها تعلق بالعين، والثاني: يتعلق بالعين وفي كيفيته ثلاثة أقوال، أحدها: على معنى الشركة، والثاني: كتعلق الجناية، والثالث: كتعلق حق المرتهن بالرهن، والطريقة الثانية ذكرها ابن سريج قول واحد يتعلق بالعين وفي كيفيته قولان، فإما أن تجب في [100 ب/4] الذمة فليس بمذهب الشافعي هذا إذا كانت الزكاة من جنس المال فإن كانت من جنس آخر كالشاة في خمس من الإبل فإن قلنا هناك أنها تجب في الذمة فهاهنا أولى وإلا فقولان فإذا قلنا: في الذمة فبيع كل المال لصح وللمشترى الخيار فلو أخرج رب المال الزكاة من موضع آخر هل يسقط خياره قولان، إحداهما: يسقط لأنه لم يزل ملكه.
والثاني: لا يسقط لأنه يقول لا آمن أن أخرج ما أخرج مستحقا فيرجع إلّي الساعي ويأخذ من الواجب وإن قلنا يتعلق بالعين على معنى الشركة بطل البيع في قدر الزكاة قولًا واحدًا وهل يبطل في الباقي قولًا تفريق الصفقة إلا أنَّ الصحيح هاهنا أنَّ يبطل في الباقي قولًا تفريق الصفقة إلى أنَّ الصحيح هاهنا أنَّ يبطل في الكل لأن الواحد المستحقة هي غير متعينة، وإن قلنا: كتعلق أرش الجناية هل يصح البيع في قدر الزكاة قولان، كبيع العبد الجاني فإذا قلنا يصح له الخيار فلو أخرج من موضع آخر هل يسقط خياره قولان، على ما ذكرنا.
وإن قلنا كتعلق حق المرتهن لا يصح البيع في قدر الزكاة قولًا واحدًا وهل يبطل في الباقي على ما ذكرنا وهذا كله في المواشي فأما المعشرات فكل موضع أجزنا البيع في المواشي فهاهنا أولى وكل موضع أبطلنا البيع هناك فهاهنا قولان بناء على التعليلين [101 أ/4] في منع تفريق الصفقة فإن قلنا: العلة أن اللفظة الواحدة جمعت حرامًا وحلالًا فغلب الحرام لا يجوز هاهنا أيضًا في الكل وإن قلنا إن العلة أنه يؤدي إلى جهالة الثمن حالة العقد يجوز هاهنا لأن ما يقابل قدر الزكاة من الثمن معلوم وهو العشر فإن الأجزاء لا يختلف ثمنها.
فرع لو وجبت الزكاة في ماله فباع بعضه فإن قلنا بيع الكل يجوز فهاهنا أولى أن يجوز وإن قلنا لا يجوز هناك فهاهنا وجهان، إحداهما: يجوز لأن قدر الزكاة غير مبيع.
والثاني: لا يجوز لأن حق المساكين متعلق بكل المال وشائع فيه لا يختصر ببعض دون بعض كحق الجناية يشيع في رقبة العبد وهذا أصح عندي.
فرع آخر لو وجبت الزكاة في أربعين شاة فقال بعتك هذه الأربعين إلا شاة منها ولم يشر إليها فإن اختلفت الشياه فالبيع باطل للجهل وإن تساوت في الأسنان وتقاربت في الأوصاف ففيه وجهان، إحداهما: يجوز البيع لأنَّها إذا كانت بهذا الوصف شابهت الحبوب.
والثاني: وهو الأظهر لا يجوز لأنها تختلف في السمن والحبوب متماثلة الأجزاء.
وهذان الوجهان هما مخرجان من اختلاف قولي الشافعي في جعل إبل الدية صداقا

ذكره في "الحاوي" 1. مسألة: قال 2: ولو [101 ب/4] قال أصدقها أربعينَ شاةٍ.
الفصل وهذا كما قال إذا أصدق امرأته أربعين شاة معينة فقبضتها أو لم تقبضها فقد ملكتها بعقد النكاح ملكًا صحيحًا فإذا حال الحول عليها وهي في يدها أو في يده وجبت عليها فيها شاة، وقال أبو حنيفة لا زكاة في الصداق غير المقبوض لا عليها ولا على الزوج قبل الدخول ووافقنا أنه لو اشترى أربعين شاة فلم يقبضها حتى حال الحول وهي في يد البائع تجب الزكاة فيقيس عليه.
ومن أصحابنا من قال في المبيع قولان كالمال المغصوب لأنه لا يتمكن من التصرف فيه وهذا غلط لأنه يمكن التصرف فيه بدفع الثمن كالوديعة، فليس فيه إلا قول واحد وحكي عن القفال أنه قال: لا زكاة فيه قولًا واحدًا لأنه ناقص الملك فيه بدليل أنه لو تصرف فيه بإذن البائع أو أذن للبائع بالتصرف فيه لا يجوز بخلاف المغصوب فإنَّه لو أذن المالك الغاصب بالتصرف فيه يجوز، وكذلك لو باعه ممن تقدر عليه يجوز وهذا خلاف النص.
فإذا تقرر هذا فلو طلقها قبل الدخول بها رجع عليها بنصف الغنم فإن كانت المرأة أخرجت الشاة من غيرها رجع بنصفها قولًا واحدًا.
فإن قيل: قلتم إذا وهب لابنه شيئًا فخرج عن ملكه ثم عاد إليه [102 أ/4] ملكها لما أخرجت الزكاة من غيرها قيل: هاهنا لو قلنا لا يرجع بنصفها فلا حاجة أن يرجع بنصف قيمتها والعين أقرب إلى حقه من القيمة لأن طريق القيمة هو الاجتهاد وقد يخطئ المجتهد ويصيب فكانت العين أولى وليس كذلك الواهب لأنَّه إذا لم يرجع لم يحتج أن يرده إلى القيمة فافترقا، ولأن حق الزوج في الرجوع لأنه لو تلفت العين لا يسقط حقه وحق الوالد يسقط بالتلف فافترقا.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا قلنا تتعلق الزكاة على طريق الشركة هل يبطل حقه من العين وجهان، بناًء على ما لو زال ملكها ثم عاد الملك إليها ثم طلقها هل ترجع بنصف العين وجهان، ألا أن الشاة التي أعادها إلى ملكه غير متعينة فأحد الوجهين حقه في نصف قيمة الكل.
والوجه الثاني: حقه في نصف العين باق وإن أخرجت الشاة منها فبماذا يرجع عليها، فاعلم أن الشافعي قال: في رجل أصدق امرأته عبدين فهلك إحداهما ثم طلقها بماذا يرجع قولان، إحداهما: يرجع بالموجود ويكون التالف من ملكها.
والثاني: نقله الربيع أنه يأخذ نصف الموجود ونصف قيمة التالف.
وقال لو أصدقها إناءين فانكسر إحداهما [102 ب/4] ثم طلقها قبل الدخول فيه قولان، إحداهما: يأخذ نصف الموجود ونصف قيمة التالف أو يرد ويأخذ نصف القيمة من الموجود والتالف، فحصل في مسألتنا ثلاثة أقوال: أحدها: يرجع الزوج بعشرين شاة وهو ظاهر النص هاهنا وهذا إذا كانت قيمة الشياه متساوية، فأما إذا تفاوتت فإنه يرجع بنصف الشياه من الموجودة على التقسيط

بالقيمة.
والثاني: يرجع بتسع عشرة شاة ونصف شاة ونصف قيمة شاة وهي التي أخرجتها لأن الصداق كله لو كان موجودًا لأخذ نصفها، ولو كان مفقودًا كله لأخذ نصف قيمتها فإذا كان بعضه موجودًا وبعضه تالفًا يكون حكم كل واحد منهما كما لو انفرد.
والثالث: أنه بالخيار بين أن يرجع بنصف قيمة الجميع ويترك الكل أو يرجع بنصف الموجود من الشياه ونصف قيمة التالف لأنه قد مضت الصفقة عليه فكان الخيار وإن طلقها ولم يكن أخرجت الزكاة منها ولا من غيرها واقتسماها نصفين فإن قلتا إن الزكاة استحقاق جزء من العين فهي بمنزلة المال بين ثلاثة شركاء اقتسمه شريكان دون الثالث فلا تصح القسمة فعلى هذا يصير كأنهما لم يقتسما ويصير الحكم موقوفًا على أداء الزكاة منها أو من [103 أ/4] غيرها على ما بيناه.
وإن قلنا إن الزكاة تجب في الذمة والمال مرهون بها فالقسمة صحيحة لأن قسمة المال المرهون تصح إذا لم يدخل بها ضرر على المرتهن وليس على الفقراء ضرر في ذلك فإذا جاء الساعي أخذ من نصيب المرأة لأنها وجبت عليها فإن لم يجد في يدها شيئًا ووجد في يد الزوج ما أخذه فإنه يأخذ منه شاة لأن الجميع كان مرهونًا به، فإذا أخذها فهل تبطل القسمة وجهان، إحداهما: لا تبطل وهو الصحيح لأن هذا الاستحقاق طارئ بعد القسمة الصحيحة فعلى هذا يرجع الزوج عليها بقيمة الشاة.
والثاني: تبطل القسمة لأنه استحق ذلك بسبب سابق فيصير الاستحقاق حال القسمة فتبطل القسمة ويصير كأنه وجد تسع عشرة شاة.
فالحكم على ما ذكرنا ولو طلقها قبل الدخول قبل عام الحول ولكن لم يقتسما حتى تم الحول فعليها نصف شاة لأن ما بقي بها كان مخالطًا في بعض الحول بملكها وفي البعض بملك الزوج.
والزوج يستأنف حولًا من يوم عاد إليه النصف بالطلاق، وهكذا لو أصدقها نصابًا من سائر ما يجب في عينه الزكاة.
فرع لو أصدقها أربعين شاة بغير أعيانها لا صدقة عليها لأنه لا زكاة [103 ب/4] في الحيوان إلا بشرط السوم وذلك لا يوجد فيما في الذمة.
ولو أصدقها نصابًا من النقد فحال الحول وجبت الزكاة عليها لأنه يثبت في الذمة على الوصف الذي يجب فيه الزكاة فكان كالغير.

باب رهن الماشية

قال: ولو رَهَنَ ماشِيةً وجَبتْ فيها الزَّكَاةُ.
هل يصح الرهن في مقدار الزكاة؟ فعلى قول أبى إسحاق قولان: سواء قلنا: أن الزكاة تتعلق بالعين أو بالذمة.
وعلى قول ابن أبي هريرة: إن قلنا: إنها تتعلق بالعين لا يصح الرهن، وإن قلنا: إنها تجب في الذمة فإن أخرج الزكاة من غيرها جاز الرهن وإن أخرجها منها بطل الرهن في قدر الزكاة وقيل يبطل في الباقي.
إن قلنا: إن الصفقة تفرق لا يبطل في الباقي وإن قلنا: لا تفرق، فإن قلنا: إن العلة الواحدة جمعت حرامًا.

