رجل معهن، ولا رجل هناك سواه، فإن كن ذوات محارم له صلى بهن وإلا يكره له ذلك، فإن خالف وصلى "243 أ/3" بهن صحت صلاتهن، ثم بين أين تصلي هذه الصلاة وقد مضى بيانه في خسوف الشمس.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل تصلى صلاة الخسوف في كل مسجد أم لا تصلى إلى في جماعة واحدة؟ وجهان مخرجان بناء على القولين في صلاة العيد، وهذا خلاف النص الذي ذكرنا فيما تقدم.
مسألة: فإن لم يصل حتى تغيب كاسفة.
الفصل
وهذا كما قال.
إذا غفل عن صلاة الخسوف حتى تجلت كلها لم يصل وهذا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: في رواية جابر رضي الله عنه: "فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله والصلاة حتى تنجلي" فجعل الانجلاء غاية الصلاة ولأن الصلاة إنما شرعت ليدعو الناس الله تعالى حين يرد إليها الضوء للانتفاع به، فإذا تجلت زال هذا المعنى فإن قيل: قد قلتم: الاستسقاء إذا مطروا صلوا الاستسقاء، فلم لا تقولون هاهنا إنه يصلي بعد التجلي، قلنا: لانهم يصلون هناك لاستزادة المطر وإتمام المنفعة.
وهاهنا لا معنى للصلاة لاستزادة الضوء فلهذا لم يصلوا.
فرع
لو تجلى بعضها صلى ليرد الله تعالى "243 ب/3" ضوء ما انكسفت منها ولهذا لو انكسف بعضها في الابتداء فإنه يصلي كذلك.
مسألة: قال: فإن غاب خاسفا صلى صلاة الخسوف بعد الصبح ما لم تطلع الشمس.
وهذا كما قال: إذا انخسفت الشمس وغابت خاسفة قبل أن يحرموا بالصلاة لا يصلون؛ لأن الشمس إذا غابت فقد ذهب سلطانها وذهب الوقت الذي دخل فيه ضوئها منفعة للناس فلم يكن للصلاة معنى، ولو خسف القمر ففيه ست مسائل:
أحدها: أن ينجلي ليلا قبل الصلاة فلا يصلي مما ذكرنا في الشمس.
والثانية: أن ينجلي بعضه فإنه يصلي.
والثالثة: أن يغطيه السحاب منخسفا فإنه يصلي.
والرابعة: أن يغيب القمر منخسفا في بعض الليل قبل أن يصلوا صلاة قولا واحدا ويخالف غروب الشمس كاسفة؛ لأن زمان الليل هو وقت لسلطان القمر وبقاء ضوئه في بعض الليالي فإن غاب في بعضها، وغيبوبة الشمس لا يختلف زمانها وليس لها في
الليل سلطنة بوجه، وقيل في القمر: إن القمر قد يكون باقيا بعد طلوع الشمس فلا يكون لطلوعه وبقائه حكم مضئ الليل فكذلك "244 أ/3" إذا غاب مع بقاء الليل وجب أن لا يكون لغيبوبته حكم مع بقاء الليل وليس كذلك الشمس؛ لأنه لا يسقط حكمها مع بقائها فكذلك لا يبقى حكمها مع غيبوبتها.
والخامسة: أن تطلع الشمس وهو منكسف فإنه لا يصلي، لأن وقته قد فات وسلطانه قد ذهب فهو بمنزلة غيبوبة الشمس.
والسادسة: أن يطلع الفجر وهو منكسف ففيه قولان: قال في "القديم": لا يصلي لأن القمر من آية الليل والشمس من آية النهار، فكما لا يصلى لخسوف الشمس بالليل لا يصلى لخسوف القمر بالنهار، وقبل الفجر حاجب الشمس.
وقال في "الجديد": يصلي وهو الصحيح، لأن قبل طلوع الشمس سلطان باق لقوله تعالى: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ الإسراء: 12" فما لم تطلع الشمس فالسلطنة له وقد يقع لضوئه في هذا الوقت.
فرع
لو خسف القمر بعد طلوع الشمس، هل يبتدئ الصلاة؟ فيه قولان بناء على هذين القولين ولو ابتدأ خسوف القمر بعد طلوع الشمس لا يصلي قولا واحدا.
مسألة: قال: فإذا طلعت أو أحرم فتجلت أتموها.
وهذا كما قال أراد به إذا طلعت الشمس في خلال صلاة خسوف القمر إذا أحرم بصلاة خسوف الشمس، ثم تجلت الشمس "244 ب/3" أتموها، وهذا لأن القصد بهذه الصلاة إعظام الله تعالى ما رأوا من الآيات التي يخوفهم بها، ومسألة تجليها وإعادة ضوءها إليها، فإذا افتتحوا الصلاة ثم حصل المقصود لم يجز إبطال الصلاة بل إتمامها أحسن لعبادته.
وأتم لشكر نعمته.
وقال بعض أصحابنا: يحتمل أنه أراد يتجوز فيها ويطرح الزوائد التي خصت بها، وقد ذكرنا وجهين، والنص الظاهر أنه يتمها كما شرع فيها إلا أنه يخفف.
فرع
لو كسفت الشمس، ثم تغيبت السماء، وتغيبت الشمس في السحاب يصلون صلاة الخسوف؛ لأن الخسوف يقين وتجليها مشكوك فيه، واليقين لا يزول بالشك، ولو طلعت الشمس في غمام أو غيابة فتوهمها خاسفة فلا صلاة حتى يستيقن ذلك، ثم ذكر في "المختصر": مسألتين مضى بيانهما:
إحداهما: قال: فإذا اجتمع أمران فخاف فوات إحداهما بدأ بالذي يخاف فوته.
والثانية: قال: فإن لم يقرأ بأم القرآن أجزأه، وهذا لأن الفريضة تجزئ بأم القرآن فالنافلة أولى، ثم بين أن الجماعة وإن كانت مسنونة لهذه الصلاة فليست بواجبة بخلاف
الجمعة، فقال: ولا يجوز عندي تركها لمسافر على "245 أ/3" ما ذكرنا وأراد أنه لا يجوز من طريق السنة.
وحكى عن الثوري، ومحمد بن الحسن أنه لا يجوز هذه الصلاة منفردا، وهو غلط لأنه روى أن ابن عباس صلى صلاة الخسوف على ظهر زمزم وذلك الموضع لا يتسع للجماعة ولأنه ليس من شرطها الوطن فكذلك الجماعة.
مسألة: قال: ولا آمر بصلاة جماعة في آية سواهما.
وهذا كما قال: لا تسن في غير آية الخسوف من الزلازل والريح الشديدة والظلمة ونحو ذلك؛ لأن هذه الآيات كانت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم تنقل الصلاة لها.
قال الشافعي: ويستحب التكبير والدعاء، فإن صلى للناس منفردين لئلا يكونوا على غفلة جاز، وحكى عن الشافعي هاهنا أنه قال: وآمر بالصلاة منفردين، وقال بعض أصحابنا: لم يستحب الشافعي هذا بل أمر لئلا يكون على غفلة وحدث حادث فيكون على أفضل القرب وهي الصلاة، لأن الصلاة هي خير موضوع ولم يذكر في " الحاوي" غيره، ويحتمل أنه استحب ذلك لها منفردا اعتمادا على ظاهر قوله/ ولا إشكال أن هذه الصلاة هي كسائر الصلوات.
