بحر المذهب للرويانيصفحات 6-45

القفال أنه على قول واحد، وقال في "الحاوي" إن لم يكن الحرام مالًا ولا في حكم المال كالميتة والخنزير، فقول واحد لأنه يمسك الحلال بكل الثمن، وإن كان في حكم المال كأم الولد أو يمكن أن يقوّم تقويم المال كالحر فيه قولان، والأصح أنه يمسك بالقسط، وهذا حسن عندي.
ومن أصحابنا من قال: القولان فيما يتقسط الثمن على قيمتهما.
فأما فيما يتقسط على أجزائهما كالطعام يمسك حصته قولًا واحدًا؛ لأن ما قابله من الثمن معلوم، ومن أصحابنا من قال: وهو الصحيح في الكل قولان، لأن الشافعي نص في الثمار التي وجبت الزكاة فيها إذا باعها على هذين القولين هل يمسك بكل الثمن أو بالحصة؟ وإذا قلنا: يمسك بكل الثمن لا خيار للبائع، وإذا قلنا: يمسك لحصته من الثمن هل للبائع الخيار؟ وجهان: أحدهما: له الخيار؛ لأنه يثبت للمشتري الخيار إذا تبعض عليه المبيع فيثبت للبائع الخيار [ق 5 ب] إذا تبعض عليه الثمن.
والثاني: وهو الصحيح لا خيار، لأنه دخل في العقد عالمًا أنه يصح في العبد دون الحر وأنه لا يقابله الثمن فرضي بتبعض الثمن، وأما في النكاح إذا جوزنا في الجائز.
لا تلزمه إلا الحصة من المهر فيوزع المسمى على مهر المثل المرأتين قولًا واحدًا، لأنه لا خيار له فيه، فإن ألزمناه بكل المسمى في مقابلة بضع إحدى المرأتين كان ظلمًا وفي البيع له الخيار، فإذا ألزمناه بكل الثمن في أحد القولين ما ظلمناه لأنه اختار ذلك هل إذا باع معلومين، أما إذا باع معلومًا ومجهولًا مثل إن قال: بعتك عبدي هذا وعبد آخر بألف، فإن قلنا: لا تفرق الصفقة بطل فيهما، وإن قلنا: تفرق، فإن قلنا: يأخذ الباقي بكل الثمن أو يرد صح لأن الجهالة قد زالت.
وإن قلنا: يأخذ الحصة بطل لأنه لا يمكن الرجوع إلى حصته ثمنه من المسمى لأن الآخر مجهول.
والقسم الثاني: من تفريق الصفقة وهو أن يفرق في الانتماء وذلك قسمان: أحدهما: أن يفرق بغير اختيار من أحدهما.
والثاني: أن يكون بالاختيار، فأما بغير الاختيار فقسمان: أحدهما: أن ينفسخ في أحدهما والآخر قائم.
والثاني: أن يكون الآخر [ق 6 أ] تالفًا، فإن كان قائمًا مثل أن يبيع عبدين فيموت أحدهما قبل القبض والآخر باقٍ في يده، أو في المشتري أو يكري دارين فتنهدم إحداهما، فالصحيح أن هذه المسائل لا تبطل العقد في الآخر قولًا واحدًا؛ لأن الفساد لم يوجد في نفس العقد ولا يتعدى من أحدهما إلى الآخر ثم للمشتري الخيار، فإن اختار

الإجارة يمسكه بحصته قولًا واحدًا، لأن الثمن قابلهما جميعًا، فإن تلف أحدهما لم تنتقل حصته من الثمن إلى الآخر؛ بل بقي بحصته بخلاف ما لو كان أحدهما ميتًا عند العقد؛ لأن العوض لا يقابل الميت، وهذا اختيار أبي حامد.
وقال بعض أصحابنا: يجيء فيه القولان لتفريق الصفقة؛ لأن الفساد الطارئ بعد العقد قبض القبض بمنزلة المقارن، وكذلك هل يمسك الباقي بحصته من الثمن أو بكل الثمن؟ قولان، ذكره القاضي الطبري، أو القاضي أبو حامد وهذا ضعيف عندي، ومن أصحابنا من قال: هذا مرتب على القسم الأول فإن قلنا: هناك.
يبطل في الكل فههنا قولان، وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا إذا لم يقبض أحدهما، فإن قبض أحدهما وتلف الآخر في يد البائع ترتب على ما لم يقبض أحدهما [ق 6 ب].
فإن قلنا: لا يبطل هناك في القائم فههنا أولى، وإن قلنا هناك يبطل فههنا قولان.
والفرق أنه تأكد بالقبض بخلاف ذاك، وإن وقعت الصفقة على سلعة بعينها كثوب أو دار فاحترق بعض الثوب أو انهدم بعض الدار، أو كان عبدًا فذهب بعض أعضائه فإنه يأخذ ما بقي ناقصًا بكل الثمن إن اختار الإجازة.
وروى البويطي هذا ثم قال: وقد قيل: يأخذه ويقسط عنه ما يقبض بحصته من الثمن، وهذا غلط والمذهب الأول، هذا إذا كان بآفة سماوية فإن جنى عليه فقد ذكرنا، والقسم الآخر أن يكون الآخر تالفًا عند المشتري بأن يتلف أحد العبدين عنده ويتلف الآخر عند البائع، أو يكتري دارًا فيسكنها بعض السنة، ثم انهدمت فما مضى من السنة من منفعته مقبوضة تالفة ومنفعة الباقي تلفت قبل القبض، فالحكم فيه ما قلنا أن الفساد لا يؤدي إلى التالف عند المشتري أو عند المستأجر، وهل له الخيار في الفسخ فيما تلف عنده حتى يرد قيمته ويسترد كل المسمى أو في الدار يغرم أجرة المثل لما مضى ويسترد المسمى كله؟ قولان، أصحهما ليس له ذلك بخلاف ما لو كان الباقي قائمًا يمكن رده، والباقي له الخيار {ق 7 أ) كما في القائم، ثم سواء قلنا: لا خيار له أو قلنا: له الخيار فاختار الإجازة فإنما يلزمه بالصحة قولًا واحدًا للعلة التي ذكرنا بكل ما قلنا في البيع والإجازة فمثله في المسلم إذا قبض البعض ثم انقطع جنس المسلم فيه من أيدي الناس وقلنا: ينفسخ العقد فيما بقي بنفاد المسلم فيه.
فأما إذا قلنا: لا ينفسخ ولكن يثبت للمشتري حق الفسخ فالكلام فيه كالكلام في الرد بالعيب، وهو القسم الآخر أن يكون الفسخ بالاختيار وله حالتان أيضًا إما أن يكون الآخر الذي لا عيب به أو لا يريد رده قائمًا أو تالفًا، فإن كان قائمًا فهل له تفريق الصفقة؟ قد ذكرنا قولين، وإذا جوزنا ورد أحدهما رده بحصته من الثمن، ولا يجوز غير هذا لأنه لو رده بكل الثمن يكون ظلمًا، وإن أمسك الباقي بكل الثمن باختياره فدعت فائدة الرد، وإن كان الآخر تالفًا، فإن قلنا: هناك له تفريق الصفقة فههنا أولى وإلا فقولان وقد ذكرنا ذلك.

باب اختلاف المتبايعين

أخبرنا أبو عيينة.... وذكر الخبر.... إذا اختلف المتبايعان في قدر الثمن الذي عقد به البيع فقال البائع: بعت بألفين وقال المشتري: بل بألف يتحالفان [ق 7 ب] ويفسخ العقد، ولا فرق بين أن تكون السلعة قائمة أو تالفة وبه قال محمد، وأحمد في رواية، وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: إن كانت السلعة قائمة يتحالفان، وإن كانت تالفة فالقول قول المشتري مع يمينه ولا يتحالفان، وهي الرواية الأخرى عن أحمد.
وعن مالك ثلاث روايات: إحداها: مثل قولنا.
والثانية: قول أبي حنيفة.
والثالثة: إن كان قبل القبض يتحالفان، وإن كان بعض القبض، فالقول قول المشتري وذكر في "الحاوي" رواية عنه أن القول قول من الشيء في يده، لأن اليد تدل على الملك.
وقال زفر، وأبو ثور وداود: القول قول المشتري بكل حالٍ؛ لأن الأصل براءة الذمة واحتج الشافعي- رحمه الله- بما روى ابن مسعود- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا اختلف المتبايعان فالقول قول البائع والمبتاع بالخيار.
وفي ظاهر هذا اللفظ إشكال؛ لأن الإجماع من الجمهور منعقد على التحالف في حال قيام السلعة وليس في ظاهر هذا اللفظ أمر بالتحالف ولكنه قال: فالقول قول البائع والمبتاع بالخيار.
وإزالة هذا الإشكال أن يقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين من الحكم ما هو {ق 8 أ) أقرب إلى الإشكال والوهم، وأعرض عن بيان الواضح.
ومعلوم أن البائع إذا ادعى على المشتري زيادة الثمن فلا يكاد يشكل أن القول قول المشتري في نفي تلك الزيادة، وإنما يشكل جانب البائع في هذه المسألة فعمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى محل الإشكال وأوضحه بقوله: "فالقول قول البائع" وقد علم بالإجماع الذي لا يخفي معناه أن القول قول المشتري فتوجه اليمين على كل واحد منهما، وإن كانت إحدى اليمينين بظاهر الخبر واليمين الأخرى بالإجماع، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- في حديث آخر، وهو ما رواه مالك أنه بلغه عن ابن مسعود- رضي الله عنه- أنه كان يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أيما بيعين تبايعا فالقول قول البائع أو يترادان" ومعنى هذا الحديث مثل معنى الحديث الأول وليس في هذا الحديث ذكر الاختلاف ومعناه الاختلاف ولكنه ضرب عن الإيجاز والاختصار، وإنما قوله في الحديث

الأول "والمبتاع بالخيار" فمعناه، والله أعلم أن البائع إذا ادعى أن البيع انعقد بألفين والمشتري يزعم أنه انعقد بألفٍ فالمبتاع {ق 8 ب) بالخيار إن شاء أحدهما بألفين كما يزعم البائع، وإن شاء خلف وفسخ ورد واسترد.
وهذا الخيار كان للبائع أيضًا، لأنهما إذا تحالفا فالبائع إن شاء طلب الفسخ، وإن شاء رضي بقول المشتري وسلم السلعة بألفٍ، وهذا أيضًا ضرب من الاختصار فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ذكر الخيار في جانب المشتري نبهنا على الخيار في جانب البائع لاشتراكهما في الصفة واستوائهما في التحالف.
وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا اختلف المتبايعان يتحالفا ويترادا" ومعنى التراد: يحتمل أن يكون راجعًا إلى تراد العقد وهو الفسخ، وقيل: إنما ذكر البائع لأنه يبدأ بيمينه، ثم قال الشافعي- رحمه الله تعالى-: "قَضَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنَّ البَيِّنَةَ عَلَِى المُدَّعِي وَاليَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيهِ" فإذا تبايعا عبدًا ثم اختلفا في الثمن فالبائع يدعي فضل الثمن والمشتري يدعي ملك السلعة بأقل من الثمن فيتحالفان، وقصد الشافعي به تقرير ما قدمناه تقريره وهو أن كل واحد منهما مدعي من وجه ومدعى عليه من وجه فتوجهت اليمين على كل واحد منهما.
واحتجوا بما روى ابن مسعود رضي {ق 9 أ) الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة ولا بينة لأحدهما تحالفا فشرط قيام السلعة، قلنا: روى بعض مشايخنا بخراسان، والسلعة قائمة أو تالفة" ثم نص على قيام السلعة تنبيه على حال تلف السلعة؛ لأن عند قيامها يمكن معرفة ثمنها في العرف وقول من هو أقرب إلى الصدق بخلاف حال التلف، فإذا تحالفا حال قيام السلعة فلأن يتحالفا عند التلف أولى.
وهكذا لو اختلفا في قدر المبيع فقال البائع: بعتك هذا العبد وحده بألف، وقال المشتري: بل هذا وهذا الآخر بألف أو في صفة الثمن، فقال البائع بالصحاح، وقال المشتري بالمكسرة وهكذا لو اختلفا في شرط يلحق بالعقد يختلف الثمن باختلافه مثل إن قال: بعتك بألفٍ نقدًا، وقال المشتري إلى سنة، أو قال البائع إلى سنةٍ، وقال المشتري: إلى سنتين أو اختلفا في أصل خيار الشرط أو في قدره، أو ضمان عهدة المبيع أو في قدرها أو في الشهادة، أو في قدرها مثل إن قال: على أن تشهد لي بالثمن شاهدين، وقال المشتري: بل {ق 9 ب) شاهدًا واحدًا، ففي كل هذا يتحالفان.
وقال أبو حنيفة، وأحمد- رحمهما الله تعالى-: لا يتحالفان في هذه المسائل والقول قول من ينفيه.
وهذا غلط لأنهما اختلفا في صفة العقد القائم بينهما وليس معهما بينة فوجب أن يتحالفا، كما لو اختلفا في الثمن.
وأما إذا اختلفا في شرط يفسد العقد فالقول قول من ينفي ذلك بلا خوف نص عليه في البويطي.
هكذا ذكره أهل العراق، وقد

ذكرنا عن صاحب "التقريب" أنه قال: القول قول مدعي الفساد، وكان ينكر أصل العقد والأصل عدمه فيقبل قوله.
وقال القفال: عندي فيه قولان، وقال صاحب "الإفصاح" والقاضي الطبري وجهان كمن أقر بمال وقرن به ما يسقطه مثل إن قال: ضمنت مالًا على أني بالخيار أو على ألفٍ من ثمن عبد اشتريته بثمن مجهول.
ولا فرق بين هذا وبين أن يقول: اشتريت منه هذا العبد بألف بأجل مجهول، ولو اختلفا في شيء مما ذكرنا بعدما تلف المبيع في يد البائع لا معنى له؛ لأن البيع قد بطل بذلك ولو اختلفا فقال: بعتكه بشرط البراءة من العيب وأنكر المشتري، فإن قلنا: هذا الشرط يبطل البيع فالقول قول من ينفيه على ظاهر {ق 10 أ) المذهب.
وإن قلنا: يصح البيع والشرط وقد ذكرنا أن القول قول المشتري وهو الصحيح ويبطل الشرط فلا يحتاج إلى التحالف، لأنه لا يضر إقرارهما به، والشرط غير لازم، وإن بدأ بيمين المشتري جاز، وهكذا ذكره عامة أصحابنا.
وقال في "الحاوي": ظاهر المذهب أنه يبدأ بيمين البائع، فهل تقديمه في اليمين بطريق الأولى أو من طريق الاستحقاق؟ وجهان: أحدهما: أنه استحقاق فإن قدم عليه المشتري لا يجوز إلا أن يؤدي إليه اجتهاده وهو الأشبه.
والثاني: أنه على طريق الأولى، فإن قدم على المشتري جاز، وإن لم يؤد إليه اجتهاده.
ثم اعلم أنه نص ههنا أنه يبدأ بيمين البائع.
وقال في السلم يبدأ بيمين المسلم إليه، وهو بمنزلة البائع.
وقال في الكتابة: يبدأ بيمين السيد وهو كالبائع.
وقال في "النكاح": إذا اختلفا في الصداق يبدأ بيمين الزوج وهو كالمشتري وقال في "كتاب الدعوى والبينات": يبدأ بيمين البائع.
قال للمشتري: رضيت أن تأخذهما حلف المشتري قال للبائع: إن رضيت أن تسلم إليه المبيع بما حلف عليه سلمت وإلا حلفت، وهذا يقتضي أن يكون بالخيار في البداية بأيهما {ق 10 ب) شاء واختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يبدأ بيمين البائع وبه قال أحمد للخبر الذي ذكرنا، فالقول قول البائع والمبتاع بالخيار، ولأن جانبه أقوى لأنهما إذا تحالفا انفسخ البيع وعادت السلعة إلى ملك البائع فكان اليمين من جانبه كما قلنا في صاحب اليد القول قوله مع يمينه.
والثاني: يبدأ بيمين المشتري، وبه قال أبو حنيفة؛ لأن جانبه أقوى فإنهما يقران بأن السلعة ملكه في الحال، وإنما يدعي البائع عليه زيادة الثمن.
والثالث: الحاكم بالخيار فيبدأ بأيهما شاء، لأنهما مدعوان، لأن حق البائع في