وحلالًا بطل الرهن في الكل ولا فرق بينه وبين البيع، وإن قلنا: إن العلة في جهالة الثمن فلا يكون في الرهن ثمن فيصح عقد الرهن في الباقي، فحصل هاهنا على أحد القولين قولان، فإذا قلنا الرهن صحيح في الكل نظر فإن كان للراهن مال غيرها كلف إخراج الزكاة من غيرها حتى يسلم للمرتهن جميع الرهن [104 أ/4] وتجري الزكاة مجرى مؤن الرهن فكما أن سائر المؤن على الراهن فكذلك الزكاة عليه يخرجها من سائر ماله، وقيل يؤخذ من الرهن وإن لم يكن له مال غيرها فإن الزكاة تؤخذ من الرهن.
فإذا أخذت منه انتقص الرهن فيه والباقي يكون رهنا بحالة، وإذا قلنا: إن الرهن باطل في الكل فإن كان الرهن في عقد البيع هل يبطل البيع قولان، إحداهما: يبطل.
والثاني: لا يبطل ولكن للبائع الخيار إن شاء أجاز البيع بلا رهن وإن شاء فسخ البيع لأنه لم يسلم له ما شرط من الرهن.
وإذا قلنا الرهن باطل في قدر الزكاة فالحكم على ما بيناه إذا كان الرهن باطلًا في الكل إلا أنا إذا جوزنا البيع نخيره بين أن يفسخ البيع وبين أن يجيزه بما بقي من الرهن.
ومتى أثبتنا له الخيار في فسخ البيع فأدى الزكاة من موضع آخر هل يبطل الخيار.
قال القفال: إن قلنا: إنه يتعلق بمعنى الشركة لا يبطل خياره وإن قلنا بمعنى الجناية أو بالذمة سقط خياره وإن كان الرهن بدين في الذمة فبطلانه أنه لا يؤثر في الدين بحال.
مسألة: قال 1: ولو حالَ عليها حَوْلٌ وجَبَتْ فيها الصَّدقَةُ.
وهذا كما قال إذا رهنها قبل وجوب [104 ب/4] الزكاة ثم تم الحول في يد المرتهن وجبت الزكاة فيها لأن الرهن لا يمنع وجوب الزكاة وهذا على القول المشهور أن الدين لا يمنع وجوب الزكاة.
ثم إن كان له مال غيرها فإن قلنا الزكاة هي استحقاق جزء من العين فالزكاة مقدمة على حق المرتهن لأن حق المرتهن يتعلق بالذمة والمال مرهون به فاختصاص الزكاة بالعين أكثر فكانت مقدمة.
وإن قلنا: إن الزكاة تتعلق بالذمة والمال مرهون بها فهنا استويا في كيفية التعلق بالعين فاختلف أصحابنا فيه منهم من قال: حق المرتهن معدوم لأنه سابق، ومسألة الأقاويل إذا لم يكن حق الآدمي سابقًا فأما إذا كان سابقًا فله مزية فيقدم، وقال في "الإفصاح": فيه ثلاثة أقاويل، أحدها: يقدم حق الله تعالى.
والثاني: يقدم حق الآدمي.
والثالث: يقسط على قدر الحقين كالدينين لآدميين.
قال ويدل على هذا أن الشافعي قال في "الأم" فإن حلت الصدقة ولم يؤخذ له مال كان فيها قولان، إحداهما: تباع الإبل فيأخذ صاحب الرهن حقه فإن فضلا منها فضل أخذت منه الصدقة وإلا كان دينًا عليه حتى أيسره أدّاه.
والثاني: يبعث في الصدقة وكان لمرتهنها الفضل [105 أ/4] عن الصدقة وبهذا أقول هذا لا يجوز أن يكون إلا على القول الذي يقول الزكاة في الذمة فإذا ذكر الشافعي فيه قولين وجب أن يذكر القول الثالث في حق الله تعالى وحق الآدمي إذا اجتمعا أنهما سواء وأما سائر

الغرماء لا يشاركون المرتهن ولا الزكاة في هذه العين لأن حقوقهم لا تتعلق بها.
فرع إذا كان معسرًا فأدى الزكاة من عين المرهون ثم استفاد مالًا هل يغرم الراهن للمرتهن ويكلف أن يأتي بقدر الزكاة فيجعله رهنًا مكان ما أخرج؟ فإن قلنا: الزكاة في الدَّية والمال خالٍ أو المال كالمرهون فيلزمه بدله ويكلف ذلك لأن حق المرتهن أسبق وإن قلنا في العين ففيه وجهان كالوجهين في الزكاة إذا أخرجت من مال القراض يحسب ذلك من الربح كسائر مؤن المال أو يحسب ذلك على رب المال حتى يجعل كأنه استرد طائفة من المال فإن قلنا: من الربح لم يكلف الراهن هاهنا عوضًا وإن قلنا: على رب المال فها هنا يكلف ذلك وكذلك إن قلنا: الزكاة تلزم على الشركة أو هي لحق الجناية لا يغرم بدله لأن حق المال والجناية يتقدم على الرهن، ثم قال الشافعي (1): فإن كانت إبلًا فريضتها من الغنم بيع منها [105 ب/4] فاستوفيت صدقتها يعني من الغنم وهذا دليل على أنه لو أراد أن يتبرع فيعطي منها بعيرًا فإنه لا يجوز لتعلق حق المرتهن بها ثم قال وكان ما بقيت رهنًا أي: ما فضل عن ثمن البعير المبيع رهن بجميع الحق مع الباقي من الرهن ثم قال: وما نتج منها خارج من الرهن وأراد به خلاف قول أبي حنيفة: فإن عنده أن ولد المرهون رهن وموضعه كتاب الرهن، ثم قال: ولا تباع ما خص منها حتى تضع إلا أن يشاء الراهن لأن الحق في ذلك له وهذا أيضًا هو من كتاب الرهن وجملته أن في الحمل قولين، إحداهما: أنه يجري مجرى السن لا يأخذ قسطًا من الثمن.
والثاني: أنه يجري مجرى الزيادة المنفصلة يأخذ قسطًا من الثمن.
فإذا قلنا بالأول يباع في حق المرتهن، وإذا قلنا بالثاني ينظر فيه إن كان قد رهنها حائلًا ثم حملت عنده لا تباع حتى تضع إلا أن يشاء المرتهن لأن استثناء الحمل لا يمكن وبيعه لا يجوزه لأنه لم يدخل في الرهن وإن كان قد رهنها حاملًا فالحمل دخل في الرهن ووجب بيعه مع الأم في حق المرتهن فخرجت من هذا أربع مسائل، مسألتان لا يختلف القول فيهما وهو إذا رهن وهي حامل [106 أ/4] وحل الحق وهي حامل تباع مع الحمل قولًا واحدًا.
وإذا أحبلت بعد الرهن وولدت ثم حل الحق فالولد لا يباع في حقه قولًا واحدًا ومسألتان فيهما قولان إذا رهن وهي حامل وولدت، وإذا رهن وهي حائل وحل الحق وهي حامل ففيها قولان.

باب زكاة الثمار

قال 2 أخبرنا مالكُ بن أنس..... الخبر.
وهذا كما قال الأصل في وجوب الزكاة في الثمار، الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ﴾ إلى قوله ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141].1

وأما السنة: فما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما سقت السماء ففيه العشر" 1، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليست فيما دون ستة أوسق من التمر صدقة".
وأما الإجماع: فلا خلاف فيه فإذا تقرر هذا فلا يجب العشر فيها ما لم يبلغ نصابًا والنصاب خمسة أوسق من التمر لا من الرطب.
فإذا بلغ قدرًا إذا شمس يكون مشمسه خمسة أوسق، فقد وجب النصاب ولا يعتبر أن يبلغ ذلك حال وجوب الزكاة لأنها تجب ببدو الصلاح وفي الزرع بالاشتداد بل يعتبر أن يبلغ ذلك حالة الادخار، والوسق ستون صاعًا هكذا روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم [106 ب/4] أنه قال: "ليس فيما دون خمسة أوساق صدقة، والوسق ستون صاعًا" 2 فتكون خمسة أوسق ثلثمائة صاع كل صاع أربعة أمداد يكون ألفا ومائتي مد والمد رطل وثلث فيكون ألفا وستمائة رطل ويكون ثمانمائة منًا بالبغدادي فإن نقص عن ذلك فلا زكاة وبه قال ابن عمر وجابر رضي الله عنهما ومالك والليث والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: لا يعتبر النصاب في المعشرات أصلًا ويجب العشر في قليلها وكثيرها إلا أن فيما دون خمسة أوسق لرب المال أن يفرق عشره بنفسه ولا يدفعه إلى الإمام بخلاف ما إذا بلغ خمسة أوسق فإنه يلزمه دفع عشرها إلى الإمام.
وقال داود: ما يوسق من مكيل أو موزون فلا زكاة فيه ما لم تبلغ خمسة أوسق وما لا يوسق يجب العشر في قليله وكثيره والدليل على أبي حنيفة ما ذكرنا من الخبر والدليل على داود أن ما لا يوسق لا تعظم منفعته فإنه لا يقتات فلا حق فيه ولو ثبت لكم الحق في بالدليل.
واعتبر الوسق فيما يصف أعلى منه فلأن يعتبر فيما هو أدون منه أولى فإذا تقرر هذا هل هو بقريب أم تحديد اختلف أصحابنا فيه.
قال أبو حامد: هذا الذي حققه أصحابنا من اعتبار الوزن معناه إذا وافق الوزن الكيل وكان كل صاع خمسة أرطال [107 أ/4] وقلنا بالبغدادي فأما ما يختلف كيله ووزنه مثل أن يكون التمر مكتنزًا.... 3 فيكون ألفا وستمائة رطل منه دون ثلاثمائة صاع فلا زكاة فيه ولو كان خفيفًا يكون ثلاثمائة صاع منه كيلًا دون ألف وستمائة رطل يلزم الزكاة فيه لأن الأصل فيه المكيل قال صلى الله عليه وسلم: "المكيال مكيال المدينة والميزان ميزان مكة" 4، وهذا يدل على أنه على التقريب في الوزن وعلى التحديد في المكيل وهو اختيار القاضي الطبري، وهذا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدرها بخمسة أوسق ومقدارها كان معلومًا عندهم على ما ذكرنا فوجب تقديره بها كما وجب تقدير الدراهم بخمس أواق، ومن أصحابنا من قال: هو تقريب فإن نقص منه شيء يسير لم تسقط الزكاة، وهذا لأن الوسق حمل الناقة عندهم وتقدير حمل الناقة ستون

صاعًا على التقريب وهذا اختيار القفال ومشايخ خراسان ثم اعلم أنه روى عن النبي صلى الله عليه ولم أنه "نهى عن جداد الليل" 1 وهو صرام النخل ليلًا وهذا ليكون الصرام في النهار فينال الناس من ثمرها فيستحب ذلك، وحكي عن مجاهد والنخعي والشعبي أنهم قالوا تجب الصدقة من الزرع والثمار وقت الصرام والحصاد ثم يجب [107 ب/4] العشر بعد التصفية لقوله تعالى: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141]، وهذا غلط لقوله صلى الله عليه وسلم "ليس في المال حق سوى الزكاة"، وأراد بالآية الزكاة والاستحباب.
مسألة: قال 2: والخليطانِ في أصلِ النَّخلِ يُصدقانِ صَدَقَةَ الواحدِ.
وهذا كما قال: إذا كان له أقل من النصاب قد ذكرنا أنه لا زكاة عليه فإن كانت له خلطة مع آخر وتم نصيبها نصابًا فقد ذكرنا في الخلطة فيما عدا المواشي قولين والمشهور ما ذكر هاهنا أنه يثبت حكمها في الزكاة فإذا تقرر هذا فرّع الشافعي على هذا مسألة: وهي أن الرجل إذا مات وخلف نخلًا فورثه ورثته واقتسموا الثمرة بعد وجوب الزكاة فنفرض المسألة فيه إذا مات وخلف اثنين ونخلتين فورثاهما حتى تتضح المسألة فإذا ورثا نخلتين وهما مثمرتان أو كانتا غير مثمرتين فأثمرتا فالثمرة مشتركة بينهما فإن قلنا: إن الخلطة لا تصح بكل واحد منهما يخاطب بالزكاة في حقه على الانفراد فإن نصيبه نصابًا زكاة وإلا فلا زكاة وإن قلنا: إن الخلطة تصح نظر فإن اقتسما قبل وجوب الزكاة في الثمرة وهو قبل بدو صلاحها سقط حكم الخلطة ويزكيان زكاة الانفراد وإن كانا خليطين فيما قبل كما [108 أ/4] لو كانت لهما أربعون شاة من الغنم في أول الحول ثم اقتسما قبل الحول لا زكاة على واحد منهما حتى بدا الصلاح في الثمرة نظر، فإن لم يبلغ قدر الثمرة خسمة أوسق لا زكاة، وإن بلغ خمسة أوسق ففيها الزكاة ثم القسمة هل تصح قبل إخراج الزكاة عنها على ما تقدم بيانه من البناء على القولين أنها استحقاق جزء من العين أو في الذمة من الموجود ورجع المأخوذ منه على شريكه بنصف ما أخذ منه وعلل الشافعي هذه المسألة فقال 3: لأن أول وجوبها كان وهم شركاء أراد أن وقت وجوب الزكاة في الثمار هو عند بدو الصلاح فتلك الحالة هي بمنزلة قولان جميع الحول في النقود والمواشي فإذا تقرر هذا فقد اعترض المزني على هذا فقال: هذا عندي غير جائز في أصله لأن القسم عنده كالبيع ولا يجوز بيع الثمرة جزافًا ومع الجذوع لا يضر وإنما يضر ذلك إذا انفردت الثمرة قلنا مذهب الشافعي أن تبيع الذهب مع عرض بعرض وذهب لا يجوز وكذلك التمر بالتمر وكل ما فيه الربا مع غيره لا يجوز وهاهنا تمر وجذع بثمر وجذع فلا يجوز وإنما قال عنده وقيد به لأن عن أبي حنيفة يجوز ذلك والجواز عن هذا إنما ذكره الشافعي على القول [108 ب/4] الذي يقول القسمة إفراز حق.

