والثاني: يلزمه لأن الدين المؤجل غير مستحق عليهِ قبل حلوله، والظاهر السّلامة والحج وجب في الحال، والدين متأخّر.
فَرْعٌ آخرُ
لا يلزمه أن يستقرض ولا أن يسأل الناس لأنه غيرُ واجدٍ للزاد والراحلة، ولو بذل له غيره أن يحمله مع نفس ليحج وينفق عليه [8/أ] لم يلزمه قبول ذلك، لأن عليه منة في ذلك فإن فعل وحج في مؤنة غيره أجزأه.
قال الشافعي: حجّ رسول الله (صلي الله عليه وسلم) بقوم حملهم، فأجزأ ذلك عنهم، ولو قدر أن يؤاجر نفسه لمن يحج به لم يلزمه ذلك، لأن طريقه الاكتساب، ولا يجبر الإنسان على الاكتساب ليحصل الحج، فإن فعل ذلك أجزأه لأنه باشر الأعمال كُلها بنفسه.
وروي أن رجلًا سأل ابن عباسٍ رضي الله عنهما، فقال: إن هؤلاء القوم يستأجروني لأحجّ، أفيجزي عني؟ فقال: نعم 1، وتلا قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة:202]، وبهذا قال ابن عمر وابن عباس، وسعيد بن جبير والحسن وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق رضي الله عنهم، وقال مالك: لا تعتبر الراحلة في وجوب الحج، فإذا كان الإنسان صحيحًا يمكنه المشي يلزمه الحج، ولا يعتبر وجود الراحلة في حقه.
وأما الزاد فلا يعتبر ملكه بل يعتبر القدرة عليه، فإن كانت له صنعة يكتسب بها في الطريق لزمه ذلك، وإن لم يكن له صنعة، وكان ممن جرت عادته بمسألة الناس لزمه أيضًا، وإن لم يكن ممّن جرت عادته بالسؤال لم يلزمه.
وروي عن عكرمة وابن الزبير والضحّاك أنهم قالوا: الاستطاعة صحة البدن فقط، وهذا غلط لما روينا من الخبر في تفسير الاستطاعة، والسبيل.
فَرْعٌ آخرُ
قال في" الأم" 2: ومن قدر أن يحج ماشيًا من رجل أو امرأة ولا يجد الراحلة أحببت له أن يحجّ، والرجل في ذلك أقل عذرًا، قال أصحابنا: هذا يدل على أن الرجل أكد في الاستحباب من المرأة، لأن المرأة عورة بخلاف الرجل.
فَرْعٌ آخرُ
قال في" الأم" 3 و"الإملاء": [8/ب] إن كان مطبقًا للمشي، وله صنعة يكتسبُ بها في طريقه أحببت له أن يحج للخروج من الخلاف، ولأنه يحمل المشقة لأداء العبادة، فأشبه الصوم في السفر، وإن لم يكن كسوبًا، وأراد أن يخرج ويسأل الناس في الطريق أحببت له أن لا يفعل، ويكره له ذلك لأن كرامته المسألة أبلغ من كراهية ترك الحج، ولأن فيه إلقاء نفسه في التهلكة، ولو حجّ معَ هذا أجزأه.
فَرْعٌ آخرُ
لو كان له طريقان في إحداهما خوف ولا خوف في الآخر لكنه أطول، وهو
يجد نفقته، فيه وجهان:
أحدهما: يلزمه لأنه قادر على تحصيله من غير مخاطرة بروحهِ ومالهِ.
والثاني: لا يلزَمه لأنه لا يتمكن من أدائه إلا بالتزام زيادة مؤنة، ولو كان يتمكن من الأقرب بزيادة مال ببذلها لها لا يلزمهُ الحج، فههنا أولى.
فَرْعٌ آخرُ
لو قصد الحرم لتجارة وحج أجزأه عن حجة الإسلام، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: (198)]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ابتغاء الفضل: التجارة والثوابُ في ذلك على حسب العمل، فثواب من حج بلا تجارة، ولا إجارة أكثر من ثواب غيره.
فَرْعْ آخرُ
لو مَلكَ ما يكفيه لنفقة الحج، ولكنه يحتاجُ إلى النكاح، ولو تزوج يبعضه لم يكفهِ الباقي للحج لا يختلف المذهب أن الحج قد وجبَ عليه، وإنما كان كذلك لأن النكاح طريقه الملاذ والشهوات، ولكن له أن يتزوج ويؤخر الحج، لأن وجُوبه على التراخي، وأيهما أفضل؟ نُظر، فإن كان يخاف العنت، فالأفضل له أن يتزوج، وإن كان لا يخاف العنت، فالأفضل له أن يحج لأنه فرض في ذمته، [9/أ] وقالَ أبو حامدٍ: لا نصّ في هذا، وذكره الأوزاعي، وهو قياس مذهبنا.
فَرْعٌ آخرُ
لو كان قريبًا من مكة ومن أهلِ مكة فوجد الزاد يلزمهُ الحج، وإن لم يجد الراحلة لأنه يمكنه المسير إلى عرفات ومِنى ماشيًا من غير مشقة شديدة، وإنما تعتبر الراحلة في حق البعيد.
والفَرق الفاصل بين القرب والبعيد مقدارُ المشاقة التي تقصر فيها الصلاة.
وإن كان لا يقدر على المشي، ولكن يمكنه الزحف إلى الموقف لا يلزمه لأن عليهِ مشقة في ذلك، ويعتبر في حقه وجود الراحلة أيضًا.
وإن لم يكن معه زاد، ولكنه مكتسبٌ، فإن كان يكتسبُ في يومه ما يكفيه لمدة يلزمه، وإن كان كسبهُ كل يوم قدر نفقته في ذلكَ اليوم لا يلزمه، لأنه إذا حجَ يعطل كسبهُ، وضاعَ عياله.
فَرْعٌ آخرُ
إذا غصب مالًا يحج به أو غصب حمولة فركبها حتى أوصلته أثم بذلك، ووجب عليه أجرة الحمولة وضمان المال، وأجزأ الحج ويجب عليه أداء الحج متى حضر عرفة.
وحكي عن أحمد أنه قال: لا يجزئه الحج، لأن الزاد والراحلة من شرائط الحج، فإذا وجد على غير الوجه المأذون به لم يجزه كأفعاله.
وهذا غلط لأن الحج يؤدى بالبدن، والمال يراد للتوصل إليه، فإذا أدّى عمل البدن لا يقدح ما تقدمه من التوصل إليه به كما لو خرج بنفسه خائفًا وحجّ جاز، وإن ارتكب المنهي.
