ذلك الملك شبهة، وإنما حقه في الوثيقة فلا يدرأ به الحد، ولأن المستأجر يلزمه الحد إذا زنا بمستأجريه وهو يملك منافعها، وإنما له فيها حق الوثيقة بوجوب الحد أولى، ولا يثبت نسب الولد منه لأنه زنا، ويكون رقيقًا للراهن.
وأما المهر إن أكرهها على الوطء يلزمه المهر؛ لأن المهر يجب للسيد لا لها، فلم يسقط بإذنها كما لو أذنت بقطع يدها.
وهذا لا يصح؛ لأنها زانية كالحرة، والمهر وإن كان للسيد فلها سبيل إلى إسقاط مهرها كما يريد، أو ترضع قبل الدخول رضاعًا يوجب فسخ النكاح فيسقط المهر.
وإن كان جاهًلا لا يلزمه الحد؛ لأن الحد يسقط بالشبهة، وإذا سقط الحد يلحقه النسب ويكون الولد حرًا لاعتقاده أن الوطء مباح، أو يلزمه قيمة للراهن يوم سقط حيًا، لأنه أتلفه على الراهن باعتقاده وشبهته، وينظر في دعوى الجهالة إذا قال: ظننت أن المرتهن يستحل الوطء بعقد الرهن، أو يملك الجارية به تمليك [ق 195 ب] البيع أو ظننت أنه يسلطني به على منافع البضع تسليط النكاح، فإن احتملت حالته الجهالة بأن يكون قريب العهد بالإسلام لا يبعد أن يخفي عليه ذلك، وإن لم يكن قريب العهد بالإسلام ولكنه كان مستوطن بادية بعيدة لا يخالط أهل العلم كان مصدقًا فيما يدعيه؛ لأن من تباعد عن مجالس العلماء خفيت عليه ظواهر الشريعة وغوامضها وإن تقادم عهده بالإسلام، وإن لم تحتمل حالته الجهالة بأن نشأ في بلاد الإسلام ويخالط العلماء لا يقبل منه ذلك؛ لأنا لو قلنا ذلك أدى إلى إسقاط الحدود وانتهاك المحارم.
وقد روي أن رجًلا سأل في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه- رجلاً: متى عهدك بالنساء؟ فقال: البارحة.
فقال: بمن؟ فقال: بأم مثواي.
فرفع إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه- فادعى الجهالة بتحريم الزنا، فأمر به فاستحلف بين القبر والمنبر وأطلقه فدل على ما ذكرنا.
وأما المهر إن كانت مكرهة أو نائمة أو جاهلة يلزمها المهر قولاً واحدًا.
وإن كانت عالمة بالتحريم فطاوعته فعلى ما ذكرنا من الخلاف.
وقيل: أحكام الوطء على ثلاثة أضرب:
ضرب يعتبر بكل واحد منهما وهو الحد والغسل، فأيهما كان صغيرًا لا حد عليه ولا غسل، وأيهما كان [ق 196 أ] مكلفًا يلزمه الحد والغسل.
وضرب يعتبر به وحده وهو النسب والعدة، فمن يسقط الحد عنه يثبت النسب والعدة، ولا يعتبر حالها.
وضرب يعتبر بها وحدها وهو المهر متى سقط عنها الحد فلها المهر، ولا يعتبر حاله، ومتى وجب الحد عليها فلا مهر إن كانت حرة، وفي الأمة خلاف.
وإن أذن الراهن للمرتهن في الوطء فقد أساء ويؤدب، ولا يحل الوطء بذلك، فإن خالف ووطء فالحكم في الحد وحرية الولد ورقه ونسبه على ما ذكرنا إذا كان الوطء بغير إذنه.
وإذا ادعى الجهالة هنا وقال: ظننت أنها تحل بإذنه فهي شبهة قوية تقبل من العامة، فإن مثل ذلك يجوز أن يخفي، ويخالف هذا دعوى الجهالة في القسم الأول؛ لأنه أمر ظاهر
لا (يخفى) على من يشاء بين المسلمين، ولا يقبل هذا من العالم الذي يخالط العلماء.
وقال أبو حامد: حكمه كما لو كان بغير إذنه، ولا تقبل هذه الشبهة إلا ممن تقبل منه هناك.
وقيل: يختلف باختلاف الواطئ على ما يعرف من حاله من غفلته وتنبهه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا حد عليه وإن كان عالمًا؛ لأن عطاء ذهب إلى إباحة إعارة الجواري للوطء فيصير ذلك شبهة، وهذا ضعيف.
أما المهر هل يجب ههنا [ق 196 ب] في الموضع الذي يوجب عند عدم الإذن؟ نص الشافعي فيه على قولين:
أحدهما: لا يجب، لأن من استحق المهر بالجهالة فهو كما فهو كما لو قال: اقطع طرفها فقطعه، أو اضربها فضربها لا ضمان.
والثاني: يجب المهر؛ لأنه وطء في غير ملك سقط الحد فيه عن الموطوءة فيجب المهر كما لو وطء بشبهة، ولأن المفوضة يلزم المهر وإن أذنت بالوطء بلا مهر.
وذكر القاضي الحسين من المفوضة قولاً مخرجًا من ههنا أنه لا يلزم المهر لها لإذنها بالوطء من غير مهر وفيه نظر.
وأما قيمة الولد اختلف أصحابنا فيه على طريقين:
فمنهم من قال: فيه قولان كما في المهر؛ لأنه تولد منت فعل مأذون فيه.
ومن أصحابنا من قال: تجب قيمة الولد قولاً واحدًا كما نص عليه، وهو اختيار القفال.
والفرق بينه وبين المهر: أن صريح الإذن لم يتناول الولد والإحبال، وصريح الإذن يتناول الوطء، والأول أصح؛ لأنه لا فرق بين أن يتناوله صريح الإذن وبين أن لا يتناوله صريح الإذن، ولكنه تولد من فعل مأذون، ألا ترى أنه لو قال الرجل: اقطع اصبعي هذه فقطعها فشلت أخرى بجنبها بسراية القطع لا يلزمه شيء به، ويمكن أن يجاب عن هذا بأن إذنه لم يفد حرية الولد، وغنما شبهة الواطئ أتلفت رقة ولم يتولد ذلك من [ق 197 أ] المأذون فيه.
وقيل: الصحيح أنه لا يسقط المهر ولا قيمة الولد؛ لأن الواطئ لا يقبل الإباحة فلا يسقط العوض المستحيل الفاسد كما لا يسقط الحد وليس كالقطع؛ لأن الأصل في ضمانه القصاص، وقد سقط ذلك بالإذن، فكذلك المال الذي هو حقه يسقط أيضًا.
وأما الأمة لا تصر أم ولده في الحال، فلو ملكها في ثاني الحال فكل موضع علقت بمملوك لا تصير أم ولده، وكل موضع علقت بحر هل تصير أم ولدٍ له؟ قولان:
أحدهما: تصير أم ولد له، نقله المزني وحرملة.
والثاني: نص عليه في "الأم" لا تصير أم ولد له.
قال المزني: "قَدْ مَضى فِي مِثْلِ هَذَا جَوَابِي" يريد أنها لا تصير أم ولده في الحال فكذلك في ثاني الحال.
قال أصحابنا: وكذلك قد مضى في مثل هذا جوابنا، والصحيح أنها لا تصير أم ولده، وهناك تصير.
والفرق أن وطء الراهن صادف ملكه وههنا وطء
المرتهن لم يصادف ملكه فافترقا.
فرع
لو أحبلها المرتهن ثم ادعى أن الراهن ملكها منه ببيع أو هبةٍ قبل الوطء فالقول قول الراهن.
فإن حلف تصير كما وطئها قبل تملكها، وإن لم يحلف حلف المرتهن وتكون الجارية أم ولده خارجة من الرهن، ومتى تملكها المرتهن بعدما حلف الراهن تصير أم ولده قولاً واحدًا؛ لأنه اعترف أنه أحبلها [ق 197 ب] في ملكه وغصب عليها الراهن بغير حق فصار كما لو قال: هذه الأمة التي في يد فلان أم ولدي لم يُقبل، ولكن لو ملكها حكمنا بأنها أم ولده.
فرع آخر
هل تكون هذه الدعوى شبهة في درء الحد عنه؟ قولان:
أحدهما: تكون شبهة لتجويز ما ادعاه.
والثاني: وهو الأظهر لا تكون شبهة.
وكذلك ادعى أنه زوجها منه الراهن، ولكن في دعوى التزويج لا يبطل الرهن والولد مملوك.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ كَانَ الرَّهْنُ إِلَى أَجَلٍ فَأَذِنَ للرَّاهِنِ فِي بَيْعِ الرَّهْنِ".
الفصل
إذا أذن المرتهن للراهن في بيع المرهون قبل محله حقه فباعه صح البيع وبطل الرهن، وليس له مطالبته بان يجعل ثمنه رهنًا مكانه أو يجعله قصاصًا من الحق.
وبه قال أبو يوسف.
وقال أبو حنيفة: له مطالبته بأن يضع ثمنه رهنًا، وبه قال محمد.
وهذا غلط؛ لأنه تصرف يبطل حق المرتهن من عين الرهن لا يستحقه المرتهن من غير الرهن، فإذا أذن فيه سقط حقه، كما لو أذن بالعتق فأعتقه، ولو رجع عن هذا الإذن فقد ذكرنا ثلاث مسائل إذا أذن بالإعتاق ثم رجع، وتلك المسائل تجئ ههنا.
وقال في "الإفصاح": إن لم يعلم رجوعه فباعه، فإن كان له طريق إلى معرفته هل يجوز؟ وجهان.
وإن لم يكن له طريقًا إلى [ق 198 أ] معرفته يصح وجهًا واحدًا.
وهذا التفصيل لم يقله غيره.
ولو اختلفا فقال المرتهن: بعت بعد أن رجعت عن الإذن وأنكر الرهن وقال: بعت
بعد الرجوع عن الإذن فالقول قول المرتهن؛ لأنه يدعي بقاء الوثيقة والأصل بقاؤها، ولان الأصل لا بيع ولا رجوع فتقابلا وبقى مع المرتهن أصل الأمر.
وقال بعض أصحابنا: إن اتفقا على وقت البيع واختلفا في وقت الرجوع فالقول قول الراهن.
وإن اتفقا على وقت الرجوع واختلفا في وقت البيع فالقول قول المرتهن.
وإن اختلفا فيهما نظر في السابق بالدعوى فيكون القول قوله، وإن ادعياه معًا فيه وجهان:
أحدهما: القول قول الراهن؛ لأن الأصل أن لا رجوع.
والثاني: القول قول المجتهد؛ لأن الأصل أن لا بيع.
ذكره والد رحمه الله وفيه وجهان علاة الإطلاق، وهو ضعيف.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ عَلَى أَنْ يُعْطِيهِ ثَمَنَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيْعُهُ".
الفصل
إذا أذن المرتهن للراهن في بيع المرهون قبل محل حقه مقيدًا بشرط أن يعطيه ثمنه فباعه، فإن شرط عليه أن يجعل ثمنه رهنًا فيه قولان:
أحدهما: البيع باطل، قاله في "الأم" وهو الصحيح؛ لأن ثمنه مجهول عندهما فصار كما لو شرط رهنًا مجهولاً.
والثاني: قاله في "الإملاء" البيع جائز.
وبه قال أبو حنيفة [ق 198 ب] والمزني وأصحاب أحمد؛ لأنه لما جاز أن يشرط كون العين رهنًا جاز أن يشرط كون بدلها رهنًا؛ لأن الشيء في نفسه يجوز أن يكون رهنًا، وكذلك ثمنه يجوز أن يكون رهنًا، وهذا إذا اعترف المشتري بأن المرتهن هكذا أذن في البيع.
وإن اشترط أن يقضي دينه منه فالمنصوص أن الشرط والبيع فاسد.
ومن أصحابنا من خرج فيه قولاً آخر أنه يصح البيع قياسًا على ما قال الشافعي في "الإملاء" في المسألة قبلها، وهذا غلط.
والفرق أن العقد المتقدم لم يتضمن تعجيل حقه من بدل الرهن واقتضى أن يكون بدله رهنًا.
فإذا شرط أن يكون ثمنه رهنًا جاز تخريج القول ولا يجوز ذلك إذا شرط أن يقضي دينه منه.
وقال أبو حنيفة والمزني وأصحاب أحمد: يصح البيع.
ويحكى عن أبي إسحاق: لا يصح عنه، ويجعل ثمنه رهنًا ولا يجب تعجيل حقه، واحتج المزني أن الشرط الفاسد مقدم على البيع فلم يضره، كما لو قال: وكلتك ببيع ثوبي هذا على أن يكون لك عشر ثمنه فباعه يجوز البيع والشرط باطل، وله أجرة مثله؛ لأن العقد تعرى عن الشرط.
وحكي عن المزني أنه قال: إذا صح البيع نجعل قيمته رهنًا مكانه، وهذا ليس بشيء.
قلنا: المقصود من الشرط للمرتهن تعجيل حقه قبل محله، وهذا ساقط؛ لأنه
[ق 199 أ] لا يجب على الراهن تعجيله فسقط الذي في مقابلته وهو الإذن في البيع، وليس كذلك في الوكيل؛ لأن المقصود للوكيل من عشر الثمن العوض، والمقصود لا يسقط؛ لأنَّا نجعل له أجرة مثله فلم يجب إسقاط إذنه في البيع فافترقا.
فرع
لو اختلف الراهن والمرتهن فقال المرتهن: أذنت لك في بيعه على أن تعطيني ثمنه قصاصًا من الحق، وقال الراهن: بل أذنت لي في بيعه مطلقًا، فالقول قول المرتهن مع يمينه؛ لأن الرهن صحيح والراهن يدعي ما يبطله، ولأنهما لو اختلفا في أصل الإذن كان القول قوله، إذا اختلفا في صفته.
فرع آخر
لو قال المرتهن: صدقت كان لفظي مطلقًا ولكن كان في نيتي وضميري أن يكون ثمنه رهنًا أو قضاء لحقي قبل محله.
قال في "الأم": لم يلتفت إلى قوله ونفذ البيع ويبطل الرهن؛ لأن الإرادة لا يتعلق بها الحكم في العقود وفسخها.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ كَانَ الرَّهْنُ بِحَقِّ حَالٍ فَأَذِنَ لَهُ فَبَاعَ وَلَمْ يَشْتَرِطْ شَيْئًا كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ ثَمَنَهُ".
إذا كان الحق حالاً أو كان مؤجلاً فحل، فقال الراهن: مع هذا العبد فباعه كان له مطالبته بثمنه؛ لأن بيعه قد وجب فكان الظاهر أنه أمره ببيعه لاستيفاء حقه منه بخلاف المؤجل.
وإن شرط [ق 199 ب] ههنا أن يكون ثمنه رهنًا مكانه كان ثمنه رهنًا بمقتضى البيع إلا بالشرط، وكان الشرط تأكيدًا.
وهكذا إن شرط أن يقضي حقه من ثمنه.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ رَهَنَهُ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ الخَرَاجِ فَالرَّهْنُ مَفْسُوخُ".
الفصل
قال أصحابنا: أرض الخراج كل بلد فتح صلحًا على أن يكون ملك الأرض للمسلمين، ويؤدون في كل سنة عن كل جريب كذا وكذا، فيكون ذلك أجرة ولا يسقط بإسلامهم، ولا يجوز لهم بيعها وههنا؛ لأن الملك للمسلمين دونهم، وإنما هم أحق بمنافعها بالأجرة كالمستأجر، فإن ضرب الإمام على الأرض خراجًا لا على هذه الصفة فذلك ظلم،
وأما سواد الكوفة فمذهب الشافعي أنها فتحت عنوة, وأن عمر - رضي الله عنه استطاب أنفس الغانمين عن حقوقهم على ما ذكرنا من قبل, ثم وقفها على المسلمين وأجرها من أهلها الذين كانوا فيها بأجرة معلومة في كل سنة.