وقد روى عن النبي "245 ب/3" - صلى الله عليه وسلم - أنه كان: "إذا سمع صوت رعد أو صاعقة يقول: "اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك"، وروى أنه كان إذا هبت ريح شديدة يستقبلها جاثيا على ركبتيه ويقول: "اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا، اللهم إني أعوذ بك من شر ما أرسلت فيها"، وهذا لأن في كل موضع ذكر الله تعالى الريح فهو للعذاب وهو موضع ذكر الرياح فهو للرحمة، هذا ذكره ابن عباس قال الله تعالى: ﴿وأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ " الحجر: 22" وقال: ﴿وهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا﴾ "الأعراف: 57" الآية وقال ﴿فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ "الحاقة: 6" وقال: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ "القمر: 19" وقال ابن مسعود رضي الله عنه يصلي في جماعة كل آية، وبه قال أحمد وإسحاق، وقال أهل العراق: يصلون فرادى الزلازل والرياح سنة.
وحكى عن الشافعي أنه قال في كتاب اختلاف العراقيين: صلى علي رضي الله عنه جماعة في زلزلة ثم قال: فإن صح قلت به، فمن أصحابنا من قال: أراد إن صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قلنا: به وإلى وقتنا هذا لم يصح، ومنهم من قال: إن صح عن علي قلنا به فمن "246 أ/3" قال بهذا اختلفوا على
وجهين: أحدهما: أراد إن صح قلنا: في الزلزلة وحدها.
والثاني: أراد إن صح قلنا به في سائر الآات مثله
باب صلاة الاستسقاء
مسألة: قال: ويستسقى الإمام حيث يصلي العيد.
وهذا كما قال.
اعلم أن معنى الاتسقاء مسألة الله تعالى سقيا عبارة عن حاجتهم إليه وذلك هو سنة لا خلاف فيها، والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وإذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الحَجَرَ﴾ "البقرة: 60" الآية وقوله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾ "نوح: 10 و 11".
وأما السنة: فما روي ابن عباس رضي الله عنه أنه خرج في الاستسقاء متبدلا متذللا متواضعا متضرعا حتى أتى المصلى، فدعا على المنبر ولم يخطب كخطبتكم هذه ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير، ثم صلى ركعتين كما صلى في العيدين.
وروى أنس رضي الله عنه قال: أصاب أهل المدينة قحط فقام رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يخطب فقال: "هلك الكراع والشاء فاسأل الله أن يسقينا فمد يده ودعا "246 ب/3" فهاجت ريح، ثم أنشأت سحابا، ثم اجتمع فأرسلت السماء عزاليها، فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا، والعزالى: هي جمع العزلا، وهم فم المزادة وروى أنه لما قال الأعرابي هذا وهو في خطبة الجمعة كانت السماء كمثل الزجاجة فمد يده ودعا فلم تزل السماء تمطر إلى الجمعة الأخرى فقام إليه ذلك الرجل أو غيره؟ فقال يار سول الله: تهدمت البيوت فادع الله لنا أن يحبسه فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: " اللهم حوالينا ولا علينا" فنظرت إلى السحاب ينصدع حول المدينة كأنه إكليل، وهذا الخبر يدل على أنه يستحب الاستسقاء عند الجدب والدعاء على صرفه إذا خيف ضرره.
وأما الإجماع: روى أن العباس عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استسقى، وروي أن عمررضي الله عنه استسقى بالناس عام الرمادة فأخذ بضبعي العباس وأشخصه قائما وأرمى به نحو الشمال.
وقال: "اللهم إنا جئناك نستسقيك ونستشفع إليك بعم نبيك" فما انقضى قوله والناس ينظرون إليها وإلى السحاب حتى نشأت سحابة فلم تلبث أن طبقت الأفق، ثم أرسلت السماء "247 أ/3" عزاليها فما رجعوا إلى حالهم حتى بلغهم الغيث، فأفرغ الله به الجنان، وأخصب به البلاد وذلك أبلغ المعجزات لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأعظم
ما يكون من الآيات، ولا خلاف بين المسلمين فيه.
فإذا تقرر هذا فقد قال في " الأم": إذا انقطعت الأمطار وقت الحاجة إليها وغارت العيون والأنهار أو جفت الآبار أو ملحت في بعض المواضع مياه الأنهار لا أحب للإمام أن يتأخر عن الاستسقاء، فإن تخلف عنه فقد أساء بترك السنة ولا قضاء عليه ولا كفارة، وإن لم يفعلها الإمام فعلها الرعية والمستحب أن يستسقي الإمام مع الناس في الصحراء؛ لأن المستحب أن يخرج له الرجال والنساء والصبيان، فالصحراء هي أوسع وأرفق وروى عباد بن تميم عن عمه عبد الله بن زيد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج بالناس إلى المصلى يستسقي، ولأن في الصحراء يوقف على سحابة إن نشأت أو نقط من المطر فيستبشرون به، ولأن المطر يصيبهم في الصحراء والبروز للمطر مستحب.
مسألة: قال: ويخرج متنظفا بالماء وما يقطع الروائح.
الفصل
وهذا كما قال في السنة: "247 ب/3" أن يخرج متنظفا بالماء، فإنه يغتسل ويستاك على ما سبق بيانه ويلبس ثيابا نظيفة غير جديدة ولا مطيبة، وهذا لئلا يتأذى بروائحه الكريهة، وقال في " الأم": ولا يتطيب ويكون مشيه وجلوسه وكلامه كلام تواضع واستكانة، وكذلك سائر الناس، وهذا لأنه موضع مسألة وطلب بخلاف يوم العيد، فإنه يوم سرور وزينة، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزين للعيد وخرج للاستسقاء متذللا متواضعا متضرعا.
مسألة: قال: وأحب أن يخرج الصبيان ويتنظفوا للاستسقاء.
الفصل
وهذا كما قال: ويستحب أن يخرج الصبيان والشيوخ والعجائز، ومن لا هيئة له من غير العجائز ليكثر الجمع، والاستحباب في خروج الشيوخ والصبيان أشد لقوله - صلى الله عليه وسلم - "لولا رجال ركع"، وروي "شيوخ ركع" وروي "صبيان رضع وبهائم رته لصب عليكم العذاب صبا" وروي ثم يرص رصا؛ ولأن الصبيان لا ذنب لهم وفي الشيوخ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا بلغ الرجل ثمانين سنة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر"، وروي أن عمر رضي الله عنه "استسقى بالعباس" على ما ذكرنا.
قال "248 أ/3" ويستحب لسيد العبد أن يخرجه ويخرج الأمة العجوز ليكثر التضرع والدعاء، ولا يجب ذلك على السيد؛ لأن الرقيق مستحق الخدمة.
قال: ولا آمر بإخراج البهائم وأراد لا يستحب ذلك ولا أكرهه؛ لأن بحضورها أثرا في الرحمة، وروي أن قوم يونس - صلى الله عليه وسلم - لما أظلهم العذاب وطلبوا يونس - صلى الله عليه وسلم - ليسلموا هرب منهم فخرجوا إلى الصحراء وفرقوا بين النساء وأولادهن وبين البهائم وأولادها، فضجت الأمهات وضج الأولاد وكثر الدعاء فرفع الله تععالى عنهم العذاب، وإنما قلنا: لا يستحب، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يخرجها في الاستسقاء.
وقال أبو إسحاق: يستحب إخراج البهائم لعل الله تعالى أن يرحمها ولا يؤاخذها بذنوب بني ءادم، لأنها تستضر بالجدب أيضا كبني ءادم، ومن قال بهذا قال: تأويل ما قال في "الأم"، " ولا آمر بأخراج البهائم كما آمر بإخراج الصبيان والشيوخ" فجعل حضورهم آكد وأفضل.
وحكى القفال عن الشافعي أنه قال: أحب إخراج البهائم وإيقافها في جانب بين الناس للخبر الذي ذكرنا وهذا غريب.
وقال في "الحاوي" "248 ب/3" قال ابن أبي هريرة: إخراج البهائم أولى من تركها.
وقال سائر أصحابنا: إخراجها مكروه لما فيه من تعذيبها واشتغال الناس بأصواتها، وإنها من غير أهل التكليف، وهذا خلاف النص الذي ذكرنا، وحكى أن سليمان بن داود عليه الصلاة والسلام خرج يستسقي فرأى نملة قد استقلت على ظهرها تستسقي فقال: ارجعوا فقد سقيتم بعيركم.