وأما الأفعال، فدليلنا لأنه لو أداها على وجهٍ منهيّ عنه جاز إلا أن يترك ركنًا أو شرطًا.
وههنا الحمولة ليس بركن ولا شرط، ولهذا لا يجب ذلك في حق المكي.
والقسم
الثاني من المستطيع [9/ب] أن يكون مستطيعًا بغيره، ويعتبر فيه شرطان:
أحدهما: أن يلحقه مشقة شديدة غير محتملة في الكون على الراحلة
والثاني: أن يكون ذلك سببٍ لا يرجى زوَاله كعصبٍ أو ضعف خلقه، فيوصف عند وجود هذين الشرطين بنفسه، بل يستطيع بغيره يعني بأن يحج غيره عن تقسه، ثم لا يخلو حاله من أربع أحوال، إما أن يجد من يحج عنه، ولكن لا يجد مالًا يستأجره به، أو لا يجد من يستأجره، ولكن يجد مالًا، أو يجد مالًا ويجد من يستأجره، أو لا يجد مالًا ويجد من يبذل له الطاعة في الحج عنه بغير مالًا، فإن وجد من يستأجره، ولا يجد مالًا، فلا حج عليه كما لو كان صحيحًا لا يجد زادًا ولا راحلة، وإن وجد مالًا، ولا يجد من يحج عنه لا يلزمه أيضًا، لأنه غير مستطيع كما لو تعذر الخروج على القادر للخوف، أو لضيق الوقت.
فإن وجد مالًا، ووجد من يستأجره بأجرةٍ مثله وجبَ عليه الحج، فإن فعل، وإلا استقر في ذمته يؤدى من تركته، وبه قال الثوري وأحمد وإسحاق.
وقال مالك: لا حج عليه بحال ولا يجوز أن يستأجر عنه في حياته، فإن أوصى به بعد
وفاته يجوز.
وقال أبو حنيفة في إحدى الروايتين: لا يلزمه الحج أصلًا، وإن كان موسرًا، وهذا غلط لما روي ابن عباس رضي الله عنهما: أن امرأة من خثعم أتت النبي (صلي الله عليه وسلم)، فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يستمسك على راحلته أفأحج عنه؟ قال:" نعم"، قالت: أفينفعه ذلك؟ قال:" نعم"، كما لو كان على أبيك دين فقضيتهِ [10/أ] نفعه" 1، ولم ينكر عليها وجوب الحج على أنها في حال الكبر والعجز.
وروي عن أبي رزين العقيلي أنه قال: يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج، ولا العمرة، ولا الطعن، فقال: "حجّ عن أبيك واعتمر" 2، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لشيخ كبير: إن شئت فجهّز رجلًا عنك، وأما إذا وجد من يطيعه ولا مال يلزمه الحج، وقال أبو حنيفة: لم يلزمه الحجّ، ببذل الطاعة ويتصور الخلاف معَه إذا وجب عليه الحج، ثم صارَ معصوبًا معسرًا، فقال ابنه: أنا أحجّ عنك لا يلزمه الأمر به عنده.
وبه قال أحمد واحتج بأنه عبادة تجب بوجود المال، فلا يجب ببذل الطاعة كالعتق في الكفارة، وهذا غلط لما قال الشافعي 3، ومعرُوف من لسان العرب أنهم يقولون: أنا مستطيع لأن أبني داري وأخيط ثوبي يعني بالإجارة، أو من يطيعني، وأراد به أنه لما وقع عليه اسم الاستطاعة دخل تحت قوله:" وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا" [آل عمران:97].
وأما الكفارة، فالفرق من وجهين:
أحدهما: أن عليه منة في قبول الرقبة دون الطاعة، لأن العادة جارية بأن الناس
ينوب بعضهم عن بعضٍ بأبدانهم، وأيضًا الكفارة تجب على من يملك الرقبة، فلو قلنا: يجبرُ على قبولها وتملكها ليعتق أجبرناه على سببٍ يلزمه به العتق، فيكون بمعنى الإجبار على الاكتساب، فلم يجب ذلك وههنا إذا علم الطاعة ممن يطيعه، فألزمنا لم تجبره على سبب يجب به الحج لأن الوجوبَ يتقدم، فلهذا أوجبناه.
نم اعلم أنَّ المعصوب مقرًا بالصاد غير المعجَمة، ومعناه مقطوع العصَب لا يثبت على المركب [10/ب]،ثم تكلم بعد هذا إلى آخر الباب في جواز النيابة في الحجّ في حال الحياة، فاحتج بخبر الخثعمية على ما ذكرنا، فجعل قضاءها الحجّ عنه كقضائها الدّين، فلما جاز قضاء الدين عن الحي جاز محاء الحج أيضًا، ثم احتج على مالك بخبر مرسل، وهو ما روي عن عطاء عن النبي (صلي الله عليه وسلم) أنه سمع رجلًا يقول: لبيك عن فلان وروي أنه يلبي عن شبرمة، فقال: ومن شبرمة؟ فقال: أخٌ لي أو قريب، فقال: "حجّ عن نفسك، ثم حجّ عن شبرمة"، وروي أنه قال: أحججت عن نفسك؟، فقال: لا، فقال: هذا 1، ورواه ابن عباسٍ وعائشة رضي الله عنهما مسندًا.
فإذا تقرر هذا، قال أصحابنا: حكم المعصوب الموسر وحكم الصحيح في أن الحج يلزمهما، فحجّ هذا عن نفسه وينوب هذا سواء لا يفترق حكمهما إلا في مسألتين:
أحداهما: أن القارن الصحيح لا يلزمه الحجّ إلا أن يجد نفقة الذهاب والرجوع على ما ذكرنا، ولو وجد المعصُوب من يحج عنه بنفقة الذهاب دون الرجوع وبدون نفقة من تلزمه نفقته إلى أن يذهب هو ويحجّ عنه يلزمه، ونظيره أنه إذا وجد من يحج عنه ماشيًا يلزمهُ أن يستأجر وإن كان هو بنفسه لا يلزمه الحجّ ماشيًا.
وفيه وَجه آخر لا يلزم كما في الابن الفقير إذا قال: أحجّ عنك ماشيًا.
