واللذات وأسرف في الصلاة والهبات لا في بر ولا تقوى فهذا لا يعطى من سهم الغارمين، وله ما يقدر على قضاء دينه منه من ناض أو عقار، لأنه ممنوع من التبذير، فلأن يعود تبذيره على ماله أولى من أن يعود على مال الصدقات، وإن كان فقيراً لا يقدر على قضاء دينه من ناض ولا عقار جاز أن يعطى من سهم الغارمين؛ لأنه منهم في الغرم والحاجة.
وأما القسم الثالث: وهو أن يكون قد أذان في معصية فإن لم يتب منها وكان مصراً على تلك المعصية لم يجز أن يعطى من سهم الغارمين؛ لأنه ممنوع من المعصية فلا يجوز أن يعان عليها بتحمل الغرم فيها، وإن كان قد تاب منها وأقلع عنها لم يجز أن يعطى من سهم الغارمين مع الغني بمال ناض أو عقار؛ لأن ماله في غرم المعاصي أولى من مال الصدقات وفي جواز إعطائه مع الفقر وجهان:
أحدهما: يجوز لبقاء الغرم مع زوال المعصية.
والثاني: لا يجوز لأنه غرم سببه المعصية.
فصل
وأما من أدان في مصلحة غيره فعلى ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون قد أدان في إصلاح ذات البين في تحمل دية لنفس أو طرف كف بها فتنة بين قبيلتين وقطع بها حرباً بين طائفتين، فهذا يعطى من سهم الغارمين مع الفقر والغنى الناض والعقار ولا يراعى فيه فقر، ولا اعتبار لرواية سفيان عن هارون بن رباب عن كنانة بن نعيم عن قبيصة بن المخارق: أنه تحمل بحمالة فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله فقال: نؤديها عنك ونخرجها من نعم الصدقة يا قبيصة إن المسألة حرمت إلا في ثلاث: رجل تحمل بحمالة فحلت له المسألة حتى يؤديها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة فاجتاحت ماله فحلت له المسألة فيسأل حتى يصيب قواماً من عيش ثم يمسك ورجل أصابته حاجة وفاقة حتى يشهد له ثلاثة من ذوي الحجى من قومه إن قد حلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش ثم يمسك ما سوى ذلك من المسألة فهو سحت، ولأن ذلك غرم من المصالح العامة فكان أولى من الغرم في المصالح الخاصة، ولأنه لما جاز أن يعطى في الغرم من حاجته إلينا، فأولى أن يعطى في الغرم من حاجتنا إليه.
والثاني: أن يكون قد أدان في صلاح ذات البين في غرم مال كف به فتنة ومنع به حرباً فيجوز أن يعطى مع الفقر والغنى بالعقار وفي جواز إعطائه مع الغنى وجهان:
أحدهما: يجوز كالغرم في الدم لما فيهما من قطع الفتنة.
والوجه الثاني: لا يجوز لأن للدم فضلاً على غيره.
والثالث: أن يكون قد أدان في مصلحة لا تتعلق بقطع فتنة ولا منع حرب كرجل أدان في عمارة مسجد أو جامع أو بناء حصن أو قنطرة أو فك أسرى أو ما جرى مجرى
ذلك من المصالح العامة التي تتعلق لحسم فتنة، فهذا يجوز أن يعطى مع الفقر والغنى بالعقار ولا يجوز أن يعطى مع الغنى بالناض؛ لأنه في النفع متردد بين الأمرين فاقتضى أن يكون فيه متردداً متوسطاً بين الحكمين.
فصل
فإذا تقرر ما وصفنا من أحكام الغارمين فلا يجوز أن يزاد الواحد منهم على قدر دينه، ويكون الغارم هو المتولي لقبضه ودفعه إلى غرمائه، فإن دفع رب المال أو العامل حقه إلى غرمائه بإذنه جاز، وإن كان بغير إذنه لم يجز بخلاف المكاتب الذي يجوز دفع حقه إلى سيده، بأمر.
وغير أمره.
والفرق بينهما أن المكاتب محجور عليه في حق سيده، وليس الغارم محجوراً عليه في ديون غرمائه، فلو كان الغارم محجوراً عليه بالفلس فدفع إلى غرمائه بالحصص جاز، وإن كان بغير إذنه، لأنه يصير بالحجر في معنى المكاتب فلو كان دين الغارم مؤجلاً ففي جواز الدفع إليه وجهان كالمكاتب قبل حلول النجم عليه.
فصل
فإذا أخذ الغارم سهمه وجب عليه أن يصرفه في دينه وهو بالخيار في دفعه إلى غرمائه شاء إلا أن يكون غارماً في حمالة دية قد أعطى فيها من مال الصدقات مع غنائه، ويكون عليه دينان دين الحمالة ودين عن معاملته فعليه أن يصرف ما أخذه في دين الحمالة ولا يصرفه في دين المعاملة، ولو قد أخذ مع الفقر في دين المعاملة كان بالخيار في أن يصرفه فيما شاء في دين المعاملة أو دين الحمالة، والفرق بينهما أن الشرط في دين المعاملة أغلظ، لأنه لا يستحقه إلا بالفقر ودين الحمالة، أخف لأنه يستحقه مع الغنى والفقر فجاز أن يصرف ما غلظ شرط استحقاقه فيما خف شرطه، ولم يجز أن يصرف ما خف شرط استحقاقه فيما غلظ شرطه فإذا أراد الغارم أن يصرف ما أخذه في غير دينه لم يجز لاستحقاقه في الدين إلا أن يعدم قوت يومه فيجوز أن يأخذ منه قوت يومه وحده؛ لأنه غير مستحق في دينه كالمفلس يقسم ماله بين غرمائه إلا قوت يومه.
فصل
وإذا أخذ الغريم سهمه فلم يصرفه في دينه حتى أبرى، منه أو قضى عنه أو قضاه من غير استرجع منه كما قلنا في المكاتب إلا أن يقضيه من قرض يقترضه فلا يسترجع منه؛ لأن الفرض ما أسقط عنه الدين، وإنما انتقل من يستحق إلى مستحق فصار كالحوالة، فلو أبرئ من الدين أو قضاه من غير قرض فلو يسترجع منه ما أخذه حتى لزمه دين أخر صار به من الغارمين ففي استرجاعه وجهان:
أحدهما: لا يسترجع منه لأنه لو استرجع لجاز أن يرد إليه.
والثاني: أنه يسترجع لأنه يصير كالمستسلف له قبل غرمه، والله أعلم.
مسألة 1
قال الشافعي: "ويقبل قول ابن السبيل أنه عاجز عن البلد لأنه غير قوي حتى تعلم قوته بالمال ومن طلب بأنه يغزو أعطى ومن طلب بأنه غارم أو عبد بأنه مكاتب لم يعط إلا ببينة لأن أصل الناس أنهم غير غارمين حتى يعلم غرمهم والعبيد غير مكاتبين حتى تعلم كتابتهم ومن طلب بأنه من المؤلفة لم يعط إلا بأن يعلم ذلك وما وصفت أنه يستحقه به".
قال في الحاوي: وهذا صحيح والذي قصده الشافعي بذلك أن يبين من يقبل قوله من أهل السهمان في استحقاق الصدقة ومن لا يقبل قوله إلا ببينة ونحن نذكر حكم كل صنف من الأصناف الثمانية.
أما الفقراء والمساكين فإن لم يعلم لهم غناء متقدم قبل قولهم في الفقر والمسكنة غير بينة، وإن علم لهم مال متقدم لم يقبل قولهم في تلفه وفقرهم إلا ببينة تشهد لهم بذلك.
وأما العاملون عليها فحالهم في العمل أشهر من أن يحتاجوا إلى بينة أو تحليف يمين.
وأما المؤلفة قلوبهم فلا يرجح إلى قولهم لأنهم ممن تدعو الضرورة إليهم بظهور الصلاح وتآلفهم.
وأما المكاتبون فلا يقبل قولهم في دعوى الكتابة إلا ببينة تشهد بها وبالباقي منها لأن الأصل أنهم غير مكاتبين فإذا تصادق المكاتب والسيد عليها وعلى الباقي منها ففيه وجهان:
أحدهما: أن تصادقهما بغنى عن البينة بعد إحلافهما؛ لأنه قد صار بالتصادق مكاتباً في الظاهر.
والثاني: أنه لا يقبل ذلك منهما مع التصادق إلا ببينة لأنهما قد يتواطأن على ذلك اجتلاباً للنفع.
وأما الغارمون فمن استدان في إصلاح ذات البين فحاله فيه أظهر من أن يكلف عليه بينة فإن شك في قضائه الدين من ماله أحلف؛ لأن الأصل بقاؤه ومن أدان في مصلحة نفسه لم يقبل قوله في دعوى الدين إلا ببينة؛ لأن الأصل براءة الذمة فإن تصادق الغارم ورب الدين كان على ما ذكرنا من الوجهين.
وأما ابن السبيل فالقول قوله في فقره، والقول قوله في إرادته للسفر، وفي إحلافه على أنه مريد للسفر وجهان:
أحدهما: يحلف على إرادة السفر ولا يعطى إلا بعد يمينه، وهذا قول أبي إسحاق المروزي.
والثاني: لا يحلف لأنه إن لم يسافر استرجع منه وهذا قول أبي علي بن أبي هريرة.
وأما الغازي فيقبل قوله فيما يريد أن يستأنفه من غزوه وهل يحلف على إرادة الغزو أم لا على وجهين:
أحدهما: يحلف وهو قول المروزي.
والثاني: لا يحلف وهو قول ابن أبي هريرة.
مسألة 1
قال الشافعي: "وسهم سبيل الله كما وصفت يعطى منه من أراد الغزو من أهل الصدقة فقيراً كان أو غنياً ولا يعطى منه غيرهم إلا أن يحتاج إلي الدفع عنهم فيعطاه من دفع عنهم المشركين لأنه يدفع عن جماعة أهل الإسلام".
قال في الحاوي: وهذا كما قال.
سهم سبيل الله مصروف في الغزاة، وهو قول أبي حنيفة ومالك.
وقال أحمد بن حنبل: وهو مصروف في الحج، وبه قال ابن عمر استدلالاً بما روي أن رجلاً جعل ناقة في سبيل الله فأرادت امرأته أن تحج فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اركبيها فإن الحج في سبيل الله" 2.
ودليلنا هو أن سبيل الله إذا أطلق فهو محمول على الغزو ولقوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة:41] وقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً﴾ [الصف:4].
وروى أبو سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة لغاز في سبيل الله" ولأن مال الصدقات مصروف في ذوي الحاجات وليس الحج منها، ولأن مال الصدقات لا ينصرف إلا في الجهات المالكة فخرج الحج منها، ولأن الحج وإن كان عن رب المال فلا يجب إلا مع عجزه وفي غير زكاته من أمواله وإن كان عن غيره فلا يجوز أن يصرف فيه زكاة غيره، وإن كان في الحجاج أعطوا إما من سهم الفقراء أو من سهم بني السبيل فبطل بذلك ما قالوه وليس يمتنع ما جاء به الخبر من أن الحج من سبيل الله لقرينه وإن كان إطلاقه يتناول الجهاد.
فصل
فإذا ثبت أن سهم سبيل الله مصروف في الغزاة فالغزاة ضربان: ضرب هم من أهل الفيء وهم المرتزقة من أهل الديوان فهو لا يأخذ أرزاقهم على الجهاد من مال الفيء ولا يجوز أن يعطوا من مال الصدقات.
والثاني: هم أهل الصدقات وهم الذين لا أرزاق لهم إن أرادوا غزواً وإن لم يريدوا قعدوا وقد سماهم الشافعي أعراباً فهم غزاة أهل الصدقات يجوز أن يعطوا منها مع الفيء والفقر.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يعطوا إلا مع الفقر، وإن كانوا أغنياء لم يعطوا استدلالاً بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أمرت أن أخذ الصدقة من أغنيائكم فأردها في فقرائكم" ولأن من تجب عليه الصدقة لا يجوز أن تدفع إليه الصدقة كالأصناف الباقية.
ودليلنا رواية أبي سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة لغاز في سبيل الله أو لعامل عليها أو لغارم أو لرجل له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهدى المسكين إلى الغني" ولأن من أخذ الصدقة لحاجتنا إليه جاز أن يأخذها مع الغني والفقر كالعامل.
فإن قيل: فالعامل يأخذ أجرة، لأنه في مقابلة عمل.
قيل: هو صدقة: وإن كان في مقابلة عمل لتحريمه على ذوي القربى وعلى أن ما يأخذه الغازي في مقابلة عمل وهو الجهاد ولذلك يسترجع منه إن لم يجاهد.
فأما الخبر فمخصوص العموم.
وأما القياس فغير مسلم الأصل.
فصل
فإذا تقرر ما وصفنا أعطى الغازي من سهم سبيل الله قدر كفايته إن كان المال متسعاً وكفايته تعتبر من وجهين:
أحدهما: قرب المغزى وبعده.
والثاني: أن يكون فارساً أو راجلاً فإذا أعطى ذلك فلم يغز استرجع منه وإن غزا فبقيت بقية لم تسترجع؛ لأن ما أخذه في مقابلة عمل قد عمله فلو خرج للغزو ثم عاد قبل لقاء العدو فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يرجع قبل دخول أرض العدو فهذا يسترجع منه جميع ما أخذه ولا يعطى منه قدر نفقته؛ لأن المفقود من غزوة قد فوته بعوده.
والثاني: أن يرجع بعد دخول أرض العدو، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن تكون وفقة مع المشركين، قابل فيها المجاهدون فتأخر هذا على
حضورها فهذا يسترجع منه ما أخذه، لأن المقصود بالغزو لقاء العدو.
والثاني: أن لا تكون وقفة ولا حارب المجاهدون فيها أحداً لبعد المشركين عنهم فهذا لا يسترجع منه ما أخذه لأن المقصود بغزوهم هو الاستيلاء على ديارهم وقد وجد لبعدهم.
مسألة 1
قال الشافعي: "وابن السبيل عندي ابن السبيل من أهل الصدقة الذي يريد البلد غير بلده لأمر يلزمه".
قال في الحاوي: وهذا صحيح وبنو السبيل هو صنف من أهل السهمان قال الله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة:60] وبنو السبيل هم المسافرون؛ لأن السبيل الطريق سموا بها لسلوكهم لها وهم ضربان: مجتاز ومنشئ.
فأما المجتاز فهو المار في سفره ببلد الصدقة.
وأما المنشئ: فهو المبتدئ لسفره عن بلد الصدقة وهما سواء في الاستحقاق وقال أبو حنيفة ومالك: ابن السبيل من أهل السهمان هو المجتاز دون المنشئ استدلالاً بقوله تعالى: ﴿وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة:60] يعني ابن الطريق وهذا ينطبق على المسافر المجتاز دون المنشئ الذي ليس بمسافر مجتاز.
