بحر المذهب للرويانيصفحات 516-555

باب إغماض الميت

مسألة: قال: أول ما يبدأُ به أولياءُ الميت أن يتولى أرفقهمْ به إغماضَ عينيه.
الفصل وهذا كما قال.
قال: اعلم أن بعض أهل اللغة قالوا: الجنازة بكسر الجيم.
هي: اسم لما يحمل عليه الميت، وبفتح الجيم نفس الميت.
وقال الأزهري: الجنازة بكسر الجيم لا تسمى حتى يشد الميت مكفناً عليها، يقال: جنز الميت تجنيزاً، إذا هيئ أمره وجهر وشد على السرير، ثم اعلم أن الشافعي ذكر هاهنا ما يفعل بالمؤمن بعد موته.
وذكر في البويطي: ما يفعل به قبل موته ونحن نقدم ذلك.
وجملته: أنه يستحب للإنسان أن يكثر ذكر الموت، ويجعله من عينيه، وهذا في الدنيا وإطراحها، لما ووى ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "استحيوا من الله حق الحياء" قالوا: يا رسول الله وما حق الحياء؟ قال: "من عرف الرأس _ وروي من حفظ الرأس _ وما حوى، والبطن وما وعى، وترك زينة الحياة الدنيا، وأكثر ذكر الموت والبلى، فقد استحيى من الله حق الحياء" [266 ب/ 3].
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أكثروا من ذكر هاذم اللذات، فما ذكر في كثير إلا قلله ولا في قليل إلا كثره"، وروي مثل هذا عن عمر رضي الله عنه وكان نقش خاتم عمر "كفي بالموت واعظاً يا عمر"، وينبغي أن يستعد لموته كما يستعد لسفره الطويل.
وروى البراء بن عازب رضي الله عنه قال: بينما نحن نمشي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أبصر جماعة مجتمعين، فقال: على ما اجتمع القوم؟ فقالوا: على قبر يحفرونه فابتدر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسرعاً بين يدي الناس حتى أتى القبر وحثا عليه التراب، فابتدرت فاستقبلته لأنظر ما يصنع، فبكى حتى بل الثرى دموعه، وقال: "إخواني لمثل هذا اليوم فأعدوا" الاستعداد للموت، الخروج من المظالم، والإقلاع عن المعاصي والإقبال على الطاعات وهذا لأنه لا يؤمن من موت الفجأة [267 أ/3]

ويستحب أن يكون منه هذا الذي ذكرنا في مرضه أكثر منه في حال الصحة، قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ إن تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: 180] الآية.
فأراد سبب الموت وهو المرض الذي هو نذير الموت ويريده.
وعلى كل حال يستحب أن يكون حسن الطريقة حسن الظن بالله عز وجل، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل"، قال جابر: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول هذا قبل موته بثلاث.
قال أبو سليمان الخطابي رحمه الله: إنما نحسن الظن بالله تعالى من حسن عمله، فكأنه قال: أحسنوا أعمالكم يحسن الله ظنكم بالله فإن من ساء عمله ساء ظنه، وقد يكون حسن الظن بالله تعالى من ناحية الرجاء وتأميل العفو، وروى واثلة بن الأسقع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال عن الله تعالى: "أنا عند ظن عبدي بي فليظن عبدي ما شاء".
وقيل: المستحب أن يستوي في خوف العبد المؤمن ورجاؤه، ويكون خوفه في الصحة أكثر ليزداد عملاً صالحاً، وأما عند الموت فيستحب أن يكون رجاؤه لرحمة الله [267 ب/ 3] أكثر ليموت وهو حسن الظن بالله تعالى ذكره القفال.
واعلم أن من مرض يستحب له أن يصبر، لما روي أن امرأة جاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يشفيني فقال: "إن شئت دعوت الله فشفاك وإن شئت فاصبري ولا حساب عليك" قالت: أصبر ولا حساب علي، وقال بعض أصحابنا: يكره للمريض الأنين والتأوه وكثرة الشكوى لما روي من الخبر، ولأن طاوس رضي الله عنه كان يكره أنين المريض، وقال أيضاً: يستحب أن يتداوى لما روى أبو الدر داء رضي الله عنه أن وسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء فتداووا ولا تتداووا بالحرام".
ويستحب عيادة المريض لما روى البراء بن عازب رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإتباع الجنائز وعيادة المريض وإجابة الداعي ونصر المظلوم وإبرار القسم ورد السلام وتشميت العاطس.
وقال زيد بن أرقم: عادني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من وجع كان بعيني وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "عائد المريض في مخرف من مخاريف الجنة حتى يرجع إلى [268 أ/ 3] أهله" وأراد بالمخرف البستان، يعني: أنه يستوجب به الجنة

ومخارفها.
وروى ثوبان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في خرفة الجنة"، وروي عن ثوير بن أبي فاختة عن أبيه قال: أخذ علي رضي الله عنهب يدي، فقال: انطلق بنا إلى الحسن نعوده فوجدنا عنده أبا موسى فقال علي: أعائداً جئت يا أبا موسى أم زائراً، فقال: لا؟ بل عائداً، فقال علي رضي الله عنه سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "ما من مسلم يعود مسلماً غدوة إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن عاده عشية إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح وكان له خريف في الجنة.
أورده أبو عيسى الترمذي رحمه الله وقوله: خريف أي: مخروف من ثمر الجنة.
وعاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جابراً وسعداً وكان يحب زيارة المريض حتى أنه عاد غلاماً يهوديا مرض فأسلم ببركته - صلى الله عليه وسلم -. ويستحب إذا رجا برؤه أن يدعو له بما قال في رواية ابن عباس رضي الله عنه: "من عاد مريضا لم يحضره أجله فقال: عنده سبع مرات أسأل الله العظيم [268 ب/3] رب العرش العظيم أن يشفيك عافاه الله تعالى من ذلك المرض.
وروي أن جبريل أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "يا محمد اشتكيت قال: نعم، فقال: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من شر كل نفس وعين حاسدة، بسم الله أرقيك والله يشفيك".
وروى عبد العزيز بن صهيب قال: دخلت أنا وثابت على أنس بن مالك، فقال ثابت: يا أبا حمزة اشتكيت فقال أنس: أفلا أرقيك رقية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: بلى، قال: قل "اللهم رب الناس، مذهب البأس اشف أنت الشافي لا شافي إلا أنت شفاء لا يغادر سقماً".
وقال بعض أصحابنا: يكره للمريض أن يتمنى الموت وان اشتد مرضه، لما روى أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يتمنين أحدكم الموت لضيق نزل به، فإن كان متمنيا فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا ليّ" وقال حارثة بن مضرب: دخلت على خباب وقد اكتوى في بطنه فقال: ما أعلم أحداً من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقي من البلاء ما لقيت لقد [269 أ/ 3] كنت وما أجد درهماً على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفي ناحية من بيتي الآن أربعون ألفاً ولولا أن

رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهانا أن نتمنى الموت لتمنيت، وإن رآه ميؤوساً من البرء يستحب أن يوجهه إلى القبلة لتخرج الروح وهو متقبل القبلة.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "خير المجالس ما استقبل به القبلة"، فإن كان الموضع واسعاً فالمستحب أن يجعل على جنبه الأيمن ليكون وجهه وصدره ومقدمه نحو القبلة كما يصلي المريض، وكما يوضع في اللحد.
قال عليه الصلاة والسلام: "إذا نام أحدكم فليتوسد يمينه"، وإن كان الموضع ضيقاً جعل على ظهره وبطون قدميه إلى القبلة ويكون تحت رأسه مرفقه، ثم يستحب أن يلقن قول: لا إله إلا الله ثلاث مرات إذا حضر الوفاة، فإذا قالها لم يتكلم بعدها ليكون آخركلامه هذا.
قال - صلى الله عليه وسلم -: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" فإن تكلم بعدها بشيء أعيد التلقين ليكون التوحيد آخر كلامه.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "لقنوا موتاكم قول لا إله إلا الله" [269 ب/3] أي من قرب موته.
وقال القفال: لا يستحب أن يقول له قل: لا إله إلا الله أو يلح عليه بذلك، لأنه ربما يضجر فيرده فيهلك به، بل يذكر بين يديه ليتذكر.
وروي عن ابن المبارك أنه لما حضرته الوفاة جعل وجل يلقنه لا إله إلا الله فأكثر عليه فقال له عبد الله: إذا قلت: مرة فأنا على ذلك ما لم أتكلم بكلام.
ويستحب أن يتولى تلقين الشهادة للميت من ليس بوارث حتى لا يسبق إلى قلبه أنه يستعجل موته فيغتاظ من ذلك فيجحد، فإن لم يكن عنده إلا الورثة، فالأولى أن يتولى ذلك أبرهم به وأحبهم إليه حتى لا يسبق إلى قلبه تهمة الاستعجال فتحمله المغايظة على الجحود، ويستحب أن يقولوا: خيراً لما روت أم سلمة قالت: قال وسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيراً، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون، قالت: فلما مات أبو سلمة أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت: يا رسول الله إن أبا سلمة مات.
قال: فقولي: "اللهم اغفر لي وله وأعقبني منه عقبة حسنة"، قالت: فقلت فأعقبني الله منه من [270 أ/ 3] هو خير منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويستحب أن يقرأ عنده سورة "يس" لما روى معقل بن يسار أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "قال: اقرؤوا على موتاكم" يعني يس.

وقال بعض التابعين: يقرأ عنده سورة الرعد لما روي عن جابر بن يزيد قال: إذا قرئ عنده سورة الرعد فإنه يكون أسرع لخروج الروح، فيستحب أن يقرأ عنده هذا إذا رأي اشتداد الأمر، فإن رأى أمارات السلامة فإنه يدعو له وينصرف.
وروى أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل على شاب وهو في الموت فقال: كيف تجدك؟ فقال: أرجو الله برسول الله، واني أخاف ذنوبي.
فقال رسول - صلى الله عليه وسلم -: "لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله تعالى ما يرجوه وآمنه مما يخاف"، وقالت عائشة رضي الله عنها: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو بالموت وعنده قدح فيه ماء وهو يدخل يده في القدح، ثم يمسح وجهه بالماء، ثم يقول: "اللهم أعني على غمرات الموت أو سكرات الموت".
وأما ما يفعل به بعد موته، فاعلم أن الشافعي [270 ب/3] ذكر هنا وفي "الأم" أنه يفعل به سبعة أشياء: أحدها: أن يتولى أرفقهم به إغماض عينيه بأسهل ما يقدر عليه، وأراد به أقرباؤه ومحارمه، وهذا لما ووت أم سلمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "دخل على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمض عينيه وقال: أغمضوا عيون موتاكم فإن الروح إذا خرجت تبعها البصر"، ولأن ذلك هو أحسن في هيئة الميت من أن يكون مفتوح العينين، ويشبه النائم بعد إغماضها.
وإذا لم يغمض عند وجود حرارة الروح فيه لم تتغمض بعدما برد ويقبح منه ذلك بهيئة الميت، ويدخل فيها الهوام.
والثاني: قال: وأن يشد لحييه الأسفل بعصابة عريضة ويربطها من فوق رأسه لئلا يسترخي لحيه الأسفل فيفتح فوه فلا ينطبق وهذا صحيح قريب المعنى من إغماض عينيه، ولأنه إذا لم يفعل ذلك دخل الهوام جوفه ويقبح به منظره.
والثالث: يلين مفاصله ما دامت حرارة الحياة فيه، فيرد ذراعه إلى عضديه ثم يردهما ويلين أصابع يديه بطونها، ثم يردها ويرد ساقه إلى فخذه، ثم يرده ويرد فخذه إلى بطنه ثم يرد [271 أ/ 3] ويتعاهد منه هذا ليتأتى لينه على غاسله وقت غسله وتكفينه.
والرابع: تجرده من ثيابه فيخلع عنه ثيابه المخيطة من الجبة والقميص وغيرهما، وهذا لئلا يحمى فيها فتفسد، ولأنه لا يخلو في الغالب عن نجس أو قذر.
والخامس: أن يجعل على بطنه حديدة فإن لم يكن فطيناً مبلولاً لئلا يربو جوفه.
وروي أن مولى أنس رضي الله عنه مات فقال: "ضعوا على بطنه حديدة لأنه ينتفخ".
والسادس: يسجى بثوب يغطى به جميع جسده ووجهه لأنه بعد الموت يأخذ في

التغير فينبغي أن يستر ويوارى عن الأبصار، وقالت عائشة رضي الله عنها: "سجي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بثوب حبرة".
والسابع: يجعل على لوح وسرير لئلا تدب إليه الهوام، وليكون أبعد من الأرض ولا يوضع على الفراش لأنه أسرع لانتفاخه ولا يجمع عليه أطباق الثياب لهذا، ويجعل جوانب الثوب تحت رأسه ورجله لئلا ينكشف.
فرع قال في "الأم": وأحب إذا مات أن لا يعجل أهله غسله، لأن قد يكون يغشى عليه فيخيل إليهم أنه قد [271 ب / 3] مات حتى يرى فيه علامات الموت، وهو أن يسترخي قدماه فلا ينتصبان، ويميل أنفه ويفترق زنداه وتفترج المفاصل ويمتد جلدة الولد، يعني: جلدة الخصية، لأن الخصية تتعلق بالموت ويتدلى جلدها.
وقال بعض أصحابنا: وينخسف صدغاه، قال: وإن مات فجأة مصعوقاً أو بحريق أو غرق أو مات غماً أو محمولاً عليه أو تردى من جبل أو في بثر، استوفى بموته يوما أو يومين أو ثلاثة ما لا يخاف بغيره، فإذا تحقق موته تعجل غسله، ودفنه لأنه عبادة، فكانت المبادرة إليها أفضل، وقد قال عليه الصلاة والسلام لعلي رضي الله عنه: "ثلاث لا تؤخرها الجنازة إذا حضرت" الخبر، وأراد بالمصعوق الذي تصيبه السكتة، وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل على طلحة بن البراء يعوده، فقال: "ما أرى الموت إلا وقد ذهب بطلحة فإذا مات فآذنوني وبادروا به فما ينبغي لميت مسلم أن يكون بين ظهراني أهله" قلت: وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "موت الفجأة أخدة آسف"، والآسف الغضبان [272 أ / 3] من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: 55].
ومعناه أنه نقل ما أوجب الغضب عليه.
وروى أنى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "موت الفجأة رحمة للمؤمنين وعذاب على الكافرين".
وهذا يفسر ما قبله من الخبر.
فَرْعٌ آخرُ أول ما ينبغي أن ينظر في أمره أنه إن كان على الميت ومن قضى عنه أنه كان في تركته من جنسه، فإن لم يكن فيها من جنسه احتال بها الولي على نفسه وسأله أن يبرئ الميت منه، وإن لم يخلف تركه بحال يسأل من له الدين أن يبريه منه، فإن لم يفعل كان في قضاء دينه ثواب عظيم وأجر كثير فربما بما يضمنه ضامن ويؤدي ذلك وإنما قلنا هذا لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال "نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه"، وروي أن