والثانية، لو كان قادرًا لا يمكنه أن يحجّ إلا في المحمل ولا يجد كفاية المحمل ويجد كفاية الراحلة لا يلزمه، ولو كان معصوبًا، ووجد من يحجّ عنه على الراحلة يلزمه، فإذا تقرر هذا رجعنا إلى وجوب الحج بطاعة الغير، فأعلم أنه لا فرق [11/أ] بين أن يبذل له الطاعة، وبين أن يعلم منه أنه يطيعه إذا أمره به نصّ عليه في" الأم" 2 و"الإملاء"، وغيرهما، فقال: وإذا وجد الزاد والراحلة، أو من إذا أمره امتثل أمره وأطاعه لزمه الحج، فاعتبر العلم بطاعتهِ دون البذل.
ومن أصحابنا من قال: لا يلزمه ما لم يظهر الطاعة لأن ظن الأدب أن يطيعه إذا أمره، وقد يخطئ، وهذا اختيار القاضي الحسين ثم الكلام في فصلين:
أحدهما: في صفة المطاع الذي يلزمه الحج بطاعةِ الغير.
والثاني: في صفة المطيع.
وأما صفة المطاع فهي أن يجتمع ثلاث شرائط:
أحدها: أن يكون معصوبًا.
والثانية: أن يكون فقيرًا.
والثالثة: أن يكون حجّ حجّة الإسلام، وأما صفة المطمع فثلاث أيضًا:
أحدها: أن يكون على صفةٍ يلزمه فرضُ الحجّ بنفسهِ، وقد ذكرنا شرائط ذلك لا بالجعل بذله كاستطاعته في نفسهِ، فيحتاج إلى أن يكون على صفة وجوب الحج أيضًا.
والثانية: أن يكون قد حجّ عن نفسهِ حجّة الإسلام لأن من لم يحجّ عن نفسه لا يحجّ من غيره.
والثالثة: أن يكون موثوقًا بطاعته، وأنه إذا آمره به امتثل أمره، فأمّا إذا لم يثق به لا يلزمه، لأنه لا يتيقن قدرته عليه.
فَرْعٌ
لو كان هذا المطيع زمنًا موسرًا، وهو يطيعه في تجهيز من يحجّ عنه، قال أصحابنا: يلزمه الحجّ لأنه لما كان مستطيعًا بنفسه وجب أن يستطيع غيره به ذكره أبو حامد والقاضي الطبري وغيرهما.
فَرْعٌ آخرُ
إذا كانَ له من يطيعه في الحجّ عنه، وهو لا يعلم بطاعته، أو ورث مالًا ولم يعلم، قال بعضُ [11/ب] أصحابنا: هو بمنزلة أن يكون له مالٌ ولا يعلم به بأن يموت مورثه، فلا يلزمه الحج، وقال بعضهم: هو بمنزلة من نسي الماء في رحله أو لم يعلم بكونه في رحله فتيمم وصلى هل تجوز صلاته؟ فيه قولان: فإذا قلنا: يلزمه يحج عنه بعد موته من تركته الموروثة.
فَرْعٌ آخرُ
المعصوب إذا كان من سكان مكة، أو من دون مسافة القصر لا يجوز له أن يستنيب لأنه لا يكثر المشقة عليه في أداء الحجّ ولهذا لو كان قادرَا لا يعتبر في حقه الراحلة، ذكره أصحابنا.
فَرْعٌ آخرُ
لا فرق بين أن يكون المطيع ولدًا أو ولد ولدًا وكان غير الولد من العم والأخ والأب والجد والأجنبي.
نصّ عليه في" الأم" ولا "الإملاء"، وقال في" المختصر": من يطيعه ولم يفصل، وهذا لأن المعتبر إمكان تحصيل الحجّ، وهو موجود في بذل الكلّ والمنة لا يعظم بمعونة البدن ومن أصحابنا من قال: لا يلزمه إلّا بطاعة الولد أو ولد الولد، لأن الولد يختصّ مع الوالد بأحكام كثيرة، فإن الوالد لا يقتل بولده، ولا يحد بقذفه، ولو وهبَ منه شيئًا، وأقبضه له الرجوع فيه، وهو كسبه كما قال (صلي الله عليه وسلم): بخلاف الأجنبي، وهذا ليس بشيء، هكذا ذكره أهل العراق.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان: والصحيح، لا يلزمه في بذل غير الولد، وهو غلط بخلاف النص.
فَرْعٌ آخرُ
لو بذل له المال دون الفعل وجهان:
أحدهما: يلزمه قبوله لأنه قادرٌ على تحصيل الحجّ بالغير فأشبه بذل الطاعة.
والثاني: لا يلزمه قبوله، وهو الأصحّ والمذهب لأنه تملك مالًا لوجوب الحجّ، فلا يحبُ [12/أ] كالاستقراض والإيهاب، ولأنه يعظم المنة في ذلك، ولا فرق على الوجهين بين أن يكون المبذول له معصوبًا بذل له المال ليأمر من يحجّ عنه وبين أن يكون صحيحًا فقيرًا بذل له المال ليحجّ، بنفسه عن نفسهِ، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان الباذل للمال أجنبيًا لا يلزمه وجهًا واحدًا، وإن كان ابنًا، فوجهان لقوله (صلي الله عليه وسلم):" أنتَ ومالك لأبيك" 1، وقوله (صلي الله عليه وسلم): أطيب ما يأكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه" 2.
فًرْعٌ آخرُ
لو كان الولد معسرًا فبذل الطّاعة لأبيه هل يلزمه الحج؟ فيه وجهان:
أحدهما: يلزمه بخلاف ما لو كان صحيحًا معسرًا لا يلزمه في نفسه لأنه لم يرض بالمخاطرة والتغرير بنفسهِ، وقد طاب نفس الابن بهذه المخاطرة، ولا ضررَ على الأب أن يأمره.
والثاني: لا يلزمه لأنه لا يلزمه في نفسهِ لفقره، فلا يلزمه على أبيه لسببه، وهذا
أقيس عندي.
فَرْعٌ آخرُ
لو حجّ المطيع عنه بغير أمره لم يجز، وكان عن نفسه، وحكي عن القاضي أبي حامد أنه يجوز كما عن الميت والصحيح ما ذكرنا، ولو امتنع من الأمر به هل يقوم الحاكم مقامه في الأمر بهِ؟ وجهان:
أحدهما: يقوم مقامه كما في الزكاة والدين، قال: بعض أصحابنا بخراسان: وهذا هو الصحيح لأن الحجّ، وإن كان على التراخي إذا كان صحيح البدن، فعند الرمانة يضيق وقته ولا يجوز له التأخير.
والثاني: لا يقوم مقامه، وهو المذهب، والصحيح عند أصحابنا بالعراق، لأن الحجّ يفتقر إلى النية والإذن ممن عليه، ولا يوجد [12/ب] ههنا.