ودليلنا هو أن ابن السبيل يعطي لما يبتدئه من السفر لا لما مضى منه فاستوي فيه المجتاز المنشئ، لأن كل واحد منهما مبتدئ؛ لأن المسافر لو دخل بلداً أو نوى إقامة خمسة عشر يوماً صار في حكم المقيمين من أهله ويصير عند إرادة الخروج كالمنشئ ثم يجوز بوفاق فكذا كل مقيم منشئ وفيه انفصال عن الاستدلال.
فإن قيل: فكيف يسمى من لم يسافر مسافراً.
قيل: كما يسمى من لم يحج حاجاً ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة:282].
فصل
فإذا تقرر أن المجتاز والمنشئ سواء فلا يخلو حاله فيما ينشئه من سفر من ثلاثة أقسام:
إما أن يكون في طاعة أو يكون في معصية أو يكون مباحاً، فإن كان سفره طاعة كالحج وطلب العلم وزيارة الوالدين أعطى من سهم ابن السبيل معونة على سفره وطاعته، وإن كان سفره معصية كالسفر لقطع الطريق وإتيان الفجور، فلا يجوز أن يعطى ولا يعان على معصية كما يمنع من رخص سفره، فإن تاب العاصي في سفره صار بعد التوبة
كالمبتدئ للسفر فيعطى نفقة باقي سفره بعد توبته وإن كان سفره مباحاً فعلى ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يكون لغير حاجة كالسفر إلى نزهة وتفرج فلا يجوز أن يعطى وإن أبيحت له الرخص لأن مال الصدقات مصروف إلى ذوي الحاجات وليس هذا منها ولكن لو سافر للنزهة بماله ثم انقطعت به النفقة لعوده جاز أن يعطى لحاجته وضرورته.
والثاني: أن يكون لحاجة ماسة كالسفر في طلب غريم هرب أو عبد آبق أو جمل شرد فهذا يعطى لسد حاجته.
والثالث: أن يكون لحاجة لكنها غير ماسة كالسفر في تجارة ففي جواز إعطائه وجهان:
أحدهما: يعطى لوجود الحاجة.
والثاني: لا يعطى لأنه طالب للاستزادة.
فصل
فإذا ثبت من يجوز إعطاؤه من بني السبيل فلا يخلو إما أن يكون منشئاً للسفر أو مجتازاً فيه، فإن كان منشأ لسفره لم يجز أن يعطى إلا مع الفقر وهو بالخيار بين أن يأخذ من سهم الفقراء والمساكين ومن سهم ابن السبيل، وإن كان مجتازاً في سفره جاز أن يأخذ مع العدم في سفره وإن كان غنياً في بلده، ولم يجز أن يأخذ إلا من سهم بني السبيل ولا يأخذ من سهم الفقراء والمساكين لمراعاة الجوار في الفقر، وليس المجتاز جاراً ثم يعطى عند اتساع المال بحسب مسافة سفره، فإن أراد العود أعطي نفقة ذهابه وعوده ونفقة ثلاثة أيام هي مقام المسافر في بلاد سفره، وإن لم يرد العود أعطي نفقة الذهاب وحده ولم يعط نفقة ثلاثة أيام لانتهاء سفره بالقدوم، فإن قصر بعد المسافة في نفقته وضيق على نفسه حتى بقيت معه بقية بعد انتهاء سفره استرجعت منه.
والفرق بينه وبين الغازي لم تسترجع منه بقية نفقته أن الغازي كالمعاوض على غزوه عناء فلم يلزمه رد الباقي لاستكمال العمل والمسافر معان على سفره فلزمه رد ما زاد على معونته، فإن أخذ ابن السبيل نفقة سفره ثم أفاد قدر نفقته استرجع منه ما أخذ، ولو أخذ الفقير ثم أفاد ما زال به فقره لم يسترجع منه ما أخذه.
والفرق بينهما أن ابن السبيل يعطى لأمر منتظر فاعتبرت حاله فيما بعد والفقير يعطى للحال التي هو فيها فلم يعتبر حاله من بعده، ولو أن ابن السبيل أخذ نفقة سفره إلى غاية قدرها مائة فرسخ شطر المسافة ثم قطع سفره نظرنا في نفقته، فإن كان أنفق في شطر المسافة جميع نفقته نظر، فإن كان قد فعل ذلك لغلاء سعر أو زيادة مؤنة لم يسترجع منه وإن كان لسرف في شهوة وإكثار استرجعت منه نفقة الباقي من سفره كما لو لم يسافر وأنفق في ذلك في مقامه استرجع منه جميعاً؛ لأنه أخذها ليستقبل بها ما لم يفعله والله أعلم بالصواب.
باب كيف تفريق قسم الصدقات
مسألة 1
قال الشافعي رحمه الله: "ينبغي للساعي أن يأمر بإحصاء أهل السهمان في عمله حتى يكون فراغاه من قبض الصدقات بعد تناهي أسمائهم وأنسابهم وحالاتهم وما يحتاجون إليه ويحصى ما صار في يديه من الصدقات فيعزل من سهم العاملين بقدر ما يستحقون بأعمالهم فإن جاوز سهم العاملين رأيت أن يعطيهم سهم العاملين ويزيدهم قدر أجور أعمالهم من سهم النبي - صلى الله عليه وسلم - من الفيء والغنيمة ولو أعطاهم ذلك من السهمان ما رأيت ذلك ضيقاً ألا ترى أن مال اليتيم يكون بالموضع فيستأجر عليه إذا خيف ضيعته من يحوطه وإن أتى ذلك على كثير منه.
قال المزني: هذا أولى بقوله لما احتج به من مال اليتم".
قال في الحاوي: وهذا كما قال إذا توجه عامل الصدقات إلى عمله في جباية الصدقات وتفريقها، فينبغي له مع ابتداء تشاغله بجبايتها أن يستنيب من يتصرف له أحوال أهل السهمان حتى يعرف أهل كل صنف منهم فيثبت كل واحد باسمه ونسبه وحليته، وإنما أثبت الأنساب والحلي لئلا يأخذ الواحد من صدقة مرتين فيميز كل صنف منهم على ما وصفنا ليعلم أعداد الأصناف وعدد كل صنف منهما ويكون فراغه من تفرقه ذلك مع فراغه من جباية الصدقات حتى لا يتأخر عن أهلها وجودهم ولا يلزم لها مؤونة بالإمساك، ولا تكون معرضة للتلف بالاحتباس فإذا فعل ذلك لم يخل أن يكون بتلك الناحية جميع تلك الأصناف أو بعضهم، فإن كان بها جميع الأصناف قسم الصدقة على ثمانية أسهم متساوية، ولا يفضل بعض الأصناف على بعض، وإن تفاضلوا في الحاجة والكثرة؛ لأن الله تعالى أضافها إليهم بلام التمليك وجميع بينهم بواو التشريك فاقتضى أن يكونوا فيها سواء فإن وجد خمسة أصناف وعدم خمسة، قسم الصدقة على ثلاثة أسهم، فإذا فعل ذلك فأول سهم يبدأ بقسمه سهم العاملين عليها لأمرين:
أحدهما: أنه مستحق على عمل فصارت كالمعاوضة وغيره مواساة.
والثاني: أنه مقدر بأجورهم من زيادة ولا نقصان فهو قدر حقهم أو يكونوا أكثر من أجورهم فيعطوا منه قدر أجورهم، ويرد الباقي على سهام أهل السهمان بالسوية أو يكون أقل من أجورهم فيجب أن يتمم لهم أجورهم، ومن أين يكون تمامها، قال الشافعي: هاهنا أعطاهم من سهم النبي - صلى الله عليه وسلم - من الفيء والغنيمة فلو أعطاهم من السهمان ما رأيت ذلك ضيفاً فاختلف أصحابنا في ذلك على ثلاثة مذاهب:
أحدهما: يخرج ذلك على قولين:
أحدهما: أن يتممها من سهام أهل السهمان لاختصامهم بالعمل فيها.
والثاني: يتممها من مال المصالح وهو سهم النبي - صلى الله عليه وسلم - من الفيء والغنيمة لأن ذلك من جملتها ولأن لا يفضلوا على أهل السهمان.
والمذهب الثاني: أن ليس ذلك على قولين، ولكن للإمام اجتهاد رأيه في أحد الأمرين فأيهما أداه اجتهاده إليه كان مذهبنا.
والمذهب الثالث: أن ذلك على اختلاف حالين، فإن كان في أهل السهمان تماسك يقنعهم الباقي بعد أجور العاملين تممت أجورهم من مال الصدقات، وإن كانوا ذوي فاقة لا يتماسكون بما يبقى تممت أجورهم من مال المصالح والله أعلم.
مسألة 1
قال الشافعي: "وتفض جميع السهمان على أهلها كما أصف إن شاء الله تعالى كان الفقراء عشرة والمساكين عشرين والغارمون خمسة وهؤلاء ثلاثة أصناف وكان سهمانهم الثلاثة من جميع المال ثلاثة آلاف فلكل صنف ألف فإن كان الفقراء يغترفون سهمهم كفافاً يخرجون به من حد الفقر إلى أدنى الغنى أعطوه وإن كان يخرجهم من حد الفقر إلى أدنى الغنى أقل وقف الوالي ما بقي منه ثم يقسم على المساكين سهمهم هكذا وعلى الغارمين سهمهم هكذا وإذا خرجوا من اسم الفقر والمسكنة فصاروا إلى أدنى أسم الغنى ومن الغرم فبرئت ذممهم وصاروا غير غارمين فليسوا من أهله".
قال في الحاوي: وهذا صحيح قد ذكرنا أن مال الصدقات مقسوم على الموجودين من أهلها فإن كملوا قسمت على ثمانية أسهم، وإن قلوا قسمت على من وجد منهم فإن كان الموجودون بعد العاملين ثلاثة أصناف الفقراء والغارمون والمساكين، وقسمت الصدقة على ثلاثة أسهم متساوية سواء تساوي أصناف في الأعداد والحاجة أو تفاضلوا فإذا كان الفقراء على المثل الذي صوره الشافعي عشرة والمساكين عشرين، والغارمون خمسة، وقد قسمت الصدقة على ثلاثة أسهم متساوية فكان كل سهم منها ألف درهم قسم سهم الفقراء عليهم، وهو الألف على قدر حاجاتهم فإنه ربما تفاضلت حاجاتهم، وربما تساوت، فيقتسم على الحاجة لا على العدد، وكذلك سهم المساكين يقسم بينهم على قدر حاجاتهم، ويقسم سهم الغارمين على قدر ديونهم، كما يقسم مال المفلس بين غرمائه على قدر ديونهم لا على أعداد رؤوسهم.
فإن قيل: فأيهم يبدأ بالعطاء قبل أن يعجل حضور أحدهم، وتأخر الباقون بدأ بمن تعجل حضوره على من تأخر، وإن حضروا جميعاً، فقد قيل: يبدأ بأشدهم حاجة وأمسهم ضرورة، وقيل: يبدأ بمن إذا فيض عليهم سهمهم وبقيت منه بقية لتفضي على الباقين قبل القسمة فلا يحتاج فيها إلى استئناف قسمتها منه.
وقيل: يبدأ بمن بدأ الله تعالى به في أية الصدقات على ترتيبهم فيها، فأما الصنف فيبدأ بأسبق أهله، فإن جاؤوا معاً بدأ بأمسهم حاجة وضرورة، فإن تساووا بدى بمن يرى، هذا كله من طريق الأولى، وبأيهم بدأ من الأصناف والأعيان جاز ثم يقسم سهم الفقراء وهو ألف عليهم، وهم عشرون بحسب حاجاتهم، ويقسم سهم الغارمين وهو ألف عليهم، وهو خمسة بحسب ديونهم، مثال ذلك أن يكون دين أحدهم مائة درهم ودين الآخر مائتي درهم، ودين الثالث ثلاثمائة درهم، ودين الرابع أربعمائة درهم، ودين الخامس خمسمائة درهم فيكون مبلغ دينهم ألف درهم وخمسمائة، وسهمهم ألف درهم هي ثلثا دينهم فيعطى كل واحد من دينه ثلثه، ولو كان سهمهم ألف درهم وخمسمائة درهم لكان كافياً لجميعهم فيعطى كل واحد جميع دينه، ولو كان سهمهم وألفي درهم أعطي كل واحد منهم قدر دينه وحبس الباقي عنهم، وكذلك يفعل بالفقراء والمساكين.
فصل
فإذا قسم ذلك عليهم كما وصفنا لم يخل حالهم من ستة أقسام:
أحدها: أن تكون سهام جميعهم وفق كفاياتهم من غير زيادة ولا نقص فقد استوفوها وخرجوا بها، إن استحقوا مثلها من غيرها.
والثاني: أن تكون سهام جميعهم مقصرة عن كفاياتهم، فإذا قسمها فيهم من الباقي من كفاياتهم من أهل الصدقات فيما يأتي منها حتى يستوفوا قدر الكفايات إن أمكنت.
والثالث: أن يكون سهام جميعهم زائدة على قدر كفاياتهم فإذا أخذوا منها قدر كفاياتهم نقل الفاضل عنهم إلى أقرب البلاد بهم.
والرابع: أن تكون سهام بعضهم وفق كفاياتهم وسهام بعض مقصرة عن كفاياتهم فإذا قسم الكافي على أهله خرجوا به من أهل الصدقة.
وإذا قسم المقصر على أهله كانوا في الباقي من أهل الصدقة.
والخامس: أن تكون سهام بعضهم زائدة على قدر كفاياتهم وسهام بعضهم ناقصة عن كفاياتهم فإذا فض الناقص على أهله، وحبس من الزائد ما فضل عن وفق الكفاية ففي مصرفه وجهان:
أحدهما: أنه يرد الفضل إلى أهل السهام المقصرة حتى يستوفي جميع الأصناف قدر كفاياتهم تغليباً لحكم المكان أن لا تنقل صدقة إلى غيره، وفيه مستحقها.
والوجه الثاني: أن تنقل الفضل عن السهام الزائدة إلى تلك الأصناف من أقرب البلاد بهم ولا ترد على غيرهم تغليباً لحكم الأعيان أن لا يفضل بعض الأصناف على بعض.
والسادس: أن تكون سهام بعضهم وفق كفاياتهم وسهام بعضهم زائدة على قدر كفاياتهم فإذا قسم الكافي وحبس الزائد عن أهله نقلت تلك الزيادة إلى أقرب البلاد بهم
لا يختلف، ولكن إذا نقلها فهل يختص بها أهل تلك الأصناف أو تكون كالصدقة المبتدأة تقسم في جميع الأصناف على وجهين بناء على الوجهين الماضين:
أحدها: أن يختص بها أهل تلك الأصناف إذا قيل في القسم الماضي بتغليب الأعيان وأن الفاضل ينقل إلى أقرب البلاد ولا يرد على باقي الأصناف.
والثاني: أن الفاصل يقسم في أقرب البلاد على جميع الأصناف، إذا قيل في القسم الماضي بتغليب المكان، وأن الفاضل يرد على باقي الأصناف والله أعلم.