النبي - صلى الله عليه وسلم - أتي برجل ليصلي عليه فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "صلوا على صاحبكم فإن عليه ديناً".
قال أبو قتادة: هو علي فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "بالوفاء" قال: بالوفاء فصلى عليه، وقال أبو هريرة [272 ب / 3] رضي الله عنه كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين، فيقول: "هل ترك لدينه من قضاء؟ " فإن حدث أنه ترك وفاء صلى عليه وإلا فلا.
وقال للمسلمين: "صلوا على صاحبكم" فلما فتح الله عليه الفتوح قام فقال: "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن توفي من المؤمنين فترك ديناً فعلي قضاؤه، ومن ترك مالاً فهو لورثته"، ثم إن كانت له وصية تفرق على ما أوصى وبدأ بأقاربه وجيرانه ليقدم الخير بين يديه فيجده إذا ورد عليه.
فرع قال بعض أصحابنا: يكره النداء على موته ولا نص فيه، وهذا لإخفاء أمره والمبادرة به، وقال بعضهم: يستحب الإنذار به وإشاعة موته في الناس بالنداء والإعلام، ليكثر المصلون عليه والداعون له فينادي: قد مات فلان ابن فلان.
وبه أقول.
وقال أحمد: لا بأس به، وبه قال أبو حنيفة وقال بعضهم: يستحب ذلك للغريب ولا يستحب لغيره وبه قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه لأن في الغريب إذا لم يناد لا يعلم به.
وقد روي عن حذيفة بن اليمان أنه قال: "إذا مت فلا تؤذنوا بي أحداً [273 أ / 3] فإني أخاف أن يكون نعياً، وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن النعي".
وروى عبد الله بن مسعود إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إياكم والنعي فإن النعي من عمل الجاهلية".
قال عبد الله: والنعي: أذان بالميت وهذا دليل القول الأول ويمكن أن يؤول على ما لو لم يكن الفرض تعريف الإخوان وكثرة المصلين عليه والداعين.

باب غسل الميت

مسألة: قال: ويفضى بالميت إلى مغتسله.
وهذا كما قال.
أواد بنقل الميت إذا أريد غسله إلى الموضع الذي يغسل عليه وغسل الميت هو من فرائض الكفايات كالصلاة عليه سواء، وأصل هذا أن علياً والفضل بن العباس رضي الله عنهما توليا غسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأمره ووصيته، وقال علي رضي الله عنه: ".... على غسله، وروي أن علياً رضي الله عنه رأى في عين رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

قراءة فأدخل لسانه فأخرجها، وقد روي في خبر المحرم [273 ب / 3] الذي وقعت به ناقته أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "اغسلوه بماء وسدر" فأمر بالغسل ولأنه لا خلاف بين المسلمين فيه.
فإذا تقرر هذا ذكر كيفيته فقال: ويفضى إلى مغتسله ويكون كالمنحدر قليلاً وهو أن يكون موضع وأسه أعلى حتى ينحدر الماء عنه ولا يقف عنه، ويكون ملقىً على ظهره وتكون رجلاه إلى القبلة.
مسألة: قال: ثم يعاد تليين مفاصله.
وهذا كما قال، قال أصحابنا: لا يعرف هذا للشافعي في شي، من كتبه، ولا يستحب ذلك لأن تليين المفاصل إنما يفيد عقيب الموت لبقاء حرارة الروح فيه، فأما عند الغسل فقد بردت المفاصل فلا يفيد التليين شيئاً وقيل: إنه نص على هذا في "الأم": حكاه البندنيجي ففي المسألة قولان، وهذا غير صحيح وينبغي أن يؤول إن صح أنه ذكره في "الأم".
مسألة: قال: ويطرح عليه ما يواري بين ركبتيه إلى سرته.
وهذا كما قال أراد به أن يستر عورته، وهو ما كان يستره في حال حياته من نفسه، والأولى أن يستر جميع بدنه، وهذا إن لم يغسل في قميص [274 أ / 3]، والسنة عنانا أن يغسل في قميص، وهو أن يلبس قميصاً عند غسله ولا تخرج منه يداه ويصب الماء فوق القميص ونص على هذا بعد هذا، وبه قال أحمد.
وقال مالك وأبو حنيفة: المستحب أن يجرد عن ثيابه وتلقى خرقة على فرجه ويكون فخذه مكشوفا وهذا لأن الحي إذا اغتسل تجرد فالميت أولى.
وهذا غلط لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "غسل في قميصه" فإن قيل: يحتمل أنه - صلى الله عليه وسلم - كان مخصوصاً بهذا، ألا ترى أنهم قالوا: نجرده كما نجرد موتانا، ما كان سنة في حقه ففي حق غيره كذلك ما لم يثبت دليل التخصيص.
وروي أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لما حضره الموت قال: "إذا أنا مت فامنعوا بي كما صنع برسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ولم ينكر ذلك أحد، وعندنا يجب ستر الفخذ منه، ولا يجوز النظر إليه من غير ضرورة لأنه عورة.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلى رضي الله عنه: "لا تكشف عن فخذك ولا تنظر إلى فخد حي ولا ميت".
فإذا [274 ب / 3] ثبت هذا.
قال: "أحب أن يكون القميص خلقاً سخيناً"، يعني خلقا ينزل الماء عنه ولا يكون جديداً صفيقاً ينشف الماء ويتعذر غسله فيه، ثم ينظر في القميص، فإن كان واسعاً أدخل الغاسل يده في كمه وغسله من تحته ويكون على يده خرقة، وان كان ضيقا لا يمكنه إدخال اليد فيه.
قال أصحابنا: يفتق رؤوس التحاريس ثم يدخل يده من موضع الفتق، فإن لم يمكن فعل ما ذكرنا إذا

لم يجد القميص.
مسألة: قال: ويستر موضعه الذي يغتسل فيه فلا يراه أحد إلا غاسله.
وهذا كما قال.
إذا أراد غسله جعله في موضع لا يطلع أحد عليه، إما في بيت أو تحت سقف ويستر موضعه في البيت بأن يسبل الستر على الباب، وهذا لأجل أنه في حال حياته يستتر عن الناس عند غله فيفعل به بعد موته كذلك، ولأنه ربما تظهر به علامة لا ينبغي أن يطلع عليها الناس ولا يدخل هناك إلا الغاسل والمعين والولي إن شاء فالغاسل يفض بصره ما أمكن ولا ينظر إلى شي، منه إلا أن يكون له بد [275 أ / 3] من النظر للوقوف على قدر ما غسل وما لم يغسل، وأما المعين فيغض بصره بكل حال إلا أن يكون ضرورة ويشتغل بصب الماء، وقيل: إن الذي ولي غسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العباس وعلي والفضل يغسلانه وأسامة يناول الماء، والعباس واقف.
وقال في "الحاوي": اختلف أصحابنا في أنه هل يختار غسله تحت سقف أو سماء؟ فقال بعضهم: يختار غسله تحت سقف، لأن ذلك أصون له وأخفى، وقال بعضهم: يختار تحت السماء لتنزل عليه الرحمة.
فرع قال الشافعي: لو أن رفقة في طريق من سفرهم مات منهم ميت فلم يواروه، فإن كان في طريق أهل تخترقه الناس والمارة، أو بقرب قرية أساؤوا بتركهم الفصل، وكان على من يقرب منه من المسلمين أن يواروه، وأن يتركوه في صحراء أو في موضع لا يمر به أحد، ولا يجتاز به أهل قرية أثموا وعصوا الله تعالى، وعلى السلطان أن يعاقبهم عليه لتضييعهم حق الله تعالى، واستخفافهم بما يجب عليهم من حق أخيهم المسلم، وان كان على هذا الميت [275 ب / 3] أثر الغسل والكفن والحنوط فإنهم يدفنونه، فإن اختاروا الصلاة عليه صلوا على قبره، لأن الظاهر أنه صلي عليه.
مسألة: قال: ويتخذ إناءين إناء يغرف به الماء المجموع.
الفصل وهذا كما قال.
الكلام الآن في كيفية غسله، فالمستحب للغاسل أن يتخذ ثلاثة أواني.
إناء يجمع فيه الماء الكثير كالمرجل والحب، ويكون بالبعد من الميت بحيث إذا تطاير من غسله ماء لا يصيبه فإن فسد ماء هذا الإناء الصفير الذي بقربه كان ما يأخذه من الإناء الكبير كافياً، وإناء يغرف به من الماء المجموع: كالكوز والقمقمة، وإناء يلي الميت، يصب به الماء عليه ولا يغرف به لأنه ربما يترشش عليه الماء من غسل الميت إليه فيتنجس به، ثم يتنجس به الماء المجموع، فيكون أحد هذين الإناءين في يد

الغاسل، والثاني في يد المعين ويغرف المعين منه ويصبه على الذي في يد الغاسل، وأراد الشافعي بالإناءين غير الإناء الكبير، فإذا تقرر هذا، قال بعض أصحابنا: هذا يدل على أن بدن الميت نجس لأن الشافعي [276 أ / 3] أمر بحفظ الماء كي لا يتطاير إليه غسالة الميت فدل على نجاسته، وقيل: إنه نص على هذا في البويطي: فقال: ولا يصلي على الثوب الذي ينشف به الميت حتى يغسل ثانياً والمذهب الصحيح أن بدنه طاهر لقوله - صلى الله عليه وسلم -:" عليكم في مسلم غل إذا غسلتموه فإن ميتكم ليس بنجس حسبكم أن تغسلوا يديكم".
رواه ابن عباس وبه قال عامة أصحابنا، وإنما أمر بحفظ الماء هاهنا مخافة أن يخرج منه نجاسة فيصيبها الماء ثم يصيب الماء المجموع فينجسه أيضا إذا مر به تنظيفاً وتطييباً للنفس، وهذا هو اختيار أبي إسحاق والصيرفي.
وذكر أبو حامد عن ابن سريج والأنماطي: أنه اختار القول الأول، وقال أبو حنيفة: الآدمي ينجس بالموت ولكنه يطهر بالغسل وقالت عائشة لما قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "جاء أبو بكر من قبل رأسه فقبل جبهته ثلاثاً، ثم انحدر عليه فقبله، فقال في الأولى: وانبياه، وقال في الثانية: واصفياه، وقال في الثالثة: واخليلاه".
مسألة: قال: وغير المسخن من الماء أحب إلي.
وهذا كما قال.
إذا كان الزمان صيفاً أو معتدلاً ولم يكن بالميت [276 ب / 3] حاجة إلى الماء المسخن، فغير المسخن أولى به وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: الماء المسخن أولى، لأنه ينقي ما لا ينقي البارد وهذا غلط: لأن الماء البارد يمسكه ويقويه ويشده والمسخن يرخي البدن فيسرع إليه الفساد، ولهذا يطرح في الماء الكافور ليشده ويبرده، فإن كان الزمان زمان برد شديد أو كان بالميت ما لا بد فيه من المسخن وكذلك إذا احتاج إلى تليين شيء من بدنه بالدهن لينه به ثم غسله بالماء، ثم قال: ("ويغتسل في قميص" وقد ذكرنا.
ومن أصحابنا من قال: وجه الجمع بين هذا اللفظ وبين ما سبق من قوله، ويرح عليه ما يواري ما بين ركبتيه إلى سرته إن الميت بين موته إلى أن ينقل إلى مغتسله يكون متجرداً عن القميص، فإذا أضجعه الغاسل على مغتسله ألبسه القميص ولا ينبغي أن يكشف عورته في هذه الحالة، ولكن يسترها بإزار ويدفع عنه الثوب الذي سجي به جميع بدنه، ثم يلبسه القميص فوق إزاره، ثم ينتزع الإزار من تحت قميصه.
ومن أصحابنا من قال: الغسل في [277 أ / 3] القميص للأشراف وذوي المروءات وهذا لا يصح، بل الصحيح أن الكل فيه سواء ثم قال: ولا يمس سائر بدنه أيضاً بيده إلا بخرقة لأنه إنما يمسه للغسل والتنظيف ومسه بالخرقة أنظف.