ولا إشكال أنه أثم ويعصي إذا لم يأمره بهِ حَتي مات، كما لو قدر أن يحجّ، فمات قبل الأداء مع الإمكان.
فَرْعٌ آخرُ
متى يلزم الباذل الحج ببذله؟ ينظر، فإن كان قد أحرم عنه وجب عليه المضي فيه لأن الإحرام يلزم بالشروع فيه، فإن كان قبل الإحرام عنه، قال جمهور أصحابنا:
المذهب أنه لا يلزمه الرجوع عن البذل، لأنّه متبرع بالبذل، فلا يلزمهُ حكم كما لو بذل له الماء للطهارة له الرجوع قبل الإقباض، وعن أصحابنا عن قال: يلزمه ذلك، وليس له لرجوع لأن بذل الطاعة للحج أوجب عليه فرض الحج عند قبوله، ويفارق بذل الماء لأنه لا يوجب الطهارة بل يغير صفة الفرض، ولأن هناك إذا رجع يرجع إلى بدل، وهو التيمم بخلاف ههنا، قال صاحب" الحاوي" 1: وهذا هو المذهب، وعندي الأصحّ ما سبق، لأنه وإن وجب عليهِ الحجّ بطاعته لا يلزم هذا المطيع أن يحجّ عنه، وقوله: أحجّ عنك وعدًا لرد، فلا يلزم بمجرده.
فَرْعٌ آخرُ
من يرجو مباشرة الحجّ بنفسه لا يلزمه الحج ببذل الغير له الطاعة والمجنون لا يحجّ، ولا يحجّ عنه أيضًا لأنه يرجى إفاقته، وأداؤه بنفسهِ، وأمّا المريض الذي لا يستمسك في الحال على الراحلة، ولكنه يرجى زوال مرضه لا يجوزُ له أن يحجّ غيره عن نفسه، وإن كان محرمًا، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: يجوز له أن يستأجر من يحجّ عنه كالمعصُوب، وإن كان يرجو سلامته، ثم إن صحّ لم يجز عن فرضه.
وهذا غلط لأنه غير ميؤوس من أدائه بنفسه كالفقير، [13/أ] وكذلك الخلاف إذا كان مجنونًا لا يرجو خلاصه.
فَرْعٌ آخرُ
لو خالف وجهز من يحجّ عنه فإن برا من مرضه تلزمه إعادة الحج قولًا واحدًا، وإن مات من ذلك المرض، أو صار ميئوسًا منه هل يجزئه؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يجزئه وتلزمه الإعادة، قال الشافعي: وبه أقول، وهو الصحيح لأنه أحج غيره في حال لم يجز له ذلك، فلا يعتدّ به.
والثاني: يجزئه ولا تلزمه الإعادة لأنه لما اتصل به الموت تبينا أنه كان ميئوسًأ منه.
فَرْعٌ آخرُ
لو مرض مرضًا لا يرجى زواله وشهد بذلك طبيبان ملمان عدلان جاز له أن يحج غيره عن نفسه، فإن أحج غيره عنه، ثم مات من علته أجزأه، وإن برأ من علته نصّ الشافعي أنه يعيد الحج لأنا جوّزنا له ذلك على ظنّ أنه لا يقدر على الحج، فإذا برأ أيقنا الخطأ فيما ظننا، فيبطل ذلك كالحاكم إذا حكم بخلاف النصّ ينقض حكمه ومن أصحابنا من قال: لا يلزمه إعادة الحج في أحدِ القولين بناء على المسألة قبلها، لأن هناك اعتبرنا في أحد القولين حالة الابتداء، فعلى هذا لا يلزمه الإعادة ههنا وفي القول الثاني، اعتبرنا المال هناك، فيلزم ههنا الإعادة على هذا وهذا لا يصحّ بل ههنا وفي قول واحد لا يجوز وتلزمه الإعادة لأنا وإن اعتبرنا الابتداء، فقد بينا بحدوث البراءة أنه لم يكن في تلك الحالة آيسًا من مباشرة الحج ينسه، فلا يجوز بحال.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان مبنيان على أنهم إذا رأوا سوادًا فظنّوه عدوًا، فصلوا صلاة شدة الخوف ثم بان خلافه هل تلزم
إعادة [13/ ب] الصلاة؟ فيه قولان، وهذا غير صحيح أيضًا لأنا لا نتيأس هناك أنه لم يكن الخوف موجودًا وههنا تبينا أن الإياس لم يكن موجودًا.
فَرْعٌ آخرُ
إذا قلنا: تلزم الإعادة هل يستحق الأجرة؟ قولان:
أحدهما: يستحق لأن في اعتقاده أنه يعمل له.
والثاني: لا يستحق لأنهه لم يقع للمستأجر، ولو استنيب عن المجنون في حال جنونه، ثم أفاق تلزمه الإعادة قولًا واحدًا، وإن ماتَ على حالته ينبغي أن يكون على القولين.
فَرْعٌ آخرُ
هل يجوز للمعصُوب إذا كان قد أدى فرض الحج عن نفسه أن يستنيب في التطوع أو الوصية بحجّة التطوع بعد موته؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يجوز لأنه لا حاجة به إليه، وإنما جوزت الاستنابة في حال الضرورة، ولهذا لا يجوز للصحيح أن يستنيب، لأن الأصل في عبادات الأبدان أن لا يدخلها النيابة، وقد خرج الحج المفروض منها بالسنّة، فلقي التطوع على الأصل.
والثاني: يجوز وهو الصحيح.
وبه قال أبو حنيفة، وأحمد، ومالك، لأنه لما دخلت النيابة في فرضها كذلك في نفلها كالزكاة، وقال أبو حامد: الأول أشبه بالمذهب والثاني، أقيس.
فَرْعٌ آخرُ
إذا قلنا: يجوز، فاستأجر كذلك وقع الحج عن الأمر، واستحق المسمّى، وإذا قلنا: لا يجوز فاستأجر رجلًا ليحج عنه حجة التطوع فحج وقع الحج عن الحاج، وهل يستحق الأجرة على الأمر قولان:
أحدهما: لا يستحق لأنه وقع عن نفسه، فأشبه الضرورة إذا حجّ عن غيره بالأجرة لا يستحق الأجرة.
والثاني: يستحق الأجرة لأنه أتلف عمله [14/ أ] بإذنه على وجه العوض، وفارق الصرورة لأن السبب هناكَ في انتقال الحج إلى نفسهِ كان من جهته لا من جهة غيره، ولأن عمله هناك لم يتلف لأنه أسقط به فرضًا عليه بخلاف ههنا، وهذا كما لو استأجر رجلًا ليحمل له طعاماً غصبه يستحق الحامل الأجرة على الآمر، وهذا اختيار أبي حامد، وهو الأقيس.
