فصل:
وأما الفصل الثاني في ضمان من قتل منهم من للمسلمين فهذا على أربعة أقسام:
أحدها: أن يعمد قتله ويعلم أنه مسلم فهو على ضربين:
أحدهما: أن يقتله لغير ضرورة دعته إلى قتله، فهذا يجب عليه القوه كما لو قتله في دار الإسلام، لأن دار الشرك لا تبيح دم مسلم.
والثاني: أن تدعوه الضرورة إلى قتله، ليتوصل به إلى دفع الشرك عن نفسه ففي وجوب القرد
عليه وجهان حكاهما ابن أبي هريرة تخريجاً من اختلاف قول الشافعي في وجوب القرد على
المكره إذا قتل:
أحدهما: عليه القرد إذا قتل كوجوب القرد على المكره لاشتراكهما في الضرورة.
والثاني: لا قود عليه إذا قتل، لأنه لا قود على المكره، ويكون عليه الدية والكفارة وتكون هذه
فدية في ماله مع الكفارة، لأنها دية عمد سقط القرد فيه بشبهة.
والثاني: أن لا يعمد قتله ولا يعلم أنه ومسلم فلا قود عليه ولا دية وعليه الكفارة لقول الله تعالى: ﴿فَإن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ فاقتصر قول الله تعالى به على وجوب الكفارة دون الدين لأن دار الكفر موضوعة على الإباحة.
والثالث: أن يعمد قتله، ولا يعلم أنه مسلم فلا قود عليه، لأنه يمهل بحاله مع الغالب من
حكم الدار شبهة في سقوط القود، وعليه الدية والكفارة، وتكون دية عمد يتحملها في ماله.
وقال أبو إبراهيم المزني: عليه الكفارة دون الدية لجهله بإسلامه.
والرابع: أن لا يعمد قتله ويعلم أنه مسلم، فلا قود عليه، وعليه الكفارة، وفي وجوب الدية
قولان:
أحدهما: لا دية عليه تغليباً لإباحة الدار.
والثاني: عليه الدية تغليباً لحرمة الإسلام، ونكون دية خطأ تتحملها العاقلة.
مسألة:
قال الشافعي: "لو رمى في دار الحرب فأصاب مستأمنا ولم يقصده فليس عليه إلا رقبة
ولو كان علم بمكانه ثم رماه غير مضطرا إلى الرمي فعليه رقبة ودية".
قال في الحاوي: وجملته أن حكم المستأمن والذمي في دار الحرب في تحريم دمائهما كالمسلم إن تترسوا بهم يجب توقيهم، كما يجب توقي المسلم فإن أصيب أحدهم قتيلاً كان في حكم المسلم على ما ذكرناه من الأقسام الأربعة لقول الله تعالى: {وإن
كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ}.
وتستوي أحكامها إلا في شيئين:
أحدهما: القود لسقوطه بين المسلم والذمي.
والثاني: قدر الدية لاختلافهما بالإسلام والكفر وهما قيما عداهن سواء، فإن وجب في قتل المسلم الدين والكفارة وجبا في قتل الذمي، وإن وجب في قتل المسلم القود والكفارة، وجب في دية الذمي الدية والكفارة، فلن وجب في قتل المسلم الكفارة دون الدية كان الذمي بمثابته يجب في قتله الكفارة، دون الدية، ويستوي المستأمن والذي في ضمانهما بالدية أو بالكفارة ويفترقان في شيء واحد وهم أن الناس يلزمنا دفع أهل الحرب عنه، والمستأمن لا يلزمنا دفع أهل الحرب عنه، وبالله التوفيق.
مسألة
قال الشافعي: " ولو أدركونا وفي أيدينا خيلهم أو ماشيتهم لم يحل قتل شيء منها ولا عقره إلا أن يذبح لمأكله ولو جاز ذلك لغيظهم بقتلهم طلبنا غيظهم بقتل أطفالهم".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا غنمنا خيلهم ومواشيهم بم أدركونا ولم نقدر على دفعهم عنها جاز تركها عليهم ولم يجز قتلهم وعقرها طلبا لغيظهم، أو قصدا لإضعافهم.
وقال أبو حنيفة: يجوز قتلها وعقرها لإحدى حالتين، إما لغيظهم، وإما لإضعافهم احتجاجا بأمرين:
أحدهما: أن ما أفضى إلى إضعافهم جاز استهلاكه عليهم كالأموال.
والثاني: أن نماء الحيوان لا يمنع من إتلافه عليهم كالأشجار.
ودليلنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن ذبح الحيوان إلا لمأكله.
وروي عنه صلى الله عليه وسلم: أنه نهى أن تصبر البهائم أو تتخذ غرضًا".
وروى عبد الله بن عمرو بن العاشر كن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من قتل عصفورا بغير حقها سأله الله عن قتلها، قيل يا رسول الله وما حقها؟ قال: "أن يذبحها فيأكلها ولا يقطع رأسها ويرمي بها".
وهذه أخبار تمنع من عقرها وقتلها، ولأن كل حيوان لا يحل قتله إذا قدر على استنقاذه لم يحل قتله، إذا عجز عن استنقاذه كالنساء والولدان، ولأنه لو جاز قتلها لغيظهم بها كان غيظهم بقتل نسائهم أكثر وذلك محظور ولو قتله لإضعافهم كان إضعافهم بقتل أولادهم وذلك محرم فبطل المعنيان في قتل البهائم.
وأما الجواب عن استهلاك الأموال، وقمع الأشجار، فأبو حنيفة يمنع من قطع
الأشجار ويبيح قتل الحيوان والشافعي يبيح قمع الأشجار ويمنع من قتل الحيوان فصارا مجمعين على الفرق بين الأشجار والحيوان وإن كانا مختلفين في المباح منهما والمحظور، فصار الجمع بينهما ممتنعا وإباحة الأشجار، وحظر الحيوان أولى من عكسه، لأن للحيوان حرمتين:
إحداهما: لمالكه، والأخرى لخالقه، فإذا سقطت حرمة المالك لكفره، بقيت حرمة الخالق في بقائه على حظره، ولذلك منع مالك الحيوان من تعطيشه وإجاعته، لأنه إن اسقط حرمة ملكه بقيت حرمة خالقه، وحرمته اكبر من حرمة الأموال، وأكثر من حق المالك وحده، فلذا سقطت حرمة مالكه لكفره جاز استهلاكه لزوال حرمته، ولذلك لم يحرم على مالك المال والشجر استهلاكه، وإن حرم عليه استهلاك حيوانه.
مسألة
قال الشافعي: "لو قاتلونا على خيلهم فوجدنا السبيل إلى قتلهم بأن نعقر بهم فعلنا لأنها تحتهم أداة لقتلنا وقد عقر حنظلة بن الراهب بأبي سفيان بن حرب يوم أحد فانعكست به فرسه فسقط عنها فجلس على صدره ليقتله فرآه ابن شعوب فرجع إليه فقتله واستنفذ أبا سفيان من تحته".
قال في الحاوي: وهذا كما ذكر إذا قاتلونا على خيلهم جاز لنا أن نعقرها عليهم، لنصل بعقرها إلى قتلهم والظفر بهم، لأنهم ممتنعون بها في الطلب والهرب أكثر من امتناعهم بحصونهم وسلاحهم، فصارت أذى لنا فجاز استهلاكها لأجل الأذى، كما جاز استهلاك ما صال من البهائم، وإن لم يجز استهلاك ما لم يصل، وقد عقر حنظلة بن الراهب فرس أبي سفيان ين حرب يوم أحد، واستعلى عليه ليقتله فرآه ابن شعوب فبدر إلى حنظلة وهو يقول:
لأحمين صاحبي ونفسي بطعنه مثل شعاع الشمس
ثم طعن حنظلة فقتله، واستنقذ أبا سفيان منه ف خلهم أبو سفيان وهو يقول:
فما زال مهري مزجر الكلب منهم لدى غدوة حتى دانت لغروب
أقاتلهم وأدعى يأل غالب وأدفعهم عني بركن صليب
ولو شئت نحتني كميت لحمرة ولم أحمل النغماء لابن شعوب
فبلغ ذلك ابن شعوب فقال مجيبا له حين لم يشكره:
ولو دفاعي يا ابن حرب ومشهدي لألفيت يوم النعف غير مجيب
ولولا مكري المهر بالنعف قرقرت ضباع عليه أو ضراء كليب
وموضع الدليل من هذا اج لخببه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى حنظلة وقد عقر فرس أبي
سفيان فأقره عليه ولم ينكره.
فصل:
وإذا كان راكب الفرس منهم امرأة أو صبيًا كانا يقاتلان عليها، جاز عقرها من تحتهما كما لو
كان راكبها رجلاً مقاتلاً، وإن كانا لا يقاتلان عليها لم يجز مقرها كما لو كانت غير مركوبة.
فصل:
ولو أدركونا ومعنا خيلهم وهم رجالة إن أطلقت عليهم وركبوها قهرونا بها جاز عقرها لاستدفاع
الأذى بها، كما لو كانوا ركباناً عليها.
مسألة:
قال الشافعي: "في كتاب "حكم أهل الكتاب" وإنما تركنا قتل الرهبان إتباعًا لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، وقال في كتاب السير: ويقتل الشيوخ والأجراء والرهبان قتل دريد بن الصمة ابن خمسين ومائة سنة في شجار لا يستطيع الجلوس فذكر ذلك لنبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكر قتله.
قال: ورهبان الديات والصوامع والمساكن سواء ولو ثبت عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه خلاف هذا لأشبه أن يكون أمرهم بالجد على قتال من يقاتلهم ولا يتشاغلون بالمقام على الصوامع على الحرب كالحصون لا يشغلون بالمقام بها عما يستحق النكاية بالعدو وليس أن قتال أهل الحصون حرام وكما روى عنه أنه نهى عن قطع الشجر المثمر ولعله لأنه قد حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع على بني النضير وحضره يترك وعليم أن النبي صلى الله عليه وسلم وعدهم بفتح الشام فترك قطعة لتبقى لهم منفعته إذا كان واسعاً لهم ترك قطعة.
قال المزني رحمه الله: هذا أولى القولين عندي بالحق لأن كفر جميعهم واحد وكذلك سفك دمائهم بالكفر في القياس واحد".
قال في الحاوي: وجملة المشركين بعد الظفر بهم ينقسم أربعة أقسام:
أحدها: المقاتلة أو من كان من أهل القتال وإن لم يقاتل فهو من المقاتلة ويجوز قتلهم على ما
قدمناه من خيار الإمام فيهم.
والثاني: وهم أهل الرأي والتدبير منهم دون القتال، فيجوز قتلهم أيضاً شباناً كانوا أو شيوخا،
قدروا على
القتال أو لم يقدروا، لأن التدبير علم بالحرب والقتال عمل والعلم أصل للعمل، وقد أفصح
المتنبي حيث قال:
الرأي قبل شجاعة الشجعان هو أول وهي المحل الثاني
ولأن التدبير أنكى وأضر وهو من الشك أقوى وأصح، هذا دريد بن الصمة أشار
على هوازن يوم حنين أن يتمردوا للقتال، ولا يخرجوا معهم الذراري، فخالفه مالك بن عوف ألنضري وخرج بهم فهزموا فقال دريد في ذلك:
وأمرتهم أمري بمنعرج اللوى فلم يستنبينوا إلا ضحى الغد
وظفر بدريد وكان في شجار وهو أبى مائة وخمسين سنة، وقيل: مائة وخمس وستين، فقتل، وقيل: ذبح ورسول الله صلى الله عليه وسلم يراه فلم ينه عنه فدل على إباحة قتل ذوي الآراء وإن كانوا شيوخا.
والثالث: من الذراري من النساء والأطفال، فلا يجوز أن يقتلوا في المعركة إلا أن يقاتلوا فيقتلوا دفعًا
لآذاهم، فأما بعد الأسر فلا يجوز أن يقتلوا، سواء قتلوا أو لم يقاتلوا لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن
قتل النساء والذراري والولدان ولأنهم سبايا مسترقون قد ملكهم الغانم كالأموال.
والرابع: من اعتزل القتال والتدبير من رجالهم، إما لعجز كالزمني وذوي الهرم من الشيوخ، وإما لتدين
كالرهبان، وأصحاب الصوامع والديارات شباباً كانوا أو شيوخا، ففي إباحة قتلهم قولان:
أحدهما: قاله في كتاب حكم أهل الكتاب لا يجوز قتلهم، وهو مذهب أبي حنيفة لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اقتلوا الشرخ واتركوا الشيخ" الشرخ الشباب ومنه قول الشاعر:
على شرخ الشباب تحية فإن لقيت ددًا فقط من دد
والدد اللهو واللعب ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لست من دد ولا دد مني".
وروى أنس ابن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: انطلقوا بسم الله وعلى ملة رسول الله لا تقتلوا شيخاً فانياً ولا طفلًا ولا صغيراً ولا امرأة ولا تغلوا وخيموا غنائمكم وأحسنوا إن الله يحب المحسنين".
وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال لزياد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وشرحبيل ابن حسنة لما بعثهم إلى الشام: أوصيكم بتقوى الله، اغزوا في سبيل الله، وقاتلوا من كفر بالله، ولا تقتلوا ولا تغدروا، ولا تفسدوا في الأرض، ولا تعصوا ما تؤمرون، ولا تقتلوا الولدان، ولا النساء، ولا الشيوخ، وستجدون أقوال حبسوا أنفسهم على الصوامع فدعوهم، وما حبسوا له أنفسهم، وستجدون أقوامًا اتخذ الشيطان في أوساط رؤوسهم أفحاصًا فإذا وجدتموهم فاضربوا أعناقهم، والأفحاص أن يحلقوا
أوساط رؤوسهم يقال لهم الشماسة، ذكره أبو عبيدة، ولأن من لم يقاتل في الغزو لم يقتل في الأسر كالذراري.
والثاني: نص عليه في سير الواقدي واختاره المزني، يجوز أن يقتلوا لعموم قول الله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدتُّمُوهُمْ﴾.
وروى الحسن البصري عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اقتلوا شيوخ أهل الكتاب واستحييوا شرخهم" يعني استبقوا شبابهم أحياء ومنه قوله تعالى: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ ويَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾.
فأمر بقتل الشيوخ واستبقاء الشباب لأمرين:
أحدهما: أنه لا نفع في قتل الشيوع وفي الشباب نفع.