مسألة: قال: ويعد خرقتين نظيفتين كذلك.
أي: يغسل عورته قبل غسله فيغسلها بإحداهما، ثم يلقيها ويأخذ الأخرى، وإنما استحب ذلك لأنه إذا كانت معه خرقة واحدة فغسل بها وتنجست يحتاج أن يصبر حتى تغسل ويأخذها فيطول ذلك، وإن فعل هذا بخرقة واحدة فغسل بها وتنجست يحتاج جاز وإن طال.
فإذا تقرر هذا، قال أبو حامد: ظاهر ما قال في "الأم": إنه يستعمل كل واحدة منهما في جميع بدنه في الأعالي والأسافل، فيأخذ إحداهما ويبدأ بغسل وجهه ورقبته وصدره وبطنه وساقه وفخذيه وفرجيه، ويؤخر الفرج حتى إن تنجست لا يستعملها في موضع أخر تنجس بها، ثم يلقيها ويأخذ الأخرى، فيفعل مثل ذلك.
وقال في "القديم": يغسل بإحداهما ما بين الإليتين والفخذين ثم يلقيها ويغسل بالأخرى جميع بدنه.
قال أبو حامد: وليست المسألة على [277 ب / 3] قولين بل لا خلاف أنه يغسل بكل واحدة منهما جميع بدنه.
والذي قال في "القديم": أراد غير هاتين الخرقتين، بل يعد أولا خرقة سواهما يغسل فرجه وما بين الإليتين ثم يلقيها ثم يستعمل الخرقتين الأخرتين في جميع البدن.
وقال القاضي الطبري: هذا الذي قاله أبو حامد لا أعرفه للشافعي في شيء من كتبه والمنصوص في "الأم": أنه يضع إحدى الخرقتين على يده ويشدها، ثم يبدأ بسفليه فينقيهما، ثم يستنجي الحي ثم ينظف يده ويأخذ خرقة أخرى نقية يشدها على يده، ثم صب عليها وعلى الميت الماء، ثم أدخلها في فيه وبين شقيه ويمر على لسانه بالماء ولا يفغر فاه، ويدخل طرف إصبعه على منخريه بشيء من ماء فينقي شيئا إن كان هناك وهذا أصح.
وهكذا ذكره أبو يعقوب الأبيوردي أيضاً، وما ذكره أبو حامد هو اختيار القفال، ومن أصحابنا من قال: الخرقتان هما للفرجين وسائر البدن لا يحتاج إلى الخرقة إذ لا نجاسة عليه، وهذا خلاف المنصوص، وقال بعض [278 أ / 3] أصحابنا: ولو غسل كل عضو بخرقة كان أولى.
مسألة: قال: ويلقي الميت على ظهره، ثم يبدأ غاسله.
الفصل وهذا كما قال.
أراد أن يلقيه على ظهره على مغتسله في ابتداء غسله، ثم أول ما يفعل به الغاسل أن يجلسه إجلاساً رقيقاً ويمر يده على بطنه إمرارا بليغاً، وإنما يكون الإجلاس رقيقاً لئلا يخرج من جوفه شيء في تحريكه، وإجلاسه قبل صب الماء عليه فيتأذى برائحته وإنما يفعل هكذا لأن عادة الحي أنه يتغوط ويبول قبل الغسل.
وقال القاسم بن محمد: توفي عبد الرحمن فغسله ابن عمر فنفضه نفضاً شديداً وعصره عصراً شديداً، ثم غسله، ويكون إجلاسه كالمنحرف قليلاً على صورة المتكئ

فيسند الميت إلى رجله اليمنى ويمر يده اليسرى على بطنه، وإنما يحرفه ليخرج الخارج منه وإنما يصب عليه ماء كثيراً حتى يخفى لون الخارج منه ورائحته في كثرة الماء، ثم قال: وعلي يده الأخرى إحدى الخرقتين يعني: اللتين أعدهما لما ذكرنا فيغسل فرجيه من النجاسة وهو كاستنجاء الحي ثم يلقيها ثم يغسل يده بأشنان وغيره، ولو كان قد أصابها [ب / 278 - 3] شيء، ثم يأخذ الخرقة الأخرى فيشدها على يده ويدخل أصابعه بين شفتيه فيمسح الأسنان مسحاً بليغاً كالسواك للحي، ثم يدخل أصبعيه في منخريه وينظف ما هناك تنظيفاً بليغاً، فإذا فعل هذا فقد غسل ما به من الأذى، ثم يوضئه وضوءه للصلاة ولم ينص الشافعي على المضمضة والاستنشاق إلا أن إطلاق قوله: ويوضئه وضوءه للصلاة يدل على ذلك فهما مسنونان فيه.
ومن أصحابنا من قال: قوله: يدخل أصابعه في فيه وأنفه هما إشارة إليها، ويفغر فاه فيقتصر على ما بين الشفتين والأسنان؛ لأنه لو صب الماء في فيه احتاج إلى تنكيسه لخروجه، وقال أبو حنيفة: لا يسن ذلك وهذا غلط لقوله - صلى الله عليه وسلم - لمن غسل: "ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها"، ولأن ما يسن في غسل الحي يسن في غسل الميت كالتكرار، ثم إذا وضأه ابتدأ بالرأس فيغسله بماء وسار ثم وجهه ولحيته وقال النخعي: يبدأ بلحيته وهذا غلط لأنه إذا بدأ بغسل الرأس ثم باللحية لم يحتج إلى إعادة غسلها، ثم ينظر في اللحية، فإن كانت كثيفه ملبدة قال في "الأم": لا بأس أن يسرحها بأسنان مشط تكون منفرجة الأسنان لا ينتف [279 أ / 3] شعره، وإن كانت خفيفة أفاض الماء عليها كالحي سواء.
وقال أبو حنيفة: لا يسرح أصلاً، لأنه يؤدي إلى نتف شعره، وهذا غلط لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "اصنعوا بموتاكم ما تصنعون بعروسكم"، وأما ما ذكره لا يصح لأنه إذا رفق بالتسريح أمن ذلك، ولهذا يجوز للمحرم أن يسرح لحيته، ثم يبدأ بغسل بدنه فيبتدئ بغسل شقه الأيمن مما دون رأسه إلى أن يغسل قدميه ويحرفه حتى يغل ظهره كما يغسل بطنه، ثم يتحول إلى شقه الأيسر فيصنع به مثل ذلك.
ومن أصحابنا من قال: يضجعه على قفاه ثم يبدأ بميامنه فيغسله من صفحة عنقه وشق صدره وجيبه وفخذه وساقه ثم يعود إلى شقه الأيسر فيصنع به مثل ذلك، فإذا فعل هذا صار ميامنه ومياسره مما يلي صدره وبطنه مغسولة مع صدره وبطنه، ثم يحرفه على جنبه الأيسر ويجعل الغاسل ساقي نفسه عماداً لصدره كي لا ينكب الميت على وجهه ولا يستلقي على ظهره فيغسل ظهره وقفاه وفخذه وساقه اليمنى وهو يراه متمكنا، ثم يلقيه على ظهره، ثم يحرفه على شقه الأيمن ويغسل مياسره من خلفه كما منع بميامنه [279 ب / 3] ويغسل ما تحت قدميه مستقصياً وما بين فخذيه بالخرقة، ثم يصب عليها الماء القراح وإذا حرفه وغسله هكذا يغسل ما تحته من المغتسل ليكون أنظف له وهذا

هو المذكور في جميع الكتب.
وذكر القاضي الطبري: أنا لا نعرف هذا الترتيب عن الشافعي، ونصه في كتبه ما ذكرنا أولاً وهذا الغسل يكون بالماء والسدر، وقال الشافعي: إن كان هناك وسخ يحتاج إلى قلعه بأشنان استعمله، وقال أبو حنيفة: لا أعرف السدر وهذا غلط لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لمن غسل ابنته "اغسليها بماء وسدر وابتدئي بميامنها"، وإذا صب عليه الماء القراح قال الشافعي: "يلقى فيه شيئاً من كافور"، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: لا أعرف الكافور، وحكي عنه أنه قال: يغسل المرة الأولى بالماء القراح، ويغسل الثانية بماء وسدر، والثالثة بالماء القراح وهذا غلط لقوله - صلى الله عليه وسلم - في خبر أم عطية "واجعلي في الأجرة كافوراً أو شيئاً من كافور"، ثم للاحتساب إنما يقع بهذه الغسلة التي فيها الكافور وقيل ذلك بالماء والسدر تنظيف وقد تغير الماء به، لأن قليله [280 أ / 3] لا ينظف، وكثيره بغير الماء فلا يحتسب به، لأنه ليس بطهور وهذا هو المذهب المنصوص.
وحكي عن أبي إسحاق: أن الغسلة الأولى هي التي يعتد بها دون الثانية، وهذا غلط لما ذكرناه، ومن أصحابنا من قال: لا تجزيه هذه الفسلة أصلاً وإن صب عليه الماء القراح لأنه إذا صب خالطه الدر الذي هو باق من الغسلة الأولى، فصار كالماء الذي خالطه السدر ذكره في "الشامل".
وهذا ليس بشي، عندي فإن قيل: هلا قلتم الكافور إذا غير الماء أبطل تطهيره؟ قلنا: قال الشافعي: يغيره بالمجاروة لا بالمخالطة فلا يضر وأراد به اليسير الذي لا يخالطه ولا يمازجه، بل يتروح به الماء قليلاً، والمعنى في ذلك أنه أنقى للميت وأطيب له وأما قوله: وهو يراه متمكناً أراد الغاسل ينظر في غسل ظهره إليه نظر متمكن، أي نظر من يتمكن من غله ما يجب غله كما قال قبل ذلك: ويغضون أبصارهم عنه إلا فيما لا يمكن لغيره ليعرف الغاسل ما غسل وما بقي، وقيل: متمكناً يرجع إلى الميت وقال: ويستقصي ذلك وأراد غسل عورته، لأنه [280 ب / 3] موضع خروج الحدث منه.
مسألة: قال: وأقل غسل الميت فيما أحب ثلاثاً.
الفصل وهذا كما قال.
الواجب: النية وغسله مرة واحدة كما في غسل الجنابة، والمستحب أكثر الأمرين من الثلاثة أو الإنقاء فإن أنقته الثلاث من الوسخ والدرن وإلا غسله خمساً أو سبعاً ويقف على الوتر وقال مالك: الاعتبار بالإنقاء، ولا معنى للعدد، وهذا غلط لما روي عن أم عطية قالت: توفيت إحدى بنات النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "اغسلنها وتراً ثلاثاً

أو خمساَ أو أكثر من ذلك إن رأيتن، واغسلنها بماء وسدر واجعلن في الأجرة كافوراً أو شيئاً من كافور فإن فرغتن فأذنني"، فلما فرغن أذناه فألقى إلينا حقوه وقال: "اشعرنها به" قالت: وضفرنا شعرها ثلاثة قرون وألقيناها خلفها.
وبهذا قال أحمد وإسحاق والحقو: هو الإزار.
وقوله: أشعرنها إياه: أراد اجعلنه شعاراً لها وهو الثوب الذي يلي جسدها، والضفر أصله الفتل.
ولأنه لما استحب التكرار في غسل الجنابة استحب هاهنا، ثم قال: ويجعل في كل ماء قراح كافوراً، وإن لم يجعل إلا في [281 أ / 3] الأجرة أجزأه ذلك، وقد ذكرنا ذلك.
مسألة: قال: ويتبع ما بين أظافره بعودٍ لا يجرح.
وهكذا كما قال.
قال بعض مشايخنا: هذا من عند المزني وهو حسن، ولم يوجد للشافعي ذلك وقيل: هذا ذكره الشافعي وزاد وقال الشافعي: ومن ظاهر أذنيه وصماخيه، وإنما قال هذا على القول الذي يقول: لا يقلم أظفاره فأما على القول الذي يقول: يقلم أظفاره لا يحتاج إلى هذا وإنما قال: بعود لا يجرح لقول عائشة رضي الله عنها: "كسر عظام الميت ككسر عظام الحي"، ويروى هذا مرفوعاً إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأراد فيه الحرمة.
قال أصحابنا: ولو شد على رأس الخلال قطناً ويتبعها به كان أولى، وإنما يؤمر بهذا للتنظيف ويكون ذلك قبل الغسل؛ لأنه من جملة إزالة الأذى فيفعله في الوقت الذي يفعل فيه السواك وغيره، فإن ترك ذلك في ذلك الوقت أتى به بعد ذلك والمزني أخل بالنقل حيث ذكره هاهنا.
وكان من حقه أن يذكر قبل البداية بالغسل، ثم قال: وكلما صب عليه الماء [281 ب / 3] القراح بعد السدر حسبه غسلاً واحداً" وأراد أنه يستحب غله بعد الدر بالماء القراح ثلاثاً على ما ذكرنا، وقد ذكرنا في الغسلة بعد السدر وجهين، وظاهر كلام الشافعي يدل على أنه يحسب غسلاً، ومن قال بذلك الوجه البعيد تأول كلام الشافعي على أنه أراد إذا نظف السدر، ثم غسله بالماء القراح والسدر حتى يخرج من جوفه ما يريد أن يخرج، ومن الغسلة الأخيرة لا يمر يده على بطنه ولكنه يجلسه لينشفه، وقال بعض أصحابنا: في المرة الأولى يبالغ في ذلك وبعد ذلك برفق ولا يبالغ.
مسألة: قال: ويقعده عند أخر غسلةٍ، فإذ خرج منه شيء أنقاه بالخرقة وأعاد عليه غسله".. وهذا كما قال: اختلف أصحابنا فيما لو خرج شيء من دبره أو قبله على ثلاثة

أوجه: فمنهم من قال: لا يعاد الغسل واجباً بل يعاد مستحباً، والواجب أن ينقي المكان الذي خرج منه الخارج النجس، ولأنه خارج من الميت بعد سقوط فرض الغسل فلا تجب إعادة الغسل، كما لو أدرجه في الكفن، ثم خرج [ق 283 ب] وهذا هو القياس، وبه قال أبو حنيفة، والثوري وهو اختيار المزني وقرئ ههنا: وأعاد عليه غسله بفتح الغين لا بضمها فيكون غسل ذلك المكان.
وقال أبو إسحاق: يحتمل أن يقال: يجب الوضوء؟ لأنه خروج الحدث بعد الغسل كما في الحي يوجب الوضوء، وقال ابن أبي هريرة: يعاد الفسل واجباً ويقرأ بالضم، وأعاد عليه غسله، وهذا لأن الموت يوجب الغسل وليس فيه أكثر من زوال التكليف، ومثل هذا من الحي يوجب الوضوء، فكذلك خروج الحدث منه يوجب الغسل، وإن كان من الحي يوجب الوضوء، ولأن القصد أن يكون خاتمة أمره الطهارة الكاملة.
وقال أحمد: يعاد غله إلى سبح مرات، ثم إذا فرغ من جميع ذلك، قال الشافعي في "الأم": "أعاد تليين مفاصله".
وإنما قال ذلك لأنها قد لانت بالماء فتلين ليبقى لينه ويسهل على الدافن دفنه، فإنها إذا تركت هكذا جفت ويبست فيصعب دفنه كما قلنا في عقيب موته، وقيل: هذا غلط كما قيل فيما تقدم، وليس كذلك، لأن وجه هذا ظاهر، ثم قال: "ثم ينشفه في ثوب" أي [ق 284 أ] يمسح عنه البلل؛ لأن هذا عادة الحي ولئلا يتسارع الفساد إلى الكفن.
وقال في كتاب الجنائز من "المختصر الصغير": وألصق بدنه بجنبيه وصف ما بين قدميه وألصق إحدى كعبيه بالأخرى وضم إحدى فخذيه إلى الأخرى ثم ينشف بعد ذلك.
مسألة: قال: ومن أصحابنا من رأى حلق الشعر إذا طال.
الفصل وهذا كما قال.
الشعور ضربان: شعر يحلق تنظيفا، وشعر يحلق زينة، فالذي يحلق تنظيفاً هو ما يحلق فطرة من شعر العانة والإبط وفي معناه حف الشارب وتقليم الأظفار.
قال في "القديم": وأكره إزالته منه، وبه قال مالك وأبو حنيفة والثوري، وهو اختيار المزني لأنه قطع جزء من يديه فيكره، كما لو كان أقلف لا يختن بالإجماع.
وكذلك لو مات وعليه القطع في الرقة لا تقطع يد.
وكذلك إذا وصل بعظمه عظم ميتة ومات لا يقطع بعد موته.
وقال في "الجديد": لا بأس به، وبه قال الحسن وأحمد وهو الأصح لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "اصنعوا بموتاكم ما تفعلون بعروسكم [282 أ / 3] وروي أن سعد بن أبي وقاص