ومن قال بالأول أجاب عن هذا: بأن من حَمل طعامًا مغصُوبًا بأمر الغاصب لم يقع الفعل عنه، وليس بمفرط لأنه لم يعلم الغصب، والظاهر أنه ملكه، وههنا كان يلزمه أن يعلم حكم الإجازة، وصحتها من فسادها، ووقع الفعل عنه، فلا يرجع على غيره بشيء.
وهذا اختيار جَماعَة من أصحابنا.
فإذا قلنا: يستحق بالأجرة، فلا إشكال أنه لا يستحق المسمّى لأنه إجازة فاسدة، ولكنه يستحق أجرة المثل، ولو استأجر الوصي بذلك يلزمه الضمان لأنه فعل ما لا يجوز له فعله سواء قلنا: له أجرة المثل، أو لا، وقال بعض أصحابنا: لا شيء على الموصي لأنه لم ترجع فائدته إليه، ولا إلى غير فاعل.
فَرْعٌ آخرُ
لو استأجر المعصوب بحجة منذورة أو قضاء حج يجوز قولًا واحدًا، لأنها واجبة، وتلزم أيضًا ببذل الطاعة كحجّة الإسلام سواء.
فَرْعٌ آخرُ
لو استأجر المعصوب رجلًا ليحج عنه حجة الإسلام، فأحرم الأخير عن المعصوب ثم نوى أن يكون الحج عن نفسه كان الحج عن المعصوب لأن الإحرام انعقد عنه، فلا يجوز صرفه إلى غيره، وهل يستحق الأجرة، قال في «المناسك الكبير» فيه قولان:
أحدهما: يستحق، وهو الصّحيح لأنيته [14/ ب] لما لم يكن لها تأثر في صرف الحج عن المعصوب لا يكون لها تأثر في إسقاط أجرته، كما لو استأجر رجلًا ليخيط له قميصًا، أو يبني له حائطًا، فخاط القميص أو بنى الحائط بنية أن يكون له استحق الأجرة كذلك ههنا.
والثاني: لا أجرة له لأنه عمل متبرعاً به من غير أجرة، فسقط حقه، ولا يجوز له أن يطالبه بالأجرة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: القولان في المسألة المقدّمة مبنيان على القَولين في هذه المسألة، فإن قلنا في هذه المسألة: يستحق الأجرة، ففي المسألة الأولى، لا يستحق لأن الحج لم يقع عن الآمر هناك.
وإن قلنا في هذه المسألة: لا يستحق الأجرة فهناك يستحق لأن عنده أنه يعمل الآمر، قالوا: وإذا قلنا: يستحق ههنا هل يلزم أجر المثل أم المسّى؟ وجهان:
أحدهما: المسمى لأنه عقد إجارة لم يبطل.
والثاني: أجر المثل لأنه عقد غيره من موضعه، فيستحق فيه عوض المثل، والصحيح عندي الأول، قالوا: وعلى هذين القولين لو جحد الصبّاغ الثوب، ثم صبغ، هل يستحق الأجرة على المالك إذا رد؟ قولان:
أحدهما: لا، لأنه عنده أنه يعمل لنفسه.
والثاني: بلى، لأن الصبغ حصل للمالك، ولو كان صبغ قبل الجحود استحق الأجرة على هذا لو استأجر رجلًا ليعمل في معدنهِ على أن ما أخرجه للأجير لم يكن للأجير، وهل يستحق أجرة المثل؟ قولان: بناء على هذين القولين.
فَرْعٌ آخرُ
لا يجوز للصّحيح ان يستنيب لا في الفرض ولا في التطوع.
وقال أبو حنيفة وأحمد: يجوز أن يستنيب في التطوع، لأنها حجّة لا يلزمه أداؤها بنفسه كالفرض في حق المعصوب، وهذا غلط [15/ أ] لأنه غير ميئوس من أداء الحج بنفسه، فأشبه الحج المفروض في حق الصحيح.
فَرْعٌ آخرُ
لو كان على المعصوب حجتان: حجة الإسلام، وحجة منذورة، فاستأجر في
سنة واحدة رجلين يحج أحدهما عنه حجة الإسلام، والآخر الحجة المنذورة فيه وجهان:
أحدهما: يجزئه حجة الإسلام دون حجة النذر، لأنه لا يحج بنفسه في سنة حجتين.
والثاني: يجزئه الحجتان، وهو الصحيح، وهو المنصوص في «الأم» 1 لأنه لا يؤدي إلى تقديم المنذورة على الشرعية بل يقعان معًا، فأجزأ.
فَرْعٌ آخرُ
قال والدي رحمه الله: إذا جوزنا ينبغي أن يكون الإحرام بحجة الإسلام أسبق لأن تقدم النذر لا يجوز، فإن أحرم الآخر بحج النذر أولًا انصرف إحرامه إلى حجة الإسلام في قياس قول أصحابنا، ثم إذا أحرم الآخر بحجة الإسلام انصرف إلى حج النذر.
فَرْعٌ آخرُ
إذا وجد الأعمى زادًا وراحلة وقائدًا يقوده ويهديه ويسدّده يلزمه الحج، ويلزمه أن يحج بنفسه، وليس له أن يستنيب غيره، وبه قال أبو يوسف ومحمد وأحمد.
وقال أبو حنيفة في أصح الروايتين عنه: يجوز له أن يتسنيب لأنه لا يمكنه الصعود والنزول بنفسه، فجاز له أن يستنيب كالمعصوب، وهذا غلط، لأنه لا يلحقه مشقة شديدة في الثبوت على الراحلة، فلا يجوز له أن يستنيب كالأطروش.
فَرْعٌ آخرُ
لو كان مقطوع الرجلين أو أحديهما يلزمه أن يحج بنفسه لأنه يستمسك على الراحلة من غير مشقة شديدة كالصحيح، وعند أبي حنيفة هو كالأعمى فيه روايتان.