والثاني: أن رجوع الشباب عن كفره أقرب من رجوع الشيخ ويحتمل أن يريد بالشرخ غير البالغين وهو أشبه، لأن من كان من أهل القتال جاز قتله، وإن قعد عن القتال كالمقاتل، ولأن من استحق سهمًاإذا كان مسلماً جاز قتله، وإذا كان كافراً كالمقاتل.
فصل:
فإذا تقرر توجيه القولين فإن قيل بالأول إنهم لا يقتلون كانوا كالأسير إذا أسلم، فهل يرقون أو يكون الإمام فيهم على خياره؟ بين ثلاثة أحكام: أن يسترقهم، أو يفادي بهم، أو يمن عليهم على ما ذكرناه من القولين، وإن قيل بالقول للثاني إنهم يقتلون كانوا كالأسرى إذا لم يسلموا، فيكون الإمام فيهم على خياره بين أربعة أحكام: أن يقتل، أو يسترق، أو يفادي، أو يمن، فأما الأجراء فإنهم يقولون قولاً واحداً، ويكون الإمام فيهم على خياره بين الأحكام الأربعة، لأنهم أعوان علينا أو مقاتلة لنا.
فإن قيل: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن قتل الحسناء والوصفاء والعسفاء الأجزاء والوصفاء جمع وصيف، قيل إنما نهى عن قتلهم لئلا يقع التشاغل بهم عن قتل المقاتلة، لأنهم أذل نفوساً، وأقل نكاية، وأنهم لا يفوتون إن هربوا ولا يمتنعون إن طلبوا، وعلى مثل هذا حمل نهي أبي بكر رضي الله عنه عن قتل أصحاب الصوامع.
مسألة:
قال الشافعي: "وإذا أمنهم مسلم بالغ أو عبد يقاتل أو لا يقاتل أو امرأة فالأمان جائز قال صلى الله عليه وسلم: "المسلمون يد على من سواهم يسعى بذمتهم أذناهم".
قال في الحاوي: أما أمان المشركين فجائز لقول الله تعالى: ﴿وإنْ أَحَدٌ مِّنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ
فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ فيه تأويلان:
أحدهما: إن استغاثك فأغثه.
الثاني: وهو أصح إن استأمنك فأمنه، حتى يسمع كلام الله فيه تأويلان:
أحدهما: يعني سورة براءة خاصة ليعلم ما في حكم الناقض للعهد وحكم المقيم عليه والسيرة في المشركين
والفرق بينهم وبين المنافقين.
والثاني: يعني جميع القرآن ليهتدى به من ضلاله، ويرجع به عن كفره.
﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَامَنَهُ﴾ يعني بعد انقضاء مدة الأمان إن أقام على الشرك ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ﴾ فيه تأويلان:
أحدهما: لا يعلمون الرشد من الغي.
والثاني: لا يعلمون استباحة دمائهم عند انقضاء مدة أمانهم فدلت هذه الآية على جواز أمانهم، ودلت عليه السنة في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدنة مع قريش بالحديبية سنة ست على أن يأمنوا المسلمين ويأمنهم المسلمون.
فإذا صح بالكتاب والسنة جواز الأمان فهو ضربان: عام وخاص، فأما العام فهو الهدنة التي تعقد أمانة للكافة من المشركين، وهذه لا يجوز أن يتولاها إلا ولاة الأمر، فإن كانت لكافة المشركين في جمع الأقاليم لم يصح عقدها، إلا من الإمام الوالي على جميع المسلمين، وإن كانت لأهل إقليم صح عقدها من الإمام، أو من والي ذلك الإقليم لقيامه فيه مقام الإمام، ولا يصح من غيرهما من المسلمين بحال، وسيأتي الكلام في عقد الهدنة ومدتها.
وأما الأمان الخاص: فهو أن يؤمن من الكفار آحاد لا يتعطل بهم جهاد ناحيتهم كالواحد والعشرة إلى المائة وأمل قافلة، فان كثروا حتى تعطل بهم جهادهم صار عاماً، وهذا الأمان الخاص يجوز أن يعقده الواحد من المسلمين الأحرار البالغين العقلاء، سواء كان مريضاً أو مشروفًا، عالماً كان أو جاهلًا، قوياً كان أو ضعيفًا، لرواية محمد بن مسلمة أن رجلاً من المسلمين أمن كافراً فقال عمرو بن العاص، وخالد بن الوليد: لا يخير أمانه فقال أبو عبيدة الجراح ليس ذلك لكما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يجير على المسلمين بعضهم" فإن أمنته امرأة من المسلمين كان أمانها جائزا كالرجل.
روى محمد بن السائب عن أبي صالح عن أم هانئ بنت أبي طالب أنها قالت: قلت يا رسول الله: إني
أجرت حموين لي" وزعم ابن أمي أنه قاتلهما، يعني أخاها علي بن أبي طالب عام الفتح فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ".
وروى الزهري عن أنس قال: لما أسر أبو العاص بن الربيع قالت زينب عليها السلام: إني أجرت أبا العاص فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "قد أجرنا من أجارت زينب" واحتمل أمان زينب له أمرين:
أحدهما: أن يكون قبل أسره فيكون آمناً بأمانها.
والثاني: أن يكون قد أمنته بعد أسره، فيكون آمناً بإجارة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بأمانها
لأن أمان الأسير من عليه، وليس السن إلا لولاة الأمر وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم سبب منه عليه أمان بنته له رعاية لحقها فيه.
فصل:
وأما أمان العبد فجائز كالحر، سواء كان مأذوناً له في القتال أو غير مأذون له، وأجاز أبو حنيفة رحمه
الله أمانه إذا كان مأذوناً في القتال، وأبطله إذا كان غير مأذون له في القتال احتجاجاً بأمرين:
أحدهما: أن الأمان أحد حالتي القتال فلم يملكه العبد بغير إذن كالقتال.
والثاني: أن الأمان عقد فلم يسلكه العبد بغير إذن كالنكاح.
ودليلنا ما رواه الحسن عن قيس بن عبادة عن علي عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسهم بذمتهم أدناهم" أي عبيدهم، لأنهم أدنى من الأحرار بداً وحكماً، فسوى في الأمان بين من علا من الأحرار أو دنا من العبيد.
فإن قيل: المراد به أدناهم من الكفار جواراً، قيل: لا يصح حمله على الجار القريب الدار، لأن العبد يساويه فيه وكان جعله على العبد أولى من وجهين:
أحدهما: لدخوله في الجملة من غير إضمار.
والثاني: أن يعلم به ما يستفاد من مساواته للحر فيه وإن خالفه فيما عداه.
وروى فضيل بن زيد الرقاشي قال: جهز عمر بن للخطاب رضي الله عنه جيشًا كنت فيه، فحضرت موضعا يقال له صرياج قرية من قرى رامهرمز، فرأينا أنا سنفتحها اليوم فرجعنا حتى نقيل فبقي عبد منا فواطأهم وواطؤوه، فكتب لهم أمانا في صحيفة وشدها مع سهم رماه إليهم، فأخذوها وخرجوا بأمانه، فكتب بذلك إلى عمر، فقال: العبد المسلم رجل من المسلمين ذمته ذمتهم.
وهذا نص لم يخالف فيه فكان إجماعاً، ولأنه مكلف من المسلمين فصح أمانه كالمرأة، ولأن كل من صح أمانه إذا كان مأذونا له في القتال صح أمانه وإن كان غير مأذون له، كأمان الولد مع إذن للوالدين وأمان من عليه الدين بإذن صاحب الدين، يستوي في أمانه وجود الإذن في القتال وعدمه، ولأن القتال ضد الأمان فإذا صح أمان المأذون له في للقتال وهو ضد حاله فلأنه يجوز أمان غير المأذون له وهو موافق لحاله الأولى.
وأما الجواب عن قياسه على القتال فهو أن في القتال تغرير يفوت به منافع سيده وليس في ذلك الأمان.
وأما الجواب عن قياسه على النكاح: فهو أن عقد النكاح لا يدخل فيه غير عاقده،
فوقف على إذن سيده، وعقد الأمان يدخل فيه غير العاقد، فاستوي فيه العبد والسيد.
مسألة:
قال الشافعي: " ولو خرجوا إلينا بأمان صبي أو معتوه كان علينا ردهم إلى مأمنهم لأنهم لا يعرفون من يجوز أمانه لهم ومن لا يجوز".
قال في الحاوي: وهذا صحيح لأن الصبي والمعتوه لا حكم لقولهما لارتفاع القلم عنهما، فلم يصح عقد أمانهما كما لم يصح سائر عقودهما، فإن دخل بأمانهما كافر نظرت حاله، فإن علم بطلان أمانهما في شرعنا فهو والداخل بغير أمان، فيجوز قتله واسترقاقه، وإن لم يعلم بطلان أمانهما في شرعنا لم يجز إقراره في دار الإسلام، ووجب على الإمام رده إلى مأمنه لأنه قد تمكن من شبهة توجب حقن دمه.
فصل:
فأما إذا كان في يد المشركين أسير من المسلمين فأمن في حال أسره رجلًا من المشركين نظر، فإن أكره على الأمان لم يصح، لأن عقود المكره باطلة، وإن كان غير مكره، قال أبو حامد الإسفراييني: صح أمانه وأطلق جوابه بهذا، وعندي أنه نعتبر أمانه بحال من أمنه، فإن كان في أمان من المشرك صح أمانه لذلك المشرك، وإن لم يكن في أمان منه لم يصح أمانه له لآن الأمان ما اقتضى التساوي فيه، فإذا صح أمانه فيه كان في أمان المسلمين ما كان مقيمة في دار الحرب، إن دخل دار الإسلام روعي عقد أمانه، فإن شرط فيه أمانه في دار الإسلام وكان أمنا فيها، وإن كان مطلقا لم يكن له فيها أمان وكان مقصوراً على أمانه منهم في دار الحرب، لأن إطلاق العقد يتوجه إلى دار العقد لاختلاف الدارين في الحكم.
فصل:
فإذا تقرر من يصح منه الأمان فالحكم فيه يشتمل على خمسة فصول:
أحدها: ما ينعقد به الأمان وهو ضربان: لفظ وإشارة.
فأما اللفظ: فينقسم ثلاثة أقسام:
أحدها: ما كان صريحًا وذلك مثل قوله: أنت آمن، أو في أمان، أو قد أمنتك، أو يقول: أنت مجار، أو قد أجرتك، أو يقولن لا بأس عليك، فهذا وما شاكله صريح في عقد الأمان، لا يرجع فيه إلى نية، ولو قال: لا خوف عليك كان صريحاً، ولو قال: لا تخف لم يكن صريحاً، لأن قوله: لا خوف عليك نفى للخوف فكان صريحًا، وقوله: لا تخف نهي عن الخوف فلم يكن صريحًا.
والثاني: ما كان كناية يرجع فيه إلى الإرادة فمثل قوله ن أنت على ما تحب، أو كن كيف شئت، لاحتمال أن يكون على ما أحبه من الكفر أو على ما تحبه من الأمان، فلذلك صار كناية إلى ما شاكل ذلك من الألفاظ المحتملة.
والثالث: ما لم يكن صريحا ولا كناية، وذلك مثل قوله: ستذوق وبال أمك، وسترى عاقبة كفرك، أو سينتقم الله منك، فهذا وما شاكله وعيد وتهديد لا ينعقد به الأمان.
وأما الإشارة فضربان: مفهومة، وغير مفهومة.
فإن كانت غير مفهومة لم يصح بها الأمان لا صريحاً ولا كناية، وإن كانت مفهومة انعقد بها الأمان إن أراد المثير ولا ينعقد بها إن لم يرده، لكن يجب أن يرد بها إلى مأمنه، ويكون كناية يرجع إلى قوله فيما أراد فان قيلا.
لو أشار بالعتق والطلاق ارتفعا مع الإرادة، فكيف صح بهما عقد الأمان مع الإرادة.
قيل: لأن الأمان ينتقص بالقول والإشارة، فصح عقده بالقول والإشارة، وبذلك خالف ما عدله من العتق والطلاق ولا يتم الأمان بعد بذله إلا أن يكون من المبذول له ما يدل على قبوله وذلك بأحد أمرين إما أن يبتدئ بالطلب والاستجارة فيبذله له بعد طلبه.
وإما أن يعقب البذل الممتدة بالقبول أو بالدعاء والشكر أو بالإشارة الدالة عليه فيما يقدم ذلك مقام للقبول الصريح، لأن حقوق الأمان مشتركة فلم تلزم إلا باجتماعها عليه، ولأنه عقد فروعي فيه أحكام البذل والقبول.
والفصل الثاني: من ينعقد معه الآمان، وهو من لم يحصل في الأسر من رجل أو امرأة، ويمنع الأمان من أسره واسترقاقه وندائه استصحاباً لحاله قبل أمانه.
فأما الأسير فله ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يصير في قبضة الإمام، فلا يصح أن يؤمنه غير الإمام، لما أوجبه الأسر من اجتهاد الإمام، فلم يصح الافتيات عليه، فإن أمنه الإمام صح أمانه، ومنع الإمام من قتله ولم يمني من استرقاقه وفدائه، لأن ما أوجبه إسلامه من أمينه أوكد من بذل الأمان له، فلما لم يمنع الإسلام من استرقاقه وفدائه كان أولى لا يمنع منهما عقد أمانه.
والثانية: أن يصير في قبضة أمير الثغر، فلا يصح أن يؤمنه إلا الإمام لعموم ولايته، أو أمير الثغر لأنه في ولايته فأيهما سبق بأمانه لم يكن للآخر نقضه.
والثالثة: أن يكون باقيا في يد من أسره، ولم يصر في قبضة الإمام فلا يخلو حال من أمنه من أربعة أقسام:
أحدها: أن يؤمنه الذي هو في أسره فيصح أمانه، وإن لم يصح منه أمان من صار في قبضة الإمام، لأنه لما جاز له أن يقتل أسيره، صح أن يؤمنه، ولما لم يصح أن يقتل من في أسر الإمام لم يصح أن يؤمنه، ويمني الأمان من قتله، فأما استرقاقه ونداؤه فلا يرتفع به ما كان باقيا في أسره، فإن فك أسره امتنع استرقاقه وفداؤه، فيكون القتل مرتفعًا
بلفظ الأمان والاسترقاق والفداء مرتفعان بزوال اليد.