والثاني: قال الشافعي في "الأم" 1 فاقتسماها قسمة صحيحة فحذف المزني صحيحة ثم اعترض عليه ومن حقه أن يستخرج وجه صحة القسمة لا أن يعترض, ولصحة هذه القسمة وجوه فإن كانت بعد بدو الصلاح تصح من وجوه أحدهما كانت إحدى النخلتين حائلًا والأخرى حاملًا فقال أحدهما لشريكه: بعتك نصيبي من هذه النخلة التي لا ثمرة عليها هو نصفها بنصيبك من جذع هذه النخلة وثمرتها لتكون هذه الحائل كلها لك والحاملة كلها لي, فأجابه إلى ذلك فإنه تصح لأنه اشترى النخلة بثمرتها بجذع نخلة حائلًا فصار كما لو اشتراها بدراهم, وإن كانت النخلتان حاملتين صحت القسمة من أربعة أوجه وتصورها في نخلتين شرقية وغربية, أحدها: أن يقول بعتك نصيبي من الشرقية وهو نصفها ونصف ثمرتها بخمسين درهمًا فقبل ذلك فيكون له على شريكه خمسون ولشريكه كل النخلة, ثم قال اشتريت منك نصيبك من الغربية وهو نصف النخلة ونصف ثمرتها بخمسين درهمًا ليكون لي كل الغربية, فإذا فعلًا ذلك حصل لأحدهما كل الشرقية بثمرتها وللآخر كل الغربية بثمرتها ولكل واحد منهما على صاحبه [109 أ/4] خمسون درهمًا يكون قضاها وصحت القسمة ولا يجب شرط القطع في ذلك لأن الثمرة بدا صلاحها.
والثاني قال لشريكه: بعتك نصيبي من جذع الشرقية بنصيبك من ثمرة الغربية ليكون لي كل ثمرة الغربية ولك كل جذع الشرقية واشتريت منك نصيبك من جذع الغربية بنصيبي من ثمرة الشرقية لتكون الغربية وثمرتها لي والشرقية وثمرتها لك وذلك يصح أيضًا لأنه بيع ثمره بجذع بعد بدو صلاحها وهذا أصح الوجوه.
والثالث: قال له بعتك نصيبي من جذع الشرقية بنصيبك من ثمرتها ليكون جذع الشرقية كله لك وثمرتها كله لي وثمرتها كلها لك فإنه يصح أيضًا لأن بيع ثمرة بجذعها.
والرابع: لا يختلف مذهب الشافعي أنه يجوز بيع العرايا وهو بيع الرطب على رؤوس النخل خرصًا بتمر مكيل على الأرض ولا خلاف أنه يجوز خرص الثمار ليعلم قدر الزكاة فيها ويضمن أرباب الأموال نصيب المساكين بالخرص.
واختلف قوله في قسمة الرطب على رؤوس النخل خرصًا على قولين, أحدهما: لا يجوز, والثاني: نص عليه في الصرف أنه يجوز, فنقول للمزني يجوز أن يكون الشافعي فرعًها على هذا القول.
وأما بدو الصلاح فأولًا الكلام في بيع الثمرة قبل بدو صلاحها فينظر فإن باعها [109 ب/4] مفرجة عن النخل مطلقًا لا يجوز وإن كان بشرط القطع يجوز وإن باعها مع جذعها يجوز قولًا واحدًا وإن باعها ممن يملك جذعًا مطلقًا هل يجوز؟ وجهان, فإذا تقرر هذا فباع الحائل بالحامل ثمرها وجذعها يجوز وإن كانتا عاملتين فتبايعا بالدراهم يجوز أيضًا.
وأما على الوجه الثالث: هل يجوز؟ فيه وجهان لأنه بيع الثمرة قبل بدو صلاحها من صاحب الجذع, وأما على الوجه الخامس: قسمتها خرصًا قبل بدو صلاحها هل يجوز؟ قولان أيضًا, وذكر القفال وجهًا آخر فقال: يقول زيد بعتك نصيبي

من جذع الشرقية بنصيبك من ثمرها, ويقول عمرو اشتريته وذكر القطع فيجوز لأن شرط القطع في نصف الثمرة واجب وهو النصف الذي تناوله البيع وشرط القطع في النصف الثاني جائز وهو الذي لم يبع بيع جذعة فإذا حصل ذكر القطع في الكل لم يؤد إلى التعذر وهو قطع النصف ولا إلى المحال وهو أن يشترط على البائع قطع ماله مع الميبع ثم إذا فعلًا ذلك فالجذع بين هذه النخلة خلص لعمرو والثمرة خلصت لزيد ثم يقول عمرو لزيد في النخلة العربية بعتك نصيبي من جذعها بنصيبك من ثمرها ويذكر القطع [110 أ/4] أيضًا كما ذكرنا فيخلص جذعها لزيد وثمرتها لعمرو ثم إن شاءا تركاهما على ذلك وإن شاءا باع زيد بعد ذلك من عمرو كل ثمرة النخلة الشرقية بكل جذع النخلة الغربية بشرط القطع ويبيع منه عمرو كل ثمرة النخلة الغربية بكل جذع النخلة الغربية بشرط القطع ويبيع منه عمرو كل ثمرة النخلة الغربية بكل جذع النخلة الشرقية فيه ليخلص لزيد النخلة الغربية بأسرها ولعمرو كل النخلة الشرقية بأسرها.
مسألة: قال: 1 وثمر النخل يختلف فثمر النخل تجد بتهامة وهي بنجد بُسر وبلح.
الفصل وهذا كما قال إطلاع الثمار وإدراكها يختلف باختلاف البلدان والأنواع وإن كان المكان باردًا وهو من قيد إلى المدينة وهي بلاد نجد تأخر الإدراك والإطلاع وفي العراق ثمر النخل يتقدم بالبصرة لشدة الحر بها على ثمر النخل ببغداد واختلافه باختلاف الأنواع أن الشكر أولها والعروس والإبراهيمي يتأخران إلى آخر الصيف ويتصلان بالشتاء ففيه أربع مسائل, إحداها: أن يتفق الإطلاع والإدراك كالنخيل ببغداد فلا إشكال أنه يضم بعضها إلى بعض لأنها ثمرة عام واحد من جنس واحد, والثانية: أن يختلف الإطلاع ويتفق الإدراك, والثالثة: أن يختلف الإدراك ويتفق الإطلاع فيضم بعضها إلى بعض أيضًا لما ذكرنا, والرابعة: أن يختلف الإدراك [110 ب/4] والإطلاع معًا, فالكل يضم أيضًا سواء أدركت الأخرى قبل أن تجد الأولى أم بعد جذاذها, قال الشافعي 2: فإن كانت له نخيل في بعضها رطب وفي بعضها بسر وفي بعضها بلح وفي بع 1 ها طلع فأدرك الرطب فجذ ثم أدرك البسر فجذ ثم أدرك الطلع فجذ ثم أدرك البلح فجذ فالكل ثمرة واحدة ولا فرق بين أن يكون ما بينهما زمان قريب أو زمان بعيد لما ذكرنا من المعنى, ولأن الله تعالى أجرى العادة أن الثما لا يتفق إدراكها في وقت واحد بل يختلف اختلافًا متباينًا فلو قلنا لا يضم أدى إلى إسقاط الزكاة في الثمار حتى قال أبو إسحاق: إذا رطبت التهامية وجذت ثم اطلعت النجدية ضمت إحداهما إلى الأخرى.
وقال صاحب "الإفصاح": إذا كانت الثمرة في البلاد الحارة صارت رطبًا وبلغت أوان الجداد ثم اطلعت في البلاد الباردة ولم يضم إحداهما إلى الأخرى ويكونان بمنزلة الحملين من نخلة واحدة في سنة واحدة وهذا اختيار القفال وهو خلاف النص, ثم قال

في "المختصر": وإذا أثمرت في عام قابل لم تضم وصورته أن يكون له نخل بتهامة ونخل بنجد فاطلع التهامي وبلغ وجذ ثم أطلع النجدي فقيل: إن جذ النجدي أطلع التهامي ثانيًا لا يضم إلى النجدي لأنها ثمرة عام آخر إذ الله [111 أ/4] تعالى لم يجر العادة بأن النخل تحمل حملين في سنة واحدة ثم قال بعد ذلك: وإذا كان آخر إطلاع ثمر أطلعت قيل تجد فإطلاع التي بعد بلوغ الآخرة كإطلاع تلك النخلة عامًا آخر لا يضم إطلاعه إلى العام قبلها.
قال أبو إسحاق: تأويل هذا الكلام ما ذكرنا أن الحمل الثاني من التهامية لا يضم إلى الثمرة النجدية ويكون بمنزلة طلع التهامية في العام الآخر ويقرأ قبل تجذ بالتاء والضم وأراد به القطع فكأنه قال: وإذا كان آخر إطلاع ثم اطلعت تهامة يعني الحمل الثاني قبل أن يجذ الثمرة بنجد فإطلاع التي بعد بلوغ الآخرة يعني.
فإطلاع الثاني من التهامية بعد بلوغ الثمرة الآخرة يعني النجدية هي بمنزلة ثمرة تلك النخل يعني التهامية عامًا آخر فلما لم يضم إطلاع التهامية في العامل القابل إلى النجدية كذلك الإطلاع الثاني لا يضم إليها, وإذا قوي قبل نجد بالنون فكأنه يقول إذا طلعت النجدية وهي آخر الثمار فإن التهامية قد سبقته ثم أطلعت التهامية ثانيًا وهو آخر الإطلاع لا يضم إلى النجدية والقرابات محتملتان والفقه لا يختلف بهما.
وقال صاحب "الإفصاح": أراد به إذا اطلعت نخل بعد بلوغ ثم نخل أخر أطلعت قبله لا يضم أحدهما إلى الآخر على ما ذكرنا من قبل وما ذكرنا أصح وأليق [111 ب/4] بهذا الكلام لأن ذلك إلى القائل لا يمكنه أن يحمل قوله بعد بلوغ الآخرة على فائدة صحيحة فإن الآخرة والأولة فيما قاله سواء.
مسألة: قال 1 ويترك لصاحب الحائط جيد التمر من البردي والكبيس.
الفصل وهذا كما قال إذا كان لرجل نوع من الثمرة أخذت الزكاة من ذلك النوع جيدًا كان أو رديًا أو وسطًا فالجيد كالبردي والكبيس والعقلي والردي كالجعرور ومصران الناقة وعدق من حبيق بفتح العين فأما عذق بكسر العين فهو الكباسة هكذا ذكره الأزهري والأوسط كالخسرواني ويجوز ذلك ونحو ذلك وإن كانت أنواعًا فإن كانت يسيرة مثل نوعين وثلاثة فلا يختلف المذهب أنه يؤخذ من كل واحد منهما بقدره نص عليه في "الأم" 2 لأنه لا يعتذر ضبط ذلك جميعًا لأن ذلك مما يتبعض فيؤخذ ما يخصه بالكيل من غير مشقة ويخالف الحيوان لأنه يشق هناك فيخرج من الوسط وإن كانت أنواعًا [112 أ/4] كثيرة متفاوتة.
قال صاحب "الإفصاح": فيه ثلاثة أوجه, أحدها: يؤخذ من كل بقدره, والثاني: من الوسط لأنه يشق فإن تحمل المشقة وأخرج من كل بقدره جاز, والثالث: من الأغلب وقال أبو إسحاق توجد ها هنا من الوسط قولًا واحدًا, قال القفال: وهذا إذا لم

يكثر كل نوع من الأنواع فإن كثر كل نوع بحيث لا يشق للأخذ من كل واحد بحصته يؤخذ بالحصة وهو على ما ذكر رحمه الله.
مسألة: قال (1): وإن كانتْ لهُ نَخْلٌ مُختَلِفَةٌ تحمِل في وقتٍ والأخرى في وقتٍ أو في سَنة حملَينِ فهُما مُختِلفَانِ.
وهذا كما قال أما الحملان في وقتين من نخلة واحدة لا يضمان كثرة عامين والحملان من نخلتين هل يضمان على ما ذكرنا وقيل قل ما يكون هذا في النخل وإنما يكون ذلك في الكرم وقيل لا يكون ذلك في الكرم أيضًا وإنما يحمل حملين ما ليس بزكاتي كالتين والنبق, والشافعي ذكر هذا على معنى التجويز أن لو كان كيف الحكم فيه وقيل: إنه يوجد ذلك نادرًا والله أعلم.