مسألة: قال: وأكره إخراج من خالف الإسلام للاستسقاء في موضع مستسقى المسلمسن وأمنعهم من ذلك.
وهذا كما قال: لا يجوز للإمام أن يخرج أهل الذمة وسائر الكفار للاستسقاء؛ لأن اللعنة تنزل عليهم.
قال أصحابنا: وربما كانوا هم سبب القحط لقوله تعالى: ﴿وأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا﴾ "الجن: 16" فإن خرجوا متميزين عنهم، قال الشافعي: لا أمنعهم لأنهم مسترزقة والله تعالى يضمن رزق العباد المؤمنين والكفار فقوله تعالى: ﴿وارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً﴾ " البقرة: 126" الآية.
وهذا إذا أرادوا أن يخرجوا في غير يوم المسلمين، فأما إن أرادوا الخروج في يوم المسلمين إلى موضع آخر متميزين عن المسليمن فيه "249 أ/3" وجهان:
أحدهما: يمنعون لأن الشافعي قال في " الأم": وأكره إخراج من خالف الإسلام للاستسقاء مع المسلمين في موضع مستسقى المسلمين وغيره، وأراد به في ذلك اليوم لأن في غيره لا يمنعون، ولأنا لا نأمن إذا استجيبت دعوة المسلمين أن يدعوها لأنفسهم.
والثاني: وهو الأصح لا يمنعون لأن الشافعي، قال: وإن خرجوا متميزين لم أمنعهم، والذي قال في " الأم": إنما أكره إخراج من خالف الإسلام وهاهنا لا يخرجهم، بل هم خرجوا بانفسهم.
وقال الشافعي: لا أكره إخراج صبيان أهل الذمة ما أكره من رجالهم، لأن غير البالغ لم يعاند ولم يعتقد، بل هو تابع.
وأما خروج نساء أهل الذمة كخروج رجالهم إن خالطن المسلمين منعن وإلا فلا كما قلنا في الرجال.
وقال مكحول: لا بأس بإخراج أهل الذمة مع المسلمين، وقال إسحاق: لا نأمرهم بالخروج ولا ننهاهم، وقال الأوزاعي: كتب يزيد بن عبد الملك إلى عماله بإخراج أهل الذمة للاستسقاء فلم يعب عليهم أحد في زمانه.
واحتجوا بأن الله تعالى ضمن أرزاقهم كما ضمن أرزاق المؤمنين وهذا غلط؛ لأن الكفار أعداء "249 ب/3" الله تعالى فلا يحتاج إلى دعائهم وشفاعتهم فلا يخرجهم ولا يمنعهم.
مسألة: قال: ويأمر الإمام الناس قبل ذلك أن يصوموا ثلاثا.
الفصل
وهذا كما قال: إذا أراد الإمام الخروج للاستسقاء يستحب له أن يتقدم إلى الناس، بان يصوموا قبله ثلاثة أيام متتابعة، وأن يتقربوا إلى الله تعالى بأداء ما يلزمهم من المظالم من دم أو مال أو عرض؛ لأن القحط عقوبة المظالم.
قال عبد الله بن مسعود: "إذا بخس المكيال، حبس القطر" ويأمر بالصلح مع المتشاحن والمهاجر وبالتطوع وبالتصدق والصلاة والذكر وغيرها من البر، والأصل فيها ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الصدقة تطفئ غضب الرب والدعاء يرد البلاء"، وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "ثلاثة لا ترد دعوتهم الصائم والمريض والمظلوم"، ثم يأمرهم أن يخرجوا في اليوم الرابع صياما نص عليه في "الأك"؛ لأنا إذا استحببنا لهم أن يقدموا الصيام فالأولى يوم المسألى والدعاء.
فإن قيل: أليس يستحب الفطر يوم عرفة ليتوفروا على الدعاء فقولوا: مثله هاهنا قلنا: هناك الغالب هناك "250 أ/3" السفر الطويل وأقلهم سفرا من يخرج من مكة، فإذا كان صائما ضعف عن الدعاء وهاهنا لا يوجد هذا المعنى.
قال: ويخرج بهم إلى أوسع ما يجد يعني من الصحراء، وينادي الصلاة جامعة ثم يصلي بهم ركعتين كما يصلي في العيدين، ويقرأ فيهما ما يقرأ في العيدين في الركعة
الأولى بسورة ق وفي الركعة الثانية بسورة اقتربت، ومن أصحابنا من قال: يقرأ في الثانية سورة نوح لأنها بالحال أشبه كما في صلاة الجمعة الأول أولى لما روى ابن عباس رضي الله عنه عنه قال: "صنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الاستسقاء ما صنع في صلاة عيد الفطر والأضحى"، ويجهر فيها بالقراءة ويصلون قبل الخطبة وبه قال مالك وأبو يوسف ومحمد، وهي أشهر الروايتين عن أحمد، وروى ذلك عمر بن عبد العزيز وسعيد بن المسيب، ومكحول رضي الله عنهم.
وقال الزهري والأوزاعي وأبو حنيفة: لا يصلي الاستسقاء والصلاة فيه بدعة، وربما يقول أبو حنيفة وأصحابه: إنها لا تكون بدعة ولا سنة، وحكي عن مالك أنه يصلي ركعتين بلا [250 ب/3] تكبير زائد وهي رواية عن أحمد.
وقال الليث بن سعد: يخطب قبل الصلاة، ويروى هذا عن ابن الزبير وكذلك عن عمر بن عبد العزيز، وهذا غلط لما روي عن جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانوا يصلون صلاة الاستسقاء يكبرون فيها سبعا وخمساً.
وروي أنهم كانوا يخطبون بعد الصلاة ويقيس على صلاة العيد ووقت هذه الصلاة وقت صلاة العيدين ولا يزال وقتها قائماً ما لم يصل العصر، فإذا صليت العصر، ظاهر كلامه في "الأم" أنها لا تفعل لأنه قال فيه: لو صلاها بغير طهارة أعاد في يومه بعد الظهر وقبل العصر، وليست كصلاة العيد التي يفوت وقتها بزوال الشمس، وهذا لأن وقتها موسع لا يخاف فوتها فلا يجوز أن يقصدها في الأوقات المنهية.
مسألة قال: ثم يخطب الخطبة الأولى ثم يجلس ثم يقوم فيخطب يقصر الخطبة الأخرى.
الفصل
وهذا كما قال: الكلام الآن في صفة الخطبة، وجملته أنه يستحب أن يخرج المنبر إلى الصحراء ليخطب عليه، وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي [251 أ/3]- صلى الله عليه وسلم - أخرج المنبر للاستسقاء ولم يرو عنه أنه أخرج المنبر في العيد ولكنه خطب على بعيره، وقيل: لا يستحب ذلك في العيد، وقال الشافعي: فإن لم يخرج المنبر ولكنه خطب على حائط أو ربوة جاز؛ لأن الغرض أن يكون عالياً ليبلغ خطبته، فإذا صعد سلم وجلس كما قلنا في خطبة العيد، ولا تختلف هذه الخطبة وخطبة العيد، إلا أنه يستحب أن يدعو في هذه الخطبة الأولى لما روى عبد الله بن عمر رضي الله عنه عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان إذا استسقى قال اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً هنيئاً مريئاً مريعاً غدقاً مجللاً عاماً ماسحاً دائماً، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم إن بالعباد والبلاد والخلق من
اللأواء والجهد والضنك ما لا يشكو إلا إليك، اللهم أنبت لنا الزرع، وأدر لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء وأنزل علنا من بركات الأرض اللهم ارفع عنا الجهد والجوع والعرى واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً فأرسل السماء علنا مدراراً" فإذا دعا بهذا الدعاء [251 ب/3] ويصل بن الخطبتين بجلوس، فإنه يبتدئ بالخطبة الثانية"، وذكر ابن قتيبه في حديث أنس أنه قال:" اسقنا غيثاُ مغيثاً وحياً رتيعاً وحداً طبقاً غدقاً موقعاً عاماً هنيئاً مرياً مريعاً مونقاً وابلاً سائلاً مسيلاً مجللاً ديماً دراراً نافعاً غير ضار عاجلاً غير رائث غيثاً.