الثمن وحق المشتري في المبيع فتساويا في اليمين كرجلين تنازعا دارًا في أيديهما فالحاكم يحلفهما ويبدأ بما شاء منهما.
وقال بعض أصحابنا: المسألة على قول واحد يبدأ بيمين البائع، وإنما قال في النكاح: يبدأ بيمين الزوج لأنهما إذا تحالفا لا يبطل النكاح ويبقى البضع على ملك الزوج كما تبقى السلعة على ملك البائع بعد التحالف ههنا فحل الزوج محل البائع.
وأما قوله في "كتاب الدعوى والبينات" له تأويلان: أحدهما: أنه أراد أن يبين البداءة ليست بشرط في صحة اليمين {ق 11 أ) ههنا وإنما هي استحباب.
والثاني: ذكر مذهب الحاكم لا مذهب نفسه فكأنه قال: إن كان مذهب الحاكم البداية بيمين البائع، قال للمشتري كذا، وإن كان مذهبه البداية بيمين المشتري قال للبائع كذا، وليس كالدار يتنازع فيها اثنان، لأن لا ميزة لأحدهما على الآخر وههنا للبائع مزية على ما ذكرنا.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه طريقة ثالثة وهي أن في هذا أو في النكاح قولين: أحدهما: يبدأ بيمين البائع ويمين الزوجة؛ لأن الأصل أنهما ملك البائع والأصل أن لا نكاح.
والثاني: يبدأ بيمين الزوج والمشتري كما ذكرنا أن البائع يدعي زيادة الثمن والمرأة تدعي زيادة العوض.
فإذا تقرر هذا فإنه إذا بدأ بالبائع وهو الصحيح فحلفه فلابد من أن يحلف على النفي والإثبات، والظاهر من مذهب الشافعي- رحمه الله تعالى- أنه يجمع بينهما في يمين واحدة.
نص عليه في "الأم" فقال: بدأت بيمين البائع فإذا اختلف قلت للمبتاع: أترضى أن تأخذ المبيع بما حلف عليه البائع والظاهر من هذا يمين واحدة.
وقال في كتاب "الدعوى والبينات": وإذا تداعا رجلان دارًا في يد أحدهما فحلف أحدهما صاحبه على {ق 11 ب) النصف الذي في يده، وقلت للآخر: أتحلف فإن حلف قسمت الدار بينهما نصفين وإن لم يحلف ردت اليمين على الحالف، فإن حلف قضيت له بجميع الدار فنص على أنه لابد من أن يحلف يمينًا على النفي ويمينًا على الإثبات، واختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال ههنا قولان: أحدهما: يميناً واحدة.
والثاني: يمينين ولا خلاف في مسألة تداعي الدار أنه يحتاج إلى يمينين ومن أصحابنا من قال: هذا قول واحد كما نص عليه في "الأم" والفرق أن كل واحد منهما يدعي نصف الدار في يد صاحبه، فلو قلنا يمينًا واحدة على النفي والإثبات فكان قد حلف على إثبات ما في يد الغير قبل نكوله، وذلك لا يجوز، وههنا لا خلاف في أصل

العقد، فإذا حلف على ما وقع عليه العقد لم يكن ذلك يمينًا على ما في يد غيره قبل نكوله عن اليمين فافترقا، فإذا قلنا: يحلف يمينًا واحدة وهو المذهب يجمع فيها بين النفي والإثبات فيقول: والله الذي لا إله إلا هو ما بعته بكذا، ولقد بعته بكذا، ثم قيل للمبتاع قد حلف البائع أترضى بما حلف عليه، فإن لم يرض حلف فقال: والله الذي لا إله إلا هو ما اشتريته بكذا وإن نكل عن اليمين قضى [ق 12 أ] عليه بالثمن الذي حلف عليه البائع وقد تقدم النفي على الإثبات.
وإذا قلنا: يحلف يمينين يبدأ البائع فيحلف ويقول: والله الذي لا إله إلا هو ما بعته بكذا، ثم يقول للمشتري: حلف على النفي فيحتاج أن يحلف على النفي أيضًا، فإن لم يحلف جعلناه ناكلًا ورددنا اليمين على البائع فيحلف على الإثبات، وإن حلف المشتري على النفي فقال: والله ما اشتريت بكذا فقد تساويا فتعاد اليمين على البائع في الإثبات يقول: والله لقد بعته بكذا، فإن لم يحلف قيل للمشتري: احلف على الإثبات، فإن حلف فقد تساويا، وإذا نكل عن اليمين قضينا عليه الثمن الذي حلف عليه البائع، وتقدم النفي على ما ذكرنا.
وقال الإصطخري: يبدأ بالإثبات لأن الله تعالى قدم الإثبات على النفي في اللعان، ثم يقول في الخامسة: وعليه لعنة الله إن كان من الكاذبين، وهذا غلط؛ لأن الأصل في الأيمان النفي ولا يثبت بها لا بالنكول ورد اليمين أو تبعًا للنفي فيجب أن يقدم النفي، وأما اللعان فكل الأيمان هناك إثبات وليس فيها نفي، وقوله: إن كان من الكاذبين إثبات للصدق مثل قوله: إنه لمن الصادقين.
فإذا تقرر هذا، وحلفا جميعًا فهل [ق 12 ب] ينفسخ البيع أو يحتاج إلى فسخ اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: ينفسخ كما لو لاعن الزوج ينفسخ النكاح ولأن بالتحالف صار الثمن مجهولًا فأوجب انفساخه.
ومنهم من قال: لا ينفسخ ويحتاج إلى فسخ وهو المذهب المنصوص في كتبه الجديدة والقديمة ولا يعرف له غير ذلك، وقد قال: إذا حلف البائع قيل للمبتاع، فإذا تحالفا أولى أن لا ينفسخ وهذا لأنهما أقرا أن العقد وقع صحيحًا فيعارضهما في الحجة لا بفسخه.
فإذا قلنا بهذا فالصحيح أن الحاكم بعد تحالفهما أترضى بما قال صاحبك؟ فإن رضي أحدهما به أمضى الحكم بينهما، وإن امتنعا فسخ العقد بينهما، وبه قال أبو حنيفة: لأنه فسخ مختلف فيه كالفسخ بالغيبة فيحتاج إلى الحاكم، فعلى هذا لو فسخه المتبايعان لم ينفسخ حتى يفسخ الحكم عليهما، ولا يجوز للحاكم أن يقسمه بعد تحالفهما إلا عن مسألتهما.
ومن أصحابنا من قال: الفسخ إل كل واحد منهما فأيهما فسخ جاز اعتبارًا بالفسخ بالعيب، وهذا لأن كل واحد منهما يقول: لم يسلم إلى المبيع على الوجه الذي تناوله، وقيل: حصل ثلاثة أوجه ينفسخ بنفس التحالف.
والثاني: ينفسخ بالتحالف وفسخ أحد المتبايعين [ق 13 أٍ].

والثالث: ينفسخ بالتحالف وفسخ الحاكم.
فإذا قلنا: ينفسخ أو يفسخ فهل يقع الفسخ ظاهرًا وباطنًا؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يقع ظاهرًا وباطنًا كفسخ النكاح باللعان أو كالفسخ بالعيب.
والثاني: يقع ظاهرًا لأن العقد وقع صحيحًا وإنما تعذر إمضاؤه في الظاهر فكان الفسخ في الظاهر دون الباطن.
والثالث: إن كان البائع ظالمًا [يقع] في الظاهر دون الباطن، وإن كان مظلومًا وقع في الظاهر دون الباطن، والفرق أنه إذا كان البائع مظلومًا تعذر الوصول إلى تمام الثمن من جهته فهو كإفلاسه، فيكون البائع أحق بعين حاله أو كوجوده عيب بالثمن المعين، وإذا كان ظالمًا يمكنه الوصول إلى تمام حقه من الثمن، فإذا لم يفعل لم يحكم بارتفاع العقد في الباطن، وهذه الثلاثة الأوجه ترجع إلى وجهين في الحقيقة، لأنه لابد من أن يكون ظالمًا أو مظلومًا.
فإذا قلنا: يقع الفسخ ظاهرًا وباطنًا يعود المبيع إلى ملك البائع يتصرف فيه كيف شاء، فإن كانت جارية حلت لها وطئها وتمليكها لغيره ببيع وهبة وغير ذلك.
وإذا قلنا: ينفسخ في الظاهر دون الباطن، فإن تقارا على العقد جاز، وإن لم يتقارا فإن كان البائع ظالمًا لا يجوز له التصرف في المبيع لأنه [ق 13 ب] باعه بثمنن وهو قادر على تسليمه بذلك الثمن، ولو كانت جارية لا يحل لها وطئها ولا استخدامها بحالٍ، وإن كان مظلومًا فإنه بمنزلة من له حق على غيره ولا يصل إليه من جهته وقد حصل في يده ماله من غير جنس حقه فله أن يستوفي حقه من ثمنه، وهل يحتاج إلى دفعه إلى الحاكم ليتولى بيعه أو له بيعه بنفسه؟ وجهان؛ فإذا قلنا يبيعه الحاكم أو له بيعه بنفسه وجهان، فإذا قلنا يبيعه الحاكم أو قلنا: يبيعه بنفسه فباعه نظر، فإن كان ثمنه وفاء حقه أخذه، وإن كان أقل منه كان له الفضل عليه فيما بينه وبين الله تعالى، وإن كان أكثر يلزمه أداء الفضل على المشتري، لأنه لا يستحقه، ثم إذا تحالفا وترادا فالزوائد الحاصلة في ملك المشتري تبقى له ولا يلزمه أن يرد شيئًا منهما؛ لأنه كان مالكًا وإنما زال ملكه بما حدث من الفسخ، ولو كان وطئ الجارية لا يلزمه المهر.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا قلنا ينفسخ العقد بنفس التحالف ويجعل في التقتير كأنهما اختلفا في وقت التبايع، فقال هذا: بعت بألف، وقال ذاك: اشتريت بخمسمائة فلا ينعقد البيع بقول في حقيهما يجعل كأن العقد وقع باطلًا لا في حق غيرهما فيلزم رد الزوائد، والمهر لازم إذا كان وطئها [ق 14 أ] ولا يرد العين والمبيع لأنه حق ثالث سواهما، وهذا كما لو اشترى عبدًا وباعه ثم تقارا هو والبائع الأول على أن العبد كان حق الأصل لا يبطل حق المشتري ويقبل قولهما في حقهما كذلك ههنا، وإن كان البيع تالفًا وتحالفا وفسخ العقد بينهما يغرم قيمته، وإن زادت قيمته على ما ادعاه البائع.
وقال ابن خيران: لا يلزم الزيادة على الثمن لأنه لا يدعيها، وهذا غلط لأنه بالفسخ

سقط اعتبار الثمن وصار الاعتبار بالقيمة، وأي قيمة يغرم؟ فيه وجهان: أحدهما: يغرم وقت التلف كالمأخوذ على وجه القوم.
والثاني: يغرم أكثر ما كانت قيمته من يوم القبض إلى يوم التلف وهو كالوجهين في ضمان قيمة المبيع الفاسد، وإن كان فيها نقصان فيغرم للبائع أرش ذلك النقصان، وإن كانت بكرًا فأزال بكارتها يلزم أرش البكارة، وإن وطئ الثيب فلا شيء عليه، وإن اختلفا في قدر القيمة أو قدر أرش النقص، فالقول قول المشتري لأنه غارم، وإن كانت جارية وقد زوجها المشتري ردها من وجه وغرم نقصان ما بين قيمتها من وجه ويخير من وجه قيمة لا ثمنًا، وإن كانت مرهونة أو مكاتبة فهو كما لو كانت فاتنة ببيع أو عتق، وإن كانت مؤاجرة [ق 14 ب] فإن قلنا: لا يجوز بيع المؤاجر فهي كالمرهونة، وإن قلنا: يجوز بيع المؤاجر فهي كالزوجة.
فرع لو كان المشتري رهنه، قد ذكرنا أنه كالغائب ولا ينفسخ الرهن ولكن هل له أن يأخذ المشتري بفكاكه قبل محله؟ فيه وجهان، فمن أذن لغيره في رهن عبده هل يطالبه بهذا؟ قولان: ثم إن افتكه منه رده على بائعه وبرئ من ضمانه، وإن بيع في الرهن ضمن قيمته للبائع.
فرع آخر لو كانت التالفة مما له مثل فيه وجهان: أحدهما: يرد مثله كالمغضوب.
والثاني: يلزمه قيمته لأنه لم يضمنه وقت القبض بالمثل، وإنما ضمنه بالعوض دون المثل بخلاف المغضوب.
قال في "الحاوي": وهذا أصح.
فرع آخر قال ابن الحداد: لو أن رجلين اختلفا في ثمن العبد الذي باعه أحدهما من صاحبه، فحلف البائع بحرية العبد أنه صادق فيما زعم وحلف المشتري كذلك فهذا ليس بتحالف ينفسخ به العقد، بل ينبغي أن يحالف بائعه عند القاضي، فإن تحالفا بعد ذلك عند القاضي دُعيا إلى التراضي فإن رضي أحدهما بما قال صاحبه حتى نفذ البيع بينهما وبقي العبد للمشتري له يعتق عليه، وإن لم يتراضيا فسخ العقد بينهما [ق 15 أ] عتق على البائع وكذلك لو رجع يومًا من الدهر إلى البائع عتق عليه، والمعنى فيه أن كل واحد منهما زعم أن صاحبه