باب كيف تؤخذ صدقة النخل والعنب

قال 2: أخبرنا عبد الله بن نافع... وذكر في الخبر.
وهذا كما قال وقت وجوب الزكاة في الثما إذا جاز ببيعها مطلقًا من غير شرط القطع وهو إذا بدا الصلاح [112 ب/4] فيها بأن تحمر أو تصفر وفي العنب أن يتموه ويحلو شيء منه إن كان أبيض أو يسود إن كان أسود فإن جاء هذا الوقت وجبت الزكاة وهو وقت توجيه الساعي بخرصها فيبعث الإمام من يخرصها على أربابها فيعلم بالخرص قدر الزكاة فيها لأنه إذا عرف ما يجيء منها تمرًا أو زبيبًا عرف مقدار العشر ثم إذا خرص عليه قال لرب المال أنت بالخيار بين أن تأخذها أمانة أو ضمانًا فإن اختار إمساكها أمانة كان له غير أنه لا يجوز له أن يتصرف في شيء من الثمرة ببيع ولا يأكل غير حفظها كالمال بين شريكين في يد أحدهما فإن خالف فأكل أو أتلفه فقد أثم وعليه الضمان فإن اختار أن يقبلها ضمانًا جاز واعلم أن أصحابنا اختلفوا في معنى الضمان.
قال ابن سريج: إن قلنا: إن الزكاة تجب في الذمة والعين مرتهنة بما في الذمة كان معنى الضمان فكها من الرهن ليستفيد رب المال التصرف وإن قلنا: إن الزكاة استحقاق جزء من العين كان معنى الضمان القرض فكأنه قال: أقرضناك هذا الرطب من نصيب المساكين بما يجيء منه تمرًا ويجوز هذا القرض لموضع الحاجة, وقال الشيخ أبو حامد: وأجود من هذا عندي أن يقال خذها بكذا وكذا [113 أ/4] تمرًا فإن لرب المال أن يعطي العشر منها أو مثله من غيرها تمرًا فإنه إذا قال خذه بما يجيء منه تمرًا فقد أعطاه يعني الزكاة وموجبها وسواء قلنا: أمانة أو تضمين لا يلزم الضمان إذا هلكت بغير تفريط وإنما يفيد التضمين جواز التصرف على الإطلاق كيف شاء لا وجوب الضمان, وقال القفال: الخرص عبرة أو تضمين قولًا, أحدهما: أنه عبرة فلا يأكل رب المال من الثمرة إلا بقدر ما يفضل عن الزكاة ولكن له أن يبسط في الثمار.1

والثاني: أنه يضمن فعلى هذا له التبسط في الكل والزكاة في ذمته, وروي نحو قولنا في جواز الخرص التضمين عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وعطاء والزهري ومالك وأبي ثور رحمهم الله, وقال سفيان الثوري وأبو حنيفة: لا معنى للخرص إلا أن أصحاب أبي حنيفة هربوا من الأخبار المروية في الخرص, فقالوا يجوز لتخويف رب المال أن تبسط فيه فيتلف شيئًا منه فأما.... 1 فلا.
واحتج الشافعي بخبر عتاب بن أسيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في زكاة الكرم: "يخرص كما يخرص النخل ثم تؤدي زكاته زبيبًا كما تؤدى زكاة النخل تمرًا" 2, فدل أن خرص النخيل كان معروفًا عندهم معمولًا به ولذلك شبه رسول الله [113 ب/4] صلى الله عليه وسلم الكرم فيه بالنخل إذ الكرم لم يكثر عندهم كثرة النخل ثم احتج بقصة خيبر وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لليهود حين افتتح خيبر: "أقركم على ما أقركم الله على أن التمر بيننا وبينكم", وبعث عبد الله بن رواحة رضي الله عنه خارصًا وتمام هذه القصة ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم افتتح خيبر عنوة وأحلى منها اليهود وقسم تلك النخيل بين الغانمين من المسلمين فلم يهتدوا إلى إصلاحها ونقصت ثمارها فجاءت اليهود مستأمنين وقالوا: نحن أعرف بأمر هذه النخيل فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "أقركم" أي: في هذه النخيل "ما أقركم الله" أي: ما لم يأمرني الله بإخلائكم وإخراجكم, وإنما قال ذلك لأنهم كانوا لا يرون النسخ فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون لهم حجة غدًا إن أراد إخراجهم بأن يقولوا بيننا وبينكم أي: ساقاهم على هذا الشرط وهو أن تكون الثمرة بين المسلمين وبينهم نصفين فأخذوا على هذا الشرط فلما طابت الثمار بعث إليهم عبد الله بن رواحه ليخرصا عليهم وكانت أم عبد الله خيبرية فلما سمعت اليهود بأنه مقدم عليهم ليخرص استقبلوه وأهدوا إليه حلى نسائهم ليخفف [114 أ/4] عليهم في الخرص فلم يقبل عبد الله هديتهم وقال: هذا سحت في ديننا فأرادوا أن يستدرجوه بالكلام, فقالوا له: أن أحب من تقدم علينا من هذه الجهة, فقال عبد الله: أما أنا فقد قدمت من عند من هو أحب من نفسي التي بين جنبي وقدمت على قوم هم أبغض على من القردة والخنازير فقالوا له: إذًا لا يمكنك أن تعدل بيننا فقال عبد الله حبي إياه لا يطلق إلى الميل إليه وبغضي إياكم لا يحملني أن أجور عليكم إني إنما أحبه في ذات الله وأبغضكم في ذات الله, فقالوا بهذا قامت السموات والأرض ثم إنه خرص عليهم أربعين ألق وسق وروي أكثر فقالوا له: أجحفت بنا أي ثقلت الخرص علينا, فقال لهم: إن شئتم فلكم وإن شئتم فلي يعني إن شئتم أخذت منكما بهذا الخرص ورددتم نصف ما خرصته من الثمن وإن شئتم أخذت منكم بهذا الخرص ورددت نص ما خرصت من الثمن فقالوا بهذا قامت السموات والأرض أي

بالعدل فقيل إنهم أحصوا تلك الثمار التي أخذوها فلم يكن عبد الله غلط بقدر عشرة أوسق ثم إنه صلى الله عليه وسلم قبل وفاته قال: "إن عشت إلى قابل لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب", [114 ب/4] فمات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يتفرغ لذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه فلما كان زمان عمر رضي الله عنه سحرت اليهود ابنه عبد الله بن عمر رضي الله عنه فتكوعت يده فأجلاهم عمر فقالوا كيف تخرجنا وقد تركنا أبو القاسم فقال: ألم يقل أقركم على ما أقركم الله وأقبل على رجل منهم فقال: أنشدك الله ألم يقل لك رسول الله "كأني أنظر إليك وقد حملت متاعك على عاتقك لتخرج من خيبر وأخرجهم".
مسألة: قال 1 وَوَقْتُ الخَرْصِ إذا حَلَّ البَيْعُ.
وهذا كما قال قد ذكرنا أن الوقت الخرص حين يحل بيع الثمار مطلقًا وذلك حين يبدو الصلاح وإن بدا ذلك في زمرة واحدة وهذا لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم "كان يبعث عبد الله بن راوحة خارصًا حين يطلب أو الثمرة" ولأن الخرص إنما يراد ليعرف رب المال قدر الزكاة ويملك التصرف لله وهذا إنما يحتاج إليه إذا حدث ما يمنع التصرف وهو تعلق الزكاة, فأما قبل ذلك فهو مطلق التصرف فلا يحتاج إلى الخرص فيه ولأن الساعي يحصي المواشي بعد وجوب الزكاة فكذلك الخرص بعد وجوب الزكاة.
وقوله يتموه العنب أراد حين يجمع الماء الحلو وقيل أراد حين يتغير [115 أ/4] لون إلى الصفرة من قولهم موهب الفضة إذا طليتها بالذهب, وأما قوله ويوجد فيه ما يؤكل أراد يؤكل مستطابًا لأن الحصرم والبلح يؤكلان أيضًا, وقد صرح في موضع آخر فقال: ويوجد فيه ما يؤكل طيبًا ثم أعلم أن الشافعي ذكر خبر سهل بن أبي حثمة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا فقال: "إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع" 2 ثم قال في "الأم" في آخر بيع العرايا: تأويله أنه يدع لرب الحائط وأهلها من الثمرة قدر ما يأكلون ولا يخرصه ليؤدي زكاته, وقال في بعض كتبه: تأويله يدع ثلث الزكاة أو ربعها عد رب المال ليتولى تفرقتها على فقراء قرابته وجيرانه لأنهم يطعمون في ذلك منه ذكره صاحب "الإفصاح" وهذا أقرب وقيل هل يفعل ذلك وجهان.
فرع لو كان لرجل حائطان بدا صلاح أحدهما دون الآخر فيه وجهان, أحدهما: يخرصان معًا ويكون حكم الصلاح جاريًا عليهما, والثاني: يكون لكل واحد منهما حكم نفسه فيخرص ما بدا صلاحه إلا أن يكون أقل من خمسة أوسق فلا يخرص حتى يبدو صلاح الأخر يخرصان معًا.

مسألة: قال 1: ويأتي الخارصُ النخلةَ فيطيف بها [115 ب/4] حتى يرى كل ما فيها.
الفصل وهذا كما قال أعلم أن الصحابة وعلماء الأمصار أجمعت على أن خرص ثمار البصرة لا يجوز لكثرتها وما تلحق المشقة والمؤنة في خرصها فرأى السلف أن تؤخذ صدقتها في الكرش عند دخول ثمرها البصرة فيكون ذلك أرفة بأربابها وأحظ للمساكين.
وأما الكرم فهم وغيرهم فيه سواء يخرص عليهم ثم إذا أراد أن يخرص الثمرة على ربها فإنه يجيء إلى كل نخلة من نخيل ذلك الحائط فينظر في شماريخها ويقدرها رطبًا ثم يقدرها تمرًا فيقول يبلغ رطبها كذا وكذا وإذا جف وصار تمرًا نقص كذا وكذا ويثبت مكيلتها من التمر, وقيل يكتبها حتى لا ينساها ولا يغلط فيها ثم يعمل ذلك بكل نخلة حتى يأتي على جميعها ولا يكفي أن ينظر في صف من النخيل أو في عريش من الكرم فيقول خرجها كذا وقيل فيه ثلاثة أوجه, أحدهما: أن هذا الذي ذكرنا احتياط ولا يجب لأن فيه مشقة خاصة عند كثرة النخل, والثاني: أنه شرط لأن الخرص اجتهاد فيلزم بذل المجهود له, والثالث: وهو الأصح إن كانت الثمرة بارزة من السعف على ما جرت به عادة الحجاز كان شرطًا وقال في البويطي يقدرها بسرًا ثم يقدرها تمرًا.
[116 أ/4] والأول أولى لأنه ليس ما بين البسر والرطب تفاوت فإذا قدره رطبًا فقد قدره بسرًا.
وقال أبو إسحاق: فإن اختار أن يحصي جميع ما في الحائط من الرطب ثم يسقط منهم قدر ما نقص إذا يبس كان أسهل وهذا غلط على الإطلاق لأن أنواع التمر تختلف فما قل ماؤه وكثر لحمه مثل المعقلي والبزي كثر تمره وما كثر ماؤه وقل لحمه كالسكر والهلبات قل تمره فيتفاوت ذلك ولذلك يحتاج أن يأخذ من كل واحد من الأنواع بحصته فلا يعرف ذلك فإن كان نوعًا واحدًا, قال بعض أصحابنا يجوز ذلك ولكن الاحتياط هو فيما ذكر الشافعي رحمه الله ويخرص العنب كما ذكرنا في الرطب لأنهما في وجوب العشر سواء.
مسألة: قال 2: ثم يخلي بين أهله وبينه.
وهذا كما قال: إذا خرص الخارص التمرة على ربها فإنه يخلي بينه وبينها لأنه مؤنه اللقاط والتجفيف على رب المال فوجب أن يخلي بينه وبينها فإذا خلى بينه وبينها وقيل خرص الخارص حل له التصرف في التمرة على الإطلاق على ما ذكرنا والأظهر من هذا النص هذا فالحرص يستفيد النصين وبالنصين يستفيد التصرف وبالتصرف يلزمه الضمان ثم إذا أتلفهما ضمن عشر تمرًا على حساب ما خرص عليه [116 ب/4] من أوسطهما فإن اختلف في وسطها فالقول قول رب المال مع يمينه.
قال أصحابنا: ويجب أن يكون اليمين ها هنا استحبابًا لأن قول رب المال لا يخالف الظاهر فإن كان