مسألة 1
قال الشافعي: "ولا وقت فيما يعطى الفقير إلا ما يخرجه من حد الفقر إلى الغنا قل ذلك أو كثر مما تجب فيه الزكاة أو لا تجب لأنه يوم يعطاه لا زكاة فيه عليه وقد يكون غنيا ولا مال له تجب فيه الزكاة وفقيراً بكثرة العيال وله مال تجب فيه الزكاة وإنما الغنى والفقر ما يعرف الناس بقدر حال الرجال".
قال في الحاوي: اعلم أن الكلام في هذه المسألة يشتمل على فصلين:
أحدهما: فيمن يجوز أن يأخذ بالفقر من الزكاة.
والثاني: في القدر الذي يجوز أن يعطاه من الزكاة وكلا الأمرين معتبر بأدنى الغنى واختلف الناس في أدنى الغنى على ثلاثة مذاهب:
أحدها: ما ذهب إليه أحمد بن حنبل أن أدنى الغنى على ثلاثة مذاهب:
أحدها: ما ذهب إليه أحمد بن حنبل أن أدنى الغنى خمسون درهماً، فلا تحل الزكاة لمن تملكها ولا يجوز أن يعطى أكثر منها، وقد حكي ذلك في الصحابة عن عمر وعلي وسعد رضوان الله عليهم، وبه قال من الفقهاء الزهري والثوري.
والثاني: ما ذهب إليه أبو حنيفة: أن أدنى الغنى نصاب تجب فيه الزكاة فلا يحل الزكاة لمن يملك نصاباً ولا يعطى منها نصاباً، فإذا ملك مالاً تجب فيه الزكاة من عقار ورقيق، فإن احتاج إليه كدار يسكنها أو دابة يركبها أو أمة يستخدمها حلت له الزكاة، وإن كانت قيمته أكثر من نصاب، وما استغنى عنه من ذلك اعتبرت قيمته، فإن بلغت نصاباً حرمت عليه الزكاة، وإن نقصت عن نصاب حلت له الزكاة.
والثاني: مذهب الشافعي أن الغنى غير معتبر بالمال، وإنما هو القدوة على الكفاية الدائمة لنفسه ولمن تلزمه نفقته إما بضاعة أو تجارة أو زراعة، وبيان ذلك أن الناس أربعة أصناف: صناع، وتجار، وأصناف عقار وأصحاب مواش.
فأما الصناع فكالفلاحين والملاحين والنجارين والبنائين، فإن كان الواحد منهم يكتسب بضاعته قدر كفايته على الدوام لنفسه، ولمن تلزمه مؤنته حرمت عليه الزكاة، وإن
لم يملك ديناراً ولا درهماً، وإن كان لا يكتسب بضاعته قدر كفايته على الدوام حلت له الزكاة وأن يأخذ منها تمام كفايته.
وأما التجار فهم الذين يستمدون أرباح بضائعهم، فإن كانت بضاعة الواحد منهم تربحه غالباً قدر كفايته كان غنياً تحرم عليه الزكاة، وإن لم يملك نصاباً، وإن كانت لا تربحه قدر كفايته كان فقيراً وإن ملك نصاباً وحل له أن يأخذ من الزكاة، ما إذا ضمه إلى بضاعته ربح بها قدر كفايته، وذلك يختلف بحسب اختلافهم في متاجرهم فإذا كان البقلي يكتفي بخمسة دراهم والباقلاني بعشرة والفاكهاني بعشرين والخباز بخمسين والبقال بمائة والعطار بألف والبازاز بألفي درهم والصيرفي بخمسة آلاف والجوهري بعشرة ألاف وملك كل واحد ممن ذكرنا بضاعته التي يكتفي بربحها حرمت عليه الزكاة، وإن ملك أقل منها حلت له الزكاة أن يأخذ منها تمام بضاعته التي يكتفي بربحها حتى أن البقلي إذا ملك خمسة دراهم هي كفايته كان غنياً والجوهري إذا ملك تسعة ألاف درهم هي دون كفايته كان فقيراً أو مسكيناً، وكذلك القول من أصحاب العقار والمواشي إن كان يستغل منها قدر كفايته حرمت عليه الزكاة، وإن كان لا يستغل منها قدر كفايته حلت له الزكاة أن يأخذ منها ما يشتري به من العقار والمواشي ما إذا ضمه إلى ماله ما اكتفى بغلته على الدوام.
فصل
فأما أحمد فاستدل برواية ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من سأل الناس وهو غني كانت مسألته يوم القيامة خموشاً أو خدوشاً أو كدوحاً في وجهه"، قيل: يا رسول الله وما غناه قال: خمسون درهماً أو عدلها" 1.
وأما أبو حنيفة فاستدل بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم فأردها في فقرائكم" 2 فجعل المأخوذ منه غير المدفوع إليه قالوا، ولأنه مالك لنصاب من مال فوجب أن يكون غنياً تحرم عليه الصدقة أصله، إذا كان له كفاية على الدوام قالوا؛ لأن اعتبار الكفاية لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يعتبروا كفاية زمان المقدر أو كفاية العمر فلم يجز أن يعتبر العمر لأنه مجهول وأما الزمان المقدر فلستم في اعتباره بسنته بأولى من اعتباره بأقل منها أو أكثر، فبطل اعتبار الكفاية ودليلنا حديث قبيصة بن المخارق: أنه تحمل بحمالة فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - يسأله فقال: نؤدها عنك من نعم الصدقة يا قبيصة إن المسألة حرمت إلا في ثلاثة: رجل تحمل بحمالة فحلت له المسألة حتى يؤدها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة فاجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش ثم يمسك، ورجل أصابته حاجة حتى تكلم ثلاثة من ذوي الحجى من قومه أن به حاجة فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش ثم يمسك، وما سوى ذلك من المسألة فهو سحت.
فدل نص هذا الخبر على أن الصدقة تحل بالحاجة وتحرم بإصابة القوام من العيش وهو
الكفاية على الدوام من غير أن يعتبر النصاب ولأن من عجز عن الكفاية الدائمة زال عنه حكم الغنى كالذي لا يملك نصاباً، ولأن ملك النصاب والحاجة معنيان مختلفان يجوز اجتماعهما فجاز اجتماع حكمهما، وهما أخذ الصدقة منه بالنصاب ودفعها إليه بالحاجة كالعشر؛ ولأنه لما لم يكن ملك قيمة النصاب من المتاع والعروض يمنح من أخذ الصدقة لأجل الحاجة لم يكن ملك النصاب مانعاً منها لأجل الحاجة.
وتحريره: أنه ذو حاجة فلم تحرم عليه الصدقة بالقدرة على نصاب كمالك المتاع.
وأما الجواب عن استدلال أحمد بحديث ابن مسعود فهو أنه لم يقصد به تحديد الغنى في جميع الناس وإنما أراد به من كانت كفايته خمسين درهماً، بدليل ما روى أبو سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من سأل الناس وله قيمة أوقية فقد ألحف" 1 يعني لمن كان مكتفياً بها.
وروى سهل ابن الحنظلية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من سأل وعنده ما يغنيه فقد استكثر من النار" 2 قيل: وما يغنيه، قال: قدر ما يغذيه ويعيشه وهذا فيمن يكتسب بصنعته قدر عشائه وغذائه.
وأما الجواب عن استدلال أبي حنيفة بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم فأردها في فقرائكم" فهو أنه قصد بذلك إنما يأخذه من صدقاتهم ليس يأخذه لنفسه وأهله، وإنما يرده على فقرائهم من ذوي الحاجات، وليس يمنع أن يكون المأخوذ منه مردوداً عليه كالعامل وابن السبيل، وكالمأخوذ منه العشر والعشر عندنا زكاة، وأما إذا كان واجداً لكفاية فتحرم عليه الزكاة لوجود الكفاية لا يملك النصاب فلم يصح قياسهم.
وأما استدلالهم بأنه لا يخلو اعتبار الكفاية من أن يكون بالعمر أو بزمان مقدر فقد اختلف أصحابنا في ذلك، فكان مذهب أبو العباس بن سريج إلى أنه معتبر بزمان مقدر وهو سنة وذلك أولى من اعتباره بأقل منهما أو أكثر، لأن الزكاة تجب بعد سنة، فاعتبر في مستحقها لكافية السنة، وذهب سائر أصحابنا إلى أنه يعتبر في ذلك كفاية العمر ولئن كان العمر مجهولاً فالكفاية فيه لا تجهل؛ لأن كفاية الشهر من أجل معيناً أو صنعة تدل على كفاية العمر وإن جهل.
فإن قيل: فقد يمرض فيعجز عن الكسب أو يغلا السعر فلا يكتفي بذلك القدر.
قيل: إذا كان ذلك صار حينئذ من أهل الصدقة كما أنه قد يجوز أن يملك النصاب فيصير من أهل الصدقة.
مسألة 3
قال الشافعي رحمه الله: "ويأخذ العاملون عليها بقدر أجورهم في مثل كفايتهم
وقيامهم وأمانتهم عليهم فيأخذ لنفسه بهذا المعنى ويعطي العريف ومن يجمع الناس عليه بقدر كفايته وكلفته وذلك خفيف لأنه في بلاده".
قال في الحاوي: وهذا صحيح وليس وإن كان الشافعي قد ذكره فإنما أعاده ليبين قدر ما يعطى كل صنف من أهل السهمان بعد أن يبين كل صنف منهم، فالعاملون عليها صنف من أهل السهمان يعطون أجورهم منها صدقة.
وقال أبو حنيفة: هو أجرة وليس بصدقة؛ لأنهم يأخذونه مع الغنى ولو كانت صدقة حرمت عنده على الأغنياء، وهذا خطأ؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة:60] فلم يجز أن يزال عن الصدقة حكمها باختلاف المتملكين، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - منع ذوي القربى من العمل عليها لتحريم الصدقات عليهم، ولو خرجت عن حكم الصدقة إلى الأجرة ما منعهم منها، وليس ينكر أن تكون الأجرة صدقة إذا كانت مأخوذة من مال الصدقة فإذا ثبت هذا فإن كان العاملون عليها مستأجرين بعقد إجارة لم يجز أن يكون المسمى فيه من الأجرة أكثر من أجور أمثالهم، كما لا يجوز في المستأجر على أموال الأيتام أن يسمى له أكثر من أجرة المثل وإن لم يكونوا مستأجرين، بعقد كان لهم أجرة المثل كمن استهلك عمله بغير عقد، وذلك يختلف بقرب المسافة وبعدها وقلة العمل وكثرته.
قال الشافعي: "وأماناتهم" ليس يريد أنه قد يجوز أن يستعمل غير أمين ولكنه إن كان معروف الأمانة كانت أجرته أكثر من غير المعروف بالأمانة، وإن كان لا يجوز أن يستعمل عليها غير أمين، ومن العاملين عليها العريف والحاشر والحاسب والكيال والعداد فأما العريف:
فعريفان: عريف على أرباب الأموال، وعريف على أهل السهمان.
فأما العريف على أرباب الأموال فهو الذي يعرفهم ويعرف أموالهم، وهذا يجب أن يكون من جيران أهل المال ليصلح أن يكون عارفاً بجميعها وبأربابها.
وأما عريف أهل السهمان فهو الذي يعرف كل صنف منهم ولا يخفى عليه أحوالهم، وهذا يجب أن يكون من جيران أهل السهمان ليصح أن يكون عارفاً بظاهر أحوالهم وباطنها، وكلا الفريقين أجرته من سهم العاملين وأجرتهما أقل لأنهما ممن لا يحتاج إلى قطع مسافة لكونهما من بلد الصدقة لا من المسافرين إليه.
وأما الحاشر فحاشران:
حاشر لأهل السهمان يقتصر على النداء في الناحية باجتماعهم لأخذ الصدقة، وهذا أقلهما أجرة لكونه أقلهم تحملاً.
والثاني: حاشر الأموال لأنه لا يلزم العامل أن يتبع المواشي سارحة في مراعيها فاحتاج إلى حاشر يحشرها في مياه أهلها، وهذا أكثرهما أجرة لكونه أكثرهما عملاً، وكلاهما أجرتهما في سهم العاملين.
فأما الحاسب فهو الذي يحسب النصب، وقدر الواجب فيها وما يستحقه كل صنف
من أهل السهمان، ويجوز أن لا يكون من جيران المال، وأجرته من سهم العاملين، فإن كان كاتباً كانت أجرته أكثر وإن لم يكن كاتباً وكان العامل يكتب وإلا احتاج إلى كاتب يكتب ما أخذ من الصدقات من كل مالك ثبت عليه قدر ماله ومبلغ صدقته، وما أعطى كل صنف من أهل السهمان بإثبات أسهم كل واحد ونسبه وحليته، وقدر عطيته وكتب براءة لرب المال بأداء صدقته، ويعطى أجرته من سهم العاملين.
وأما العداد فهو الذي يعد مواشي أرباب الأموال فيعطى أجرته من سهم العاملين.
وأما الكيال: فكيال مال رب المال، وكيال لحقوق أهل السهمان، فأما كيال المال على رب المال ففي أجرته وجهان مضياً.
وأما الكيال لحقوق أهل السهمان، ففي أجرته وجهان:
أحدهما: في مال أهل السهمان.
والثاني: من سهم العاملين، وربما احتاج العامل إلى غير من ذكرنا من الأعوان فيكون أجور من احتاج إليه منهم على ما ذكرنا من اعتبار حاله فيما يختص به من عمله والله أعلم.
مسألة 1
قال الشافعي: "وكذلك المؤلفة إذا احتيج إليهم".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن المؤلفة قلوبهم إن احتيج إليهم أحد أصناف أهل الصدقات على ما وصفنا من أقسامهم وأحكامهم وقدر ما يعطاه الواحد منهم ما يتآلف به قلبه فيقلع عن سيء الاعتقاد، فإذا صح اعتقاده وحسن إسلامه خرج من جملة المؤلفة قلوبهم، وإن لم يؤثر فيه ما أعطى منح لئلا يكون سهمهم مصروفاً في غير نفع، وإن أثر تأثيراً لم يستكمل معه حتى الاعتقاد أعطى من بعد حتى يستكمل حسن إسلامه وصحة اعتقاده.
مسألة 2
قال الشافعي: "والمكاتب ما بينه وبين أن يعتق وإن دفع إلى سيده كان أحب إلى".
قال في الحاوي: قد مضى الكلام أن المكاتبين هم المستحقون لسهم الرقاب في الصدقات، وقدر ما يعطاه كل واحد منهم معتبر بما عليه، فإن كان الباقي عليه وهو عاجز عنه من أخر نجومه أعطى جميعه، ولأن كان من أوسط نجومه أعطى مال ذلك النجم الذي قد حل عليه، وهل يجوز عند اتساع المال أن يعطى ما عليه من باقي نجومه حتى يستكمل عتقه أم لا؟ على وجهين بناء على الوجهين في جواز إعطائه مال النجم قبل حلوله:
أحدهما: يعطى مال ذلك النجم وحده، وهذا على الوجه الذي لا يجوز إعطاء النجم قبل حلوله.