كذب حين حلف بحرية العبد غير أن المشتري يقول: حلف كاذبًا بحريته والذي مكنك يعتق عليك فيؤخذ إقراره متى ملك العبد، وهذا كما أن المشتري إذا أراد رد المبيع بعيب فقال البائع: كيف ترده عليّ؟ وقد أعتقته، فقال المشتري: ما أعتقته فالقول قوله يحلف أني ما أعتقته، فإذا رد على البائع عتق عليه بإقراره، ولو قبله المشتري، ثم قال: عتق على المشتري لأنه أحنث نفسه بتصديق البائع.
فرع آخر لو اختلفا فقال أحدهما: بعتك هذا العبد بألف درهم وقبضتها فأنكر المشتري، وقال: لا بل بعت هذه الجارية مني بألف درهم، قال أصحابنا: لا يتحالفان؛ لأن التحالف إنما يثبت بين المتعاقدين إذا اتفقا على العقد واختلفا في صفته وليس كذلك ههنا؛ لأن كل واحد منهما يدعي عقدًا غير العقد الذي يدعيه الآخر والتحالف إنما يكون إذا اتفقا في انتقال ملكه إلى المشتري وههنا لا يوجد ذلك.
فإذا تقرر هذا، فإن لم يكن مع واحد منهما، بينة حلف هذا ما باع الأمة وأخذها وحلف المشتري [ق 15 ب] ما اشترى العبد، فإذا حلف نظر، فإذا كان العبد في يد المشتري لا يلزمه تسليمه إلى البائع لأنه لا يدعيه، وإن كان في يد البائع لم يجب على المشتري قبضه لأنه لا يدعيه، وإن كان مع كل منهما بينة وأقام البائع بينة أنه باع منه العبد وقبض الثمن، وأقام المشتري بينة أنه اشترى الجارية ووقر الثمن، فإن الجارية تسلم إلى المشتري، وأما العبد فإن كان في يد المشتري يترك في يده، ولا يرد على البائع؛ لأن البينة قد قامت بأنه ملكه ولا يدعيه أحد فأقر في يده، وإن كان في يد البائع فلا يترك في يده بلا خلاف، لأنه معترف بأنه ملك للغير ولا حق له فيه وما الذي يعمل به؟ فيه وجهان: أحدهما: يجبر المشتري على تسليمه؛ لأن البينة قد قامت بأنه ملكه وسقط ضمانه عن بائعه.
والثاني: لا يجبر على تسليمه وهو منكر له، كما لو أقر لرجل بمال فأنكره لا يجبره الحاكم على أخذه، ثم إذا أخذه الحاكم نظر فيه، فإن كان الأحظ له بيعه، وحفظ ثمنه فعله، ومتى طلب دفعه إليه لأن ملكه لا يبطل بجحوده وله أن يتصرف بما شاء من البيع وغيره إلا الوطئ، فإنه لو كان المبيع جارية لا يحل له وطئها لإقراره أنها محرمة وعليه نفقتها ذكره في "الحاوي" [ق 16 أ] وإن كان الأحظ منه أن يؤاجره أو يأذن له في الكسب وينفق عليه من أجرته أو كسبه فعل، ثم يكون فاضل أجرته وكسبه في بيت المال حتى يعترف المشتري به ويأخذه مع الفاضل من كسبه وأجرته، ولو مات وخلف ورثته ذلك دفعه إليهم.
وقال القاضي الطبري: يتحالفان في هذه المسألة أيضًا؛ لأن ابن الحداد ذكر أنهما

لو اختلفا في الصداق فقالت: مهرتني أمي.
وقال الزوج: بل مهرتك أباك يتحالفان، ولا فرق بين هذه المسألة وبين هذه، وهذا هو المذهب.
وقيل: حد الاختلاف المثبت للتحالف أن يدعي كل واحد منهما عقدًا صحيحًا لا على الوجه الذي يدعيه صاحبه، ولو قدرنا ذلك الاختلاف موجودًا حالة العقد امتنع انعقاده، فإنه لو قال: بعتك بألفٍ فقال: قبلت بخمسمائة لا ينعقد وهذا المعنى موجود في مسألتنا، فإن قيل: ههنا اختلفا في عقد واحد؛ لأن الصداق عوض في النكاح وفي مسألتنا عقدان.
قلنا: هما إذا اختلفا في العوض؛ لأن الصداق عوض في النكاح وفي مسألتنا عقدان قلناهما إذا اختلفا في العوض بثمن واحد، فقد أثبتنا أحد العوضين واختلفا في الآخر.
ولا فرق بين أن يكون الاختلاف {ق 16 ب) في الثمن أو في المثمن، وقوله: إنهما عقدان فإن أحد العوضين إذا اتفقا عليه صار كالاختلاف في صفة العقد، وهو كما لو قال: بعتك هذا العبد بألف فقال: اشتريت منك هذين العبدين بألف فإنهما يتحالفان كذلك ههنا، وأما انتقال الملك فقد وجد في الثمن لأنهما اعترفا بثبوته للبائع.
وعلى هذا يحلف البائع ما باع هذه الجارية ويحلف المشتري ما اشترى هذا العبد بألفٍ على ما تقدم من النفي والإثبات.
فرع آخر لو اختلفا فقال البائع: بعتك هذا العبد بهذا الألف بعينه، وقال المشتري: الذي اشتريت بهذا الألف بعينه هذه الجارية دون هذا العبد فهذا اختلاف في عقد واحد، لأنهما اتفقا في الثمن فيكون اتفاقهما على المثمن واختلافهما في الثمن فيتحالفان كما يتحالفان هناك، ويحلف هنا إذا قالا بألف مطلقًا لأنه اختلاف في عقدين ذكره في "الحاوي" وهذا أصوب مما ذكره القاضي الطبري.
فرع آخر لو اختلفا فادعى كل واحد منهما جنسًا من الثمن واتفقا على المبيع فقال البائع: بعتك هذا البيع بألف درهم، وقال المشتري: اشتريته بمائة دينار.
قال القاضي الطبري: الذي [ق 17 أ] على حفظي أنهما يتحالفان، ويمكن أن يفرق بين هذه المسألة والتي قبلها، وذكر أصحابنا بخراسان أنهما يتحالفان من غير شك، وسووا بين هذه المسألة وبين غيرها من مسائل التحالف.
فرع آخر لو كان في يد المشتري خل فقال: باعنيه خمرًا، وصارت في يده خلًا، وقال البائع: ما بعته إلا خلًا فالقول قول المشتري ولا بيع بينهما.

فرع آخر لو اختلفا وادعى كل واحد منهما عقدًا غير العقد الذي يدعيه صاحبه مثل أن يقول: وهبته، وقال صاحبه: بل بعته فكل واحد منهما يحالف ولكن ليس كتحالف المتبايعين، فالمالك يحلف أني ما وهبته ولا يحتاج أن يقول ولقد بعته فإن البيع لا يثبت بدعواه والمشتري يحلف ما اشتريته ولا يحتاج أن يقول: ولقد وهبته لي فإنه لا تثبت الهبة بدعواه، ثم لا حاجة إلى فسخ عقد بينهما؛ لأن كل واحد من العقدين انتفي بيمين أحدهما فليس ههنا عقد ينفسخ أو يفسخ.
فرع آخر لو اختلفا في انقضاء الأجل.
قال القفال: قال الشافعي: "القول قول البائع" وتأويل المسألة في السلم؛ لأن المؤجل فيه يكون على البائع والأجل حق له، فإذا اختلفا بعدما اتفقا أن العقد بأجل بينهم مثلاً، فقال البائع: لم {ق 17 ب) ينقض، وإنما انقضى عشرون يومًا والمشتري يقول: قد انقضى فكأنهما اختلفا في وقت العقد، فالقول قول البائع كما لو أنكر البائع أصل العقد كان القول قوله، وأما في بيع العين بالمؤجل ما على المشتري والأجل حق له.
فإذا اختلفا هكذا فالقول قول المشتري، كما لو أنكر أصل ثبوت الحق في ذمته فالقول قوله.
وقال والدي: إن اتفق المتبايعان في مدة الأجل واختلفا في وقت العقد، مثل إن قالا: كانت المدة عشرة أيام ولكن البائع يقول: كان البيع قبل هذا الزمان بعشرة أيام، وقال المشتري: كان قبل هذا بخمسة أيام تحالفا وتواثقا على أنهما نسيا وقت العقد، إلا أن البائع يقول: كان آخر المدة أول يوم من شعبان، وقال المشتري: آخرهما اليوم العاشر من شعبان تحالفا أيضًا، ولا يجوز أن يقال: خلاف هذا لأنه يبطل القول بالتحالف أصلًا وكلا واحد منهما مدعي ومدعى عليه، ولو قال البائع: نسيت وقت العقد وأعرف مدة الأجل وهي شهر وأعرف أن المدة بعد العقد قد انقضت، وحجة المشتري فالقول قول المشتري لأنه مدعى عليه وعلى البائع البينة لأنه مدعي، وهذا أصح مما تقدم.
فرع آخر لو اشترى الوكيل {ق 18 أ) لموكله عبدًا، ثم اختلفا هل يكون التحالف للبائع الوكيل أو الموكل؟ وجهان: أحدهما: الوكيل يحلف لأنه المتولي للعقد، فإن نكل صار البيع لازمًا له دون موكله.
والثاني: يحلف الموكل بأن أحدًا لا يملك شيئًا بيمين غيره، فإن نكل الموكل فالبيع لازم له دون الوكيل، ولو كان الوكيل قد باع لموكله عقد، ثم اختلف الوكيل والمشتري في ثمنه ففي أحد الوجهين الوكيل يحالف المشتري، وإن نكل قضى للمشتري بالعبد وألزم الوكيل غرم فاضل الثمن للموكل وفي الوجه الثاني الموكل يحالف

المشتري.
ذكره في "الحاوي".
فرع آخر لو اختلفا فقبل التحالف ماتا أو أحدهما فوارثهما يتحالفان.
وقال أبو حنيفة: إن كان المبيع في يد وارث البائع يتحالفان، وإن كان في يد وارث المشتري فالقول قوله مع يمينه، وهذا غلط لأن ما تحالف فيه المتبايعان يحالف فيه ورثتهما كما قبل القبض.
فإذا تقرر هذا قال في المختصر: "وَإِِذَا حَكَمَ النًّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وهُمَا مُتصَادِقَانِ عَلَى البَيْعِ وَمُخْتَلِفَانِ فِي الثَّمَنِ بنَقْصِ البَيْعِ وَوَجَدْنَا الفَائِتَ فِي كُلِّ مَا نَقَضَ فِيهِ القَائِمُ مُنْتَقِضًا فَعَلَى المُشْترِي رَدُهُ إِنْ كَانَ قَائِمًا أَوْ قِيمَتُهُ إِنْ كَانَ فَائِتًا كَانَتْ [ق 18 ب] أَقَلَّ مِنَ الثَّمَنِ أَوْ أَكْثَرَ".
ومعنى هذا الكلام قياس التالف على القائم بمعنى أنهما متصادقان على البيع مختلفان في الثمن الذي يدعي وجوب قبضه فوجب أن يتحالفا، وقد بينا الحكم في القيمة إذا كانت تالفة، ولم يختلف قول الشافعي في أن هذا التحالف يقبل الفسخ، وإنما اختلف قوله حيث لا تدعو الضرورة إل تعيين الفسخ في التالف مثل أن يتبايعا ويتقابضا وهما في مجلس الخيار أو مدة الخيار فتلفت السلعة في يد المشتري ثم يقتضي فسخ البيع بحق الخيار ففي المسألة قولان وقد ذكرنا ما قيل فيه.
مسألة قَالَ: "وَلَوْ لَمْ يَخْتَلِفَا وَقَالَ: كُلُّ وَاحِدٍ لَا أَدفَعُ حَتَى أَقْبِضَ".
الفصل أراد لم يختلفا في صفة العقد وإلا فهذا نوع اختلاف وتنازع، فإذا تنازعا في البداية بالتسليم فقال البائع: لا أسلم السلعة حتى أقبض الثمن.
وقال المشتري: لا أدفع الثمن حتى أقبض السلعة ذكر المزني: أن الشافعي- رحمه الله تعالى- ذكر أقاويل ولم يصفها، وقد ذكرها في "الأم" في باب الاستبراء.
قال بعض المشرقيين: لا يجبر واحد منهما على الدفع ولكن يقال: أيكها تطوع بالتسليم أجبرت الآخر عليه، وقال بعضهم: يكلفهم الحاكم أن يحضره الثمن والمثمن ثم يدفع المثمن إلى المشتري ويدفع الثمن إلى البائع {ق 19 أ) لا يبالي بأيهما يبدأ.
وقال بعض العلماء: يأسرهما بدفع الثمن والمثمن إلى عدل، ثم يأمره بدفع الثمن إلى البائع والمثمن إلى المبتاع.
وهذا والذي قبله سواء في الحكم وإن كانا في صورة

قولين، وقال بعضهم: يجبر الحاكم البائع على تسليم السلعة إلى المشتري، فإذا فعل وكان الثمن حاضرًا أجبر المشتري على دفعه إليه.
قال الشافعي: وإنما قلنا بهذا دون غيره لأن البائع قد أقر أن السلعة مملوكة للمشتري فلا يجوز أن يحبس عليه ملكه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قول مخرج يجبر المشتري أولًا على تسليم الثمن، وبه قال أبو حنيفة، ومالك واختلف أصحابنا في المسألة على طرق، قال أبو إسحاق: فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يجبر البائع أولًا؛ لأن الحق في العين أقوى في الدين ولهذا يعدم المرتهن على الغرماء، والعين، لا يتصور فيها الأجل فهي أولى بالتقديم من الدين الذي قد يكون مؤجلاً، وبه قال أحمد: والثاني: وهو الذي اختاره يأمرهما بإحضار الثمن والمثمن عنده وعند عدل على ما ذكرنا؛ لأن لكل واحد منهما قبل صاحبه حقًا فلا يتركان يتمانعان الحقوق، كما لو كان لهذا على ذلك دين وفي ذاك لهذا غصب يجبران؛ لأن أحدهما ليس بأولى من الآخر.
والثالث: [ق 19 ب] لا يجبر واحد منهما على ما ذكرنا لأنهما دخلا في هذا العقد على التراضي فينبغي أن يتما على التراضي، وكل واحد منهما معذور في منع ما عنده لأنه في مقابلة ما عند صاحبه.
وقال بعض أصحابنا: فيه أربعة أقاويل.
والرابع: يبدأ بالمشتري، لأن للبائع حق الحبس لاستيفاء الثمن ولا يلزمه التسليم قبل استيفائه، كالمرتهن لا يلزمه تسليم الرهن حتى يقبض الدين.
ومن أصحابنا من قال: فيه قولان؛ لأن الشافعي قال: ولا يجوز من هذا إلا الثاني أو يجبر البائع، وهذا ضعيف.
وقال بعض أصحابنا: وهذا اختيار أبي حامد وجماعة المسألة على قول واحد أن يجبر البائع؛ لأن الشافعي ذكر الأقوال واختار هذا واختلف أصحابنا في جواب الشافعي- رحمه الله تعالى- في المختصر فمنهم من قال: أجاب على إجبار البائع لأنه قال: "يأمر البائع بدفع السلعة".
ومنهم من قال: أجاب عن قوله لا يجبران لأنه قال: "يأمر البائع"، ولم يقل يجبر البائع، وإنما استعمل لفظة الإجبار بعد تسليم السلعة إلى المشتري فقال: ويجبر المشتري على دفع الثمن من ساعته والأول أليق بلفظ [ق 20 أ] الشافعي؛ لأن ظاهر أمر السلطان محمول على الإجبار، وقد قال: يأمر البائع والآمر هو الحاكم فقد صار البائع مجبرًا لما صار مأمورًا، ولو كان الثمن معينًا كالمبيع بأن باع عرضًا بعرض فلا يجيء إلا قولان: أحدهما: يدعهما الحاكم حتى يتطوع أحدهما ثم يجبر الآخر.
والثاني: ينصب لها أمينًا ولا يجيء القولان الآخران، وهذا لأن كل واحد منهما بائع ومشتري.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: يتخير الحاكم في البداية بأيهما شاء، فأما إذا تنازع