حلق عانة ميت ولأن القصد به التنظيف فأشبه الغسل، ولا خلاف أنه لا يستحب والقولان في أنه هل يكره أم لا يكره؟ وقال المزني: تركه أعجب إلي لأنه يصير إلى بلى عن قريب ويمكن أن يجاب عن هذا فإنه لما لم يكن هذا عذراً في ترك تنظيفه بالغسل وتطييبه وتحسين كفنه كذلك في حلق شعره فإذا قلنا: لا يكره، ففي شعر الإبط بالخيار إن شاء نتفه وإن شاء أزاله بالنورة.
وأما شعر العانة لا يزال إلا بالنورة لئلا يشاهد العورة هكذا ذكره أصحابنا، وقال القاضي الطبري: نص الشافعي في شعر العانة فقال: أحدنا نحكم أو بالموسى أو نورة فإن نورة غسل النورة ويقص الأظافير بالمقص، وأما شعر الشارب: يقص بالمقراض ولا يحلق بالموسى فإن حلقه مكروه في حق الحي والميت، وأما الشعر الذي يحلق زينة وهو شعر الرأس، فإن كان ذا جمة لم يحلق قولاً واحداً، وإن كان يحلق في حياته وقد طال في مرضه [282 ب / 3] هل يحلقه؟ قال أبو إسحاق: فيه قولان: وقال بعض أصحابنا: نص الشافعي أنه يكره حلقه، لأنه لا يحلق فطرة، وإنما يحلق زينة أو نسكاً بقول واحد إنه لا يحلق وهذا أصح، وأراد الشافعي بحلق الشعر [...] هذا، وقال الأوزاعي: يحلق رأسه ويقلم أظفاره ويدفن ذلك معه.
فرع هل تجب النية في غسل الميت؟ اختلف أصحابنا فيه.
فمنهم من قال: يجب وهو الصحيح عندي، لأنه يستحق تعبد الله عز وجل كالغل من الحيض، ولأن الشافعي نص أنه يجب غسل الغريق ثانياً، وقد مر الماء عليه بعد موته فدل أنه أمر به لأنه لم يجز غسله لعدم النية.
ومن أصحابنا من قال: لا يجب لأن الشافعي نص على أن الذمية إذا غسلت زوجها المسلم فإنه يكره وتجزيه ولا نية للذمية.
وأما ما ذكر في الغريق ثلاثاً أمرنا بإيقاع فعل [...] فيه ولم يوجد ذلك في الغريق، وهذا ظاهر المذهب فإذا قلنا: إنها تجب نوى الغسل الواجب أو الفرض أو غسل الميت.
وذكر بعض أصحابنا بخراسان: في الكافر إذا غسل المسلم هل يجوز أم لا؟ فيه [283 أ / 3] وجهان.
وقالوا أيضاً: إذا قلنا: لا تجب النية لورود ما على الميت عند الغرق لا يجب غسله ثانياً، ولكنه يستحب لأن الخطاب به على الأحياء فيظهر به الأمر، وهو غلط ظاهر لما ذكرنا من المعنى والنص.
مسألة: قال: ولا يقرب المحرم طيباً في غسله ولا حنوطه.

الفصل وهذا كما قال: إذا مات المحرم لا يبطل إحرامه، وقال في "الأم": غسل بماء وسدر وكفن في ثيابه التي أحرم فيها أو غيرها ليس فيها قميص ولا عمامة ولا يعقد عليه ثوب كما لا يعقد الحي المحرم، ولا يمس طيباً ويخمر وجهه ولا يخمر رأسه.
وقال في موضع آخر: "ولا يطرح الكافور في ثيابه ويصلى عليه ويدفن" وبه قال عثمان وعلي وابن عباس رضي الله عنهم، وهو مذهب عطاء والثوري وأحمد وإسحاق، وقال أبو حنيفة والأوزاعي: يبطل إحرامه بالموت وهو كالميت الحلال وبه قالت عائشة وابن عمر رضي الله عنهما، واحتج الشافعي على أبي حنيفة بخبر الأعرابي وتمامه: أن اعرابياً كان واقفاً مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعرفات محرماً فوقصت به ناقته في أخافيق [283 ب / 3] جردان فاندقت عنقه فمات فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كفنوه في ثوبيه اللذين مات فيهما ولا تخمروا وأسه ولا تقربوه طيباً فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً" وروي ملبداً، أي محرماً على هيئة المحرمين، وقوله: وقصت به ناقته، أي: صرعته فدقت عنقه، وأصل الوقص: الدق والكسر.
فرع المعتدة المحدة إذا ماتتء قال أبو إسحاق: لا يبطل حكمها كالإحرام سواء، وقال سائر أصحابنا: وهو الصحيح يبطل حكمها، والفرق أن المعتدة إنما منعت من الطيب والزينة لئلا تدعو نفسها إلى النكاح، وهذا معدوم بعد الموت، والمحرم منع من ذلك بحق الله تعالى تعبداً محضا فلا ينقطع بالموت.
مسألة: قال: وأحب أن يكون بقرب الميت مجمرة.
الفصل وهذا كما قال.
المستحب أن يكون بالقرب من غسله بخور من عود أو عطر لا ينقطع حتى يفرغ من غسله؟ لأنه وبما يخرج منه شيء تظهر رائحته، وربما تضعف نفس الغاسل يشم ذلك فيدفعه البخور.
وقال بعض أصحابنا: إنما ذكر في هذا الموضح ليعلم أن الميت، وإن كان محرماً فهو كغير المحرم في هذا، لأن [284 أ / 3] الشافعي قال في المحرم: له أن يجلس عند العطار فجوز أن يحمر بالعود بقربه للمعنى الذي ذكرنا.
مسألة: قال: وان رأى من الميت شيئاً لا يتحدث به.

الفصل وهذا كما قال.
يستحب للغاسل والذي يعاونه إذا رأوا من الميت خيراً أن يرفعوه ويتحدثوا به، كالنور والأحوال الحسنة، وان شاهد التغير والأحوال القبيحة أو رأى كأن به مكتمة في حياته يستره ولا يحدث به، لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من ستر على أخيه ستر الله عورته يوم القيامة ومن تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في جوف رحله".
وروى أبو رافع أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من غسل ميتاً فكتم عليه غفر الله له أربعين مرة"، ولأنه وبما يرى عليه اسوداد الوجه لغلبة الدم، أو التواء العنق للتشنج الذي قد أصاب عصبة فلا يكون ذلك لشقاوة فإذا حدث الناس به فإنهم يظنون به ظن السوء.
ومن أصحابنا من قال: لا يتحدث بما يراه خيراً أيضا، لأنه قد يكون عنده محاسن وعند غيره مساوئ، وهذا لا يصح [284 ب / 3] لأن في ذلك ثناء يبعث على ترك الدعاء له والترحم عليه.
مسألة: قال: وأولاهم بغسلة أولاهم بالصلاة عليه.
الفصل وهذا كما قال.
حكم الغسل والدفن في هذا واحد.
فإن كان الميت رجلاً كان أولى الناس بالصلاة عليه أولى الناس بغسله ودفنه، فيكون الأب، ثم الجد، ثم الأقرب فالأقرب على ترتيب العصبات في الميراث، وهو مراد الشافعي هاهنا، لأن لفظه لفظ التذكر وهل تقدم زوجته على عصابته؟ فيه وجهان: أحدهما: تقدم، لأن لها النظر إلى ما لا ينظر العصبات إليه، وهو ما بين السرة والركبة قال هذا القائل.
وأراد الشافعي إذا لم يكن هناك زوجة.
والثاني: يقدم العصبات عليها، لأنهم أحق بالصلاة عليه فكذلك في الغسل، وهذا ظاهر المذهب.
فإن كان الميت امرأة فلا يختلف المذهب أن النساء مقدمات على الأقرباء من الرجال لأن عورة المرأة مع المرأة أخف من عورتها مع الرجل، ولهذا أنه يجوز للمرأة أن تغسل المرأة الأجنبية.
واختلف أصحابنا في الزوج هل هو مقدم في غسلها على النساء والأقرباء من [285 أ / 3] الرجال أم لا؟ على وجهين: أحدهما: يقدم الزوج، لأنه أوسع في النظر إليها وهو الأقيس وقال: وهو اختيار القفال قال: وقصد الشافعي بما قال الرد على أبي حنيفة حيث قال: الوالي أولى

بالصلاة من الولي.
والثاني: يقدم النساء والقرابات من الرجال عليه، وذكر بعض أصحابنا أن الشافعي نص على أن نساء القرابة أولى بغسلها من الزوج، فإذا قلنا بهذا فإن ذوات المحارم من النسا، أولى من سائر القرابات والأجنبيات.
وإن لم يكن محرماً لها، وان لم يكن هناك امرأة، فإن كان هناك عصبات من غير ذوي المحارم وذوي المحارم من غير العصبات مثل الخال وأب الأم فالمحارم أولى، والذين ليسوا بمحارم بمنزلة الأجانب.
وعلى هذا لو ماتت المرأة وخلفت أبوين فالأب أولى بالصلاة والأم أولى بغسلها.
وقال بعض أصحابنا: إذا كان مع الزوج قرابات رجالاً ونساء أسقط الرجال القرابات بالنساء، ثم يبقى النساء والزوج فأيهما تقدم فيه وجهان.
فرع لو مات رجل وهناك نساء لا رجل معهن، أو ماتت امرأة وهناك [285 ب / 3] رجال لا نساء معهن، ففيه وجهان: أحدهما: وبه قال أكثر أصحابنا لا يغسل، ولكنه يتيمم ويدفن وبه قال مالك وأبو حنيفة، لأن في غله النظر إلى من ليس بمحرم، ولأن الغل تعذر لهذا، فأقيم التيمم مقامه كما في الحي.
والثاني: يغسل في قميص ويلف على يده خرقة كي لا يمسها ويغض بصره، وبه قال النخعي.
قال في "الحاوي": وهذا أصح وذكر أن الشافعي نص في الميت إذا كان رجلاً وليس هناك إلا نساء أجانب يغسلنه، ولا يجوز أن يتيمم، وكأذلك يجب غل المرأة أيضا إذا لم يكن هناك إلا الرجال وهذا غريب، وقد روى سنان بن عرفة، وكان صحابياً أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الرجل يموت مع النساء والمرأة تموت مع الرجال ليس لواحد منهما محرم ييممان بالصعيد ولا يغسلان، وعن أحمد روايتان وقال الأوزاعي: يدفن من غير غسل ولا يتمم وهو قول بعض أصحابنا وليس بشيء؛ لأن الفسل أو بدله من التيمم ممكن على ما ذكرناه، ومن أصحابنا من قال: يلف على يده خرقة ويغسلها [286 أ / 3] ذكره بعض أهل خراسان وليس بشيء.
فَرْعٌ آخرُ الخنثى المشكل إذا مات، فإن كان له ذو رحم محرم من الرجال أو النساء جاز له غسله، وإن لم يكن ينبغي أن يكون فيه وجهان: كما ذكرنا في المرأة إذا لم يكن هناك محرم أو لا امرأة.
أحدهما: يتمم، وبه قال أهل العراق والمزني؛ لأن الوجه واليدين ليسا بعورة في الرجال ولا في النساء فجاز لكلا الفريقين النظر إليه ولم يجز لهما النظر إلى جسده للاحتياط.

والثاني: يجب غسله وهو اختيار كثيرون من أصحابنا، فعلى هذا المستحب أن ينل في قميص ويكون موضع غسله مظلماً ويتولى غسله أوثق من يقدر عليه من الرجال والنساء، قال هذا القائل ولو جاز أن يمتنع هذا الإشكال لامتنع التيمم أيضاً، لأن ذراعي المرأة عورة ولأن الوجه والكف ليسا بعورة في جواز النظر، ولكنها عورة في المباشرة وتحرم مباشرتهما كسائر الجسد، فإذا تساويا فالغسل أولى.
وقال بعض أصحابنا: يشتري له جارية من ماله، وإن لم يكن له مال فمن مال بيت المال فتغسله الجارية وقال [286 ب / 3]. الشيخ أبو زيد المروزي هذا خطأ؛ لأن الرجل لا تغسله جاريته إذا مات فكيف تغسله الجارية التي تشترى بعد موته؟، قال: وينبغي أن يقال: يغسله إما رجل أو امرأة أيهما كان، لأنه قد ثبت إن قبل البلوغ لو احتيج إلى غسله حياً أو ميتاً، فأي هذين غسله جاز، فيستحب ذلك الأصل، وإنما يؤخذ من أمر الخنثى المشكل باليقين، ولهذا لو مس أحد فرجيه فلا وضوء، وإن غطى وجهه أو رأسه في الإحرام فلا فدية عليه حتى يغطيهما معاً.
مسألة: قال: ويغسل الرجل امرأته والمرأة زوجها.
وهذا كما قال: لا خلاف أن المرأة تغل زوجها، لأن أسما، بنت عميس - رضي الله عنها - "غسلت زوجها أبا بكر رضي الله عنه لوصيته"، ولأن الزوجية باقية من التوارث والعدة فكان لها غسله، وروي عن أحمد أنها لا تغسله والرواية الصحيحة عنه خلافه، واحتج الشافعي على هذا بقول عائشة - رضي الله عنها - لو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا ما غسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا نساؤه": وإنما قالت ذلك لأنها ظنت أن أبا بكر الصديق هو الذي غسل رسول الله [287 أ / 3]- صلى الله عليه وسلم - فلما أخبرت أن علياً وغيره غسلاه ذكرت هذا متحسرة.
وأما الزوجة إذا ماتت، هل يغسلها زوجها؟ وبه قال علي رضي الله عنه: وهو مذهب حماد وعطاء وجابر بن الشعثاء، ومالك وإسحاق وزفر وأحمد في أصح الروايتين.
وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي: لا يجوز له أن يغسلها وهذا غلط لما روته عائشة رضي الله عنها قالت: رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من البقيع، فوجدني وأنا أجد صداعاً وأقول وارأساه فقال: بل أنا يا عائشة وارأساه، ثم قال: ما ضرك لو مت قبلي لغسلتك ولكفنتك وصليت عليك ودفنتك".
وروي أن فاطمة _ رضي الله عنها _ ومسته أن تغسلها أسماء بنت عميس فكان علي ورضي الله عنه يصب الماء عليها".
وقالت عائشة: توفيت فاطمة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بستة أشهر فغسلها علي رضي الله عنه