والثاني: يعطى الجميع، وهذا على الوجه الذي يجوز فيه أن يعطى مال النجم قبل حلوله.
مسألة 1
قال الشافعي: "ويعطى الغازي الحمولة والسلاح والنفقة والكسوة وإن اتسع المال زيدوا الخيل".
قال في الحاوي: أما غزاة الصدقات فلهم سهم سبيل الله منها وما يعطونه منها معتبر بمؤنة غزوهم وإن كان الجهاد في بلدهم أعطوا النفقة والسلاح والحمولة التي تحملهم ورحالهم، إما في ماء أو على ظهر ثم لا يخلو أن يكونوا فرساناً أو رجالة فإن كانوا فرساناً أعطوا نفقات خيلهم ومؤنتهم في ذهابهم وعودتهم، وإن كانوا رجالة لا خيل لهم، فإن كانوا لا يقاتلون إلا رجالة على الأرض لم يعطوا الخيل، وإن كانوا يقاتلون فرساناً أعطوا الخيل إذا عدموها.
فإن قيل: فكيف يعطون من مال الزكاة الخيل والسلاح وليس فيها خيل ولا سلاح.
قلنا: لا يخلو دافع الزكاة إليهم من أحد أمرين.
إما أن يكون رب المال أو الوالي فإن كان دافعها رب المال أعطاهم أثمان الخيل والسلاح ليتولوا شراء ذلك لأنفسهم ولم يجز أن يشتريه رب المال لهم؛ لأن إخراج القيم في الزكوات لا يجوز، وإن كان الوالي عليها هو الدافع لها ففيه وجهان:
أحدهما: تدفع إليهم أثمانها، ولا يجوز أن يتولى شراءها رب المال، وهذا قول أبي إسحاق المروزي وابن أبي هريرة.
والثاني: يجوز أن يتولى شراء ذلك لهم، والفرق بينه وبين رب المال أن للوالي عليهم ولاية ليست لرب المال، فجاز أن يتولى شراءه لهم إن لم يتوله رب المال.
مسألة 2
قال الشافعي رحمه الله: "ويعطى ابن السبيل قدر ما يبلغه البلد الذي يريد من نفقته وحمولته إن كان البلد بعيداً أو كان ضعيفاً وإن كان البلد قريباً وكان جلداً الأغلب من مثله لو كان غنياً المشي إليها أعطي مؤنته ونفقته بلا حمولة فإن كان يريد أن يذهب ويرجع أعطي ما يكفيه في ذهابه ورجوعه من النفقة".
قال في الحاوي: والذي يعطاه ابن السبيل معتبر بكفايته في سفره بحسب قربه وبعده
وذهابه وعوده فيعطى ما يكفيه من نفقة ومؤونة فإن كان جلداً يقدر على المشي في سفره لم يزد على مؤونته، وإن كان لا يقدر على المشي وإن كان مسافراً في بحر لا يجد من الركوب بدأ أعطي مع النفقة كراء مركوبة، فإن أراد العودة أعطى مع اتساع المال نفقة الذهاب والعودة ونفقة مقام المسافر وهو مدة ثلاثة أيام ولا يزاد عليها وقد ذكرنا من ذلك ما أقنع.
مسألة 1
قال الشافعي: "فإن كان ذلك يأتي على السهم كله أعطيه كله إن لم يكن معه ابن سبيل غيره وإن كان لا يأتي إلا على سهم، سهم من مائة سهم من سهم ابن السبيل لم يزد عليه".
قال في الحاوي: وهذا كما قال لا يخلو حال ابن السبيل وكل صنف من أصناف أهل السهمان من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكونوا ثلاثة وهم أقل الجمع المطلق لا يزيدون عليها ولا ينقصون منها، فالواجب أن يقضي عليهم سهمهم بقدر حاجاتهم ولا يجوز الاقتصار على بعضهم سواء كان دافع الزكاة هو الوالي أو رب المال فإن كان سهمهم وفق كفاياتهم من غير زيادة ولا نقص أعطوه فإن أعطى اثنان منهم وحرم الثالث ضمنت حصته بقدر حاجته، وإن كان سهمهم أقل من كفاياتهم لم يخل حال المعطي من أحد أمرين: إما أن يكون ربه المال أو العامل فإن كان رب المال قسمه على خياره من تسوية وتفضيل، وإن كان العامل قسمه بينهم على قدر الحاجة ووكلوا في باقي كفاياتهم على ما يأتي من الصدقات، فإن أعطى اثنان منهم وحرم الثالث ضمنت حصته، فإن كان فاعل ذلك هو العامل ضمن حصة الثالث بقدر حاجته، وإن كان رب المال ففي قدر ما يضمنه قولان:
أحدهما: ثلث سهمهم اعتباراً بالعدد.
والثاني: يضمن أقل ما يجزئ أن يدفعه إليهم، لأن التسوية بينهم لا تلزم، وإن كان سهمهم أكثر من كفاياتهم أعطوا منه قدر كفاياتهم من غير الزيادة، وفيما يصنع بالفاضل من سهمهم وجهان مضيا.
أحدهما: وهو مذهب الشافعي رضي الله عنه أنه يرد على باقي الأصناف.
والثاني: ينقل إلى أهل ذلك الصنف في أقرب البلاد بهم.
فصل
والقسم الثاني أن يكونوا أكثر من ثلاثة كأنهم كانوا عشرة فصاعداً فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون سهمهم وفقاً لكفاية جميعهم فالواجب أن يقسم على جميعهم ولا يجوز الاقتصار على بعضهم، فإن اقتصر المعطى على بعضهم وحرم الباقين ضمن لمن حرمه قدر كفايته وجهاً واحداً سواء كان المعطي رب المال أو العامل.
والثاني: أن يكون سهمهم يقضي عن كفاية جميعهم، فهذا على ضرين:
أحدهما: أن يكون المعطي رب المال فيجوز له أن يقتصر ثمنهم على ثلاثة فصاعداً ولا يجوز أن يقتصر على أقل من ثلاثة لاستحقاق ذلك لأقل الجمع فإن اقتصر على اثنين ضمن حصة الثالث، وفي قدرها وجهان مضيا.
أحدهما: الثلث.
والثاني: قدر الأجزاء.
والثاني: أن يكون المعطي الوالي فعليه أن يفرق ذلك على جميعهم، ولا يجوز أن يقتصر على بعضهم والفرق بينهم وبين رب المال أن ما يعطيه رب المال هو بعض الصدقات فجاز أن يقتصر على بعض أهل السهمان وما يعطيه الوالي هو جميع الصدقات فوجب أن يفرقه على جميع أهل السهمان فهذا قسم ثان.
فصل
والقسم الثالث أن يكونوا أقل من ثلاثة كأنه وجد واحدافه لم ير سواه فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون السهم أكثر من كفايته فيعطي منه قدر كفايته، وفيمن ينقل إليه الفاضل منه الوجهان الماضيان:
أحدهما: إلى باقي الأصناف.
والثاني: إلى ذلك الصنف في أقرب البلاد.
والثاني: أن يكون السهم كله بقدر كفاية هذا الواحد، ففي جواز دفع جميعه إليه وجهان:
أحدهما: وهو مذهب الشافعي المنصوص عليه في هذا الموضع يجوز أن يدفع إليه جميع السهم لأنه لما جاز الاقتصار على بعض الأصناف عند عدم من سواه جاز الاقتصار على بعض الأصناف عند عدم من سواه جاز الاقتصار على بعض الصنف عند عدم من سواه.
والثالث: أنه لا يجوز أن يعطيه من السهم إلا ثلثه من غير زيادة، لأن الله تعالى جعله لجمع أقله ثلاثة، وينقل باقي السهم، وهو ثلثاه لأن الله تعالى جعله لجمع أقله ثلاثة، وينقل باقي السهم، وهو ثلثاه إلى ذلك الصنف في أقرب البلاد ولا يعاد على باقي الأصناف.
مسألة 1
قال الشافعي: "ويقسم للعامل بمعنى الكفاية وابن السبيل بمعنى البلاغ لأني لو أعطيت العامل وابن السبيل والغازي بالاسم لم يسقط عن العامل اسم العامل ما لم يعزل ولا عن ابن السبيل اسم ابن السبيل ما دام مجتازاً أو يريد الاجتياز ولا عن الغازي ما كان على الشخوص للغزو".
قال في الحاوي: وإنما قصد الشافعي بذلك تمييز أهل السهمان، وأنهم صنفان:
أحدهما: ما يعطى بالاسم حتى يزول عنه.
والثاني: من يعطى لمعنى يقترن بالاسم، لا يراعى زواله عنه، فأما المعطون بالاسم حتى يزول عنهم فأربعة أصناف.
الفقراء يعطون حتى يستغنوا فيزول عنهم اسم الفقر والمساكين يعطون حتى يستغنوا فيزول عنهم اسم المسكنة والمكاتبون يعطون حتى يعتقوا فيزول عنهم اسم الكتابة، والغارمون يعطون حتى يقضوا ديونهم، فيزول عنهم اسم الغرم، فأما المعطون لمعنى يقترن بالاسم ولا يراعى زوال الاسم عنه فأربعة أصناف.
العاملون يعطون أجورهم وإن سموا بعد الأخذ عمالاً.
والمؤلفة قلوبهم يعطون وإن سموا بعد الأخذ مؤلفة.
والغزاة يعطون وإن سموا بعد الأخذ غزاة، وبنو السبيل يعطون وإن سموا بعد الأخذ بني السبيل ولا يراعى فيهم زوال الاسم عنهم كما يراعى فيمن تقدمهم.
مسألة:
قال الشافعي: "رأي السهمان فضل عن أهله رد على عدد من عدد من بقي السهمان كان بقي فقراء ومساكين لم يستغنوا وغارمون لم تقض كل ديونهم فيقسم ما بقي على ثلاثة أسهم فإن استغنى الغارمون رد باقي سهمهم على هذين السهمين نصفين حتى تنفذ السهمان وإنما رد ذلك لأن الله تعالى لما جعل هذا المال لا مالك له من الآدميين بعينه يرد إليه كما ترد عطايا الآدميين ووصاياهم لو أوصى بها لرجل فمات الموصى له قبل الموصي كانت وصيته راجعة إلى ورثة الموصي فلما كان هذا المال مخالفاً المال يورث ههنا لم يكن أحد أولى به عندنا في قسم الله تعالى وأقرب ممن سمى الله تعالى له هذا المال وهؤلاء من جملة من سمى الله تعالى له هذا المال ولم يبق مسلم محتاج إلا وله حق سواه".
قال في الحاوي: إذا قسمت الزكاة على الموجودين من الأصناف فكانت سهام بعض الأصناف أكثر من كفاياتهم، وسهام الباقين من الأصناف أقل من كفاياتهم لم يعط
المكتفون ببعض سهامهم إلا قدر كفاياتهم ونقل عنهم الفاضل من كفاياتهم ثم مذهب الشافعي المنصوص عليه في هذا الموضع وغيره: أن يرد على باقي الأصناف الذين قصرت سهامهم عن كفاياتهم على ما وصفه من المثال في القسمة، وذهب بعض أصحابه إلى أنه ينقل الفاضل من تلك السهام إلى أهلها في أقرب البلاد، ولا يرد على باقي الأصناف لأن لا يفاضل بين الأصناف مع تسوية الله تعالى بينهم، وما ذهب إليه الشافعي أصح لثلاثة معان:
أحدها: أنه لا يجوز العدول بالصدقة عن جيران المال ما وجدوا، وفي هذا عدول عنهم.
والثاني: أنه لما عدم بعض الأصناف وجب رد سهمه على من وجد ولا ينقل، فأولى لي أن يكون الفاضل عن كفاية الموجودين يرد على من احتاج ولا ينقل.
والثالث: أنه لما كانت الوصايا إذا ضاقت ورد بعضهم حصته منها ردت على من بقي ولم ترد على الورثة كانت الصدقة بمثابتها، والله أعلم.
مسألة 1
قال الشافعي: "أما أهل الفيء فلا يدخلون على أهل الصدقة وأما أهل الصدقة الأخرى فهو مقسوم لهم صدقتهم فلو كثرت لم يدخل عليهم غيرهم وواحد منم يستحقها فكما كانوا لا يدخل عليهم غيرهم فكذلك لا يدخلون على غيرهم ما كان من غيرهم من يستحق منها شيئاً".
قال في الحاوي: وهذا كما قال وهي جملة تشتمل على فصلين:
أحدهما: تمييز أهل الصدقة عن أهل الفيء.
والثاني: تمييز أهل الصدقات بعضهم عن بعض.
فأما تمييز أهل الصدقة عن أهل الفيء فقد ذكرناه، وقلنا لمن قال: الفيء لأهله لا يجوز أن يأخذ منه أهل الصدقات، وأما الصدقة لأهلها، لا يجوز أن يأخذ منها أهل الفيء، وهو قول أهل الحجاز وإن خالف فيه أهل العراق بعد مضي الكلام فيه.
وأما تمييز أهل الصدقات فهو معتبر بحال معطيها، فإن كان رب المال هو المعطي تميزوا بالجواز فإذا أعطى زكاة ماله لأهلها من جيرانه فإن اكتفوا بها لم يجز أن يأخذوا من زكاة غيرهما، وإن لم يكتفوا جاز أن يأخذوا من زكاة أخرى، لأن أرباب الأموال قد يتجاورون فيكون في جيران جميعهم أهلاً لصدقاتهم كلهم، فإن كان العامل هو المعطي فأهل عمله أهل الصدقات التي يجيبها، فإذا فرقها فيهم لم يجز أن يأخذوا من غيرها هن الصدقات سواء اكتفوا بما قد أخذوا من الصدقات أم لا؛ لأنه لا حق لهم في صدقة ليس
من أهلها، وهو معنى قول الشافعي: "فكما لا يدخلون على غيرهم فكذلك لا يدخل عليهم غيرهم"، ودل الشافعي بهذا على أن الصدقة إذا فضلت عن كفاية بعضهم فاحتاج إليها الباقون أنها لا تنقل عنهم تعليلاً بأنهم لما لم يدخلوا على غيرهم في صدقة أخرى لم يدخل عليهم غيرهم في الفاصل من صدقات بعضهم، وهذا تعليل صحيح.
فإن قيل: فما الفرق بين ما يعطيه العامل وبين ما يعطيه رب المال.
قيل: الفرق بينهما أن رب المال يعطى بعض الصدقات فجاز أن يعطى الأخذ من صدقة أخرى، والعامل يعطى جميع الصدقات فلم يجز أن يعطي الأخذ من صدقة أخرى، والله أعلم.
مسألة 1
قال الشافعي: "وإن استغنى أهل عمل ببعض ما قسم لهم وفضل عنهم فصل رأيت أن ينقل الفضل منهم إلى أقرب الناس بهم في الجوار".