الزوجان في النكاح في البداية بالتسليم لا يجيء فيه إجبار الزوجة على تسليم نفسها؛ لأن البائع إذا سلم المبيع يمكن أن يحجز على المشتري والزوجة إذا سلمت نفسها لا يمكن منع الزوج من الاستمتاع فيصير تسليم نفسها مبطلاً لحقها.
فإذا تقرر هذا وقلنا بالقول الأول وهو ظاهر المذهب لا يخلو إما أن يكون المشتري واجدًا للثمن أو غير واجد، فإن كان غير واجد مثل أن يكون مفلسًا محجورًا عليه فهو كالمفلس يشتري سلعةً وأفلس بالثمن قبل قبضه فللبائع فسخ البيع.
ومن أصحابنا من قال: تباع عليه السلعة ويقضي دينه من ثمنها، فإن كان وفق ما عليه فلا كلام، وإن كان أكثر أخذ الفضل [ق 20 ب] وإن كان أقل كان عليه ما بقي وهذا ليس بشيء، وإن كان واجد الثمن وهو أن لا يكون مفلسًا محجورًا عليه فلا يخلو الثمن إما أن يكون معه في المجلس حاضرًا فيأمره بالدفع إليه، وإن كان الثمن في البلد ولكنه غائب عن المجلس، فقال: أذهب فأحمله إليه، فإن الحاكم لا يدفع إليه المبيع ويحجر عليه فيه، وفي سائر أمواله حذرًا من أن يبيعه ويتلف سائر ماله فلا يصل البائع إلى حقه، فإذا أحضر الثمن فات الحجر عنده وسلم السلعة إليه، وينبغي أن يشهد على حجر المشتري ووقف السلعة كما يشهد على سائر ماله، وإن كان الثمن غائبًا عن البلد، فإن كان على مسافة يقصر فيها الصلاة لا تسلم إليه السلعة، ولا ينظر إلى أن يحمل الثمن؛ لأن في ذلك إضرارًا بالبائع وفيه وجهان: أحدهما: يكون بمنزلة المفلس له فسخ المبيع أو الصبر إلى حين إحضار الثمن.
والثاني: لا يكون حكمه حكم المفلس لوجود المال وإن بعد فيبيع الحاكم السلعة ويوفي البائع حقه من ثمنها.
قال ابن سريج: واختلف أصحابنا في المفلس حتى يثبت للبائع الرجوع في غبن ماله، فمنهم من قال: إذا لم يف قيمة السلعة مع سائر ماله بديونه فإن كان له ما إذا انضم إلى ماله يفي [ق 21 أ] بالديون لا يرجع في عين المال، بل تباع السلعة وتقضي ديونه، ومنهم من قال: ينبغي أن يكون ماله سوى قيمة هذه السلعة وفاء بالدين، فإن لم يكن فالبائع أحق بعين ماله.
وكلام الشافعي ههنا يدل على هذا الوجه، وإن كان الثمن على مسافة لا تقصر فيها الصلاة فيه وجهان: أحدهما: الحكم فيه كما لو كان في البلد.
والثاني: الحكم فيه كما لو كان على مسافة تقصر فيها الصلاة؛ لأن على البائع ضرراً في أنظاره.
وقال في "الحاوي": إن كان على مسافة ثلاثة أيام لا ينتظر ويصير كالعسر، وإن كان على مسافة أكثر من يوم وليلة وأقل من ثلاثة أيام وجهان:

(أحدهما): ينتظر.
والثاني: لا ينتظر وهذا حسن.
فإذا تقرر هذا، قال بعض أصحابنا بخراسان: في هذه المسألة المخصوصة دليل على أن الرجل إذا كان عليه دين وماله أكثر من الدين جاز للحاكم أن يحجر عليه إذا طلب الخصم الحجر، وهو ظاهر المذهب بين أصحابنا؛ لأن الشافعي -رحمه الله تعالى -أمر بالحجر على المشتري لما وجب عليه ثمن السلعة، ومعلوم أن هذه السلعة ماله وله مال غائب غيرها، فماله في الظاهر أكثر من دينه، وقد حجر عليه [ق 21 ب] وسيأتي كلام الشافعي دلالة على أن للحاكم أن يحجر على المشتري من غير أن يطلب البائع ذلك الحجر؛ لأنه قال: "فَإنْ غَابَ مَالَهُ أُشْهِدَ عَلَى وَقْفِ مَالِهِ وَأُشْهِدَ عَلَى وَقْفِ السِّلْعَةِ"؛ ولم يشترط أن يستدعي على البائع هذا الوقف، وهذا الحجر، فيحتمل أن يكون مراده إذا طلب البائع الحجر فعلى الحاكم أن يحجز، لأنه حق البائع فليس للحاكم طلب ما لم يطلب مستحقه، ويحتمل أن يحجر عليه في هذه المسألة خاصة من غير استدعاء البائع لمعنيين اثنين: أحدهما: أن الخصومة وقعت عند الحاكم واطلع عليها وعرف عواقبها، فله أن يسد على الخصمين طريق المخاصمة في المستقبل فيحجر على المشتري ليصل إلى البائع حقه وينقطع عند الحكم توابع خصومتها.
والثاني: أن الحاكم إذا أجبر البائع على التسليم نظر للمشتري فلذلك يجب أن يفطن للبائع ما أمكنه ومما يمكنه أن يطالبه بالثمن في المجلس إن كان حاضرًا، ويحجر عليه إن كان ماله غائبًا، وإن لم يسأله البائع الحجر، ولو أجبر البائع ثم لم ينظر بهذا الحجر بمحض نظره لأحدهما دون الآخر، وذلك مما لا يسوغ له، فلهذا المعنى والله أعلم شاع هذا الحجر من غير استدعاء الخصم [ق 22 أ].
فرع لو باع عبدًا بألف فلما تم البيع هرب المشتري قبل قبضه، فإن كان المشتري محجورًا عليه كان البائع أحق بعين ماله، وإن لم يكن له مال باع الحاكم العبد، وإن كان ثمنه مثل الثمن الأول دفعه إليه، وإن كان أكثر حفظ الفضل له، وإن كان أقل يتبع المشتري بالباقي.
فرع آخر لو دفع المشتري نصف الثمن، وقال للبائع: أقبضني بقدر ما قبضت مني من الثمن فيه وجهان: أحدهما: يلزمه إقباض نفس المبيع، لأن الثمن مقسط.
والثاني: وهو المذهب لا يلزمه إقباضه ما بقى عليه من الثمن شيء، لأنه محبوس

على استيفاء الحق كالرهن سواء وللمرتهن حبسه، ما دام جزء من الحق باقيًا.
وقال ابن سريج: فيه قولان، وأراد التخريج.
مسألة قال: "وَلَا أُحِبُّ مُبَايَعَةَ مَنْ أَكْثَرُ مَالِهِ رِبًا أَوْ حَرَامٍ".
قد ذكرنا هذه المسألة عند مالك لا يجوز مبايعته بناء على غالب الحال، والأصل في هذا أن من طرأ شك على أصل محرم، مثل أن توجد شاة مذبوحة لا يدري ذبحها مسلم أو مجوسي لا يحل أكلها، وإن طرأ على أصل مباح كالماء وجد متغيرًا ولا يدري تغير بنفسه أو بنجاسة فإنه على أصل الإباحة، وإن [ق 22 ب] طرأ على ما لا أصل له من إباحة أو حظر مثل مسألتنا يكره ويجوز، وهذا لأنه يستحب التورع.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يبال من أين مطعمه ولا من أين مشربه لم يبال الله تعالى من أي باب جهنم أدخله" وقال: "ملاك دينكم الورع" وأما الجواز فلما روي أن رجلًا سأل ابن مسعود -رضي الله عنه -فقال: إن لي جارًا يزني أفأكل ماله فقال: لك مهناه وعليه مأثمه.
فرع لو كانت قرية فيها عبدة الأوثان أو المجوس لم يجز شراء الذبيحة فيها، وإن أمكن أن يكون ذبحها مسلم أو كتابي، لأن الأصل التحريم فلا يزول ذلك إلا بيقين أو ظاهر، وليس ههنا واحد منهما، ولو كانت في بلد المسلمين فالظاهر إباحتها فيحل شراؤها.
فرع آخر قال ابن سريج: لو باع عبدًا بألف درهم بيعًا فاسدًا وسلم المبيع إلى المشتري وأتلف البائع حتى يستوفي منه حقه ويكون أحق به من سائر الغرماء وهذا لا يصح؛ لأن صاحب العبد لم يدفعه إليه بل دفع بيعًا فإذا فسخ البيع انقطع.
فرع آخر قال رجل لرجل: بع عبد من فلان بخمسمائة على أن عليَّ شأن البيوع أن يكون كل الثمن على المشتري، والثاني: يصح ويكون على ما شرط [ق 23 أ] كما لو قال طلق زوجتك على كذا، والأول أصح؛ لأن العبد إذا ملك بخمسمائة لم يبق شيء يزال الملك عنه بعوضٍ.

فرع آخر قال ابن سريج: لو قال: بعه من فلان بألف على أن عليَّ ضمانه أو على أن عليّ منه خمسمائة فباعه نظر، فإن تجرد العقد عن ذكر الضمان فالبيع جائز والضمان باطل، وإن باعه بهذا الشرط فالبيع صحيح، وكان بشرط الضمان فالبائع بالخيار.
وقال بعض أصحابنا: إن شرط هذا قبل العقد يلزمه لأنه ضمان ما لم يجب، وإن كان في العقد لزمه لأنه ضمان مع الوجوب، فهو كما لو كان بعده.
وهذا اختيار القاضي الطبري وهو الأصح.
فرع آخر لو قال مجهول النسب لرجل: أنا عبد فلان اشترى منه وخلصني من رقه فاشتراه، ثم بان حرًا فالدرك على البائع بكل حالٍ.
وقال أبو حنيفة: إن كان البائع غائبًا غيبة منقطعة فالدرك على العبد وإلا فلا.
وهذا غلط، لأنه لم يوجد منه إلا الغرور فلو رجع إليه في أحد الحالين لرجع في الحالة الأخرى والله أعلم.

باب الشرط الذي يفسد البيع

مسألة قال: "وَإِذَا اشْتَرَى جَارِيَةً عَلَى أَنْ لَا يَبِيعَهَا".
[ق 23 ب] الفصل هذا كما قال: الشروط في البيع على ثلاثة أضرب: أحدها: أن يكون من مقتضاه ومربحته كالبيع بشرط الملك بالعقد وتقابض الثمن والتصرف فيهما بعد العقد فلا يضر العقد.
والثاني: أن لا يكون من مقتضاه ولكن من مصلحته كالبيع بشرط الضمين أو الكفيل أو الرهن أو الإشهاد بالثمن أو الخيار أو الأجل الصحيح فلا يضر العقد أيضًا.
والثالث: أن لا يكون من مقتضاه ولا من مصلحته، مثل أن يبيع بشرط أن لا يبيع أو لا يعتق أو لا يسافر به ولا يملك بالعقد، ولا ينفذ بصرفه فيه أو لا ينقطع بالمبيع ونحو ذلك، فكل هذا يبطل العقد إلا في مسألة واحدة، وهو أن يبيع بشرط العتق على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
وبطلانه للجهالة بالثمن إلا أنه على ضربين: ضرب يقتضي

نقصان الثمن، وضرب يقتضي الزيادة كل شرط ينفع المشتري، وعلى هذا إذا باع جارية على أن لا خسارة عليه في ثمنها أو على أن تحمل هذه النخلة عشرة أوسق وهذه للمشتري ترغيبًا له في الشراء بعتكها على أنك لا تخسر فيها، فإن خسرت فعليَّ خسران خسران [ق 24 أ] وهذا لا موضوع للعقد أن لا يرجع إلى البائع عهدة خسران المشتري إنه خسر، فإذ شرط ما يضاد موضوعه بطل.
وروي أن ابن مسعود اشترى جارية من امرأته زينب وأشرط إن باعها فهل لها بالثمن، فاستفتى عبد الله بن عمر فقل: لا تقربها وفيها شرط لأحدِ.
وروي أنه اشترى جارية وشرط خدمتها فقال عمر -رضي الله عنه -لا تقربها وفيها مثنوية، قال الحسن، والنخعي، وابن أبي ليلى، وأحمد، وأبو ثور -رحمهم الله -: يبطل الشرط في هذه المسائل ويصح البيع.
وقال إسحاق: وإن كان أكثر بطل البيع والشرط، وقال الأوزاعي، وابن خزيمة إذا باع دارًا وشرط سكناها للبائع جاز.
واحتجوا بما روي عن جابر -رضي الله عنه -أنه قا: ابتاع مني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيرًا بمكة فلما أنفذني شرطت عليه أن يحملني على ظهره إلى المدينة.
واحتج الحسن بما روي أن عائشة -رضي الله عنها -اشترت بريرة بشرط أن تعتقها ويكون ولاؤها لمواليها فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم البيع وأبطل الشرط، وهذا غلط لما ذكرنا.
وأما الخبران فيحتمل أن الشرط كان [ق 24 ب] مقدمًا على العقد أو متأخرًا عنه وعندنا يجوز ذلك، ولهذا ذكر الشافعي -رحمه الله تعالى -الشرط مع لفظ الشراء.
وقال ابن شبرمة وحماد: هذه الشروط لازمة والبيع جائز إلا أن يقول على أنه لا يملك ويجوز ذلك.
وقال مالك -رحمه الله -: إن شرط البائع من منافع البيع يسيرًا لسكني يومين أو ثلاثة صح البيع والشرط، وهذا غلط لأنه شرط ليس في مقتضى العقد ولا من مصلحته ولم يبين أمره على التغليب فيبطل العقد كما لو باع بشرط أن لا يسلم.
فرع لو شرط شرطًا لا تعلق له بأحكام العقد ولا يتضمن إلزام أمر لا يلزم عليه بأن قال: بعتك على أن تصلي الصلوات الخمس، أو تصوم رمضان أو تخرج الزكاة يصح البيع ووجوده كلا وجود، ولو لم يذكر هذه الشروط في صلب العقد ولكنها ذكرت في مجلس العقد بعد التواجب استند إلى العقد وأبطله، لأن مجلس العقد يحاكي حالة التواجب، ألا

ترى أن الزوائد المذكورة في مجلس العقد تلحق بأصله، وهكذا لو ذكر له في مدة خيار الثلاث؛ لأن الشراء لا يتكامل ببقائها.
ومن أصحابنا من قال: فيه قولان بناء على أن الملك للبائع أو للمشتري وإن ذكراه بعد انقضاء الخيار ولزوم العقد [ق 25 أ] فلا يضر العقد.
وقال أبو حنيفة: يلحق العقد ويبطل، ولو حذف هذه الشروط بعد العقد لا ينفعه ولا يعود العقد صحيحًا ولا بد من استئنافه.
مسألة قَالَ: وَلَوْ قَبَضَهَا فَأَعْتَقَهَا لَمْ يَجُزْ عِتْقُهَا".
وهذا كما قال: كل موضع فلنا البيع فاسد والمشتري لو قبضه لم يملكه بالقبض ولو تصرف فيه لم ينفذ تصرفه عتقًا كان أو غيره.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله تعالى -: عليكم بالقبض وينفذ فيه عتقه وسائر تصرفاته إلا أنه يحرم عليه وطئها، وللبائع أن يسترجع بالزوائد أجمع ويأخذ مهرها للوطء وهذه مناقضة، ووافقنا لو اشترى بميتة أو دم لا يملكه بالقبض.
فرع لو اراد أن يستردها هل للمشتري أن يجلس المبيع حتى يسترد الثمن؟ ظاهر المذهب أن له ذلك لأنه سلم بإزاء الثمن ولم نسلم له.
وحكي عن ابن سريج -رحمه الله تعالى -ليس له الحبس لأنه مقبوض بعقد فاسد كالرهن الفاسد، وهكذا في الإجارة الفاسدة.
المأخوذ سومًا يضمن سواء جرى ذكر الثمن أو لا.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله -: لا يضمن إذا لم يجبر ذكر الثمن، وهذا غلط لما روي أن عمر -رضي الله عنه -أخذ فرسًا على سوم فعطبت عنده فترافعا إلى شريح العراقي [ق 25 ب] فقال لعمر: أخذته صحيحًا سليمًا فأنت له ضامن حتى ترده صحيحًا فأعجب عمر رأيه فولاه القضاء.
مسألة قاَلَ: "وَإِنْ أَوْلَدَهَا رُدَّتْ إلَى رَبِّها".
الفصل: وهكذا كما قال: إذا اشترى جارية شراءً فاسدًا بثمن حرام أو شرط فاسد