والثاني: أن يؤمنه الإمام فيصح أمانه ويرتفع بالأمان قتله، لأن أمان الإمام أعم، ولا يرتفع به
استرقاقه
وفداءه، ولأن فك أسره بخلاف أمان الذي أسره، لأن يد الإمام في حق جميع المسلمين، ويد
الذي أسره في حق نفسه.
والثالث: أن يؤمنه أمير الثغر فإن كان الأسير من ثغره صح أمانه، وإن كان من غير ثغره لم
يصح أمانه لخروجه عن ولايته.
والرابع: أن يؤمنه غيرهم، ممن لا يد له ولا ولأية فلا يصح أمانه، ولا يرتفع به قتل ولا استرقاق
ولا فداء، لأن الأسر قد أثبت فيه حقاً لغيره، فلم يملك إسقاطه بأمانه، وصار كأمانه لمن في
أسر الإمام.
والفصل الثالث: دخوله ماله في عقد الأمان وهو ضربان:
أحدهما: أن يكون الأمان مطلقًا لم يشترط فيه دخول المال، فيقول: قد أمنتك على نفسك، فيدخل في ماله في الأمان على نفسه ما يلبسه من ثيابه التي لا يستغني عنها وما يستعمله من آلته التي لا بد له منها، وما ينفقه في مدة أمانه اعتبارا بضرورته والعرف الجاري، فمن لم ينسب إلى يسار وإعسار، ولا يدخل فيه ما عداه من أمواله، فأما مركوبه فإن كان ممن لا يستغنى عنه دخل في أمانه، وإن استغنى عنه لم يدخل فيه، وكان ما سوى ذلك من أمواله غنيمة، وكذلك ذراريه وسواء كان الباذل لهذا الأمان الإمام أو غيره من المسلمين.
والثاني: أن يبذل له الأمان على نفسه وماله، فيشترط له دخول ماله في أمانه فهذا على
ضربين: أحدهما: أن يكون ماله حاضرًا، فيصح أن يؤمنه عليه الإمام، وغيره من المسلمين، لأن المال تبع، فإذا صح الأمان للأصل كان في التبع أصلح.
والثاني: أن يكون المال غائباً، فلا يصح بذل الأمان له إلا من الإمام بحق الولاية العامة، ولا يصح من غيره من المسلمين للذين لا ولاية لهم، وكذلك ذراريه إن كانوا حضورًا معه صح أن يبذل الأمان لهم وغيره، وإن كانوا غيبة لم يصح بذل الأمان لهم إلا من الإمام أو من قام مقامه من ولاة الثغور، ولا يصح ممن لا ولاية له من المسلمين لأنه اجتهاد في نظر.
والفصل الرابع: الموضع الذي ينعقد عليه الأمان وهو على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يبذل له الأمام في بلاد الإسلام كلها، فيصح ويلزم أن يكون أمنًا في جميعها، سواء كان الباذل له واليًا أو غير والي لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "يسعى بذمتهم أدناهم".
والثاني: أن يبذل له الأمان في بلد خاص، فيلزم أن يكون آمنًا في ملك البلد، وفي الطريق إليه في دار الحرب ولا أمان له فيما سوى ذلك من البلاد اعتبارًا بالشرط، وإن الطريق إليه مستحق.
والثالث: أن يكون موضع الأمان مطلقة غير عام، ولا معين فيكون حكمه معتبراً بحال الباذل للأمان ولا يخلو حاله من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون هو الإمام، فيقتضي إطلاق أمانه أن يكون آمنًا في جميع بلاد الإسلام لدخول جميعها في نظره.
والثاني: أن يكون الباذل له وإلى الإقليم، فيكون إطلاق الأمان موجبًا لأمانه في بلاد عمله، ولا يكون له أمان في غيرها من بلاد الإسلام لقصور نظره عليها، فإن عزل عن بعضها لم يزل أمانه منها، وإن قلد غيرها لم يدخل أمانه فيها اعتبارًا بعمله وقت أمانه.
والثالث: أن يكون الباذل له أحد المسلمين، فيكون إطلاق أمانه مقصورًا على البلد الذي يسكنه بازل الأمان، فإن كان مضرًا لم يتجاوز إلى قراه، وإن كان قرية لم يتجاوزها إلى مصيرها اعتبارًا بما يضاف إليه، ويكون طريقه منها إلى دار الحرب داخلًا في أمانه مجتازًا لا مقيماً اعتبارًا بقدر الحاجة.
والفصل الخامس: مدة الأمان وهي مقدرة الأكثر بالشرخ ومقدرة الأقل بالعقد، فأما أكثرها ففيه نص واجتهاد، فأما النص بأربعة أشهر لقول الله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أربعة أَشْهُرٍ﴾.هذا أمان من الله تعالى للمشركين وفي قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ﴾ تأويلان:
أحدهما: تصرفوا فيها كيف شئتم.
والثاني: سافروا فيها حيث شئتم، وأما الاجتهاد فلا يجوز أن يبلغ به سنة إلا بجزية إن كان من أهلها، فيصير يبذلها من أهل الذمة، وقيما بين أربعة أشهر وسنة وجهان:
أحدهما: لا يجوز أمانه فيها لمجاوزتها النص كالسنة.
والثاني: يجوز أمانه فيها لقصورها عن مدة الجزية كالنص في الأربعة، فإذا استقر أكثر مدته بالشرع لم يخل حال من الأمان من أن بكون مطلقًا أو مقيداً، فإن كان مطلقا لم يقيل بمدة حمل على أكثر المدة المشروعة نصاً، ولا يحمل على المقدرة اجتهادًا، لأنه لم يتقدر به وقت الأمان حكم مجتهد، فانعقدت على مدة النص دون الاجتهاد وليس له فيما بعدها أمان يمنع الشرع منه، لكن لا ينتقض أمانه إلا بعد إعلامه انقضاء المدة الشرعية، ويجب أن يرد يعدها إلى مأمنه، وإن كان الأمان مقيدًا بمدة فعلى ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يقدر بالمدة المشروعة نصًا واجتهادًا، فيجب أن يستوفيها بمقامه، فإن كان أمانه في بلد بعينه جاز أن يستوفي المدة بمقامه فيه، وله بعد انقضائها الأمان في مدة عوده إلى بلده، وإن كان الأمان عاما في بلاد الإسلام كلها انتقض أمانه بمضي المدة، ولم يكن له أمان في قدر مسافة لاتصال دار الإسلام بدار الحرب، فصار ما اتصل بدار الحرب من بلاد أمانه، فلم يحتج إلى مدة مسافة الانتقال منها بخلاف للبلد المعين، ولا يجوز إذا تجاوزها أن يسين حتى يرد إلى مأمنه.
والثاني: أن تقدر مدة أمانه بأقل من المدة المشروعة.
كإعطائه أمان شهر فلا نتجاوز مدة الشرط إلى
مدة الشرع اعتبار بموجب العقد، ويكون بعد انقضائها على ما مضى.
والثالث: أن تقدر مدة أمانه بأكثر من المدة المشروعة كإعطائه أمان سنة أو أمان الأبد فيبطل الأمان قيما زاد على المدة المشروعة نصاً واجتهاداً ويصير مقصوراً على المدة المشروعة نصاً واجتهاداً، ويصح فيها قولًا واحدًا، وخرج بعض أصحابنا فيه قولًا ثانيًا من تفريق الصفقة إذا جمعت سحبة وفاسداً تعليلًا بتفريقها بأن اللفظة تعمها ولا وجه لهذا التخريج لأنه من عقود المصالح العامة التي هي أوسع من أحكام العقود الخاصة ويجب إعلامه يحكمنا وهو على أمانه ما لم يعلم فإذا علم زال الأمان ووجب رده إلى مأمنه.
فصل:
وإذا دخل مشرك دار الإسلام وادعى دخولها بأمان رجل من أهلها، فإن كان قبل أسره قبل فيه إقرار من ادعى أمانه، وإن كان بعد أسره لم يقبل إقراره إلا ببينة تشهد بالأمان، لأنه قبل الآسر يملك أن يستأنف أمانه فملك الإقرار به، ولا يملك أن يستأنف أمانه بعد الأسر، فلم يملك الإقرار به كالحاكم يقبل قوله فيما حكم به في ولايته، ولا يقبل قوله فيه بعد عزله إلا ببينة تشهد به، والبينة على أمانه شاهدان عدلان، ولا يقبل منه شاهد وامرأتان لأنه يسقط بها القتل عنه نفسه، وبينة القتل شاهدان، ولو كان هذا في أسير قد أسلم فادعى تقدم إسلامه قبل أسره طولب بالبينة، ويجوز أن يقبل في بينته شاهد وامرأتان، لأنها بينة لنفي الاسترقاق والفداء دون القتلى وذلك من حقوق الأموال الثابتة بشاهد وامرأتين فلذلك، ما افترق حكم البينتين، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي: "ولو أن علجًا دل مسلمين على قلعة على أن له جارية سماها فلما انتهوا إليها صالح صاحب القلعة على أن يفتحها لهم ويخلوا بينه وبين أهله ففعل فإذا أهله تلك الجارية فأرى أن يقال للدليل إن رضيت العوض عوضناك بقيمتها وإن أبيت قيل لصاحب القلعة أعطيناك ما صالحنا عليه غيرك بجهالة فإن سلمها عوضناك وإن لم تفعل نبذنا إليك وقتلناك فإن كانت أسلكن قبل الظفر أو مات تعوض ولا يبين ذلك في الموت كما يبين إذا أسلكت".
قال في الحاوي: وأصل هذا أنه يجوز للإمام ووالي الجهاد أن يبذل في مصالح المسلمين وما يفضي إلى ظفرهم بالمشركين ما يراه من أموالهم وأموال المشركين، لقيامه
بوجوه المصالح، وذلك بأن يقول: من دلنا على أقرب الطرق، أو من أوصلنا إلى القلعة، أو أرشدنا إلى مغنم، أو أظفرنا بأسباب الفتح من احتلال مضيق، وشعب حصون، أو كان عيناً لنا عليهم ونقل أخبارهم، فله كذا وكذا، فهذه جعالة يصح عقدها لمن أجاب إليها من مسلم، ومشرك، لعودها بنفع للجاعل والمستعجل، ويجوز أن يكون العوض فيها من أموال المسلمين، ومن أموال المشركين، فإن كانت من أموال المسلمين لم يصح إلا أن يكون العوض معلومًا، إما معينًا، أو في الذمة فالمعين أن يقول: فله هذا العبد، وفي الذمة أن يقول: فله مائة دينار، فإن كان مجهولاً لم يصح، لأن ما أمكن نفي الجعالة عنه منعت الجهالة من صحته كسائر العقود، وإن كان العوض من أموال المشركين، صحت الجهالة، وإن كان العوض فيها مجهولًا وبما ليس في الحال مملوكاً فتكون الجعالة بأموالهم مخالفة للجعالة بأموال المسلمين من وجهين:
أحدهما: جوازها مجهول
والثاني: جوازها بغير مملوك.
ودليله ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صالح بني النضير على أن يأخذوا ما تستوقره الإبل إلا المال والسلاح وهذا مجهول وغير مملوك.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل في البدأة الربع، وفي الرجعة الثلث، وذلك من غنيمة مجهولة وغير مملوكة.
وروى عدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: مثلت لي الحيرة كأنياب الكلاب وأنتم ستفتحونها فقام رجل فقال يا رسول الله هب لي بنت بقيلة، فقال: هي لك، فلما فتحها أصحابه أعطوه الجارية، فقال أبوها: أتبيعها، فقال: نعم بألف فأعطاه الألف فقيل له لو طلبت ثلاثين ألفًا أعطاك، فقال: وهل عدد أكثر من ألف.
وروي أن أبا موسى الأشعري حاصر مدينة السوس، فصالحه دهقانها على أن يفتح له المدينة، ويؤمن مائة رجل من أهلها، فقال أبو موسى: إني لأرجو أن يخدعه الله عن نفسه فلما عزلهم قال له أبو موسى: أفزعت قال: نعم فأمنهم أبو موسى، وقال: الله أكبر، وأمر بقتل الدهقان قال: أتغدر بي وقد أمنتي قال: أمنت العدة التي سميت، ولم تسم نفسك فنادي بالويل وبذل مالاً كثيراً، فلم يقبل منه وقتله.
فصل
فإذا صح ما ذكرنا فصورة مسألتنا في علج اشترط أن يدل المسلمين على قلعة على أن يعطوه جارية منها سماها فدلهم عليها، فهذا شرط صحيح تصح به الجعالة مع الجهالة لما قدمناه، ولا يخلو حال القلعة بعد الوصول إليها من أن يظفر المسلمون بفتحها، أو لا يظفروا، فإن لم يظفروا بفتحها فلا شيء للدليل لأنه لما شرط جارية منها صارت جعالته مستحقة بشرطين: الدلالة، والفتح، فلم يستحقها بأحد الشرطين، ولو جعل شرطه في
الجعالة شيئا في غير القلعة استحقه بالدلالة وإن تعذر فتحها، لأنها معلقة بشرط واحد وهو الدلالة وقد وجدت وإن ظفروا بالقلعة وفتحوها فعلى ضربين:
أحدهما: أن يظفروا بفتحها عنوة حال الجارية فيها من أحد أربعة أقسام:
أحدها: أن لا تكون من أهل القلعة، ولا فيها فلا شيء للدليل لاشتراط معدوم ويستحب لو أعطى رضخاً، وإن لم يستحقه، فلو وجدت الجارية في غير القلعة نظر، فإن كانت من أهل القلعة كان كوجودها في القلعة فيستحقها الدليل على ما سنذكره، وإن كانت من غير أهل القلعة، فلا حق للدليل فيها، لأنه اشترط جارية من القلعة، وليست هذه منها ولا من أهلها.
والثاني: أن تكون الجارية موجودة في القلعة باقية على شركها، فيستحقها الدليل ولا حق فيه للغانمين، ولا يعاوضهم الإمام عنها لاستحقاقها قبل الفتح، فصارت كأموال من أسلم قبل الفتح.
والثالث: أن تكون الجارية موجودة في القلعة، وقد أسلمت فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون إسلامها قبل القدرة عليها فهي حرة، ولا يجوز استرقاقها فلا يستحقها الدليل، لمنع الشرع منها ويستحق قيمتها، لأن شرعنا منعه منها، فلذلك وجب أن يعاوض عنها بقيمتها، وسواء كان الدليل مسلم أو كافرًا.
والثاني: أن يكون إسلامها بعد القدرة عليها، فهي مسترقة لا يرتفع رقها بالإسلام وللدليل حالتان: إحداهما: أن يكون مسلماً فيستحق الجارية.
