بحر المذهب للرويانيكتاب الولاء
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قال: أخبرنا محمد بن الحسن الخبر.
الأصل في ثبوت الولاء للمعتق الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ومَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: 5]، الآية.
وأما السنة: فما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: «الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب»، ومعناه امتشاجا كامتشاج النسب واختلاطا كاختلاطه ولهذا قيل مولى القوم منهم، ولهذا لا تحل الصدقة لموالي بني هاشم، وأيضًا روى ابن عمر أن عائشة رضي الله عنهم أرادت أن تشتري [8/ أ] جارية فتعتقها، فقال أهلها: نبيعكها على أن ولاءها لنا فذكرت عائشة رضي الله عنها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «لا يمنعك ذلك، فإن الولاء لمن أعتق»، ومعنى لا يمنعك ذلك إبطال ما شرطوه من الولاء لغير المعتق، وأيضًا ما روى عروة: أن بريرة جاءت عائشة رضي الله عنها تستعينها في كتابتها ولم تكن قضت من كاتبها شيئًا، فقالت لها عائشة: ارجعي إلى أهلك، فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك ويكون ولاءك لي فعلت، فذكرت ذلك بريرة لأهلها، فأبوا، وقالوا: إن شاءت أن تحسب عليك فلتفعل ويكون ولاءك لنا، فذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال لها، رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ابتاعي وأعتقي فإن الولاء لمن أعتق»، قم قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «ما بال أناس يشترطون شروطا ليست في كتاب الله، من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فليس له وإن شرط مائة شرط شرط الله أحق وأوثق».
وروي أنها قالت: إن باعوني إياك صببت لهم صبا على أن يكون الولاء لي الخبر الذي قالت، ثم قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الناس، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «ما بال رجالٍ يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط قضاء الله أحق وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق»، فإن قيل: هذا الخبر لا يصح لأنه يؤدي إلى الغرور، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لا يأمر بالغرور.
وقد روي: ابتاعي واشترطي لهم الولاء، وهذا غرور ولأن فيه بيع المكاتب، وهذا لا يجوز [8/ ب].
وقد طعن فيه يحيى بن أكثر القاضي بمثل هذا قلنا: ليس فيه شيء يشبه معنى الغرور

الجزء: 8 - الصفحة: 224

والحلف وإنما فيه أن القوم رغبوا في بيعها فأجازه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأذن لعائشة في إمضائه وكانوا جاهلين بحكم الدين في الولاء لا يكون إلى لمعتق فطمعوا أن يكون الولاء لهم بلا عتق فلما عقدوا البيع وزال ملكهم إلى عائشة فأعتقها صار الولاء لها لأن الولاء من حقوق العتق، فلما تنازعوه قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فبين أن الولاء في الشرع للمعتق، وقوله: اشترطي لهم الولاء لم يذكره أبو داود وإن صحت فتأويلها: لا تبالي بما يقولون، فإن الولاء لا يكون إلا للمعتق، وليس ذلك على أن يشترط لهم ذلك قولا بل على معنى لا تلتفتي إليه، فإنه لغو من الكلام، وكان المزني يتأوله، فيقول قوله: اشترطي لهم الولاء، أي اشترطي عليهم كما قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [الرعد: 25] أي عليهم.
وأما قوله: بيع المكاتب لا يجوز ففي الخبر ما يدل على أنها كانت عجزت عن أداء نجومها ورضيت بأن تباع وبيعها يكون فسخًا للكتابة.
وقوله: ما بال أقوام يشتطرون شروطا ليست في كتاب الله تعالى يريد ليست على حكم الله تعالى، وعلى موجب قضاياه، ولم يرد به ليست في كتاب الله نصًا فإن أكثر الشروط الجائرة ليست في كتاب الله نصًا.
وروي هذا الخبر، أنه قال: اشتريها وأعتقيها، فإن الولاء لمن أعطى الثمن.
وأما الإجماع فلا خلاف بين المسلمين فيه.
واعلم أن الولاء يشتمل ثلاثة أحكام أحدها: الميراث والثاني: تحمل العقل، والثالث: الولاية في عقد النكاح والصلاة على الميت، [9/ أ] وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
واعلم أنه لا يجوز بيع الولاء وهبته.
وبه قال جمهور العلماء، وروي ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهم.
وقال عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب والأسود وعلقمة والشعبي والنخعي: يجوز بيع الولاء وهبته والوصية به واحتجوا بما روي عن عمرو بن دينار أنه قال: وهبت ميمونة بنت الحراث زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ولاء سليمان بن يسار لابن عباس رضي الله عنها، وكان مكاتبًا لها وابن عباس ابن أختها، ودليلنا، ما روى ابن عمر رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الولاء وهبته.
وقال محمد بن زياد كانت العرب تبيع ولاء مواليها وتأخذ عليه المال وأنشد في ذلك: فباعوه مملوكًا وباعوه معتقًا وليس له حتى الممات خلاص فنهاهم عن ذلك وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «من تولى غير مواليه فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه»،وأما ما رووه فلا يصح لأن الزهري أنكره.
وقال علي رضي الله عنه: «الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب»، أقروه حيث جعله الله.
وقال ابن مسعود