وأمسكها (مدة) يلزمه ردها إلى ربها وإنما فرض الشافعي -رحمه الله -المسألة في الجارية؛ لأنه يتفرع عليها أحكام كثيرة ثم إذا ردها لا يخلو من ثلاثة أقوال: أحدها: أن يكون الرد قبل الوطء، فإنه لم يرد ولم يقبض فعليه أجرة مثلها في المدة التي أمسكها، إن كانت خادمة فبأجرة خدمة مثلها، وإن كانت صانعة فبأجرة مثلها في صنعها، فإن كانت لها صناعات فأجرة أعلاها، وإن كانت زائدة ردها مع الأجرة بزيادتها منفصلة كانت أو متصلة، وإن كانت ناقصة ردها مع أرش النقص والأجرة كالغصب سواء لأنها في يده بغير حق.
والثاني: أن يكون الرد بعد الوطء قبل الإحبال، فالحكم في الزيادة والنقصان والأجرة على ما ذكرنا.
وأما حكم الوطء فلا حد عليه لشبهة الملك ويلزمه مهر مثلها؛ مثلها بكرًا، [ق 26 أ] ويلزمه أرش البكارة مع ذلك لأنه يلزم لإزالة البكارة وإتلاف الجزء، والمهر يجب بالوطء والاستمتاع فهما حقان مختلفان يجبان بشيئين مختلفين، فيجتمعان كما لو افتضها بأصبع ثم وطئها يلزم المهر مع أرش البكارة.
فإن قيل: هلا قلتم: لا يلزم أرش البكارة كما لو تزوج بامرأة بكر نكاحًا فاسدًا فوطئها يلزمه مهر مثلها ولا يلزمه أرش البكارة؟ قلنا: الفرق أن المرأة رضيت من الوطء الذي يتضمن إزالة البكارة بالمهر فلا يجب لها أرش البكارة، وليس كذلك السيد ههنا لأنه لم يعاوضه على الوطء، وإنما عاوضه على رقة الجارية، فإذا كانت المعاوضة فاسدة لزم المشتري ضمان جميع ما أتلفه من الاستمتاع وما أتلفه من الجزء بالافتضاض.
قلت: هكذا ذكره أبو حامد وغيره وذكره القاضي الطبري -رحمه الله -أيضًا في المذهب المجرد وروايته في المنهاج في مسائل الإفضاء للقول نص الشافعي -رحمه الله -على أنه يجب على الواطئ في النكاح الفاسد والمهر مع أرش الافتضاض وإنما لا يجب ذلك على الزوج لأنه يملك إتلاف البكارة بعقد النكاح فلا يجب ضمان بخلاف الوطء في النكاح الفاسد، وهذا غريب وهو القياس عندي.
وذكر في [ق 26 ب] "الحاوي" مثل ما قاله أبو حامد وفرق بأن الأمة مضمونة عليه باليد فيلزمه أرش البكارة لوجود النقص في يده والحرة غير مضمونة عليه باليد.
فإن قيل: لم لا يدخل أرش الافتضاض في مهر المثل لأن الافتضاض بهذا الوطئ والفعل واحد؟ قلنا: لا نقول ذلك لأن الأرش إنما يجب بالتقاء الختانين فهو كما لو افتضها بأصبع لا يدخل الأرش في المهر.
فإن قيل: إذا أوجبتم أرش الافتضاض ينبغي أن توجبوا مهر مثلها ثيبًا لا بكرًا كما لو افتضها بأصبع ثم وطئها يلزم مهر مثلها ثيبًا.
قلنا: الفرق أن هناك لم ينل كمال اللذة لأنه

وطئها ثيبًا فلا يلزمه كمال المهر، وههنا نال كمال اللذة لأنه وطئها بكرًا فيلزمه كمال المهر.
فإن قيل: إذا أوجبتم مهر مثلها بكرًا فالزيادة على مهر الثيب بإزاء ذهاب البكارة فلا توجبوا أرشًا آخر لأنه يؤدي إلى تضمينه مرتين، قلنا: مهر البكر يجب لحصول كمال اللذة، فإن اللذة في وطء البكر أكثر منه في وطء الثيب، والأرش في مقابلة الجزء التالف فيضمن ضمانين لشيئين مختلفين فسقط السؤال.
فإن قيل: هلا قلتم لا يلزم المهر [ق 27 أ] لأن البائع أذن له في وطئها بغير مهر كما لو أباح وطء لإنسان فوطئها لا يلزمه المهر؟ قلنا: لا نقول ذلك لأن البائع يسلم إليه الجارية ليملكها ويطأها في ملكه، فإذا لم يصح الملك فوطئه صادف ملك الغير فيلزمه المهر، وههنا أذن له بالوطء في ملكه.
قلت: هذا السؤال مع الجواب في تعليق أبي حامد ولا ينبغي أن يسلم هذه المسألة؛ لأن الوطء لا يستباح بالإباحة فعوضه لا يسقط بالإباحة، ويحتمل قولين لأن الشافعي -رحمة الله عليه -ذكر في الراهن إذا أذن للمرتهن بوطء المرهونة فوطئ هل يلزمه المهر؟ قولان، وهذا إذا كان جاهلًا بالتحريم، فإن كان عالمًا به، فهو زنا، والزنا لا يوجب المهر إلا عند الإكراه في الأمة أيضًا على الصحيح من المذهب.
والثالث: أن يكون الرد بعد الوطء والإجبار والكلام في الأجرة وأرش النقض والمهر على ما ذكرنا، وأما الكلام في الولد فإنه ينعقد حرًا لأنه اعتقد حريته عند الوطء ولا عليه لأحد لأنه لم يمسه رق ولا ناله عتق ونسبة ثابتة منه، لأن الوطء كان بالشبهة فإنه خرج حيًا فعلى المشتري قيمة للبائع لأنه أتلف [ق 27 ب] عليه رقه باعتقاده وكان من سبيله أن يكون مملوكًا لسيد الأمة وتعتبر قيمته حالة الوضع؛ لأنها حالة الحيلولة ولا يمكن معرفة القيمة قبلها ولا الحيلولة بينه وبينه قبلها، وسواء عاش الولد الخروج أو مات، فالقيمة واجبة لأنها التزام بالقضاء له حيًا، وقال أبو حنيفة ومالك -رحمهما الله - تسقط القيمة بموته قبل حكم الحاكم وتعتبر قيمة الولد يوم الحكم لا يوم الولادة، وقصد الشافعي -رحمه الله - بقوله ههنا: مات الولد قبل الحكم وبعده الرد عليها، وإن خرج الولد ميتًا فلا تلزم القيمة لأنه غير متقوّم لأجل أنه من حين الولادة وثبت له أحكام الدنيا ويمكن تقويمه، وقبل ذلك لا يمكن تقويمه ولا يتحقق إن كان حيًا أو لا، ولأن الحيلولة تحصل عند الانفصال، فإذا انفصل منها ميتًا تحصل الحيلولة وهو مال فلا يلزمه الضمان.
فإن قيل: أليس لو ضرب بطن امرأة فألقت جنينًا ميتًا يلزمه ضمان الولد؛ لأن السبب كان منه فينبغي أن يوجبوا ههنا قيمة الولد، وإن كان ميتًا؟ قلنا: الفرق هناك الظاهر أنه أتلفه بالجناية وبسبب منه وليس ههنا ظاهر يدل على أن إتلافه بسبب منه فافترقا [ق 28 أ] وأيضًا ضمانه مقدر بالبيع إما بعشر قيمة الأم، إن كانت أمة، أو بعشر دينها إن كانت حرة فيمكننا تضمينه مقدر الشرع، وإن خرج ميتًا، وههنا ضمانه بتقويم السوق، وإذا سقط ميتًا لا قيمة له فلا يلزمه شيء وما دام حملًا لا يمكن تقويمه وهذا كما نقول: لو غصب جارية مفرطة السمن فنقص من سمنها في يد هذا المشتري ولم ينقص قيمتها به لا

شيء عليه للنقصان، وعلى هذا لو ضرب ضارب بطن هذه الجارية فخرج الولد ميتًا تلزم الغرة على الجاني وللسيد الأقل من هذه الغرة ومن عشر قيمة الأم، فالباقي يكون لورثة الجنين ولا يجب على المشتري شيء، وهذا لأن ضمان الضارب قام مقام خروجه حيًا فضمنه البائع، وإنما ضمنه بأقل الأمرين لأن الغرة إن كانت أقل لم يضمن أكث من ذلك؛ لأن بسبب ذلك ضمن.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: يجب على المشتري هذا وللمشتري على ذلك الحال الغرة لأنه كما يقوّم على الجاني يقوّم على المشتري الولد بخلاف ما لو خرج ميتًا، إلا أن المشتري يضمنه مملوكًا لآخر فيلزمه أقل الأمرين، والجاني يضمنه حُرًا.
ونظير هذا أن عبدًا لو جنى ثم مات لا شيء على [ق 28 ب] سيده، ولو قتله قاتل وأخذ السيد قيمته فعليه الأقل من قيمته وأرش جنايته بقدمه للمجني عليه، وهذا خطأ عندي لأنه ليس بإيجاب على المشتري على ما ذكرنا، ولهذا لو لم يأخذ المشتري من الجاني شيئًا لا يلزم على المشتري للسيد شيئًا كما في المسألة التي استشهد بها.
ومن أصحابنا من قال: يجب على المشتري قيمته وإن سقط ميتًا، لأنه مملوك فيضمن باليد، وهذا غلط لما ذكرنا.
فإن قيل: ما تقولون فيمن غصب جارية وزنى بها فخرج الولد ميتًا هل يضمن قيمة الولد؟ قيل: قال بعض أصحابنا بخراسان: يلزمه ذلك قولًا واحدًا، والفرق أنه يضمنها بالغصب ضمانًا شاملًا لها ولجميع أجزائها وولدها في البطن من أجزائها، فإذا صار ضامنًا للولد وهو حمل في البطن لم يبرأ عن ضمانه بالموت، وههنا يضمنه المشتري على حكم الشبهة ولا يتصور في هذه الحالة ضمان يد لا ضمان إتلاف وهي حالة التقويم فاستحال تضمينه على حكم الشبهة فلم يضمن، ذكره الإمام الجويني -رحمه الله -في "المنهاج".
وقال بعض أصحابنا بالعراق: لا يضمن الغاصب أيضًا وغلطوا ما قال بخلافه كما ذكرنا من العلة، ولا يقال إنه صار [ق 29 أ] ضامنًا للولد هو حمل في البطن لأنَّا لا ندري أنفخ فيه الروح أم لا فلا معنى لما ذكره.
وإذا تقرر هذا، لو ردها على صاحبها، ثم ولدت فنقصت بالولادة يلزمه أرش النقصان، فإن ماتت منها يلزمه قيمتها؛ لأن سبب إتلافها كان منه، وهل تتحمل قيمتها العاقلة؟ قولان.
فإن قيل: أليس لو تزوج امرأة نكاحًا فاسدًا فأحبلها فماتت في الطلق لا يلزمه ضمانها فما الفرق؟ قبل: فيه قولان: أحدهما: يلزم ديتها على عاقلته فلا نسلم، وإن سلما فما الفرق أن المقصود بعقد النكاح الوطء، ولهذا لا يجوز نكاح من لا يحل وطئها وهي أذنت بالوطء للنكاح فكأنها تلفت بسبب أذنت فيه فلا ضمان، وهذا الوطء غير مقصود بعقد البيع، ألا ترى أنه يحل شراء أمة لا يحل وطئها، فلم يكن الإذن في البيع إذنًا في الوطء، فإذا تلفت بسبب الوطء

كانت مضمونة عليه، وأيضًا ضمان المملوك أو بيع بنون الأمة يضمن باليد بخلاف الحر، ولا تصير هذه الجارية أم ولد قولًا واحدًا لأنها علقت بحر في غير ملكه، وإذا ملكها بعد ذلك هل تصير أم ولد له؟ قولان.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله -: تصير أم ولده [ق 29 ب] بناء على أصله أنها ملكه، ولو تلفت في يد المشتري يضمن أكثر ما كانت قيمة من حين القبض إلى حين التلف كالمغصوب نص عليه.
ومن أصحابنا من قال: يضمن قيمته يوم التلف كالعارية لأنه في يده بإذن صاحبه بخلاف الغصب، لأن في الغصب عدوانًا يتغلظ به الضمان، والأول أصح لأنه يضمن نقصه كضمان الأصل، وعلى هذا لو سمنت ثم هزلته يلزمه ضمان النقص.
نص عليه وكذلك يلزمه ضمان الولد إن تلف.
ومن أصحابنا من قال: لا يضمن ذلك، لأن البائع دخل في العقد ليأخذ بدل العين دون الزيادة، وهذا غلط لأنه يضمن المنافع، وإن لم تدخل في العقد كذلك.
مسألة قال: "وَلَوْ كَانَ بَاعَهَا فَسَدَ الْبَيْعُ".
الفصل وهذا كما قال، إذا اشترى جارية شراءً فاسدًا وقبضها، ثم باعها المشتري فالبيع الثاني باطل، لأن ابتاع من غير مالك، فإن كانت السلعة قائمة كان للبائع أن يطالب من وجدها في يده ورد الثمن على من اشتراها منه، ورد المشتري منه على المشتري الثاني، وإن كانت تالفة فللبائع الأول أن يغرم من شاء منها؛ لأن كل واحد منهما قبض الجارية بعقدٍ فاسدٍ [30 أ] فكانت مضمونة على كل واحد منهما.
فإذا ثبت هذا لم يخل قيمة الجارية من أجد أمرين: إما أن يكون عند المشتريين واحدًا، أو يكون عند أحدهما أكثر وعند الآخر أقل، فإن كانت قيمتها عندهما واحدة مثل أن قيمتها الأول وهي تسوي ألف درهم وسلمها إلى الثاني وهي تسوي ألفًا ثم تلفت، فإن البائع الأول يرجع على أيهما شاء، فإن رجع على الأول رجع الأول على الثاني، وإن رجع على الثاني لم يرجع الثاني على الأول، لأن تلفها كان في يد المشتري الثاني ومتى استويا في الضمان وانفرد أحدهما بتلف الشيء في يده، فإن الضمان يستقر عليه، وإن غرم التالي للبائع الأجرة لا يرجع على الأول قدر ما كان في يده، وإن كانت قيمتها عند أحدهما أقل، وعند الآخر أكثر فإن كانت قيمتها عند الأول ألفًا، وعند الثاني ألفين، فإن ما حدث من الزيادة في يد الثاني مضمون على الأول، لأنه لم يبرأ من ضمانه لخروجه