قال في الحاوي: إذا استغنى أهل ناحية ببعض صدقاتهم ووجب نقل فاضلها إلى أقرب البلاد بهم، لأنه لا حق لهم فيما فضل عن كفاياتهم فكان أقرب الناس بهم أحق بها من غيرهم فلو قرب منهم بلدان، فإن كان أحدهما أقرب إليهم من الأخر كان أقرب البلدين أولى من أبعدهما سواء كان الأقرب مصراً أو قرية، وإن كانا في القرب سواء نظر في العامل في الصدقة، فإن كانت مع رب المال كان بالخيار في إخراجها في أي البلدين شاء، وإن كانت مع الوالي كان عليه أن يخرجها في البلدين معاً، أن على الوالي أن يعم وليس على رب المال أن يعم، ولو تساويا في القرب إليهم قربة وبادية استويا في الاستحقاق، وكانا كالبلدين المتساويين في القرب سواء كانا في جهة واحدة أو في جهتين من عمل واحد أو من عملين إلا أن يكون أحد البلدين من ولاية هذا العامل والآخر من غير ولايته فيكون البلد الذي هو في ولايته أولى بنقل هذا الفاضل إليهم من البلد الذي ليس فيه ولايته.
مسألة 2
قال الشافعي: "ولو ضاقت السهمان قسمت على الجوار دون النسب وكذلك إن خالطهم عجم غيرهم فهم معهم في القسم على الجوار فإن كانوا أهل بادية عند النجعة يتفرقون مرة ويخطلطون أخرى فأحب إلي لو قسمها على النسب إذا استوت الحالات، وإذا اختلفت الحالات فالجوار أولى من النسب وإن قال من تصدق إن لنا فقراء على غير هذا الماء وهم كما وصفت يختلطون في النجعة قسم بين الغائب والحاضر ولو كانوا بالطرف من باديتهم فكانوا ألزم له قسم بينهم وكانت كالدار لهم وهذا إذا كانوا
معاً أهل نجعة لا دار لهم يقرون بها فأما إن كانت لهم دار يكونون لها ألزم فإني أقسمها على الحوار بالدار.
وقال في الجديد: إذا استوي في القرب أهل نسبهم وعدي قسمت على أهل نسبهم دون العدى وإن كان العدى أقرب منهم داراً وكان أهل نسبهم دون العدى وإن كان العدى أقرب منهم داراً وكان أهل نسبهم منهم على سفر تقصر فيه الصلاة قسمت على العدى إذا كانت دون ما تقصر فيه الصلاة لأنهم أولى باسم حضرتهم وإن كان أهل نسبهم دون ما تقصر فيه الصلاة والعدى أقرب منهم قسمت على أهل نسبهم لأنهم بالبادية غير خارجين من اسم الجوار وكذلك هم في المنعة حاضرو المسجد الحرام".
قال في الحاوي: لهذه المسألة مقدمتان:
إحداهما: أن الصدقة إن قسمها العامل لزمه أن يقسمها على جميع أهل السهمان، ولا يجوز أن يقتصر من كل صنف على طائفة حتى يقسمها على على جميعهم وإن قسمها رب المال جاز أن يقتصر من كل صنف على طائفة أقلها ثلاثة، ولا يلزمه أن يفرقها في جميع الصنف إلا أن تتسع صدقته لجميعهم فيلزمه من الاتساع أن يفرقها في الجميع، والفرق بين العامل وبين رب المال ما قدمناه، فإن العامل يقسم جميع الصدقات فيلزمه أن يقسمها في جميع أهل السهمان، ورب المال يقسم بعض الصدقات فجاز أن يقسمها في بعض أهل السهمان.
والمقدمة الثانية: أن ينقل الصدقة عن مكانها لا يجوز إذا وجد فيه أهلها، وإن نقلت فقد أساء ناقلها، وفي أجزائها قولان.
فإن عدم أهل السهمان في مكانهما نقلت إلى أقرب البلاد به.
فإذا تقررت هاتان المقدمتان فلا يخلو قسم الصدقات من أن يتولاه رب المال أو العامل، فإن تولاه العامل فلا يخلو أن يكون صدقات أمصار أو بواد، فإن كانت صدقات أمصار لزمه أن يقسم صدقه كل مصر في أهله وأهل المصر من اشتمل عليهم بنياته وأحاط بهم سوره، فأما من خرج عن سوره ولم يتصل ببنيانه فإن كانوا على مسافة يوم وليلة فصاعداً لم تكن لهم في زكاة ذلك المصر حق لكونهم من المصر على سفر يقصر فيه الصلاة، فلم يجز أن يضافوا إليه وإن كانوا على مسافة أقل من يوم وليلة، ففيهم وجهان لأصحابنا:
أحدهما: أنهم مستحقون لصدقات المصر وهم كسكانه في أن الخارج إليهم لا يكون مسافراً يستبيح القصر.
والثاني: أنه لا حق لهم في صدقاته، لأنه لا يجوز أن يضاف إلى بلد من ليس فيه والذي أراه مذهب وهو أصح عندي من هذين الوجهين أن ينظر في الخارج عن المصر فإن كان ممن يلزمه حضوره كصلاة الجمعة كان مضافاً إلى أهله في استحقاق صدقاتهم كما كان مضافاً إليهم في وجوب الجمعة عليه في مصرهم، وإن كان ممن لا يلزمه حضور
المصر لصلاة الجمعة لم يكن مضافاً إلى أهله في استحقاق صدقاتهم كما لم يضف إليهم في وجوب الجمعة عليهم في مصرهم، وهذا حكم صدقات الأمصار إذا قسمها العامل في أهلها، وسواء في ذلك من كان قاطناً في المصر أو طارئاً إليه، وأقارب أرباب الأموال والأجانب؛ لأن استيعاب جميعهم في قمة العامل واجب.
وإن كان ما يقسمه العامل صدقات بادية لا تضمنهم أمصار فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكونوا مقيمين بمكان قد استوطنوه من باديتهم لا يظعنون عنه شتاء ولا صيفاً ولا ينقلون عنه لمرعى ولا كلاء، فهؤلاء كأهل المصر لاشتراكهم في المقام، وإن اختلفوا في صفات المساكن فتكون صدقاتهم مقسومة فيمن كان نازلاً معهم في مكانهم، وهل يشركهم من كان على مسافة أقل من يوم وليلة أم لا على ما حكيناه من الوجهين.
والثاني: أن يكونوا ممن ينتجع الكلأ، وينتقل لطلب الماء والمرعى فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكونوا مجتمعين لا ينفصل حال بعضهم من بعض، فجميعهم جيران وإن تميزت أنسابهم فتقسم الزكاة في جميعهم وفيمن كان منهم على مسافة أقل من يوم وليلة وإن تميزوا عنهم وجهاً واحداً بخلاف أهل الأمصار، لأن البادية لما لم تضمهم الأمصار روعي في تجاورهم القرب والبعد، فمن كان منهم على أقل من مسافة يوم وليلة كان جارا لقربه ومن كان على مسافة يوم وليلة فصاعداً لم يكن جاراً لبعده.
والثاني: أن يتميز حالهم وتنفصل كل حلة عن الأخرى، فتقسم زكاة كل حلة عن الأخرى فتقسم زكاة كل حلة على أهلها، وعلى من كان منها على أقل من مسافة يوم وليلة، وهذا حكم العامل إذا تولى قسمها بنفسه في الأنصار والبوادي.
فصل
وإن كان رب المال هو المتولي لقسم زكاته على ما قدمناه من جوازه في تفضيل حكم المال الظاهر والباطن فلا يخلو من أحد أمرين:
إما أن يكون من أهل الأمصار أو من البوادي فإن كان من أهل الأمصار لم يكن من خرج عن مصره من جيرانه، ولا من مستحقي زكاته وجهاً واحداً بخلاف ما يقسمه العامل؛ لأننا نراعي فيما يقسمه رب المال الجوار وفيما يقسمه العامل الناحية، ثم لا يخلو حال مصره من أحد أمرين: إما أن يكون صغيراً أو كبيراً، فإن كان صغيراً كان جميع أهل جيرانه، فإن كان أهل الصدقة فيه أجانب من رب المال أو جميعهم أقارب له فجميعهم سواء، وله أن يدفع زكاة ماله إلى من شاء منهم بعد أن يعطى من كل صنف ثلاثة فصاعداً، وإن كان بعضهم أقارب لرب المال وبعضهم أجانب منه كان أقاربه أولى
بزكاته من الأجانب لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خير الصدقة على ذي الرحم الكاشح" 1 يعني المعادي، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "صدقتك على غير ذي رحمك صدقة وعلى ذي رحمك صدقة وصلة" 2 فإن عدل بها عن أقاربه إلى الأجانب فقد أساء وأجزأته؛ لأن تقديم الأقارب من طريق الأولى مع اشتراك الأقارب والأجانب في الاستحقاق، وإن كان البلد كبيراً واسعاً، فقد اختلف أصحابنا هل يراعى فيه الجوار الخاص والجوار العام؟ على وجهين:
أحدهما: أن المراعى فيه الجوار الخاص، فعلى هذا يكون جيرانه من أضيف إلى مكانه من البلد.
وقيل: إنهم إلى أربعين دار من داره، ولا يكون جميع أهل البلد جيرانه، وهذا قول.
والثاني: أنه يراعى فيه الجوار العام لقوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء:36] يعني البعيد، فعلى هذا يكون جميع أهل البلد جيرانه، وهذا هو الظاهر من قول البغداديين، فعلى الوجه الأول: إن فرقها في غير جيرانه من أهل بلده لأن ناقلاً لزكاته عن محلها، وعلى الوجه الثاني لا يكون ناقلاً لها وهو أصح الوجهين.
فصل
وإن كان رب المال بدوياً، فعلى ضربين:
أحدهما: إن يكون في حلة قاطناً بمكانها لا يظعن عنها شتاء ولا صيفاً فهي كالبلد وجميعها جيران سواء صغرت أو كبرت؛ لأنها لا تبلغ وإن كبرت مبلغ كبار الأمصار فيخص منهم أقاربه، فإن عدل عنهم إلى الأجانب أجزأ، ولا يكون من فارق الحلة جاراً، وإن كان على مسافة أقل من يوم وليلة، ولأن ذلك جار للحلة، والواحد من الحلة جيرانه أهل الحلة، فبان الفرق بينهما.
والثاني: أن يكون في حلة ينجع الكلأ ويظعن الماء والمرعى، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن تكون الحلة مجتمعة لا ينفصل بعضها عن بعض فجميع أهلها جيرانه كبرت أو صغرت.
والثاني: أن تكون متفرقة كتميز كل جماعة منهم عن غيرهم، إما لتميزهم في الأنساب وإما لتميزهم في الأسباب فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يختلفوا في الرحيل والنزول، فيكون جيرانه من الحلة من يرحل برحيله وينزل بنزوله ولا تكون الفرقة التي تخالفه في الرحيل والنزول جيراناً له.
والثاني: أن يتفقوا في الرحيل والنزول، ففيه وجهان:
أحدهما: أن جميع الحلة من الفرق كلها جيران له اعتباراً باتفاقهم في النجعة، وإن تفرقوا في البقعة كما يتفرق أهل الأمصار في محالهم، ويكونوا جيرة إذا جمعهم المصر.
والثاني: أن جيرانه منهم من هو في بقعته دون من فارقه اعتباراً بالمكان فعلى الوجه الأول إن عدل بزكاته إلى غير طائفة من فرق الحلة لم يكن ناقلاً لها، وعلى الوجه الثاني يكون ناقلاً لها.
مسألة 1
قال الشافعي: "وإذا ولي الرجل إخراج زكاة ماله قسمها على قرابته وجيرانه فإن ضاق فآثر قرابته فحسن".
قال في الحاوي: وإن كان لرب المال أقارب فلا يخلو أن يكونوا جيرانًا أو أباعد، فإن كان أقاربه جيراناً فلا يخلو أن يكون معهم أجانب أم لا، فإن لم يكن معهم أجانب فقد استحقوا زكاة ماله بالجوار وجاز الفضيلة بالقرابة وإن كان معهم أجانب، فعلى ضربين:
أحدهما: أن تسع زكاته للأقارب والأجانب فيفضها على الفريقين.
والثاني: أن تضيق زكاته على الفريقين فأقاد به أولى بزكاته من الأجانب لكن اختلف أصحابنا هل الأفضل أن يخلط بأقاربه نفراً من الأجانب أو يتوفر بها على أقاربه؟ على وجهين:
أحدهما: أن يتوفر بها على أقاربه للخبر المتقدم.
والثاني: أن الأولى أن يخلط بهم نفراً من الأجانب لقوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ (15)﴾ [البلد:14 - 15] فجمع بين القريب والبعيد في استحقاق الثناء.
فصل
فأما إذا كان جيرانه أجانب وأقاربه أباعد فجيرانه الأجانب أولى بزكاته من أقاربه الأباعد وقال أبو حنيفة: أقاربه الأباعد أولى من جيرانه الأجانب، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يقبل الله صدقة امرئ وذو رحمه محتاج" ولأن اجتماعهم في النسب صفة لازمة واجتماعهم في الجوار صفة زائلة، ولأن النفقة لما وجبت بالنسب دون الجوار كان اعتبار النسب في الزكاة أولى من اعتبار الجوار.
ودليلنا عموم قوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء:36] الآية وعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الجار أحق بسقبه" 2 أي بقربه ولأنه لما تميز الأقارب بوجوب النفقة تميز الجيران باستحقاق الزكوات؛ ولأنه لما كان جيرانه في الحرب كان جيرانه في بلده أولى بها من
أقاربه في غير بلده وتحريره قياساً أن قرب الدار أحق بالزكاة في قرب النسب قياساً على دار الحرب فأما الخبر فمحمول على أحد وجهين:
أحدهما: على صدقة التطوع.
والثاني: على ذي الرحم الذي يجب نفقته، فأما الاعتبار للزوم الصفة في النسب دون الجوار ففاسد بالشفعة حيث روعي فيها الجوار دون النسب وأما الاستدلال بوجوب النفقة بالنسب دون الجوار فهو أحق أن يكون دليلاً عليهم لتميز مستحقي النفقة عن مستحقي الزكاة، والله أعلم.
مسالة 1
قال الشافعي: "وأحب إلي أن لا يوليها غيره لأنه المحاسب عليها والمسؤول عنها وأنه على يقين من نفسه وفي شك من فعل غيره".