الجزء: 8 - الصفحة: 225

رضي الله عنه: الولاء نسب أفيبيع الرجل نسبه.
مسألة: قال وفي قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الولاء لمن أعتق» دليل على أنه لا ولاء إلا لمعتق».
وقد ذكرنا أن لا ولاء إلا للمعتق وحكي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: ولاء اللقيط للملتقط، وقال الحكم وحماد: [9/ ب] يثبت الولاء لمن أسلم على يديه، وله الرجوع فيه ما لم يعقل عنه، فإن عقل عنه أوعن صغار ولده لم يكن له أن يرجع فيه.
وقال أبو يوسف: إن اقترن به موالاة توارثا وإلا فلا يتوارثان، وقال عمر بن عبد العزيز وإسحاق والزهري: سيرثه على الأحوال كلها، واحتجوا بما روي أن تميمًا الداري رضي الله عنه قال: يا رسول الله، ما السنة فيمن أسلم على يدي رجل، فقال: هو أحق بمحياه ومماته ودليلنا ما ذكرناه، وقوله: أحق بمحياه ومماته أي بدفنه والقيام بأموره والإيثار والبر والصلة.
مسألة: قال: «ولو أعتق مسلم نصرانيًا أو نصراني مسلمًا، فالولاء ثابت لكل واحد منهما».
الفصل قد ذكرنا: أنه إذا أعتق الذمي عبدًا مسلما أو المسلم عبدًا ذميًا ثم مات المعتق، فالولاء للمعتق ويرث المعتق من كان على دينه لأن اختلاف الدين يقطع الإرث، وإن لم يقطع لولاء كما يقطع إرث النسب وإن كان لا يقطع النسب، قال الله تعالى: ﴿ونَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ [هود: 42]، وقال تعالى: ﴿إذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ﴾ [الأنعام: 74]، فلم يقطع النسب باختلاف الدين فكذلك الولاء.
وقال سفيان الثوري: يثبت الولاء ويرث به وحكي عنه أنه قال: إذا كان المعتق مسلمًا يرث من المعتق الكافر لأن الإسلام يعلو، وحكي عن مالك أنه قال: إذا أعتق الكافر مسلما لا ولاء له بل يكون ولاءه لكافة المسلمين.
وقال أيضا لو أعتق نصراني نصرانيًا ثم أسلم المعتق بطل ولاء مولاه، فإن أسلم مولاه لم يعد إليه الولاء [10 /أ].
مسألة: قال: «من أعتق سائبة فهو معتق، وله الولاء».
صورة المسألة أن يقول لعبده: أعتقتك سائبة، أو أنت حرة سائبة فإنه يعتق ولا يتعلق بقوله سابية حكم ويلغى ذلك، وقد ذكرنا أنه لو قال: أنت سائبة فهو كناية، فإن نوى به العتق وقع، وإلا فلا.
وقال مالك: إذ قال: أعتقتك سائبة، أو على أن لا ولاء لي