المساكين معينين في البلد ونكل هو عن اليمين هل يحلفون قد ذكرنا إن أوجبنا اليمين إلا أن يأتي الساعي ببينة وأقلها شاهد وامرأتان هذا إذا سلمت إليه بالضمان وإن سلمت إليه أمانة ففيه وجهان, أحدهما: يطالب بأكثر الأمرين من قيمتها رطبًا أو مكيلتها تمرًا لأن لهم أوفر الحقين من الرطب أو التمر كمن أوجب على نفسه أضحية ثم أتلفها لزمه أكثر الأمرين من قيمتها أو مثلها, والثاني: أن يطالب بمكيلتها تمرًا لأن هذا هو الواجب عليه وهذا هو ظاهر المذهب المنصوص, وقال بعض أصحابنا: إن قلنا: إن الخرص عبرة يضمن قيمة العشر لأنه لا مثل للرطب وهذا غلط لأن الثمرة إن كانت مما تصير تمرًا لم يجز إخراج العشر منه إلا من التمر وليس هذا كما لو أتلف الأجنبي الرطب تلزمه قيمته حين أتلفه لأن ضمان المتلف يختلف باختلاف التلف كالصيد المملوك إن أتلفه محرم فإنه يلزمه الجزاء والقيمة وإن أتلفه حلال فعليه القيمة وكذلك إذا [117 أ/4] عين أضحية إن أتلفها آخر ضمن قيمتها وإن أتلفه المضحي فعليه أكثر الأمرين من مثلها أو قيمتها, وكذلك إذا وطئت امرأة بشبة فعليه مهر مثلها فإن كان من العشرة خفف عنه, وإن كان من غير العشرة غلظ عليه, وإن أتلفها قبل مجيء الخارص خرصها فالقول قوله في مقدارها لأنه أمين في الزكاة, ويأثم بما فعل وللإمام أن يعزره إن تعمد ذلك لئلا يعود إلى مثله ويلزمه عشرة تمرًا على ما ذكرنا من المذهب, وقال القفال: فيه وجهان, أحدهما: هذا لأنه منع الخرص فصار كما لو خرص عليه ثم أتلفه, والثاني: تجب القيمة لأن التمر إنما يلزم في ذمته بالخرص وهذا غير صحيح على ما ذكرنا.
فرع قال بعض أصحابنا: إذا أتلف نصاب الغنم فإنه يضمن للفقراء السن الواجبة عليه وهو المذهب, وقال القاضي حسين: يضمن قيمة الشاة كما إذا أتلف الرطب فإنه يضمن للفقراء ثمن عشرها وهذا صحيح على قولنا إن الزكان تجب على الشركة فإنه متلف شاة مملوكة للفقراء فيضمن قيمتها.
مسألة قال 1: وإن ذكر أهله أنه أصابته جائحة أذهبته.
الفصل وهذا كما قال: إذا دعي رب المال أن الثمرة أصابتها جائحة فإن ادعى ذهاب الكل [117 ب/4] نظر فإن ادعى بسبب ظاهر مثل مجيء الجرار ونزول العسكر أو وقوع الحريق في الجرين فلا يقبل منه إلا أن يعلم السبب لأن مثل ذلك يظهر في الغالب ولا يخفي أمره ولا يحتاج فيه إلى اليمين وإن ادعى ذهابها بسبب خفي بأن قال سرق بعد اللقاط أو على رؤوس النخل فالقول مع يمينه كما يقول في المودع إذا ادعى تلف

الوديعة بسبب ظاهر لا يقبل منه حتى يعلم السبب وإن ادعى تلفها بسبب خفي قبل منه وإنما يحلفه ها هنا إذا اتهمه وهل اليمين واجبة أو مستحبة على القولين لأن هذه الدعوى تخالف الظاهر وهكذا لو ادعى شيئًا ظاهرًا ولكن لم يعلم أنه أصابها ويحتمل خلاف ذلك وإن ادعى ذهاب البعض فالكلام فيه على ما بيناه, وأما الباقي فإن كان نصابًا وجبت الزكاة فيه وإن كان أقل من النصاب فإن قلنا إن الإمكان من شرائط الوجوب فلا زكاة, وإن قلنا من شرائط الضمان وجبت في الباقي بقدره.
فرع قال في "الأم" 1: لو قال أخذنا منه شيئًا وذهب شيء لا أعرف قدره قيل له: ادع فيما ذهب ما شئت واتق الله ولا تدع إلا ما أحطت به علي واحلف ثم يؤخذ العشر منه كما بقي إن كان في عشر ويجب [118 أ/4] أن يكون في هذه اليمين وجهان هل هي واجبة أو مستحبة وإن لم يذكر شيئًا معلومًا قال الشافعي: أخذنا منه العشر على ما خرصنا عليه.
مسألة: قال 2: فإن قال: قد أحصيت مكيله ما أخذت وهو كذا وما بقي كذا.
الفصل وهذا كما قال إذا قال رب الثمرة: قد نقصت الثمرة عما خرص الخارص وقد أخطأ في الخرص فإن ادعى كثيرًا لا يقع مثله في الخرص مثل النصف أو أكثر منه لم يقبل وطالبناه بعشر ما خرص عليه وان ادعى يسيرًا يقع مصله في الخرص يقبل منه وهل يحلف لم يذكر الشافعي في "الأم" اليمين بل صدق لأنها زكاة وهو فيها أمين وذكر في البويطي اليمين في هذه المسألة فقال: ومن ادعى أن الخارص أخطأ عليه حلف على ذلك وأسقط عنه, قال ابن أبي هريرة لا فرق في اليمين بين هذه المسألة والمسألة المتقدمة ففي وجوبها وجهان, لأن الظاهر أن الخرص صحيح ودعوى الخطأ خلاف الظاهر وإن ذكر نقصانًا وقال وجدت كذا وكذا ولم يذكر سبب النقصان, قال ابن سريج: القول قوله مع يمينه لأنها قد تهلك بأنه لا يعلمها وليس فيه تكذيب الخارص وإن تفاوت ما ذكره وإن وجد فضلًا عما [118 ب/4] خرص الخارص عليه أدى زكاة الفضل.
فرع قال القفال: إذا ادعى غلطَا متفاحشًا وقلنا لا يقبل فهل يقبل المحال في هذه الحالة مثل خمسة أوسق في مائة وسق ونحو ذلك ينبغي أن يقبل ويحط عن هذا القدر المحتمل... 3

هذا ما قال الشافعي في امرأة ادعت انقضاء عدتها بالأقراء في أقل من اثنين وثلاثين يومًا وساعتين فكذبناها فأصرت على دعواها حتى بلغت هذه المدة من يوم الطلاق حكمنا بانقضاء عدتها باثنين وثلاثين يومًا وساعتين وإن كانت تقول انقضت عدتي في عشرين يومًا ونحن نعرف كذبها في دعواها.
فرع آخر قال القفال: لو ادعى نقصانًا بقدر ما يقع في التفاوت بين الكيلين هل يحط عنه ذلك وجهان, أصحهما: أنه يحط عنه لكن الكيل والخرص ظن وتخمين, والثاني: لا يحط كما لو اشترى طعامًا مكايلة وباع مكايلة فإنه لا يرجع بالنقص بين الكيلين على البائع الأول لأنه كما يحتمل أن يكون لنقص في الأول يحتمل أنه لزيادة في الثاني أو لمبالغة في فعل الكيال فيه كذلك ها هنا يحتمل أنه خطأ في الخرص ويحتمل أنه وقع [119 أ/4] رجحان في الكيل.
فرع آخر لو ادعى أن الخارص ظلمه عمدًا لا دعواه كما لو ادعى على الحاكم الظلم لا يسمع إلا أن يدعي أمرًا لا يخفي على أحد ويشهد له المشاهدة لأنه على اصل الأمانة فإنه ادعى أنه أقر بالجور يسمع ويطالب بالبينة ولا يحلف كما لا يحلف الحاكم إذا ادعى عليه أنه أقر بظلم الحكم.
مسألة: قال 1: وإن قال سرق بعد ما صبرته إلى الجرين.
الفصل وهذا كما قال إذا قال رب الثمرة سرقت الثمرة بعد ما صيرتها إلى الجرين فالجرين هو الموضع الذي تجفف فيه الثمرة وتسمى الجوخان ويسميه أهل البحرين الفدا, والفدا هو الثمر الكثير المجتمع فسمي الموضع ويسميه أهل بغداد المسطاح ويسمى بخراسان وبالشام البيدر, فإذا ثبت هذا فإن سرقت بعد ما جفت وأمكن إخراج العشر منها صار مفرطًا وعليه ضمانها وإن سرقت قبل الإمكان فإنه تسقط الزكاة فيما سرق وينظر فيما بقي فإن كان نصابًا أخرج عشره وإلا فقولان على ما ذكرنا وإن الثمرة في غير الجرين في موضع ليس بحرز للثمرة فسرقت فعليه ضمان العشر فيما سرق لأنه مفرط في حفظه وإن صيرها في الجرين يستجفها [119 ب/4] فرش عليها ماء أو أحدث فيها شيئًا فتلفت بذلك أو نقصت فهو ضامن لأنه هو الجاني عليها وإن لم يحدث فيها إلا ما يعلم به إصلاحها فتلفت لم يضمن.
مسألة: قال 2: وإن استهلكه رطبًا أو يسرًا بعد الخرص ضمن مكيلة خرصه.
وهذا كما قال قد ذكرنا أنه إذا استهلكها وهي رطب يجب عليه العشر على ما

خرصه الخارص وكذلك إن استهلكها بسرًا فإن قيل يوجب أن لا يلزم العشر إذا قلتم إن الإمكان من شرائط الوجوب لأنه لم يتمكن من إخراج العشر قبل قد سبق الجواب وهو انه إذا لم يبق من شرائط الوجوب إلا الإمكان وهو تيسير الفعل ثم أتلف فهو الذي منع الإمكان وتيسير الداء فكان الإمكان قد وجد ذكر كيفية الضمان.
مسألة: قال 1: وإن أصابَ حائطَه عَطَشٌ.
الفصل وهذا كما قال إذا أصاب نخيل عطش وعليها ثمرة قد بدا صلاحها فقال أهل البصر بها إن تركت الثمرة عليها حتى تصير رطبًا أدى إلى يبسها وجفافها لأنها تحتلب ماء النخيل فيجب أو ينقص ثمرها في مستقبل الأعوام وإن قطعت الثمرة عنها لم يضرها العطش ولكن يبطل كثيرًا من ثمنها إذ [120 أ/ 4] لا يرغب في شراء غيرها كان لرب الثمرة قطعها.
قال الشافعي 2: يؤخذ ثمن عشرها أو عشرها مقطوعًا وأراد لا يكلف في هذا الموضع عشرها تمرًا.
فإن قيل: هلا قلتم أنه يقطعها ويلزمه عشرها تمرًا كما لو قطع باختياره من غير عطش قبل الفرق أن به حاجة إلى قطعها فكان معذورًا فلا يلزمه العشر تمرًا وصار بمنزله الرطب الذي لا يجئ منه تمرًا ويجوز أخذ العشر من عينة وليس كذلك إذا استهلكها باختياره لأنه كان يمكنه أن يتركها حتى تترطب وتبلغ أوان الجذاذ فيجفف ويؤدي التمر فإذا لم يفعل لم يكن معذورًا وفرط في ذلك فلزمه ما وجب عليه صرفه إلى المساكين, فإذا تقرر هذا, قال أصحابنا: لا يجوز له قطعها ما لم يحضر الساعي, فإذا حضر الساعي قال أبو إسحاق: إن قلنا إن قسمة الرطب على رؤوس النخل بالخرص يجوز على أحد القولين يقاسمه بالخرص فإذا قسمه وتميز نصيب أهل السهمان في نخلات بعينها لحفظ الجميع وأخذ نصبيهم ونظر فإن رأي المصلحة في قسمته بينهم فعل, وإن رأي المصلحة في بيعه وقسمة ثمنه باعه وقسم ثمنه بينهم وإن قلنا [120 ب/ 4] إن قسمة الثمار على رؤوس النخل بالخرص لا يجوز.... 3 إلى تمييز حق أهل السهمان في عشر هذه الثمرة بعينها فإن رب المال بالخيار بين أن يعطي ثمنها أو من غيرها فإذا قبضه مشاعًا استقر حقهم في عشر هذه الثمرة بعينها وانقطع خيار المال وجاز للساعي التصرف فيه فإذا أثبت هذا وقبضه فإن شاء باعه من رب الثمرة وإن شاء باعه من الأجنبي وإن شاءا باعا الجميع من واحد واقتسما الثمن على قدر حقيهما وقبل أن يقبضه مشاعًا لا يجوز أن يأخذ ثمنه من رب المال لأنه يكون إخراج القيمة في الزكاة وإن شاء فوض البيع إلى رب المال إذا كان أمينًا وهذا هو المذهب.