قال في الحاوي: وكذلك دفعها إلى الأمام أولى من استنابة الوكيل فيها لأنها تسقط عنه بقبض الإمام لها ولا تسقط عنه بقبض وكيله لها، فأما رب المال والإمام، فإن كان المال ظاهراً فدفع زكاته إلى الإمام أولى من تفرد رب المال بإخراجها على قوليه في القديم والجديد لكنها على القديم من طريق الاستحقاق وعلى الجديد من طريق الأولى وإن كان المال باطناً، ففيه وجهان
أحدهما: وهو قول ابن سريج وأبي إسحاق إن دفعها إلى الإمام أولى وتفرد رب المال بإخراجها؛ لأن الإمام يعم بها جميع أهل السهمان إذا انضمت إلى غيرها، ورب المال يخص بها بعضهم ولأن رب المال إذا دفعها خطأ إلى غير مستحق لم يسقط فرضها عنه، ولو دفعها الإمام خطأ إلى غير مستحق سقط فرضها عنه.
والثاني: أن رب المال أولى بإخراجها من دفعها إلى الإمام؛ لأن ما باشره مع عباداته كان أفضل مما عول فيه على غيره؛ ولأنه أوسع اجتهاداً في مستحقي زكاته من الإمام؛ ولأنه أعرف منه بأقاربه وذوي رحمه.
مسألة 2
قال الشافعي: "وأقل من يعطى من أهل السهم ثلاثة لأن الله تعالى ذكر كل صنف جماعة فإن أعطى اثنين وهو يجد الثالث ضمن ثلث سهم وإن أخرجه إلى غير بلاه لم يبن لي أن عليه إعادة لأنه أعطى أهله بالإثم وإن ترك الجوار".
قال في الحاوي: اعلم أن قسم الصدقة يختلف فيها حال العامل وحال رب المال من وجهين:
أحد الوجهين: أن على العامل فيما يقسمه أن يعم به جميع أهل (السهمان)، ويجوز
لرب المال أن يقتصر في كل صنف على ثلاثة فصاعداً، فالفرق بينهما قد ذكرناه وهو أن العامل يقسم جميع الصدقات، فلزمه أن يعم بها جميع أهل السهمان، ورب المال يقسم بعض الصدقات فجاز أن يقتصر على بعض أهل السهمان.
والثاني: أن على العامل أن يقسم سهم كل صنف على قدر حاجاتهم، ولا يجوز أن يساوي بينهم مع تفاضلهم في الحاجة ولا أن يفاضل بينهم مع تساويهم في الحاجة، ورب المال يقسم ذلك على خياره مع تسوية وتفضيل، ولا يلزمه أن يقسمه بينهم على قدر الحاجة والفرق بينهما أن العامل لما لزمه أن يعم جميع أهل السهمان لم يلزمه التسوية بينهم بحسب الحاجة، وكان على خياره في قدر العطاء كما كان على خياره في تميز العطاء فإذا ثبت الفرق بين هذين الوجهين فقد مضى الكلام فيما يتولاه العامل؛ فأما رب المال فلا يجوز أن يقتصر من الصنف الواحد على أقل من ثلاثة، إذا وجدوا؛ لأن الله تعالى ذكر كل صنف بلفظ الجمع المطلق وقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:60] وأقل الجمع ثلاثة فرقاً بين الجمع والتثنية، فأما الجمع بين الأصناف كلهم فيستوي فيه العامل ورب المال فلا يجوز لرب المال أن يخل بصنف منهم إذا قدر عليه في بلده كالعامل، والفرق بين هذا وبين أن لا يلزمه استيعاب كل صنف بخلاف العامل، لأن الله تعالى جعل كل زكاة لجميع الأصناف ولم يجعلها الجميع كل صنف فإذا تقرر أن الواجب عليه أن يعطي ثلاثة من كل صنف بالخيار بين التسوية بينهم والتفضيل اعتباراً بالحاجة، فأي هذه الثلاثة فعلى أجزأه، فإن قسمها على اثنين مع وجود الثالث ضمن حصة الثالث وفي قدر ما ضمنه، قولان:
أحدهما: ثلث ذلك السهم وهو المنصوص عليه في هذا الموضع اعتباراً بالتسوية عند ترك الاجتهاد في التفضيل.
والثاني: يضمن أقل ما يجزئ اعتباراً بما جعل من الخيار والله أعلم بالصواب.
مسألة 1
قال الشافعي: "وإن أعطى قرابته من السهمان ممن لا تلزمه نفقته كان أحق بها من البعيد منه وذلك أنه يعلم من قرابته أكثر مما يعلم من غيرهم وكذلك خاصته ومن لا تلزمه نفقته من قرابته ما عدا ولده ولا يعطى ولد الولد صغيراً ولا كبيراً زمناً ولا أخاً ولا جداً زمين ويعطيهم غير زمني لأنه لا تلزمه نفقتهم إلا زمني".
قال في الحاوي: قد ذكورا أن أقارب صاحب المال من مناسبه وذوي رحمه أولى بزكاة ماله من الأجانب، وإذا كان كذلك فهم ضربان: ضربة تجب نفقاتهم، وضرب لا تجب.
فأما من تجبه نفقته بفقره وزمانته من أقاربه فهم الوالدون والمولودون؛ فالوالدون الآباء، والأمهات والأجداد من قبل الآباء والأمهات.
وأما المولودون فالبنون والبنات وبنو البنين وبنو البنات.
وأما من لا تجب عليه نفقتهم فهم من عدا من ذكرنا من الإخوة والأعمام والعمات والأخوال والخالات ومن اتصل بهم من أبنائهم.
وقال أبو حنيفة: تجب نفقة كل ذي رحم محرم والكلام عليه في كتاب النفقات فإذا كان الأقارب ممن تجب نفقاتهم كانوا أولى بالزكاة من الأجانب البعداء سواء كان يتطوع بالنفقة عليهم أم لا.
وقال أحمد بن حنبل: إن تطوع بالنفقة عليهم صاروا في تحريم الزكاة كمن تجب نفقتهم.
وهذا خطأ، لأن له قطع ما تطوع به من النفقة فلم تحرم عليهم الصدقة كتطوعه بنفقات الأجانب.
فصل
وإن كانوا ممن تجب نفقاتهم لم يجز أن يدفع إليهم من الزكاة بأن كانوا فقراء أو مساكين لأنهم بوجوب نفقاتهم عليه قد صاروا به أغنياء، ولأنه يصير مرتفقاً بها في سقوط نفقاتهم عنه، فلم يجز لهذين الأمرين أن يعطيهم من سهم الفقراء والمساكين، فأما إن كانوا من العاملين عليها جاز أن يعطيهم سهم العاملين منها؛ لأن سهمهم في مقابلة عمل فكان عوضاً فإن كانوا من المؤلفة أعطاهم من سهم المؤلفة إن كانوا أغنياء ولم يعطهم منه إن كانوا فقراء، لأنه تسقط نفقاتهم عنه بما يأخذونه منه فصار مرتفقاً بها.
وإن كانوا مكاتبين جاز أن يعطيهم من سهم الرقاب؛ لأن نفقة المكاتب لا تجب على مناسب وإن كانوا من الغارمين جاز أن يعطيهم من سهمهم سواء كانوا ممن أداء في مصلحة نفسه أو مصلحة غيره فلا يعطى إلا مع الفقراء، وإن كانوا ممن أدان في المصالح العامة فيعطى مع الغنى والفقر؛ لأن ما يعطونه يلزمهم صرف ديونهم التي تجب عليه قضاؤها عليهم، فليس يرتفق بها في سقوط نفقتهم.
وإن كانوا من الغزاة أعطاهم من سهم سبيل الله قدر ما يستعينون به في مؤونة حمولتهم، وثمن سلاحهم ودوابهم ونفقات خيلهم وغلمانهم ولا يعطيهم نفقات أنفسهم لوجوبها عليه حتى لا يصير مرتفقاً بسقوطها عنه.
وإن كانوا من بني السبيل أعطاهم من سهمهم كراء مسيرهم ولم يعطهم نفقات أنفسهم إلا ما زاد على نفقة الحضر لئلا يصير مرتفعاً بها في سقوطها عنه؛ لأنه لا يلزمه أن يسافر بهم ولا يقرهم كما لا يلزمه أن يقضي ديونهم فجاز أن يعطيهم منها ما اختص بالسفر والغزو والله أعلم.
مسألة 1
قال الشافعي: "ولا يعطي زوجته لأن نفقتها تلزمه فإن أدانوا أعطاهم من سهم
الغارمين وكذلك من سهم ابن السبيل لأنه لا يلزمه قضاء الدين عنهم ولا حملهم إلى بلد أرادوه فلا يكونون أغنياء عن هذا به كما كانوا به أغنياء عن الفقر والمسكنة".
قال في الحاوي: قد مضى الكلام في الأقارب المناسبين، فأما الزوجة فلا يخلو حالها من أحد أمرين:
إما أن تكون مقيمة أو مسافرة فإن كانت مقيمة لم تخل من أن تكون مطيعة أو ناشزة فإن كانت مطيعة تلزمه نفقتها ولم يجز أن يعطيها من سهم الفقراء والمساكين، لأنها غنية به وإن كانت ناشزة لم تلزمه نفقتها وسقطت عنه بالنشوز ولا يجوز أن يعطيها من سهم الفقراء، والمساكين، وإن لم يكتسب لقدوته على الكفاية فأما إعطاء الزوجة من سهم العاملين فليست ممن يستعمل على الزكاة فيعطاه وأما من سهم المؤلفة فلا يجوز أن تعطى لأن المؤلفة هم الرجال المقاتلة، ولو قيل: يعطى لكان مذهباً لأن ما يقصد من حسن إسلام الرجل وترغيب قومه في الإسلام موجود في المرأة.
وأما إن كانت مكاتبة أو غارمة جاز أن تعطى من سهم الرقاب والغارمين؛ لأنه لا يلزمه قضاء دينها، وأداء كتابتها، أما من سهم سبيل الله فلا يجوز أن تعطاه؛ لأنها ليست من أهل الجهاد وأما من سهم بني السبيل فنذكر حكم سفرها، فلا يخلو أن تسافر وحدها أو مع زوجها فإن سافرت مع زوجها فلا يخلو أن يكون بإذنه أو بغير إذنه، فإن كان بإذنه فلا يعطيها من سهم ابن السبيل؛ لأن مؤنة حمولتها تلزمه لأجل إذنه، وإن كان بغير إذنه فلها النفقة لكونها معه ولا يلزمه حمولتها لخروجها بغير إذنه، ولا يجوز أن يعطيها من سهم بني السبيل كراء حمولتها؛ لأن سفر معصية وإن سافرت وجدها فلا يخلو أن يكون بإذنه أو بغير إذنه فإن كان بغير إذنه فلا نفقة لها لكونها ناشزة، ويجوز أن يعطيها من سهم الفقراء والمساكين بخلاف المقيمة الناشزة.
والفرق بينهما أن المقيمة إذا نشزت قدرت على النفقة بتعجيل المطاوعة ولا يجوز أن يعطيها من سهم بني السبيل؛ لأنه سفر معصية، وإن كان سفرها بإذنه، فعلى ضربين:
أحدهما: فيما يختص بزوجها فعليه نفقتها وحمولتها فلا يجوز أن يعطيها من سهم الفقراء والمساكين ولا من سهم بني السبيل.
والثاني: أن يكون فيما يختص بها ففي وجوب نفقتها قولان:
أحدهما: تجب عليه، فعلى هذا لا يجوز أن يعطيها من سهم الفقراء والمساكين لقناها به، ويجوز أن يعطيها سهم بني السبيل لأن حمولتها لا تلزمه.
والثاني: لا نفقة لها، فعلى هذا يجوز أن يعطيها من سهم الفقراء والمساكين ويجوز أن يعطيها من سهم بني السبيل.
فصل
فأما إذا كانت في عدة طلاقه فإن وجبت نفقتها لكونها رجعية أو حاملاً في طلاق
بائن فلا يجوز أن يعطيها من سهم الفقراء والمساكين لوجوب نفقتها عليه، ولا من سهم بني السبيل لحظر السفر عليها في العدة وإن لم تجب نفقتها لكونها حائلاً في طلاق بائن جاز أن يعطيها من سهم الفقراء والمساكين ولم يجز أن يعطيها من سهم بني السبيل، وإن كانت في عدة من وطئه بشبهة فإن كانت حائلاً لم تجب عليه نفقتها، فجاز أن يعطيها من سهم الفقراء والمساكين ولم يجز أن يعطيها من سهم بني السبيل لحظر السفر عليها في العدة وإن كانت حاملاً ففي وجوب نفقتها عليه قولان:
أحدهما: تجب، فيجوز أن يعطيها من سهم الفقراء والمساكين ولا يعطيها من سهم بني السبيل.
والثاني: تجب نفقتها فلا يجوز أن يعطيها من سهم الفقراء والمساكين ولا من سهم بني السبيل.
فصل
فأما الزوجة فيجوز لها دفع زكاتها إلى زوجها من السهام كلها وقال أبو حنيفة: لا يجوز استدلالاً بأنه أحد الزوجين فمنع زكاة صاحبه كالزوج إلى زوجته.
ولأنه وارث لا يسقط بالحجب فوجب أن يمنع من الزكاة كالأب ولأنه قد ترتفق بدفع زكاتها إليه؛ لأنه قد يستغنى بها فتلزمه لها نفقة موسر.
ودليلنا عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:60] وحديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لزينب امرأة عبد الله بن مسعود: "زوجك وولدك أحق من تصدقت عليهم" 1 فكان على عمومه.
فإن قيل: فهذا محمول على التطوع، لأنه جمع بين الزوج والولد ولا يجوز أن يدفع إلى الولد من الفرض فثبت أنه التطوع، فعن ذلك جوابان:
أحدهما: وهو جواب أبي عبيد أنه يحتمل أن يكون أولاده من غيرها.
والثاني: وهو جواب الشافعي أن أولاده وإن كانوا منها فإنهم كانوا بالغين أصحاء فسقطت نفقاتهم، وجاز دفع الزكاة إليهم.
ومن القياس أنه نسب لا يستحق به النفقة فلم تحرم به الصدقة قياساً على ذوي الأرحام، ولأن الزوج مع الزوجة بمنزلة الأجنبي في سقوط النفقة فوجب أن يكون بمنزلته في استباحة الصدقة.
فأما الجواب عن قياسهم على منع الزوج من دفعها إلى زوجته فهو لأن نفقتها تلزمه فمنعت من صدقته ونفقته لا تلزمها فلم يمنع من صدقتها وأما قياسه على الأب أنه لا يسقط بالحجب، فالمعنى فيه أن الأب تميز باستحقاق النفقة فيمنع من الصدقة، وليس كذلك الزوج.
وأما الجواب عن قولهم أنها قد ترتفق بدفع زكاتها إليه، فهو أنها لا ترتفق بالدفع، وإنما ترتفق بما قد يحدث بعده من اليسار وذلك لا يمنع من الزكاة كمن دفعها إلى غريم له فأخذها من بعد قبضها من دينه جاز، ولا يكون ذلك رفقاً يمنع من جوازها لحصول ذلك بعد استقرار الملك بالقبض كذلك ما يأخذه الزوج والله أعلم.