وهذا اختيار الاصطخرى وعامة أصحابنا.
وقال ابن سريج: لما رأى أهل سواد العراق يتبايعون أرضها ويتصرفون فيها تصرف الملاك في أملاكهم لا يجوز أن يكون ذلك وقفاً, وإنما عمر - رضي الله عنه - لما استخلصها باهها من أهلها بثمن معلوم, لأنها لو كانت وقفاً لأنكر [ق 200 أ] منكر على بيعهم من ذلك الوقت إلى وقتنا هذا.
قال أبو حامد: وهذا أصح, وإن كان ظاهر المذهب بخلافه.
قال ابن سريج: والذي ذكره الشافعي لم يرد به سواد العراق, بل أراد أن الإمام إذا فتح أرضاً واستخلصها للمسلمين ووقفها عليهم لا يجوز رهنها لأنها غير مملوكة, وهي مال الفيء.
فإذا قلنا بالأول لا يجوز بيعها ورهنها, قال: فإن كان فيها غراس أو بناء للراهن فهو رهن, وينظر فيها إن أفرادها بالرهن أو البيع جاز, وإن رهن الأرض بما فيها من البناء والغراس فالرهن باطل في الأرض على القول الأول.
وأما في البناء والغراس إن قلنا الصفقة تفرق يجوز فيها أيضاً, لأنه لا عوض فيه.
وإن قلنا: التعليل فيه أن العقد جمع محظوراً ومباحاً لم يصح ههنا في الكل.
فإذا قلنا: يصح يكون للمرتهن الخيار في فسخ البيع إن كان الرهن شرطًا في عقد البيع, لأنه لا يسلم له جميع ما اشترط من الرهن, وهذا إذا كان البناء من طين ذلك الموضع, فإن كان من طينه فالرهن والبيع فيه باطل أيضًا على هذا القول قولًا واحدًا, لأن تراب الأرض حكمه حكم الأرض.
مسألة:
قَالَ: "فَإِنْ أَدَّى عَنْهَا الْخَرَاجَ فَهُوَ مَقْطُوعٌ لَا يَرْجِعُ بِهِ"
الفصل:
إذا رهن [ق 200 ب] أرضًا من أرض الخراج سواء قلنا الرهن صحيح أو قلنا باطل فالخراج على الراهن, لأنه إما أن يكون ثمنًا أو أجرة وكلاهما لا يلزمان المرتهن.
وهكذا إذا أحرها فالخراج على الأجر دون المستأجر.
وقال بعض أصحابنا: إذا جوزنا الرهن والخراج على الراهن فكان معسرًا يباع جزء من الرهن ويصرف إلى الخراج, فإن أدى المرتهن الخراج عن الراهن, فإن كان بغير إذنه إنه لم يرجع عليه, لأنه متطوع به, وإن كان بإذنه نظر, فإن قال: على أن يرجع عليَّ رجع عليه, وإن لم يشترط الرجوع فيه وجهان:
أحدهما: يرجع, لأنه أداه بأمره, وهذا اختيار أبى إسحاق والقاضي الطبري, وهو ظاهر كلام الشافعي, لأنه قال: "إلا أن يكون دفعه بأمره".
والثاني: لا يرجع, وهو اختيار ابن أبى هريرة وأبى حامد.
قال أبو حامد: وهذا هو الذي يجئ على المذهب, لأن الشافعي قال: "لو دفع إلى قصار ثوبًا فقصره لا أجره له لأنه لم يشرطها له" وهذا لأنه لم يشترط الرجوع فكان بمنزله أن يسأله التطوع بأدائها عنه.
وقال مالك: يرجع عليه إذا ادعى منه, وإن لم يكن بإذنه كأن يقع ذلك عاد إلى القضاء عنه.
وكذلك قال في المستأجر والأجنبي إذا قضى دينه.
هكذا ذكره أصحابنا عنه.
وقال أصحابه: [ق 201 أ] مذهب مالك أنه ينظر فإن أداه المرتهن مكرهًا يرجع به على الرهن, وإن أداه مختارًا فإن كان صديقًا للراهن يرجع به عليه, وإن كان عدوًا له لم يرجع به عليه.
وهذا غلط, لأنه تطوع به فلا يرجع كما لو وهب منه شيئًا لا يرجع.
واجتح الشافعي بأنه لو دفع المكترى الكراء إلى مالك الأرض المؤاجر من مؤاجره لا يحتسب له كذلك ههنا.
وقال بعض أصحابنا: ربما لا يسلم مالك هذا.
وعلى ما ذكرنا إذا أدى بإذنه لا يكون هذا الرهن مرهونًا بما أدى, بل يكون مرهونًا بأصل الحق, فإن شرط أن يكون رهنًا بالكل فيه قولان, لأنه زيادة الدين في الرهن الواحد.
مسألة:
قَال: "وَلَوْ اشْتَرَى عَبْدًا بِالخَيَارِ ثَلَاثاً فَرَهَنَةُ قَبْلَهَا فَالرَّهْن جَائِزٌ وَهُوَ قَطْعٌ لِخَيَارشهِ".
إذا اشترى عبدًا يشرط الخيار ثم رهنه لا يخلو إما أن يكون الراهن البائع أو المشتري, فإن كان الراهن المشترى نظر, فإن كان الخيار له وحده يجوز ويكون ذلك إجازة للبيع وإبطالًا للخيار, لأنه يملكه ملكًا تامًا, ويمكنه التسليم في الرهن, والخيار ينقطع مرة تعريضًا ومرة تصريحًا.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: يجب أن يجيز البيع ثم يرهن, فإن رهن قبل [ق 201 ب] الإجازة لم يجز, والأول أصح.
وقيل: مطلق كلام الشافعي ههنا يدل على أنه لا فرق بين أن يكون مقبوضًا له أو لا, وليس رهنه قبل القبض كالبيع, لأن الرهن لا يتضمن إزالة الملك ونقل الضمان, ثم إذا قبضه المرتهن من البائع الأول اندرج قبض البيع تحت قبض الراهن.
وكذلك هبة المبيع قبل القبض يجوز, وقد ذكرنا في " كتال البيع" ما قيل في الرهن والهبة قبل القبض, وإن كان الخيار للبائع كان الراهن باطلًا, لأنه
يعترض على حق البائع بالإبطال.
وهكذا لو كان الخيار لهما, لأن البائع شريكه في الخيار, وهو لم يرض بقطع خياره وإن رضي المشترى به.
وعلى هذا لو كان الخيار للبائع فرهنه المشترى وسكت البائع عن الفسخ حتى انقضت المدة, ثم الملك للمشتري والرهن السابق مفسوخ أيضًا.
وإن حكمنا للمشترى بالملك ساعة عقد الرهن لأنه لم يستفد انبرام الملك إلا بعد انقضاء الخيار, وهل يكون هذا قطعاً لخيار المشترى إذا كان الخيار لهما وأبطلنا الرهن؟ وجهان:
أحدهما: يكون قطعًا, لأنه دليل على اختيار لزوم البيع.
والثاني: لا يكون قطعًا, لأنه لم يصح ذلك.
وإن كان الخيار لهما أو له وحده لأنه يملك الفسخ وحده [ق 202 أ] لحق الخيار ورهنه يدل على اختياره الفسخ والمشتري يريد إمضاء البيع ولا يصح من أحدهما اختيار الإمضاء إلا بموافقة صاحبه فافترقا.
فإن قيل: ما تقولون إذا أفلس المشتري بالثمن فتصرف البائع في المبيع بالبيع أو الرهن أو الإجازة حين أثبتنا له فسخ البيع هل يكون له فسخًا للبيع أم لا؟ قلنا: فيه وجهان:
أحدهما: يصح تصرفه ويكون فسخًا.
والثاني: لا يكون فسخًا للبيع ويكون تصرفه باطلًا حتى يصرح بالفسخ, لأن ملك المفلس مستقر على المبيع بخلاف المشترى في مدة الخيار, لأنه إما أن يكون مالكاً أو يكون مالكًا ملك غير مستقر فافترقا.
مسألة:
قَالَ: "وَيَجُوزُ رَهْنُ العَبْدِ المُرْتَدَّ".
الفصل:
يجوز رهن العبد المرتد لأن الردة لا تزيل ملك سيده عنه, وإنما يخشي منها تلفه وترجى سلامته.
ويفارق العبد القاتل في قطع الطريق وقدر الإمام عليه قبل التوبة لا يجوز رهنه, لأن قتله مستحق لا ترجى سلامته بحالٍ.
وقال بعض أصحابنا: المذهب أنه لا يجوز بيع المرتد ولا رهنه, لأن قتله قاطع الطريق المتحتم قتله في وجه.
وعلى هذا يجوز رهنه أيضًا, فإذا ثبت هذا فإن علم بردته فلا مطالبة له قبل أن يقتل, فإذا قتل اختلف أصحابنا فيه, قال أبو إسحاق: [ق 202 ب] طريقه طريق الاستحقاق لأن التلف حصل بمعنى كان سابقًا للعقد, فيكون له فسخ البيع إن كان رهنه شرطًا في عقد البيع.
وقال ابن (أبي) هريرة: طريقه طريق العيب كما لو اشترى حاملًا أو مريضاً فماتت في يده من الولادة أو المرض فعلى هذا لا خيار له في فسخ البيع إن كان رهنه شرطًا في عقد.
وقيل: نص على هذا في "الأم" وعلى هذا في المسألة قولان, فإن قيل: المريض تلف بتزايد المرض في يد المرتهن قيل: والمرتد قتل بإصراره على الردة في يد المرتهن فلا فرق, ولأنه وإن قيل لما كان في يد البائع إلا أنه لما رضي به سقط حكمه وصار كأنه قتل في يده ابتداء ويفارق الاستحقاق, لأنه لا يصح الرضا به, وءن كان غير عالم بأنه مرتد, فإن علم قبل أن يقتل كان له رده وفسخ البيع والرجوع بالثمن قولًا واحدًا, وهذا يدل على أن طريقه طريق العيب دون الاستحقاق, كما قال ابن أبى هريرة, فإن قال: رضيت به حتى أنظر إيش يكون من العبد كان بمنزلة ما لو عقد البيع مع علمه بردته, وقد بيَّناه.
وإن لم يعلم بردته حتى قتل بها فعلى قول أبى إسحاق يرجع بالثمن كله في البيع ويفسخ البيع في مسألة الرهن.
وعلى قول غيره إن كان قد اشتراه يرجع بأرش العيب, وإن [ق 203 أ] كان قد ارتهنته لا خيار له في فسخ البيع ولا يرجع نشئ ويبقى الثمن على المشترى بلا رهن, لأن المرتهن إذا تلف الرهن في يده ثم علم به عيباً لا يكون له الرجوع بابلأرش, ولا خيار له في فسخ البيع نص عليه الشافعي.
هكذا حكاه ابن أبى هريرة والفرق بينه وبين المشترى أن المرتهن ما لم يجبر على تسليم الرهن لا يجبر أيضًا على........... الأرش ولا يجوز له فسخ البيع إذا لم يكن علم في مسألة الردة, وإن قلنا: إنه عيب والفرق بينه وبين أن يموت ثم يعلم به عيباً غير الردة أن ههنا حصل التلف بمعنى موجود عند الراهن سابق للعقد, فصار كأنه تلف في يده بخلاف ذلك, وهذا الطريق هو الصحيح وعليه نص الشافعي لأنه قال في "الأم" إذا علم بردته ثم قيل كان البيع ثابتاً, وإذا لم يعلم كان له فسخ البيع.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا علم بالعيب بعد موته أي عيب كان له الخيار ههنا, لأن منزله العيب منزلة نقد جزءٍ, ولو شرط رهن عشرة فسلم تسعة كان له فسخ البيع, وهذا غلط بخلاف النص.
وأما القاتل ففي جواز بيعه الطرق والرهن قياس البيع.
قال القفال: والصحيح إن كان الجنابة عمدًا وقلنا: موجبة القصاص قسط.
يجوز رهنه.
يجوز رهنه.
وإن قلنا موجبة أحد شيئين أو كانت جنابة خطأ لا يجوز رهنه, [ق 203 ب] لأن الجنابة لو وجدت بعد عقد الرهن بيع في الجنابة وبطل به الرهن, ولأنه محبوس بمال متعلق به فهو كالمرهون.
والصحيح عندي أنه إن كان قتل خطأ لا يجوز رهنه ولا بيعه.
وإن كان قتل عمد فيه قولان, وهو اختيار أبى حامد, فإذا قلنا: الرهن باطل فلا تفريع عليه, فإن قرأه السيد لا يعود الرهن صحيحاً لوقوعه فاسداً فلا تلحقه الصحة أبدًا, وإذا قلنا: إن الرهن صحيح فقتل قوداً فهو كالمرتد إذا قتل, وقد ذكرنا ذلك.
وان كان القتل خطأ فقداه سيده
بقي الرهن بحاله, فإن اختار تسلميه للبيع كان له ويقدم على الرهن, فإن كانت الجنابة تستغرق قيمته بيع فيها, وإن لم تستغرق قيمته بيع بقدر الأرش وكان الباقي رهناً.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا جوزنا الرهن فرهنه اختيار للفداء فيلزمه الفداء في قول, ويه قال أبو حنيفة, وهذا غلط, لأنه محل الجنابة باق والجنابة لا تنافي الرهن, ولهذا إذا جني بعد الرهن تعلق الأرش بع فلا يبطل الرهن ومتى بيع بالأرش كان قتله بالردة أو بالقصاص, وفيه التفصيل الذي ذكرنا أنه إن كان مع العلم فالمذهب أنه كالعيب وإن كان مع الجهل أنه كالمستحق.
فرع
لو علم أنه كان مرتدًا فتاب, فإن قلنا في البيع [ق 204 أ] إنه عيب في الحال له الخيار في مسألة الرهن المشروط في البيع وجهاً واحدًا, وإن قلنا إنه ليس بعيب في البيع في الحال لا خيار له في فسخ البيع المشروط فيه هذا الرهن وجهًا واحدًا, وهذا لأن في أحد الوجهين يعتبر وجوب القتل في الابتداء, وفي الوجه الثاني يعتبر سقوطه في الانتهاء بالتوبة.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ أَسْلَفَهُ أَلْفاً بِرَهْنٍ ثُمَّ سَأَلَهُ الرَّاهِنُ أَنْ يَزِيدَهُ أَلْفاً".
الفصل:
إذا استقرض من رجل ألف درهم برهن, ثم سأله أن يقرضه ألف أخر بذلك الرهن فيه قولان.
قال في "القديم": يجوز ويكون رهنًا بألفين, ويه قال مالك, وأبو يوسف واختاره المزني وهذا لأن الرهن وثيقة كالضمان, ثم أن يضمن حقاً أخر فجاز أن يرهن ثم يرهن بحق أخر.
وقال في"الجديد": لا يجوز ويه قال أبو حنيفة, ومحمد وهو الصحيح عند جمهور أصحابنا, لأن الرهن السابق ينعقد فلا سبيل إلى التزايد من غير استئناف العقد بعد الفسخ, كما لو تعاقد على دار عقد الكراء سنة بعشرة ثم تكارياها ملك السنة بعضها بعشرين لم يصح الكراء الثاني إلا بعد فسخ الأول, فإذا قلنا: باطل فالرهن الأول بحاله, فإذا أراد أن يكون رهنًا بالحقين معًا تفاسخا الرهن الأول واستأنفا [ق 204 ب] رهناً بألفين معاً, فإن لم يتفاسخا ولكن إقرار الراهن أنه رهن بألفين معاً كان رهنًا بألفين في الظاهر, وإنما في الباطن على قول القديم يكون رهنًا ولا يكون رهنًا على قوله الجديد, فإن أراد أن يكون رهنًا في الباطن على القولين ينبغي أن يتفاسخا, ثم يتعاقدا.