وقال ابن أبي هريرة: لو رأى الساعي الحظ في أخذ حصتهم من الثمرة فإنهما يقطعانها ويقتسمانها كيلاً أو وزنًا واستظهر رب المال على نفسه ليعلم أن الذي أخذه الساعي لا ينقص عن حق المساكين.
فإن قيل كيف أخذتهم القسمة كيلاً أو وزنًا ولم تجيزوها خرصًا على رؤوس النخل لأنكم جعلتم القسمة على هذه الطريقة وبيع الثمرة بعضها ببعض لا يجوز كيلاً ولا وزنًا كما لا يجوز على رؤوس النخل خرصًا قيل إنما لا يجوز خرصًا [121 أ/ 4] على رؤوس النخل لأن الساعي لا يتيقن أن أخذه تمام حق أهل السهمان لا من أجل الربا لأنه لا ربا بين الساعي وبين رب المال في مقاسمة العشر وإنما الربا في البيع أو في قسمة الثمرة التي بين الشريكين فإذا كان كذلك فتقاسما كيلاً أو وزنًا واستظهر.... 1 السهمان بحيث يتيقن استيفاء حقهم جاز ولهذا قال الشافعي: ويؤخذ عشر ثمنها أو عشرها مقطوعة فخير بينهما على ما هو الأنفع للمساكين وهذا خلاف مذهب الشافعي لأنه بعد هذا والعشر مقاسمة كالبيع بلا فرق بين أن يكون على الأرض أو على الشجرة.
وقوله ويؤخذ عشر ثمنها أو عشرها مقطوعًا أراد يأخذ عشر ثمن عشرها إذا باع العشر مشاعًا بعد القبض على ما ذكرنا أو يأخذ عشرها مقطوعة مشاعًا ثم يتصرف في العشر على ما يجوز في الشرع وقيل: معناه يأخذ عشرها إن كانت باقية أو قيمة العشر إن كانت مستهلكة وعبر بالثمن عن القيمة ونص في "الأم" على هذا وقيل يأخذ عشر قيمتها وإن كانت باقية وهو ضعيف لما بينا أنه لا يجوز أخذ القيمة في الزكاة وإن احتاج إلى قطع البعض للعطش دون الكل لا يقطع إلا قدر الحاجة.
مسألة: قال 2: ومن قطع من ثمر نخلة [121 ب/ 4] قبل أن يحل بيعه لم يكن عليه فيه عشر.
وهذا كما قال إذا قطع ثمر النخل قبل وجوب العشر فيها لم يكره ذلك إلا أن يقصد به الفرار من الصدقة فيكره ولا زكاة مع هذا خلافًا لمالك على ما تقدم بيانه.
قال في "الأم" 3: وكذلك أكره له من قطع الطلع إلا ما أكل أو أطعم أو تخفيفًا عن النخل.
فرع لو كانت النخيل فحولاً لم يكره قطعٍ طلعها بكل حال لأنه لا زكاة في طلع الفحال إذ لا يخفي منه رطب ولا تمر بل يؤكل رطبًا كالخضروات, نص عليه ثم قال الشافعي 4 وإن أكل رطبًا ضمن عشرة تمرًا مثل وسطه وقد ذكرنا هذه المسألة وأراد أنه يضمن قبل الخرص تمرًا إذ العبرة بوقت الخرص لا بنفسه وأراد به إذا كانت أنواعًا مختلفة فإنه يؤخذ زكاتها من الوسط فيضمن الوسط وهل يجوز الأكل ولم يضمن تقدم بيانه.
مسألة: قال 5: وإن كانَ لا يكونُ تَمرًا أَعَلَمَ الوالي ليَأمُر من يَبيعُ عُشرَة رَطباً.

الفصل وهذا كما قال إذا كان له تمر لا يجفف في العادة مثل السكر والهليان والإبراهيمي التي تفرق قشورها وتقل لحومها ويكثر ماؤها فإذا جففت تخشبت وقوله لا يصير تمرًا أراد به أن لا يعمل منه في العادة [122 أ/ 4] تمر لأنه لابد وأن يحصل منه تمر وإن كان حشفًا فأكل كان كذلك فإنه يجب فيه العشر فإن قيل إذا كان لا ييبس ولا يدخر وحبس الرطب والعنب ييبس ويدخر وهذا نادر منه فألحق بجنسه فإذا ثبت هذا فاختلف أصحابنا في مقداره فمنهم من قال يعتبر نصابه بنفسه وهو أن يبلغ يابسة خمسة أو سق وإن كان حشفًا لأن الزكاة تجب فيه فاعتبر النصاب ثمنه ومنهم من قال يعتبر بغيره فينبغي أن يكون مقدار ما لو كان يجيء منه الثمن يحصل خمسة أوسق لأنه يعذر اعتباره بنفسه فيعتبر بغيره كما تقول في حكومة الحر يراعي التقويم للحاجة ثم الكلام فيه في أربعة فصول في كيفية الإخراج والتصرف والواجب بالإتلاف يصير تمرًا لأن ثمره حشف ومعظم منفعته في حال رطوبته فعلى هذا يلزمه أن يعلم الوالي الحال ثم الحكم في مقاسمته على ما بيناه في مسألة العطش ومن أصحابنا من قال يجوز قسمة هذا الثمرة كيلاً أو وزنًا بخلاف غيرها ويكون بمنزلة الألبان والخلول وهذا لا يعرف للشافعي والفرق أن أصل العنب والرطب أنهما يصيران تمرًا أو زبيبًا وما لا يصير [122 ب/ 4] كذلك فقليل نادر, فكان حكمه حكم الأصل بخلاف اللبن والخل ومن أصحابنا من قال: قال الشافعي ها هنا: إن أخذ عشرة وزنًا كرهته وأجزأه.
وقال في موضع آخر رده فالموضع الذي قال رده هو إذا قلنا إن القسمة تبع والموضوع الذي قال أجزأه إذا قلنا: إنها إفراز حق ومن أصحابنا من قال: حين قال أجزأه إذا أخذه على الاحتياط وتيقن أنه استوفي حق المساكين وحين قال رده إذا أخذه بغير احتياط فأما التصرف فعلى ما مضى.
وأما المضمون إذا استهلكه المنصوص أنه قيمة عشرة رطبًا لأن هذا لا يصير تمرًا ولا يخرص بل تؤخذ صدقته في الحال ومن أصحابنا من ذكر وجها أنه يضمن عشرها رطبًا لأن رب المال إذا أتلف الزكاة ضمن الزكاة الواجبة كما لو أتلف أربعين شاة وجبت فيها شاة يجب الضمان بالشاة وهذا ضعيف.
وأما النوع هل يضمن من الوسط أو من كل نوع بحصته على ما ذكرنا.
مسألة: قال 1: وفي كل أحب أن يكون خارصان.
وهذا كما قال يستحب أن يكون الخارص خارصين وأكثر ليكون أبعد من الخطأ وأحوط [123 أ/ 4] للجميع وأما الواجب فقال أكثر أصحابنا يجوز خارص واحد قولاً واحدًا لأنه كالحاكم في أنه يجتهد وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن رواحة رضي الله عنه خارصًا وحده ومن أصحابنا من قال فيه قولان, وبه قال صاحب "الإفصاح" وتعلق بقول الشافعي وقيل يجوز خارص واحد كما يجوز حاكم واحد وهذا

يدل على أن فيه قولاً وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه بعث مع ابن رواحة غيره ولأن في التقويم لابد من اثنين كذلك ها هنا والصحيح الأول.
ومن أصحابنا من قال إن كانت الثمرة لابد من اثنين كذلك ها هنا والصحيح الأول.
ومن أصحابنا من قال إن كانت الثمرة لصغير أو سفيه أو غائب فلابد من خارصين, وإن كانت لغيرها ولا يكفي واحد وهذا غلط لأن الشافعي سوى في "الأم" بين الجميع وإنما فرق بينهم في التخيير, فقال: يخير البالغ العاقل الحاضر ولا معنى للتخيير الصغير والسفيه والغائب الذي لا وكيل له.
وفي القسمة إن كان فيها رد يحتاج إلى اثنين وإن يكن ففيه طريقان كما قلتا في الخارص وفي الغائب طريقان أيضًا.
فرع إذا قلنا يكفي خارص واحد لا يجوز أن يكون امرأة ولا عبدًا كالحاكم, وإذا قلنا إنه لابد من خارصين لا يجوز [123 ب/4] أن يكونا امرأتين أو عبدين وهل يجوز أن يكون إحداهما امرأة أو عبدًا ليكون الرجل مختصًا بالولاية والمرأة والعبد مشاركًا له في التقدير والحرز؟ وجهان, إحداهما: يجوز كما يجوز أن يكون كيالاً أو وزانًا.
والثاني: لا يجوز لأنه يحتاج إلى الاجتهاد كالحكم.
فرع آخر لا يجوز للساعي أن يقبل من أرباب الأموال هدية لأنهم يفعلون ذلك لترك حق أو لدفع ظلم فيصير مرتشيًا 1, وأراد بالرائش المتوسط بينهما.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أخذ العامل من عمالته فهو غلول" 2 فإن قبل الساعي هدية على ترك حق أو دفع ظلم يلزمه ردها وإن قبلها لشكره في إنعام كان منه, قال الشافعي: كانت في الصدقات لا يسعه عندي غيره إلا أن يكافيه عليها بقدره فيسعه تمولها والله أعلم وهذا عند أصحابنا على الاستحباب والاحتياط.
مسألة: قال 3: ولا تُؤخَذُ صَدقةُ شَيءٍ منَ الشَجَرِ والعِنبِ.
وهذا كما قال هذا الذي ذكره هو قوله الجديد وبه قال ابن أبي ليلى قال: وهذا لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الصداقة منهما [124 أ/ 4] وكلاهما قوت يشير بهذا إلى أن علة وجوب الزكاة فيهما أنهما مقتاتان من بين الثمار, وقال في القديم: يجب العشر في الزيتون إذا بلغ خمسة أو سق, وبه قال مالك والزهري والأوزاعي ثم قال في القديم وأحب أن يعشر زيتًا فجوز أن يعشر زيتًا لأنه أكمل وإنما أجاز الزيتون لأنه يدخر.

قال أصحابنا: وهذا في الشامي الذي يكون منه الزيت فأما الزيتون الذي لا يكون منه الزيت فإنه يعشر إذا نضج وطاب ويؤخذ عشرة إذا بلغ خمسة أوسق ومن أصحابنا من قال يجب أن يعشر زيتًا لأنها منتهاه كالثمر وهذا خلاف النص.
وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه جعل في الزيت العشر (1). وروي عن ابن عباس رضي الله عنه انه قال في الزيتون الزكاة فجمعنا بينهما على ما ذكرنا وإذا أوجبنا الزكاة فيه فوقت الوجوب إذا بدا صلاحها بأن يسود كما يسود العنب ور يجوز خرصه قولاً واحدًا.
وأما الورس قال الشافعي: هو شجرة صغيرة ينبت أصلها تحمل الورس طيب هل فيه العشر؟ قولان قال في "القديم": فيه العشر وذكر خبرًا قال: أخبرنا هشام بن يوسف أن أهل خفاش أخرجوا كتابًا من أبي بكر [124 ب/ 4] الصديق رضي الله عنه في قطعة أديم يأمرها أن يؤدوا عشر الورس.
وقال: لا أدري أثابت هذا أم لا؟ فإن كان ثابها عشر قليله وكثيره لأنه ليس مما يكال, وقال في "الجديد": لا عشر فيه كما لا عشر في سائر المشمومات من الورد والبنفسج ونحو ذلك وهذا اصح وأما الزعفران قال في القديم: فإن قال قائل فقس عليه الزعفران لأنهما معًا طيب فهو وجه.
وإن فرق بأن للورس أصلاً بخلاف الزعفران فإنه ليس له أصل ثابت فهو مذهب.
قال أصحابنا إن قلنا: إنه لا شيء في الورس فإن الزعفران أولى, وإن قلنا: في الورس العشر ففي الزعفران قولان وإذا أوجبنا لا يعتبر النصاب لأنه لا يوسق ثم قال الشافعي: لو قال قائل: في حب العصفر العشر لأنه مما ينبته الناس ويأكلونه في بعض الأحوال كان مذهبًا.
ولو قال بالورس عشر قليله وكثيره وأراد بحب العصفر القرطم فهذه إشارة إلى قولين.
وروي.
عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه كان يأخذ العشر منه ولم يثبت والصحيح لأن لا زكاة فيه لأنه ليس بقوت, وقال بعض أصحابنا: في عصفره قولان أيضًا كما في القرطم ذكره في "الحاوي" (2). وأما العسل فقال في [125 أ/4] "القديم": الحديث الذي فيه العشر غير ثابت والذي روي فيه أنه لا عشر فيه غير ثابت فكأنه لم يقطع بحكمه وعلى القول فيه والخبر المروي فيه أن بني شبابة كانوا يؤدون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نحل كان عندهم العشر من كل عشر قرب قربة ورجع في الجديد عن ذلك.
وقال أحمد وإسحاق والأوزاعي في العسل العشر, وقال أبو حنيفة: إن وجد في غير أرض الخراج يجب العشر وهذا غلط لأنه بقوت فلا يجب فيه العشر كالبيض.