الجزء: 8 - الصفحة: 226

عليك أو على أن ولاءك للمسلمين ويكون ولاءه للمسلمين دون المعتق.
وبه قال عمر بن عبد العزيز والزهري وربيعة، ودليلنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الولاء لمن أعتق»، وقيل في قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ ولا سَائِبَةٍ﴾ [المائدة: 103]، أراد بالسائبة هذا.
وروي أن رجلا جاء إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وقال: إن أعتقت غلامًا لي وجعلته سائبة، فمات وترك مالا، فقال عبد الله: إن أهل الإسلام لا يسيبون إنما كان يسيبه أهل الجاهلية، وأنت وارثه، وولي نعمته، فإن تحرجت من شيء فأدناه أن تجعله في بيت المال، ويروى عن سالم مولى أبي حذيفة أنه كان مولى لامرأة من الأنصار، ويقال لها: عمرة بنت يعار أعتقته سائبة فقتل يوم اليمامة فأتى أبو بكر الصديق رضي الله عنه بميراثه فقال: أعطوه عمرة فأبت تقبله، وقيل: أتى عمر رضي الله عنه بميراثه فدعا وديعة بن خدام وكان وارث عمرة بنت يعار، فقال: هذا ميراث مولاكم فخذوه، فقال: يا أمير المؤمنين أعتقته صاحبتنا سائبة وقد أغنانا الله عنه فلا حاجة لنا به فجعله عمر رضي الله عنه في [10/ ب] بيت مال المسلمين.
وروي أن طارق بن المرتع أعتق أهل بيته سوائب، فأتي بميراثهم، فقال عمر رضي الله عنه: أعطوه ورثة طارق فأبوا أن يأخذوه، فقال عمر: اجعلوه في مثلهم من الناس.
ولأن الولاء من مقتضى العتاق كالرجعة في الطلاق الرجعي ولا تسقط الرجعة بالشرط فكذلك الولاء.
ثم قال الشافعي رضي الله عنه بعد هذا ردًا على مالك في السائبة، فقال: والمعتق سائبة معتق وهو أكبر من هذا في معنى المتعتقين يعني قد زاد على سائر المعتقين في قصد إزالة الملك، فكيف لا يكون له ولاء، فالمعتق سائبة قد أنفذ الله له العتق لأنه طاعة، وأبطل الشرط بأن لا ولاء له لأنه معصية، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الولاء لمن أعتق».
مسألة: قال: "ومن ورث من يعتق عليه أو مات عن أم ولده فله ولاءهم وإن لم يعتقهم صريحا لأنهم في معنى من أعتق».
جملة هذا أن كل مملوك عتق على غيره باختياره، أو غير اختياره ثبت ولاءه ل هـ ولو باع عبده من نفسه بمال في ذمته، ففي ولائه وجهان: أحدهما: أنه لسيده والثاني: لا ولاء لسيده لأنه لم يعتق من ملكه ولا يملك العبد الولاء على نفسه.
مسألة: قال: «وإذا أخذ أهل الفرائض فرائضهم، ولم يكن له عصبة قرابة من قبل الصلب كان ما بقي للمولى المعتق».
جملة هذا أن ما يكون العصبات للنسب فهو للمعتق إن لم يكن عصبة النسب لما