ولو شهد الشهود على إقراره بذلك جازت الشهادة في الحكم ولا يتمخض لأن الشهادة إذا احتملت وجد
الصحة حملت على الصحة, وإنما قيد الشافعي بذكر ههنا لأن حكم الحاكم لا يغير حقائق البواطن عما هي عليه, ولو تصادقا مع شهادة هذين الشاهدين على توالى العقدين من غير فسخ واستئناف كان العبد رهنًا بالألف الأول, لأنهما إذا تصادفا استغنيا عن الحكم بالظاهر, وفيما نقله المزني خلل لأنه اقتصر على قوله: "فإن تصادفا فهو على ما قالا" فلا يستفاد من هذا القدر مقصود المسألة لأنهما إذا تصادفا أخبرا عن العقد الأول وإلحاق الزيادة به فقد قالا قولاً محتملاً معنيين:
أحدهما: رهن العبد بألفين على جهة الإلحاق.
والثاني رهن العبد بألف لنفي الزيادة الملحقة, فإذا اقتصر على ما ذكر ترك الكلام من حد الإشكال والكلام المستقل بمعناه, قال في "الكبير": فإن تصادقا فهو ما قالا والعبد [ق 205 أ] رهن بالألف.
قال أبو إسحاق: وإنما أراد الشافعي أن يعلمنا الحيلة في جعله رهنًا بالحقين معًا على وجه لا غرر على الراهن فيه, فقال: يقرّ بذلك فيلزم في الظاهر ثم يتفاسخان في الباطن ثم يرهنه بألفين فيصح ظاهرًا وباطنًا, فإن امتنع أقام عليه الشهادة ولزمه الحكم في الظاهر, فإن عرف الشهود كيفية الحال بينهما, فإن كانا يعتقدان المذهب الجديد كان لهما أن يشهدا بذلك, وإن كانا يعتقدان القديم فيه وجهان:
أحدهما: أنه يسوغ لهما الشهادة من غير تفصيل لأنهما بما هو حق عندهما.
والثاني: لا يسوغ لهما ذلك.
وهذا اختيار أبى إسحاق وهو الأصح, لأن الشاهد ناقل الاجتهاد إلى الحاكم فيلزمها تفصيل الحال كما يعرفان حتى يجتهد الحاكم فيه, ومن أصحابنا من قال: هذا إن كان الشاهدان من أهل الاجتهاد يلزمها تفصيل ذلك قولاً واحداً.
وهكذا القول في كل شهادة طريقها الاجتهاد, ولا فرق بين أن يشاهد صورة الحال وبينهما إذا شهدا على تلك الصورة أو شهدا على الإقرار وعلما الباطن, ولو أقر على ما ذكرنا, ثم أدعى أنه إنما رهنه بالحق الثاني رهنًا مستأنفاً هل يحلف المرتهن أم لا؟ ينبني على القولين فلا يحلف على قوله "القديم" لأنه رهن بهما فلا معنى [ق 205 ب] ليمينه.
وعلى قوله "الجديد" يحلف لأنه رهن بأحد الحقين دون الأخر في الباطن, هذا إذا أنكر المرتهن التفصيل, وقيل: هذان الوجهان من الوجهين في الراهن إذا أقر بتسليم الرهن, ثم قال: لم أكن سلمت ويسأل يمين المرتهن هل يختلف؟ وجهان فأما إذا ادعى المرتهن أنهما تفاسخا العقد الأول ثم تعاقداه على ألفين معاً دفعة واحدة, ولو قال الراهن: ما تفاسخنا بل زدنا ألفًا في وجهان:
أحدهما: القول قول المرتهن أيضًا, لأن الظاهر معه وإطلاق إقرارا الراهن محمول على الصحة.
والثاني: القول قول الراهن, لأن الأصل أن لا فسخ والأول أقوى لأن إقرار الراهن أنا عقدنا عقدًا ثانيًا كالدليل على حصول الفسخ بينهما كما لو نكحها يوم الخميس
ثم (نكحها) يوم الجمعة, فالظاهر أنه ما نكح إلا بعد ما طلق في يقبل قوله: إني ما طلقت بل حددت النكاح ويلزمه المهران.
وكما لو قال اختاره بدليلين:
أحدهما: قال: قال الشافعي: لو جني المرهون فتعلق الأرش برقبته فلم يفده السيد ففداه المرتهن ليكون العبد رهناً بحاله بالحق الأول ربما فداه من الأرش يصح
والثاني: قال: لما جاز أن يزيده في الحق رهنًا جاز أن يزيده حقاً.
قلنا: أما الأول اختلف أصحابنا فيه [ق 206 أ] فمنهم من قال: إنما ذكره على قوله "القديم", فأما على قوله "الجديد" لا يجوز ذلك.
ومنهم من قال: هذا الجواب ذكره في "الجديد" ويصح ذلك على القولين.
والفرق أن هذا من مصلحة الرهن وحفظه على المرتهن لأن أرش الجناية يتعلق برقبته واستيفاء يؤدي إلى إبطال الرهن بخلاف مسألتنا.
وأما الدليل الثاني لا يصح, لأن الدين ليس بمشغول بالرهن فلا تمتنع الزيادة في الرهن والرهن مشغول بالدين فلا يجوز شغله ثانيًا.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ رَهَنَ عَبْدًا قَدْ صَارَتْ فِي عُنُقِهِ جِنَايَةٌ عَلَى ادَمِيَّ أَوْ فِي مَالٍ فَالرَّهْنُ مَفْسُوخُ".
هذا المسألة قد مضت وذكرنا أنه لا يجوز بيع الجاني خطأ على الصحيح المذهب, ولا فرق بين أن تكون الجناية على مال أو ادمي, لأن الجناية على الأموال كالجناية على الآدميين في تعلق الضامن برقبته.
ولا فرق بين أن يكون الأرش مثل قيمته أو اقل أو أكثر.
قال الشافعي: "هذا أكثر من أن يكون رهنه بحق, ثم رهنه بعد الأول, وهذا ترجيح للشافعي من الجناية على الرهن في تعلقها برقبة العبد, وإنما رجح الجناية على الرهن الأصل لا يختلف فيه وهو أن العبد المرهون لو جني في الرهن جناية بيع في جنايته ويؤخر حق [ق 206 ب] المرتهن, ثم لا يجوز ورود الرهن على الراهن فلأن لا يجوز ورود الرهن على الجناية أولى, وقال في "الحاوي": كيف يتعلق برقبته جناية الخطأ؟ وجهان:
أحدهما: وجب ابتداء في رقبته.
والثاني: وجب ابتداء في ذمة العبد, ثم انتقل وجوبه إلى رقبته, لو أعتق وجب أرشها في ذمته, والأول أصح, فإذا قلنا بالوجه الثاني فيه قول مخرج أنه إذا كان موسراً يجوز رهنه, ثم إن فداه السيد استقر رهنه وإن بيع في الجناية بطل رهنه, والصحيح أنه باطل بكل حالٍ.
فرع
لو خلف تركه وعليه دين فأوصى إلى رجل فقضى دينه, فرهن الوصي شيئاً من التركة عند بعض الغرماء لم يجز, لأن التركة تعلق بها حق الغرماء أجمعين فلا يجوز له رهنها عند بعضهم, وإن كان الغرين واحدًا لم يجز أيضاً, لأن الملك للورثة, ولا يجوز للوصي أن يتصرف فيها إلا بالوجه الذي أذن له, فإن رضي به الورثة جاز.
فرع آخر
لو مات وخلفت تركة وعليه دين وله وارث رشيد فرهن وارثه هذه التركة في دين عليه.
قال ابن سريج: فيه وجهان:
أحدهما: لا يصح الرهن لأنه غريم الميت قد تعلق دينه بها فلا يجوز رهنها به, كما لو رهن المرهون لا يجوز.
والثاني: يصح الرهن لأنه [ق 207 أ] ملكه وليعلق عليه حقًا بعقده واختياره بل تعلق ذلك من غير اختيار والمذهب الأول, ولهذين الوجهين أصل صحيح وهو أنه إذا باع ماله بعد وجوب الزكاة فيه هل يصح البيع في قدر الزكاة؟ قولان, وهكذا في بيع العبد الجاني خطأ ورهنه قولان, لأن الزكاة والجناية تعلقا في غير الاختيار والعقد.
فرع آخر
لو كانت المسألة بحالها وخلف وارثًا وتركةً فرهن الوارث التركة, ثم بان أنه كان على الميت دين بالبينة فهل يصح رهن الوارث؟ وجهان, فإذا صححنا الرهن يقول للوارث: إما أن تقضى الدين الذي على الميت من مالك وإلا فسخنا الرهن وقضينا منه دين الميت, لأن حقه سابق.
فرع آخر
لو باع عبداً وقبض ثمنه ومات وخلف تركة فرهنها الوارث, فرد العبد فأخذه الوارث وتلف في يده وثبت للمشترى الرجوع بالدرك, هل يصح ذلك الرهن الذي عقده الوارث؟ قال ابن سريج فيه وجهان:
أحدهما: أنه يصح.
والثاني: الحكم فيه كما لو رهنه وقد تعلق به حق الغرماء, فيكون على ما مضى من الوجهين, لأن هذا الحق وإن تجدد بحلفه على التركة بعد موته فإن سببه كان من هذا الميت قبل وفاته, وهذا الحكم في حق تجدد تعلقه بالتركة [ق 207 ب] وقد تصرف الوارث فيها, مثل أنه حفر بئراً في غير ملكه, ثم مات وخلف تركة فتصرف الوارث فيها, ثم وقع في البئر بهيمة لرجل فماتت كان الدرك في الترك وهل يصح ذلك التصرف؟ على الوجهين, فإذا صححنا الرهن فالحكم ما مضى وهو أنه يقال له: إما أن تقضى هذا الدين
من مالك وإلا فسخنا تصرفك لأن سببه كان سابقًا.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ ارْتَهَنَهُ وَقَبَضَهُ ثُمَّ أَقَرَّ الرَّاهِنُ أَنَّهُ جَنَي قَبْلَ الرَّهْنِ جِنَايَةً ادَّعَى بِهَا".
الفصل:
إذا رهن عبدًا وأقبضه, ثم أقر الراهن أنه جني جناية على رجل قبل الرهن توجب المال, لا يخلو إما أن يقبل المقر له إقراره منه أو يرده, فإن رده سقط إقراره, ولأنه أقر لمن لا يدعيه ويكون العبد رهنًا كما كان, وإن قبله لا يخلو المرتهن من أحد أمرين, إما أن يصدق الراهن فيما أقر به أو يكذبه, فإن صدقه نفذ إقراره وثبت أنه قد رهن عبدًا قد جني وقد مضى حكمه, وإن أنكر المرتهن وكذبه فهل القول قوله أو قول الراهن؟ فيه قولان:
أحدهما: القول قو الراهن كما لو أجر عبده, ثم أقر عليه بجناية قبل عقد الإجارة قبل إقراره وبيع فيها, فكذلك الرهن, ولأنه غير متهم في إقراره, فءن الدين مستقر في ذمته.
وهذا [ق 208 أ] الإقرار ضرر يلحقه وحق تعلق بعتق عبد, ومن أقر على نفسه بما يتضرر به قبل إقراره.
والثاني: القول قو المرتهن وهو الصحيح, ويه قال أبو حنيفة, والمزني ولأنه يبطل وثيقة المرتهن فلا يملكه الراهن كالبيع, ويخالف الإقرار في المؤاجر, لأن الإجارة لا تمنع البيع فلا يمنع فلا يمنع الإقرار, وهكذا لو أقر أنه غصبه من فلان قبل الرهن, ثم رهنه وكان قد باعه من فلان أو وهبه منه وأبضه, ثم رهنه هل يقبل إقراره؟ قولان: وهكذا لو قال: كنت أرهنت من فلان وأقبضته, ثم رهنت عندك.
فإذا تقرر هذا, فأن قلنا: القول قول الراهن هل عليه اليمين؟ فيه قولان, وقيل وجهان:
أحدهما: عليه اليمين, وهو اختيار أبى حامد.
وقال نص عليه الشافعي لأن قوله متردد بين الصدق والكذب فوجب إحلافه.
والثاني: لا يمين عليه, وهو اختيار القاضي الطبري, وقال: الشافعي: أحد القولين القول قول الراهن ولم يذكر يمينه.
والثاني: القول قول المرتهن مع يمينه, فذكر يمينه, ولأنه لو رجع إقراره لم يقبل واليمين إنما تكون في الموضع الذي لو رجع قبل رجوعه.
وأصل هذا أنه إذا تداعيا رجلان نكاح امرأة فأقرت لأهدهما خل يحلف للأخر؟ قولان.
وأصل ذلك [ق 208 ب] أنها لو رجعت عن الإقرار الأول وأقرت للثاني هل تغرم للثاني؟ قولان, فإذا قلنا: لا يمين عليه أو قلنا عليه اليمين وحلف, فقد ثبت أنه رهن وقد جني فيه قولان.
فإذا قلنا:
الرهن صحيح يباع منه بقدر الأرش ويكون الباقي رهنًا, وإن لم يشتر بعضه بقدر الأرش بيع جمعيه وما يفضل عن الجناية يكون رهنًا.
وإذا قلنا: الرهن باطل يباع من العبد بقدر الأرش ولا يكون الباقي رهنًا, وقد يكون الثاني............. لأنَّا أثبتنا حق الجناية لحق وليها, ولهذا لو رد إقراره للراهن بطل إقراره وكان الرهن صحيحًا, فلم نمض إقراره إلا في قدر الجناية خاصة وإن كان الباقي رهنًا بخلاف ما إذا جني ثم رهنه, وعلى كل حال الخيار ثابت للمترهن في فسخ البيع المعقود على شرط هذا الرهن.
وإذا قلنا عليه اليمين فيمينه على القطع لأنها على الإثبات على فعل نفسه ويثبت به جناية العبد, وإذا قلنا القول قول المرتهن فعليه اليمين قولًا واحدًا لأنه لو رجع عن إنكاره قُبل منه ويمينه على العلم, وهو أن يحلف بالله الذي لا اله إلا هو ما يعلم أنه جني عليه, لا اليمين إذا كانت على نفي فعل الغير كانت على العلم دون القطع, والأيمان أربعة أقسام:
يمين على إثبات فعل نفسه, ويمين على [ق 209 أ] نفي فعل نفسه, ويمين على إثبات فعل الغير, ويمين على نفي فعل الغير, فأما على العلم فإن حلف ثبت عقد الرهن وهل يلزم الراهن أرش الجناية؟ قولان نصوصان:
أحدهما: يلزم ذلك للمجني عليه, لأنه مقر له لحق في رقبة عبده, وقد حال بينه وبين استيفائه منه فوجب أن يلزمه في سائر ماله, كما لو أقر بأنه جني عليه ثم قتله.
والثاني: لا يلزمه ذلك لأنه تصرف في ملكه والمنع ليس من جهته وإنما هو من جهة الشريعة.
قال القفال: وهذان القولان مبنيان على ما لو قال: غصبت هذه الدار من فلان لا بل من فلان صح لأول إقراره وهل الغرم للثاني قولان, فإذا قلنا: يلزم الأرش ههنا هل يلزمه أقل الأمرين أو يلزمه الأرش بالغًا ما بلغ؟ فيه قولان:
أحدهما: وهو الصحيح يلزمه أقل الأمرين من قيمته أو الأرش جناية, لأن تسليم الجاني المبيع غير ممكن فأشبه أم الولد إذا جنت يلزم السيد أقل الأمرين, وهذه طريقة أبى إسحاق.