ودفنها ليلاً".
وقال جابر: الزوج أحق بغسل المرأة من أخيها، فإن قيل: أنكر عليه ابن مسعود فقال سمعت رسول الله في يقول: "كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي".
قلنا: هذا لم يذكره واحد من [287 ب / 3] أصحاب الحديث والدليل على عام صحته أن نكاحه ينقطع بموته لنكاح غيره، ولهذا تزوج عثمان رضي لله عنه ابنتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واحدة بعد واحدة، ثم بين الشافعي أن ما فضل به أبو حنيفة بينهما من أمر العدة لا معنى له، فقال: وليس للعدة معنى يحل لأحدهما فيها ما لا يحل له من صاحبه، يعني: كما قلنا في حال الحياة، ولأن المطلقة قبيل موته لا تغسله، وإن كانت في عدته.
فرع لو ماتت المرأة وتزوج الرجل في الحال بأختها أو بأربع سواها، قال الإمام أبو عبد الله الحناطي رحمه الله: هل يغسلها؟ وجهان: والصحيح عندي أنه يغسلها لأنه حكم ثبت بالموت فلا يبطل بعده بنكاح آخر ولا معنى للوجهين، وقيل: إلى متى يغسلها زوجها؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: إلى انقضاء العدة وبه قال أبو حنيفة.
والثاني: إلى أن يتزوج، لأنها استباحت رجلاً أخر.
والثالث: تزوجها إبداء لبقاء الميراث.
فَرْعٌ آخرُ لو مات الرجل وامرأته حبلى فوضعت قبل دفن الزوج لها أن تغسله وإن انقضت العدة، ولو تزوجت بزوج [288 أ / 3] آخر، قال الإمام الحناطي في "المجرد": لا تغسل زوجها الأول وسائر أصحابنا قال: لها أن تغسله وهو الصحيح عندي لما ذكرته ولا يقال: أنه يؤدي إلى النظر إلى الزوجين؛ لأنها تنظر إلى أحدهما بالشفقة والصلة والى الآخر بالشهوة فلا بأس.
فرع لو كانت مطلقة رجعية فماتت قبل المراجعة، روى المزني عن الشافعي في "الجامع الكبير": أنه لا يغسلها.
ونقله القاضي أبو حامد إلى جامعه لأنه حرم وطئها قبل الموت والنظر إليها، وإنما يجوز غسلها إذا تمسك بزمام النكاح إلى أن فرق الموت بينهما.
وقال بعض أصحابنا: يغسلها لبقاء الزوجية إلى الموت وليس بشيء وهكذا لو مات الزوج لا يجوز لزوجته الرجعية أن تغسله على ما ذكرنا.
فَرْعٌ آخرُ لو كانت له امرأتان ثم مات فإنه يقرع بينهما فمن خرجت لها القرعة غسلته.

فَرْعٌ آخرُ لو ماتت الأمة القن فسيدها يغسلها خلافاً لأبي حنيفة، وهذا لأنه تلزمه مؤنتها بحكم الملك كالزوجة، ولو مات السيد فأمته لا تغسله لأنها صارت بموته ملكاً للغير، وقال بعض أصحابنا بخراسان: [288 ب / 3] فيه وجهان وليس بشيء.
فَرْعٌ آخرُ لو ماتت الأمة في مدة الاستبراء فيه وجهان: أحدهما: لا يباح غلها لأنها محرمة للاستمتاع.
والثاني: يباح بحق الملك.
وإنما منعنا الاستمتاع صيانه لمائه حتى لا يختلط بماء، الغير، وليس في إباحة الغسل خوف الفساد.
فَرْعٌ آخرُ لو ماتت أم الولد فسيدها يغسلها قولاً واحداً؛ لأنها ماتت في ملكه، ولو مات السيد هل لأم الولد غسله فيه وجهان: أحدهما: ليس لها ذلك، وبه قال أبو حنيفة لأنها عتقت بموته فصارت كالأجنبية.
والثاني: تغسله كما تغسلها كالزوجة، وهذا البقاء حرمة الولاء بينهما.
مسألة: قال: ويغسل المسلم قرابته من المشركين.
الفصل وهذا كما قال.
إذا كان للمشرك قرابة مسلمون ومشركون، فإن قرابته المشركين أولى بغسله، لأنهم استووا في القرابة وانفرد المشركون بالولاية والموالاة بالشرك، فإن رضوا بأن يغسله المسلم جاز، ولا يجب على المسلم غسله ولا يكره له ذلك.
وقال مالك: يكره له ذلك.
واحتج الشافعي على جواز غسله بخبر علي رضي الله عنه وتمام الخبر: أن أبا طالب لما مات جاء علي رضي الله عنه إلى [289 أ / 3] رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله مات عمك الشيخ الضال فقال: "اذهب فاغسله وادفنه ولا تحدث شيئاً حتى تأتيني"، ففعل ثم رجع إليه، فقال: قد فعلت فقال: "اذهب فاغتسل".
وأما الصلاة عليه فلا تحل بحال لقوله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً﴾ [التوبة: 84] الآية؟ ولأن القصد بالصلاة الترحم والاستغفار والقصد بالغسل التنظيف فافترقا، وأما الدفن فلا خلاف أنه يجوز لستر العورة ولئلا يتأذى به الناس.
ولو ترك التكفين والدفن في الكفار جاز لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بأصحاب بدر من الكفار حتى جروا إلى القليب بعد ثلاث وطرح عليهم التراب.
فرع قال الشافعي: إذا ماتت امرأته النصرانية، فإن شاء الزوج المسلم غسلها وشهدها وأدخلها قبرها ولا يصلي عليها، وأكره له أن تغسله هي فإن غسلته جاز وقد ذكرنا هذا.

فرع إذا مات في معدن وتعذر إخراجه لا يصلي عليه؛ لأنه تعذر غسله.
فَرْعٌ آخرُ المحترق إذا خيف عليه التهري يترك غسله واقتصر على التيمم فيه، وقال الأوزاعي: [289 ب / 3] لا يجب التيمم أيضاً.
فَرْعٌ آخرُ إذا قلنا: الآدمي لا ينجس بالموت لو تفسخ ونتن، اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: تنجس لا لعينه، بل لحدوث التفسخ وظهور القيح والصديد ومنهم من قال: لا ينجس وهو كاللحم إذا نتن هل ينجس؟ وجهان.
فَرْعٌ آخرُ قال أصحابنا: ينبغي أن يكون الغاسل أميناً لما روي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: "لا يغسل موتاكم إلا المأمونون".
ولأنه إذا لم يكن أمينا لم يأمن أن لا يستوفي الغسل ويستر ما يرى من الجميل ويظهر ما يرى من القبيح.

باب عدد الكفن وكيف الحنوط

مسألة: قال: وأحب عدد الكفن إلى ثلاثة أثواب بيض رياطٍ.
الفصل وهذا كما قال.
الكلام في الكفن في خمس فصول: في القدر الواجب، والمستحب، والمباح، والمكروه، والصفة.
فأما الواجب: فقد قال في "الأم": ما يستر به العورة يعني بين السرة والركبة، لأنه ليس بأكد حالاً من الحي، والواجب في الحي هذا القدر، ومنهم من قال: الواجب ثوب واحد يستر جميع بدنه لأن فيما دونه ما وتا بحقه، وأشار الشافعي إليه والصحيح الأول، ومن أصحابنا من قال: الواجب ثلاثة [290 أ / 3] أثواب، وهذا لأن أدنى كمال الثياب للحي ثلاثة: قميص، وسراويل، ولباس الرأس وهذا لا يصح وتأويله إذا تشاجرا في المستحب من الكفن لا في الواجب والمستحب هو للثلاثة.
فإذا تقرر هذا بأن كان له ثوب يستر جميع بدنه ستره به، مران كان يستر بعضه ستر به رأسه وعورته، وجعل على رجليه التراب أو شيئاً من الإذخر والشجر، وإن كان لا يستر إلا العورة فقط ستروها وأجزأه، ويجعل على وأسه ورجليه ما ذكرنا، وهذا لما روي أن مصعب بن عمير رضي الله عنه قتل يوم أحد، وكانت له نمرة إذا غطى بها رأسه بدت قدماه، فإذا غطيت به رجلاه بدى رأسه،

فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "غطوا بها رأسه واجعلوا على قدمه شيئاً من الإذخر"، والنمرة: ضرب من الأكسية ذكوه الإمام أبو سليمان، وقال بعض أصحابنا: النمرة هي ثوب الحبرة، وروى جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كفن حمزة في نمرة في ثوب واحد"، وأما المستحب: فثلاثة أثواب: لفائف ليس فيها قميص ولا عمامة، لأنها ثياب الليل عند النوم.
وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -[290 ب / 3] كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة"، ولنا في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوة حسنة.
والحولية: هي من ثياب اليمن منسوبة إلى سحول وهي مدينة بناحية اليمن يعمل فيها ثياب يقال لها: الحولية، وهذا بفتح السين والسحول بضم السين: هي الثياب البيض.
وروي أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - كفن في ثلاثة أثواب ثوبين سحوليين وثوب كان يلبسه، وقالت عائشة رضي الله عنها: لا يكفن الميت في أقل من ثلاثة أثواب، فإن قيل: روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في المحرم الذي مات بالوقص "كفنوه في ثوبيه اللذين مات فيهما" قلنا: يحتمل أنه لم يكن له ثالث فلهذا قال ذلك، فإن قيل: روى ابن المغفل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كفن في قميص.
قلنا: راوي خبرنا عائشة وهي أعرف بذلك وأقرب إليه، فإن قيل: روى مقسم عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كفن في ثلاثة أثواب ثوبان وحلة حمراء وقميصه الذي كان عليه.
وروي أنه كفن في ثوبين وبرد حبرة.
قلنا [291 أ / 3] روى القاسم بن محمد عن عائشة أنها قالت: "أدرج وسول الله - صلى الله عليه وسلم - في برد ثم أخذت عنه فعلمت عائشة في ذلك ما لم يعلموا"، وروي أنها قالت: "أتي بالبرد ولكنهم ردوه ولم يكفنوه فيه".
وقال مالك: تستحب العمامة رجلاً كان أو امرأة.
واحتج بأن علياً رضي الله عنه كفن وعمم في كفنه، وهذا لا يصح، لأن تلك لم تكن عمامة بل كانت عصابة سد بها رأسه للضربة.
وأما قول الشافعي: بيض رياط: جمع الريطة وهي الملاءة البيضاء التي ليست ملفقة من ثوبين.
وأما المباح فخمسة أثواب.
قال الشافعي: فإن كفن في خمسة أثواب فلا بأس به؛ لأنه روي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه "كان يكفن أهله في خمسة أثواب".
ولأن ذلك من كمال لباس الحي فإنه يلبس قميصاً وسراويلاً وعمامة ورداء، وقال في "الأم": فإن عمم وقمص جعلت العمامة والقميص دون الثياب والثياب فوقهما، وليس في ذلك ضيق إن شاء الله، والدليل على أن القميص لا يكره ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كفن عبد الله بن أبي ابن سلول في قميص نفسه، وقال: لا يعرف [291 ب / 3] ما بقي

عليه من سلك، فإن قيل كان عبد الله هذا منافقاً، فكيف فعل هذا به؟ قلنا: أراد به تألف ابنه وإكرامه، فإنه كان مسلماً برياً من النفاق، وروي أنه لما مات عبد الله أتاه ابنه فقال: يا رسول الله إن عبد الله بن أبي قد مات فأعطني قميصك ألقيه فيه، فندع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قميصه فأعطاه إياه، وقيل: كان عبه الله بن أبي قد كسا العباس بن عبد المطلب قميصاً، وذلك أن الأنصار طلبت للعباس رضي الله عنه ثوباً يكسونه فلم يجدوا قميصاً يصلح عليه إلا قميص عبد الله فكساه إياه، فأراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكافئه على ذلك لئلا يكون لمنافق عنده يد لم يجازه عليها، وأما المكروه فما زاد على الخمسة، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا تغالوا في الكفن فإنه يسلب سلباً سريعاً"، ومثله عن علي رضي الله عنه ولأنه سرف وهو مكروه.
وأما صفته: فيستحب أن يكون أبيضاً لما ذكرنا من الخبر، وروى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم"، وروى ابن سمرة "البسوا الثياب البيض فإنها اطهر وأنقى وكفنوا فيها موتاكم" وفي لفظ: "أحب الثياب إلى الله تعالى البيض يلبسها أحياءكم ويكفن فيها موتاكم"، ويستحب أن تكون جدداً لما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "كفن في ثلاثة أثواب بيض جدد"، وقال ابن المبارك: أحب إلي أن يكفن في ثيابه التي كان يصلي فيها.
فرع يستحب أن تستجاد الثياب التي يكفن فيها، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه"، وروى أبو قتادة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه"، وقال سلام بن أبي مطيع: أراد به الوسط لا المربع.
وقال أصحابنا: إن كان موسرأ فثلاثة أثواب جياد، وان كان متجملاً فثلاثة أثواب وسط، وإن كان فقيراً فثلاثة أثواب دون، وكل ما جاز للرجل أن يلبسه في حياته جاز أن يكفن فيه بعه موته، وكذلك المرأة.
فإن قيل: فما تأويل ما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه لما حضره الموت دعا بثياب جاد فلبسها، ثم قال: سمعت [292 ب / 3] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها"، قلنا: معنى الثياب هاهنا العمل، كنى بها عنه يريد به أنه يبعث على ما مات عليه من عمل صالح، أو عمل شيء والعرب تقول: فلان طاهر الثياب ودنس الثياب إذا كان بخلاف ذلك على هذا