اللهم تحيي به البلاد وتغيث به العباد وتجعله بلاغاً للحاضر منا والباد، اللهم أنزل علمنا زينتها، وأنزل علينا في أرضها سكنها اللهم أنزل علينا من السماء ماء طهوراً فأحيي به بلدة ميتاً واسقه مما خلقت لنا أنعاماً وأناسى كثيراً".
وروى أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقول عند كثره المطر: "اللهم اسقنا رحمة ولا سقياً عذاب ولا محق ولا بلاء ولا هدم ولا غرق، اللهم على الظراب ومنابت الشجر اللهم حوالينا ولا علينا" والغيث: المطر، مغيثاً أي: يغيث الخلق عن الشدة هنيئاً مريئاً، أي: ذا هناء ومراء مريعاً، أي: مخصباً ذا مراعة، مربعاً، أي: منبتاً للربيع وهو الكلأ، وهل: هو من ربعت بمكان كذا إذا أقمت به، مجللاً أي: مغطياً، سحاً: أي صباً والغدق هل: غذقاً وغَدَقاً ومغدقاً وهو الكثير المطر والحياء هو الذي تجيء به [252 أ/3] الأرض والجد المطر العام، ومنه أخذ جد العطية والجدوى مقصور والمونق: المعجب والسائل من السيل فقال: سئل سائل كما يقال: مطر ماطر والرايث: البطيء وسكنها فوتها، وإنما قيل: له سكن لأن الأرض سكن به والظراب: هى التلال الصغار.
قال الشافعي: وأحب أن مكون أكثر كلامه الاستغفار ومفصل به كلامه ويختتمه به هكذا روي عن عمر رضي الله عنه ويكثر من قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11)﴾ [نوح: 10 و 11] ويستحب أن يدعو بدعاء الأنبياء، فإنه أسرع إلى الإجابة.
وروى أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كتب إلى ميمون بن مهران: إني كتبت إلى البلدان أن يخرجوا إلى الاستسقاء وأمرتهم بالصدقة والصلاة فإن الله تعالى قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى (14) وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15)﴾ [الأعلى: 14 و 15] وأمرتهم أن يقولوا: كما هال أبوهم أدم - صلى الله عليه وسلم - ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وإن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ (23)﴾ [الأعراف: 63] وأن يقولوا: كما قال موسى عليه السلام: ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ (16)﴾ [القصص:16] وأن يقولوا: كما قال يونس [252 ب/31] ﴿أَن لاَّ إلَهَ إلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ فإن قصر من هذا أو
زاد على هذا فلا بأس، ويستحب أن يأتي بهذا الاستغفار في الخطبة الثانية ثم إذا بلغ إلى هذا المكان في الخطبة الثانية حول وجهه إلى القبلة، وهو على المنبر وظهره إلى الناس، فإن كان عليه طيلسان مقور وهو الذي نسخ مقوراً حوله ولم يقلبه؛ لأن تقليبه لا يمكن، وتحويله هو أن يجعل ما على عاتقه الأيمن على الأيسر وما على عانقه الأيسر علي الأيمن.
وقيل: ويجعل باطنه ظاهراً وظاهره باطناً ولو كان رداء مربعاً فإنه يحول قولاً واحداً، وهل ينكسه فيجعل الأعلى على الأسفل والأسفل على الأعلى؟.
قال في "القديم": لا ينكسه؟ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينكس، وقال في "الجديد": ينكسه وهو الصحيح، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد التنكيس فثقلت عليه فترك، فإذا أمكن ما أراد يكون مستحباً فإن ثقل عليه حوله، ولم ينكسه كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويفعل المأموم مثل هذا وهو جالس والفائدة في قلب الرداء وتنكسه التفاؤل، وهو أن ينتفل من جدب إلى [253 أ/3] خصب.
وقال أبو حنيفة: لا يستحب التحويل، لأنه دعاء فلا يستحب فيه تغيير الثياب.
وحكي الطحاوي عن أبي يوسف أنه قال: يحول الإمام رداءه دون المأمومين، وروي مثله عن محمد وعروة وسعيد بن المسيب والثوري وهذا غلط، لما روي في خبر عبد الله بن زيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "استقبل القبلة وحول رداءه، وجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر، وجعل عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن، ثم دعا الله".
وأصل العطاف الرداء وانما أضاف الانعطاف إلى الرداء، لأنه أراد أحد شقي العطاف الذي عن يمينه وعن شماله.
وقال أحمد: يجعل اليمين على الشمال والمال على اليمين، وعن مالك قريب منه، ثم إذا فعل ذلك يدعو لهم مستقبل القبلة سراً فيقول: "اللهم أمرتنا بدعائك ووعدتنا إجابتك فقد دعوناك كما أمرتنا فأجبنا كما وعدتنا، اللهم إن كنت أوجبت إجابتك لأهل طاعتك وكنا قد فارقنا، أي أذنبنا وأجرمنا ما خالفنا فيه الذين محضوا طاعتك، فامنن علينا بمغفرتك وإجابتك في سقياك، أو يقول: اللهم فامنن [253 ب/3] علينا بمغفرة ما فارقنا وإجابتك في سقيانا، وسعة رزقنا ويدعو بعد هذا بما شاء من أمر الدنيا والآخرة" ويدعو الناس معه سراً أيضاً في هذه الحالة، ثم يقبل على الناس بوجهه ويحضهم على طاعته ويأمرهم بالخير ويملي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويدعو للمؤمنين والمؤمنات ويقرأ آية أو أكثر ويقول: أستغفر الله لي ولكم، ثم ينزل.
فإن قيل: قلتم في الخطبة الثانية: إنه يدعو سراً.
ويدعو الناس معه سراً، وفي الخطبة الأولى: لا يأمرون الناس بالدعاء، قلنا: لأن في الخطبة الأولى يجهر بالدعاء فيؤمنون هم وفي الثانية يسر هو بالدعاء فلا يسمعون دعاءه فلا بأس أن يوافقوه في الدعاء سراً، وإنما أمرناه أن يسر لهذا الدعاء ليجمع بين الإسرار والجهر في الدعاء، ويكون أقرب إلى الإجابة قال الله تعالى في قصة نوح عليه السلام ﴿ثُمَّ إنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وأَسْرَرْتُ لَهُمْ إسْرَارًا (9)﴾ [نوح:5] وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ [الأعراف: 255].
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "خير الرزق ما يكفي وخير الذكر الخفي"
فرع
لو استقبل في الخطبة الأولى لم يكن عليه أن يعود لذلك في الخطبة [254 أ/7] الثانية نص عليه في "الأم".
فرع
قال: لو ترك عنهم تارك التحويل والتنكيس والإمام أوكلهم كرهت تركه لمن تركه ولا يحول رداءه إذا انصرف من مكانه الذي يخطب فيه.
فرع
إذا حولوا أرديتهم أقروها محولة كما هي حتى ينزعوها متى نزعوها على العادة.
فَرْعٌ آخرُ
قال: ولو اقتصر رجل على تحويل ردائه ولم ينكسه أجزأه إن شاء الله وكذلك إذا اقتصر على تنكيسه رجوت أن يجزيه.
فَرْعٌ آخرُ
يرفع يديه في حال الدعاء لما روى أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كان لا يرف يديه في شيء من الدعاء إلا عند الاستسقاء فإنه كان يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه".