والثانية: أن يكون كافراً ففيه قولان، بناء على اختلاف قوليه في الكافر إذا ابتاع عبدًا مسلمًا.
فأحد قوليه: إن البيع باطل فعلى هذا لا يستحق الجارية وتدفع إليه قيمتها، فإن أسلم من بعد
لم يستحقها لانتقال حقه منها إلى قيمتها.
والثاني: إن البيع صحيح، ويمنع من إقراره على ملكه، فعلى هذا يستحق الدليل الجارية وإن كان كافرًا، ويمنع منها حتى يبيعها، أو يسلم فيستحقها، فإن لم يفعل أحد هذه الثلاث بيعت عليه جبراً ودفع إليه ثمنها.
والرابع: أن توجد الجارية في القلعة ميتة فقد ذكر الشافعي ها هنا كلامًا محتملًا في غرام القيمة
له خرجه أصحابنا على قولين:
أحدهما: له قيمتها كما لو أسلمت، لأنه ممنوع منها في الحالين.
والثاني: لا قيمة له، لأن الميتة غير مقدور عليها فصار كما لو لم تكن فيها، وخالفت التي أسلمت لمنع الشرع منها مع القدرة على تسليمها، وعندي أن الأولى من إطلاق هذين القولين أن ينظر فإن كان موتها بعد القدرة على تسليمها استحق قيمتها، وإن كان قبل القدرة على تسلمها فلا قيمة له ويجوز أن يكون إطلاق الشافعي محمولًا على
هذا التفصيل فهذا حكم فتحا القلعة عنوة.
فصل:
والضرب الثاني: أن تفتح صلحا فهذا على ضربين:
أحدهما: أن لا تدخل الجارية في الصلح، فيكون الحكم فيها على ما مضى من فتحها عنوة.
والثاني: أن تدخل في الصلح، وهو أن يصالحنا على فتحها على أن يخلي بينه وبين أهله، وتكون هي
من أهله وهي مسألة الكتاب فقد تعلق بها حقان:
أحدهما: للدليل في عقد جعالته.
والثاني: لصاحب القلعة في عقد صلحه وكلا العقدين محمول على الصحة.
وقال أبو إسحاق المروزي الأول صحيح، والثاني باطل اعتبارًا بعقدي النكاح وعقدي البيع، لأنه لا يمكن الجمع بينهما فصح أسبقهما وهذا القول فاسد من وجهين:
أحدهما: أن حكم هذا العقد أوسع من حكم العقود الخاصة، لجواز بمجهول وغير مملوك.
والثاني: أن الأول لو كفى أمضينا صلح الثاني، ولو فسد لم يمض إلا بعقد مستجد وإذا كانا صحيحين والجمع بينهما غير ممكن لتنافيهما، والاشتراك بينهما غير جائز لامتناعه فيبدأ بخطاب الدليل لتقدم عقده فيقال له جعلنا لك جارية وصالحنا غيرك عليها عن جهالة بها، وليس يجوز أن سينزلك عنها جبرًا، لتقدم حقك فيها افتراض أن تعدل عنها إلى غيرها من جواري القلعة أو إلى قيمتها، فإن رضي بذلك فعلناه، وأمضينا صلح القلعة عليها، وإن امتنع الدليل أن يعدل عنها قلت لصاحب القلعة: قد صالحناك عليها بعد أن جعلناها لغيرك على جهالة افترض بأخذ غيرها في صلحك أو ثمنها، فإن رضي بذلك فعلناه ودفعناها إلى الدليل وإن امتنع أن يعدل عنها إلى غيرها لم يجبر على انتزاعها من يده لما عقدناه من صلحه، وقيل: قد تقدم فيها حق الدليل على حقك وعلينا بعقد صلحك الذي لا تقدر على إمضائه أن نعيدك إلى مأمنك، ثم تكون من بعده لك حربًا، فإذا رد إلى مأمنه مكن من التحصن والاحتراز على مثل ما كان عليه قبل صلحه من غير من زيادة عليه، ولا نقصان منه، وكنا له بعد التحصن حربًا، وإن فتحت القلعة عنوة كان حكم الجارية في تسليمها إلى الدليل مستحقًا على ما مضى، وإن لم نفتحها عنوة وعدنا عنها فلا سيء للدليل لما ذكرنا ويستحب أن لو رضخ له من سهم المصالح وإن لم يجب فلو عدنا إلى القلعة بعد الانصراف عنها وفتحناها عنوة فعل يستحق الدليل الجارية أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لا يستحقها، لأنها لم تفتح بدلالته.
والثاني: يستحقها، لأن الوصول إلى فتحها بدلالته.
مسألة:
قال الشافعي:" وإن غزت طائفة بغير أمر الإمام كرهته لما في إذن الإمام من معرفته بغزوهم ومعرفتهم ويأتيه الخبر عنهم فيعينهم حيث يخاف هلاكهم فيقتلون ضيعة.
قال الشافعي رحمه الله: ولا أعلم ذلك يحرم عليهم وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الجنة فقال له رجل من الأنصار: إن قتلت يا رسول الله صابراً محتسباً؟ قال:" فلك الجنة" قال فانغمس في العدو فقتلوه وألقى رجل من الأنصار درعا كان عليه، حين ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الجنة، ثم انغمس في العدو فقتلوه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم قال: فإذا حل للمنفرد أن يتقدم على أن الأغلب أنهم يقتلونه كان هذا أكثر مما في الانفراد من الرجل والرجال بغير إذن الإمام وبعث رسول الله عمرو بن أمية الضمري ورجلًا من الأنصار سرية وحدهما وبعث عبد الله بن أنيس سرية وحدة فإذا سن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتسرى واحد ليصيب غرة ويسلم بالحيلة أو يقتل في سبيل الله فحكم الله تعالى أن ما أوجف المسلمون غنيمة".
قال في الحاوي: وهو كما ذكر يكره أن يغزو قوم بغير إذن الإمام لأمرين:
أحدهما: أنه أعرف بجهاد العدو منهم.
والثاني: أنه إذا علم أعانهم وأمدهم فعلى التعليل الأول يكره لهم ذلك في حق الله تعالى، وعلى
التعليل الثاني يكره لهم ذلك في حقوق أنفسهم، وإن غزوا بغير إذنه لم يحرم عليهم وسواء كانوا
في منعة أو غير منعة.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: يحرم عليهم إلا أن يكونوا في منعه قال أبو يوسف: المنعة عشرة، وهذا
فاسد لأمرين:
أحدهما: أن العدد ليس بشرط في الإباحة فقد أنفذ رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري ورجلًا من الأنصار سرية وحدهما، وأنفذ عبد الله بن أنيس سرية وحده لقتل خالد بن سفيان الهذلي وهو في العدة والعدد، وأنفذ محمد بن مسلمة لقتل كعب بن الأشرف، فقتله، وأنفذ نفراً لقتل ابن أبي الحقيق فقتلوه.
والثاني: أنه ليس في القلة أكثر من بذل النفس، وجهاد العدو، وهذا غير محظور قد حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على القتال وذكر الجنة فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله إن قتلت صابراً محتسباً ما الذي له.
قال: الجنة فانغمس في العدو حتى قتل.
فصل:
فإذا تقرر أنه لا يحرم عليهم لم يخل حال ما أخذوه من المال من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يأخذوه عنوة بقتال فهذا غنيمة يخمسه الإمام ويقتسموا أربعة أخماسه
بينهم.
وقال أبو حنيفة: يتركه الإمام عليهم ولا يخمسه.
وقال الأوزاعي: الإمام مخير في أخذ خمسه منهم، أو ترك جميعه عليهم، أو تخميسه، وقسم أربعة أخماسه بينهم.
وقد دللنا على وجوب تخميسه بما مضى، ولا تأديب عليهم.
وقال الأوزاعي: يؤدبهم الإمام عقوبة لهم وهذا خطأ، لأنه ليس في الانتقام من أعداء الله تأديب.
والثاني: أن يأخذوا المال صلحاً بغير قتال، فهذا المال فيء لا يستحقونه يكون أربعة أخماسه لأهل الفيء
وخمسه لأهل الخمس.
والثالث: أن يأخذوا المال اختلاساً بغير قتال، ولا صلح.
قال أبو إسحاق المروزي: يكون ذلك فيئًا لا حق لهم فيه، لوصوله بغير إيجاف خيل ولا ركاب، وعندي أن يكون غنيمة يملكون أربعة أخماسه، لأنهم ما وصلوا إليه عفوًا حتى غرروا بأنفسهم فصار كتغريرهم بها إذا قاتلوا.
مسألة:
قال الشافعي:" ومن سرق من الغنيمة من حر أو عبد حضر الغنيمة لم يقطع لأن للحر سهما ويرضخ للعبد ومن سرق من الغنيمة وفي أهلها أبوه أو أبنه لم يقطع وإن كان أخوه أو امرأته قطع.
قال المزني رحمه الله: وفي كتاب السرقة: إن سرق من امرأته لم يقطع".
قال في الحاوي: وجملة ذلك أن الغنائم إذا أحرزت بعد إجازتها لم يجز لأحد من الغانمين وغيرهم أن يتعرض لها قبل قسمها، ولمستحقها مطالبة الإمام بقسمها فيهم فإن هتك حرزها من سرق منها نصاب القطع فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون خمسها باقيًا فيها لم يخرج منها فلا قطع على السارق منها، سواء كان من الغانمين أو من غيرهم، لأنه إن كان من الغانمين فله في أربعة أخماسها سهم وفي خمسها من سهم المصالح حق وهي شبهة واحدة يسقط بها عنه القطع.
والثاني: أن يخرج خمسها منها فتصير أربعة أخماسها مفرداً للغانمين، وخمسها مفرداً لأهل الخمس فهذا على ضربين:
أحدهما: أن تكون السرقة من أربعة أخماس الغنيمة فلا يخلو حال السارق من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون ممن حضر الوقعة من ذي سهم، كالرجل الحر، وذي رضخ
كالمرأة والعبد فيهما سواء، لأن الرضخ يستحق وإن نقص عن السهم كنقصان سهم الراجل عن سهم الفارس فكانا حقين واجبين فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يسرق منها ما يجوز أن يكون بقدر حقه، فلا قطع عليه نص عليه الشافعي وأجمع عليه أصحابه، لهم في تعليله وجهان:
أحدهما: أنها شبهة في هتك حرزها.
والثاني: أنها شبهة في أخذ حقه منها
والضرب الثاني: أن يسرق منها ما يعلم أنه قطعا أكثر من حقه ففي وجوب قطعه في الزيادة،
إذا بلغت نصاباً وجهان أشار إليهما أبو إسحاق المروزي في شرحه:
أحدهما: لا يقطع وهو مقتضى قول من علل بالشبهة في هتك الحرز، لأن المال صار بها في
غير حرز.
والوجه الثاني: يقطع وهو مقتضى قول من علل بالشبهة في أخذ الحق، لأن الزيادة ليس فيها حق، ويتفرع على هذين الوجهين أن يكون له رجل دين فيتوصل إلى هتك حرزه ويأخذ الزيادة على قدر دينه فيكون قطعه في الزيادة على وجهين.
والقسم الثاني: أن يكون السارق ممن لم يحضر الوقعة، ولا يتصل بمن حضرها فيجب قطعه فيها لارتفاع شبهته، وعلى قول أبي حنيفة لا يقطع، لأنها عن أصل مباح.
والقسم الثالث: أن يكون السارق ممن لم يحضر الوقعة لكن له اتصال بمن حضرها فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون اتصالهما لا يمنع من وجوب القطع بينهما كالأخ يقطع إذا سرق من أخيه كذلك إذا سرق من غنيمة حضرها أخوه قطع.
والثاني: أن يكون اتصالهما يمنع من وجوب القطع بينهما كالولد مع الأبوين لا يقطع أحدهما في مال الآخر وكالعبد مع سيده لا يقطع في ماله، كذلك إذا سرق من غنيمة حضرها واحد من والديه، أو مولوديه لم يقطع وكذلك لو حضرها عبده، أو سيده لم يقطع فأما الزوج والزوجة ففي كل واحد منهما في مال صاحبه قولان: أحدهما: لا يقطع وهو قول أبي حنيفة فعلى هذا لا يقطع في الغنيمة إذا حضرها زوج، أو زوجة، ولا إذا حضرها عبد أو زوجة.
والثاني: يقطع وهو قول مالك، فعلى هذا يقطع في الغنيمة وإن حضرها هؤلاء فهذا حكم السرقة من أربعة أخماس الغنيمة.
فصل:
والضرب الثاني: أن يسرق من خمس الغنيمة فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون خمس الخمس وهو سهم المصالح منها باقياً فيها فلا قطع على سارقها، لأن فيها من سهم المصالح حقا فصار شبهة في سقوط القطع عنه (سواء) كان
ممن حضر الوقعة أو لم يحضرها، لأن سهم المصالح عام.
والثاني: أن يكون سهم المصالح، وهو خمس الخمس أفرد فسرق من أربعة أخماس الخمس فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون من أهل ذلك، ومستحقيه كذوي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، فلا قطع عليه ويكون كالغانم إذا سرق من أربعة أخماس الغنيمة
والثاني: أن لا يكون من أهل ذلك، ولا مستحقيه ففي وجوب قطعة وجهان:
أحدهما: يقطع كأربعة أخماس الغنيمة إذا سرق منها غير مستحقيها.
والثاني: لا يقطع، لأنه قد يجوز أن يصير من مستحقيه في ثاني حال بخلاف الغنيمة التي لا يجوز أن يصير من مستحقيها في ثاني حال.
روى إبراهيم ألنخعي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ادرؤوا الحدود فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة فإذا وجدتم لمسلم مخرجاً فادرؤوا عنه الحد ما استطعتم.
مسألة:
قال الشافعي:" وما افتتح من أرض موات لمن أحياها من المسلمين"
قال في الحاوي: فتح بلاد المشركين ضربان: عنوة وصلح، فأما بلاد العنوة فضربان: عامر، وموات.
فأما العامر فملك للغانمين لا يشركهم فيه غيرهم، وأما الموات فضربان:
أحدهما: أن يذبوا عنه، ويمنعوا منه فيكون كالذب في حكم العامر يختص به الغانمون دون غيرهم لأن الذب عنه كالتحجير عليه والمتحجر على الموات أحق به من غيره كذلك حكم هذا الموات.