المعنى، والدليل على هذا قوله - صلى الله عليه وسلم -: "يحشر الناس حفاة عراة"، وقيل: الحسن، فيجوز أن يكون البعث مع الثياب والحشر مع العري والحفا.
فَرْعٌ آخرُ قال أصحابنا: لا يستحب للرجل أن يعد كفنه في حياته لئلا يحاسب عليه، وعندي أنه يستحب ذلك ليعرف خلوه عن الشبهة.
مسألة: قال: ويجمر بالعود حتى يعبق بها.
وهذا كما قال: يبخر الكفن بالعود قبل أن يدرج فيه، لأن عادة الحي أنه إذا لبس ثيابا جدداً بنحوها، ولأنه وبما يظهر من الميت رائحة كريهة فتخفيها رائحة العود، فإذا ثبت هذا نجعل الأكفان على مشجب أوعود ثلاث خشبات أو قصبات رؤوسهن مثقوبة مشدودة بخيط ويلف عليها هذه الأثواب، ويوضع [293 أ / 3] المجمر تحتها حتى يعبق بها رائحته.
وروى جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا جمرتم الميت فجمروه ثلاثاً" ويكون البخور عوداً.
قال في "القديم": يبخر بالعود غير المطري دائماً قال: هكذا لأنه ربما تطرى بالخمر، فإن كان مطرا وهو الذي عليه أخلاط العنبر والمسك فلا بأس، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يتطيب بالمسك"، وقال: "المسك خير الطيب"، وروى أبو سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن المسك فقال: "هو من أطيب طيبكم"، وبه قال أحمد وإسحاق، وقيل: إنما منع من المطري لأن المطري يكون من المسك والعنبر ولا يستحب ذلك، لأنه حار يحمى لحم الميت فيسرع إليه الفساد، ولأن ابن عمر رضي الله عنه كره المسك أن يستعمل في الميت، فاستحب الشافعي الخروج من الخلاف.
مسألة: قال: ثم يبسط أحسنها.
الفصل وهذا كما قال.
السنة أن يبسط على الأرض أوسعها وأحسنها، ويذر عليه الحنوط ثم يبسط الذي عليه ويذر عليه الحنوط، ثم يحمل الميت مستوياً مسجى بثوب، فيوضع فوق الأثواب مستلقياً ويكون ما يفضل [293 ب / 3] من الأثواب من جانب الرجلين أقل مما يفصل منها من جانب رأسه، وهذا لأن عادة الحي أن يظهر أحسن الثياب، ويجعل الدون تحته وعادة الحي أن ما على رأسه يكون أكثر مما على رجليه وقيل: ظاهر ما نقله المزني يقتضي أن لا يذر الحنوط على الثالث؛ لأنه قال: يذر فيما بينهما،

وأصحابنا لا يختلقون أنه يذر عليه لأنه أولى بذلك فإنه يلي الميت وربما ظهرت من الميت نجاسة في حال تحريكه فهو غلط.
وقيل: قوى، ويذر فيما بينها وقرى فيما بينها فعلى القراءة الأولى الآن على ما ذكرنا وعلى القراءة الثانية أراد إذا قل الحنوط يذر فيما بينهما يعني الميت والريطة التي تليه.
مسألة: قال: ثم يأخذ شيئاً من قطن منزوع الحب فيجعل فيه الحنوط.
الفصل وهذا كما قال: إذا تركه على الكفن مستلقياً مستوراً، فأول ما يصنع به أن يأخذ شيئاً من القطن منزوع الحب فيجعل فيه الحنوط والكافور، ثم يدخله بين إليتيه إدخالاً بليغاً ويكره أن يكثر من ذلك القطن ليرد شيئاً إن جاء منه عند تحريكه ويشد عليه، أي: فوق ذلك خرقة مشقوقة [294 أ / 3] الطرفين تأخذ إليتيه وعانته، ثم يشد عليه، ثم يشد التبان الواسع والتبان مثل السراويل له حزة وليس له بايكه، أو يقول: ليس له كمان، وقيل: يشد عليه بالخيط ولا يحتاج إلى شق طرفيها.
قال المزني: لا أحب ما قال من إبلاغ الحشو لأن في ذلك قبحاً يتناول به حرمته، ولكن يجعل كالنورة من القطن ما بين إليتيه وشفره قطن تحتها تضم إلى إليتيه، ويكون الشداد فوق ذلك كالتبان يشد عليه فهذا أحسن في كرامته عن انتهاك حرمته، قال أصحابنا: لم يرد الشافعي بهذا إلا بلاغ ما توهمه المزني من مجازة المثوبة ولكن أراد المبالغة في إلصاقه بذلك الموضع كما فسره واختاره فغلط في هذا الوهم ولا نعرف هذا الذي ذكره الشافعي، وما زاد على مراد الشافعي إلا سفرة قطن ونحن لا ننكر هذه الزيادة لو فعل، والدليل على أن مراده هذا لا يتوهم أنه قال: ليرد شيئاً إن خرج منه فلو كان إبلاغاً في الحشو لقال: ليمنع أن يخرج منه شيء، وقد بين في "الأم" فقال: إدخالا بليغاً يبلغ به [294 ب / 3] الحلقة.
وقال فيه أيضا: فإن خيف أن يخرج منه شيء لعلة كانت به أو حدث حادث منه أو كان مبطوناً أدخلوا بينه وبين كفنه لبداً ثم شدوه عليه، أو ثوباً صفيقا أقرب الثياب باللبد شبها وشدوه عليه خياطة، فإن تركوا ذلك تركوا الاحتياط، وأرجو أن تجزيهم.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: ليس كما قال أصحابنا، لأنه نص وصرح بإبلاغ الحشو وهذا وإن كان عند المزني مستقبحاً فإن المصلحة بأجمعها فيه؛ لأن القطنة بين الإليتين إذا لم يكن في إدخالها إبلاغ لم تكن دافعة للخارج، فربما يخرج خارج فيجب استئناف غسله وربما يتسارع التغيير إلى جثته، وحكي عن المزني أنه قال: يشق طرفيها وتشد في وسطه، وهذا لا يحتاج إليه في الميت، وإنما ذكره الشافعي في المستحاضة؛ لأنها تمشي وتتصرف في حوائجها فتحتاج إلى ذلك لئلا يبخل بخلاف الميت.
مسألة: قال: ثم يأخذ قطناً فيضع عليه الحنوط والكافور فيضعه على فيه ومنخريه وعينيه وأذنيه.

وأراد به لينشف الرطوبة الخارجة من هذه المنافذ، ولأتته الهوام بسرعة، ثم قال: وموضع سجوده [295 أ / 3]، يعني: يؤخذ القطن ويجعل عليه الكافور والحنوط ويترك على مساجده من الجبهة والأنف والكفين والركبتين والقدمين؛ لأن هذه مواضع شريفة شرفت بالجود وهكذا ذكره أصحابنا.
وقال القفال: لم يرد أنه يضع القطن على أعضاء السجود كما يضع على المنافذ، بل أراد الحنوط والكافور فقط، وهذا هو أقرب إلى الصواب إن شاء الله تعالى.
قال الشافعي: وإن ذر على جميع بدنه الحنوط كان أولى، لأن الحنوط تصلب بدنه وتشده، وإن كانت به جراحة نافذة وضع عليها الحنوط والكافور عليه، فقال: ويحنط رأسه ولحيته بالكافور، لأن هذا عادة العي وعلى مساجده وأراد مواضع سجوده على ما ذكرنا.
وقال في البويطي: ولا بأس أن يحنط بالمسك والعنبر، وهذا يدل على أن الكافور أولى ويجوز غيره، ولا يستحب، وبه قال علي رضي الله عنه والفقهاء أجمع، وقال مجاهد وعطاء: يكره المسك في الحنوط، وهذا غلط لما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: اجعلوا في حنوطي المسك فإنه بقية حنوط رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وروي [295 ب / 3] أنه لما مات سعيد بن زيد قالت أمه لعبد الله بن عمر: أحنطه بالمسك؟، فقال: وأي طيب أطيب من المسك.
وقد قال بعض أصحابنا: يستحب المسك لهذا الخبر، ثم بين كيف يلف في أكفانه فقال: ويوضع الميت في الكفن بالموضع الذي يبقى من عنه رجليه منه أقل مما يبقى من عند رأسه فما عند رأسه يستحب أن يجمع جمع العمامة ويجعل على وجهه، ثم في القبر يجعل تحت رأسه وما عند رجليه يعطف على قدميه إلى حيث بلغ، وإنما استحب أن يبقى من الكفن من عند رأسه أكثر مما عند رجليه، لأن الحي يكثر الثياب على رأسه من العمامة والبرنس وغير ذلك، ثم بين بأي جانب من الكفن يبدأ عند اللف عليه، فقال: ثم يثني عليه صنفة الثوب الذي يليه على شقه الأيمن ثم يثني صنفة الثوب الآخر على شقه الأيسر كما يشمل الحي بالساج، وأراد شيئاً أق ل ما يلي شقه الأيسر على شقه الأيمن، ثم ما يلي شقه الأيمن على شقه الأيسر، فيبدأ من الجانب الأيسر وهو المنصوص في "الأم"، ثم أوضح ذلك بقوله كما يشمل الحي بالساج والحي يشمل بالساج على ما فسرناه ويكون على جانبه الأيسر [296 أ / 3] هو الظاهر، والساج: هو الطيلسان.
وقال في "الأم": يبدأ من الجانب الأيمن فيثني على الأيسر ثم من الأيسر على الأيمن فيكون ما على جانبه الأيمن هو الظاهر وهو اشتمال الحي الساج، ومن أصحابنا من قال في المسألة قولان، ومنهم من قال قول واحد إنه يبدأ من الجانب

الأيسر: لأن الجانب الأيسر من الطيلسان تحت الذي بدأه من الجانب الأيمن، ومنهم من قال: يبدأ من الجانب الأيمن، وفي رواية المزني إضمار وهو أنه أراد: ثم يئني صنفة الثوب الذي يليه على شقه الأيمن تثنيه على الشق الأيسر أي الجانب الذي هو شقه الأيمن تثنيه على الشق الأيسر والجانب الذي على الشق الأيسر على الشق الأيمن.
فحينئذ هو عين ما قاله في "الأم"، ثم يضع بكل لفافة مثل ذلك، ثم يجعل ما فضل عند رأسه ورجليه على ما ذكرنا، فمان خافوا انتشار الأكفان عقدوها عليه، ثم إذا أدخلوه القبر حلوها يعني العقد لئلا يكون معه في القبر شيء معقود فإنه يكره ذلك ولهذا يستحب أن لا يكون معه مخيط: ولأن العقد إنما كانت لخوف الانتشار والستر للميت وقد أمن ذلك عند [296 ب / 3] إدخاله القبر.
فرع قال في "الأم": لو مات ميت في السفينة في البحر منع به ما ذكرنا، فإن قدروا على دفنه في الساحل لقربهم منه دفنوه، وإلا أحببت أن يجعلوه بين لوحين ويربطوهما به فيحملاه إلى أن يلقيه البحر بالساحل فلعل المسلمين يجدونه فيواروه، وهو أحب إلي من طرحه في البحر للحيتان يأكلوه، فإن لم يفعلوا وألقوه في البحر رجوت أن يسعهم، وقال أيضاً: لم يأثموا إن شاء الله، وإنما قال ذلك لأنه إذا شده بين لوحين منعه ذلك من الانتفاخ وألقاه البحر بالساحل، قال المزني: إنما قال الشافعي هذا إذا كان الذين على سواحل البحر مسلمين، فأما إذا كانوا مشركين فإنه يثقل بشيء حتى ينزل إلى القرار لئلا يأخذه المشركون فيدفنوه إلى غير قبلة المسلمين.
وقال بعض أصحابنا: لا بأس بما قاله المزني، وقال القاضي الطبري: هذا لا أعرفه للمزني وطلبته في "الجامع الكبير" فوجدت المسألة على ما ذكره الشافعي دون هذه الزيادة ولعله ذكرها في موضع أخر، ومن أصحابنا من قال: هذا هو قول عطاء وأحمد أنه يثقل ويطرح في البحر بكل حال إذا لم يمكنهم دفنه، وينتهي [197 أ / 3] الموتى في هذا، لأن ما من بحر إلا وفي ساحل من سواحله مسلمون، وما قالوه غلط لما ذكرنا أنه ربما يلقيه البحر فيدفنوه إلى القلة.
فرع قال الشافعي: ولا أرى أن يصبوا الذواق في أذنه وأنفه ومنخريه.
وأراد به الزئبق، ولا أن يضعوا المرتك على مفاصله وذلك شيء يفعله الأعاجم ويريدون به إبقاء الميت، ولا أحب شيئاً من هذا، بل يمنع به ما يصنع بأهل الإسلام وهو الغسل والكفن والحنوط والدفن، فإنه صائر إلى الله تعالى والكرامة له برحمة الله وعمله الصالح.