وروى جابر قال: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "اللهم اسقنا غيثاً" الخبر وقوله: يواكئ معناه: التحامل على يديه إذا رفعهما ومدهما في الدعاء ومنه التوكؤ على العصا وهو التحامل عليها.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو اقتصر على خطبة واحدة يجوز لأنها سنة غير واجبة.
فَرْعٌ آخرُ
المنصوص أنه يبدأ بالخطبة بالتكبير كما في العيد، وقال بعمى [54 ب/31] أصحابنا بخراسان: يبدأ بالاستغفار بدل التكبير في العيد، وعندي أن هذا القائل غلط من قوله هاهنا ويبدؤون ويبدأ الإمام بالاستغفار ويفصل به كلامه بالاستغفار.
فَرْعٌ آخرُ
يستحب أن يستسقى بمن يعرف أن له منزلة عند الله تعالى في الظاهر كما فعل عمر رضي الله عنه فإنه استسقى بالعباس رضي الله عنه، وقال: "اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك وإنا نتوسل إليك اليوم بعم نبيك العباس"، وروي أنه قال: "اللهم إن هذا عم نبيك فاحفظنا وعم نبيك لأنك تقول وقولك الحق: ﴿وأَمَّا الجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي المَدِينَةِ وكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف:82] فحفظتهما بصلاح أبيهما فاحفظنا بعم نبيك".
وروي أن معاوية رضي الله عنه "استسقى بيزيد بن الأسود وكان رجلاً صالحاً فقال: "اللهم إنا نستسقي إليك بخيرنا وأفضلنا.
اللهم إنا نستسقي إليك بيزيد بن الأسود يا يزيد ارفع يديك إلى الله تعالى" فرفع يديه ورفع الناس أيديهم فثارت سحابة من المغرب كأنها ترس وهب لها ريح فسقوا حتى كان الناس [255 أ/ 3] أن لا يبلغوا منازلهم".
وقال القفال: قال الشافعي: يذكر كل واحد في نفسه ما فعل من خير فيعرضه على ربه سراً، ثم يسأل الحاجة كما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "ذكر ثلاثة نفر من بني إسرائيل خرجوا لحاجة فآواهم المطر إلى غار، ثم انحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم باب الغار، فقالوا: ما ينجينا من هذا الغار إلا الله تعالى، فقام أحدهم، وقال: اللهم إنك تعلم أنه كانت لي بنت عم وكانت أحب الناس إلي، فدعوتها إلى نفسي فأبت إلا أن آتيها بمائة دينار، فاكتسبت مائة دينار وجئتها بها، فلما قعدت بين شعبها الأربع قالت لي: يا عبد الله اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقمت وتركت الدنانير، اللهم إن كنت تعلم أني لم أفعل ذلك إلا خوفاً منك فنجنا من هذا الغار فانحدرت الصخرة حتى رأوا شعاع الشمس، ولم يروا السماء.
فقام الآخر، وقال: اللهم إنك تعلم أنه كان لي أبوان وكانت لي غنم أرعاها فكنت لا أطعم ولا أشرب ما لم أشبعهما، فأبطأت عليهما ذات ليلة فوجدتهما قد ناما، فحلبت اللبن وقمت به على رأسهما وصبياني [255 ب/ 3] حولي جياعاً فلم أشرب، ولم أسقهم ولم أوقظهما حتى استيقظا فشربا ثم شربت وسقيت أهلي، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك لوجهك فنجنا فانحدرت الصخرة حتى رأوا السماء، فقام الثالث فقال: اللهم إنك تعلم أني استأجرت أجراء كل واحد منهم بصاع من أرز، فأبطأ أحدهم ذات يوم فجاء عند ارتفاع الضحى فدفعت إليه مثل ما لأصحابه فقال واحد منهم: لا أرضّ أن تسوي بيني وبينه، فإنه جاء بعدي فقلت له: هل نقصتك من أجرتك شيئاً.
قال لا، قلت: هو مالي أعطيه من أشاء فغضب وترك لي أجوه، وذهب فزرعت ذلك ثم حصدت، ثم زرعت ثم حصدت حتى اجتمع منه مال كثير، واشتريت به عبيداً أكرة له فأصابته خصاصة فعاد، وقال: أتعرفني؟ قلت من أنت؟، فقال: أنا الذي راجعتك في أجري ذلك اليوم، وقد مستني الحاجة إليه فأعطني حقي فأمبته تلك الليلة، فلما أصبحت طفت به على تلك الأموال، وقلت: هذه لك، فقال: لي يا عبد الله لا تسخر بي وأعطني حقي، فأخبرته بما فعلت وسلمت إليه الأموال.
اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك لوجهك فنجنا.
فانفتح [256 أ/3]
باب الغار وخرجوا".
فيستحب مثل هذا في الشدائد ورفح الحوائج إلى الله تعالى.
مسألة: قال: فإن سقاهم الله تعالى وإلا عادوا من الغد للصلاة والاستسقاء.
وهذا كما قال: إذا خرجوا للاستسقاء فلم تستجب دعوتهم يستحب أن يعودوا.
وقال في "الأم": أحببت أن يعودوا ثم يعودوا حتى تمطر، وليس استحبابهم بعودة الثانية بعد الأولى لا الثالثة بعد الثانية كاستحباب الأولى لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يستسق إلا مرة واحدة، وهذا لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الله يحب الملحين في الدعاء"، وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا سأل أحدكم ربه فليعزم المسألة ولا يقل إن شئت فإن الله لا يكره له" وقال في "البويطي": يخرج ثلاثاً نسقاً وقال "في القديم": وأحب كلما أرادوا العود إلى الاستسقاء أن يأمر الناس أن يصوموا قبل عوده ثلاثاً، فإذا استسقى موالياً أجزأه إن شاء الله.
واختلف أصحابنا في هذا فقال ابن القطان: في المسألة قولان: وليس في الاستسقاء مسألة على قولين إلا هذه، وقال بعض أصحابنا: تقديم صوم [256 ب/3] الثلاثة على كل مرة مستحب، ولكنه في المرة الأولى آكد ويجوز متوالياً وهذا أصح، ومن أصحابنا من قال: هو على اختلاف حالين، فالذي قال: يخرج من الغد هو إذا كان لا شغل لهم ولا ينقطعون عن معاشهم كأهل الرساتيق وإلا كره، والذي قال: يخرج بعد ثلاث هو إذا كان لهم أشغال ينقطعون عنها بذلك فيتركون حتى يتوفر قضاء أشغالهم، ثم يخرجون في اليوم الرابع.
مسألة: قال: وإن كانت ناحية جدبة والأخرى خصبةً.
الفصل
هو كما قال.
يستحب أن يستسقي أهل الناحية الخصبة لأهل الناحية الجدبة ولجماعة المسلمين، ويسألوا الله تعالى الزيادة لأنفسهم، ويكتب الإمام إلى من يقوم بأمر المجدبين في الاستسقاء لهم، فإن لم يفعل أحببت أن يستسقي رجل من بين أظهرهم، وهذا لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أرجى الدعاء دعاء الأخ عن ظهر الغيب"، وقال تعالى: ﴿والَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ولإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ﴾ [الحشر:10].
فأثنى عليهم بدعائهم للغير.
مسألة: قال: ويستسقي حيث لا يجمع من بادية وقرية.
وهذا كما قال.
صلاة [257 أ/ 3] الاستسقاء مسنونة لكل مكلف ذكراً كان أو أنثى، حراً كان أو عبداً، مقيماً كان أو مسافراً، حضرياً كان أو بدوياً، وأهل القرى والأمصار فيه سواء، لأن كلهم مشتركون في الاستضرار بالقحط والجدب، وقول الشافعي: لأنه سنة وليس بإحالة فرض أي: ليس كالجمعة التي أحيلت من الظهر إليها بشرائط، ويفعل هؤلاء ما يفعل أهل الأمصار عن الخطبة والصلاة، ومن أصحابنا من خرج فيه قولاً آخر: إنها لا تقام إلا في موضع تصلى فيه الجمعة وليس بشيء.