من يده بغير إذن صاحبه، فعلى هذا يكون الجواب فيه مثل ما ذكرناه في القسم الذي قبله، وإن كانت قيمتها عند الأول ألفين وعند الثاني ألفًا فإن النقصان الذي [ق 30 ب] حدث في يد الأول مضمون عليه دون الثاني، لأنه ليس من الثاني سبب في حصول الزيادة في يد الأول، فإن رجع غرمه ألفين، ورجع الأول على الثاني بألفٍ، وهو قيمتها في يد الثاني.
وإن رجع على الثاني غرمه ألفًا ورجع بالألف الآخر على الأول، وهذا على المذهب الصحيح المنصوص، وقد ذكرنا وجهًا عن بعض أصحابنا أنه يجب قيمتها وقت التلف.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان كما في العارية، والمأخوذ سومًا وفيه نظر.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله -: يلزمه أقل الأمرين من القيمة أو الثمن لأنه رضي.
فرع لو اشترى عبدًا بشرط أن يعتقه فالمشهور من مذهب الشافعي -رحمه الله -: أن البيع والشرط صحيحان نص عليه في "الأم" وغيره، وبه قال مالك -رحمه الله -. وروى أبو ثور عن الشافعي أنه قال: يصح البيع ويبطل الشرط حكاه القاضي أبو حامد في الجامع، ومن أصحابنا من قال: يجب على هذين القولين: أن البيع يبطل أيضًا؛ لأن الشرط إذا بطل وجب أن يبطل البيع فحصل فيه ثلاثة أقوال: ومن أصحابنا من قال: المسألة على قول واحد، وما حكاه أبو ثور لا يصح عنه [ق 31 أ].
وقال القفال: فيه قولان: المنصوص أنه يصح البيع والشرط، والثاني: أنه مخرج أنهما باطلان، وبه قال أبوجنيفة إلا أنه يناقض فقال: إذا قبضه ملكه وينفذ تصرفه، ولو تلف في يده ضمنه بالثمن لا بالقيمة بخلاف سائر البيوع الفاسدة فإنه يضمن المبيع فيها بالقيمة.
وقال أبو يوسف، ومحمد -رحمهما الله -يضمنه بالقيمة أيضًا، وروي هذا عن أبي حنيفة رواية شاذة، وروى الحسن عن أبي حنيفة: أن البيع جائز واحتجوا بأنه شرط على المشتري إزالة ملكه عن المبيع فكان فاسدًا، كما لو شرط عليه أن يبيعه، وهذا غلط لما روي أن عائشة -رضي الله عنها -اشترت بريرة بشرط أن تعتقها ويكون ولاؤها لمواليها فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم شرط الولاء دون العتق، وقال: "شرط الله أوثق وقضاء الله أحق والولاء لمن أعتق" ولأن هذا البيع مضمون بالثمن فكان العقد عليه صحيحًا كسائر البياعات.
وأما ما ذكروا لا يصح؛ لأن شرط العتق يفارق غيره لأنه قربة يصح أخذ العوض عنها، وبنى على التغليب والسراية بخلاف البيع فجوزنا البيع بهذا الشرط خاصة.
فرع إذا جوزنا البيع والشرط يلزم على المشتري [ق 31 ب] فإن امتنع هل يجبر عليه أم لا؟ فيه وجهان:

أحدهما: يجبر عليه لأنه دخل على هذا الشرط فوجب أن يلزمه الوفاء به.
والثاني: لا يجبر عليه لأنه تصرف في ملكه فلا يستحق عليه العقد.
فرع إذا قلنا: لا يجبر عليه فالبائع بالخيار بين أن يفسخ البيع وبين أن يقيم عليه، لأنه لما باع بشرط العتق نقد بعض من الثمن لأجله، فإذا لم يعتقه ولم يجبر عليه، كان له الخيار كما لو باع بشرط الرهن ولم يرهن الخيار.
فرع لو مات هذا العبد قبل أن يعتقه فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يستقر البيع بالثمن المسمى لأنه لم يكن من العتق، ولم يلزم إلا الثمن، وهذا إذا قلنا الحق للعبد.
والثاني: يلزمه أن يرد على البائع من الثمن بمقدار ما نقصه بشرط العتق، ويقال: كم يسوي بشرط العتق وكم يسوي مطلقًا من غير شرط العتق؟ فإن كان التفاوت عشرة يلزمه عشرة مع الثمن المسمى، وهذا إذا قلنا الحق للبائع.
والثالث: البائع بالخيار إن شاء أجاز البيع، وإن شاء فسخ ورجع إلى قيمته؛ لأنه يصير بمنزلة أن يكون في يده عن عقد فاسد وهذا التعذر الوفاء بموجبه.
فرع قال القفال -رحمه الله -[ق 32 أ] وجوب هذا العتق هل يكون لله تعالى أم للبائع؟ وجهان: أحدهما: لله تعالى كمن نذر عتقًا يلزمه الوفاء به، فعلى هذا لو قال البائع: عفوت لا يسقط الوجوب، ولو أعتقه عن كفارة لا يجوز، لأنه مستحق العتق بوجه آخر.
والثاني: يثبت حقًا للبائع حتى لو رضي البائع بأن لا يعتقه لا يلزمه إعتاقه، فعلى هذا لو كان البائع يطالبه بالعتق لا يجوز إعتاقه عن كفارته، ولو عفا عنه البائع فأعتقه عن كفارته بعده هل يجوز؟ وجهان: أحدهما: يجوز لأن هذا العتق غير مستحق عليه.
والثاني: لا يجوز لأن هذا الشرط يوكس من ثمنه، ولو صار كنقص ثمنه وقبل العتق لمن يجب؟ فيه أوجه: أحدها: للبائع.
والثاني: لله تعالى.
والثالث: للعبد، فإذا قلنا: لله تعالى يطالبه الإمام، فإن امتنع هل يعتقه الإمام عليه أم يحبسه حتى يعتق؟ وجهان كما قلنا في طلاق المولى إذا امتنع، وإذا قلنا: الحق للعبد،

فالعبد يخاصم، فإن امتنع فعلى ما ذكرنا، وإذا قلنا: الحق للبائع فهو يطالبه، وإن امتنع فسخ البيع.
فرع لو كانت جارية له وطئها قبل الإعتاق لأنها ملكه، ولو ولدت ولدًا فحكمه حكم الجارية المنذور عتقها وكسبها قبل الإعتاق [ق 32 ب] للمشتري.
فرع لو اشترى أباه بشرط أن يعتقه.
قال بعض أصحابنا: لا يصح الشراء لأنه التزم مالًا يمكنه الوفاء به وهو الإعتاق.
فرع قال في "الحاوي": إذا قلنا: الشرط باطل والبيع صحيح فأعتقه المشتري فعلى الوجهين كما ذكره القفال.
فرع: إذا قلنا: الشرط باطل فامتنع المشتري من إعتاقه هل للبائع خيار في الفسخ؟ وجهان: أحدهما: وهو اختيار البغداديين لا خيار له لفساد الشرط.
والثاني: وهو اختيار البصريين له الخيار؛ لأن فساد الشرط يمنع اللزوم ولا يمنع باستحقاق الخيار به كما لو شرط في المبيع رهنًا لا يلزم وكذلك يثبت الخيار للبائع.
ذكره في "الحاوي".
فرع لو باع مطلقًا فشرط الولاء للبائع متى أعتقه لا يصح البيع والشرط قولًا واحدًا، وقال الإصطخري: فيه قولان: أحدهما: هذا.
والثاني: يصح البيع ويبطل الشرط لخبر بريرة، وقال القاضي الطبري: وهذا أقيس وأومأ الشافعي -رحمه الله -إلى هذا القول في "القديم".
فرع لو قال على أن يعتقه بعد شهرٍ أو سنةٍ فيه وجهان: أحدهما: يجوز لأنه..... بالشرط فكان على ما شرط.

والثاني: لا يجوز؛ لأنه حق [ق 33 أ] يتعلق بالعين فلا يصح بشرط التأخير.
فرع إذا اشتراه بشرط العتق، ثم باعه بشرط العتق فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز بيعه لثبوت حق الغير فيه.
والثاني: يجوز بيعه لتعتقه الثاني كما يجوز أن يعتقه توكيله والأول أصح.
فرع إذا اشتراها بشرط العتق، ثم أحبلها يلزمه إعتاقها، ومن أصحابنا من قال: لا يعتقها؛ لأن عتقها استحق بالإحبال، وقد تعذر عليه إعتاقها وتكون بمنزلة التالفة والأول أصح.
فرع إذا باع دارًا بشرط الوقف فيه وجهان: أحدهما: يجوز قياسًا على العتق.
والثاني: لا يجوز، لأن العتق مبني على التغليب ويفرد بالعوض، ولو جاز ذلك في الوقف لجاز أن يبيعه ثوبًأ على أن يتصدق به.
فرع لو اشترى أرضًا شراءًا فاسدًأ، أو بني فيها أو غرس لم يكن للبائع قلع بنائه وغرسه، أو يقلعه ويعطيه ما نقص من قيمته وله استرجاع الدار.
وقال أبو حنيفة: ليس له استرجاع الدار، ويأخذ قيمتها من المشتري، وقال أبو يوسف ومحمد: يقضي البناء ويرد الدار إلى بائعها وهذا غلط؛ لأنه سلط على البناء فلا يؤمر بنقضه.
ذكره في "الحاوي".
فرع لو كان في يد رجل جارية لها ولد فادعى [ق 33 ب] رجل أن الجارية له وقامت له البينة له به، فالجارية تحصل له بالبينة، وأما الولد فلمن يكون؟ فيه وجهان: أحدهما: الولد يكون له أيضًا؛ لأن الشهود إنما شهدوا على أمرٍ سابق، وإن هذه الجارية كانت ملكًا له فينبغي أن يكون ولدها، كما لو شهدوا على أنه هذه الجارية له منذ وقت كذا، وذكروا مدة يمكن أن يكون الولد حدث بعد ذلك يقضي له بها وبولدها.
والثاني: وهو الأصح، وبه قال جمهور أصحابنا الولد يكون لمن هو في يده ولا

يبيع الأم؛ لأن الظاهر أنهما جميعًا ملك من هما في يده، فإذا قامت البينة بزوال ملكه عن أحدهما لم يزل ملكه عن الآخر.
وأما ما ذكر القائل الأول لا يصح لأنه يحتمل أنهم شهدوا أن الجارية كانت ملكًا له من ساعة أو يوم.
وهذا يدل على أن الولد حدث في ملكه.
قال ابن سريج: وهكذا الحكم في الإقرار لو كانت له جارية لها ولد فقال: هذه الجارية لفلان يكون اعترافًا له بالجارية، وهل يكون إقرارًا بالولد؟ وجهان، وقال أبو حنيفة: إن ثبت ذلك بالبينة فالولد مع الأم، وإن ثبت بالإقرار لا يتبع الولد الأم.
وغلط فيه؛ لأن الشاهد [ق 34 أ] يخبر عن أمر سابق كما أنه بالإقرار يخبر عن أمر سابق، فلا فرق بينهما.
مسألة قَالَ: "وَلَو اشْتَرَى زَرْعًا وَاشْتَرَط عَلَى الَبَائِعِ حَصَادَهُ كَانَ فَاسِدًا".
وهذا كما قال، هذه المسألة مقدمة وهي البيع إذا كان في عقده إجارة، مثل أن يقول: بعتك هذه الدار وأجزتك هذه الدار الأخرى بمائة دينار فيه قولان: احدهما: يبطلان لأنهما عقدان أحكامهما متنافية، فإذا جمع بينهما في صفقة واحدة بطلا.
والثاني: كلاهما صحيحان وتقسط المائة على قدرهما، وهو الصحيح؛ لأن اختلاف أحكامهما لا يمنع من الجمع بينهما صفقة واحدة، كالسيف والشقص، إذا جمعا في صفقة واحدة.
وأما إذا قال: بعتك هذه الدار بمائة وأجرت هذه الدار الأخرى سنة واحدة من هذا الوقت بمائة فقبلها صح العقدان معًا قولًا واحدًا؛ لأن كل واحد من العقدين انفرد عن صاحبه بعوض معلوم، ولو قال: بعتك هذه الدار وأجرتها سنة واحدة بمائة دينار لم يصح قولًا واحدًا؛ لأن مقتضى البيع أن تكون المنفعة بعد البيع حادثة عن ملك المبتاع بلا عوض، وهذا يقتضي أن يحدث في ملكه بعوض فلا يصح، وهكذا [ق 34 ب] لو قال: بعتك هذه الدار على أن تؤاجر الدار الأخرى لا يصح لأنهما كبيعتين في بيعة، وهكذا البيع إذا كان في عقد كتابة مثل أن يقول لعبده: بعتك هذا العبد وكاتبتك على نجمين بمائة فيه قولان: أحدهما: يبطلان لتنافي الأحكام.
والثاني: لا يبطلان إلا أن البيع في العبد باطل لأنه لا يجوز أن يبيع شيئًا من عبده وإنما يجوز إذا سبق عقد الكتابة، فأما تبع العقد الكتابة فلا يجوز؛ لأن البيع يصادف رقيقًا غير مكاتب.
وأما عقد الكتابة: فإن قلنا: لا تفرق الصفقة يبطلان، وإن قلنا: تفرق فالكتابة

بحصتها من المائة جائزة، وهكذا النكاح إذا كان في عقده بيع قولان لأن النكاح لا يبطل بحالٍ، لأنه لا يبطل بجهالة العوض.
فإذا تقرر هذا، اختلف أصحابنا في مسألة الكتاب، فقال أبو إسحاق: هو بيع وإجارة في صفقة واحدة فيجب أن يكون على قولين، ومن أصحابنا من قال: لا يجوز قولًا واحدًا وهو الصحيح.
واختلفوا في العلة؛ فمنهم من قال: لأنه شرط عقدين في عقد، وقيل: إنه صار شرطًا في تأخير القبض وذلك أنه شرط عليه تسليمه محصورًا ولا يجوز شرط تأخير تسليم العين المبيعة.
وقيل: العلة [ق 35 أ] أنه استأجره ليعمل فيما لا يملكه فلا يجوز، وصورة مسألة الكتاب أن يقول: ابتعت منك هذا الزرع على أن تحصد لي، واشتراه قبل استدراكه بشرط القطع أو بعد اشتداده وكان شعيرًا حتى يصح البيع، لو لم يشترط هذا الشرط.
وهكذا الحكم لو قال: ابتعت منك هذا الثوب على أن تقطعه وتخيطه بألف فالحكم فيه في الزرع سواء، ولو قال: اشتريت منك هذا الزرع فهو كما لو استأجر رجلًا لحصاد زرع لا يملكه، ثم إذا بطل عقد الإجارة ففي البيع قولًا تفريق الصفقة، ولو قال: اشتريت منك هذا الزرع وتحصده لي بدينار لا يجوز.
وقال في "الحاوي": إن قلنا في العلة الأولى يجوز لأنه لم يجعل أحدهما شرطًا في الآخر، وإن قلنا بالعلة الأخرى: لا يجوز، وهكذا لو اشترى حطبًا إذا عرف البائع داره كما لو قال: اشتريت منك هذا أو استأجرتك حتى تنقله إلى موضع كذا فيه ثلاثة طرق: أحدهما: أنه جمع بين عقدين مختلفي الحكم فيه قولان.
والثانية: لا تصح الإجارة لأنه لم يملك [ق 35 ب] في البيع قولًا واحدًا؛ لأنه شرط فاسد في البيع، ولو أطلق في شراء الحطب المذهب أنه يصح ويسلم في موضعه.
وفيه وجه لا يصح، لأن العادة تختلف فقد يشتري ليحمل إلى داره فهو كما لو ذكر الثمن مطلقًا، وفي البلد فقدان فلو اشترى صربا وشرط على البائع أن يخصفه على خف، فإن أراد أن يكون القدر الذي يحتاج إليه الخف معيبًا وما يسقط بالحدد والتقدير يبقى للبائع، فالكل باطل لأن المبيع مجهول، وإن أراد أن تكون جميلة مبيعة فهو كمسألة الحطب للبائع أو سمسمًا على أنه إذا عصره يكون كسبه للبائع نص في الصرف على بطلان البيع، وهكذا لو شرط أن يحلجه البائع ويكون الحب له، ولو باع حنطة على أن يكون الكيل على المشتري يبطل البيع لأنه يعتبر موجب العقد بالشرط.
مسألة قَالَ: "وَلَوْ قَالَ لَهُ: بِعْنِي هَذِهِ الصَّبْرَةَ كُلَّ إِرْدَب بِدِرْهَم عَلَى أَنْ تَزِيدَنِي إِرْدَبًّا أَوْ أَنْقُصَكَ إِرْدَبًّا كَانَ فَاسِدًا".