باب [صدقة الزرع]

مسألة: قال 3 في قول الله تعالى: ﴿وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141], فيه دلالة على انه إنما جعل الزكاة في الزرع.12

وهذا كما قال لا خلاف في الجملة في وجوب الصدقة في الزرع والأصل فيه ما تقدم من الآية والخبر وأيضًا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: 267], ثم اختلفوا في الزرع الذي يجب فيه الزكاة فعندنا لا تجب إلا في الزرع هو قوت.
فأما في الفواكه من التفاح والسفرجل وغير ذلك من الخضروات لا عشر فيها, وبه قال الليث بن سعد, وابن أبي ليلى وسيفان [125 ب/ 4] الثوري وأبو يوسف ومحمد وحكي عن أبي يوسف أنه قال يجب العشر في الثمار التي تخرج كل سنة ولا تجب في الخضروات.
وروي عنه أيضًا أنه قال: يجب في الحبوب المأكولة والقطن أيضًا.
وقال مالك: يجب العشر في الحبوب المأكولة غالبًا من الزرع, وروي عنه يجب فيما يعظم منفعة فليزم في القطن.
وقال أبو حنيفة: يجب في جميع الثمار والخضروات إلا في الحشيش حتى تجب في عشر كراثات كراثة.
وقال الحسن وابن سيرين والشعبي والحسن بن صالح لا زكاة إلا في الحنطة والشعير, وزاد أبو ثور والذرة, وقال عطاء بن أبي رباح يجب في كل زرع ينبت من بذره ويؤخذ من زرعه وهذا كله غلط لأن أنفس الزروع القوت والزكاة بأنفس الأجناس كما في الجواهر ثم أعلم أن المزني أوهم أن الشافعي احتج بهذه الآية على أبي حنيفة أن لا زكاة في الخضروات فنقل عن الشافعي أنه قال في هذه الآية دلالة على أنه إنما جعل الزكاة على الزروع وليس كما أوهم بل إنما استدل بهذه الآية على وقت وجوب الصدقة في الزرع الذي يجب فيه الصدقة وذلك أن المراد بالآية: والتزموا زكاة الزرع يوم حصاده أي: يوم يبدو الصلاح فيه ويمكن حصاده كما قلنا في الثمار تجب الزكاة فيها وقت بدو الصلاح.
مسألة: قال 1: فَمَا جَمَعَ أن يَزرعَهُ الآدميُونَ.
الفصل وهذا كما قال.... 2 الشافعي: الزرع الذي تجب فيه الصدقة, فقال فما جمع أن يزرعه الآدميون ويبس ويدخر ويقتات مأكولا خبزًا وسويقًا وقيل: طحينًا وليس بشيء ففيه الصدقة وأراد بقوله: "فما جمع", أي: فما حصل من الزروع هذه الأوصاف التي حملتها أن يزرعه الآدميون ويقتات في حال الاختيار بأي وجه كان ففيه الصدقة إذا كان نصابًا ونصابه ما ذكرنا في الثمار خلافًا لأبي حنيفة.
فأراد بقوله: "يزرعه الآدميون" أنه من جنس ما تقصد زراعته في الغالب فإنه لو نقل الحنطة من البذر فانتشرت منها في أرضه فنبت ما يبلغ خمسة أوسق وجب العشر فيه, وإن لم يقصد زراعته كما يجب في زرع الغاصب على مالكه ومن أصحابنا من قال يشترط فيه أربع شرائط أن يزرعه الآدميون ويكون مما يبس بعد حصاده ويدخر بعد يبسه ويقتات حال ادخاره وهذا كله داخل فيما تقدم ومعنى القوت ما تقوم به النفس في غالب العادة لبقاء نقله في المعدة

فإذا تقرر هذا فجملة ما يجب فيه [126 ب/ 4] العشر من الحبوب البر وأنواعه البيضاء والسمرا والحمرا والبغدادية والموصلية والشامية وهي أجودها, والشعير وأنواعه الأبيض والأحمر والأسود والحلو منه والحامض, وأما السلت فجنس بانفراده لا يضم إلى الشعير ولا إلى الحنطة وهو حب كالحنطة في الملامسة ويشبه الشعير في طوله وطبعة طبع الشعير وفيه حموضة يسيرة نص عليه في "الأم" 1 والبويطي, وذكر القفال هكذا أنه صنف بانفراده ولكنه قال: هو نوع من الشعير غير أنه لا عشر له, وطبعة حار كطبع الحنطة وهذا غلط لما ذكرنا وقال صاحب "الإفصاح": هو نوع من الشعير يضم إليه على الظاهر من مذهب الشافعي وأنكره أصحابنا على ما ذكرنا ويجب العشر في الأرز والذرة والقطنية كلها وهي الباقلا والحمص والعدس والدجر وهو: اللوبيا والجاورس والدخن والخلو وهو الماس والملك وهو الهرطمان وإنما سميت قطنية لأنها تقطن في البيوت للقوات أي تقيم فيه وتمكث عندهم مدخرة وقيل الخلو هو الترمس, قال الشافعي: لا زكاة في الترمس, قال الشافعي: لا زكاة في الترمس لأنه يؤكل أدمًا وقيل: إنه حب يدخل في العقاقير والأدوية.
وقال في القديم ولا أضم حنطة إلى شعير ولا شعير إلى سلت ولا سلتًا إلى ترمس وهذا [127 أ/ 4] يدل على أن فيه الزكاة فحصل قولان والصحيح أن لا زكاة فيه نص عليه في "الأم" 2 والبويطي.
وقال بعضُ أهل اللغة: الترمس حب عريض أصغر من الباقلاء وهو تقدير نواة التمر الهندي إلا أن نواة التمر الهندي مربعة وهذا مدور حسن التدوير, هو كالدينار الصغير وقيل: إنه يهيج الباءة.
وقال في البويطي: لا زكاة في الحلبة لأنها ليست بقوت في حال الاختيار فإذا تقرر هذا فلا زكاة في صنف من هذه الأصناف حتى تبلغ خمسة أوسق ولا يضم صنف آخر, وقال مالك: يضم القطنيات وبه قال أحمد في رواية وهذا غلط لأن كل منهما يخالف صاحبه في الطعم والخلقة وينفرد كل واحد منهما باسم خاص لا يشاركه الآخر فيه فإن قيل: أليس العدس يفارق الحنطة في الاسم ويضم إلى الحنطة؟ قيل الفرق هو أن كليهما حنطة في الصورة والطبع وإن افترقا في الاسم فلهذا يضم إحداهما إلى الآخر بخلاف هذا ثم إن الشافعي ألزم نفسه سؤالاً من جهة مالك وانفصل عنه في آخر مسألة أخرى فقال: فإن قيل: فاسم القطنية العدس والحمص فلم يضم إحداهما إلى الآخر قيل ثم [127 ب/4] ينفرد كل واحد منهما باسم أي: وإن كان يجمعهما اسم عام فقد انفرد كل واحد منهما باسم خاص ثم أوضح ذلك فقال: وقد يجمعهما اسم الحبوب يعني جميع القطنية مع الحنطة والشعير اسم الحبوب ثم لا يضم الحنطة ولا الشعير إلى القطنية لما ذكرنا كذلك هشام لزمه سؤالاً آخر فقال: فإن قيل فقد أخذ عمر رضي الله عنه العشر من النبط في القطنية دل ظاهره أنه ضم بعضها إلى بعض ثم انفصل عنه فقال: وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم العشر من التمر

والزبيب وأخذ عمر رضي الله عنه من القطنية والزبيب أفيضم ذلك كله أي: هذا الذي رويتم في القطنية عن عمر رضي الله عنه لا يدل على الضم ولا ما روي من أخذ عمر رضي الله عنه من القطنية والزبيب فنقول: اسم الحبوب يجمع الكل ولا يضم على ما سبق بيانه واسم النعم يتناول أجناسها واسم النقد يتناول الذهب والفضة ولا يضم فالقول على الجواب الأول الذي هو دليل بنفسه وعند مالك يضم البر إلى الشعير أيضًا فيبطل به مذهبه وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس فيما دون [128 أ/ 4] خمسة أوسق من البر صدقة", وهو دليل عليه ونقيس على التمر لا يضم إلى الزبيب.
مسألة: قال 1: ولا يَبينُ لي يُؤخَذَ من الغَثَ وإن كانَ قُوتًا.
وهذا كما قال المزني الغث هو حب الغاسول يعني حب الأشنان فيفسخ فتكون فيه حموضة ومرارة ويؤكل عند المجاعة.
وقال غيره وهو حب أسود يدفن حتى يلين قشره ثم يؤخذ عنه القشر ويطحن ويقتاته أعراب طيء وهذا أشبه بكلام الشافعي لأنه قال: وإن كان قوتًا وحب الأشنان لا يقتات بحال, وإن كان فيؤكل وأيهما كان فلا زكاة فيه وكذلك لا زكاة في حب الحنظل ولا في حب شجرة برية وهو البلوط والفص مما لا يزرعه الآدميون ولا يجب في الوحشي كالظباء وحمار الوحش وبقر الوحش وغير ذلك, ثم اعلم أن بعض أصحابنا تعسف وأطلق فقال متى قال الشافعي ولا تبين لي كذا فهو تعليق القول وغلط فيه لأنه قال ذلك في الغث وليس بتعليق القول فإن المسألة إجماع.
وقال في كتاب الصلاة حيث أمر بالرش على بول الصبي ولا يبين لي فرق بين الصبي والصبية وليس بتعليق القول, وقال في باب ما يُسقط الفرض عن الماشية: وإن كانت [128 ب/4] العوامل ترعى مرة وتترك أخرى لا تبين لي أن في شيء منها صدقة وليس بتعليق القول نظائر ولا زكاة في الجُلجان وهو في السمسم ولا في بزر الكتان والحرير والقثاء والقرع والفجل والكزبرة والكراويا والكمون وجميع توابل القدر من الفلفل والدار صيني والثوم والبصل والجزر والثلجم والثفا وهو حب الرشاد والأفيوش وهو بزر قطونا والعربرب وهو السماق والأدوية كلها الهليج والأملج والأبلج والمن وسكر القصب والترنجبين وغير ذلك والأصل في ذلك ما روى معاذ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فيما سقته السماء والبعل والسيل العشر, وفيما سقي بالنضج نصف العشر" 2 يكون ذلك في التمر والحنطة والحبوب فأما القثاء والبطيخ والرمان والخضر فعفي عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال أحمد تجب في كل الثمار والحبوب التي تكال وتدخر وإن نبت بنفسه فأوجب الزكاة في اللوز دون الجوز لأنه لا يكال الجوز.

مسألة: قال 1: ولا يُؤخَذُ زَكَاةُ شيئٍ مما يَيَبسُ حتى ييبسَ ويُدرَسَ.
وهذا كما قال قد ذكرنا وقت وجوب الزكاة في الثمار [129 أ/4] فأما في الحب فإنه تجب إذا اشتد قال ابن سريج: إذا اشتد الحب واصفر الزرع وحان حصاده, وقال في القديم وقت الوجوب قبل وقت الحصاد وقيل عند الحصاد والمذهب ما ذكره ابن سريج وأما وقت الإخراج فلا يخرج إلا في أكمل الأحوال فإن كان مما يبقى مثل الحبوب فإذا داسوه وذروه وصفوه يبحث يطحن على جهته أخرجوا عشرة وإن كان مما ييبس ويجفف كالرطب والعنب فإذا ردوه إلى الجرين وجففوه وأخرجوا عشره ويكون مؤنة ذلك على رب المال والأصل فيه خبر عتاب بن أسيد "ثم يؤدي زكاته زبيبًا" كما يؤدي زكاة النخل تمرًا, وقال عطاء تحتسب المؤنة من أصل المال ثم يؤدي العشر من الباقي وهذا غلط لقوله صلى الله عليه وسلم: "فيما سقت السماء العشر", وعلى قوله يجب أقل من العشر ولأن مؤنة الحيوان السائمة الزكاتية على رب المال من أجره الراعي ونحو ذلك كذلك ها هنا فإذا تقرر هذا فإن سأل أهل الحنطة أن يؤخذ منه العشر في سنبلها لم يكن له ذلك لأنه ليس في حال يدخر عليه في الغالب ولأنه مجهول المقدار قيل أليس يأخذون العلس في قشرته [129 ب/4] وكذلك الأرز في قشره فما الفرق؟ قلنا الفرق أن هناك يعلم ما ينقص منه بالتقشير من طريق العرف والعادة فلا يؤدي إلى الجهل بمقداره بخلاف هذا وأعلم أن العلس هو نوع من الحنطة يخالف أنواعها لأنه إذا دس بقيت حبهان في كمام ولا يزول حتى يدق أو يطرح في رحى خفيفة فيقشر كالأرز وإذا قشر لا يبقى بقاء الحنطة في كمامها ويبقى بعد الدراسة قشرتان فإذا أرادوا الخبر نحوا عنها القشرة العليا وطحنوها في الثانية لأن القشرة الثانية مثل قشرة النوع الآخر من الحنطة فإن كان قد نحى عنها القشرة العليا اعتبر أن يكون مقداره قدر خمسة أوسق وإن كانت عليه القشرة العليا اعتبر أن يكون مقداره عشرة أوسق وإلا لا تجب الزكاة وكذلك الرز عليه قشرة لا ينتفع بها مثل العلس سواء, فإن أخرجه من قشرة اعتبر أن يكون وإذا لم يخرجه اعتبر أن يكون عشرة أوسق هكذا قال بعض أصحابنا وهو اختيار القاضي الطبري.
وحكي عن الشيخ أبي حامد أنه قال: يذهب من الأرز الثلث إذا قشر فلا زكاة فيه حتى يكون سبعة أوسق ونصفًا غير مقشرًا ويكون خمسة أوسق مقشرًا والأول أصح لأن جريبًا [130 أ/4] واحدًا من الأرز على التقريب أربعون ثمنًا فيذهب عنه عشرون ثمنًا ويبقى عشرون ثمنًا.
فرع هل يعتبر أن يكون الباقلى خمسة أوسق بعد التصفية عن العشر التحتاني وجهان: إحداهما: لا يعتبر لأنه مدخر معه ويطحن معه ولا تزال تلك القشرة إلا عند الأكل.