وقال أكثر أصحابنا: يلزمه الأرش فعاد العبد إلى ملك الراهن بالانفكاك أو بالشراء بعد البيع في حقه تعلق به حق الجناية, لأن حق المرتهن كان هو الحائل وقد [ق 209 ب] زال ذلك, وعلى هذا القول لا فرق بين أن يكون موسراً أو معسرًا, لأنه أقر في رقبة العبد لا على ذمته, وإذا علق الحقين لرجلين في رقبة واحدة استحال تحويل الغرم إلى ذمته, لا يكون سببًا لمطالبته به بما هو برئ عند اعتباره, وإن نكل المرتهن عن اليمين.
نص الشافعي أن اليمين ترد على المجني عليه لأنه هو المدعي جناية العبد على نفسه أو ماله أو مورثه, والمرتهن يحلف على نفي دعواه فوجب رد اليمين عليه, وفيه قول أخر: أنه يرد على الراهن لأنه الذي باشر عقد الرهن فكانت الخصومة له مع المرتهن والأول أصح, لأن
الراهن لو ادعى ذلك من غير دعوى المجني عليه لم يسمع منه، ومن أصحابنا من قال: ترد على الراهن قولًا واحدًا كما تقول في الوارث إذا أقام شاهدًا واحدًا الميت يحلف معه دون الغرماء، وهذا لا يصح، والفرق أن المجني عليه يثبت الحق لنفسه والراهن والوارث يثبت الحق لنفسه أولًا ثم يقضي به الدين فنظير الوارث نظير المجني عليه.
ومن أصحابنا من قال: قولًا واحدًا يرد على المجني عليه لما ذكرنا فحصل ثلاث طرق.
فإذا قلنا: ترد على المجني عليه فحلف استحق، وإن نكل هل ترد على الراهني؟ وجهان كما ذكرنا لو اختلف الراهن والمرتهن فقال الراهن: أحبلتها بإذن المرتهن وأنكر المرتهن الإذن، فالقول قول المرتهن مع يمينه فإن [ق 210 أ] نكل ترد اليمين على الراهن، فإن نكل هل ترد اليمين على الجارية؟ قولان، وكذلك إذا امتنع المفلس من اليمين عند الرد هل يحلف الغرماء؟ قولان.
وقال بعض أصحابنا: إن قلنا ترد على المجني عليه فنكل هل ترد على [....] قولان كمسألة الإحبال سواء.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن قلنا: ترد على المجني عليه فنكل سقط حقه والعبد رهن، وإن قلنا: ترد على الراهن فنكل هل ترد على المجني عليه؟ قولان:
أحدهما: ترد لأن الراهن متهم في هذا النكول والحق يحصل للمجني عليه بيمينه.
والثاني: لا ترد عليه لأن يمين الرد لا تنقل من أحد إلى أحد.
وهذا كله إذا كانت الجناية خطأ، فإن كانت الجناية عمدًا فلا يقبل قول سيده عليه.
فإذا تقرر هذا.
قال المزني: القول قول المرتهن ويلزم الغرم على الراهن، واحتج بأن من أقر بما يضره لزمه إقراره، ومن أقر بما يبطل حق غيره لم يجز إقراره على غيره.
ثم قال الشافعي: "لو أقر أنه أعتقه، ثم رهنه لم يقبل قوله ولم ينفسخ الرهن ولكن إن كان موسرًا أخذت قيمته وتجعل رهنًا مكانه، وإن كان معسرًا بيع في الرهن" قلنا: اخترت القول الصحيح ولكن في الإقرار بالعتق قولان أيضًا كالإقرار بالجناية، وهذا الجواب الذي ذكر في هذا الموضع [ق 210 ب] على أصح الأقاويل في الفصل بين الموسر والمعسر، إذا أعتق الراهن المرهون وإذا بيع هذا العبد أقر سيده المعسر بحريته، ثم رجع إليه بملك حادث عتق عليه؛ لأنه أقر من قبل أنه حر، وفيه قول آخر: أنه لا يعتق، لأنَّا ألغينا لفظ الحرية في الابتداء فلا نعطيها حكم التنفيذ في الانتهاء.
ذكره بعض أصحابنا بخراسان والأول أصح.
وأما قوله: إن كل من أقر بما يضر غيره لا يقبل قلنا: هذا إذا كان متهمًا فيه، فأما إذا لم يكن متهمًا يقبل كالعبد يقر بالجناية عمدًا يُقبل، وإن أضر سيده.
وإذا أقرت المرأة بجناية العمد قُبل وإن أضر بزوجها لعدم التهمة.
وههنا غير متهم عل ما بينا، وإذا لم يقبل إقراره بالعتق يصير كالعتق المبتدأ فيه أقاويل على ما ذكرنا.
وأما إذا باع عبدًا، ثم أقر أنه جني أو أعتقه أو باعه من آخر، ثم باعه منه ونحو
ذلك لا يقبل قولًا واحدًا؛ لأن ملكه قد زال.
وهكذا لو كاتب عبده ثم أقر بجنايته قبل الكتابة يقطع تصرفاته عنه، إلا أنه إذا أقر أنه إن كان قد عصبه أو باعه ثم كاتب يكون ذلك إبراء له من مال الكتابة؛ لأنه يقول: لا أستحق عليك شيئًا ويعتق.
وإذا أقر أنه كان جني لا يكون ذلك إبراء له؛ لأن العبد وإن كان جانيًا فهو مملوك له وتصح كتابته.
وأما إذا [ق 211 أ] أقر أنه كان قد أعتقه يُقبل ويعتق.
فرع
لو جني عبد على مولاه ثم رهنه وجوزناه كان رهنه إياه دليلًا منه على عفوه عنه ذكره أصحابنا.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ جَنَي بَعْدَ الرَّهْنِ، ثُمَّ بَرِئ مَنَ الجِنَايةِ بِعَفْوٍ أَوْ صُلْحٍ".
الفصل
إذا رهن عبده، ثم جني، ثم أبرأه المجني عليه من أرش الجناية كان رهنًا بحاله؛ لأن الجناية لا تبطل عقد الرهن، وإنما البيع في أرش الجناية يبطله فإذا أبرأه من أرشها بقي الرهن.
وهكذا لو اصطلح رب الجناية والسيد عن الجناية على مال يبذله سيده، وإن كان تشقيصه عند البيع للجناية نقص يحصل في قيمته.
قال القفال: بيع الكل وأدى منه قدر الجناية، ويكون الباقي رهنًا عند المرتهن، ولا يثبت للمرتهن خيار بيع المرهون في هذه الجناية؛ لأنها حدثت بعد عقد الرهن.
وقال سائر أصحابنا: بيع البعض إلا أنه لا يمكن بيع البعض فيباع الكل ويكون الباقي رهنًا، ولا يفصلوا بين أن يكون في التشقيص نقص أم لا، والصواب التفصيل.
وقال أبو حنيفة: إذا جني العبد المرهون كان ضمان الجناية على المرتهن، فإن فداه كان مرهونًا كما كان، ولا يرجع بالفداء.
وإن بيع في الجناية أو فداه السيد سقط دين المرتهن إن كان بقدر الفداء أو دونه، وهذا بناه على أصله أن الرهن مضمون على المرتهن [ق 211 ب] وعندنا الرهن أمانة.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ دَبَّرهُ ثُمَّ [ق 211 ب] رَهَنَهُ كَانَ الرَّهْنُ مَفْسُوخًا".
إذا دبر عبده ثم رهنه، نص ههنا أنه لا يجوز.
وقال في "الأم": لو رجع في التدبير ثم رهنه فيه قولان:
أحدهما: الرهن باطل.
والثاني: صحيح
ومعنى المسألة أن التدبير وصيَّة إذ تعليق عتق بصفٍة.
فإن قلنا وصية صح الرجوع عنه بالقول وصح الرهن.
وإن قلنا تعليق عتق بصفةٍ لم يصح الرجوع عنه بالقول ولم يصح الرهن.
ثم قال في "الأم" أيضًا: ولو دبره ثم رهنه ثم قال بعد ذلك: كنت رجعت في التدبير قبل أن أرهنه فيه قولان.
ولو دبره ثم رهنه ثم رجع في التدبير بعد الرهن لم يجز حتى يبتدئ بما يجوز.
وكان هذا دليل على أن الرهن باطل على القولين.
واختلف أصحابنا في المسألة على طرقٍ؛ منهم من قال: الرهن باطل قولًا واحدًا؛ لأن الرهن لا يزيل الملك وليس برجوع عن التدبير؛ لأن أحدهما لا ينافي الآخر.
وقال هذا القائل: لو أوصي بشيء ثم رهنه كان رجوعًا عن الوصية.
وإن قلنا إن التدبير كالوصية لأنه أكد من الوصية؛ لأن التدبير يلزم بمجرد الموت من غير قبول فلم يصح الرجوع عنه إلا بصريح القول أو بما يزيل الملك.
ومن أصحابنا من قال: فيه قولان؛ فإن قلنا يصح الرجوع عنه بما لا يزيل ملكه فالرهن [ق 212 أ] يكون رجوعًا فيبطل التدبير ويصح الرهن.
وإن قلنا لا يصح الرجوع إلا بما يزيل الملك فالتدبير بحاله ولا يصح الرهن.
وهذه الطريقة أصح.
ومنهم من قال: يصح الرهن على القولين جميعًا؛ لأن المدبر لما جاز بيعه جاز رهنه ولا يكون رجوعًا عن التدبير.
فعلى هذا إذا حل الحق نظر، فإن كان للراهن مال غير هذا، أو أدى الدين من ماله فالعبد انفلت من الرهن وهو مدبر يعتق بموته، وإن لم يؤد الدين من ماله قيل له: تختار الرجوع عن التدبير، فإن اختار ذلك ورجع عن التدبير بيع العبد ووفي الدين من ماله وبطل التدبير.
وإن امتنع من الرجوع في التدبير، فإن كان له مال أجبر على قضاء الدين من ماله وفك العبد من الرهن ويكون مدبرًا، وإن لم يكن له مال يباع العبد في الدين ويقضي دين المرتهن؛ لأن المرتهن إنما أخذ من الرهن للاستئناف، حتى إذا تعذر الوصول إلى الدين من جهته استوفاه منه.
وقول الشافعي: "الرهن مفسوخ": معناه يزول الرهن ببيع المدبر على ما قلنا.
وقال ابن سريج: فيه وجه آخر على هذه الطريقة إذا لم يكن له مال غيره ولا يرجع في التدبير، حكمنا في هذه الحالة بأن الرهن وقع فاسدًا؛ لأنَّا إنما صححناه ظنًا منه أنه ينفك عن الرهن أو يرجع عن [ق 212 ب] التدبير، فإذا لم يفعل حكمنا بفساد الرهن.
وقال أبو إسحاق: هذا ضعيف؛ لأنًَّا إذا صححنا الرهن يلزم الوفاء بموجبه، ولا يجوز أن يحكم بفساده بامتناعه من أداء حقه.
ومن أصحابنا من قال: يصح الرهن ويبطل التدبير، وهو اختيار المزني، فحصل أربعة طرق.
واحتج المزني بأن الشافعي قال: لو دبر عبده ثم وهبه هبة بتاتٍ بطل التدبير أقبضه أو لم يقبضه، والهبة قبل القبض كالرهن سواء.
قلنا: قال أصحابنا: إذا وهب وامتنع من إقباضه يبني على القولين.
فإن قلنا وصية كان رجوعًا عن التدبير.
وإن قلنا: عتق بصفةٍ لا يكون رجوعًا عن التدبير.
ومن أصحابنا من قال: يكون رجوعًا عن التدبير على القولين.
والفرق على قول من لا يقول بهذه الطريقة إن الرهن ليس بإزالة الملك وإنما هو وثيقة للمرتهن، والهبة تتضمن إزالة الملك بانضمام القبض إليه، فقصده إلى الهبة قصد ما يزيل ملكه، فكان ذلك رجوعًا عنه.
واحتج المزني بأن الشافعي قال: ولو قال للمدبر: إن أديت بعد موتي كذا فأنت حر بطل التدبير"، فدل على أن التدبير وصية.
قلنا: هذا ذكره على أحد القولين.
فأما على القول الآخر لا يكون إبطالًا للتدبير.
فإذا تقرر هذا، ههنا في اللفظ إشكال، وذلك أنه علل لإبطال الرهن فقال: "كان الرهن مفسوخًا"؛ [ق 213 أ] لأنه أثبت له عتقًا قد يقع قبل حلول الرهن فلا يسقط العتق والرهن غير جائز.
ولا يختلف المذهب في تقديم الدين عل عتق المدبر والتدبير من الثلث كسائر الوصايا، فإذا دبره ثم رهنه إما أن يسبق حلول الدين موت الراهن، وإما أن يموت الراهن قبل محل الحق.
فإن جاء المحل والراهن حي بيع المدبر في دين المرتهن.
وإن مات الراهن في جميع الأحوال، وإنما يخشي ذاك في العتق بصفةٍ فإنه ربما توجد الصفة قبل المحل ويعتق ويبطل التدبير، اللهم إلا أن يكون مراد الشافعي بهذا التعليل تأخيره، وهو أن الراهن للعبد حق حريته بعقد التدبير وقصد القربة إلى الله تعالى به.
فإذا رهن فقد تعمد إلى إبطال تلك القربة، إذا ربما يباع في الرهن فلا يجوز إبطال قربته من جهة التدبير إلا بإزالة الملك، والرهن لا يزول الملك به، فتقدير تعليله لأنه أثبت له حق عتق على جهة القربة، وقد يقع ويؤخذ سببه وهو الموت قبل حلول الحق فلا يسقط العتق، أي يستديم التدبير ويمنع الرهن كيلا يسقط حق العتق ولم يرد به أنه إذا مات وعليه دين عتق مدبره قبل أداء دينه.
فرع
إذا قلنا يصح الرهن ولا يبطل التدبير وبيع عليه لحق المرتهن ثم ملكه [ق 213 ب] الراهن من بعد هل يعود إلى التدبير قولان مبنيان على القولين في عود اليمين بعد الزوال.
فرع آخر
قال في "الأم": "لو رهنه وأقبضه ثم دبره كان التدبير موقوفًا" فإذا حل حق المرتهن فإن قضي دينه من ماله وفك العبد من الرهن كان العبد مدبرًا، وإن لم يكن له مال أو كان له مال فامتنع من قضاء دينه منه فإنه يقال له: تختار الرجوع عن التدبير، فإن اختار ذلك بيع في الرهن وبطل التدبير.
وإن قال: لا أختار الرجوع فيه يجبر على بيعه ويستوفي المرتهن حقه من ثمنه ويبطل التدبير، وإن مات هذا الراهن فقد حل حق المرتهن بعتق المدبر ينظر، فإن كان قد حلف المدبر من ثلاثة، وإن لم يحلف تركه غير المدبر بيع من المدبر بقدر الحق، فإن فضل منه فضل عتق ثلث ما بقي منه بعد قضاء الحق.
وحكي عن أبي حامد أنه قال: عندي تدبير المرهون يبني على القولين في عتقه؛ لأن التدبير سبب من أسباب العتق، وهذا خلاف النص، ولا يشبه العتق؛ لأنه يبطل حق المرتهن من غير الرهن، لأنه يمنع من بيعه والتدبير لا يمنع البيع فلا يبطل حق المرتهن فافترقا.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا بخراسان: الصحيح أن المدبر المطلق والمدبر المقيد [ق 214 أ] فيما ذكرنا من الحكم سواء.
وصورة المقيد أن يقول: إن مت من مرضي هذا فأنت حر، وإن قتلت فأنت حر.