فَرْعٌ آخرُ
قالَ [15/ ب] الشافعي: لو أحرم بالمجنون بقيمه وحج في حال جنونه به، ثم أفاق فعليه حجة أخرى كالصبيّ يبلغ، وقال أيضًا: لو أحرم ولي المجنون به، فلما انتهى إلى الميقات أفاق، فأحرم بنفسه ودامت له الإفاقة حتى فرغ من أركان حجّه، ثم عاوده الجنون، أو لم يعاوده كان على قيمه أن يغرم ما بين نفقة مقام المجنون ونفقة سفره، وأجزأه عن حجّة الإسلام، لأنه خاطر بماله بغير وجوب، ولو كان سبق الوجُوب، وكان لإفاقته وقت معلوم فعرف أنه لو خرج به أدرك الحج في وقت الإفاقة، ففعل لم يغرم لأنه لم يخاطر به.
حكاه الإمام الجويني.
فَرْعٌ آخرُ
قال بعض أصحابنا في تفسير قوله صلى الله عليه وسلم: «أيما أعرابي حجج، ول عشر حج ثم هاجر
فعليه حجة الإسلام» (1)، ذكره حين كانت الولاية منقطعة بين المهاجر وغير المهاجر في التوارث والأحكام، فكانت حجة الأعرابي الذي لم يهاجر نفلًا، والأصح أنّه عبر عن المسلم بالمهاجر، وعن الكافر بالأعرابي ذكره القفال.
فَرْعٌ آخرُ
النساء صالحات للنيابة من الرجال في الحج بدليل خبر الخثعمية، وفيه دليل على أن المستناب متى حجّ عن المستنيب نفعته نيابته ظاهرًا، وباطنًا وبرئت ذمة المتستنيب كما يبرئ عن الدين إذا قضى عنه وكيله بأمره بماله ويدلّ على جواز القياس لأن النبي صلى الله عليه وسلم قاس على الدين ويدل على جواز قياس العبادة البدنية على الأموال، وإن كانتا غير متجانستين من وجوه كثيرة لأن شرط القياس اجتماع الفرع والأصل من حيث جمعهما القياس، وإن افترقا من غير ذلك الوجه.
ومن العلماء من قال: لا يجوز نيابة المرأة عن الرجل في الحج لأنها تخالف الرجل في الستر [16/ أ] والكشف وليس بشيء.
بابُ إمكان الحج وأنه من رأس المال
مَسْألَةٌ: قال 2: وإذا استطاع الرجل فأمكنه مسير الناس من بلده فقد لزمه الحج.
الفَصْلُ
إذا وجدت شرَائط وجوب الحج، فإن كان الوقت واسعًا يمكنه أن يسير إلى مكة، على عرف الناس وعادتهم في المسير، فلم يسر، ولم يحج حتى مات بعد فراغ الناس من الحج وإن لم يرجعوا فإنه ماتَ وعليه حجة الإسلام، ويجب أن يقضى الحج من تركته كما قلنا: إذا زالت الشمس وأمكنه أن يصلي أربع ركعات، فلم يصل حتى جنّ، ثم رجع إليهِ عقله بعد فوات الوقت لزمه قضاؤها.
وإن مات قبل فراغ الناس من الحج أو سار مع الناس ومات في الطريق ماتَ، ولا حجّ عليه، ولا يجبُ أن يقضي من ماله.
وهكذا لو وجد الاستطاعة ببغداد في يوم عرفة، وماتَ قبل مجيء السنة الثانية، فإنه ماتَ ولا حج عليهِ ولا يجب قضاؤه من ماله.
وهكذا إذا وجد الاستطاعة، وأمكنه أن يسير إلى مكة فلم يسر حتى تلف ماله، وانقطع الطريق بالعدو، فإن كان ذلك بعد إمكان الحج، فالحج في ذمته يلزمه أن يأتي به إذا أمكنه، وإن كان ذلك قبل إمكان الحج، فلا حجّ عليه على ما بيّناهُ، وهذا لأنه وإن وجبَ لا يستقر وجوبه إلا بإمكان الأداء.
ونقل المزني كلامًا ليس على ظاهره، فقال: إذا استطاع الرجل الحج، فأمكنه مسير الناس من بلده فقد لزمه الحج، فإن مات قضى عنه.
وهذا ليس على ظاهره لأنه إنما يقضى عنه إذا عاش إلى مدة كان يمكنه الحج فيها، وإذا مات قبل مضي تلك المدة لا يقضى عنه.
ولو قدر على المسير فوق العادة بأن يجعل المرحلتين مرحلة واحدة ونحو ذلك لا يلزمه لأنه يلحقه [16/ ب] مشقة غير1
محتملة في ذلك، وهكذا لو أمكنه المسير، ولكن تعذر عليه تحصيل الآلة التي يحتاج إليها في الطريق من الدلو، والقربة، ونحو ذلك، أو كانت تباع بأكثر من ثمن المثل، أو يكري الراحلة بأكثر من كري المثل لم يستقر عليه أيضاً، ولو قدر على المسير وحده لا يلزمه أيضًا حتى يمكنه المسير مع الرفقة، فيخرج في رفقتهم لأنه إذا سافر وحده فقد خاطر بنفسه، وماله.
ولو كانت بينه وبين مكة طريق آهلة يستغني فيها عن الرفقة إلا من يلزمه الخروج لأن القصد من مسير الناس التماس الأمن، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «يوشك أن تخرج الظعينة من الحيرة تؤم البيت لا تخاف إلا الله والذئب».
قال عدي بن حاتم راويه: لقد رأيت الظعينة تخرج من الحيرة وتطوف بالكعبة بلا جوار 1. وروي أنه قال: «يا عدي بن حاتم لا تقوم الساعة حتى تأتي الظعينة من الحيرة، ولم يكن يؤمئذٍ كوفة حتى تطوف بهذه الكعبة» 2، فأثنى عليها إذا خرجت والطريق آهلة»، وهذا يدل على أن الرجل والمرأة يستويان في وجوب الحجّ من غير انتظار الرفقة إذا كانت الطريق آهلة إن تصور ذلك، ولو أن الناس ساروا، وتقاعد عنهم هذا المستطيع، فأحصر الناس في عامهم ذلك، فانصرفوا خائبين، ثم مات هذا المتسطيع في تلك السنة لقي الله تعالى ولا حج عليه لأنه لو خرج معهم لصدّ كما صدوا، ولم يعش ليتمكن في السنة القابلة من الحج.