فرع قال: ولا أحب أن يجعل الميت في صندوق من خشب وهو التابوت عندنا.
وبلغني أنه قيل لسعد بن أبي وقاص: نتخذ لك شيئاً كأنه الصندوق، فقال: لا بل اصنعوا بي كما صنع برسول الله - صلى الله عليه وسلم - انصبوا علي اللبن نصباً وأهيلوا علي التراب.
فَرْعٌ آخرُ قال في "الأم": وأكره أن يتبع الجنازة بنار بين يديه المجامر للبخور بين يديها إلى القبر على ما هو العادة اليوم ولا يصاح خلفها لقوله - صلى الله عليه وسلم - "لا تتبع الجنازة بصوت ولا نار"، ولان فيه قال: [197 ب / 3] السوء فيكره.
وروي عن عمر وأبي هريرة وعبد الله بن معقل ومعقل بن يسار وعائشة وأبو سعيا الخدري رضي الله عنه أنهم أوصوا أن لا يفعل ذلك.
مسألة: قال: وأضجعوه على جنبه الأيمن.
وهذا كما قال.
ذكر المزني الإضجاع قبل أن يبين كيفية حفر القبر وكيفية الصلاة عليه.
وأما الصلاة عليه: فلها باب منفرد.
وأما حفر القبر: فإنا نتكلم عليه نعود إلى مسألة الكتاب وجملة ذلك أنه يستحب تعميق القبور.
قال الشافعي: قدر بطة، والبطة: الباع وهي قامة وقدر ذلك أربعة أذرع ونصف وذلك قامة وبسطة، والدليل عليه: ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "احفروا وأوسعوا وعمقوا".
وقال عمر رضي الله عنه "عمقوا قبري قامة وبسطة"، ولأنه إذا كان كذلك كان أقدر أن لا تناله السباع، وهو أبعد على من ينبشه، وأقطع لرائحته، وأي قدر أعمق ووارى جاز، ويستحب أن يوسع من قبل رجليه ورأسه، لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للحافر: "أوسع من قبل رجليه وأوسع من قبل رأسه"، ثم قال في "الأم": فإن [298 أ / 3] كانت الأرض صلبة شديدة فالسنة اللحد وصورته: أنه إذا انتهى إلى أرض القبر حفر مما يلي قبلة القبر لحد وهو معروف وهو أن يكون الحفر على صفة يحصل الميت تحت قبلة القبر، قال: ثم نصب على اللحد اللبن نصباً، ويتبع

مزج اللبن بكبار اللبن والطين، ثم أهيل التراب عليه، وإن كانت الأرض رخوة رقيقة، فالسنة الشق، وهو أن يبني من جانبي القبر بلبن أو مخر أو خشب، ويترك وسط القبر كالحوض في صورة التابوت ويرفع في بنائه حتى إذا سقف فوق الميت لم يباشر السقف الميت، فإذا جعل الميت فيه سقف عليه وروعي الخلل إن كان فيه، ويطين المكان بطين، قال: ورأيتهم عندنا يضعون على السقف الإذخر ويضعون عليه التراب، وفي بلدنا بطبرستان ويضعون على السقف الإذخر، ويضعون عليه التراب أو الطين، ثم يهيلون التراب وهكذا يستحب عند علمائنا.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: الشق أولى من اللحد.
وهذا غلط لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "اللحد لنا والشق لغيرنا".
وروى "والشق ليس لنا"، وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما مات بعثوا إلى رجل يلحد والى رجل يشق، وقالوا: اللهم اختر لنبيك فسبق أبو طلحة اللحد فلحد له"، وقال عمر رضي الله عنه: "إذا جعلتموني في اللحد فاقصوا لحدي إلى الأرض"، وحكي عن مالك أنه قال: لا حد في لحد القبر فيحضر بقدر ما يغيب عن الناس.
وقال عمر بن عبا العزيز: يحفر إلى السرة، وهذا غلط لما روينا عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه.
فإذا تقرر هذا عدنا إلى مسألة الكتاب، وجملة ذلك أن الميت على جنبه الأيمن يريد إلى حيث يكون وجهه إلى القبلة، فيكون رأسه نحو المغرب إن كان بالمدينة أو بتلك البلاد، هكذا فعل بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا نام أحدكم فليتوسد يمينه" ويستحب أن يوسد رأسه بلبنة أو حجر كما توسد الحي إذا نام، ثم قال: وأسندوه لئلا يستلقي على ظهره، وأدنوه إلى اللحد من مقدمه لئلا ينكب على وجهه، يريد أنه يوضع منحنياً مقوساً كالدالع لئلا ينكب ولا يستلقى ويجعل خلفه لبنة.
وقال بعض أصحابنا: ويفضي بخده إلى التراب كما وصى [299 أ / 3] عمر رضي الله عنه.
وقال أبو موسى الأشعري: "لا تجعلوا بيني وبين الأرض شيئاً"، وقال أبو يعقوب: نص الشافعي أنه لا يكون بينه وبين الأرض إلا الكفن، ولعل ذلك القائل أواد فخذه مع الكفن.
قال الشافعي: ويكره أن يجعل تحته مضربه وتحت رأسه بمخدة: لأن ذلك لم ينقل عن السلف، ولأن ذلك للتنعم ويربو به جسد الميت، ثم بين الشافعي كيف يسد بعد ذلك باب اللحد فقال: وينصب اللبن على اللحد، أي: يوضع اللبنات منصوبة على باب اللحد، ثم قال: ويسد فرج اللبن بإذخر أو حشيش أو بكسار اللبن لئلا يصيبه التواب، قال: ثم يهال عليه التراب.
ثم بين سنة الإهالة فقال،

والإهالة: هي أن يطرح من على شفير القبر التراب بيديه جميعاً، ثم يهال بالمساحي.
وأراد أنه يستحب لمن على شفير القبر أن يبرك بالإهالة بيديه ثلاثا، هكذا جاء عن الصحابة أنهم كانوا يفعلونه، حتى روينا عن أنس رضي الله عنه أنه قال: ما نفضنا أيدينا من تراب قبو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى استنكرنا قلوبنا.
وإنما أمر بأن يطرح التراب أولا قليلا قليلاً برفق حتى لا يزال إلى الميت، ثم قال: ولا أحب أن يزاد في القبر أكثر من ترابه [299 ب / 3] وفي نسخة أن يرد ومعناهما متقارب وهو ما أشار إليه لئلا يرتفع جداً فيضيق على الناس ولأنه يقال: إن الملائكة يأخذون تراب القبر فإذا زيد فيه غير ترابه يبقى تراب كثير يظن الظان أن الملائكة لم يأخذوا من ترابه فيسئ الظن به.
قال في "الأم": فإذا زادوا على ذلك فلا بأس، وأراد كراهة فيه وإن كان الأولى أن لا يزاد على ترابه، ثم بين كم يستحب أن يشخص عن وجه الأرض، فقال: ويشخص عن وجه الأرض قدر شبر ليعرف أنه قبر إلا أن يكون في داو الحرب فيخفيه بحيث لا يظهر مخافة أن يتعرض له الكفار بعد خروجهم بسوء، ويرش عليه الماء، لما روى جابر أن رسول لله - صلى الله عليه وسلم - "رش على قبر ابنه إبراهيم ووضع عليه من حصباء العرصة"، فيستحب وضع الحصباء الصغار وإنما يفعل هذا لتلتزق الحصباء بالتراب، وتختلط رطوبته فيبقى أثر القبر عليه ويوضح عند رأسه علامة من صخرة منقوشة أو حشيشة حتى لا يشكل، لما روي أن عثمان بن مظعون رضي الله عنه لما مات ودفن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلاً أن يأتيه بحجر فلم يستطع فقام [300 أ / 3] إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحسر عن ذراعيه، ثم حملها ووضعها عند رأسه، ثم قال: "لأعلم به قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي".
وقال الشافعي في موضع: أكره أن يرفع إلا بقدر ما يعرف أنه قبر لكي لا يوطأ ولا يجلس عليه، وروي أن علياً رضي الله عنه قال لأبي الهياح الأسدي: أبعثك على ما بعثني به النبي - صلى الله عليه وسلم - أن لا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته، ولا تمثالا إلا طمسته.
وقيل: لم يرد به التسوية مع الأرض بل أراد أن يسطحه، وقال جابر: ألحد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونصب عليه اللبن نصباً ورفع قبره عن الأرض قدر شبر.
وهذا نص فإن قيل: أليس، قال جعفر بن محمد عن أبيه قال: الذي ألحد قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو أبو طلحة، والذي ألقى القطيفة تحته شقران، وقال شقران: أنا والله طرحت القطيفة تحت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في القبر، وقال ابن عباس: جعل في قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قطيفة حمراء، قلنا: لم يكن هذا بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا بمشورة الصحابة ويحتمل تخصصه به.
فرع قال في "الأم": وإن مات ميت [300 ب / 3] بمكة أو المدينة أحببت أن يدفن في

مقابرهما، وكذلك إذ مات بلد قد ذكر في مقبرته خيراً أحببت أن يدفن فيها فإن كان ببلد لم يذكر فيها أحب أن يدفن في المقابر لحرمة المقابر والداعي لها وأنه مع الجماعة وأشبه أن لا يتغوط ولا يبال على قبره ولا ينبش وحيث ما دفن الميت فحسن إذ شاء الله.
قال: واختار أن يكون الدفن في الجبان والصحراء لا في البيوت والمساكن؛ لأنه أقرب إلى رحمة الله تعالى لكثرة الداعي له إذا درس قبره.
فإذ قيل: أليس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد دفن في حجرة عائشة؟ فكيف استحب الشافعي الدفن في المقابر.
وقلنا: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدفن أصحابه في المقابر، وفعله أولى من فعل غيره، وأنهم رأوا ذلك تخصيصاً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - صيانة له عن رحمة الناس والابتذال وفي غير لا يوجد هذا المعنى.
قلت: وقالت عائشة لما قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اختلفوا في دفنه، فقال أبو بكر الصديق: سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئاً ما نسيته بعد قال: "ما قبض الله نبياً إلا في الموضع الذي يدفن فيه" ادفنوه [301 أ / 3] في موضع فراشه.
رواه أبو عيسى الترمذي.
ورأيت خبراً عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن الميت ليتأذى بجار السوء".
فَرْعٌ آخرُ قال الشافعي في القراءة عد القبر: رأيت من أوصى بذلك وهو عندنا حسن والرحمة تنزل عند ختمة القرآن.
قال أصحابنا: ويختار لمن حضر دفنه أن يقرأ سورة "يس" ويدعو له ويترحم عليه، لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر بقوم يدفنون ميتاً فقال: "ترحموا عليه فالآن حين يسأل".
فَرْعٌ آخرُ يستحب أن يجمع بين قبور ذوي القرابات، والأصل في بقعة واحدة ليكون أسهل للزيارة والتعهد، ويكون الأب إلى القبلة أقرب، ثم الأسن فالأسن أبداً وكيف ما دفنوا جاز في خبر عثمان بن مظعون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لأعلم به قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي" وقيل: إن ترتيب قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه رضي الله عنه أن رأس أبي بكر بين كتفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورأس عمر بين كتفي أبي بكر ليكون كل واحد منهما دون مرتبة صاحبه، قلت: وروى جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم -[301 ب / 3]، "كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في الثوب الواحد، ثم يقول: أيهما أكثر أخذاً للقرآن؟ فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد".

فَرْعٌ آخرُ قال: ولا أحب إذا مات في بلد أن ينقل إلى غيره، اللهم إلا أن يكون بالقرب من مكة أو المدينة أو بيت المقدس، فيختار أن ينقل إليها لفضل الدفن بها، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من قبر بالمدينة كنت عليه شاهداً وله شافعاً، ومن مات بمكة فكأنما مات في سماء الدنيا"، ونقل الميت إلى بلد آخر حرام ولو أوصى به لا تصح الوصية.
فَرْعٌ آخرُ لو استعار موقعاً للدفن جاز، وللمعير أن يرجع في ذلك ما لم يدفن الميت، فإذا دفن لزمت العارية للعارة في ذلك، كما لو أعار للغراس فإنه لا يقلع، فإذا هلك الميت وصار رفاتً تصرف المعير في البقعة كيف شاء، فالزرع والحفر والبناء نص عليه ذكره القاضي الطبري وغيره، وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: إذا مضى علي حول فازرعوا الموضع.
فَرْعٌ آخرُ قال في "الأم": ويفرد كل ميت بقبر هذا من السنة في حال الاختيار، فإن اتفقت حاجة أو ضرورة مثل إن كثرت الموتى.
وقل [302 أ / 3] من يدفنهم جاز أن يدفن الواحد والثلاثة في قبر واحد، ولكنه يحفر القبر على قدر عددهم لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يوم أحد لأصحابه: "احفروا وأوسعوا واجعلوا الرجلين والثلاثة في قبر واحد وقدموا أكثرهم قرآناً"، فإذا دفنوهم جعلوا أفضلهم يلي القبلة، ثم الذي يليه ثم الذي يليه أبداً، ويجعل بين كل رجلين حاجز من تراب.
فَرْعٌ آخرُ قال: وأحب أن لا يدفن الرجل مع المرأة بحال، فإن دعت الحاجة واجتمع رجال ونساء وصبيان وخناثى كانوا في القبر على ترتيبهم في الصلاة، فالرجال يكون القبلة ثم الصبيان يلونهم، ثم الخناثى، ثم النساء آخرهم ويجعل بينهم حاجز من تراب ثم تقدم الأم، على البنت، والأب على الابن، ولا تقدم الأم على الابن.
فَرْعٌ آخرُ لو ماتت له امرأتان أقرع بينهما أيتهما تقدم ذكره في "الجامع الكبير"، وقال صاحب "التقريب": فإن كانت امرأتان لا زوج لهما تقدم أفضلهما ولا يقرع بينهما.