ومن أصحابنا من قال: هو كالعتق بصفةٍ لا يجوز الرجوع عنه بالقول قولًا واحدًا وحكم رهنه يأتي.
مسألة:
قَالَ: وَلَوْ قَالَ لَهُ: إَنْ دَخَلْتَ الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ ثُمَّ رَهَنَهُ كَانَ هَكَذَا"،
إذا أعتق عبده بصفةٍ ثم رهنه، فإن كان يعلم أن حلول الدين يتقدم على وجود الصفة بمدة يمكنه بيعه واستيفاء الحق من ثمنه يصح الرهن قولًا واحدًا، مثل إن قال: أنت حر إذا مضت سنة ثم رهنه بدين يحل بعد شهر أو أكثر قبل السنة.
قال والدي رحمه الله: وإذا رهنه بدين يحل قبل السنة ينبغي أن يبقي من المدة ما يمكن البيع فيها من جهة العادة وإلا فلا يجوز.
وإن رهنه بحق يعلم أن وجود الصفة تتقدم على حلول الحق لا يصح الرهن قولًا واحدًا، مثل أن يقول: إذا جاء رأس الشهر فأنت حر، ثم رهنه بدينٍ إلى سنة.
ومن أصحابنا من قال: فيه قولان، وخرج القول الآخر من الثمرة الرطبة إذا رهنها
بحقٍ يتأخر حلوله عن وقت فسادها وهذا لا يصح؛ لأن في الثمرة لا بغية للراهن في إفسادها، فالظاهر أنه يبيعها إذا خشي عليه الفساد، وليس كذلك [ق 214 ب] العتق فإنه قربة مرغوب فيها، والظاهر أنه يقصد تحصيلها فافترقا.
ولو علقه بقدوم زيد أو دخول دار ونحوه مما يجوز أن يتقدم على حلول الحق ويجوز أن يتأخر عنه ثم رهنه قال صاحب "الإفصاح": لا يجوز رهنه قولًا واحدًا؛ لأنه معقود على غررٍ.
ومن أصحابنا من قال: فيه قولان؛ لأنَّا ذكرنا أن التدبير تحقق بصفة ورهنه صحيح على أحد القولين، فكذلك هذا، وهذا لأن الأصل جواز الرهن في.... وربما يحل الحق قبل وجود الصفة فيمكن الوفاء به.
وهذا ضعيف؛ لأن الظاهر بقاء السيد وجواز موته لا يمنع صحة العقد كما يجوز بيع الحيوان؛ لأن الظاهر بقاء حياته، وإن كان الموت مجوزًا، وليس كذلك وقوع العتق؛ لأن وجود الصفة ممكن في كل وقت، وليس لعدم الصفة ظاهر يكون العقد مجهولًا عليه، ولأن جواز الموت عزيز لا يمكن الاحتراز منه بخلاف ذاك فافترقا، والمنصوص الأول والتعليل الذي ذكره في المدبر أليق بهذا الموضع، وعند أبي حنيفة يجوز رهنه بكل حالٍ.
مسألة:
قَالَ: وَلَوْ رَهَنَهُ عَصِيرًا حُلْوًا كَانَ جَائِزًا".
الفصل
إذا رهن عصير العنب يجوز رهنه؛ لأنه مائع يجوز بيعه فجاز رهنه.
وقال [ق 215 أ] الماسرخسي: عندي العصير والفواكه الرطبة سواء؛ لأن الفواكه كما يجوز فسادها كذلك العصير إذا ترك يحدث فيها الشدة فتفسد.
وهذا لم يقله غيره، وهذا لا يصح؛ لأن العصير يمكن إصلاحه بطرح الخل الذي يمنع الشدة فيجبر الراهن عليه، كما إذا رهن ثمرة رطبة يمكن تجفيفها صح الرهن وأجبر الراهن على التزام...... والإنفاق عليه.
قال: "فإن حال إلى أن يصير خلًا أو مزًا أو شيئًا لا يسكر كثيره فالرهن بحاله"؛ لأنه في الحال الثانية مال مملوك كما كان العصير في الابتداء مالًا مملوكًا، وقد يرهن الصغير فيكبر والمريض فيسعى، والمهزول فيسمن والرهن باقٍ كما كان.
وقيل: نقل المزني: فإن استحال مزًا وهو سهو في النقل، وعصير العنب لا يصير مزًا.
وقيل: هذا صحيح وله وجه، وهو أن عصير الشعير يستحيل مزًا فالمسألة في عصير العنب والشعير وغيرهما.
وكذلك إذا طرح في عصير العنب دقيق الشعير ينقلب مزًا، وإن حال إلى أن يسكر بطل الرهن؛ لأن الملك يبطل بذلك والملك أقوى، وصار كما لو رهن عبدًا فمات في يد المرتهن.
وقال أبو حنيفة: لا يبطل الملك ولا الرهن؛ لأنه يرجى عود نفسه كما لو ارتد
العبد.
وهذا غلط؛ لأنه لا يضمن متلفها في الحال [ق 215 ب] ولا تصح تصرفاته فيها بخلاف المرتد فإنه تصح فيه تصرفاته.
وقال ابن خيران: إذا انقلبت خمرًا بينا أن العقد الأول وقع باطلًا؛ لأن ظهوره في الزمان الثاني يدل على ابتدائه في الزمان الأول.
وهذا غلط؛ لأنه لو صح هذا لوجب إذا باع عصيرًا فصار خمرًا في يد المشتري يبطل البيع، ولم يقل هذا أحد.
فإن عاد خلًا من غير صنعة آدمي قال الشافعي: "هو رهن"؛ لأنه لما عاد ملكه عاد بحقوقه وكان الرهن من حقوقه.
فإن قيل: أليس لو انفسخ الرهن بسببٍ آخر لا يعود إلا بعقد جديد، فلم قلتم ههنا يعود من غير عقد جديد؟ قلنا: الفرق أن هناك انفسخ والملك باق فلا يعود إلا بعقد جديد من الملك، ههنا انفسخ لزوال الملك، والملك إذا زال زال بحقوقه، وإذا عاد عاد بحقوقه.
فإن قيل: إذا عاد خلًا ملكه ملكًا جديدًا فينبغي أن يحتاج إلى عقد جديد.
قلنا: ليس كذلك يعود ملكه السابق، بدليل أنه لو مات وفي يده خمر وعليه دين فانقلبت خلًا يقضي منه ديونه، فلو كن ملكًا جديدًا لكان للورثة.
وهذا كما لو أسلمت زوجة الكافر حرم عليه وطئها وخرجت به عن حكم العقد، فلو أسلم الزوج قبل انقضاء العدة عاد حكم العقد.
وفرّع أبو العباس على مسألة العصير [ق 216 أ] وهو أنه لو كان له عند رجل ألف في ذمته به رهن فصالحه منه على كر طعام وبرئت ذمته عن الألف، وزال الرهن بزوال الألف عن الذمة.
ومن شرط هذا الصلح القبض قبل التفرق، فإن تفرقا قبل القبض بطل الصلح وبرئت ذمته عن الطعام وعاد الألف إليها، فإذا عاد عاد برهنه كالعصير إذا صار خمرًا ثم عادت خلًا عاد الرهن.
وقال والدي رحمه الله: ولو قبضه قبل التفرق ثم تقايلا صحت الإقالة وتعود الدراهم إلى ذمته ولا يعود الرهن.
ويحتمل أن يقال: يعود؛ لأن الدراهم وجبت عن السبب السابق لا بحكم الصلح، والرهن من حقوقها فيعود الرهن مع الحق.
ولو أخذ الرهن على هذا الكر من الطعام في ذمته ثم تفرقا قبل القبض بطل الصلح وبرئت ذمته من الطعام وبطل الرهن به، وعادت الدراهم إلى الذمة برهنها.
وقال ابن خيران: إذا عاد الخمر خلًا لا يعود الرهن إفساد العقد عليه على ما ذكر، وعلى ما ذكر لو كان رهنه مشروطًا في البيع ليس للمرتهن فسخ البيع.
وعلى قول ابن خيران في بطلان البيع قولان كما لو شرط في أول العقد.
فرع
لو رهن شاة فماتت فدفع الراهن جلدها هل يعود رهنًا؟ قال ابن خيران: يعود كالخمر إذا صارت خلًا.
وقال [ق 216 ب] أبو إسحاق: لا تعود رهنًا؛ لأن الرهن استحدث ملكه عليه بصنعة فلا يعود رهنًا في الملك الجديد، وفي الخمر لا صنع له فيها يعودها خلًا، وإنما عاد ملكه المتقدم بنفسه فعاد بحقه من الرهن.
وقال أبو الطيب الساوي: قيل لأبي إسحاق: ما تقول في شاة ماتت فغصبها غاصب ودبغ جلدها، هل يملكه الغاصب أم لا؟ فقال: لا أقول إن الغاصب يملكها بما استحدثه من الدباغ.
فقيل له: يلزمك أن تقول: الملك للغاصب؛ لأن عندك هذا ملك مستحدث يصنع من جهته كما قلت لا يعود الرهن إذا دبغه الراهن.
فقال: الفرق أن فعل الغاصب لا حكم له؛ لأن يده ليس بحقٍ فوجوده وعدمه سواء.
كما لو غصب من رجل كلبًا غير معلم وعلمه كان الأول أحق به، ولا حكم لفعل الغاصب فوجوده وعدمه سواء.
فقيل له: قد قال الشافعي: إذا تحجر مواتًا ولم يحيه فجاء رجل فأحياه فإحياء الملك للثاني دون الأول وإن كان يد الأول بحقٍ فقال يد المتحجر لم تستند إلى ملكٍ سابق، فلما وجد سبب الملك من الثاني أبطل يده ويد صاحب الشاة أسندن إلى ملك سابق، فكانت يده أقوى وكان أحق بالملك من الثاني.
قال أصحابنا: هذا الذي ذكره دليل عليه، وذلك أن يد الراهن مستندة إلى ملك سابق، فإذا عاد الملك ثبت أن الملك السابق [ق 217 أ] وقال أبو حنيفة: لا يزول ملك الراهن من الجلد بالموت، ولا يبطل حق المرتهن عن الجلد بالموت، وإذا دبغ فهو مرهون.
فرع آخر
لو كان له خمرة فأراقها فجمعها رجل آخر فصارت خلًا في يده، أو وهبت خمرًا من رجل فصارت خلًا في يد الموهوب له بعود الملك وفيه وجهان:
أحدهما: يعود إلى الأول؛ لأنه لابد للثاني عليها فإن يده لا تقر عليها فصار كما لو غصبها من الأول فصارت خلًا في يده تكون للمغصوب منه، وهذا ظاهر المذهب.
والثاني: يعود إلى الثاني؛ لأن الأول قد رفع يده عنه وقد حصل في يد الثاني، فإذا عاد ملكه كان صاحب اليد أولى به.
كما لو ماتت شاة فألقاها في مزبلة فجاء إنسان ودبغ جلدها كان له، وليس كمثله الغصب؛ لأن يد الثاني تعترض فلا تصير ملكًا له.
وهكذا في جلد الميتة لو ألقاها صاحبها فجاء رجل وأخذ الجلد ودبغه كان له بخلاف ما لو غصبه، وهذا أصح عندي.
ويد الثاني تثبت عليها حين رفع الأول يده، وهذا إذا حل له هذا الفعل لغرض صحيح،
فأما إذا حرم عليه جميع الخمر فيده لا تثبت عليها ولا يملك بذلك.
فرع آخر
لو صار العصير خمرًا في يد الراهن قبل القبض بطل الرهن، فإذا عاد خلًا لم يعد الرهن [ق 217 ب] ويخالف إذا كان بعد القبض؛ لأن الرهن قد لزم وصار تابعًا للملك.
ولو اشترى عصيرًا فصار خمرًا في يد البائع ثم عاد خلًا فسد العقد ولم يعد ملك المشتري بعودها خلًا.
والفرق بينه وبين الرهن أن الرهن عاد تبعًا لملك الراهن، وههنا بعود ملك البائع لعدم العقد، ولا يصح أن يبيعه ملك المشتري.
فرع آخر
لو عاد خلًا بصنعة آدمي بطرح الملح أو الخل ونحوه فإنها نجسة كما كانت ولا تحل به، وهذا التحليل حرام.
وبه قال أحمد ومالك في رواية.
وروي عن مالك يكره تخليلها، ولكنه إذا خللها حلت.
وقال أبو حنيفة: يجوز تخليلها، وإذا صارت خلًا حل.
وهذا غلط لما روي أنس - رضي الله عنه - أن أبا طلحة - رضي الله عنه - سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أيتام ورثوا خمرًا فقال: "أهرقها" فقال: ألا أخللها يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "لا".
وروي عن أنس - رضي الله عنه - أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم أنتخذ الخمر خلًا؟ قال: "لا".
واحتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يحل الدباغ الجلد كما يحل الخل الخمر"، قلنا: لا أصل له، ثم نحمله على ما لو تخلل بنفسه.
فرع آخر
لو وقع ملح بإطارة الريح فتخللت طهرت بلا شك.
هكذا قال الصيمري وعندي يحتمل وجهًا آخر مما قال أصحابنا أنه إذا [ق 218 أ] وقع فيه الملح نجس، ثم بعدما صارت خلًا نفي نجاسة الملح.
فرع آخر
إذا خلل خمرًا بدواء فيه وجهان:
أحدهما: أنه خل على الإطلاق إلا أنه تنجس.
والثاني: أنه لا يسمى خلًا ولا خمرًا.
فرع آخر
إمساكها بنية المعالجة حرام، وإمساكها بنية أن تصير بنفسها خلًا.
قال أبو حامد: لا يجوز ذلك عندي، ولكنه لو خالف فصارت خلًا بنفسها حل.
وقال القفال وجماعة: يجو إمساكها إذا كانت بنية الخل، وإن كنت نجسة في هذه الحالة ولا قيمة على متلفها وإنما يحرم إمساكها إذا كان قصده الشراب أو البيع، أو يخاف على نفسه شربها، وهذا هو الصحيح عندي.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا تخمرت وكانت بنية الخل هل تنجس؟ وجهان.
وفائدته الضمان على المتلف وجواز الصلاة معها.
وهكذا الوجهان في البيضة إذا صارت دمًا.
وهذا غلط فاسد فسادًا ظاهرًا لا يجوز القول به بوجه.
فرع آخر
لو تركها في الشمس أو عرضها للهواء حتى صارت خلًا، فالمذهب أنها تحل؛ لأنها استحالت من غير شيء خالطها فصارت كالإمساك المجرد.
ومن أصحابنا من قال: لا يحل لأنه ضرب من الصنعة والمعالجة.
فرع آخر
لو قال المرتهن: استحالت خلًا بنفسها، وقال الراهن: بل صارت خلًا بالتخليل فيه وجهان: [ق 218 ب]
أحدهما: القول قول الراهن ويبطل الرهن.
والثاني: القول قول المرتهن ويكون رهنًا.
وهذان الوجهان مخرجان من إقرار الراهن بجناية المرهون.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ قَالَ: رَهَنْتَكَهُ عَصِيرًا فَصَارَ فِي يَدَيْكَ خَمْرًا".
الفصل
لو كان العصير رهنًا في ثمن مبيع وكان البيع بشرط فاستحال خمرًا، فإن كان قبل قبضه بطل الرهن والمرتهن بالخيار بين أن يمضي البيع بغير رهن أو يفسخ، وإن كانت الاستحالة بعد قبضه بطل الرهن ولا خيار للمرتهن؛ لأن الرهن هلك بعد القبض.
وإن اختلفا فقال المرتهن: صار خمرًا عندك فلي الخيار.