والثاني: أن لا يذبوا عنه فيكون في حكم موات بلاد المسلمين، من أحياه منهم ملكه ولا يختص بالغانمين، وأما بلاد الصلح فضربان:
أحدهما: أن يصالحهم على الأرضين لنا ويقرها معهم بخراج يؤدونه إلينا فيكون مواتها كمواتنا يملكه من أحياه من المسلمين لاستوائهم فيه، وتصير الأرض بهذا الصلح دار الإسلام ولا يملكون ما أحيوه من هذا الموات كما لا يملكوه أهل الذمة إذا أحيوه من دار الإسلام.
والثاني: أن يصالحهم على أن الأرض لهم ويقرون عليها بخراج يؤدونه عنها فتكون الأرض باقية على ملكهم، ولا تصير بهذا الصلح دار إسلام ويكون مواتها كموات دار الحرب إن أحيوه ملكوه، وإن أحياه المسلمون لم يملكوه، لأن اليد مرتفعة عن دارهم
والصلح إنما أوجب الكف عنهم وأخذ الخراج منهم.
مسألة:
قال الشافعي:" وما فعل المسلمون بعضهم ببعض في دار الحرب لزمهم حكمه حيث كانوا إذا جعل ذلك لإمامهم لا تضع الدار عنهم حد الله ولا حقا لمسلم.
وقال في كتاب السير: يؤخر الحكم عليهم حتى يرجعوا من دار الحرب".
قال في الحاوي: وهذا كما قال كل معصية وجب بها الحد في دار الحرب على المسلم أو الذمي سواء كان فيها الإمام أو لم يكن.
وقال أبو حنيفة: يجب بها الحد إن كان الإمام فيها ولا يجب إن لم يكن فيها احتجاجًا يقول النبي صلى الله عليه وسلم:" منعت دار الإسلام ما فيها، وأباحت دار الشرك ما فيها" وفرق بين الدارين في الإباحة والحظر كما فرق بينهما في السبي والقتل فأوجب ذلك وقوع الفرق بينهما في وجوب الحد.
ودليلنا عموم الآيات في الحدود الموجبة للتسوية بين دار الإسلام ودار الحرب قول النبي صلى الله عليه وسلم:" من أتى من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله فإنه من بيد لنا صفحته نقم حد الله عليه" فعم ولم يخص، ولأنها حدود تجب في دار الإسلام فاقتضى أن تجب بغيبة الإمام كدار الإسلام ولأنه لما استوت الداران في تحريم المعاصي وجب أن تستويا في لزوم الحدود، ولأنه لما لم تختلف أحكام العبادات من الصلاة والزكاة، والصيام باختلاف الدارين وجب أن لا تختلف أحكام المعاصي باختلاف الدارين.
فأما الخبر فمحمول على إباحة ما تصح استباحته من الأموال والدماء وليس بمحمول على ما لا يجوز
استباحته من الكبائر والمعاصي.
فصل:
فإذا ثبت وجود الحدود، فيها نظر، فإن لم يكن في دار الحرب من يستحق إقامتها أخرت إلى دار الإسلام حتى يقيمها الإمام، وإن كان في دار الحرب من يقيمها وهو الإمام، أو من ولاه الإمام إقامتها من ولاة الثغور والأقاليم نظر، فإن كان له عذر يمنعه من إقامتها لتشاغله بتدبير الحرب، أو لحاجته إلى قتال المحدود أخر حده إلى دار الإسلام وإن لم يكن له عذر قدم حده في دار الحرب، وليس ما ذكره المزني عن الشافعي من اختلاف جوابه فيه محمولًا على اختلاف قولين وإنما هو على ما ذكرناه من اختلاف حالين.
وقال أبو حنيفة: لا تجوز إقامة الحدود في دار الحرب، وعلى الإمام تأخيرها
احتجاجاً بما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى أمراء الأجناد أن لا يقيموا الحدود في دار الشرك حتى يعودوا إلى دار الإسلام، ولا يؤمن أن يتداخله من الأنفة والحمية ما يبعثه على الردة اعتصامًا بأهل الحرب ودليلنا قول النبي صلى الله عليه وسلم:" فإنه من يبد لنا صفحته نقم حد الله عليه" ولم يفرق، ولأن لله تعالى عليهم حقوقًا من عبادات، وحدود في معاص، فإذا لم تمنع دار الشرك من استيفاء حقوقه لم تمنع من إقامة حدوده.
فأما الجواب عن خبر عمر إن صح فهو أنه أمر بذلك لئلا يقع التشاغل بإقامتها عن تدبير الحرب وجهاد العدو.
وقوله: إنه ربما بعثته الحمية على الردة، فلو كان لهذا المعنى لا تقام عليهم الحدود لما أقيمت على أهل الثغور، ولما استوفيت منهم الحقوق، ولأفضى إلى تعطيل الحدود وإسقاط الحقوق وهذا مدفوع.
فصل:
فأما حقوق الآدميين المستهلكة عليهم في دار الحرب، فإن كانت لأهل الحرب فهي مباحة بالكفر والمحاربة لا تضمن أموالهم، ولا نفوسهم، وإن كانت للمسلمين فضربان: أموال، ونفوس.
فأما الأموال فيأتي ضمانها.
وأما النفوس كمسلم قتل مسلمًا في دار الحرب، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون في حرب، وقد مضى حكمه وذكرنا أقسامه.
والثاني: يكون في غير حرب فضربان:
أحدهما: أن لا يعلم بإسلامه فينظر في قتله، فإن قتله خطأ ضمنه بالكفارة دون الدية، لقول الله تعالى: ﴿فَأن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾.
وإن قتله عمدًا فلا قود عليه
للشبهة وعليه الكفارة وفي وجوب الدية قولان:
أحدهما: وهو اختيار المزني- لا دية عليه- لأن الجهل بإسلامه يغلب حكم الدار في سقوط ديته كما غلب حكمها في سقوط القود.
والوجه الثاني: وهو اختيار أبي إسحاق المروزي- ضمن ديته تغليباً لحكم قصده ولا يؤثر سقوط القود الذي يسقط بالشبهة في سقوط الدية التي لا تسقط بالشبهة.
والضرب الثاني: أن يقتله عالماً بإسلامه فيلزمه يقتله في دار الحرب ما كان لازمًا له بقتله في دار الإسلام إن كان بعمد محض وجب عليه القود، والكفارة وإن كان بعمد الخطأ وجبت عليه الدية مغلظة والكفارة وإن كان بخطأ وجبت عليه الدية مخففة والكفارة ولا فرق بين من دخل دار الحرب مسلمًا أو أسلم فيها سواء هاجر أو لم يهاجر.
وقال أبو حنيفة: لا قود في قتل المسلم في دار الحرب، إذا لم يكن فيها إمام، فأما الدية فإن
دخلها وهو مسلم غير مأسور ضمن عمده بالدية دون الكفارة وضمن خطة بالدية والكفارة، وإن كان مأسورا لم يضمن ديته في عمد ولا خطأ وضمن بالكفارة في الخطأ دون العمد، لأن الأسير قد صار في أيديهم كالمملوك لهم، وإن أسلم في دار الحرب وهاجر إلى دار الإسلام كان كالداخل إليها مسلما وإن لم يهاجر إليها كانت نفسه هدراً لا يضمن بقود ولا دية وتلزم الكفارة في الخطأ دون لا العمد احتجاجا بقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ وبما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" أنا بريء من كل مسلم مع مشرك" وهذا موجب لإهدار دمه قال: ولأنه دم لم يحقن في دار الإسلام فلم يضمن في دار الحرب كالحربي.
ودليلنا قول الله عز وجل: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانا﴾ وهذا مظلوم بالقتل فوجب أن يكون لوليه سلطاناً في القوة والدية، ولأنه إسلام صار الدم به محقوناً، فوجب أن يصير به مضمونا كالمهاجر،' ولأنه كل دار ينهدم الدم فيها بالردة، يضمن الدم فيها بالإسلام كدار الإسلام فأما الجواب عن الآية فهو ورودها في الميراث: لأنهم كانوا في صدر الإسلام يتوارثون بالإسلام والهجرة، ثم نسخت حين توارثوا بالإسلام دون الهجرة.
وأما الجواب عن الخبر فهو إنما تبرأ من أفعاله ولا يوجب ذلك هدر دمه كما قال: " من غشنا فليس منا"
وأما الجواب عن قياسه فهو أن هذا دم محقون فلم يكن لاختلاف الدار تأثير ودم الحربي مباح فلا يكن
لاختلاف الدار تأثير، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي:" ولا أعلم أحداً من المشركين لم تبلغه الدعوة إلا أن يكون خلف الذين يقاتلون أمة من المشركين خلف الترك والخزر لم تبلغهم الدعوة فلا يقاتلون حتى يدعوا إلى الإيمان فإن قتل منهم أحد قبل ذلك فعلى من قتله الدية"
قال في الحاوي: وهذا صحيح والكفارة ضربان:
أحدهما: من بلغتهم دعوة الإسلام، وهم من نعرفهم اليوم كالروم والترك، والهند، ومن في أقطار الأرض من الكفارة ودعوة الإسلام أن يبلغهم أن الله تعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحجاز نبيًا أرسله إلى كافة الخلق بمعجزة دلت على صدقة يدعوهم إلى توحيده وتصديق رسوله، وطاعته في العمل بما يأمره به ويناهم عنه، وأنه يقاتل من خالفه حتى يؤمن به أو يعطي الجزية إن كان كتابيًا، فإن لم يفعل أحد هذين، أو كان غير كتابي فلم يؤمن استباح قتله فهذه صفة دعوة الإسلام، فإذا كانوا ممن قد بلغتهم هذه الدعوة، لم يجب أن يدعوا
إليها ثانية إلا على وجه الاستظهار، والإنذار وجاز أن يبدأ بقتالهم زحفًا ومصافة وجاز أن يبدأ به غرة وبياتًا قد شن رسول الله صلى الله عليه وسلم الغارة على بني المصطلق وهم غارون في نعمهم بالمريسيع فقتل المقاتلة وسبى الذرية، وقال حين سار إلى فتح مكة اللهم أطوا خبرنا عنهم حتى لا يعلموا بنا إلا فجأة لما قدمه من استدعائهم فلم يعلموا به حتى نزل عليهم.
والثاني: من الكفار من لم يبلغهم دعوة الإسلام، قال الشافعي:" ولا اعلم أحدًا اليوم من المشركين، من لم يبلغه الدعوة إلا أن يكن خلف الذين يقاتلوه أمة من المشركين خلف الترك والخزر لم تبلغهم الدعوة".
وهذا وإن كان بعيدًا في وقت الشافعي فهو الآن أبعد، لأن الإسلام في زيادة تحقيقًا لقول الله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ فإن جاز أن يكون الآن قوم لم تبلغهم الدعوة لم يجزا الابتداء بقتالهم إلا بعد إظهار الدعوة لهم واستدعائهم بها إلى الإسلام ودمائهم قبل ذلك محقونة وأموالهم محظورة قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾.
وقال الله تعالى: ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ وعلى هذا كانت سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في المشركين.
روى سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعثت أميرًا على جيش، أو سرية وأمره بتقوى الله تعالى في خاص نفسه ومن معه من المسلمين وقال:" إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، وإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، وإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم"
فصل:
فإذا ثبت وجوب إنذارهم بالدعوة قبل قتالهم أنفسهم ما تضمنته دعوتهم ثلاثة أقسام:
أحدها: ما هم فيه محجوبون بعقولهم دون السمع، وهو معجزات الرسل وجججهم الدالة على صدقهم في الرسالة.
والثاني: ما هم فيه محجوبون بالسمع دون العقل، وهو ما تضمنه التكليف من أمر ونهي.
والثالث: ما اختلف فيه وهو التوحيد هل هم فيه محجوبون بالعقل، أو بالسمع على وجهين لأصحابنا مع تقدم خلاف المتكلمين فيه:
أحدهما: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة، وزعم أنه من الظاهر من مذهب
الشافعي أنهم محجوبون فيه بالعقل دون السمع كالقسم الأول.
والثاني: وهو قول أبي حامد الإسفرايينبي، وزعم أنه الظاهر من مذهب الشافعي أنهم محجوبون فيه بالسمع وإن وصلوا إلى معرفته بالعقل، وبالوجه الأول قال أكثر البصريين وبالوجه الثاني قال أكثر البغداديين.
وهذا الوجهان مبنيان على اختلاف وجهي أصحابنا في التكليف هل اقترن بالعقل، أو تعقبه، فمن زعم أنه اقترن بالعقل جعلهم محجوبين بالسمع دون العقل.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا من حقن دمائهم قبل بلوغ الدعوة إليهم ضمنت دماؤهم بالدية إن قتلوا ولم تكن هدرًا.
وقال أبو حنيفة: ى تضمن دماؤهم وتكون هدرًا احتجاجًا بأمرين:
أحدهما: من لم يثبت له إيمان ولا أمان كان دمه هدراً كالحربي، وليس لهؤلاء إيمان ولا أمان.
والثاني: أن الدية أحد موجبي القتل فوجب أن يسقط في حقهم كالقود.
ودليلنا شيئان:
أحدهما: أن من لم يظهر عناده في الدين مع تكليفه لم ينهدر دمه كالمسلم.
والثاني: أن حرمة النفوس أعلم من حرمة الأموال، فلما وجب رد أموالهم عليهم وجب ضمان نفوسهم.
فأما الجواب عند استدلالهم بأن لا إيمان لهم ولا أمان هو أن لهم أمان ولذلك حرم قتلهم وأما الجواب عن القود فهو أنه يسقط بالشبهة، ولا تسقط الدية بالشبهة فافترقا.
فصل:
فإذا ثبت ضمان دياتهم، فقد أطلق الشافعي هاهنا ذكر الدية واختلف أصحابنا في مقدارها على ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها الدية الكاملة دية المسلم تمسكاً بالظاهر من إطلاق الشافعي، واحتجاجًا بنفي الكفر عنهم قبل بلاغ الدعوة إليهم.
والثاني: وقد نص عليه الشافعي في كتاب "الأم" أنها دية كافر إن كان يهوديًا، أو نصرانيًا، كانت ثلث دية المسلم، وإن كان مجوسيًا أو وثنيًا، فثلثا دية المسلم ثمانمائة درهم لأن قصور الدعوة عنهم موجب لحقن دمائهم وليس بمثبت لإيمانهم.