مسألة: قال: ويجزئ أن يستسقي الإمام بغير صلاة وخلف صلاة.
وهذا كما قال: الاستسقاء هو على ثلاثة أضرب:
ضرب: هو الكامل وهو ما ذكرنا أن يخرج إلى الصحراء ويصلي ويخطب.
والثاني: أن يستسقي قبل الصلاة وبعدها، وهذا دون الأول وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعله.
والثالث: أن يستسقي بغير صلاة ولا خطبة.
وهذا دون الكل ويجوز ذلك، لأن المقصود من الاستسقاء الدعاء لله تعالى في إزالة القحط وقد حصل ذلك، وروى الشعبي أن عمر رضي الله عنه "خرج يستسقي فصعد المنبر فقال: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11) ويُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وبَنِينَ ويَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ ويَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا (12)﴾ [نوح:10 - 11] استغفروا ربكم إنه كان غفاراً، ثم نزل، فقيل: يا أمير المؤمنين لو استسقيت فقال: لقد طلبت بمجاديح السماء التي يستنزل بها القطر".
باب الدعاء في الاستسقاء
قال الشافعي: اخبرنا إبراهيم... الخبر.
وهذا كما قال.
هذا الباب يشتمل على نوعين من الدعاء:
أحدهما: عند كثرة المطر واتصاله ومخافة تهدم البنيان، فيدعوه بما رواه المطلب بن حنطب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يقول: اللهم سقيا رحمة" إلى آخره.
والنوع الثاني: هو ما ذكرنا في الخطبة الأولى فلا حاجة إلى الإعادة.
فرع
قال في "الأم": لو تهيأ الإمام للخروج فمطر الناس مطراً قليلاً أو كثيراً أحببت أن يمضي هو والناس فيشكرون الله تعالى على سقياه ويسألون الزيادة وعموم خلقه بالغيث، فإن كانوا ليمطرون في الوقت الذي يريد الخروج بهم فيه استسقى بهم في
المسجد أو أخر ذلك إلى أن يقع المطر.
فرع
قال: ولو نذر الإمام أن يستسقي ثم سقي الناس يجب عليه أن يخرج ويفي بنذره وإن [258/ 3] لم يفعل فعليه قضاؤه، وليس عليه أن يخرج بالناس، لأنه لا يمكنهم ولا له أن يكرههم على أن يستسقوا في غير جدب، وكذلك لو نذر رجل أن يخرج يستسقي عليه أن يخرج، وهذا لأن الاستسقاء طاعة فيلزم بالقدر كعيادة المريض.
فرع
لو نذر الإمام أن يستسقي بالناس.
قال في "الأم": عليه أن يستسقي ويخرج بالناس ويصلي ويخطب بهم بأن سقوا قبل أن يخرج خرجوا وكان قضاء، كما إذا نذر أن يصوم يوماً ففاته بصومه قضاء.
قال القفال: هذا في الجدب فإن كان في الخصب يحتمل أن لا يلزم شيء، لأنه لا حاجة إليها ويحتمل أن يلزم ويطلب زيادة السعة والخصب.
فرع
لو نذر غير الإمام أن يستسقي مع الناس كان عليه أن يخرج بنفسه ولم يكن عليه أن يخرج بالناس؛ لأنه لا يملكهم والواجب عليه إخراج من يطيعه من أهله وولده وغيرهم، وهذا استحباب وإن عبر بالواجب وقد قال في بعض الروايات: وأحب أن يخرج بمن أطاعه منهم.
فَرْعٌ آخرُ
قال: فإن كان في نذره أن يخطب فيخطب ويذكر الله تعالى ويدعوه جالساً إن شاء؛ لأنه ليس في قيامه إذا لم يكن [258 ب/3] والياً ولا معه جماعة طاعة، وإن نذر أن يخطب على المنبر يجوز أن يخطب جالساً وليس عليه أن يخطب على المنبر، لأنه لا طاعة في ركوب المنبر إلا ليستمع الناس، فإن كان إماماً معه ناس لزمه ذلك إلا أن يخطب على منبر أو جدار أو قائماً ويجزيه، ولا يتعين المنبر والطاعة إذا كان معه ناس أن يخطب قائماً.
فرع
ولو نذر أن يخرج إلى الصحراء يجوز أن يستسقي في المسجد، وكذلك في بيته، لأنه لا يقيد في الصلاة في الصحراء فلا يلزم بالنذر.
فرع
لو نذر أن يستسقي في مسجد المدينة أو في بيت المقدس، هل يتعين ذلك؟ قولان: كما يقول في نذر الصلاة فيها.
فَرْعٌ آخرُ
لو خاف قوم من غرت لأجل سيل أو نهر دعوا الله تعالى لصرف الضرر عنهم، كما دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويلتمس من الله تعالى أنه يجعل حيث ينفع ولا يضر كالجبال والصحارى، قال: ولا أمر بصلاة جماعة في ذلك، وأمرت الإمام والعامة يدعون بذلك في خطبة الجمعة وبعد الصلوات وكذلك في سائر النوازل لغلاء الأسعار وضيق المعاش ونحو [259 أ/ 3] ذلك.
فَرْعٌ آخرُ
الاستمطار مسنون، وهو أن يتجرد لأول مطر ليصيبه منه، وهذا لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتمطر لأول مطر حتى يصيب جسده، ويقول: "هذا قريب عهد بربه" ويستحب أن يقول: "اللهم صيباً هنياً"، وروت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول ذلك إذا رأي المطر، وروي أن الماء مطرت فقال عبد الله بن عباس رضي الله عنه لغلامه: أخرج فراشي ورحلي يصيبه المطر، فقال أبو الجوزاء: لم تفعل هذا يرحمك الله؟ فقال: أما تقرأ كتاب الله تعالى: ﴿ونَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكًا﴾ [ق:9] فأحب أن تصيب البركة فراشي ورحلي، وروي أن سعيا بن المسبب رضي الله عنه كان جالساً في المسجد فمطرت السماء فخرج إلى وحبة المسجد وكشف عن ظهره للمطر حتى أصابه ثم رجع إلى مجلسه.
فَرْعٌ آخرُ
يستحب إذا سال الوادي أن يغتسل فيه ويتوضأ منه، لما روي أنه حرا الوادي فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اخرجوا بنا هذا الذي سماه الله طهوراً حتى نتوضأ منه ونحمد الله [259/ 3] تعالى عليه"، وروى الشافعي فيتمطر منه، وروي حتى ينظر فيه ويحمد الله تعالى.
فَرْعٌ آخرُ
المستحب أن يطلب استجابة الدعوة في ثلاثة مواطن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بها فيه وهي عند التقاء الجيوش، وإقامة الصلاة، ونزول الغيث.
قال: ويستحب أن يكثر الدعاء عند نزول الغيث، وروى أبو أمامة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "تفتح أبواب السماء ويستجاب الدعاء في أربعة مواطن عند التقاء الصفوف، وعند نزول الغيث وعند إقامة الصلاة، وعند رؤية الكعبة".
فَرْعٌ آخرُ
روى الشافعي في "الأم " عن مالك عن صالح بن كيسان عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن زيد بن خالد الجهني قال: "صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الصبح بالحديبية في أثر سماء كانت من الليل فلما انصرف أقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال: قال الله تعالى: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله وبرحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا [260 أ/ 3] وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب".