وقال الراهن: بل صار خمرًا عندك، قال الشافعي: "فيه قولان:
أحدهما: القول قول المرتهن"، وهو قول أبي حنيفة واختيار المزني؛ لأن هذا الاختلاف يعود إلى الاختلاف في أصل القبض فالمرتهن يقول: أقبضي الخمر، وإقباض
الخمر لا يصح، والراهن يقول: أقبضتك العصير فصح الإقباض.
ولو اختلفا في القبض فالقول قول المرتهن؛ لأن الأصل أن لا يقبض.
والثاني: القول قول الراهن، وهو الصحيح؛ لأن الشدة قد تحدث كما يحدث العيب في المبيع.
ولو اختلف البائع والمشتري فقال البائع: بعتك سليمًا فحدث العيب عندك.
وقال المشتري: بعتنيه معيبًا فالقول قول [ق 219 أ] البائع، وهما اتفقا ههنا على أنه رهنه عينًا وأقبضها إياه، واختلفا في عيب حادث فالقول قول من ينفي ذلك.
فإذا قلنا بالقول الأول فللمرتهن الخيار في فسخ البيع، ولو أراد الراهن أن يبدله رهنًا آخر ليبطل خياره في الفسخ، كان له الامتناع من قبوله؛ لأن الذي اشترطه رهنًا لم يسلم له رهنًا.
وإذا قلنا بالثاني أرقنا الخمر وليس للمرتهن على الراهن بدل يرهنه لأنه وفي له بشرطه والبيع لازم.
ولو أراد إمساك الخمر ليستحيل خلًا كانا ممنوعين من الإمساك في ظاهر المذهب؛ وقد ذكرنا ما قيل فيه.
فرع
لو اختلفا في أصل العقد فقال الراهن: رهنتك عصيرًا، فقال المرتهن: رهنتني خمرًا.
قال ابن أبي هريرة: ههنا قول واحد القول قول المرتهن؛ لأن المرتهن لم يقر بعقد صحيح، والراهن يدعي ذلك فكان القول قول المرتهن مع يمينه، كما لو قال: بعتك كذا، فقال: لم أشتر كان القول قوله مع يمينه.
وقال غيره من أصحابنا: فيه القولان أيضًا؛ لأنه معترف بحصول عقد وقبض، وإنما يدعي صفة في المعقود عليه والأصل عدمها.
فرع آخر
لو رهنه عبدًا وأقبضه في محمل ملفوفًا ثم اختلفا في موته، فقال الراهن: أقبضتك حيًّا ومات عندك، وقال المرتهن: أقبضتني ميتًا فيه [ق 219 ب] طريقان:
أحدهما: القول قول المرتهن قولًا واحدًا؛ لأنه لم يقر بقبض العقد؛ لأن الميت لا يقبض، والمرتهن في العقد قد أقرّ بقبض وادعى الفساد فالقول قول من ينفي الفساد في أحد القولين.
والطريق الثاني: قال أبو إسحاق وجماعة: لا فرق، وفيه قولان أيضًا، وعليه نص الشافعي في "الأم"؛ لأن القبض شرط فالاختلاف فيه كالاختلاف في العقد.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا مبني على أن فساد الرهن هل يفسد البيع؟
فإن قلنا لا يفسد فالمسألة على قولين.
وإن قلنا يفسد ففي اختلاف المتبايعين في
المعنى المفسد للبيع قولان، والأصح قول من يدعي فساده، فههنا القول قول المرتهن ويفسد بيه البيع؛ لأنه يحتاج إلى فسخه، وقد ذكرنا بخلاف هذا فيما تقدم، وفي هذا النظر.
وقال المزني: القول قول المرتهن؛ لأن الراهن مدع.
قلنا: هل النزاع إلا في هذا، فإن من قال القول قول الراهن جعل المرتهن مدعيًا استحقاق لزوم البيع، والمرتهن عند التحقيق أشبه بالمدعي من الراهن على ما بيَّناه فلا معنى لما ذكرنا.
فرع آخر
لو كان الاختلاف بينهما في عيب بالعبد أو نحوه، فقال الراهن: كان بعد القبض.
قال المرتهن: كان وقت القبض فالقول قول الراهن [ق 220 أ] بلا إشكال.
مسألة:
قَالَ: "وَلَا بَاسَ أَنْ يَرْهَنَ الجَارِيَةَ وَلَهَا وَلَدٌ صَغِيرٌ".
الفصل
يجوز رهن الجارية ولها والد صغير دون ولدها؛ لأن هذا ليس بتفرقة.
ومعنى هذا التعليل أن منافع الجارية المرهونة لسيدها، فإذا رهنها دون ولدها الصغير فلم ضم الولد إليها لتحتضنه وترضعه عند المرتهن وتكون الأم مرهونة والولد غير مرهون فليس كبيع الأم دون الولد؛ لأن تسليمها إلى المبتاع بعد تملكه إياها دون الولد تفرقة بينها وبين ولدها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا توله والدة بولدها" وقيل: معناه لأنه ليس بتفرقة في ثاني الحال، أي لا تباع دون الولد كالجارية إذا جنت ولها ولد صغير تباع مع الولد.
فإذا تقرر هذا ينظر، فإن حل الحق فإن قضاه من قضاه فذاك، وإن أراد قضاه من ثمنها بيعت مع ولدها، وكان للمرتهن من ثمنها ما قابل قيمة جارية ذات ولد فيقال: كم قيمتها ذات ولد؟ قالوا: مائة، وكم يساوي ولدها وحده قالوا: خمسين فيكون للمرتهن من الثمن ثلثا الثمن، وإنما اعتبرنا قيمة جارية ذات ولد؛ لأنه تعلق حق المرتهن بها على هذه الصفة، وهكذا الحكم فيه إذا ارتهنها ولها ولد ولم يعلم ثم علم ورضي به [ق 220 ب] فبيعت بغير قيمة جارية ذات ولد على ما ذكرناه.
ويفارق هذا إذا رهنها حائلًا فأتت بولد مملوك من زوج أو زنا بيعًا معًا ويكون للمرتهن من ثمنها ما قابل جارية لا ولد لها؛ لأن حق المرتهن تعلق بها ولا ولد لها ولم يرض بولدها بخلاف ما تقدم، فيقال ههنا: كم تساوي ولا ولد لها؟ قالوا: مائة، وكم يساوي الولد؟ قالوا: عشرون.
قلنا: يمكن للمرتهن منها خمسة أسداس الثمن.
ومن أصحابنا من قال: تباع الأم دون الولد، ويجوز ذلك ههنا للضرورة كما لو كان الولد حرًا.
ذكره القاضي الطبري وهذا لا يصح، الشافعي قال: "وليس تبقى الأم مع الولد"، بمعنى أوجب بيعها بأكثر من فسخ البيع في الأم لمكان الولد.
فرع
لو علم المرتهن بحالها لا خيار له، وإن لم يعلم أن لها ولدًا، قال جماعة أصحابنا: له الخيار في فسخ البيع المشروط فيه هذا الرهن.
وقال بعض أصحابنا: إن قلنا تباع دون ولدها ففي خياره وجهان:
أحدهما: له الخيار لما يلحقه من النقص في قيمتها إذا بيعت مع الولد.
والثاني: لا خيار؛ لأن بيعها مع الولد لا يوجب النقص يقينًا وقطعًا، بل قد يجوز أن يحدث في قيمتها زيادة وتوفيرًا.
مسألة:
وَلَوْ ارْتَهَنَ نَخْلًا مُثْمِرًا فَالثَّمَرُ خَارجٌ مِنَ الرَّهْنٍ".
الفصل
[ق 221 أ] إذا رهن نخلًا مطلعة نظر، فإن كان الطلع قد أُبر لم يدخل في الرهن؛ لأنه لا يدخل في البيع مع أنه أقوى فلأن لا يدخل في الرهن أولى، وإن اشترطه دخل فيه، وإن كان الطلوع غير مؤبر، نص في "الأم" أنه لا يدخل في الرهن ويخالف البيع من وجهين:
أحدهما: أن البيع أقوى؛ لأنه يزيل الملك.
والثاني: أن ما يحدث بعد العقد من الطلع لا يدخل في الرهن ويدخل في البيع، فكذلك الموجود في حال العقد لا يدخل في الرهن ويدخل في البيع.
ومن أصحابنا من ذكر قولًا آخر أنه يدخل في الرهن ونسبه إلى "القديم" ولا يعرف ذلك في "القديم" ولا يصح هذا القول، وكذلك الكلام في الحمل والصرف.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: نص في الحمل على قولين بناء على أن للحمل حكمًا أم لا.
وكذلك في الطلع قولان، وما ذكرناه أصح.
مسألة:
قَالَ: "وَمَا هَلَكَ فِي يَدَي المُرْتَهِنِ مَنْ رَهْنٍ صَحِيحٍ أَوْ فَاسِدٍ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ".
لهذه المسألة باب يأتي، والقصد بذكرها هنا أنه لا فرق بين فاسد الرهن وصحيحه
في أنه أمانة لا ضمان فيه إلا بالتعدي؛ لأن ما كان أمانة بأصل الشرع في حكم عقد صحيح حاكي [ق 221 ب] فاسدة صحيحة في سقوط الضمان كالشيء المستأجر.
مسألة:
قَالَ: "وَإِذَا رَهَنَهُ مَا يُفْسِدُ مِنْ يَومِهِ أَوْ غَدِهِ".
الفصل
إذا رهن ما يفسد في مدة قصيرة، فإن كان ما يمكن استصلاحه كالرطب والعنب فإن رهنه صحيح وينظر فيه، فإن حل الحق قبل أن يخشي فساده بيع فيه، وإن كان يخشي فساده قبل محل الحق، قال الشافعي: "يشمس ويجفف" ويجب ذلك على الراهن، فإن امتنع منه يجبر عليه؛ لأنه يقصد إبطال وثيقة الرهن، وإن كان مما لا يمكن إصلاحه كالبقل والبطيخ والقثاء، فإن رهنه بحق حال جاز، وإن كان بحق مؤجل نظر، فإن كن يحل بعد فساده نظر، فإن شرط أن لا يباع عند فساده الرهن، وإن شرط أن يباع عند خوف فساده صح الرهن، ويجعل ثمنه رهنًا؛ لأن المقصود يحصل به، وإن أطلق فيه قولان:
أحدهما: يصح؛ لأن الظاهر أنه لا يترك الثمرة حتى تفسد ولكنه يبيعها عند خوف الفساد فيحمل مطلق العقد عليه.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه لا يمكن بيعه عند محل الحق فلا تحصل به الوثيقة وهذا ظاهر المذهب.
واختلف أصحابنا في معنى لفظ الشافعي:
"وَمَنَعَنِي مِنْ فَسْخِهِ أَنَّ لِلرَّاهِنِ بَيْعَهْ قَبْلَ مَحَلَّ الحَقِّ عَلَى أَنْ يُعْطَى صَاحِبُ الحَقِّ حَقَّهُ".
أذن للراهن عند خوف الفساد ببيع الثمرة بشرط تعجيل الدين من ثمنها لا يجوز ذلك وإذا قلنا: باطل فلا كلام، وإذا قلنا: صحيح [ق 222 أ] قال بعض أصحابنا: يباع عند خوف الفساد ويوضع ثمنه رهنًا؛ لأن العرف يقتضي ذلك، ولو امتنع الراهن أو المرتهن من ذلك أجبر عليه، وقد تنتقل الوثيقة من العين إلى القيمة بأسباب وهذا من جملتها.
وقال بعض أصحابنا: إذا خيف فساده فهو بالخيار بين بيعه ويكون ثمنه رهنًا، وبين تركه، وإن هلك لا يجبر على بيعه، لأنه بيع رهن قبل محل الحق.
ويفارق هذا تشميس الرطب؛ لأنه من مؤنة الرهن فأوجب عليه، وههنا تكليف بيع، ونقل ملك فلا يجبر عليه وهذا أقيس، والأول أظهر؛ لأن في ضمنه الإذن ببيعه عند خوف الفساد.
وقيل: الأصح جواز الرهن لهذا المعنى.
فرع
رهن اللحم بمنزلة رهن الثمرة التي يمكن تجفيفها؛ لأن اللحم يقدد فلا يفسد، ولو أراد الراهن بيعها أو تجفيفها ممكن الإيجاب إلى ذلك.
ولو قال: أريد أن أجعل ثمنها رهنًا.
فرع آخر
لو رهن ما لا يفسد العبد بشرط أن يباع العبد ويجعل ثمنه رهنًا فكأنه بلا عذر، ظاهر المذهب أنه لا يجوز.
وقال أصحابنا بخراسان: فيه وجهان:
أحدهما: يجوز كما جاز البيع لما ذكرنا من العذر.
والثاني: لا يجوز؛ لأن نقل العقد من محل إلى محل لا يمكن، كما لو نقل من عبدٍ إلى عبدٍ لا يجوز وإن تراضيا.
فرع آخر
لو رهن نخلًا عليها ثمرة مع الثمرة، فإن كان [ق 222 ب] محل الحق مع إدراكها أو قبل إدراكها صح، ويباعان في الدين.
وإن كان بعد إدراكها والثمرة مما يمكن إصلاحها جاز أيضًا.
وإن لم يكن استصلاحها كالرطب الذي لا يجيء منه تمر طريقان:
أحدهما: يصح على طريق البيع قولًا واحدًا، والقولان عند الإفراد.
والثاني: فيه قولان أيضًا، وإذا قلنا: لا يصح فهل يبطل في الكل؟ قولان بناء على تفريق الصفقة.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ رَهَنَهُ أَرْضًا بِلَا نَخْلٍ فَأَخْرَجْتُ نَخْلًا.
الفصل
إذا رهن أيضًا بيضاء لا غراس فيها، فنبت فيها غراس من نخل وغيره سواء نبت بنفسه مثل أن يدخل الماء النوى إليها، أو زرعها الراهن فالغراس خارج من الرهن.
فإذا تقرر هذا فلا يؤمر الراهن بقلعه قبل حلول الحق؛ لأنَّا نعلم صورة بالمرتهن في الحال فإنه يجوز أن يقضي دينه من غيرها، ويجوز أني يكون ثمن الأرض وفيها غراس تفي بحق المرتهن فلا يقلع، فإذا حل الحق نظر، فإن قضي دينه من غيرها فقد خرجت الأرض من الرهن، وإن لم يقض دينه من غيرها أو لم يكن له مال سواها فلا يخلو من أحد أمرين؛ إما أن يكون عليه ديون لغيره من الغرماء، أو لا يكون غريم له غيره، فإن لم يكن له غريم
غيره نظر في الأرض إذا بيعت من غير الغراس فيها، فإن كان [ق 223 أ] ثمنها يفي بالحق بيع [الأرض] وحدها، وإن كان لا يفي بالحق لنقصان قيمتها بوجود الغراس فيها يجبر الراهن أن يبيع الأرض مع الغراس ويأخذ من جملة الثمن قيمة الأرض بيضاء لا غراس فيها، وبين أن يبيع الأرض وحدها ويجبر بالنقص الذي دخل في ثمنها بالغراس من سائر ماله وبين أن يقلع الغراس ويسلم الأرض مسراه من غير غراسٍ.
وإن كان هناك غرماء غيره لا يجوز للحاكم قلع الغراس؛ لأنه ينقص قيمة الغرس فيؤدي إلى الإضرار بالغرماء، ولكنه يبيع الأرض مع الغراس ويأخذ من جملة الثمن قيمة أرض بيضاء لا غراس فيها للمرتهن ويعطي الباقي لسائر الغرما.
فإن قيل: أليس قلتم في الأمة إذا بعناها مع الولد فدخل في ثمنها نقص يضم الولد إليها في المبيع لا يجبر النقص من الثمن الولد؟ قلنا: لأن ضم الولد إلى الأم في البيع واجب بالشرع لا صنع للراهن فيها، فلم يجب جبران النقص، وليس كذلك الغراس؛ لأنَّا ضممناه إلى الأرض لسقيه الراهن الغراس في الأرض لا للوجوب بالشرع.