مسألة 1
قال الشافعي رحمه الله: "فأما آل محمد - صلى الله عليه وسلم - الذين جعل لهم الخمس عوضاً من الصدقة فلا يعطون من الصدقات المفروضات، وإن كانوا محتاجين وغارمين وهم أهل الشعب وهم صلبية بني هاشم وبني المطلب ولا تحرم عليهم صدقة التطوع وروي عن جعفر بن محمد عن أبيه أنه كان يشرب من سقايات بين مكة والمدينة فقلت له أشرب من الصدقة؟ فقال: إنما حرمت علينا الصدقة المفروضة وقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - الهدية من صدقة تصدق بها على بريرة وذلك أنها من بريرة تطوع لا صدقة".
قال في الحاوي: وجملته أن الناس في صدقة الفرض والتطوع ينقسمون ثلاثة أقسام:
منهم من تحرم عليه صدقة الفرض والتطوع، ومنهم من تحل له الصدقتان جميعاً، ومنهم تحرم عليه صدقة الفرض دون التطوع.
فأما من تحرم عليه صدقة الفرض والتطوع فهو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما رفع الله تعالى من قدره وفضله على جميع خلقه.
روى أبو رافع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنا لا تحل لنا الصدقة" 2.
وروى أنس بن مالك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وجدتموه وقال: لولا أخاف أن تكون صدقة لأكلتها" 3.
وروي أن سلمان الفارسي حمل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - طبقاً من رطب فقال: "ما هذا"؟ قال: صدقة، قال: "إنا لا تحل لنا الصدقة" فحمل إليه طبقاً آخر فقال: "ما هذا"؟ قال: هدية، قال: "إنا نقبل الهدية ونكافئ عليها".
وإذا ثبت هذا فقد كان يمتنع من صدقة الغرض تحريماً وفي امتناعه من صدقة التطوع قولان:
أحدهما: أنه كان يمتنع منها تحريماً كالقرض، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أكل من لحم تصدق
به على بريرة قال: "هو لها صدقة لنا هدية وصدقات اللحوم بالمدينة كانت من ضحايا تطوع غير واجبة".
والثاني: أنه كان يمتنع منها تنزيهاً لا تحريماً، لأنه قد كان يصلي في المساجد وهي صدقات ويشرب من بئر رومة بالمدينة وبئر زمزم بمكة وهما صدقتان.
وقال أبو علي بن أبي هريرة: ما كان من صدقات التطوع على الأعيان كانت محرمة عليه، وما كان منها مسألة على الكافة لم تحرم عليه مثل صلاته في المساجد وشربه من الآبار.
والذي أراه عندي أصح أن ما كان منها أموالاً مقومة كانت عليه محرمة وما لم تكن أموالاً مقومة كانت له مباحة، فعلى هذا كانت صلاته في المساجد وشربه من بئر رومة وزمزم، ولو كانت الصدقة المسيلة ثمار لا تحل له، وعلى قول ابن أبي هريرة تحل له.
فصل
وأما من تحرم عليه الصدقة- الفرض دون التطوع- فهم آل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرواية أبي هريرة أن الحسن بن علي أخذ تمرة من تمرة الصدقة فجعلها في فيه فنزعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من فيه بلعابها وقال كخ كخ، وقال: "إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة".
وسأله الفضل بن العباس عمالة الصدقات فغضب وقال: "أليس في خمس الخمس ما يغنيكم عن أوساخ الناس".
فدل هذا الخبران على تحريم الفرض عليهم.
فأما التطوع فحلال لما روي أن جعفر بن محمد شرب من سقايات بين مكة والمدينة.
فقيل: له: أليس قد حرم عليكم الصدقات؟ فقال: إنما حرم الله علينا الصدقات المفروضات؛ لأن الله تعالى عوضهم مالاً واحداً عن مال واحد، فإذا ثبت أن آل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحرم عليهم الصدقات المفروضات دون التطوع فهم ذو القربى من بني هاشم وبني المطلب.
وقال أبو حنيفة: إنما تحرم على آل العباس وآل حمزة وآل الحارث بني عبد المطلب وعلى آل علي وآل جعفر والفضل ولا تحرم على آل أبي لهب ولا على غير المذكورين من بني عبد المطلب ولا على جميع بني المطلب، وهذا خطأ؛ لأن من استحق سهم ذي القربى منع صدقة الفرض وقد ثبت أن سهم ذي القربى مشترك بين جميع بني هاشم وبني المطلب وكذا صدقة الفرض حرام على جمع بني هاشم.
وأما من تحل له صدقة الفرض والتطوع فهم سائر الناس تحل لهم صدقاه الفرض والتطوع بالفقر وصدقات التطوع مع الغنى والفقر، وقد دللنا عليه من قبل.
مسألة 1
قال الشافعي: "وإذا كان فيهم غارمون لا أموال لهم فقالوا أعطنا بالغرم والفقر قيل لا إنما تعطيكم بأي المعنيين شئتم فإذا أعطيناه باسم الفقر فلغرمائه أن يأخذوا مما في يديه حقوقهم وإذا أعطيناه بمعنى الغرم أحببت أن يتولى دفعه عنه ولا فجائز كما يعطى المكاتب فإن قيل: ولم لا يعطى بمعنيين؟ قيل: الفقير مسكين والمسكين فقير يجمعهما اسم ويتفرق بهما اسم فلا يجوز أن يعطى إلا بأحد المعنيين ولو جاز ذلك جاز أن يعطى رجل بفقر وغرم وبأنه ابن سبيل وغاز ومؤلف فيعطى بهذه المعاني كلها فالفقير هو المسكين ومعناه أن لا يكون غنياً بحرفة ولا مال فإذا جمعا معاً فقسم لصنفين بهما لم يجز إلا أن يفرق بين حاليهما بأن يكون الفقير الذي بدئ به أشدهما فقراً وكذلك هو في اللسان".
قال في الحاوي: وصورتها في رجل من أهل الصدقات جمع بين سببين يستحق بكل واحد منهما فيهما كغارم فقير، وعامل مسكين طلب أن يطعى بالفقر أو بالغرم أو بالعمالة والمسكنة فالذي نص عليه الشافعي في هذا الموضع، وأكثر كتبه أنه لا يجوز أن يجمع له بهما ولا يعطى إلا بأحدهما وقال في كتاب فرض الزكاة من قسم الصدقات: أنه يجوز أن يعطى بالسببين، فاختلف أصحابنا في ذلك على ثلاثة مذاهب:
أحدهما: وهو قول أبي حامد الإسفراييني وكثير من البغداديين أن ذلك على قولين لاختلاف نصه في الموضعين.
أحد القولين: أنه لا يجوز أن يعطى إلا بأحد السببين، وهذا هو الأشهر قوله، والأصح من مذهبه لئلا يؤدي ذلك إلى الأخذ بجميع الأسباب كما لا يورث المجوس إذا اجتمعت له قرابتان إلا بأحدهما.
والقول الثاني: يجوز أن يعطى بهما معا؛ لأنه لما جاز أن يأخذ بالسبب الواحد إذا انفرد به جاز أن يأخذ بالسببين إذا اجتمعا فيه، وكما يجوز أن يورث الزوج إذا كان ابن عم لها بالسببين.
والثاني: قاله أبو حامد المروروذي جمهور البصريين: أن ذلك على قول واحد لا يعطى إلا بأحدهما ولا يجمع له بينهما وما قاله في فرض الزكاة من جواز إعطاءه بالسببين محمول على أنه من زكاتين.
والثالث: أنه يجوز أن يعطى بالسببين إذا اختلفا ولا يجوز أن يعطى بهما إذا اتفقا فاختلافهما أن يكون أحدهما لحاجته إلينا، والآخر لحاجتنا إليه كالعامل إذا كان فقيراً والغازي إذا كان مسكيناً، واتفاقهما أن يكونا معاً لحاجته إلينا كالفقير إذا كان غارماً والمسكين إذا كان مكاتباً، كما أنه لا يورث أحد بسببين متفقين كغرضين أو نصيبين
ويورث بسببين مختلفين من فرض وتعصيب، فإذا تقرر هذا: إنه لا يعطى بهما وكان فقيراً غارماً خير في إعطائه بأي السببين شاء من فقر وغرم، فإن اختار أن يعطى بالفقر سلم إليه وكان لصاحب الدين أن يأخذه من دينه، وإن اختار أن يعطى بالغرم جاز أن يسلم إليه وجاز أن يعطيه لصاحب الدين بأمره.
فإن قيل: فأيهما أولى، قلنا: إن كان بقدر دينه كله فأولى دفعه إلى صاحب الدين وإن كان أقل فالأولى دفعه إلى الغارم لعله أن يتجر به فينمى.
وإن قيل: يجوز أن يعطى بالسببين أعطى بالفقر والغرم، فإن كان في سهم الغرم وفاء لدينه استبقى سهم الفقر، وإن كان يعجز عن دينه كان له أن يأخذ منه سهم الفقر ليستوفي دينه، والله أعلم بالصواب.
مسألة 1
قال الشافعي: "فإن كان فيهم رجل من أهل الفيء ضرب عليه البعث في الغزو ولم يعط فإن قال لا أغزو واحتاج أعطي فإن هاجر بدوي واحتاج واقترض وغزا صار أهل الفيء وأخذ فيه ولو احتاج وهو في الفيء لم يكن له أن يأخذ من الصدقات حتى يخرج من الفيء ويعود إلى الصدقات فيكون ذلك له".
قال في الحاوي: وهذا كما قال.
قد ذكرنا أن أهل الفيء بمعزل عن أهل الصدقات ينصرف إليهم مال الفيء دون الصدقات وأهل الصدقات بمعزل عن أهل الفيء ينصرف إليهم مال الصدقات دون الفيء وضرب هم من أهل الصدقة، فأما غزاة أهل الفيء فهم المقترضون في ديوان الفيء من المقاتلة فهو لا يعطون أرزاقهم من مال الفيء ولا يجوز أن يعطوا من الصدقات وأما غزاة أهل الصدقات فهم المتطوعة من الأعراب وأهل الصنائع من أهل الأمصار الذين إن شاؤوا غزوا وان شاؤوا أقاموا، فهؤلاء إذا أرادوا الغزو أعطوا من مال الصدقات من سهم سبيل الله، ولم يجز أن يعطوا من مال الفيء لرواية عباس، وقال: كان أهل الفيء على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمعزل على أهل الصدقات، وأهل الصدقات بمعزل عن أهل الفيء، فلو أن رجلاً من أهل الفيء معترضاً في ديوانه ضرب عليه البعث في الغزو أو لم يضرب عليه فأراد الخروج من أهل الفيء والدخول في أهل الصدقات ليغزوا إن شاء ويقعد عنه إن اختار كان ذلك له لأنه لم يكن عليه عقد لازم وإنما هو جعالة فيسقط رزقه من ديوان الفيء ويعطى من مال الصدقات، ولو أن أعرابياً من أهل الصدقات هاجر وأراد أن يقترض من ديوان الفيء جاز أن يقرضه الإمام فإذا رآه الإمام أهلاً لذلك، خرج من أهل الصدقات.
مسألة 1
قال الشافعي رحمه الله: "وإن لم يكن رقاب ولا مؤلفة ولا غارمون ابتدئ القسم على خمسة أسهم أخماساً على وصفت فإن ضاقت الصدقة قسمت على عدد السهمان ويقسم بين كل صنف على قدر استحقاقهم ولا يعطى أحد من أهل سهم وإن اشتدت حاجته وقل ما يصيبه من سهم غيره حتى يستغني ثم يرد فضل إن كان عنه ويقسم".
قال في الحاوي: وهذه مسألة قد مضت، فذكرنا أن أهل السهمان ثمانية أصناف فإن كملوا قسمت الزكاة أثماناً بينهم متساوية، وإن عدموا نقلت إلى أقرب البلاد بهم، وإن وجد بعضهم قسمت على من وجد منهم، وسقط سهم من عدم إلا الغزاة فإنهم يسكنون الثغور فينقل إليهم سهمهم إن كان الإمام هو القاسم لها.
فأما إن كان رب المال هو المتولي لقسمها سقط سهمهم إن عجز عن إيصاله إليهم؛ لأن الإمام يقدر على نقل سهمهم على ما لا يقدر عليه أرباب الأموال فافترق الحكم فيه.
مسألة 2
قال الشافعي: "فإن اجتمع حق أهل السهمان في بعير أو بقرة أو شاة أو دينار أو درهم أو اجتمع فيه اثنان من أهل الهماز أو أكثر أعطوه ويشرك بينهم فيه ولم يبدل بغيره كما يعطاه من أوصى لهم به وكذلك ما يوزن أو يكال".
قال في الحاوي: وهذا كما قال إذا كان مال الزكاة ينقسم قليلة ويتجزأ كالحبوب أعطي كل واحد من أهل السهمان حقه منه ولم يشرك فيه بين اثنين للاستغناء عن الشريك، وإن كان مما لا يتجزأ، كالإبل، والبقر، والغنم فإن اتسعت الصدقة أن ينفرد كل واحد منهم ببعير له أو بقرة أو شاة لم يشرك بينهم وأفرد كل واحد منهم بحقه وإن ضاقت الصدقة عن ذلك جاز أن يشرك الجماعة في البعير الواحد أو البقرة أو الشاة الواحدة سواء كانت الجماعة من صنف واحد أو أصناف بعد أن يبين حصة كل واحد منهم فيه؛ لأن التفضيل بينهم بحسب الحاجة معتبر من جهة العامل وغير معتبر من جهة رب المال، فإن لم يبين حصة كل واحد كانوا في الظاهر شركاء بالسوية فلم يجز أن يباع ذلك ويقسم عليهم ثمنه قبل أن يملكه إياهم، لأن القيم في الزكاة لا تجزئ، وسواء كان القاسم رب المال أو العامل، لأنهم أهل رشد لا يولى عليهم بعجز أرباب السهام إلا أن تدعو العامل الضرورة إلى بيعه، وإما لعطب الحيوان وخوفه من تلفه، وإما لبعد المسافة وإحاطة مؤونة نقله بجميع قيمته فيجوز له في هاتين الحالتين بيعه للضرورة، وقسم ثمنه فيهم، ولا يجوز ذلك لرب المال بحال لثبوت الزكاة في ذمة رب المال دون العامل وأن
للعامل ولاية ليست لرب المال.
قال الشافعي: وكذلك ما يوزن أو يكال يعني في أنه لا يجوز بيعه على أهل السهمان إلا عند الضرورة فتجوز للعامل دون رب المال.
مسألة 1
قال الشافعي: "وإذ أعطى الوالي من وصفنا أن عليه أن يعطيه ثم علم أنه غير مستحق نزع ذلك منه إلى أهله فإن فات فلا ضمان عليه لأنه أمين لمن يعطيه ويأخذ منه لا لبعضهم دون بعض لأنه كلف فيه الظاهر وإن تولى ذلك رب المال ففيها قولان أحدهما أنه يضمن والأخر كالوالي لا يضمن.