قال الشافعي: ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأبي وأمي عربي واسع اللسان يحتمل قوله هذا معان وإنما قال هذا؛ لأنهم مطروا بين ظهراني قوم أكثرهم مشركون، وكان هذا في غزوة الحديبية، ومعناه أن من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك إيمان بالله تعالى، ولأنه يعلم أنه لا يمطر ولا يعطي إلا الله تعالى، ومن قال: مطرنا بنوء كذا على ما كان بعض أهل الشرك، يعتقد من إضافة المطر إلى أنه أمطره نوء كذا، فذلك كفر كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن النوء هو وقت، والوقت مخلوق لا يملك لنفسه ولا لغيره شيئاً، ومن قال: مطرنا بنوء كذا أي وقت نوء كذا فإنما ذلك لقولهم: مطرنا في شهر كذا فلا يكون كفراً وغيره من الكلام أحب إليّ منه وأحب أن يقول: مطرنا في وقت كذا.
وقيل الأنواء: هي منازل القمر ثمانية وعشرون منزلاً تطلع كل ثلاثة عشر يوماً، فتنزل بالمشرف فإذا طلح غاب رقيبه من المغرب فسميت أنواء لهذا المعنى يقال: ناء إذا طلح وناء إذا غرب [260 ب/3] فهو من الأضداد، وقد أجرى الله تعالى العادة بالمطر عند طلوع كل نجم منها، كما أجرى العادة بالحر في الصيف والبرد في الشتاء، وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: "يوم الجمعة على المنبر: كم بقي من نوء الثريا؟ فقال العباس رضي الله عنه لم يبق منه شيء إلا العراء فدعا الناس حتى نزل عن المنبر فمطرت مطراً أحيا الناس منه فاستجازوا، هذا القول والعراء في أحد المنازل فدل أنه لا بأس به على معنى ما ذكرنا، قال: وبلغني عن بعض أصحاب رسول الله رضي الله عنه أنه كان إذا أصبح وقد مطر الناس قال: مطرنا بنوء الفتح ثم يقرأ: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر:2].
فرع
اعلم أن الرياح المعروفة هي أربع: الشمال، والجنوب، والقبول، والدبور،
فالجنوب أن تأتي عن يمين المتوجه إلى القبلة والشمال عكسها، والدبور هي من المغرب، والقبول عكسها والتي تدل على المطر هي الجنوب منها روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما هبت جنوب قط إلا أسالت واديًا".
وقال ابن مسعود [261 أ/3] رضي الله عنه: إن الله تعالى أرسل الرياح فتحمل الماء من السماء، ثم يمر به السحاب حتى يدر كما تدر اللقحة، ثم يمطر، ويستحب إذا هبت الرياح أن يصنع كما كان رسول الل - صلى الله عليه وسلم - يصنع، وهو أن يجثو على ركبتيه على ما قدمناه، ويقول ما قاله.
ولا يجوز أن يسب الريح، لأنها من خلق الله تعالى وهي جند من أجناده يجعلها رحمة ونقمة إذا شاء، وقد شكى رجل إلى وسول الله - صلى الله عليه وسلم - الفقر فقال: "لعلك تسب الريح " وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"الريح من روح الله تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب، فلا تسبوها وسلوا الله خيرها وعودوا إذا أتت بحرية، ثم استحالت شامية، فهي أمطر لها"، وروي "فهي غير غدقة" يعني كثيرة.
ومعناه إذا نشأت من ناحية البحر وأخذت نواحي الشام دلت على المطر.
فرع
إذا نشأت السحاب فالمستحب أن يصنع ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصنع قالت عائشة: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أبصر شيئاً من السماء" يعني من السحاب "ترك عمله واستقبله، وقال: "اللهم إني [261 ب/3] أعوذ بك من شر ما فيه فإن كشفه حمد الله تعالى" وإن مطرت قال: "اللهم سقياً نافعاً.
فَرْعٌ آخرُ
إذا شاهد البرق أو الودق لا يشير إليه قال الشافعي: لم أزل أسمع عدداً من العرب يكره الإشارة إليه، فإذا رأي البرق فينبغي أن يفزع منه وكذلك الرعد، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا رعدت السماء أو برقت عرف ذلك في وجهه، فإذا أمطرت سُرَّيَ عنه، فسأل عن ذلك فقال: إني لا أدري بم أرسلت بعذاب أو برحمة".
قال الشافعي: وقال مجاهد: الرعد ملك والبرق أجنحة الملك تشقق السحاب.
قال: ما أشبه ما قال بظاهر القرآن وهو قوله تعالى: {ويُسَبِّحُ الرَّعْدُ
بحمده والْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ} [الرعد:13]
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن الله تعالى بعث الحاب فنطقت أحسن المنطق وضحكت أحسن الضحك" فالرعد نطقها والبرق ضحكها.
والمستحب: إذا سمع حنين الرعد أن يقول: سبحان من يسبح له الرعد بحمده.
قال الشافعي: قال ابن عيينة: قلت لابن طاوس ما كان أبوك يقول: إذا سمح الرعد فقال: كان يقول: سبحان من سبحت له [262 أ/ 3]، قال الشافعي: ذهب إلى قول الله تعالى ﴿ويُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ [الرعد:13] فثبت أن الرعد ملك يسبح به، فأما الصواعق فنستعيذ بالله منها، فإنها ربما أهلكت وأحرقت وقتلت قاله مجاهد، وقال: هي غير هذا يعني غير البرق والرعد، وروي عن ابن عباس قال: كنا مع عمر رضي الله عنه في سفر فأصابنا رعد وبرق وبرد، فقال لنا كعب: من قال حين سمع الرعد: سبحان من سبح الرعد بحماه والملائكة من خيفته ثلاثاً.
عوفي من ذلك الرعد فقلنا فعرقنا.
باب تارك الصلاة
مسألة: قال: يقال لمن ترك الصلاة حتى يخرج وقتها بغير عذر.
الفصل
وهذا كما قال.
إذا ترك الصلاة حتى خرج وقتها، فقال له: لم تركتها فإن قال: لأنها غير واجبة، وأنا لا أعتقد وجوبها فهو مرتد يقتل ويكون ماله فيأ، ويدفن في مقابر المشركين، وإن قال: ما علمت أنها واجبة وكان قريب عهد بالإسلام، فقال له: فاعلم أنها واجبة فقتل تاركها وإن اعتقد بعد هذا وجوبها وصلاها تركناه، وإن لم يعتقد [262 ب/ 3] وجوبها فهو مرتد أيضاً؛ لأن الصلاة تشبه الإيمان، لأنها قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح ولا يختص هذا الحكم بالصلاة في الحقيقة؛ لأن كل من جحد وجوب فرض من طريق الضرورة كالزكاة والحج والوضوء، فإنه يكفر بذلك قال: قال: الصلاة واجبة عليّ ولكني لا أمليها فهو في معنى الكافر، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "بين الكفر والإيمان ترك الصلاة، فمن تركها فقد كفر"، وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "الصلاة عماد الدين" فمن تركها متعمداً فقد كفر، وإذا قتل فهو مسلم مقتول بحق، كالمقتول بالزنا يغسل ويكفن ويدفن في مقابر المسلمين، ويرثه ورثته من المسلمين ويرجى له العفو، وليس أحد يقتل بترك عبادة مع صحة الاعتقاد إلا تارك الصلاة لما
ذكرنا من تشبيه الصلاة بالإيمان، وأشار الشافعي إلى المعنى فقال: يقال له: هذا العمل لا يعمله غيرك أي: لا تجري فيه النيابة ولا يمكن استخراجه منك إلا بك كالإيمان وهكذا لو قال: أعتقد وجوبها، ولكني أقبل عنها لما فيها من المشقة ولا أشط فيها، ولو قال: نسيتها [263 أ/ 3] أو تركتها لشغل عارض أمرناه بقضائها متى زال العذر وتذكر والقضاء موسع، وإن قال: أنا مريض قلنا له: صل كيف أطقت.
وبهذا قال مالك وجماعة من السلف.