والثالث: وهو قول أبي إسحاق المروزي إن يتمسكوا بدين أصله باطل، كعبدة الأوثان فدية كافر ليس له كتاب كدية المجوسي، وإن تمسكوا بدين أصله حق كاليهودية والنصرانية فدية مسلم، لأن فيه على أصل الإيمان قبل علمهم بالنسخ.
فصل:
فأما قتلنا من لا نعلم هل بلغتهم الدعوة، أو لم تبلغهم ففي ضمان دمائهم وجهان بناء على اختلاف الوجهين هل كان الناس قبل ورود الشرع على أصل الإيمان حتى كفروا بالرسول أو كانوا على أصل الكفر حتى آمنوا بالرسل.
فأحد الوجهين: أنهم كانوا على أصل الإيمان حتى كفروا بالرسل، وهذا قول من زعم أنهم محجوبون في التوحيد بالعقل دون السمع، فعلى هذا يكون دماء من جهلت حالهم مضمونة بدمائهم.
والثاني: أنهم كانوا قبل ورود الشرع على أصل الكفر حتى آمنوا بالرسل وهذا قول من زعم أنهم محجوبون في التوحيد بالسمع دون العقل، فعلى هذا تكون دماء من جهلت حالهم هدراً لا تضمن بقود ولا دية، ومن هذين الوجهين اختلف المفسرون في تأويل قول الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ على قولين:
أحدهما: أنهم كانوا على الكفر حتى أمن منهم من أمن وهذا قول ابن عباس والحسن.
والثاني: أنهم كانوا على الحق، حتى كفر منهم من كفر، وهذا قول قتادة والضحاك والأكثرين، والله أعلم.
باب ما أحرزه المشركون من المسلمين
قال الشافعي رحمه الله:" لا يملك المشركون ما أحرزوه على المسلمين بحال أباح الله لأهل دينه ملك أحرارهم ونسائهم وذراريهم وأموالهم فلا يساوون المسلمين في شيء من ذلك أبدا قد أحرزوا ناقة النبي صلى الله عليه وسلم وأحرزتها منهم الأنصارية فلم يجعل لها النبي عليه السلام شيئا وجعلها على أصل ملكه فيها وأبق لابن عمر عبد وعار له فرس فأحرزها المشركون ثم أحرزها عليهم المسلمون فردا عليه وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه مالكه أحق به قبل القسم وبعده ولا أعلم أحداً خالف في أن المشركين إذا أحرزوا عبداً لمسلم فأدركه وقد أوجف عليه قبل القسم أنه لمالكه بلا قيمة ثم اختلفوا بعدما وقع في المقاسم فقال منهم قائل وعلى الإمام أن يعوض من صار في سهمه من خمس الخمس وهو سهم النبي صلى الله عليه وسلم وهذا يوافق الكتاب والسنة والإجماع وقال غيرنا هو أحق به بالقيمة إن شاؤوا ولا يخلوا من أن يكون مال مسلم فلا يغنم أو مال مشرك فيغنم فلا يكون لربه فيه حق ومن زعم أنهم لا يملكون الحر ولا المكاتب ولا أم الولد ولا المدبر ويملكون ما سواهم فإنما يتحكم"
قال في الحاوي: إذا أحرز المشركون أموال المسلمين بغارة، أو سرقة لم يملكوه سواء أدخلوه دار الحرب أو لم يدخلوه، فإن باعوه على مسلم كان صاحبه أحق به من مشتريه بغير ثمن وإن غنمها المسلمون استرجعه صاحبه بغير بدل، وسواء قبل القسمة وبعدها وعلى الإمام أن يعوض من حصل ذلك في سهمه بعد القسمة قيمته من سهم المصالح لما في نقص القسمة من لحوق المشقة، فإن لم تلحق منه مشقة نقصها ولم يعوض.
وقال أبو حنيفة: قد ملك المشركون ما أغار عليهم جماعتهم دون آحادهم من أموال المسلمين، إذا أدخلوه دار الحرب، فإن باعوه صح بيعه، وكان لمالكه أن يأخذه من مشتريه بثمنه وإن غنمه المسلمون منهم استرجعه صاحب قبل القسمة، بغير عوض ولم يسترجعه بعد القسمة إلا بالقيمة احتجاجاً بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له يوم فتح مكة: ألا تنزل دار ل فقال:" وهل ترك لنا عقيل من ربع" فلولا زوال ملكه عنها بغلبة عقيل عليها لاستبقاها على ملكه ونزلها وروى أبو يوسف في سير الأوزاعي عن الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن مقسم عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في عبد وبعير أحرزهما العدو ثم ظفر بهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في عبد أحرزهما العدو ثم ظفر بهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبتهما أن أصبتهما قبل القسمة، فهما لك بغير شيء، وإن وجدتهما قبل القسمة فهما لك بالقيمة قالوا: وهذا نص ولأن كل سبب ملك به المسلمون على المشركين، جاز أن يملك به المشركون على المسلمين كالبيوع، ولأن كل مال أخذ قهراً على وجه التدين ملكه أخذه كالمسلم من المشرك، ودليلنا قول الله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَؤُوهَا﴾ فامتن علينا بأن جعل أموالهم لنا ولو جعل أموالنا لهم لساويناهم وبطل فيه الامتنان.
وروى أبو قلابة عن أبي المهلب عن عمران الحصين" أن المشركين غاروا على سرح المدينة وأخذوا العضباء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وامرأة من الأنصار فانفلت ذات ليلة من الوثاق فركبت ناقة الرسول صلى الله عليه وسلم ونجت من طلبهم حتى قدمت المدينة وكانت قد نذرت إن نجاها الله عليها أن تنحرها فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:" بئس ما جازتها لا نذر في معصية ولا فيما لا يملك ابن آدم" وأخذ ناقته منها، فلو ملكها المشركون بالغارة لملكتها الأنصارية بالأخذ، ولما استجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم استرجاعها، ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم:" لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه" فلما لم يحل بهذا الخبر ماله لمسلم، كان أولى أن لا يحل ماله لمشرك، ويتحرر من استدلال هذا الخبر قياسان:
أحدهما: إنما منع الإسلام من غصبه ما لم يملك بغصبه كالمسلم مع المسلم.
والثاني: أنه تغلب لا يملك به المسلم على المسلم، فلم يملك به المشرك على المسلم كالسبي، ولأن ما لم
يملك على المسلم قبل القسمة لم يملك عليه بعد القسمة كالمدبر، والمكاتب، وأم الولد.
فأما الجواب عن قوله:" وهل ترك لنا عقيل من ربع" فرسول الله صلى الله عليه وسلم نشأ في دار أبي طالب حين كفله بعد موت عبد المطلب فورثها عقيل دون علي لكفر عقيل وإسلام علي وعندنا لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم فباعها عقيل بميراثه لا يغصبه.
وحكي ابن شهاب الزهري قال: أخبرنا علي بن الحسين أن أبا طالب ورثه ابناه عقيل وطالب دون علي فلذلك تركنا حقنا من الشعب.
أما الجواب عن حديث ابن عباس فهو أن رواية الحسن بن عمارة وهو ضعيف كثير الوهم والغلظ، ثم لو صح لكان بدليلنا أشبه، لأنه جعله له قبل القسمة ولو زال ملكه عنه لما استحقه قبل القسمة، وإن كان له أخذه بعد القسمة بالقيمة.
فإن قيل: فقد أوجب القيمة بعد القسمة، وأنتم لا توجبوها بعد القسمة؟ قيل: نحن نوجبها بعد القسمة إذا نقض القسمة لكن من بيت المال من سهم المصالح لا على المال فصار الخبر دليلنا.
وأما الجواب عن قياسهم على البيوع فهو جواز أن يملك بها المسلم على المسلم.
وأما الجواب عن قياسهم على قهر المسلم المشرك فهو أنه قهر مباح، وذلك محظور مع انتفاضه بالمدبر والمكاتب وأم الولد، وبالسبي.
مسألة:
قال الشافعي:" وإذا دخل الحربي إلينا بأمان فأودع وترك مالا ثم قتل بدار الحرب فجميع ماله مغنوم، وقال في كتاب المكاتب: مردود إلى ورثته لأنه مال له أمان.
قال المزني رحمه الله: هذا عندي أصح لأنه إن كان حيا لا يغنم ماله في دار الإسلام لأنه مال له أمان فوارثه فيه بمثابته".
قال في الحاوي: وصورتها في حربي دخل دار الإسلام بأمان ومعه مال وذرية فلا يخلو حال أمانة من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يشرط له في أمان نفسه الأمان على ذريته وماله فيكون أمانة عامًا في الجميع.
والثاني: أن يخص بالأمان على نفسه ويستثنى منه خروج ذريته وماله من أمانه فيكون الأمان مخصوصًا على نفسه، وتكون ذريته وماله غنيمة لأهل القيء، لأنه واصل
بغير قتال ولا يمنع أمانة على نفسه من غنيمته وذريته وماله لخصوصه فيه.
والثالث: أن يكون الأمان مطلقا لم يسم فيه المال والذرية بالدخول فيه ولا بالخروج منه فيراعى لفظ الأمان.
فإن قيل: فيه لك الأمان اقتضى هذا الإطلاق عموم أمانة على ذريته وماله، لأن من خاف على ذريته وماله ما لم يكن أمناً، وإن قيل: في أمانة لك الأمان على نفسك، اقتضى ذكر نفسه أن يكون الأمان مخصوصًا فيها دون ما سواها من المال والذرية اعتبارًا بخصوص التسمية وأطلق أبو حامد الإسفراييني جوابه في دخول ذريته وماله في أمانه وحمله على هذا التفصيل أصح، وإن لم يتقدم به أحد من أصحابنا لما ذكرناه من التعليل.
فصل:
فإذا صح أمانة على نفسه وماله على التقسيم المذكور كان أانه على نفسه مقدرًا بأربعة أشهر وفيما بين الأربعة أشهر والسنة وجهان: وكان أمانه على ماله غير مقدر ويجوز أن يكون مؤبداً وفي أمانة على ذريته وجهان:
أحدهما: يتقدر بمثل مدته اعتبارًا به، ولأنه أمان على نفس آدمي.
والثاني: يجوز أن يتأبد ولا يتقدر بمدة كالمال، لأنهما تبع فاستويا في الحكم، فإن عاد هذا المستأمن إلى دار الحرب وخلف ذريته وماله في دار الإسلام انقسم حكم عوده ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يعود إليها لتجارة أو لحاجة فيكون على أمانه في نفسه، وذريته وماله، ولا ينتقص بدخول دار الحرب كالذمي إذا دخل دار الحرب تاجراً كان على ذمته.
والثاني: أن يعود إليها مستوطناً فيرتفع أمانة على نفسه اعتبارًا بقصده ويكون الأمان على ذريته وماله باقيًا، لأنه يجوز أن ينفرد الأمان على ذريته وماله دون نفسه؛ لأن حربيًا لو أنقذ الى دار الإسلام ذريته وماله على أمان أخذه لهما دون نفسه صح كما يصح أن يأخذه لنفسه دون ذريته وماله، فإذا جمع في الأمان بين ذريته وماله فارتفع في نفسه لم يرتفع في ذريته وماله.
والثالث: أن يعود إلى دار الحرب ناقصاً للأمان محاربًا للمسلمين فينتقض أمانه في نفسه وماله، ولا ينتقض في ذريته، لأن حرمة المال معتبرة به وحرمة الذرية معتبرة بهم ولو كان الأمان منفردًا على ماله لم ينتقض لمحاربته وقتاله، وكان بخلاف ما لو جمعهما الأمان، لأنهما إذا اجتمعنا كان حكمهما مشتركًا وإذا انفرد بالمال كان حكمهما مختلفاً.
فصل:
فإن مات هذا الحربي وله أمان على ذريته وماله ما لم ينتقض أمان ورثته بموته كما لا ينتقض بنقض الأمان وكان ماله موروثاً لورثته من أهل الحرب دون أهل الذمة، لارتفاع التوارث بين أهل الذمة وأهل الحرب، وسواء كان موت هذا المستأمن في دار الحرب،
أو دار الإسلام، وإذا صار موروثًا فلورثته حالتان:
إحداهما: أن يكونوا ممن لهم أمان على أموالهم فينقل إليهم هذا الميراث على أمانه كموت الذمي إذا كان وراثه ذميًا
والثانية: أن يكون ورثته ممن لا أمان لهم على أموالهم وهي مسألة الكتاب ففي لإبقاء الأمان على المال بعد موت مالكه قولان:
أحدهما: وهو منصوص عليه في هذا الموضع أنه يزول بموت مالكه وينتقل إلى الورثة بغير أمان فيصبر إلى بيت المال فيئًا وقول الشافعي إنه مغنوم يريد أنه فيء وإنما كان كذلك لأمرين:
أحدهما: أنه كان لمالك له أمان فصار لمالك ليس له أمان.
والثاني: أنه كان الأمان على النفس لا يورث وجب أن يكون الأمان على المال لا يورث.
والقول الثاني: نص عليه في كتاب المكاتب، واختاره المزني أن يكون الأمان على المال باقيًا ولا ينتقص
بموت مالكه وينتقل إلى ورثته بأمانة لأمرين:
أحدهما: أنه لما جاز أن ينفرد الأمان بالمال دون المالك، لم ينتقض باختلاف المالك كما لو ارتفع أمان
مالكه بعوده إلى دار الحرب مستوطن
والثاني: أن المال ينتقل إلى الوارث بحقوقه كما لو استحقت به شفعة، أو كان في ديته رهن، وأمان هذا المال من حقوقه، فوجب أن ينتقل بحق أمانه إلى وارثه، فهذا توجيه القولين، وكان أبو علي بن خيران يمنع من تخريج ذلك على قولين ويحمله على اختلاف حالين فالموضع الذي جعله مغنومًا إذا شرط أمانه مدة حياته، والموضع الذي جعله باقيًا على ورثته إذا شرط أمانة في مدة حياته وبعد موته، وليس هذا بمانع من اختلاف القولين، لأنهما من إطلاق الأمان إذا لم يتقيد بشرط وهو في تقييده بالشرط على ما حكاه، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي:" ومن خرج إلينا منهم مسلماً أحرز ماله وصغار ولده حصر النبي صلى الله عليه وسلم بني قريظة فأسلم ابنا شعبة فأحرز لهما إسلامهما أموالهما وأولادهما الصغار وسواء الأرض وغيرها"
قال في الحاوي: إذا أسلم الحربي عصم دمه بالإسلام، وأحرز له جميع أمواله، وصار إسلامًا لجميع أولاده الصغار من الذكور والإناث، يعصمهم الإسلام من السبي والاسترقاق، فإن كان له حمل من زوجته أجرى عليه حكم الإسلام في المنع من استرقاقه
ولا يمنع ذلك من استرقاق أمه، وسواء كان إسلامه في دار الحرب أو دار الإسلام، لخوف أو غير خوف، مالم يدخل تحت القدرة، وسواء كان ماله منقولًا أو غير منقول، كانت له عليه يد أو لم تكن.