قال المزني ولم يختلف قوله في الزكاة أن رب المال يضمن".
قال في الحاوي: وصورة هذه المسألة في زكاة دفعت إلى مستحق لها في الظاهر فبان غير مستحق لها في الباطن، فهذا على ثلاثة أقسام:
أحدهما: ما يكون الضمان فيه على الدافع واجباً سواء كان الدافع لها إماماً أو مالكاً.
والثاني: ما لا يجب فيه الضمان على الدافع سواء كان إماماً أو مالكاً.
والثالث: ما يختلف في وجوب الضمان فيه بحسب اختلاف الدافع إن كان إماماً أو مالكاً.
فأما القسم الأول: الذي يجب فيه الضمان على الدافع إماماً كان أو مالكاً فهو أن تدفع إلى من لا يجوز الدفع إليه إلا ببينة على سبب استحقاقه كالمكاتب والغارم، فإذا دفعها إلى من ذكر أنه مكاتب أو غارم بغير بينة ثم بان أنه غير مكاتب ولا غارم فعلى الدافع الضمان إماماً كان أو مالكاً، لأن إخلاله بالبينة التي هي شرط في جواز الدفع تفريط منه، فإن أمكنه استرجاعها من المدفوع إليه مكان مسترجعاً لهما في حق نفسه لا في حق أهل السهمان لوجوب ضمانها عليه فلو دفعها بينة ثم بان أن البينة شهدت بزور أو خطأ كانت البينة ضامنة فإن كان الدافع إماماً ضمت البينة ذلك لأهل السهمان وكان الإمام بريئاً من الضمان وإن كان الدافع مالكاً كانت البينة ضامنة للمالك الذي هو رب المال وكان وجوبها باقياً في ذمة رب المال، والفرق بينهما أن للإمام ولاية على أهل السهمان ليست لرب المال.
فصل
وأما القسم الثاني الذي لا يجب فيه الضمان على الدافع سواء كان إماماً أو مالكاً فهو أن يدفعها إلى من يستحقها بسبب يستحدثه كابن السبيل والغازي فلا يسافر ابن السبيل ولا يغزو الغازي فلا ضمان على الدافع، لأنه لم يكن منه تفريط في الدفع سواء كان إماماً
أو مالكاً؟ لأن بالدفع قد سقطت الزكاة عن رب المال من غير أن يكون مراعاً بإحداث سفر أو جهاد لكن على الدافع مطالبة المدفوع إليه فإن كان عام الزكاة باقياً خيره في المطالبة بين رد ما أخذه وبين أن يستأنف سفراً، وغزواً، وإن كان عام الزكاة قد انقضى طالبه بالرد من غير تخيير، لأن زكاة كل عام مستحقة لأهلها في ذلك العام، لا في غيره، فإن لم يسترجع منه حتى سافر وغزا في العام الثاني نظر فإن كان قد أخذ في العام الثاني من زكاة ثانية استرجع منه ما أخذه في العام الأول، لأنه قد أخذ في العام الثاني ما استحقه بسفره وغزوه، وإن كان لم يأخذ في العام الثاني من زكاته ثانية يسترجع منه ما أخذه العام الأول، وكانت بمثابة زكاة أخرت من عام إلى عام، فإنها تقع موقع الأجزاء، وإن كره التأخير مع إمكان التعجيل فلو مات المدفوع إليه قبل السفر والغزو ولم يكن استرجاع ما أخذ، كان ذلك تالفاً في حق أهل السهمان.
فصل
وأما القسم الثالث: الذي يختلف فيه الضمان باختلاف حال الدافع إن كان إماماً أو مالكاً فهو مسألة الكتاب، وهو أن يدفعها إلى من يستحقها بالفقر والمسكنة فتبين غير مستحق فهذا على ضربين:
أحدهما: أن لا يستحقها لعدم الفقر.
والثاني: أن لا يستحقها مع وجود الفقر لسبب يمنع من جواز الأخذ فأما الضرب الأول: فهو أن يدفعها إلى رجل ظن به فقراً فبان غنياً، فإن كان الدافع لم يجتهد عند الدفع ضمن إماماً أو مالكاً لأن ترك الاجتهاد تفريط وإن كان قد اجتهد عند الدفع نظر فإن كان الدافع لها إماماً أو والياً عليها من قبل الإمام لم يضمن، لأنه أمير عليها لم يفرط فيها ولكن له استرجاعها من الآخذ لها إن كان حياً من تركته إن كان ميتاً سواء شرط عند الدفع أنها زكاة أو لم يشرط؛ لأن الوالي لا يدفع من الأموال إلا ما وجب وإن كان الدافع لها هو رب المال، ففي وجوب ضمانه قولان:
أحدهما: أنه لا يضمن كالإمام.
والثاني: يضمن بخلاف الإمام، والفرق بينهما من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن للإمام عليها ولاية ليست لرب المال فلم يضمنها إلا بالعدوان.
والثاني: أن الإمام بريء الذمة من ضمانها قبل الدفع فلم يضمنها إلا بتفريط ظاهر ورب المال مرتهن الذمة بضمانها قبل الدفع فلم يبرأ منها إلا باستحقاق ظاهر.
والثالث: أن الإمام لا يقدر على دفعها إلى مستحقها إلا باجتهاد دون اليقين فلم يضمن إذا اجتهد، ورب المال يقدر على دفعها إلى مستحقها بيقين، وهو الإمام مضمونة إذا دفعها بالاجتهاد.
فإذا تقرر هذا نظر في رب المال، فإن شرط عند الدفع أنها زكاة كان له استرجاعها من الآخذ لها إذا كان غنياً، وإن لم يشترط ذلك عند الدفع نظر في الآخذ لها فإن صدقه
أنها زكاة لزمه ردها، وإن لم يصدقه من يلزمه ردها بخلاف الإمام؛ لأن رب المال قد يعطى فرضاً وتطوعاً فلم يسترجع إلا بشرط والإمام لا يعطى إلا فرضاً واجباً فجاز أن يسترجع بغير شرط، ولأن للإمام ولاية على أهل السهمان فكان قوله عليهم مقبولاً وليس لرب المال عليهم ولاية فلم يقبل قوله عليهم فكان هذا فرقاً بين الإمام ورب المال في جواز الاسترجاع عند عدم الشرط، ولكن اختلف أصحابنا هل يكون لرب المال إحلاف المدفوع إليه؟ أنه لا يعلم أن ما أخذه تعجيل أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: له إحلافه، لأنه لو عمل لزمه الرد.
والثاني: ليس له إحلاف لأنه هو المفرط حيث لم يشترط، ولكن لو قال رب المال: شرطت التعجيل وقال المدفوع إليه: لم يشترط، كان له إحلافه وجهاً لوجه.
فصل
وأما الضرب الثاني وهو أن يكون غير مستحق لها مع الفقر لسبب يمنع من جواز الآخذ كفقير دفعت إليه، وظاهره الحرية فبان عبداً أو كان ظاهره الإسلام فبان كافراً، أو كان ظاهره أنه في سائر الناس فبان في ذوي القربى من بني هاشم بني المطلب رضوان الله عليهم فإن كان الدافع لم يجتهد في الآخذ لها عنا الدفع فعليه الضمان والياً كان أو مالكاً، وإن كان قد اجتهد فقد اختلف أصحابنا في ذلك على طريقتين:
إحداهما: أن الخطأ في ذلك كالخطأ في الفقير فلا يضمن إن كان والياً وفي ضمانه أن يكون مالكاً قولان، فهذه طريقة كثير من المتقدمين.
والثانية: أن الخطأ في هذا أخص بالضمان من الخطأ في الفقير فيضمن الدافع إن كان مالكاً، وفي ضمانه إن كان والياً قولان، وهذه طريقة أبي علي بن أبي هريرة وطائفة من المتأخرين وفرقوا بين الخطأ في الفقير وبين الخطأ في الحرية والإسلام بأنه لا يعلم يقين الفقر قطعاً فجاز أن يعمل فيه على الظاهر، ويعلم يقين الحرية والإسلام قطعاً فلم يجز أن يعمل فيه على الظاهر.
مثاله: أن من صلى خلف جنب أو محدث لم يعد صلاته لأنه لا يعلم يقين طهارة إمامه قطعاً، فإذا عمل فيها على الظاهر لم يعد، ولو صلى خلف امرأة وكافر، أعاد؛ لأنه قد يعلم يقين كون إمامه رجلاً مسلماً فإذا عمل على الظاهر أعاد.
وسوى أبو حنيفة بين خطأ الوالي والمالك وفرق بين الخطأ في الفقير وبين الخطأ في الحرية والإسلام الذي قدمناه وفيما مضى دليل كاف.
مسالة 1
قال الشافعي: "ويعطى الولاة زكاة الأموال الظاهرة الثمرة والزرع والمعدن
والماشية فإن لم يأت الولاة لم يسع أهلها إلا قسمها فإن جاء الولاة بعد ذلك لم يأخذوهم بها وإن ارتابوا بأحد فلا بأس أن يحلفوه بالله لقد قسمها في أهلها وإن أعطوهم زكاة لتجارات والفطرة والركاز أجزأهم إن شاء الله".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن الأموال ضربان: ظاهرة كالثمار، والزروع والمواشي، وباطنه كالدراهم والدنانير وعروض التجارات والركاز وزكاة الفطر فما كان منها باطناً لم يلزمه دفع زكاته إلى الإمام وجاز لأربابها أن يتولوا إخراجها وقسمها في أصلها وإن دفعوها إلى الولاة جاز وما كان منها ظاهراً ففيها قولان:
أحدهما: وهو قوله في الجديد أنها كالباطنة يجوز لأهلها أن يتولوا إخراج زكاتها ولا يلزمهم دفعها إلى الإمام.
والثاني: أن عليهم دفع زكاتها إلى الإمام أو عامله عليها، ولا يجوز لأربابها أن يتولوا إخراجها بأنفسهم مع القدرة على دفعها إلى الإمام أو عامله عليها، وبه قال مالك وأبو حنيفة وقد مضى توجيه القولين.
فإن تأخر الإمام وعامله وتعذر على أرباب الأموال دفع زكاتهم إليه فهل لهم على القول القديم إخراجها بأنفسهم أم لا على وجهين:
أحدهما: لا يجوز وتكون محبوسة عليه حتى يأتي فيتولى إخراجها لأن من استحق قدر مال لم يجز أن يدفع إلى غيره لتأخره كالديون.
والثاني: وهو ظاهر نصه في هذا الموضع يجب على أهلها تعجيل إخراجها بأنفسهما إذا تأخر الوالي عنهم؛ لأنه مستحق لجهات يمكن إيصاله إليها والوالي نائب، وتأخر الوالي النائب لا يوجب تأخر الحق كالوالي والوكيل، فإذا أخرجها أربابها عند تأخر الوالي ثم حضر فأخبروه بإخراجها فالقول قولهم وله إحلافهم إن استراب بهم، وفي هذه اليمين وجهان:
أحدهما: أنها مستحقة، فإن نكلوا عنها لم تؤخذ منهم الزكاة.
والثاني: أنها واجبة فإن نكلوا عنها أخذت منهم الزكاة بالوجوب المتقدم لا بالنكول وقد مضى تعليل ذلك في كتاب الزكاة.
مسألة 1
قال الشافعي: "إنما يستحق أهل السهمان سوى العاملين حقهم يوم يكون القسم".
قال في الحاوي: اعلم أن الشافعي قد نص في هذا الموضع على أن استحقاق أهل السهمان للزكاة يكون يوم القسم ونص في كتاب الزكاة أنها إذا وجبت في قرية فمات أحد
أهل السهمان أن نصيبه لوارثه فجعلها مستحقة يوم الوجوب وليس ذلك على قولين وإنما هو باختلاف حالين فالموضع الذي جعلها مستحقة يوم الوجوب إذا تعين أهل السهمان فيها مثل أن تجب الزكاة عليهم في قرية فيها من كل صنف من أهل السهمان ثلاثة فما دون فيكونوا في استحقاقها معنيين لا يجوز العدول عنهم إلى غيرهم، فعلى هذا يكون استحقاقهم لها معتبراً بيوم الوجوب لا بعد القسم، فلو مات أحدهم كان حقه لوارثه ولو غلب أو أيسر لم يسقط حقه منها ولو حضر القرية بعد الوجوب غريب لم يجز دفعها إليه.
والموضع الذي جعلها مستحقة يوم القسم إذا لم يتيقن أهل السهمان فيها مثل أن تجب الزكاة عليه في بلد كبير فيه كل صنف من أهل السهمان عدد كبير فيلزمه أن يعطى من كل صنف ثلاثة ويمنع الباقين، فلا يكونوا فيها معنيين فيكون الاعتبار باستحقاقهم يوم القسم لا يوم الوجوب، فعلى هذا لو مات أحدهم قبل القسم لم يعط وارثه ولو غاب أو أيسر لم يكن له فيها حق ولو حضر غريب بعد الوجوب وقبل القسم أعطى وبالله التوفيق.
باب ميسم الصدقات
مسألة 1
قال الشافعي رحمه الله: "ينبغي لوالي الصدقات أن يسم كل ما أخذ منها من بقر أو إبل في أفخاذها ويسم الغنم في أصول آذانها وميسم الغنم ألطف من ميسم الإبل والبقر ويجعل الميسم مكتوباً بالله؛ لأن مالكها أداها لله تعالى فكتب لله وميسم الجزية مخالف لميسم الصدقة لأنها أديت صغاراً لا أجر لصاحبها فيها وكذلك بلغنا عن عمال عمر رضي الله عنه أنهم كانوا يسمون.
وقال أسلم لعمر: إن في الظهر ناقة عمياء فقال عمر رضي الله عنه: ندفعها إلى أهل بيت ينتفعون بها يقطرونها بالإبل.
قال: قلت: كيف تأكل من الأرض؟ قال عمر: أمن نعم الجزية أو من نعم الصدقة؟ قلت: لا بل من نعم الجزية قال: فأمر بها عمر: أردتم والله لأكلها فقلت: إن عليها ميسم الجزية.
قال: فأمر بها عمر فنحرت.
قال: فكانت عنده صحاف تسع فلا تكون فاكهة ولا طريفة إلا وجعل منها في تلك الصحاف فيبعث بها إلى أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ويكون الذي يبعث به إلى حفصة رضي الله عنها من آخر ذلك، فإن كان فيه نقصان كان في حظها.
قال: فجعل في تلك الصحاف من لحم تلك الجزور فبعث به إلى أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمر بما بقي من اللحم فصنع فدعا عليه المهاجرين والأنصار.
قال: ولا أعلم في الميسم علة إلا أن يكون ما أخذ من الصدقة معلوماً فلا يشتريه الذي أعطاه لأنه خرج لله كما أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمر رضي الله عنه في فرس حمل عليه في سبيل الله فرآه ويباع أن لا يشتريه وكما ترك المهاجرون نزول منازلهم بمكة لأنهم تركوها لله تعالى".