الجزء: 8 - الصفحة: 227

روي أن ابنة حمزة أعتقت جارية لها [11 /أ] فماتت المعتقة وخلفت مالا ولم يرثها إلا ابنة واحدة فأعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الابنة الصنف وأعطى المعتقة الباقي وليس هذا حمزة عم النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما هو حمزة آخر.
وروى الحسن: أن رجلاً أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - برجل، فقال: اشتريته وأعتقته، فقال: هو مولاك إن شكرك فهو خير له وإن كفرك فهو شر له وخير لك، فقال: ما أمر ميراثه، فقال: إن ترك عصبة، فالعصبة أحق به وإلا فالولاء.
وروى سعيد بن المسيب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «المولى أخ في الدين ونعمة يرثه أولى الناس بالمعتق».
مسألة: قال: «ولو ترك ثلاثة بنين، اثنان لأم، فهلك الذي لأم وترك مالا».
الفصل جملة هذا أن الولاء للكبير، وهكذا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد صور الشافعي فيما قضى به عثمان رضي الله عنه وإن كان في غيره أقرب وهي في رجل أعتق عبيدًا استحق ولاءهم ثم مات المعتق عن ماله وولاء مواليه، وخلف ثلاثة بنين اثنان منهم لأم واحد من أم أخرى فورثوا ماله وولاء مواليه أثلاثًا بالسوية ثم مات أحد اللذين من أم وخلف أخاه لأبيه وأمه وأخاه لأبيه وأخاه لأبيه ثم مات الأخ من الأبوين وخلف ابنين وأخاه لأبيه فورث ماله ابناه دون أخيه وتنازعوا في ولاء المولى، فقال الأخ: بولائهم منكما لأني ابن مولى، وأنتما ابنا ابن مولى، وقال ابنا الابن: لك ثلث ولائه ولنا ثلثاه حق أبينا بميراثه عن أبيه وأخيه [11/ ب] فقد اختلف في استحقاق الولاء هل يكون معتبرًا بموت العبد المعتق فيستحقه الكبير من عصابات المولى، أم يكون معتبرًا بموت المولى المعتق، فيكون مشتركًا بين القريب والبعيد، فمذهب عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت وأبي بن كعب وابن عمر وأسامة بن زيد وأبي مسعود البدري رضي الله عنهم والحسن وابن سيرين وعطاء والزهري والشعبي والشافعي وأبي حنيفة وداود رحمهم الله: أن الولاء يستحقه الكبير اعتباراً بموت العبد المعتق، فيكون ولاء من مات منهم لابن المولى دون ابن أبيه، وتفسير الكبير بالدرجة لا بالسن، فمن كان أقرب إلى المعتق، فهو الأكبر ولو كان أصغر سنًا.
ولو قال الشافعي: إذا مات أحد أبني المعتق عن ابن وأخ، فالأخ الذي هو ابن المعتق أولى بالولاء لا أن يكفيه في تفسير قوله: الولاء للكبير.
ولكنه صور فيما ذكرنا لما بينا أن الواقعة كانت هكذا في زمان عثمان رضي الله عنه، وذلك فيما روى عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبيه أن العامر بن هشام هلك وترك ثلاثة بنين، اثنان لأم وواحد من أم أخرى، فهلك أحد اللذين لأم وترك

الجزء: 8 - الصفحة: 228

مالاً وموالي فورثه أخوه لأبيه وأمه وورث ماله وولاءه إليه ثم هلك الذي ورث المال والموالي وترك ابنه وأخاه لأبيه، فقال ابنه: قد أحرزت ما كان أبي أرحز فقد أحرزت المال وولاء الموالي.
وقال أخوه ليس كذلك إنما أحرزت المال فأما ولاء الموالي فلا: أرأيت لو هلك أخي اليوم ألست أنا أرثه فاختصما إلى عثمان رضي الله عنه فقضى لأخيه [12/ أ] بولاء المولى، وحكى عن ابن مسعود في رواية وشريح أن ولاء من مات منهم موروث يستحقه القريب والبعيد له اعتبارًا بموت المعتق، فيكون لابن المولى في هذه المسألة ثلث ولأبيه وابني ابنه ثلثاه.
ودليلنا ما روى جابر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب ولا يورث ولا يتصدق به»، يعني لا يورث ميراث المال ولكن الكبير أقرب، فكان بالميراث أحق كالنسب ولأنه لما كان الميراث بالنسب معتبرًا بموت الموروث كان كذلك في الميراث بالولاء، وعلى هذا لو خلف رجل ثلاثة بنين فمات واحد منهم وخلف ابنًا ومات الآخر، وخلف ابنين ومات الآخر، وخلف ثلاثة بنين، وظهر لجدهم المتوفى مولى فإن ولاءه بينهم على ستة لكل واحد منهم سهم، ولو ظهر له مال لكان المال بينهم أثلاثًا للابن الواحد الثلث وللابنين الثلث وللثلاثة الثل.
والفرق بينهما أنهم يأخذون الولاء عن الجد لا عن آبائهم والمال يأخذونه عن آبائهم لا عن الجد فورث كل واحد منهم مقدار ما مات عنه أبوه وهو الثلث، وعلى قوله من جعل الولاء موروثا يعطيهم سهام آبائهم فيجعل الثلث لابن الابن والثلث لابني الابن الآخر والثلث لثلاثة بني الابن الآخر وتصح من ثمانية عشر سهمًا، وعلى هذا لو اشترك أب وابن في إعتاق عبد ثم مات الأب وخلف ابنًا آخر ومات المعتق كان لابن المعتق ثلاثة أرباع ولاءه النصف منه بمباشرة عتقه والربع بميراثه عن أبيه والابن الذي ليس بمعتق ربع ولاية بميراثه عن أبيه [12/ ب].
فلو مات ابن المعتق وترك ابنًا وأخًا ثم مات العبد المعتق كان لأخيه نصف ولائه وللابن نصف ولائه اعتبارًا بالكبر على قول من جعل الولاء موروثًا جعل للأخ ربع ولائه وللابن ثلاثة أربع ولائه، وعلى هذا لو أعتقت امرأة عبدًا وماتت وخلفت ابنًا وأخًا ثم مات العبد كان ولاءه لخاله دون عمه لأن الخال أخو المعتقة والعم أجنبي عنها وهذا قول من جعله الولاء للكبر وعلى قول من جعل موروثًا يجعل الولاء لعم الابن، وإن كان أجنبيًا من المعتقة دون الخال وإن كان أخًا لانتقال ماله إلى عمه دون خاله.
ثم قال الشافعي والإخوة من الأب والأم أولى من الإخوة للأب، وقد ذكرنا ذلك ولا خلاف فيه بخلاف صلاة الجنازة وولاية النكاح في أحد القولين لأن للنساء مدخلا في الولاء إذا أعتقن، أو أعتق من اعتقن فكان اجتماع قرابة الأم مع قرابة الأب فيه يوجب الترجيح على التفرد بقرابة الأب بخلاف ذلك.