فَرْعٌ آخرُ لو كانت الأرض من خلقه الأصل مباحة لم يدفن فيها بعد فإنه يدفن فيها كيف شاء، ولو كانت مقبرة مسبلة للدفن فيها، وإن تشاح [302 ب / 3] اثنان في الدفن في موضع منها كان السابق أولى لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مناخ من سبق"، وإن بادر إلى المكان اثنان معاً فتشاحا أقرع بينهما فمن خرجت قرعته دفن قبل الأخر.
فَرْعٌ آخرُ قال: إن كان المكان مما قد تكرر فيه الدفن لم يحفر إلا في مكان يعلم في العادة أن الميت قد هلك وصار رميماً، وهذا يختلف باختلاف البلد إن قرب بلد يهلك فيه الميت سريعاً، ورب بلد يبقى فيه الميت كثيراً لحرارة البلد وبرده، وإذا هلك الميت لا يجوز أن يبني على قبره صورة القبر الجديد، بل يتركه حتى يدفن فيه غيره.
فَرْعٌ آخرُ إذا حفر الموضع فإذا كان الميت قد هلك وصار رفاتاً دفن في مكان غيره وإن كان قد بقي منه أو من عظامه شيء، قال في "القديم" و "الجديد": أعيدت في القبر قال أصحابنا: ويرد التراب عليها كما كانت، ولا يدفن الميت معه بل يحفر له غير ذلك القبر لا حاجة بنا إلى ذلك، ويخالف هذا دفن اثنين في قبر واحد على ما ذكرنا؛ لأنه لحاجة وإن دعت الحاجة هنا أيضاً يدفن مع العظام في ذلك المكان، وهذا [303 أ / 3] لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "كسر عظم الميت ككسر عظم الحي".
فَرْعٌ آخرُ لو فرغ من القبر، ثم ظهر فيه شيء من العظام لم يضيق أن يجعل في جانب اللحد ويدفن الثاني فيه.
فَرْعٌ آخرُ لو دفن في ملك غيره بغير أمره فهو غصب، قال الشافعي: وأكره أن ينقله لأنه يهتك حرمته، فإن نقله جاز.
ولو غصب كفناً وكفن به ميتاً ودفن.
قال أبو حامد: لم يخرج وعلى الغاصب قيمته.
والفرق أن حرمة الأرض أوكد، لأن الانتفاع بها مؤيد بخلاف الثوب، ولأن الكفن ربما يتعين على صاحبه تكفين الميت به، وفي انتزاعه هنا هتك حرمته بخلاف الأرض المملوكة لأنها لا تتعين قط لوجود المباح، ولا يكون في نقله هتك حرمته، ولأن الحاجة من التكفين تبيح غصب الثوب ولا تبيح غصب الأرض.
وقال صاحب "الحاوي": ويحتمل غير هذا القول ويمكن قلب الفروق بما هو

أولى منه أنا وأنت.
عن بعض أصحابنا أنه قال: إن لم يستهلك ينبش ويذع ويرد إلى صاحبه وهذا أقيس.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو اتفقت الورثة أن يدفنوا الميت في بعض ملك الميت جاز ذلك وإن تشاحوا فقال بعضهم [303 ب/3] يدفن في المقبرة، وقال بعضهم: يدفن في ملكه فإنه يدفن في المقبرة يعني المسلة، فإنذ بادر واحد منهم فدفنه في الملك المشترك فقد تعدى وأثم، وكرهنا للباقين نقله عن الملك ويقر في مكانه حتى إذا هلك عاد الملك إلى تصرفهم على الإطلاق، وليس هذا كالغراس في ملك الغير، حيث قلنا له: إن يأمر الغاصب بنقله ولا يكره ذلك له لأنه لا حرمة للغراس ولا لمالكه وهاهنا للميت حرمة.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو اختلفوا في الكفن، فقال بعضهم: أكفنه من مال نفسي، وقال: لا بل من تركة الميت كفن من التركة؛ لأن في ذلك منة فلا يجبر سائر الورثة على تحملها، وتخالف المقبرة المسلة، لأنه لا منة فيها فتقدم قول من قال: يدفنه في المقبرة، وعلى هذا ينبغي أن يقال: إذا قال أحدهم: أنا أدفنه في شيء لا يلزمهم قبوله للمنة، فإن بادر دفنه في ملك نفسه أو كفنه من ماله، ثم دفنه لم يذكره الشافعي ولا أصحابه المتقدمون.
وقال بعض المتأخرين من أصحابنا: لا ينقل ولا يبدل، كفنه لأنه ليس في تنقيته إسقاط حق أحدهم وفي نقله هتك حرمته.
فَرْعٌ آخرُ لو دفنوه في ملكه [304 أ/3] بالاتفاق لا يجوز تحويله ولا التصرف فيه حتى يهلك الميت، سواء كان الملك ورثوه عن هذا الميت أو عن غيره، فإن أراد كلهم أو بعضهم نقله لم يجز ذلك، ولا يحل نقل الميت عن مكانه إذا كان الدفن يحق أبداً.
فَرْعٌ آخرُ قال في "الأم": وأكره الوطأ على القبر والجلوس عليه والاتكاء إليه فإذ لم يمكنه أن يصل إلى قبر له إلا بالوطء على القبر رجوت أن لا يأثم.
قال أصحابنا لزيارة أو لغيرها وروى الشافعي بإسناده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلاً على قبر فقال: "انزل عن القبور"، وروى أبو مرثد الغنوي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "نهى أن يجلس على القبور وأن يصلى إليها"، وروي عن عمارة بن حزم الأنصاري أنه قال: "رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلاً جالساً على قبر، فقال: انزل لا تؤذي صاحب القبر"، وروي أيضاً بإسناد عن أبي هريرة أنه قال: "لأن أجلس على جمرة ليحرق ردائي، ثم تفضي إلى جلدي أحب إلي

من أن أجلس على قبر امرئ مسلم"، وروى أصحابنا عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لأن يجلس على جمرة فتحترق ثيابه حتى تخلص [304 ب/3] إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر"، وقال مالك: إن جلس على القبر للبول أو الغائط يكره وإلا فلا يكره، وهذا غلط لما ذكرنا، ويكره عن أحمد أنه يكره دخول المقابر بالنعال ولا يكره بالخفاف والشمشكات.
فَرْعٌ آخرُ قال: يكره المبيت في المقبرة لما فيه من الوحشة على البايت.
فَرْعٌ آخرُ قال: يكره أن يسوى القبر مسجداً فيصلى فوقه أو يبنى عنده مسجداً، فيصلى فيه إلى القبر، فإن فعل أجزأه وقد أساء، وهذا لأن القبر هو مستودع الموتى وغير هذا الموضع أنظف، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا تصلي على قبر ولا إلى قبر"، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور انبيائهم مساجد"، وقال أيضاً: "لا تتخذوا قبري وثناً يعبد فإنما هلك بنو إسرائيل لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
قال الشافعي: وأكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجداً مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس.
مسألة: قال: وإذا فرغ من القبر فقد أكمل وينصرف من شاء.
وهذا كما قال.
جملة هذا أن الانصراف هو على أربع مراتب: أفضلها أن يقف حتى يفرغ من الدفن والقبر [305 أ/3] ويستغفر الله تعالى ويدعو له بالرحمة والتثبيت، ويجوز بهذا جميع الثواب المتعلق بها، وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كان إذا دفن ميتاً وقف، وقال: استغفروا الله له وسلوا الله له التثبيت فإنه يسأل الآن".
رواه عثمان بن عفان رضي الله عنه.
قال بعض أصحابنا: يستحب تلقين الميت بعد مواراته بالتراب، لأن الخبر ورد بسؤال منكر ونكير.
وروي أنه لما دفن إبراهيم ابن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -:

"قل الله ربي ورسوله أبي، والإسلام ديني"، فقيل له: يا رسول الله أنت تلقنه، فمن يلقننا؟ فأنزل الله تعالى ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم:27] الآية.
والمستحب في التكفين أن يقول من يتولى التكفين أن يقول: يا فلان ابن أمة الله أو يا فلان ابن حوا اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأنك رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبياً، وبالقرآن إماماً وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخواناً، قال: وبلغني عن بعض من مضى أن امرأته تقعد عند قبره إذا دفن قدر [305 ب/3] ما ينحر جزور وهذا حسن، ولم أر الناس يصنعونه عندنا، وروى ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من تبع جنازة حتى يصلى عليها فله قيراط"، وكان ابن عمر إذا صلى على جنازة انصرف عنها ولم يقف على الدفن، ثم سمع أن أبا هريرة يروي زيادة في هذا الخبر، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ومن تبعها حتى يدفن له قيراطان.
أصغرهما مثل أحد"، فقال ابن عمر: لقد فرطنا في قراريط كثيرة فكان لا ينصرف بعد ذلك عن الجنازة حتى يدفن.
قلت: وقد روى أبو هريرة في سؤال الميت في القبر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا قبر الميت أو قال أحدكم أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما المنكر، والآخر النكير فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟: فيقول: ما كان يقول: هو عبد الله ورسوله أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسوله، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعاً في سبعين، ثم ينور له فيه ثم يقال له: نم يقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم، فيقولان: نم كنومة العروس لا يوقظه إلا أحب أهله إليه حيث يبعثه الله من مضجعه [306 أ/3] ذلك.
وإن كان منافقاً قال: سمعت الناس يقولون فقلت مثله لا أدري، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، فيقال للأرض: التئمي عليه فتختلف أضلاعه فلا يزال فيها معذباً حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك".
والثانية: أن ينصرف إذا فرغ من القبر من غير أن يقف للدعاء فأجره دون الأول، وقيل: يحصل حيازة أجر القيراطين بالانصراف إذا ووري لقول الشافعي: ومن أراد أن ينصرف إذا ووري فذلك له واسع، ومن أصحابنا من قال: لا يكمل أجر القيراطين إلا بالفراغ من القبر وهو الأشبه، ولكن ظاهر المذهب ما ذكرنا.
والثالثة: أن ينصرف إذا سوي عليه اللبن قبل أن يهال عليه التراب فأجبره دون ما تقدم.
والرابعة: أن ينصرف إذا صلي عليه فأجره دونما تقدم وقيل: من تبعها حتى صلي عليها كان له قسط من الأجر، ومن أقام حتى يوارى كان له قسطان من الأجر، ومن

أقام حتى سوي القبر وجعل عند رأسه صخرة فقد أكمل الأجر زيادة على الأول والثاني، ومن أراد الانصراف لا يحتاج إلى أدنى من ولي الميت.
وقال بعض السلف: لا يجوز الانصراف حتى يأذن ولي الميت [306 ب/3] وهذا محال فإن قيل: قد تقرر من المذهب أن المنصرف لو انصرف عقيب الفراغ من الصلاة فذلك واسع له، فما معنى قوله: ومن أراد أن ينصرف إذا أورى فذلك له واسع، قلنا: مراد الشافعي أن من أراد تحصيل القيراطين فواسع له أن ينصرف عقيب مواراته، فإن انصرف قبل ذلك ومراده القيراطين فغير جائز له، فإن قيل: فما فائدة تكرار الشافعي مسألة واحدة في سطرين وذلك أنه قال: فإذا فرغ من القبر بعد أن أكمل ومعناه إكمال القيراطين، ثم قال في السطر الثاني: ومن أراد أن ينصرف إذا أورى فذلك له واسع، ومعناه أن القيراطين حصلا والمسألتان واحدة، قلنا: مراده بالثانية أن الميت إذا ووري بلبنات اللحد، ثم القيراطان، ولا يتوقف تمامها على تمام تسوية القبر فمن انصرف بعد وضع اللبنات انصرف بقيراطين ومن صير إلى تسوية القبر انصرف بقيراطين.
مسألة: قال: وبلغنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه سطح قبر ابنه إبراهيم.
الفصل وهذا كما قال.
السنة تسطيح القبور لا التسنيم، وهو أن يكون دكة لا سنام عليها، لا مغيراً ولا كبيراً، وقال ابن أبي هريرة وصاحب "الإفصاح" [307 أ/3] السنة التسطيح والأولى في زماننا أن يسنم، لأن التسطيح هو من شعار الروافض.
وأهل البدع وقال ابن أبي هريرة: أحب أيضاً ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم لأنه صار من شعارهم.
وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد والثوري: السنة التسنيم، وهذا غلط؛ لأن السنة قد صحت فيه فلا يضرموا فقه أهل البدعة فيه.
وذكر الشافعي الأخبار في هذا وفي جملتها خبر القاسم بن محمد وتمامه ما روي عن القاسم بن محمد أنه قال: قلت لعائشة رضي الله عنها: يا عمتاه أتستطيعين أن تكشفي لي عن قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه فقالت: نعم فكشفت لي عن ثلاثة قبور مسطحة لا مشرفة ولا لاطية مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء"، وروى الشافعي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: سطح قبر ابنه إبراهيم، وكذلك قبور المهاجرين والأنصار بالمدينة كلها مسطحة.
قالوا قال إبراهيم النخعي: "أخبرني من رأى قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه مسطحة" قلنا خبرنا أولى لأنه شاهد ذلك.
مسألة: قال: ولا تبنى القبور ولا تجصص.
وهذا كما قال: أما التجصيص [307 ب/3] فمكروه سواء كان القبر في ملكه أو في

أرض مسلة: لأنه للزينة والخيلاء وليس الميت بموضع واحد منهما، وكذلك اللبنة عليه.
وروى جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "نهى أن يقعد على القبر وأن تقصص وأن يبنى عليه"، وفي لفظ: "نهى أن تجصص القبور وأن يكتب عليها وأن تبنى وأن توطأ"، والتقصص هو التجصيص والقصة شيء شبيه بالجص.
وأما في القعود عليه: قيل: أراد القعود عليه للحدث وقيل: إنه كره أن يطأ القبر بشيء من بدنه فمد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: رأى رجلاً قد اتكأ على قبر فقال له: "لا تؤذ صاحب القبر".
وأما البناء عليها، فإن كان في أرض مسلة لم يجز ذلك وقال في "الأم": رأيت من الولاة من يهدم بمكة ما بني عليها ولم أر الفقهاء يعيبون ذلك؛ ولأن فيه تضييقاً على سائر الناس وتحجراً عليهم، وإن كان في الملك فلا يكره ذلك ولهم أن يبنوا فوقه ما شاؤوا، وقيل: معنى قول الشافعي لا يبنى أي لا يرفع عن وجه الأرض أكثر ما ذكرنا من قدر شبر ولا تضرب عليها خيمة ولا قبة، لما روي أن النبي [308 أ/3]- صلى الله عليه وسلم -: رأى خيمة فربت على قبر ظلل بها فهتكها وقال: "دعوه ليظله عمله".
مسألة: قال: والمرأة في غسلها كالرجل.
الفصل وهذا كما قال: غسل المرأة والرجل يتساويان هاهنا كما في حال الحياة وينعقد في شعرها أكثر مما ينعقد في شعر الرجل كما قلنا في حال الحياة، ويسن تطهير شعر رأسها ثلاثة قرون ويلقى خلفها وهو شعر ناصيتها وقرنيها، وبه قال أحمد.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: يجعل ثلاثة أقسام ثم يفتل ضفيرة واحدة، وأصحابنا بالعراق قالوا: يجعل شعرها ثلاث ذوائب وهو ظاهر خبر أم عطية قالت في ابنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ضفرنا ناصيتها وقرنيها ثلاثة قرون، ثم ألقيناها خلفها، ولأن عادة المرأة أن تفعل هكذا في حال حياتها.
وقال أبو حنيفة: لا تضفر ويترك شعرها محلولاً على كتفها أمامها، واحتج بأنه إذا ضفره فلا بد من تسريحه وإذا سرح انتتف وتقطع وذلك مكروه وهذا لا يصح: لأنه يمكن ضفره من غير تسريح أو بتسريح خفيف لا ينتتف به الشعر.
وحكي عن أبي حنيفة أنه [308 ب/3] يجعل ضفيرتين ويلقيان على صدرها.
مسألة: قال: وتكفن المرأة في خمسة أثواب: خمار، وإزار، وثلاثة أثواب.

جارٍ التحميل