وقال مالك: قد عصم دمه وصغار أولاده بإسلامه، وملك من أمواله ما عليه يده، ولم يملك منها ما ليس عليه يده، بناء على أصله في أن المشرك لا يصح ملكه، وما كانت عليه صار قاهراً له بإسلامه فملكه، وقال أبو حنيفة: قد ملك بإسلامه في يده ويد وكيله من منقول وغير منقول، ولا يملك ما عداه، ومنع إسلامه من استرقاق صغار أولاده، ولا يمنع من استرقاق حمله، لأنه تبع أمه، يعتق بعتقها.
ودليلنا رواية عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلى الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" فكان على عمومه.
وروى الشافعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاصر بني قريظة فأسلم ابنا شعبة اليهوديان، فأحرز لهما إسلامهما أموالهما وأولادهما، ومعلوم أنه قد زالت أيديهما عنه بخروجهما، فدل على استواء الحكم في الأمرين، ولأنه مال من قد أسلم قبل الأسر، فوجب أن لا يغنم، كما لو كانت يده عليه، ولأن من لم يغنم ماله إذا كانت يده عليه لم يغنم وإن لم تكن يده عليه كالمسلم.
والدليل على أن الحمل لا يسترق: هو أنه قد ثبت إسلامه قبل الأسر فلم يجز استرقاقه كالمولود، ولأن كل من لم يجز استرقاقه لم يجز استرقاقه حملًا كالمسلم.
وأما الجواب عن قول مالك: إن المشرك لا يصح أن يملك مالاً ولا نكاحاً، فهو أنه مجرد مذهب يدفعه النص قال الله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ فأضاف ماله إليه إضافة ملك، ثم قال: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ فأضاف ماله إليه إضافة ملك، ثم قال: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾.
فأضاف امرأته إليه إضافة عقد، فدل على أن المشرك لا يمنع من ملك المال والنكاح.
وأما الجواب عن قول أبي حنيفة: إن الحمل كالأعضاء التابعة، لأن العتق يسري إليه فهو وإن كان تبعًا في حال فقد تفرد بحكمه في حال، لأن عتقه لا يتعدى عنه، فتعارض الأمران في استدلاله، وسلم ما دللنا به.
فصل:
فأما زوجة الحربي إذا أسلم فلا يمنع إسلامه من استرقاقهما لأنه لما لم يتعد إسلامه إليها لم يعصمها إسلامه من استرقاقهما، فإن كانت حاملاً، ففي جواز استرقاقها قبل وضعها وجهان:
أحدهما: لا يجوز، لأن حملها مسلم، فلزم حفظ حرمته فيها حتى يفارقها.
والثاني: يجوز أن يسترق لامتياز حكميهما، فإن لم تسب كان النكاح باقيًا، وإن سببت بطل نكاحها بالسبي، كما لو كان زوجها حربيًا، لأنها لما ساوت زوجة الحربي في الاسترقاق ساوتها في بطلان النكاح، ولكن لو دخل المسلم دار الحرب، فتزوج فيها حربية ففي جواز سبيها واسترقاقها وجهان:
أحدهما: يجوز أن تسبى وتسترق، ولا يعصمها إسلام الزوج منه، كما لو أسلم بعد كفره
والثاني: أنه لا يجوز سبيها، ولا استرقاقها، اعتصاما بإسلام الزوج، لأن عقد هذا في الإسلام فكان أقوى، وعقد ذلك في الشرك فكان أضعف.
ولو أستأجر المسلم أرضا من دار الحرب ثم غنمت كان ملك المسلم في منافعها باقيًا، وإن غنمت بخلاف نكاح الزوجة، في أحد الوجهين، لوقوع الفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أن المنافع تضمن باليد، والاستمتاع لا يضمن باليد.
والثاني: أن ملك المنافع والرقبة يجوز أن يفترقا، وملك الاستمتاع والنكاح لا يجوز أن يفترقا.
فصل:
وإذا أعتق المسلم عبدًا ذمياً ثبت عليه الولاء، فلو لحق بدار الحرب لم يجز أن يسترق لأن في استرقاق رقبته إبطال ولاء المسلم، فخالف منافع الأرض التي لا تبطل على المسلم بغنيمة رقبتها، فمنع ولاء المسلم من الاسترقاق، ولم نمنع منافع المسلم من الغنيمة والاسترقاق ولو أعتق ذمي عبدًا ذميًا ثم لحق العبد المعتق بدار الحرب، ففي جواز استرقاقه وجهان:
أحدهما: لا يجوز، لأجل ولائه، كما لو كان الولاء لمسلم؛ لأن مال الذمي لا يغنم، كما أن مال المسلم
لا يغنم.
والثاني: يجوز أن يسترق مع ولاء الذمي، ولا يجوز أن يسترق مع ولاء المسلم.
والفرق بينهما: هو أن الذمي يجوز أن يحدث عليه استرقاق، فجاز أن يسترق مولاه المسلم، ولا يجوز أن يحدث عليه رق فلم يجز أن يسترق مولاه.
مسألة:
قال الشافعي:" ولو دخل مسلم فاشترى منهم داراً أبو أرضاً أو غيرها ثم ظهر على الدار كان للمشتري وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: الأرض والدار فيء والرقيق والمتاع للمشتري".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، يجوز أن يشتري المسلم من أهل الحرب في دارهم دورًا وأموالًا فلا يغنمها المسلمون إذا فتحت.
وقال مالك: لا يصح الشراء، وتغنم إذا فتحت، إلا أن يكون المسلم مقيمًا في دار الحرب، لما ذكره من أن المشرك لا يصح ملكه.
وقال أبو حنيفة: يغنم ما لا ينقل من الأرضين، ولا يغنم ما ينقل من الأموال، لأن مالا ينقل تبع للدار، وما ينقل تبع للمالك، وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أن الملك الواحد لا يتعض في المنقول وغيره كالذي في دار الإسلام، ولو جاز أن يتبعض لكان استيفاء الملك على مالا ينقل للعجز عن نقله أشبه من استبقائه على ما ينقل مع القدرة على نقله، فلما كان فاسدًا كان ما ذهب إليه أفسد.
فصل:
وإذا أسلم العبد الحربي في دار الحرب كان باقياً على رق سيده، ولو أسلم في دار الإسلام عتق بإسلامه، لأن أبا بكرة خرج في حصار الطائف مع ستة عشر عبداً لثقيف، فأسلموا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعتقهم، وقيل له: أبو بكرة، لأنه نزل من حصن الطائف في بكرة، والفرق بين إسلامه في الدارين أنه في دار الحرب مقهور، وفي دار الإسلام قاهر.
فصل:
وإذا أهدى رجل من المشركين هدية لرجل من المسلمين فلا تخلو من أحد أمرين:
أحدهما: أن يهديها في حال القتال وقيام الحرب، فتكون الهدية غنيمة لا يملكها المهدي له؛ لأنها من خوف القتال في ظاهر الحال.
والثاني: أن يهديها بعد انقضاء الحرب، فتكون هدية للمهدي إليه خاصة، ولا تكون غنيمة، لأن انقضاء الحرب قد أزال حكم الخوف، وصار كالذي ملكه منهم بابتياع.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى:" قال الأوزاعي فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة
فخلى بين المهاجرين وأراضيهم وديارهم وقال أبو يوسف: لأنه عفا عنهم ودخلها عنوة وليس النبي صلى الله عليه وسلم في هذا كغيره.
قال الشافعي: ما دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم عنوة وما دخلها إلا صلحاً والذين قاتلوا وأذن في قتلهم بنو نفاثة قتله خزاعة وليس لهم بمكة دار إنما هربوا إليها وأما غيرهم ممن دفع فادعوا أن خالدًا بدأهم بالقتال ولم ينفذ لهم الأمان وادعى خالد أنهم بدأوه ثم أسلموا قبل أن يظهر لهم على شيء ومن لم يسلم صار إلى قبول الأمان بما تقدم من قوله عليه السلام: "من ألقى سلاحه فهو آمن ومن دخل داره فهو آمن" فمال من يغنم ولا يقتدي إلا بما صنع عليه الصلاة والسلام وما كان له خاصة فمبين في الكتاب والسنة وكيف يجوز قولهما بجعل بعض مال المسلم فيئاً وبعضه غير فيء أم كيف يغنم مال مسلم بحال.
قال المزني رحمه الله: قد أحسن والله الشافعي في هذا وجود".
قال في الحاوي: اختلف العلماء في فتح مكة، هل كان عنوة أو صلحًا؟ فذهب الشافعي إلى أن مكة فتحت صلحاً بأمان علقه رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرط شرطه مع أبي سفيان بن حرب وحكيم بن حزام غداة يوم الفتح، قبل دخول مكة على إلقاء سلاحهم وإغلاق أبوابهم ووافق الشافعي على فتحها صلحاً أبو سلمه بن عبد الرحمن، وعكرمة، ومجاهد، والزهري وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
وقال مالك، وأبو حنيفة، وأكثر الفقهاء، وأصحاب الرأي: إن مكة فتحت عنوة، فمن رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهلها، فلم يسب ولم يغنم لعفوه عنهم، واختلف من قال بهذا، هل كان عفوه عنهم خاصًا أو عامًا لجميع الولاة؟ فقال أبو يوسف كان هذا خاصاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يعفو عما فتحه عنوة وليس ذلك لغيره من الأئمة.
وقال غيره: بل عفوه عام في الأئمة بعده، يجوز لهم أن يعفوا عما فتحوه عنوة كما جاز عفو رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهل مكة وقد فتحها عنوة، وهذا هو تأثير الخلاف في فتحها عنوة أو صلحًا أن من ذهب إلى فتحها صلحًا لم يجعل للإمام أن يعفو عما فتح عنوة، ومن ذهب إلى فتحها عنوة جعل الإمام أن يعفو عما فتحه عنوة، واستدل من ذهب إلى فتحها عنوة بقول الله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ يعني مكة، والفتح المبين الأقوى، فدل على أنه العنوة وبقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ وظاهر النصر هو الغلبة والقهر، وبقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ فصرح القول بالظفر فدل على العنوة، وبقوله تعالى: ﴿أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾ وهذا توبيخ على ترك القتال، ثم قال: بعده: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ وهذا أمر بالقتال، فصار حتماً لا يجوز على الرسول خلافه، وبقوله تعالى: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ فنهاه عن السلم مع قوته، وقد كان في دخول مكة قوبًا فكانت هذه الآيات الخمس من دلائلهم،
واستدلوا عليه من السنة بنقل السيرة التي نقلها الرواة، فتمسكوا بأدلة منهم، فمن ذلك، وهو سبب الفتح أن قريشًا لما نقضت صلح الحديبية بمن قتلت من خزاعة، وأتى وفد خزاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم مستنصرين، وهم أربعون رجلاً فيهم عمرو بن سالم، ثم قال عمرو فأنشده:
اللهم إني ناشد محمدًا... حلف أبينا وأبيه الأتلدا
حتى أتى على شعره قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نصرت يا عمرو بن سالم والله لأغزون قريشًا والله لأغزون قريشًا إن شاء الله" وحقق هذه اليمين بمسيره بعد رد أبي سفيان بن حرب خائباً، وسار في عشرة آلاف فيهم ألفا دارع، ودخل بهم مكة، وعلى رأسه مغفر، وراياته منشورة، وسيوفه مشهورة، قالوا: وهذه صفة العنوة التي حلف بها أن يغزوهم.
قال: وقد روى أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح عنوة، وهو من أخص أصحابه وأقربهم منه، فكان ذلك نصًا.
قالوا: وقد روى أبو هريرة قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة فقال لي: يا أبا هريرة دع الأنصار فدعوتهم فأتوه مهر ولين فقال لهم: "إن قريشاً قد أوبشت أوباشها، فإذا لقيتموهم فاحصدوهم حصداً، حتى تلقوني على الصفا" فكان أمره بالقتل نافيا لعقد الصلح قالوا: ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم الفتح: "من أغلق بابه فهو آمن ومن ألقى سلاحه فهو آمن" ولو كان دخوله عن صلح لكان جميع الناس آمنين بالعقد.
قالوا: ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة طاف بالبيت، وفيه جماعة من أشراف قريش فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تروني صانعًا بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم فاصنع بنا صنع أخ كريم" فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء، ومثلي ومثلكم، كما قال يوسف لأخوته: ﴿قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ وهذا دليل على أنهم بالعفو آمنوا إلا بالصلح.
قالوا: ولأن أم هانئ أمنت يوم الفتح رجلين فهو علي بن أبي طالب بقتلهما، فمنعته.
وأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ" ولو كان صلحًا لاستحقا الأمان لا بالإجارة، ولما استجاز على أن يهم بقتلهما.
قالوا: وقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كل البلاد فتحت بالسيف إلا المدينة، فإنها فتحت بالقرآن، أو قالت بلا إله إلا الله، فدل على أن مكة فتحت بالسيف عنوة.
قالوا: وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله حبس الفيل عن مكة وسلط عليها
رسوله والمؤمنين، وإنها لا تحل لأحد بعدي، ولم تحل لأحد قبلي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، ثم هي حرام إلى يوم القيامة" فدل تسليطه عليها ساعة من النهار على أنه كان محاربًا فيها، غير مصالح.
قالوا: وقد روي أن حماس بن قيس بن خالد أعد سلاحًا للقتال يوم الفتح فقالت له امرأته: والله ما أرى أنك تقوم بمحمد وأصحابه، فقال: لها إني لأرجو أن أخدمك بعضهم، وخرج مرتجزًا يقول:
إن يقبلوا اليوم فما لي علة... هذا سلاح كامل وأله
وذو غزارين سريع السله
ولحق بصفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو، فيمن يقاتل خالد بن الوليد في قريش وعاد منهزمًا، فدخل بيته وقال لامرأته: أغلقي على الباب، فقالت له امرأته: فأين ما كانت تعدنا فقال:
إنك لو شهدت يوم الخندمه... إذا فر صفوان وفر عكرمه
وأبو يزيد قائمق كالمؤتمة... واستقبلهم بالسيوف ألمسامه
يقطعن كل ساعد وجمجمه... ضرباً فلا تسمع إلا غمغمه
لهم نهيت خلفنا وهمهمة... لم تنطقي في اللوم أدمى كلمه
فدل على دخولها بالقتال.