الجزء: 8 - الصفحة: 229

فرع لو خلف أخًا لأمٍ وعمًا وابن عم كان الولاء للعم وابن العم ولا ولاء للأخ من الأم لأنه ليس بعصبة وابن العم عصبة، ولو خلف ابني عم، أحدهما أخ لأم.
قال القاضي أبو حامد في الجامع كان ابن العم الذي هو أخ للأم أولى نص عليه الشافعي، قال أصحابنا: هذا صحيح بخلاف النسب، فغن هناك أخذ الأخ للأم شيئا ثم الباقي بينهما لأنه استحق هناك فرضًا بالإخوة، فلم يترجح بها وههنا يأخذ فرضًا بها فترجح بها.
واعلم أن الولاء يستحق بشيئين أحدهما بأن يعتق [13/ أ] مملوكًا ويعتق ذلك المملوك مملوكًا آخر فيثبت له الولاء على ذلك، ويستوي فيه الرجال والنساء والثاني بأن يكون عصبة للمعتق والتعصيب لا يثبت إلا للرجال ولا تعصيب للنساء فلا يستحقن الولاء عن المعتق، فإن قيل: إذا خلف المعتق ابنًا وابنة فقد عصب الابن أخته فيجب أن يستحقا الولاء قلنا: الولاء بمنزلة النسب المتراخي، والأخ لا يعصب أخته في النسب المتراخي بدليل أن ابن الأخ لا يعصب أخته وابن العم لا يعصب أخته وعلى ما ذكرنا لو اشترت البنت أباها ثم مات الأب، فالمال كله لها نصفه بالنسب ونصفه بالولاء، ولو كان هناك ابن وابنة فاشتريا أباهما ثم مات كان المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين بالنسب ولا حكم للولاء مع النسب، ولو أعتق هذا الأب عبدًا ثم مات الأب ثم مات العبد كان ولاء العبد للابن دون البنت لأنه عصبة مولاه، فكان مقدما على مولاه فولاه.
وأما جره الولاء فقد شرحناه في كتاب الفرائض.
ونشير ههنا إلى بعض المسائل.
وجملته أن جر الولاء ثابت عندنا خلافًا للزهري ومجاهد وهو رواية شاذة عن زيد بن ثابت رضي الله عنه واحتجوا بأن الولاء كالنسب والنسب إذا ثبت في جهة لم ينتقل كذلك الولاء ودليلنا أن النسب معتبر بالآباء دون الأمهات كذلك الولاء، وإنما اعتبر ههنا بالأم للضرورة من جهة الأب إذا ارتفعت الضرورة انتقل كولد الملاعنة إذا اعترف به أبوه عاد إلى نسبه.
وروي هشام بن عروة عن أبيه، [13/ ب] قال: مر الزبير بموال لرافع بن خديج، فأعجبوه، فقال: لمن هؤلاء، فقالوا: هؤلاء موالي لرافع بن خديج وأبوهم عبدًا لفلان، فاشترى الزبير أباهم، فأعتقه، ثم قال: أنتم موالي فاختصم الزبير ورافع إلى عثمان رضي الله عنهم، فقضى عثمان للزبير، فقال: هشام، فلما كان معاوية خاصمونا فقضى لنا معاويه.
وقد ذكرنا أنه إذا أعتق الجد هل يجر الولاء فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يجر أيضًا إلى معتق نفسه وبه قال شريح ومالك والشعبي، والثاني: لا يجر أصلا وبه قال أبو حنيفة، والثالث: إن كان الأب حيًا لا يجر، وإن كان ميتًا جره لأن الجر بموت الأ ب يستقر ومع بقائه لا يستقر، فإذا قلنا: يجر فلو جر معتق الجد ولاءه ثم أعتق العبد بعده ف قد ذكرنا أن معتق الأب يجر من معتق الجد وهو الصحيح لأن الولادة فيه مباشرة وفي الحد بعبده وفيه وجه آخر لا يجر لاستقراره في نسب الأبوة.