وأيضًا هناك ثبت للمرتهن حق الرهن في أرض بيضاء ثم حدث الغراس، وههنا وجود الولد متقدم على الراهن ودخل فيه راضيًا بنقص الولد فلم يجب جبران النقص.
فوزانه أن تكون الجارية [ق 223 ب] المرهونة زنت فمات بالولد بعد الرهن، يكون حكمها واحد على ما ذكرنا.
فإذا تقرر هذا ههنا إشكال، وذلك أن الشافعي قال:
"فَأَعْطَى المُرْتَهِنُ ثَمَنَ الأَرْضِ وَالْغُرَمَاءُ ثَمَنَ النَّخْلِ".
وهذا يقتضي أن يختص الغرماء بثمن النخل دون المرتهن في جميع الأحوال، ولا خلاف أنه ينظر في قيمة الأرض التي وصلت إلى المرتهن لما بيعت، فإن كانت وفق حقه اختص الغرماء بثمن النخل، وإن تقاصرت عن حقه خاصصهم في ثمن النخل ببقية حقه، وكذلك إن كانت قيمة الأرض أكثر من حق المرتهن رد الفضل على سائر الغرماء بتحاصصون فيه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا بيعت الأرض مع النخل ففي كيفية توزيع الثمن على الأرض والنخل وجهان:
أحدهما: تقوّم الأرض بيضاء، ثم تقوّم مع النخل، ثم يوزع الثمن أي قدر كان عليهما، مثل أن تكون قيمة الأرض بيضاء ألفًا وبيع الغراس ألفًا ومائة وبيعا بألفٍ وزع الألف على أحد عشر سهمًا.
والثاني: تقوّم الأرض بيضاء والنخل قائمة لو انفرد كل واحد منهما ثم يوزع الثمن عليهما حتى إن زاد الثمن على قيمتها فالزيادة لها بالحصة وإن نقص بالنقصان عليهما.
مثل أن يقال: الأرض بيضاء تساوي ألفًا والنخل وحدها قائمة تساوي مائتين، ثم إذا بيع قدر بيع [ق 224 أ] قسم على السهام الاثني عشر، وإن كانت لو قوّمت الأرض مع
النخل لا تبلغ إلا ألفًا ومائة، وإن كانت قد زادت قيمتها بذلك مثل إن كانت قيمتها ولا نخل بها مائة وقيمة النخل مائة وقيمتها معًا ثلاثمائة بيعًا معًا، ويكون للمرتهن ما قابل قيمة الأرض وللغرماء ما قابل قيمة النخل ونقسط الزيادة بينهما؛ لأن الزيادة بهما معًا.
فرع
إذا رهنه أرضًا قد دفن فيها النوى لا يخلو إما إن علم المرتهن أو لا فإن لم يعلم فله الخيار إذا علم؛ لأن يتبين النقص بذلك، ثم إن رد جاز وإن اختار الإمساك أو كان علم بالنوى المدفون، أو علم بالنخل فيها فرهنها دون نخلها فالحكم في الكل واحد، وهو أنه لا يقلع النخل في الحال على ما ذكرنا.
ولكن إذا حل الحق وبيعت مع الأرض قسط الثمن عليهما ويدفع إلى المرتهن قيمة أرض فيها غراس؛ لأنه لما رضي بذلك استحق قيمتها على تلك الصفة، ولا يقلع ههنا بحالٍ.
وهذا إذا كان هناك غرماء وقد حجر عليه بفلس، فأما إذا لم يكن ذلك فالأرض تباع في الحق وحدها سواء كان ثمنها وفق الحق أو دونه أو فوقه، وقيل في كيفية التوزيع وجهان على ما ذكرنا.
مسألة:
قَالَ:"وَلَوْ رَهَنَهُ أَرْضًا وَنَخْلًا ثُمَّ اخُتَلَفَا".
الفصل
إذا رهنه أرضًا واتفق على أن الراهن قال: بحقوقها فوجدت فيها [ق 224 ب] نخل، واختلف فقال الراهن: حدث النخيل بعد العقد فهي خارجة من الرهن، وقال المرتهن: كانت موجودة حال العقد فهي داخلة في الرهن لم يخل من ثلاثة أحوال؛ إما أن يمكن ما قال الراهن دون المرتهن، أو ما قال المرتهن دون الراهن، أو ما قالا ممكن فإن أمكن ما قال الراهن دون المرتهن، مثل إن عقد الرهن من عشر سنين والنخل يومئذٍ فسل سنةٍ ونحو ذلك فالقول قول الراهن بلا يمين، وإن أمكن ما يقول المرتهن دون الراهن مثل أن يعقد الرهن منذ سنة النخل باسق طويل، فقال الراهن: حدث بعد العقد فالقول قول المرتهن بلا يمين، وإن أمكن الأمر وأشكل ذلك فالقول قول الراهن مع يمينه؛ لأنهما متفقان على أن النخيل ملك الراهن واختلفا في حدوث عقد الرهن عليهما والأصل أن لا عقد.
وقال المزني: "القول قول المرتهن لأن يده على النخيل"، وهذا سهو منه؛ لأن اليد إنما تدل على الملك لا على العقد، فإذا حلفا الراهن يحلف بالله الذي لا إله إلا هو أن هذه النخل أحدثتها بعد العقد على الأرض، وهكذا لو رهن مع النخيل واختلفا هكذا في بعض النخيل فيها، فإذا حلف يكون حكمه حكم المسألة قبلها.
قال أصحابنا: فإن كان هذا الرهن في البيع فاختلفا في وقوع البيع على رهن النخيل
[ق 225 أ] الذي تداعيا به فيجب أن يتحالفا، وقد حلف الراهن فيقال للبائع المرتهن: أتقنع أن تكون الأرض رهنًا بلا نخيل، فإذا قنع فلا كلام، وإن لم يقنع قيل للراهن: أتسمح أن يكون النخيل رهنًا مع الأرض؟ فإن سمح فلا كلام، وإن لم يسمح قيل للبائع: قد حلف الراهن ولم تحلف أنت، فاحلف أنت لقد رهنتها بنخلها، وإن حلف قيل له: أنت بالخيار بين أن تقيم على البيع أو تفسخ؛ لأن محل الرهن ما سلم لك.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا إذا قال الراهن قد كانت هذه النخيل فيها ولكن استثنيتها، وقال المرتهن: ما استثنيت.
أو قال الراهن: رهنت الأرض دون النخيل، وقال المرتهن: بل مع النخيل.
فأما إذا قال: رهنتك جميع النخيل التي في الأرض لكن هذه النخلة بعينها لم تكن حينئذٍ، وقال المرتهن: قد كانت فالقول قول الراهن لأنهما ما اختلفا في صفة العقد وكيفيته، وفي هذا نظر؛ لأنه يقول: كان الشرط هذه النخلة بعينها مع الباقي وهو ينكر ذلك فهو اختلاف في قدر الرهن المشروط فيتخالفان كما ذكرنا.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ شَرَطَ لِلْمُرْتَهِنِ إِذَا حَلَّ الحَقَُ أَنْ يَبِيعَهُ لَمْ يَجُزْ".
إذا شرط الراهن بعد عقد الرهن أن الحق إذا حل عليه باع المرتهن الرهن لنفسه واستوفي حقه منه، فإن هذا توكيل باطل وشرط فاسد؛ لأن الإنسان لا يجوز [ق 225 ب] أن يكون وكيلًا لغيره في حق نفسه؛ لأنه متهم فيه فإنه يريد أن يروج البيع، ويريد الراهن أن يتربص به ويستقصي في طلب الزيادة في ثمنه فلم يجز.
فإن قيل: أليس لو دفع المسلف إليه دراهم إلى المسلف ليشتري به طعامًا صح.
قلنا: لو وكله بأن تشتريه لنفسه لم يجز، وإن وكله ليشتريه له دون نفسه جاز.
والفرق بينهما أن هذا الشراء لا حق له فيه، وإنما هو للسلف فجاز أن يكون وكيلًا لغيره في حق غيره، وليس كذلك بيع الرهن فإنه حقه، فلم يجز أن يكون وكيلًا لغيره في حق نفسه.
فإن قيل: أكثر ما فيه أنه توكيل فاسد، وإذا باع الوكيل وكالة فاسدة يجوز، فلم لا يجوز ههنا؟ قلنا: فساد الوكالة إذا كان لمعنى يرجع إلى عقد البيع منع صحة البيع، وقد بيَّنا أن الوكالة ههنا ترجع إلى عقد البيع، وهو أنه إذا باع فإنما يبيع لغيره في حق نفسه وذلك لا يجوز.
وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: يصح التوكيل ههنا ويملك بيع الرهن؛ لأنه إذا جاز توكيل غير المرتهن فيه جاز توكيل المرتهن فيه، وهذا غلط لما ذكرنا.
وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: يصح التوكيل ههنا ويملك بيع الرهن؛ لأنه إذا جاز توكيل غير المرتهن فيه جاز توكيل المرتهن فيه، وهذا غلط لما ذكرنا.
وإذا ثبت أن البيع باطل كان للمرتهن مطالبة الراهن ببيعه وإيفاء حقه من ثمنه، فإن امتنع منه رفعه إلى الحاكم ليبيع عليه ويدفع ثمنه إليه، وإن كان هذا شرطًا في عقد الرهن
فإنه شرط (فاسد) في عقد الرهن [ق 226 أ] فهل يفسد الرهن ههنا؟ أصل ذلك إن كان رهن شرط من شرطًا فاسدًا إن كان نقصانًا في حق المرتهن بطل قولًا واحدًا، وإن كان زيادة في حقه فيكون على قولين.
وكل موضع قيد الرهن وكان على بيع هل يبطل البيع بفساده؟ قولان.
وهذا كله إذا كان الراهن غائبًا عن مجلس البيع، فإن كان حاضرًا فباع المرتهن بحضرته، فإنه إذا أراد تعجيل البيع وتضييع حق المرتهن فيه منعه منه.
وقال أبو حامد: لا يجوز ذلك عندي أيضًا، وقول الشافعي:
"لَمْ يَجُرْ أَنْ يَبِيعَ لِنَفْسِهِ إِلَّا بأَنْ يَحْضُرَهُ رَبُّ الرَّهْنِ"، أراد رب الرهن بيعه إذا حضره دون المرتهن؛ لأنه لا يجوز أن يكون وكيلًا فيما يتعلق بحق نفسه.
قال الشافعي:
"فَإِن امْتَنَعَ أَمَرَ الحَاكِمُ بِبَيْعِهِ" والأول أصح وهو ظاهر النص.
فرع
لو قال: إذا حل الحق بعه لي واقبض الثمن ثم استوف منه حقك فالبيع وقبض الثمن جائز في استيفائه لنفسه.
قال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز ذلك ولابد من أمين موفي ومستوفي.
والثاني: يجوز ذلك إذا ائتمنه عليه غير أنه يحتاج إلى أن يزنه مرة أخرى على نفسه وما لم يستوفه لنفسه فهو أمانة في يده كالرهن، وإذا استوفي دخل في ضمانه.
وهكذا الحكم في كل [ق 226 ب] من باع مال غيره في حق نفسه بتولية، مثل إن وكل سيد العبد الجاني المجني عليه في بيع العبد بما تعلق له برقبته، أو وكل الحاكم أمينه في بيع مال الغير في حق نفسه.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ كَانَ الشَّرْطُ لِلْعَدْلِ جَازَ بَيْعُهُ".
الفصل
إذا شرطا أن يصغاه على يدي عدلٍ جاز الشرط وتكون يد العدل يد الراهن ووثيقة للمرتهن، وقال ابن أبي ليلي وداود: لا يجوز هذا القبض؛ لأن القبض من تمام هذا العقد فتعلق بأحد المتعاقدين كالإيجاب والقبول.
وهذا غلط؛ لأنه قبض في عقد فصح فيه التوكيل كسائر القبوض، ويفارق العقد؛ لأن الإيجاب إذا كان لشخص كان القبول منه؛ لأنه مخاطب بخلاف هذا.
فإذا تقرر هذا، فإن اتفقا على نقله عن يده جاز؛ لأن الحق لهما فجاز نقله.
برضاهما، وإن اختلفا نظر الحاكم فيه، فإن كان عدلًا ثقة أقره في يده، وإن كان فاسقًا انتزعه من يده.
وكذلك المرتهن إذا كان الراهن نقله من يده ويرفعه إلى الحاكم حتى ينقله عنه إلى غيره، وإن وكل الراهن هذا العدل ببيعه إذا حل الحق جاز؛ لأنه لا حق له في هذا البيع.
فإن قيل: هلا قلتم إن هذه الوكالة لا تصح لأنها وكالة بصفة، كما لو قال: إذا قدم الحاج أو جاز رأس الشهر [ق 227 أ] فقد وكلتك، فإن هذه وكالة باطلة.
قلنا: في مسألتنا الوكالة مطلقة غير مؤقته، وإنما البيع فيها مؤقت فجاز بخلاف ذاك.
فإذا تقرر هذا، فإن اتفقا على عزله عن الوكالة جاز، وإن عزله أحدهما فإن كان هو الراهن انعزل؛ لأنه وكيله في البيع، وإن عزله المرتهن اختلف أصحابنا فيه؛ فمنهم من قال: ينعزل وهو المذهب؛ لأن الشافعي قال:
"جَازَ بَيْعُهُ مَا لَمْ يَفْسَخَا أَوْ أَحَدُهُمًا"؛ لأن الوكالة متعلقة بحقهما فبطل رجوع كل واحد منهما.
وقال أبو إسحاق: لا ينعزل؛ لأن العدل وكيل الراهن في البيع دون المرتهن، ألا ترى أن الراهن لو انفرد عن المرتهن بالتوكيل صح، ولو انفرد المرتهن بالتوكيل في بيعه لم يصح إلا أن يدعي خيانة العدل ويقيم عليه البينة، فيكون له منعه من البيع.
قال: وقول الشافعي:
"مَا لَمْ يَفْسَخَا أَوْ أَخَدُهُمَا" أراد ما لم يمنعه الراهن عنه بيعه؛ لأنه إن كان وكيل الراهن فلا يبيع إلا بإذن المرتهن.
وقال أبو حنيفة ومالك: ليس للراهن أن ينفرد بعزله؛ لأن هذه الوكالة صارت من حقوق الراهن فلم يكن للراهن إسقاطه.
وهذا غلط؛ لأنها وكالة فكان للموكل فسخها كسائر الوكالات.
وأما ما ذكروا لا يصح؛ لأن الوكالة عقد بانفراده سوى الرهن كما لو باع شيئًا بشرط الرهن [ق 227 ب] لا يقال العقد من حكم البيع وهو عقد آخر كذلك ههنا.
فإذا تقرر هذا، ينظر إذا حل الحق، فإن اتفقا على البيع جاز العدل أن يبيعه، وإن أذن له أحدهما، فإن أذن له الراهن به لم يكن له بيعه حتى يستأذن المرتهن؛ لأنه له فيه حقًا، وإن أذن له المرتهن به هل يحتاج إلى استئذان الراهن في البيع؟ وجهان:
قال أبو إسحاق: لا يحتاج إلى استئذان؛ لأنه قد وكله في البيع وأذن مرة فلا يحتاج إلى الإذن ثانيًا.
وقال ابن أبي هريرة: يلزمه أن يستأذنه؛ لأنه ربما كان له غرض فيه، وهو أن يقضي الحق من عنده ونقله من الراهن.
فرع
قال في "الأم": وإن مات العدل, فإن اتفق الراهن والمرتهن على وضعه في يد عدل آخر جاز, وأن تنازعا حمل إلى الحاكم فيجعله على يد عدلٍ آخر, وليس لأحدهما أن ينفرد به, لأن لكل واحد منهما فيه حقًا.