الفصل وهذا كما قال، الإردب شيء من مكيال العرب بلغة مصر وهو أربعة وستون منًا ويكون أربعة وعشرين صاعًا، والفضل نصف ذلك والصبرة الكومة المجموعة من الطعام سميت [ق 36 أ] صبرة لإفراغ بعضها على بعض والكر ستون قفيزًا، والقفيز ثمانية مكاكيك، والمكوك صاع ونصف، وهو ثلاث كيلحات، والفرق ثلاثة آصع، وفي الصبرة مسائل كثير: إحداها: ما ذكره أنه إذا باع وأشار إليها يصح البيع، ورؤية ظاهرها مغنية عن رؤية باطنها؛ لأن الظاهر أن أجزائها متساوية وفي تقليبها والنظر إلى جميعها مشقة ظاهرة، ويخالف الثوي المطوي لا يصح بيعه إذا لم ينشره، لأن طرفي الثوب يختلفان في العادة، ولأن الصقالة والعصارة على ظاهره دون باطنه فلا يكون النظر إلى ظاهره مغنيًا عن النظر إلى باطنه، وقد بيّنا أنه إن وجدها قد دلس البائع فيها، بأن جعل تحتها طعامًا رديًا أو مبلولًا، أو جعلها على نشز من الأرض فللمشتري الخيار بين أن يمسكها بكل الثمن أو يردها.
وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بسوق الطعام فرأى طعامًا فأدخل يده فيه فرأى تحته نديًأ فأظهر النداوة، وقال: هكذا تبيعوا من غشنا فليس منا".
وروي أنه قال: "أمرني جبريل صلى الله عليه وسلم أن أدخل يدي فيه".
وإن كانت مصبوبة في بركة أو بئر ووهدة من الأرض ولم يعلم البائع [ق 36 ب] فالبائع بالخيار بين الإجازة والرد.
وقال مالك -رحمه الله -إن علم البائع قدرها لا يجوز بيعها.. واحتج بما روى الأوزاعي -رحمه الله -أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من علم كيل طعام فلا يبعه حتى يبينه" وهذا غلط لأنه شاهد البيع ولا يفتقر إلى معرفة كيله كما لو يعلم البائع.
وأما الخبر فمرسل، وإن صح حملناه على الندب.
والمسألة الثانية: أن يقول: بعتك هذه الصبرة كل قفيز منها بدرهم فالبيع جائز؛ لأن الصبرة معلومة بالمشاهدة والثمن معلوم في التفصيل ويعلم قدر مبلغه من غير أن يرجع إلى المتعاقدين، فهو كما لو باع سلعة برأس المال، وهو مائة، وربح مائة في كل عشرة أو دابرة كل درهم يصح كذلك ههنا، وبه قال مالك، وأحمد، وأبو يوسف، ومحمد -رحمهم الله-.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله -: يصح في قفيز واحد دون الباقيز الثالثة: أن يقول: بعتك ربع هذه الصبرة أو ثلثها أو سدسها يصح البيع لأنه جزء معلوم بالمشاهدة.
الرابعة: أن يقول: بعتك من هذه الصبرة عشرة أقفزة كل قفيز منها بدرهم، فإن علم أن الصبرة عشرة أقفزة أو أكثر يصح، وإن لم يعلم ذلك لا يصح لا يعلم وجود البيع [ق 37 أ].

وقال داود -رحمه الله -: لا يجوز بحالٍ كما لو باع ذراعًا من ثوبن وهذا غلط لما ذكرنا من العلة.
الخامسة: أن يقول: بعتك من هذه الصبرة كل قفيز بدرهم فالبيع باطل؛ لأن من للتبعيض فقدر البيع مجهول.
وحكي عن ابن سريج -رحمه الله -أنه قال: يجوز في قفيز واحد كأنه قال: بعتك قفيزًا من هذه الصبرة بدرهم.
السادسة: إذا قال: بعتك هذه الصبرة كل قفيز بدرهم على أن أزيدك قفيزًا أو أنقصك قفيزًا، فالبيع باطل، لأن لا يدري هل ابتاعه زائدًا أو ناقصًا، وليست هذه مسألة الكتاب على صورتها، وإنما مسألة الكتاب إذا لم يذكر التخيير وهي المسالة السابعة: وصورتها أن يقول: بعتك هذه الصبرة على أن أزيد له إردبًا، وقال: على أن أنقصك، قال الشافعي -رحمه الله -: "البيع باطل، وجملته أنه إذا قال: على أن أزيدك إردبًا لا يخلو إما أن يعلما عدد القفزان أو لا يعلما ذلك، فإن لم يعلما فالبيع باطل لأن قوله أزيدك قفيزًا لا يخلوا إما أن يكون يريد به هبة أو يريد به بيعًا مع جملة القفزان، فإن أراد هبة لا يجوز، لأن شرط الهبة في عقد البيع فيصير في معنى التعيين في بيعه، وإن أراد بيعًا وجب أن [ق 37 ب] يقسط على القفزان فيصير كل قفيز وشيء بدرهم، وهذا مجهول فلا يصح، وإن علمنا مقدار القفزان، فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لأنهما إذا علما أن عدد القفزان عشرة وزاد قفيزًا آخر ويكون مبيعًا فكأنهما تبايعًا كل قفيز وعشرة قفيزًا بدرهم.
والثاني: لا يجوز؛ لأن القفيز الزائد غير مشاهد ولا موصوف، وإذا كان بعض المبيع مجهولًا لا يجوز البيع، هكذا ذكر القاضي الطبري وسائر أصحابنا ذكروا وجهًا واحدًا أنه لا يجوز لما ذكرنا من العلة وهو الصحيح الذي لا يحتمل غيره، وذلك أن بيع الطعام المعلوم والمجهول لا يصح قولًا واحدًا.
والثامنة: أنه إذا قال: أزيدك إردبًا وأراد به أن يعطيه لكل إردب درهمًا ثم ثمن إردب واحد، فيصير كأنه زاد إردبًا من هذه الصبرة وجملة المكاييل معلومة عندهما يصح قولًا واحدًا.
التاسعة: أن يقول: على أن أنقصك، فإن لم يعلما عدد القفزان لا يجوز، لأن البيع مجهول، ويصير كأنه باع قفيزًا إلا شيئًا بدرهم، وإن علما عدد القفزان يجوز البيع قولًا واحدًا؛ لأن القفيز الذي ينقضي ليس بمبيع فلا يضر الجهل به، ويخالف المسألة قبلها؛ لأن القفيز الزائد [ق 38 أ] مبيع فيؤثر فيه الجهل.
العاشرة: إذا قال: بعتك كل إردب بدرهم على أن تهب لي منها قفيزًا لا يجوز؛ لأنه شرط أن يهب للبائع شيئًا، وإن أراد أن الثمن بجملته بقابل الصبرة إلا إردبًأ منها وكانت المكاييل معلومة جاز، ويصير كأنه باع كل إردب بدرهم وتسع درهم إن كانت

الصبرة عشرة مكاييل وأعطى تسعة دراهم، وإن أراد أن يأخذ جميع المكاييل العشرة ويعطيه أحد عشر درهمًا جاز أيضًا إذا كانت معلومة، وإن قال: أزيدك من غيرها لا يجوز بحالٍ للجهالة.
الحادية عشرة: إذا قال: بعتك هذه الصبرة وهي عشرة أقفزة بعشرة دراهم كلناها، فإن كانت تسعة أقفزة: فقد ذكرنا أن البيع صحيح وللمشتري الخيار، وإن بانت أحد عشر قفيزًا ففيه قولان، والمذهب أن البيع صحيح وللبائع الخيار بين الإجازة والفسخ، وإن قال المشتري: رضيت عشرة منها بعشرة دراهم يسقط الخيار، والقول الثاني: أن البيع باطل لأنه لا يملك خيار البائع على ترك الفضل، ولا إجبار المشتري على ترك بعض ما اشترى يفسد البيع، وهكذا حكم الحبوب كلها [ق 38 ب] في كل ما تساوي أجزاؤه كالتمر والقطنان، وقيل: إذا خرجت أحد عشر قفيزًا، وقلنا: البيع جائز، ففي الزيادة وجهان: أحدهما: للمشتري لأنه عقد على جميع الصبرة.
والثاني: للبائع لأنه ما شرط له إلا عشرة أقفزة.
فرع إذا قلنا للبائع: لا خيار له وهل للمشتري الخيار؟ وجهان: أحدهما: يثبت لأن مقتضاه أن تسلم له كلها.
والثاني: لا يثبت؛ لأن العشرة سلمت له كلها.
والثاني: الزيادة للمشتري وهل للبائع الخيار؟ وجهان: أحدهما: لا يثبت، لأنه لما قال بهذه الصبرة رضي بزوال ملكه عن جميعها.
والثاني: يثبت؛ لأن مقتضى قوله عشرة أن الزيادة لا تكون للمشتري.
فرع هل يكره بيع الصبرة جزافًا؟ قال في الصرف: لا بأس به.
وحكى حرملة عن الشافعي -رحمه الله -: لا أحب ذلك، لأن فيه ضربًا من الغرر فيكون أقل مما ظنه.
فرع إذا قال بعتك صاعًا من هذه الصبرة، فقد ذكرنا أنه يصح -وذكرنا عن القفال وجهًا آخر، فلو تلف أكثر الصبرة فإن كان عدد الصيعان معلومًا فالذي ملك يملك شائعًا وما بقي بقي شائعًا ويسقط من الثمن بقدر ما هلك من المبيع، وإن كان العدد مجهولًا فما دام يبقى [ق 38 أ] صاع يلزمه تسليمه إليه، وإن كان بقي أقل من صاع سلم الموجود إن رضي به وسقط من الثمن بقدر ما فات.

فرع لو قال: بعتك هذه الصبرة إلا صاعًا، فإن كان عدد الصيعان معلومًا جاز وإن كان مجهولًا لا يجوز، والفرق أنها إذا كانت معلومة فقدر المبيع معلوم والجهالة فيما استبقى له على ملكه، وههنا المبيع مجهول، والقدر الذي استبقاه معلوم فلا يجوز، وأما إذا كان المبيع مما لا يتساوى أجزاؤه كالثوب والدار والأرض ففيه مسائل: أحدها: أن بيع الدار بمنزلة بيع الصبرة لأن ظاهرها مثل الحنطة والسقوف لا يرى باطنها كأساس الحيطان وأطراف الخشب وغير ذلك، وإذا قال: بعتك هذه الدار بكذا جاز، ولو قال: بعتك هذه الدار كل ذراع بدرهم جاز.
وقال في "الحاوي": إذا لم يعلما مبلغ ذرعها فيه وجهان.
قال البصريون: يجوز كما في الصبرة، وقال البغداديون: لا يجوز للجعل بمبلغ الثمن ولعله أراد بعض البغداديين، ولو قال: بعتك ربع هذه الدار، أو ثلثها جاز ولو قال: بعتك من هذه كل ذراع بدرهم لا يجوز، ولو قال: بعتك هذه الدار عشرة أذرع كل ذراع [ق 39 ب] بدرهم ولم يعرفا جملة ذرعان الدار لا يجوز؛ لأن أجزاء الدار غير متساوية ويفارق الصبرة من هذا الموضع لأن أجزاءها متساوية، ولو سمى جميع ذرعان الدار، ثم اشترى منها عشرة أذرع جاز من قبل أن هذا منها سهم معلوم.
وبه قال أبو يوسف، ومحمد، وقال أبو حنيفة: لا يجوز؛ لأن الذرعان عبارة عن القدر كالقفيز من الطعام، فإذا أضافه إلى جملة معلومة كان ذلك جزءًا منها، ولو قال: بعتك من ههنا إلى ههنا جاز لأنه معلوم، ولو قال: بعتك من ههنا عشرة أذرع إلى حيث ينتهي ولم يبين الانتهاء وجهان: أحدهما: يجوز، وهو اختيار أبي اسحاق، وابن أبي هريرة لأنه باع جزءًا معلومًا من موضع معين؛ لأن الموضع الذي ينتهي المقدار غير معلوم وذلك يختلف فلا يجوز البيع حتى يكون الابتداء والانتهاء معلومين، ولو قال: بعتك هذه الدار كل ذراع بدرهم على أن أزيدك ذراعًا أو أنقصك ذراعًا فالحكم على ما ذكرنا في الصبرة، ولو [ق 40 أ] قال: بعتك نصيبي من هذه الدار ولم يعرفا أو أحدهما قدر النصيب لا يجوز.
وحكي عن أبي حنيفة: إذا علم المشتري قدره يجوز.
وكذا المسائل في الثوب إذا قال: بعتك هذا الثوب كل ذراع بدرهم لا يجوز؛ ولو قال: بعتك من هذا الثوب عشرة أذرع إلا ذراعًا واحدًا لا يجوز، لأنه لا يمكن تسليم المبيع إلا بضرر نقص يدخل على البائع، إلا أن يكون الثوب ضعيفًا إلا ينقصه بالقطع كالبطانة ونحوها، فحكمه حكم الدار إذا بين الابتداء والانتهاء، أو بين الابتداء دون الانتهاء على ما ذكرنا.
وهذا هو المنصوص ذكره صاحب "التلخليص".
وقال ابن سريج: يجوز ذلك بكل حال واختاره