الجزء: 8 - الصفحة: 230

ولو أعتقت أمة حامل من زوج مملوك فولدت ابنًا ثم أعتق إن كان ولاء الابن لمعتق الأم ولم يجر معتق الأب لأن عتق الابن مباشرة والولاء في عتق المباشرة لا يزول ولو لم تلده قبل، وعتق الأب وولدته بعد عتقه فإن ولدته لأقل من سنة أشهر من عتقها كان عتقه عن مباشرة لعلمنا بكونه حملا وقت عتقها، وإن ولدته لأكثر من أربع سنين جر معتق الأب ولاءه عن معتقها لعلمنا بعدمه وقت عتقها وإن ولدته لأكثر من ستة أشهر، وأقل من أربع سنين، فإن لم يلحق بالزوج فولاءه غير مجرور وإن ألحق بالزوج، [14/ أ] ففي جر ولائه وجهان: أحدهما: إنه مجرور لأننا على يقين من حدوث الولادة في شك من تقدمها، والثاني: أنه غير مجرور لأننا على يقين من ثبوت ولائه لمعتق الأم وفي شك من جره إلى معتق أبيه.
ولو تزوج حر لا ولاء عليه بمعتقة عليها ولاءه فأولدها ولدًا فإن كان معروف النسب فحققنا حريته كالعرب، فلا ولاء على ولده لأنه لو أولدها في الرق لم يكن الولد رقيقًا فكان أولى إذا أولد بعد ثبوت الولاء أنه لا يكون عليه ولاء وإن كان الأب مجهول النسب، ففي ثبوت الولاء على ولده لمعتق أمه وجهان: أحدهما: لا يثبت تغليبا لظاهر الحرية وهو وظاهر مذهب الشافعي والثاني: عليه الولاء لاحتمال حال الأب وثبته الولاء على الأم وحكي هذا عن أبي حنيفة ومحمد.
ولو تزوج بمعتقة عليها ولاء وأولدها ابنًا دخل في ولاء أمه ثم اشترى الابن أباه عتق عليه وكان له ولاءه وفي جره لمولى نفسه من معتق أمه وجهان: أحدهما: لا يجره بعتق أبيه لأنه لا يملك ولاء نفسه ويكون ولاؤه باقيًا لمعتق أمه وهو ظاهر مذهب الشافعي لأنه لا يعقل عن نفسه ولا يرثها.
وحكي هذا عن أبي حنيفة، والثاني: يجر ولاءه نفسه بعتق أبيه ولا يملكه على نفسه ولكن يزول به الولاء عن نفسه ويصير به حرًا ولا ولاء عليه لأن عتق الأب يزيل الولاء عن معتق الأم.
وبه قال ابن سريج: فعلى هذا لو أولدها ابنتين، فاشترت إحداهما أباه يعتق عليها، وكان لها ولاؤه وجرت إلى نفسها ولاء أختها وفي جرنا لولاء نفسها وجهان: [14/ ب] على ما ذكرنا فإذا قلنا: يجره ويسقط به الولاء عنها فإن مات الأب كان ثلثا ميراثه بين بنتيه نصفين بالنسب والثلث الباقي لبنته المعتقة بالولاء، ولو ماتت بعد الأب البنت التي ليست بمعتقة كان لأختها المعتقة نصف ميراثها بالنسب ونصفه الباقي بالولاء الذي جرته من معتق الأم ولو كانت الميتة بعد أبيها هي البنت المعتقة وخلفت أختها كان لأختها نصف ميراثها، وفي نصفه الباقي وجهان: أحدهما: أنه لمولى أمها إذا قلنا: لا تجر ولاء نفسها، والثاني: لبيت المال إذا قلنا: جرت ولاء نفسها.
فرع آخر ولو قال لأمته: إذا ولدت ولدًا، فهو حر فولدت ولدًا ميتًا ثم ولدت ولدًا آخر فالذي يقتضي المذهب أن الثاني لا يعتق، وبه قال أبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: يعتق لأن العتق يستحيل في الميت فتعلقت اليمين بالحي كما يقال: إن ضربت فلانًا فعبدي