والثاني:... (1) قشر غليظ يظهر أثره في الكيل وليس بمقصود وهو الصحيح عندي ويضم العلس إلى الحنطة لأنهما نوعا جنس واحد كالضأن والمعز فلو كانت عنده ثلاثة أوسق من الحنطة وأربعة أوسق من العلس وجب العشر وهو بالخيار إن شاء دفع العشر من العلس في طبرستان بستين ثمنًا فلا دانق بالتمر المحمدي وتوجد زكاة الذرة في قشرها لأنه يطحن مع قشرها وقشرها لا يظهر في الكيل ظهورًا ظاهرًا فإذا تقرر هذا فلو أخذ العشر رطبًا كان عليه رده إن كان قائمًا أو رد قيمته إن كان تالفًا لأنه لا مثل له ويطالب باليابس لأن حق الفقراء في اليابس ومن أصحابنا من قال يضمن المثل لحق الله تعالى وهو غلط فإن جف عند الساعي نظر فيه فإن كان قدر الزكاة أجزأه وإن كان أقل رجع بالباقي عليه وإن كان أكثر الفضل ثم بين الشافعي [130 ب/4] العلة في أنه لا يجوز أخذه في حالة الرطوبة فقال: القسمة في هذه الحالة غير جائزة لأن القسمة كالبيع وبيع بعضه ببعض في هذه الحالة لا يجوز وهو معنى قوله لاختلاف نقصانه وهذا من كتاب البيوع وقال والعشر مقاسمة كالبيع, وقال أيضًا: لو أخذه من عنب لا يصير زبيبًا أمرته برده لما وصفت من أنه لا يجوز بيع بعضه ببعض رطبًا ذكره في "الأم" (2) وهذا كله يدل على بطلان قول من قال من أصحابنا إنما منع من ذلك أنه لا يتحقق استيفاء الحق على التمام حتى لو تيقن جاز وقد ذكرنا هذا فيما تقدم ثم قال الشافعي بعد هذا: ولو قسمه عنبًا موازنة كرهته ولم يكن عليه غرم وهذا على القول الذي يقول إن القسمة إفراز النصيبين ومن ذهب على قول ابن أبي هريرة تعلق به وقال غنما أجازه لأنه.... (3) وهذا غلط لأن ما قلناه من التأويل يمكن ولا يمكنه التأويل فيما ذكرنا من اللفظ والتعليل فصح ما قلناه وأعلم أن المزني أوهم في النقل أنهما مسألتان هذه والتي قبلها وليس كذلك بل هما مسألة واحدة فإن قوله ولو قسمه عنبًا موازنة أراد به في هذا العنب الذي [131 أ/4] لا يصير زبيبًا والرطب الذي لا يصير تمرًا فأجاز ها هنا أخذ عشرة مقاسمة مع الكراهة ولم يجزه قبل ذلك وهما قولان نقلهما المزني من موضعين فأوهم أنهما مسألتان وإنما كره لأجل الربا ومسامح للضرورة في أحد القولين.

باب الزرع في الأوقات

مسألة: 4: الذُرَةُ تُزرَعُ مَرًة فتَخرُجُ فتُحَدُ ثمَ تُستَخلَفُ في بعض المواضعِ.
الفصل وهذا كما قال إذا زرع الصنف الواحد في ثلاثة فصول في خريف وربيع وصيف وقيل في أربعة فصول والفصل الرابع الشتاء ففيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يعتبر اجتماع الحصاد في فصل واحد وإن اختلفت الزراعة وهو الأصح لأنه حالة إدراكه ووجوب العشر فيه فكان اعتباره أولى أو ما لا يعتبر فيه الحول يعتبر فيه حال وجوب الزكاة كنصاب مال التجارة.123

والثاني: يعتبر اجتماع الزراعة في فصل واحد وإن اختلف الإدراك في فصول لأن الزراعة هي الأصل والحصاد فرع.
والثالث: كل زرعين اتفق في الحصاد في فصل واحد واتفق في الزراعة في فصل واحد ثم أخذها إحداهما إلى الآخر وإلا فلا يضم فيعتبر الطرفان، كما في زكاة المواشي يعتبر الطرفان.
وذكر أبو إسحاق [131 ب/ 4] قولاً مخرجاً أن زرع العام الواحد يضم بعضه إلى بعض اختلفت أوقات زراعته وحصاده أو اتفقت كما قلنا في زكاة الثمار وقيل: بالعام ستة أشهر لأن الزرع لا يبقى اثني عشر شهراً فعام الزرع هذا القدر ذكره ألو حامد وقيل: أطول شنة الزرع ثمانية أشهر وأقصرها خمسة أشهر، فالأول يزرع في الخريف ويحصد في الصيف، والثاني: يزرع في الربيع ويحصد في الصيف، وقال بعض أصحابنا أراد اثني عشر شهراً فيعتبر الإدراك فيها أو الزراعة فيها والصحيح أن المراد بالسنة التي ذكر في "المختصر" في قوله: إنه زرع واحد وإذا زرع في سنة واحدة وبعد ذلك أيضاً الفصل، وهو أربعة أشهر ولم يرد به اثني عشر شهراً وفيه قول خاص لم يحكه المزني أن الاعتبار بجميع السنة أحد الطرفين: إما الزرعان وإما الحصادان.
وأما الذرة قال الشافعي (1) إنها تزرع مرة فتخرج م يستخلف في بعض المواضع فتحصل أخرى فهو زرع واحد، وقال أبو إسحاق هذا هو على القول الذي يعتبر اتفاق الزراعة، فأما إذا قلنا: يعتبر الحصاد أو الطرفان لا يضم ما استخلفه إلى ما حصد منه.
ومن أصحابنا من قال: إنها تضم قولاً واحداً لأنهما كالزرع [132 ا،4] الواحد فإنه قيل: على هذا ليس الحمل الثاني في النخل لا يضم إلى الأول فيجب أن لا يضم هاهنا لأنهما بمنزلة الحملين قلنا: الفرق أن في النخل كل حمل منه متفرد عن غيره فإنه يتوالى عادة وهو ثابت الأصل وهذا غير ثابت الأصل ولا هو مزروع للبقاء وإنما زرع لأخذه بعد تكامله وهما زرع واحد فكان بمنزلة العلة الواحدة وهكذا الخلاف، إذا لم يستخلف وضمهم بعضه بعضاً فأسرع إدراك البعض فلما حصد نبت الباقي وأخرج السنابل يضم إلى ما أسرع إدراكه في ظاهر المذهب وسلمه أبو إسحاق وفيه قول أخر لا يضم لاختلافهما في زمان الإدراك وقيل: صورة المسألة في الذرة الهندية تستبل فتحصد ثم تستخلف مرة وأخرى على أصولها في بعض المواضع فتحصل أخرى والأرز عندنا هكذا في بعض النواحي، وقيل: صورته أن الذرة إذا أدركت بما يقع عليها العصافير فتتناثر من سنابلها ثم تسقى الأرض فينبت في أصولها فيدرك مرة أخرى فتضم لأنه زرع سنة واحدة وهذا بعيد.

باب قدر الصدقة فيما أخرجت الأرض

قال: بلغنا أنًّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قولاً معناه " ما سقى بنصحٍ أو غربٍ ففيهِ نصفُ1

132 ب/4 [العُشْرِ" الخبر وهذا كما قال: الأرض ضربان، ضرب: يشرب من ماء مباح مثل النهر والعين يصل الماء إليه من غير تب ومؤنة فيكون في غلته العشر وهكذا أرض الجبل يقع الثلج عليها فإذا انكشف عنها تحرث وتزرع ولا يحتاج بعد ذلك إلى ماء وهذا ما سقته السماء، وهكذا إذا مرت السيول على أرض ثم انصب الماء فيها ثم تزرع كأراضي العراق والشام ولا يحتاج بعد ذلك إلى الماء ولا فرق في أرض الأنهار بين أن يفتح الماء إليها من النهر العظيم أو يسد النهر العظيم حتى يصعد الماء إليها أو يشق ساقية ويساق الماء إليها وكل هذا يسمى سيحاً ولا فرق في ماء العيون من أن ينبع الماء في جوف الضيعة أو بعيداً منها والعين التي بخراسان تنفق عليها نفقة كثيرة حتى يجري الماء فيصير سيحاً لأن المؤنة الثقيلة عليها حتى تستخرج، فإذا استخرج فهي عين قائمة ومن أصحابنا من قال: إذا احتيج إلى مؤنة عظيمة هكذا أو احتيج إلى نابق من الجص والآجر يلزم نصف العشر ورأيته عن الشيخ الخليل أبي عبد الله الخياطي رحمه الله، والمنصوص الصحيح ما ذكرنا ومن جملة هذا البعل وهو النخل التي تشرب بعروقها [133 أ/4] وكذلك الغيل.
وقال الأزهري: البعل من التخل هو ما يشرب بعروقه من غير سقي ماء ولا نضح وذلك أن يغرس النخل في مواضع قريبة من الماء فإذا تفرقت استغنت بعروقها الراسخة في الماء عن السقي، وأما الغيل والغلك فهو الماء الجاري على وجه الأرض، وأما العثري فقيل: هو كالبعل وقيل: هو ما يجتمع في مصنع أو بركة من ماء الشتاء فإذا اجتيج إليه في الصيف فتح فجرى وسقي منه فكل هذا سيح وأصله ما شرب بغير آلة وسمي عثرياً، لأن الماء شيء يتعثر به، وضرب: لا يصل إليه الماء إلا بتعب ومؤنة وآلة وهي الدلو الصغيرة منها والكبيرة والنضح ما يغترف به من النهر إلى ساقية كالجفنة ويسمى بالعراق الشارون أو يستقى به من البئر من السانية وغيرها والغرب هو الدلو الكبير التي لا ينزعها إلا الجمل وجمعه غروب ومنه الدالية وهي جذع طويل يجعل تحته على النصف منه بناء وتعلق برأسه الباطنة من قصب مقير يغترف به الماء فإذا امتلأ يصعد الرجل على الرأس الآخر من هذا الجذع فينزل رأسه ويصعد الرأس.... 1 فتقلب إلى الأرض ومنه الدولاب وهو على ضربين، سندي وغراف فالسندي ما تعلق به حبال وتعلق بالحبال دلاً كبيرة من خشب مقير ويديره [133 ب/4] ثور أو بعير والغرّاف معروف ومنه الناعور وهو الدولاب غير أن الذي يديره الماء كدولاب الأرحية ففي كل هذا يجب نصف العشر وهذا لأن المؤن تجب في ذلك، وإن كان يديره الماء بنفسه فاختلف مقدار الزكاة فيهما لاختلاف المؤن ولهذا المعنى اختلف حكم الزكاة بالسوم والعلف والأصل فيه الخبر الذي رواه الشافعي بلاغاً ثم روي عن ابن عمر رضي الله عنهما معنى ما روي في الخبر ثم بيّن أن ذلك إجماع قال: ولا أعلم في ذلك مخالفاً

جارٍ التحميل