القفال لأنهما رضيا بهذا الضرر كما لو باع أحد مصراعي الباب أو أخذ زوجي الخف.
وقال في "الحاوي": إن علما انتهاء يجوز بكل حالٍ ولم يذكر وجهًا آخر بأن يكون عليه علامة مثل خط من لون آخر، وهو اختيار صاحب التقريب القاسم بن [ق 40 ب] القفال الشاسي -رحمهما الله.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله -: لا يجوز لأن في قطعه إدخال النقص في الذرع المبيعة والباقي من الثوب، وهذا خطأ لأنه لا خلاف أنه يجوز بيعه مشاعًا وإن كان يستحق قسمته المقتضية إلى نقص الحصص وهذا أصح عندي.
قال صاحب "التلخيص": وهكذا إذا باع ذراعًا من أسطوانة من خشب قال: وإن كانت الأسطوانة من آجر جاز، وهذا يحتاج فيه أن يشترط أن يكون انتهاء الذرع إلى انتهاء آخره وعين ذلك فلا يلحق الضرر بذلك، فأما إذا كان انتهاء ذلك إلى بعضها كان في كسرها ضرر فلا يجوز، ولو باعه ثوبًا على أنه عشرة أذرع فخرج تسعًا يصح البيع والمشتري بالخيار، لأنه وجد بالمبيع نقصًا فصار بمنزلة العيب، فإن اختار هل يجيزه بكل الثمن أو بحصته من الثمن؟ قال أصحابنا: يجيزه بكل الثمن، وقال القاضي الطبري: في المذهب المحرر يخبره بكل الثمن؛ لأن الشافعي -رحمه الله -قال: لو اشترى صبرة على أنها مائة كر فبانت خمسين فالمشتري بالخيار إن شاء أخذ ذلك بالحصة من الثمن، وإن شاء فسخ والثوب كذلك، وقال في التعليق: مثل ما ذكره أصحابنا وهو الصحيح [ق 41 أ] والفرق بين الحنطة والثوب أن الحنطة تساوي أجزاءها فيكون ما فقده مثل ما تركه وفي الثوب ما فقده لم يكن مثل ما وجده ولأن في الصبرة لا يؤدي تقسط ذلك إلى جهالة الثمن في التفصيل حال العقد، وإن كان في الجملة مجهولًا، وفي الثوب إذا قسم الثمن على قيمة ذرعان له، وجعل الفائت مثل واحد منهما أدى إلى أن يكون الثمن حال العقد مجهولًا في الجملة والتفصيل.
فإن قيل: هلا قسمتموه على عدد الذرعان؟ قلنا: لأن ذرعان الثوب يختلف وهذا لو باع ذراعًا منه ولم يعين موضعه لم يجز.
وقال أبو حنيفة: يجيزه بحصته وهذا هو القياس عندي؛ لأن ذرعان الثوب يتقارب كالحنطة سواء، وإن خرج أحد عشر ذراعًا فيه وجهان: أحدهما: وهو المذهب المنصوص يصح البيع والبائع بالخيار إن شاء فسخ، وإن شاء رضى بالثمن المسمى لأن الزيادة في حق البائع بمنزلة النقصان في حق المشتري.
والثاني: يبطل البيع لأن إجبار البائع على تسليمه زائدًا لا يجوز؛ لأن الزيادة لم يتناولها هذا العقد ولا يجوز إجبار المشتري على قبول عشرة أذرع منها مقطوعة، لأنه إنما دخل على أن يسلم له [ق 41 ب] جميع المثمن وفي تسليم بعضه إليه مقطوعًا ضرر به فكان البيع باطلًا.
ويفارق إذا كان ناقصًا لأن إجبار البائع ممكن إذا رضي به المشتري، فإن

التسع قد تناولها العقد ويفارق الصبرة لأنه يمكن رد الفضل هناك.
فإذا قلنا بالقول الأول فقال المشتري: رضيت بعشر منها بكل الثمن هل يجبر البائع على إتمام البيع؟ قال ابن سريج: فيه وجهان: أحدهما: الجبر لأنه زال ضرره.
والثاني: لا يجبر لأن الشركة في الذراع الفاضل نقص، ولو قال: بعتك عشرة أذرع مشاعًا، فإن لم تكن الجملة معلومة لا يجوز، وإن كانت الجملة معلومة جاز.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله -: لا يجوز أصلًا كما قال في الدار وهذا غلط لما ذكرنا.
فرع لو باع ساحة على أنها عشرة أذرع فكانت إحدى عشرة ذراعًا فالحكم على ما ذكر من الثوب.
فرع لو قال: بعتك عشرة أذرع من هذه الأرض على أن أسلمها من أي موضع شئت لم يجز، وفي الصبرة يجوز؛ لأن أجزاء الصبرة لا تتفاوت وأجزاء الأرض تتفاوت في الصلاة والرخوة.
فرع لو قال: بعتك صبرتك هذه فما خرجت قفزاتها بيانها من صبرتي هذه بدينار، لا يجوز نص عليه في الصرف.
فرع لو قال: اشتريت منك هذا القطيع من الغنم [ق 42 أ] على أنها ثلاثون بلدي فإذا هي إحدى وثلاثون أو تسع وعشرون.
قال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان: أحدهما: يصح في الثلاثين إذا كان زائدًا، وفي التسع والعشرين بحصته من الثمن إذا كان ناقصًا وهو الصحيح.
والثاني: لا يصح.
وبه قال أبو حنيفة: وعندي هذا كمسألة الثوب.
فرع لو قال: اشتريت منك هذا القطيع كل رأس بكذا جاز، وقال أبو حنيفة: لا يجوز.
وهذا غلط؛ لأن البيع معلوم بالجملة وكذلك الثمن كما قال في الصبرة.

فرع قال بعض أصحابنا بخراسان: لو باع صاعًا من حنطةٍ بصاع حنطة ولم يكونا حاضرين وقت العقد، فإن كان في البلد أجناس في الحنطة لا يجوز، وإن كانت جنسًا واحدًا فيه وجهان: أحدهما: يجوز ويشترط التقابض في المجلس وهو القياس، كما لو باع درهمًا بدرهم وفي البلد نقد واحد.
والثاني: لا يجوز، وبه قال أبو حنيفة لأنها مختلفة.
فرع لو باع الشيء برقمه ولم يبين في المجلس لا يصح البيع في أصح الوجهين.
ومن أصحابنا من قال: يجوز وإن لم يعلم في المجلس، لأنه يمكن إزالة الجهالة بالكشف عن قدرة من يعرف الرقم، كبيع الصبرة كل صاع بدرهم يجوز، وإن كان عدد الصيعان [ق 42 ب] مجهولة في الحال، وقال أبو حنيفة: يصح، وهذا غلط؛ لأن العقد وقع على ثمن مجهول.
فرع لو باع صبرة طعام مختلطة بشعير أو قفيز منها جاز.
وقال بعض أصحابنا: إن كان أسر الحوار الأمران فإن كان أحدهما زيد جاز بيع جملتها ولا يجوز بيع قفيز منها.
مسألة قال: "وَلَو اشْتَرَطَ فَي بَيْعِ السَّمْنِ أَنْ يَزِنَهُ بِظُرُوفِهِ مَا جَازَ".
الفصل: وهذا كما قال، في بيع الثمن مسائل: إحداهما: أن يقول: بعتك هذا السمن وهو مكشوف قد نظر إليه بكذا جاز البيع، وينبغي أن يكون في طرف واسع الرأس حتى تكون مشاهدته فيه، فإن كان الرأس مسدودًا يكون البيع فيه قولان، ولا فرق بين أن يكون الطرف من خشب أو خزف أو حديد.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا لم يعرف وزن الطرف هل يجوز البيع قولًا؟ وليس بشيء.
ولو قال: بعتك هذا السمن كل رطل بدرهم جاز أيضًا.
ولو قال: بعتك هذا السمن كل رطل بدرهم على أن أزنه بظرفه ولا يكون الظرف مبيعًا فالبيع باطلًا؛ لأنه شرط أن يزيد مع المبيع غيره، كما لو باع حنطة على أن يكيل معها شعيرًا لم يجز.
وقال بعض أصحابنا: لو علما وزن الظرف والسمن ينبغي أن [ق 43 أ] يجوز ويكون

بمنزلة أن يقول في الصبرة: على أن أزيدك قفيزًا وأحسب ثمنه عليك، لأنهما إذا علما ذلك فقد علما قدر الزيادة على ثمن الرطل، ولو قال: على أن أزنه بظرفه ثم أحط وزن الظرف جاز، وهكذا يباع، ولو قال: بعتك هذا السمن والظرف جزافًا بكذا أجاز البيع، لأنه باعهما جميعًا بثمن معلوم.
فإن قيل: أليس لو باع اللبن مشوبًا بالماء لا يجوز، فما الفرق؟ قيل: الفرق هناك المتصور غير متميز عما ليس بمقصود؛ لأن اللبن غير متميز عن الماء، وههنا المقصود متميز عن غير المقصود فجاز إذا جمع بينهما، ولو قال: بعتك هذا السمن مع الظرف كل رطل بدرهم، فإن كانا عالمين بمقدار الظرف والسمن، مثل أن يعلما أن الظرف خمسة أرطال والسمن عشرة أرطال جاز، وكأنه باعه ثلثاه سمن وثلثه ظرفه بدرهم، وإن كان لا يعلمان أو أحدهما مقدارهما لا يجوز؛ لأن المقصود السمن ولا يدريان كم من السمن يبيع بدرهم فالثمن مجهول في الجملة والتفصيل.
وحكي عن الداركي أنه يجوز؛ لأنه في النقصان معلوم كما لو باع جنسًا واحدًا، لأنه رضي بأن يشتري الظرف كل رطل بدرهم كما يشتري السمن ولو اشترى كل واحد منهما [ق 43 ب] على الانفراد ولا نظر ضمنهما كما لو اشترى ثوبًا مختلف الغزال أو... كل صاع بدرهم وقيمة ذرعانهما مختلفة، وإذا جوزنا إذا كان وزنهما معلومًا لا يشترط أن يكون الظرف بانفراده ما يساوي السمن، كما يجوز شراء الفواكه المختلطة بثمن واحد، وإن كان بعض أنواعه أغلى سعرًأ من بعض، وهذا إذا كان الظرف مقصودًا، فإن كان لا ينتفع بالظرف أصلًا وإنما يشتري مع السمن لا يجوز البيع؛ لأنه لم يبع منه المقصود إلا بأن يشتري معه ما ليس بمقصود، فهو كما لو قال: تزنه بظرفه لا يكون الظرف مقابل برده ويؤدي ثمنه.
ولو قال: بعتك هذا الثمن بعشرة على أن أزنه بظرفه، ثم أحط ثمن الظرف بالقسط، فإن كان عند العقد عالمين بقدر وزن الظرف وقدر ثمنه جاز، وإن كانا جاهلين أو أحدهما لا يجوز البيع لأنهما لا يعلمان أن المحطوط درهمان أو درهم فالثمن مجهول، ولا يشبه هذا إذا قال: كل رطل بكذا ثم أطرح وزن الظرف، لأنه يصير بيع مراطلة ومكايلة فلا يقدح الظرف وجهالته في العقد.
فرع لو اشترى جامدًا في ظرف موازنة يشترط إنزال الظرف كالدقيق والحنطة؟ فيه وجهان: [ق 44 أ].
أحدهما: لا يجوز الاستغناء الجامد عن ظرف يوزن معه، وإليه ميل أبي إسحاق.
والثاني: يجوز لأنه يصير بعد إنزال ظرفه معلوم القدر كالسمن وهو قياس قول ابن أبي هريرة.
ذكره في الحاوي.

مسألة قال: "وَلَوْ اشْتَرَطَ الْخِيَارَ فِي البَيْعِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ بَعْدَ التَّفَرقِ فَسَدَ الْبَيْعُ".
الفصل: وقد مضت هذه المسألة ولفظ الشافعي -رحمة الله عليه - ههنا يدل على أن أول خيار الشرط يحسب من وقت التفرق، وهو أحد وجهي أصحابنا، وهي نص لمن تأمل لفظه، وإن كان الصحيح الوجه الآخر.
فرع يجوز بيع الدراهم والدنانير جزافًا.
وقال مالك -رحمه الله -: لا يجوز لأنها خطر ولا يشق عددها أو وزنها.
وهذا غلط لأنه معلوم المشاهدة كالصبرة والنقرة والتبر والحلي.

باب النهي عن بيع الغرر

قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ فَذَكَرَ الخبر.
وهذا كما قال: "لا يجوز بيع الغرر ولا يحل ثمن عسب الفحل لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع الغرر وعن ثمن عسب الفحل".
والصحيح أن عسب الفحل ماؤه الذي يطرق به الإناث وينزو عليها، ولهذا قال: ثمن عسب الفحل وثمنه، وقيل: [ق 44 ب] الأجرة هي العسب.
وروي أنه "نهى عن عسب الفحل" وثمنه أجرته، وتسمى الأجرة ثمنًا على طريق المجاز لا يجوز بيع ذلك ولا إجارة الفحل للضراب.
وحكي أصحابنا عن مالك - رحمه الله -أنه يجوز أخذ الأجرة عليه، وبه قال الحسن، وابن سيرين -رحمهما الله -وقال عطاء -رحمه الله -: لا بأس إذا لم يجد من يطرقه؛ لأن فيه مصلحة لئلا ينقطع النسل.
وحكي عن ابن أبي هريرة من أصحابنا وأبي ثور.
وقال في "الحاوي": اختلف أصحابنا في معنى هذا النهي على وجهين: أحدهما: نهى تنزيه لدناءته وامتناع الجاهلية في فعله.

والثاني: وهو الأصح أنه نهى تحريم، لأن ذلك الماء مما يحرم عليه المعاوضة ولا يجوز أخذ البدل عنه.
والمنصوص ما ذكرت ولأنه استئجار على ما لا يقدر تسليمه؛ لأن المقصود الإنزال وهو يحصل باختيار العمل وليس في قدرته ذلك.
وأما الاستعارة للأطراف يجوز لما روى أنس -رضي الله عنه -أن قومًا من بني كلاب سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كراء الفحل فنهاهم فقالوا: إنا نطرقها لهم إكرامًا، فقال: "إذا كان ذلك إكرامًا -يعني هدية - فلا بأس"، ولو أعطى صاحب الفحل هدية أو كرامة جاز قبولها [ق 45 أ].
وقال أبو حنيفة: لا يجوز كما في حلوان الكاهن ومهر البغي، وهذا غلط؛ لأن هذه هدية لأجل بسبب مباح بخلاف ما قاسوا عليه.
واعلم أن هذه المسألة ليست من مسائل البيع في الحقيقة، بل هي من الإجارات ولكن ذكرها الشافعي ههنا لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكره باسم الثمن.
فرع لو استأجر فحلًا للركوب فأنزاه على أنثى، فإن دخل فيه نقص يغرم النقصان، وإن لم يدخل نقص لم يغرم شيئًا.
مسألة: "وَمِنْ بُيُوعِ الغُرَرِ عِنْدَنَا مَع مَا لَيْسَ عِنْدَكَ وَبَيَعُ الحَمْلِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَالعَبْدُ الآبِقِ".
وهذا كما قال، الغرر ما تردد بين جائزين لا يترجح أحدهما على صاحبه، كبيع الطير في الهواء، والسمك في الماء، فإنه قد يمكنه تسليمه، وقد لا يمكنه، وليس أحدهما أولى من صاحبه، فأما إذا رجحت السلامة فلا يكون غررًا مثل أن يقول: بعتك العبد الذي شاهدناه في البيت؛ لأن الأصل بقاؤه وسلامته ويصح بيعه، وأما في بيع ما ليس عنده ثلاث مسائل: إحداها: أن يبيع ملك غيره بغير إذنه فالبيع باطل لا يقف على إجازته لأنه غرر لا يدري هل يجيز صاحبه أو لا يجيز، وقال أبو حنيفة: ينعقد البيع موقوفًا على إجازة المالك [ق 45 ب] فإن أجاز جاز.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا قول آخر للشافعي -رحمه الله -في القديم وهكذا إذا اشترى للغير بغير إذنه هل يقف على إجازته؟ قولان وعند أبي حنيفة الشراء يلزم العاقد ولا يقف.
وقال مالك: يقف البيع والشراء على الإجازة، وبه قال أحمد في رواية وقيل: قال

جارٍ التحميل