فإذا تقرر هذا فكل موضع، قلنا: مات وعليه حجة الإسلام، فإن كان خلف مالًا يلزم قضاء الحج من تركته، وإن لم يخلف مالًا، فإن حجّ وارثه متبرعًا، أو أمر أجنبيًا فحجّ عنه فقد سقط الفرضُ [17/ أ] عن الميت، وقال الشافعي في كتاب «المناسك»: إذا مات الرجل وقد وجبت عليه حجة الإسلام فتطوع متطوع قد حجّ حجّة الإسلام بالحجّ عنه أجزأ عنه، ثم لا يكون لوصية أن يخرج من ماله شيئًا ليحج عنه غيره ولا أن يعطي هذا عنه شيئًا لأنه حج متطوعًا، وهذا نص على أنه يجوز حجّ الأجنبي عنه، ويفارق العتق عنه في الكفارة في أحد الوجهين لأنه يقتضي الولاء وثبوت الولاء يقتضي الملك، فلا يمكن ذلك.
فإن قيل: أليس في حال الحياة لو حج عنه بغير أمره لا يجوز وفي قضاء الدين لا يفرقون بين أن يؤدي عنه الأجنبي في حياته، أو بعد وفاته في الجواز؟ قلنا: الفرق أن في حال الحياة هو من أهل الإذن وبعد الموت خرجَ أن يكون من أهله، ولا يشبه الدين لأنه لا يفتقر قضاء الدين إلى النيّة بخلاف الحج، فلا يجوز أداؤه من غير نيته إذا كان هو من أهل النية، ويجوز إذا لم يكن هو من أهل النية، وقال أبو حنيفة ومالك: إذا مات سقط عنه الحج، ولا يحج عنه إلا أن يوصي فيحج عنه من يليه، وقيل: إنه قول للشافعي لأنه عبادة بدنية، وهو غيريب وبقولنا المشهور، قال أحمد والثوري وإسحاق: والدليل عليه ما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلًا قال: يا رسول الله إن أختي نذرت وماتت قبل أن تحج، أفأحجّ عنها؟ فقال: «لو كان على أختك دين أكنت قاضيه»، قال: نعم: قال: «فاقضوا الله تعالى فهو
أحق بالقضاء» 1، وروى بريدة قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن أمي ماتت ولم تحج، أفأحجّ عنها؟ قال: «نعم حجّي عنها» 2.
مَسْألَةٌ: قالَ 3: وإن كان عام جدبٍ أو عطشٍ.
الفَصْلُ
قد ذكرنا أن وجُود الزاد شرط في وجوبه، فإذا كان في الطريق [17/ ب] قحط لا يوجد فيه الزاد والماء، وعلف الراحلة لا يجب الحج ويعتبر وجود الزاد في البلاد التي جرت العادة بحمل الزاد منها مثل بغداد والكوفة، والبصرة ويعتبر وجود الماء في المراحل التي جرت العادة بحمل الماء منها مثل الواقصة والزبالة والثعلبية.
وقيل: وسائر المراحل، فإن كان لا يجد الماء في المنازل، ولكنه يجده في أقرب البلدان إليه لا يلزمه لأن العادة لم تجر بنقل الماء من أقر البلدان إليه لأن الحاجة إليه أكثر ويفارق الزاد والراحلة، لأن العادة جرت في نقله.
وعلف الدواب والماء الذي يشربه حكمه حكم الماء في حق الناس فينبغي أن يوجد ذلك في كل منزل، أو منزلين، فأما إن كان لا يجده في المنازل بحال، فغير واجد، وإن كان يجده في أقرب البلدان إليه لأنه العادة، وهذا إذا كان على مسافة يشق نقل الماء بجميعها، ونقل علف البهائم لجميعها، فأما إن كانت المسافة على صفة لا يشق نقل لجميعها، ونقل علف البهائم لجميعها مثل أن يكون بينه وبين مكة عشرون أو ثلاثون فرسخًا يلزمه ذلك، وكذلك إذا وجده في أقرب البلدان إليه فقد وجده، وإن كان لا يجده في شيء من هذه البريّة، فالماء ههنا كالزاد في بعد المسافة، وإن كان الزاد موجودًا، ولكنه لا يباع من الحاج إلا بأكثر من ثمن مثله في ذلك الموضع لا يلزمُهم أن يشتَروهُ، ولا يجبُ عليهم الحج كانت الزيادة يسيرة أو كثيرة، كما في ماء الطهارة والرقبة في الكفارة، وهكذا في حكم الماء إذا وجد بأكثر من ثمن مثله، ولو كان ثمن مثله، ولكن السعر عالٍ يلزمه إذا وجد ثمنه، ولا يجب إذا لم يجد إلا كفاية الرخص والخصب.
وقول الشافعي: أو لم يقدر [18/ أ] على ملا بدّ منه.
أراد به السطيحة والقربة والحبل والمزود التي لا بدّ منها في طريقه فقد ذكرنا حكمه.
وأمّا قوله: أو كان خوف عدوٍّ.
أراد عدوًا يقصد نفسه أو ماله، وإن قل حتى قال الشافعي ما هذا معناه: أنه لو خرج عليه من لا يخليه إلا بدرهم يبذله لم أحب له أن يبذل وله أن ينصرف، ويكره ذلك لما فيه من الصغار، ولا يحرم البذل لأنه كالهدية لهم، وإن كان هذا الطلب من المسلم، فظاهر المذهب لأنه لا يكره له البذل لأنه يكره في المشركين لأنه يضارع الجزية، وهذا غير موجود ههنا، وإن كان قد أحرم كان له أن يحل كالمحصر.
وقال بعض أصحابنا: لو كان في طريقه رصدي يأخذ عن جمله شيئًا، وإن قل كدانق لا يلزمه الحجّ لأنه يتعوّد
الأخذ ويوكله الحرام، ولا يجوز ذلك، وهذا لو وجب حمل اليسير لوجب حمل الكثير أيضًا عند الإمكان، وهو يؤدي إلى ما لا سبيل إليه.
ولو دفع الإمام شيئًا من مال بيت المال إلى قوم ليدفعوا اللص عن الطريق جاز لأنه من المصالح، وكذلك لو دفع واحد من الرعية من ماله خاصة، ولا يكره ذلك وله فيه ثواب كثير.
ولو كان يجن ويفيق فدامت إفاقته، وله مال إلى أن خرج حجاج بلده وفرغوا من الحج حكمنا باستقرار وجوب الحج عليه، فإن جنّ في خلال ذلك حج عليه، ولو كان سفيهًا مبذرًا، وله مال، فالحجّ يلزمه وعلى الولي أن يخرج به إلى الحج أو يستأجر من يحمله إلى الحج ولا يدفع المال إليه، بل ينفق عليه ذلك الأمين المشرف عليه.
مَسْألَةٌ: قالَ 1: ولا يتبين لي أن أوجب عليه ركوب البحر للحج.