فرع آخر
لو كان الرهن في يد المرتهن فمات المرتهن, فإن رضي الراهن أن يكون على يد الوارث جاز, وإن لم يرضه واتفقا على عدلٍ يكون عنده جاز, وإن اختلفا جعله الحاكم عند العدل, وليس للوارث إمساك الرهن بغير إذن الراهن, لأنه ما وثق به, وإنما وثق بمورثه, وإن كان وارث المرتهن طفلاً وكان [ق 228 أ] أبوه أوصى إلى رجل بالنظر في ماله ما لم يكن للوصي إمساك هذا الرهن أيضًا بغير إذن الراهن.
مسألة:
قال: "وَلَو بَاعَ بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثلِهِ فَلَم يٌفَارِقهُ حَتَّى جَاءَ مَنْ يَزِيدُهُ قَبلَ الزِيادَةِ, فَإِن لَم يَفعَل فَبيعُهُ مَردُودٌ".
إذا أذنا بالبيع نظر, فإن صرحا له فقالا: بع نقدًا بنقد البلد بألفِ لم يجز له أن يخالف شيئًا مما أذنا له به غير أن له يبيع بأكثر من ألفٍ إن قدر عليه, وإن لم يصرها بشيء بل وقع الإذن بالبيع مطلقًا اقتضى ثلاثة أشياء, وهي أن بيعه بثمن مثله نقدًا بنقد البلد, فإن خالف منها بطل البيع.
وقال أبو حنيفة: له أن يبيع كيف شاء.
وهكذا الخلاف في الوكيل المطلق بالبيع غير العدل.
فإذا تقرر هذا وخالف ما ذكرنا, فإن كان البيع قائمًا رده, وإن كان تالفًا فللمرتهن أن يضمن من شاء من المشتري والعدل والراهن, فإن رجع على المشتري رجع بأقل الأمرين من قيمته أو قدر الحق, ولا يرجع المشتري على أحد بشيء؛ لأن الشيء تلف في يده عن بيع فاسد فاستقر الضمان عليه وإن رجع على الراهن رجع بحق نفسه, وللراهن أن يرجع على من شاء من العدل والمشتري بكمال قيمة المبيع, فإن رجع على العدل رجع على المشتري بكمال قيمة المبيع, فإن رجع على العدل رجع على المشتري, وإن [ق 228 ب] رجع على المشتري لم يرجع على أحد هذا إذا كان الخلاف في النقد, وإن كان الخلاف في نقصان الثمن فالذي له أن يبيع بثمن مثله أو لا يتغابن الثاني بمثله في العادة, مثل أن يكون ثمن مثله عشرة والمغابنة في مثله بدرهم فباعه بتمامه فالبيع باطل, وإن باع بتسعة جاز, وهذا يختلف باختلاف أجناس الأموال, فإن اللؤلؤ لتثمينه يتغابن
فيها الناس بمائة درهم أو بخمسين ونحو ذلك, وكذلك العبيد والإماء ولا يُعد هذا غبنًا فاحشًا.
وإذا أبطلنا البيع وكان المبيع تالفًا له أن يرجع به على العدل.
نص في "نختصر الرهن" على قولين: المذهب: أن له الرجوع بكمال قيمته أيضًا وهو عشرة.
والثاني: يرجع عليه بتغابن الناس بمثله, وهو ما حط عن تسعة إلى ثمانية فيرجع عليه بدرهم واحد؛ لأنه القدر الذي تعدى فيه, ثم هو يرجع بالتسعة على المشتري.
والأول: أصح؛ لأنه أخرج العين من يده على وجه لم يجز له فيضمن جميع قيمتها.
ولو أن المشتري اشتراه بما يتغابن الناس بمثله لم يرجع عليه بشيء, ولكن يلزمه تمام القيمة ههنا كذاك العدل.
ومثل ما قال أصحابنا في الزكاة إذا لم يعط واحدًا من الأصناف مع القدرة يضمن نصيله, وكم يضمن؟ وجهان:
أحدهما: القدر الذي لو أعطاه في الابتداء جاز؛ لأن التفضيل جائز [ق 229 أ] والثاني: القدر الذي يخصه سوى بينهم.
هذا إذا خالف, فإن لم يخالف فباعه بثمن مثله أو ما يتغابن الناس بمثله فالبيع صحيح.
وإن جاءه زائد فزاد في الثمن نُظر, فإن كان ذلك بعد لزوم البيع لم تنفع الزيادة, وإن كان قبل لزوم البيع, مثل أن يزيد في الثمن في مدة خيار المجلس أو خيار الشرط, قال الشافعي: "عليه قبول الزيادة" فإن لم يفعل فالمذهب أن البيع ينفسخ؛ لأن كل ما يكون في مدة الخيار, فهو كما يكون حالة التعاقد, ولو زيد حالة التعاقد فباع بدون الزيادة وبطل البيع كذلك ههنا.
وعلى هذا إن تلفت السلعة في يده ضمن قيمة السلعة بالزيادة.
ومن أصحابنا من قال: لا تبطل, لأن الزيادة مظنونة فلا ينفسخ بها العقد, وهذا يبطل بحالة التعاقد فإنها مظنونة أيضًا.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لو قال الثاني بعدما زاد: بدا لي ولا أزيد بل إن البيع الأول لم يبطل, وهذا كما أنه لو بذل الابن الطاعة لأبيه في الحج يلزمه أن يأمره به, وإن رجع عن الطاعة قبل أن يحج أهل بلده بأن أنه لم يجب وإنما يحكم وجوبه إذا ثبت على الطاعة حتى يحجوا.
قال القفال: لكيفية قبول [ق 229 ب] الزيادة باستئناف العقد الثاني مع المشتري الثاني من غير فسخ العقد الأول, فتضمن العقد الثاني فسخًا للبيع السابق, وإنما جعلنا قبول الزيادة معلقًا بالعقد؛ لأنه لو فسخ الأول بلفظ الفسخ ربما يمتنع الثاني فيبطل المقصود من العقدين, وهذا معنى قول الشافعي: "قبل الزيادة", وهذا يدل على صحة أحد الوجوه إذا باع البائع في زمان المجلس من آخر صح, وانفسخ البيع الأول فلا
يحتاج إلى أن يقول: فسخت البيع الأول.
مسألة
قال: "وَإذَا بِيعَ الرَّهِنُ فَثَمَنَهُ مِنَ الرَّاهِنِ حَتَّى يَقبِضَهُ المُرتهَنٌ" إذا باع العدل الرهن بيعًا صحيحًا فثمنه من ضمان الراهن إلى أن يقبضه المرتهن؛ لأن ثمن المبيع قائم مقام المبيع.
ولو هلك المبيع في يد العدل وهو أصل لا ضمان على العدل؛ لأنه أمين, فكذلك إذا هلك الثمن.
ثم للمرتهن مطالبة الراهن لحقه, وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة ومالك: من ضمان المرتهن.
فأما أبو حنيفة بناه على أصله أن الرهن مضمون على المرتهن والثمن بدله.
وأما مالك فيقول: الثمن للمرتهن وبيع له فكان من ضمانه.
وهذا غلط؛ لأن العدل وكيل الراهن في البيع والصمن ملكه وهو ظامين له في قبضه فكان من ضمانه,
أما قوله "الثمن للمرتهن" لا يصح؛ لأنه للراهن وإنما تعلق به الاستيفاء له.
وأما قول الشافعي ههنا [ق 230 أ] "فَثَمَنَهُ مِنَ الرَّاهِنِ" أراد من ضمانه كما قال صلى الله عليه وسلم: "لا يغلق الرهن من راهنه" يعني من ضمان راهنه, وذلك عادة العرب في حذف المضاف.
مسألة:
قال: "وَلَو مَاتَ الرَّاهِنُ فَأَمَرَ الحَاكِمُ عَدلاً فَبَاعَ الرَّهنُ وضَاعَ الثَّمَنُ مِن يَدَي العَدلِ فَاستَحَقَّ الرَّهنُ".
الفصل:
إذا كان الرهن على يدي عدلٍ وقد وكلاه ببيعه عند محل الحق, فمات الراهن, وكان الحق خالاً أو حل عليه الحق بوفاته انفسخت الوكالة, فإن أراد الوارث قضاء الحق من غير الرهن أو من عنده جاز, وإن امتنع نصب الحاكم أمينًا ليبيع هذا الرهن, إما ذلك العدل أو غيره, فإذا باع الرهن وسلمه إلى المشتري وقبض الثمن فتلف الثمن في يد الأمين وخرج الرهن مستحقًا فالكلام فيه أربعة فصول؛ في المستحق, والمرتهن, والعدل, والمشتري.
وهكذا لو كان هذا في مفلس قد نصب الحاكم ليبيع ماله فباع عينًا من ماله وسلمها إلى المشتري وقبض الثمن فضاع من يده وخرج المبيع مستحقًا يكون الكلام في المستحق والغرماء والأمين والمشتري.
فبدأ بالمستحق فيأخذ عين ماله؛ وإن كان مع المستحق بينة حلف المستحق مع يمينه؛ لأنا نقضي بالبينة بغير يمين المدعي
[ق 230 ب] إلا في ثلاث مسائل: الميت والغاصب, والصبي, والمجنون سواء قلنا يحلف أو لا يأخذ خقه وينصرف.
وأما المرتهن: فقد بان له أن الرهن كان باطلاً وأن حقه بغير وثيقة, فإن كان الرهن في دين فلا خيار له, وإن كان في بيع فله الخيار, وإن اختار المقام على البيع كان أسوة الغرماء.
أما العدل: فلا ضمانة عليه؛ لأنه أمين الرهان في حفظ ملكه, وأمين المرتهن في حفظ وثيقة, وواسطة بين البائع والمشتري وقد تلف الشيء في يده من غير تفريط؛ لأنه وإن كان قد قبض الثمن بغير حق فقد سلمه إليه مالكه ليسلمه إلى مستحقه في الظاهر.
هكذا ذكر جماعة أصحابنا.
وقال القفال: إذا نصب الراهن والمرتهن عدلاً فوقع الأمر على هذا الوجه يرجع المشتري بالثمن على العدل؛ لأنه جفعه إليه ثم يرجع هو على الراهن لأنه يصدقه على أنه وكيل, وإن كان العدل منصوبًا من جهة القاضي هل للمشتري الرجوع على العدل أم لا عهدة على العدل بل يرجع في مال الراهن؟ وجهان:
أحدهما: لا رجوع على القاضي إذا تولى البيع بنفسه وهو ظاهر كلام الشافعي.
والثاني: يرجع على العدل كما في المسألة الأولى.
قال: وقول الشافعي:
"لَم يَضمَنِ العَدلُ" أي لم يضمنه ضمانًا لازمًا وقصده الرد على أبي حنيفة حيث فال: العهدة [ق 231 أ] على العدل للمشتري ثم يرجع هو على الراهن, وهذا خلاف النص والصحيح ما ذكرنا.
ولا رجو على العدل في الصورة الأولى إذا صدق المشتري أنه عدل وواسطة في العقد, أو ذكر العدل عند العقد أنه وكيل لما ذكنا من العلة,
وأما المشتري يرجع بالدرك في مال من بيع عليه وهو المفلس, أو الميت أو الراهن, وكذلك كل من باع على الغير مالً وهم ستة: الأب, والجد, والوصي, والحاكم, والوكيل, والأمين.
ووافقنا أبو حنيفة في الحاكم والأمين, وخالفنا في الوكيل, والأب, والجد, والوصي فقال: يلزممهم العهدة ويرجع المشتري عليهم ثم يرجعون على من بيع المال عليهم بما ضمنوا.
وقال مالك: يرجع المشتري على المرتهن ويعود دينه في ذمة الراهن كما كان, لأنه بيع له, وهو لما ذكرنا من قبل.
فإذا تقرر هذا, فإن كان في الماء وفاء بدين المرتهن والمشتري جميعًا قضيا معًا منه.
وإن لم بكن فيه وفاء بهما نقل المزني وحرملة أنه أسوة الغرماء, ولا فصل بين المفلس ولا مسألة الميت إذا بيع في تركته شيء رهنًا كان البيع أو غير رهن.
واختلف أصحابنا في هذا على طريقتين؛ فمنهم من قال: المسألة على قولين:
أحدهما: أنه أسوة الغرماء وهو الأصح, لأنه بذل الثمن لتحصل له السعة إذا [ق 231 ب] استحقت بالبينة بعد حصوله له فاستحق الرجوع بالثمن, فإذا كان تالفًا ثبت
حقه في الذمة كالمرتهن فهما سواء.
والثاني: يقدم على الغرماء؛ لأن في تقدمة مصلحة, إذ لو لم يقدم لم يشتر أحد من مال المفلس خوفًا من أن يخرج مستحقًا فيضيع ماله, فقدمناه كما قدمنا أجرة الخياط والحمال ونحو ذلك.
ومن أصحابنا من قال: هو على اختلاف حالين, فالموضع الذي يقدم على الغرماء ما إذا كان للمفلس أعيان مال موجودة ههنا يقدم, والموضع الذي قال إنه أسوة الغرماء أراد إذا لم يكن له أعيان مال بحالً, وإن لم يكن له غير الذي يبيع عليه ففات الحجر عنه ثم ملك بعدها مالاً فاعيد الحجر عليه ههنا يكون المشتري أسوة الغرماء قولاً واحدًا, ومنهم من قال: فيه قولان.
فرع
لو باع العدل برضاهما وتلف الثمن في يده وخرج المبيع مستحقًا فلا عهدة على العدل على ما ذكرنا.
ولو دفع الثمن إلى المرتهن فالمشتري يرجع على الراهن أيهما شاء.
وهذا غلط للمعنى الذي ذكرنا من قبل.
فرع آخر
قال ابن سريج: لو كان الرهن على يدي عدل فباعه بإذنهما وقبض الثمن وسلمه إلى الراهن, وسلمه الراهن إلى المرتهن وقبض المشتري المبيع ثم أصاب به عيبًا فله رده, والرد [ق 232 أ] على الراهن؛ لأنه هو البائع وله الرجوع بالثمن ولكنه لا يرجع على المرتهن؛ لأن قبضه وقع صحيحًا مستقرًا وقد دفععه الراهن إليه بحقٍ ودخل في ملك الراهن أولاً, ولهذا لو أراد الراد أن يحبسه ويقضي دينًا من مال آخر له ذلك.
ويفارق هذا إذا استحق الرهن من يد المشتري له أن يطالب المرتهن بماله؛ لأنه قبض الثمن ولم يكن مستحقًا له فافترقا في الرجوع عليه.
وأما الراهن: إن كان قد ذكر في العقد أنه وكيل للراهن وبيع له فلا رجوع إليه, وكانت الحكومة بين الراهن والمشتري دون العدل, فإن كان للمشتري بينة بأن العيب كان موجودًا حال العقد أو بعد العقد وقبل القبض رجع بالثمن عليه, وإن لم يكن له بينة نظر فإن كان عيبًا لا يحدث مثله كالإصبع الزائد له رده بلا يمين, وإن كان يحدث مثله فالقول قول الراهن, وإن أطلق العدل البيع ولم يقل إنه وكيل الراهن في بيعه فالحكومة بين العدل وبين المشتري؛ لأن الظاهر أنه تصرف لنفسه فكانت العهدة عليه.
وهذا أصل في تصرف الوكيل متى ذكر أنه وكيل تعلق الحكم بموكله, ومتى أطلق تعلق به, فإذا كانت....... وبين المشتري, فإن كان للمشتري فإن كان للمشتري بينة أن العيب كان موجودًا رد العبد ورجع بالثمن على العدل [ق 232 ب] ورجع العدل به على الراهن, وإن لم يكن معه بينة