الجزء: 8 - الصفحة: 231

حر فضربه حيًا عتق وإن ضربه ميتًا لم يعتق، وهذا لا يصح لأن شرط العتق وجد، وهو الولادة بدليل أنه لو قال لها: إن ولدت فأنت حرة، فولدت ولدًا ميتًا عتقت.
فرع آخر ولو قال لعبده أنت حر كيف شئت.
قال أبو حنيفة: يعتق في الحال ولا يقف العتق على مشيئته، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يعتق حتى يشاء، وهذا يشبه أن يكون مذهبًا ولا نص فيه.
فرع آخر لو كان عبده مقيدا فحله بعتقه أن ما في قيده عشرة أرطال حديد وحلف بعتقه أن لا يحله هو ولا أحد من الناس، فشهد عند القاضي شاهدان أن قيده خمسة أركال، [15/ أ] فحكم بعتقه وحل القيد فوجد فيه عشرة أرطال حديد.
قال أبو حنيفة: يجب على الشاهدين قيمة العبد، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجب عليهما شيء، وهو الصحيح وبناه أبو حنيفة على أصله أن حكم القاضي ينفذ في الباطن وإن كان بشهادة الزور فكان العتق وقع بشهادتهما ووجه الآخر أنه عتق بحل القيد دون ما شهدوا به، وقال أبو حنيفة: إذا شهدوا بموت السيد للعبد المدبر، وحكم بعتقه، ثم بان أنه حي بطل الحكم بعتقه لثبوت كذبهم قطعًا فكذلك ههنا.

الجزء: 8 - الصفحة: 232

فصول الكتاب · 74 فصل · 44 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بحر المذهب للروياني · 44 صفحة
المقدمةالمقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاةكتاب الجمعةكتاب صلاة الخوفكتاب صلاة العيدينكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب زكاة الفطركتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الصيد والذبائحكتاب الضحاياكتاب الأطعمةكتاب السبق والرميكتاب البيوعكتاب مختصر الرهن من كتابين جديد وقديمكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب الوديعةكتاب قسم الفيء وقسم الغنائمكتاب الصدقاتكتاب العاريةكتاب الغضبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب الشرط في الرقيقكتاب الإجاراتكتاب العطايا والصدقات والحبس والسائبةكتاب المزارعة وكراء الأرضكتاب إحياء المواتكتاب اللقطةكتاب الفرائضكتاب الوصاياكتاب العتقكتاب الولاءكتاب المدبركتاب مختصر المكاتبكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب الأيمانكتاب النذوركتاب أدب القضاءكتاب العددكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب القتلكتاب الدياتكتاب قتال أهل البغيكتاب الحدودكتاب السرقةكتاب قطاع الطريقكتاب الأشربةكتاب السيركتاب الجزيةكتاب القاضي إلى القاضيكتاب الشهاداتكتاب الأقضية واليمين مع الشاهدكتاب القسامةكتاب الشهادات الثانيكتاب الدعوى والبينات
جارٍ التحميل