قالوا: ولأنه صالحهم على دخولهم لترددت بينه وبينهم الرسل، ولكتب فيه الصحف، كما فعل معهم عام الحديبية، وهو لم يلبث حتى دخولها بعسكره قهرًا، فكيف يكون صلحًا.
ودليلنا على دخولها صلحاً قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ يعني، والله أعلم، أهل مكة فدل على أنهم لم يقاتلوا ولو قاتلوا لم ينصروا، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ فأخبر بكف الفريقين، والكف يمنع من العنوة، وقوله تعالى: ﴿مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ يريد به الاستعلاء والدخول، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مستعليًا في دخوله، وقال تعالى: ﴿الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ والمحارب لا يكون آمنًا، فاقتضى أن يكون دخولها صلحًا لا عنوة، وقال تعالى في سورة الرعد: ﴿وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَاتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ﴾ الآية فأخبر بإصابة القوارع ولهم إلى أن يحل رسول الله صلى الله عليه وسلم قريباً منهم فصار غاية قوارعهم، وهذه حال أهل مكة إلى أن نزل رسول
الله صلى الله عليه وسلم بمر الظهران، فانتهت القوارع، فصار ما بعدها غير قارعة، والمخالف يجعل ما بعد بحلوله أعظم القوارع، وفي هذا إبطال لقوله، وفيها معجزة وهو الإخبار بالشيء قبل كونه؛ لأن سورة الرعد مكية.
ويدل عليه نقل السيرة في الدخول إليها واتفاق الرواة عليها، وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تأهب للمسير إليها أخفى أمره وقال: اللهم خذ على أبصارهم حتى لا يروني إلا بغتة" وسار محثًا حتى نزل بمر الظهران، وهي على سبعة أميال من مكة وكان العباس بن عبد المطلب قد لقيه قبل ذلك بالسقيا، فسار معه وأمر كل رجل من أصحابه، أن يوقد نارًا، فأوقدت عشرة آلاف نار أضاءت بها بيوت مكة، وفعل ذلك إرهابًا لهم وإيثارًا للبقيا عليهم، لينقادوا إلى الصلح والطاعة، ولو أراد اصطلامهم لفاجأهم بالدخول، ولكنه أنذر وحذر فلما خفي عليهم من نزل بهم خرج أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يتحسسون الأخبار، وقال العباس وأشياخ قريش: والله لئن دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم عنوة إنه لهلاك قريش آخر الدهر، فركب بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم الشهباء وتوجه إلى مكة؛ ليعلم قريشًا حتى يستأمنوه فينما هو بين الأراك ليلاً، إذا سمع كلام أبي سفيان، فعرف صوته، فتعارفا واستخبره عن الحال، فأخبره بنزول رسول الله صلى الله عليه وسلم في عشرة آلاف لا طاقة لهم بها فاستشاره، فقال تأتيه في جواري فتسلم، وتستأمنه لنفسك وقومك، وأردفه على عجز البغلة، وعاد مسرعاً به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فقال عليه السلام: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" فكان عقد الأمان متعلقاً بهذا الشرط.
وهذا يخالف حكم العنوة فدل على انعقاد الصلح وجود هذا الشرط لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما آمن أبا سفيان، وعقد معه أمان قريش على الشروط المقدمة، أنفذه إلى مكان مع العباس ثم استدرك مكر أبي سفيان، وأنفذ إلى العباس أن يستوقف أبا سفيان بمضيق الوادي: ليرى جنود الله فقال أبو سفيان: أعذر يا بني هاشم، فقال له العباس بل أنت أغدر، وأفجر، ولكن لترى جنود الله في إعزاز دينه ونصرة رسوله، فلو كان دخوله عنوة لم يقل أبو سفيان: أعذرًا، ولم يجعل استيقافه غدرًا، فلما أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد كتائبه المتقدمة، قال أبو سفيان للعباس: لقد أوتي ابن أخيك ملكًا عظيمًا، فقال له العباس: ويحك إنها النبوة، فقال: نعم إذا، ثم أرسله العباس إلى مكة منذرًا لقومه بالأمان، فأسرع حتى دخل مكة، فصرخ في المسجد، فقال: يا معشر قريش هذا محمد قد جاء بما لا قبل لكم به، قالوا: فمه، قال: من دخل داري فهو آمن، قالوا: وما تغني عنا دارك، قال: من دخل المسجد فهو آمن من أغلق بابه فهو آمن من ألقى سلاحه فهو آمن، فحينئذ كفوا واستسلموا، وهذا من شواهد الصلح دون العنوة.
ويدل عليه أن راية الأنصار كانت مع سعد بن عبادة عند دخوله مكة، فقال سعد، وهو يريد دخولها:
اليوم يوم الملحمة اليوم تسبى الحرمة
اليوم يوم يذل الله قريشًا فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فعزله عن الراية وسلمها إلى ابنه قيس بن سعد وقال: اليوم يوم المرحمه... اليوم تستر فيه الحرمه اليوم يعز الله قريشًا فجعله يوم مرحمة، وأنكر أن يكون يوم ملحمة، فدل على الصلح دون العنوة، ويدل عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم أمامه الزبير بن العوام، ومعه رايته وأمره أن يدخل مكة من كداء العليا، وهي أعلى مكة، وفيها دار أبي سفيان وأنفذ خالد بن الوليد، ليدخل من الليط، وهي أسفل مكة، وفيها دار حكيم بن خرام، ووصاهما أن لا يقاتلا إلا من قاتلهما على ما قرره من الشرط مع أبي سفيان، فأما الزبير فلم يقاتله أحد، ودخل حتى غرس الراية بالحجون، وأما خالد بن الوليد فإنه لقيه جمع من قريش وحلفائهم بني بكر، فيهم عكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، وقاتلوه فقاتلهم حتى قتل من قريش أربعة وعشرين رجلًا، ومن هذيل أربعة رجال، ولو منهزمين، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم البارقة على رؤؤس الجبال، قال: "ما هذا، وقد نهيت خالداً عن القتال" فقيل له: إن خالدًا قوتل فقاتل، فقال: "قضى الله خيرًا" وأنفذ إليه أن يرفع السيف، وهذا من دلائل الصلح دون العنوة؛ لأنه لو كان عنوة لم يذكر القتال، ولم ينه عنه، ويدل عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم الفتح حين سار لدخول مكة كان يسير أبي بكر وأسيد بن حصير على ناقته القصوى، وعليه عمامة سوداء، ولو دخلها محارباً لركب فرساً ثم قص على أبي بكر أنه رأى في المنام أن كلبة أقبلت من مكة، فاستقلت على ظهرها، وانفتح فرجها، ودر لبنها، فقال له أبو بكر: ذهب كلبهم، وأقبل خيرهم وسيتضرعون إليك بالرحم، ثم خرج نساء مكة فلطخن وجوه الخيل بالخلوق، وفيهم قتيلة بنت النضير بن الحارث، فاستوقفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقف لها، وكان قتل أباها النضر بن الحارث صبرًا، فأنشدته: يا راكبًا إن الأثيل مظنة عن صبح خامسة وأنت موفق بلغ به ميتًا فأن تحية ما إن تزال بها الركائب تخفق مني إليه وغيره مسفوحا جادت لما نحها وأخرى تخنق أمحمد ها أنت صنو نجيبة من قومها والفحل فحل معرق فالنصر أقرب من قتلت قرابة... وأحقهم إن كان عتقًا يعتق ما كان ضرك لو مننت وربما من الفتى وهو المغيظ المخنق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو كنت سمعت شعرها ما قتلته" ولما رأى الخلوق على
خيله، والنساء يمسحون وجوه الخيل بخمورهن، قال: "لله در حسان، كأنما ينطق عن روح القدس، فقال له العباس؛ كأنك يا رسول الله تريد قوله:
عدمنا خيلنا أن لم نروها... تنير النقع موعدها كداء
تنازعنا الأعنة مسرعات... يلطمهن بالخمر النساء
فإن أعرضتم عنا اعتمرنا وكان... الفتح وانكشف الغطاء
وإلا فاصبروا لجلاد يوم... يعز الله فيه من يشاء
فقال: نعم، ودخل مكة وابن أم مكتوم، وهو ضرير بين يديه، وهو يقول:
يا حبذا مكة من وادي... أرض بها أهلي وعوادي
بها أمشي بلا هادي... أرض بها ترسخ أوتادي
فدلت هذه الحال في استقبال النساء وسكون النفوس إليه والرؤيا التي قصها على الصلح دون العنوة، ويدل على ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استثنى يوم الفتح قتل ستة من الرجال، وأربع من النساء، وإن تعلقوا بأستار الكعبة.
فأما الرجال: فعكرمة بن أبي جهل وهبار بن الأسود وعبد الله بن سعد بن أبي سرح ومقيس بن صبابة، والحويرث بن نقيذ وعبد الله بن خطل.
وأما النسوة: فهند بنت عتبة، وسارة مولاة عمرو بن هاشم، وبنتان لابن خطل، فقتل من الرجال ثلاثة ابن خطل تعلق بأستار الكعبة، فقتله سعيد بن حريث وأبو برزة الأسلمي وأما مقيس بن صبابة فقتله نميلة بن عبد الله، وأما الحويرث بن نقيذ فقتله علي بن أبي طالب وقتلت إحدى بنتي ابن خطل، واستؤمن لمن بقي منهم، فدل استثناء هؤلاء النفر على عموم الأمان، ولو لم يكن أمان لم يحتج إلى استثناء، وقد قال زهير بن أبي سلمى في هذا الصلح ما عير به قريش فقال:
وأعطينا رسول الله منا... مواثيقًا على حسن التصادف
وأعطينا المقادة حين قلنا... تعالوا بارزونا بالتفاف
ويدل عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة ضربت له بالحجون قبة أدم عند رأيته التي ركزها الزبير، فقيل له هلا نزلت في دورك، فقال: "وهل ترك لنا عقيل من ربع" ولو كان دخوله مكة عنوة لكان، رباع مكة كلها له، ثم بدأ بالطواف على ناقته القصوى، وكان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً، وكان أعظمها هبل، وهو تجاه الكعبة، فكان كلما مر بصنم منها أشار إليها بعود في يده، وقال: "جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقًا" فيسقط الصنم لوجهه وصلى خلف المقام ركعتين، ثم أتاه الرجل والنساء فأسلموا طوعًا وكرهًا، وبايعوه، وليس هذه حال من قاتل وقوتل، فدلت على الصلح والأمان، ويدل على ذلك ما رواه عبيد بن عمير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لم تحل لي غنائم مكة" والعنوة توجب إحلال غنائمها، فدل على دخولها صلحاً، وفقدت أخت أبي بكر عقدًا
لها، فذكرت ذلك لأبي بكر رضي الله عنه فقال أبو بكر: ذهبت أمانات الناس، ولو حلت الغنائم لم يكن أخذه خيانة، تذهب بها الأمانة.
فإن قيل: إنما لم تحل غنائمها؛ لأنها حرم الله الذي يمنع ما فيه، فعنه ثلاث أجوبة:
أحدها: أن عموم قول الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ يمنع من
تخصيص الحرم بغير دليل.
والثاني: أنه لما لم يمنع الحرم من القتل، وهو أغلظ من المال، حتى قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل كان أولى أن لا يمنع من غنائم الأموال، ولو منعهم الحرم من ذلك لما احتاجوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أمان.
والثالث: أن ما في الكعبة من المال أعظم حرمة، مما في منازل الرجال.
وقد روى مجالد عن الشعبي قال: لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وجد في الكعبة مالًا كانت العرب تهديه، فقسمه في قريش، فكان أول من دعاه للعطاء منهم سعيد بن حريث، ثم دعي حكيم بن حزام فقال: خذ كما أخذ قومك، فقال حكيم: آخذ خيرًا أو أدع قال: بل تدع قال: ومنك؟ قال: "اليد العليا خير من اليد السفلى"، فقال حكيم: لا آخذ من أحد بعدك أبدًا، فلما لم تمنع الكعبة ما فيها وحرمة الحرم بها كان الحرم أولى أن لا يمنع ما فيه لكن لما كان ما في الحرم أموال لمن قد استأمنوه حرمت عليه بالأمان، ولما لم يكن ما في الكعبة مال لمستأمن لم يحرم عليه بالأمان.
فإن قيل: إنما لم يغنمها، وإن ملك غنائمها؛ لأنه عفا عنها، كما عفا عن قتل النفوس، فهل يجوز له وللأمة بعده أن يعفو عن القتال؛ لأنه من حقوق الله تعالى المحضة المعتبرة بالمصلحة، وليس له وللأئمة بعده أن يعفو عن الغنائم، إلا بطيب أنفس الغانمين، لأن من حقوقهم، ألا تراه لما أراد العفو عن سبي هوازن استطاب نفوس الغانمين، حتى ضمن لمن لم تطب نفسه بحقه ست قلائص عن كل رأس، وما استطاب في غنائم مكة نفس أحد، فدل على أنها لم تملك لأجل الأمان الذي انعقد به الصلح، فلم يحتج فيها إلى استطابة النفوس، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفذ لسرايا من مكة إلى ما حولها من عرفات وغيرها، فيأتوه بغنائمها؛ لأنها لم يكن لهم أمان.
ويدل على ذلك ما كان أبو حامد المروزي يعتمده أن نقل الموجب يغني عن نقل الموجب وموجب العنوة والغنيمة، وموجب الصلح العفو والمن، فلما عفا ومن، ولم يقتل ولم يغنم، وأنكر حين رأى خالدًا قد قتل كان هذا دليًل على الصلح، ومانعاً من العنوة وصار الصالح كالمنقول لنقل موجبه من العفو.
فأما الجواب عن قول الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فمن وجهين:
أحدهما: أن الفتح ينطلق على الصلح والعنوة، لقولهم: فتحت مكة صلحًا، وفتحت عنوة؛ لأن الفتح هو الظفر بالبلد بعد امتناعه وكلا الأمرين ظفر بممتنع.