وقال أحمد وإسحاق: يكفر بتركها عمداً ويخرج عن الملة، فإذا قيل: لا يصلي عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين وتوبته أن يصلي، ويروى هذا عن عمر وعلي رضي الله عنهما وقيل: هذا قول بعض أصحابنا ذكره في "المهذب"، وقال صاحب "التلخيص": يسوي عليه التراب بحيث لا يعلم أن هناك قبراً عقوبة له.
وذكر أبو سليمان الخطابي عن بعض أصحابنا أنه لا يصلى عليه واحتجوا بظاهر الذي ذكرنا وهذا غلط لما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "خمس صلوات افترضهن الله تعالى على عباده في اليوم والليلة فمن جا، بهن لم يضع منهن شيئاً كان له عند الله عهداً أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة"، ولأنها من فروع الإيمان فلا يكفر بتركها مع اعتقاد وجوبها كالصوم.
وأما خبرهم: أراد به [263 ب/3] فحكمه حكم الكافر كما قال - صلى الله عليه وسلم - "قتال: المسلم كفر"، وقال أبو حنيفة والثوري: لا يقتل تاركها ويحبس حتى يصلي وقال بعضهم: لا يتعرض له لأنها أمانة فيما بينه وبين الله تعالى.
وقال بعضهم: يضرب حتى يصلي وبه قال المزني، واحتجوا بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، كفر بعد إيمان، وزناً بعد إحصان، أو قتل نفس بغير حق".
وهذا غلط لما ذكرنا من الخبر، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "فمن ترك الصلاة فقد برئت منه الذمة" رواه مكحول فدل على إباحة قتله.
فإذا تقرر هذا اختلف أصحابنا في وقت وجوب القتل، فقال الإصطخري: إذا ترك ثلاث صلوات وضاق وقت الرابعة قتل، ولا يقتل بترك صلاة واحدة وصلاتين، لأنه يجوز أن يكون قد تركها لعارض عذر، فإذا تكرر منه الترك علمنا أنه تركها تهاوناً بها واستخفافاً.
وقال أبو إسحاق: إذا ترك صلاة واحدة وتضيق وقت الثانية وامتنع من أدائها يقتل.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: [264 أ/ 3] إذا ترك صلاة حتى خرج وقتها من غير عذر أمر بقضائها، فإن لم يفعل قتل، ولا يقتل ما لم يخرج وقت العذر والضرورة، مثل
أن يترك الظهر فلا يقتل حتى تغيب الشمس، وفي ترك صلاة المغرب لا يقتل حتى يطلع الفجر، ويجب قتله إذا لم يقض، وإن كان يصلي الصلاة الأخرى في وقتها، لأنه تركها عمداً بلا عذر بخلاف من تركها ناسياً، أو عذر، ويصلي بعد ذلك ولا يقضي تلك فلا يقتل لأنه قضاء في ذمته، ولم يحصل منه قصد في ترك الأداء وهو اختيار القفال.
وهذا كله هو خلاف النص؛ لأن الشافعي قال، يقال لمن ترك الصلاة حتى خرج وقتها ولم يعتبر التكرار ولا خروج وقت العذر والضرورة لا يضيق وقت الصلاة الثانية، فمذهب الشافعي أنه إذا تضيق وقتها لما بيناه بفعلها، فإن فعل وإلا قلنا له: إن أخرتها عن وقتها قتلناك فيستوجب القتل بإخراجها عن وقتها كما يستوجب القتل بالخروج من الإيمان، وفعل القتل والزنا لا يعتبر تضيق وقت الصلاة الثانية، وهذا هو اختيار صاحب "الإفصاح" وابن أبي هريرة [264 ب/ 3].
فإن قيل: إذا قتلتموه قبل أن يتضيق وقت الصلاة الثانية لا يخلو إما أن يكون قتله للأولى أو للثانية لا يجوز أن يكون للأولى، لأنها صارت فائتة وصارت في ذمته ولا يجوز قتله لترك الفائتة، ولا يجوز أن يكون للثانية، لأنه قد وسع له في تأخيرها إلى أخر الوقت، قلنا: نحن نقتله لامتناعه عن فعلها في وقتها فإذا خرج وقتها استوجبه القتل كما يستوجب بالكفر، فإن قيل: هذا خلاف قول الشافعي؛ لأنه قال: يقال لمن ترك الصلاة حتى خرج وقتها بلا عذر وأنتم تقولون ذلك إذا تضيق وقتها ولم يقل حتى خرج وقتها، فدل أنه أراد إذا تركها حتى يضيق وقتها فقال له: هذا عمل لم يعمله غيرك، فإن صليت وإلا استتبناك فإن تبت وإلا قتلناك، وقد غلط بعض أصحابنا، فقال ظاهر "المختصر": إنه يقتل بالفائتة ولا خلاف أن لا يقتل بالفائتة، وإنما قال: يقتل بالصلاة الواحدة إذا تضيق وقتها على ما ذكرنا أو بالصلاة الرابعة عند [265 أ/3] تضيق وقتها عند الاصطخري أو بالصلاة الثانية إذا تضيق وقتها عند أبي إسحاق، لأنه يعلم به تحقيق عزمه على الترك.
فإذا تقرر هذا، فإنه يستتاب قبل القتل، لأنه ليس بأشد من الردة، وهناك يستتاب، وهل يتأتى به ثلاثة أيام؟ قولان:
أحدهما: يتأنى به ثلاثة أيام نص عليه في البويطي، فقال: وان استنيب ثلاثا كان حسناً ولم يستحسن ذلك في "الأم" فحصل قولان وكذا القولان في استتابة المرتد ثلاثاً واختار المزني للشافعي أنه لا يتأنى به ثلاثاً؛ لأن مذهبه أنه لا يقتل تارك الصلاة على ما ذكرنا، واحتج بالمرتد، وفي المرتد نص على قولين أيضاً فلا معنى لهذا.
ومن أصحابنا من قال: إذا قلنا: يمهل المرتد فهذا أولى، وإن قلنا: إنه لا يمهل المرتد فهل يمهل تارك الصلاة؟ قولان تغليظاً للردة، ثم إذا أردنا قتله المنصوص في "البويطي" أنه تضرب رقبته؛ لأنه شبهه بالمرتد.
وقال ابن سريج: لا يزال يضرب وينخس بشيء فيه حديد حتى يصلي، أو يأتي الضرب عليه، كما إذا قصد دم غيره أو ماله فإن المقصود أن يدفعه عن نفسه ولا يقصد قتله فإن لم [265 ب/ 3] يمتنع حتى إذا أتى الدفع إليه لم يلزمه ضمانة كذلك هاهنا وهذا خلاف النص.
فرع
من وجبت عليه الصلاة فلم يصل حتى فات الوقت لزمه قضاؤها، والمستحب أن يقضيها على الفور، فإن أخر قضاءها جاز، لما روي "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فاتته صلاة الصبح فلم يصلها حتى خرج من الوادي"، وقال أبو إسحاق: إن تركها بغير عذر لزمه قضاؤها على الفور، لأنه مفرط في تأخيرها وهذا عندي حسن.
فَرْعٌ آخرُ
إذا امتنع من الوضوء هل يُقتل؟ اختلف أصحابنا فيه على وجهين: أحدهما: لا يقتل لأنه غير مقصود في نفسه، والصحيح عندي أنه يقتل لأنه لا يتوصل إلى أداء الصلاة إلا به وفي الامتناع منه امتناع من الصلاة.
فَرْعٌ آخرُ
إذا أخر الصلاة المنذورة عن وقتها المعين لها عمدا لا نص فيه ويحتمل أن يقال: يقتل لأنها كالشرعية.
فرع
لو ترك التشهد والاعتدال قال بعض أصحابنا: إن رأي الإمام أن يقتل تارك الصلاة يجوز قتله وإلا فلا، كما شرب المطبوخ له أن يحد، ومن أصحابنا من قال: لا يقتله، لأن هذا غير ممتنع من الصلاة أصلاً [266 أ/ 3].