الفَصْلُ
إذا كان بينه وبين مكة بحر [18/ ب]، ولا طريق له في البر، فقد قال الشافعي ههنا: ولا يتبين لي أن أوجبه عليه، وهكذا قال في «الأم» لأن الأغلب من ركوب البحر الهلكة، وقال في «الإملاء»: واجب لمن قدر على المشي أن يمشي، وكذلك إن قدر على ركوب البحر، ولا يجب عليه إلا أن لا يكون له طريق أبدًا إلا في البحر، ويكون طلب معاشه في البحر فيكون هذا سكن مسكنًا طريقه في البحر كطريق أهل البر في البر».
وقال في موضع آخر: وإذا اتّجر قومٌ في بحر، وكانت تجارتهم ومعاشهم فيه فلا يتبين لي إن أسقط عنهم فرض الحج، فمن أصحابنا من قال: في المسألة قولان:
أحدهما: لا يلزمه لأن خوف البحر كخوف العدو أو كثر، وبه وصف الله تعالى أمر البحر في كتابه في مواضع.
والثاني: يلزمه؛ لأن الناس يتعودونه، والغالب منه السلامة، فهو كالبرّ، ولا فرق على هذه الطريقة بين أن يكون بحرًا، أو نهرًا عظيمًا يحتاج فيه إلى ركوب السفينة وبين أن يكون قد تعود ركوب السفينة، أو لم يتعود لأن الخوف موجودٌ كما لو كان في الطريق عدو، لا يلزمه سواء كان الرجل جبانًا، أو شجاعًا، وإن اضطرب البحر في ذلك الوقت وتموّج بخلاف العادة لا يجب عليه ركوبه قولًا واحدًا لأن الغالب الهلاك في هذا الوقت، ومن أصحابنا من قال: هذا على اختلاف حالين، فإن كان الغالب الهلاك مثل البحار الكبار، فلا يجب وإن كان الغالب السلامة مثل الأنهار العظام والبحار في بعض المواضع يجب، وهو ظاهر عليه في الأمر، وهو اختيار أبي إسحاق والاصطخري.
وبه قال أبو حنيفة.
ومن أصحبانا من قال: هذا على اختلاف حالين من وجه آخر، فإن كانت عادته ركوب البحر ومعيشته [17/ ب] فيه يلزمه، وإلَّا فلا وأشار إلى هذا في «الإملاء».
قال في «الحاوي» 2: هذا هو المذهب.
ومن أصحابنا من قال على حالين من وجه آخر، فإن كان أهل جزيرة في البحر، وطريقه في البحر كطريق أهل البر في البر لا يخاف الغرق أسلمه بالسباحة وحدته في ذلك، وصار ذلك انتقاله، وعادة تلزمه، وإلا
فلا.
وقيل: إن كان الغالب الهلاك لا يلزمه قولًا واحدًا، وإن كان الغالب السلامة، فقولان، وقيل: قول واحد لا يلزمه ركوب البحر، وتأويل قوله: إلا أن لا يكون له طريق أبدًا إلا في البحر أنه إن خرج إلى الشطّ الذي يلي مكة، وأدرك الوقت فقد لزمه، ولا يسقط عنه بعد ذلك بعوده إلى وطنه، ذكره القفال: وأراد إذا دنا من الشطّ الذي يلي مكة، فيلزمه أن يجري السفينة إلى ذلك الجانب.
قال هذا القائل: وعلى هذا لو توسط البحر لا للحج بحيث يكون الماء أمامه مثل ما هو خلفه هل يجب عليه الحج؟ وجهان:
أحدهما: لا يجب لأنه يؤدي إلى وجوب ركوب البحر للحج.
والثاني: يجب وهو الأصح؛ لأن قدامه ووراءه والجوانب كلها استوت في الخوف فيجب كما لو استوت الجوانب كلها في الأمن.
والوجهان يبنيان على أنه إذا أحاط به العدو من الجوانب الأربعة، هل له أن يحلل من إحرامه؟ وجهان.
فَرْعٌ
قال أبو حامد: إذا قلنا: لا يلزمه يستحب له ركوبه إن كان رجلًا وإن كان امرأة، فهل يستحب لها؟ قولان:
أحدهما: يستحب لها كالرجل.
الثاني: لا يستحب لها لأنها عورة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: قال الشافعي في موضع: «يستحب»، وقال في موضع: «لا يستحب لها» فالمسألة على حالين، فإن كانت تحتاج [19/ ب] إلى عبور نهرٍ كجيحون يكون مدةً يسيرة، فيستحب لها، وإن كانت تحتاج إلى ركوب البحر أيامًا لا يستحب لها لأنها لا تخلو عن التكشف في قضاء الحوائج والطهارة والصلاة.
فَرْعٌ آخرُ
قال القفالُ: إذا لم نوجب ركوب البحر على الرجال فالنساء أولى، وإذا أوجبنا عليهم فهل يجب على النساء؟ قولان منصوصان:
أحدهما: لا يجبُ، وبه قال مالك، لأنهن عورةٌ على ما ذكرنا.
والثاني: يجب كالرجال وهذا غريبٌ لم يذكره أهل العراق.
ولو كان له طريق في البحر وطريق في البرّ يلزمه الحج قولًا واحدًا، وإن كان أطور طريق إذا كان له كفاية ذاك الطريق.
فَصْلٌ
المرأة كالرجل في أن الحج يلزمها إذا وجدت الشرائط التي ذكرناها في الرجل، فإذا وجدت الاستطاعة والأمن وجب الحج عليها، ولها أن تحجّ من غير محرم، واشترط الشافعي صحبة النساء الثقات في حقها، فمن أصحابنا من قال: هو استحباب أو أراد إذا لم يحصل الأمن إلا بصحبة النساء الثقات، وهو الأقيس والصحيح، وبه قال الأوزاعي لخبر عدي بن حاتم الذي ذكرنا.
وذكر الكاربيسي عن الشافعي أنه إذا كان الطريق آمنًا جاز لها أن تخرجَ وحدها.
ومن أصحابنا من قال: لا تخرج إلا أن يكون في الصحبة امرأة ثقة لئلا يخلو بها رجل، وهذا أشبه بكلام الشافعي نصّ عليه في «الإملاء».
وقال مالك: لا تجب إلا أن يكون هناك صحبة نسوة ثقات.
وقال أبو حنيفة
وأحمد لا عبرة بالنسوة الثقات ولا يلزمها إلا مع زوج أو ذي رحم محرم، وربما يقولون: يجبُ من غير وجود المحرم، ولا يلزم الخروج إلا مع المحرم [20/ أ]، وكذا عن أحمد في رواية، واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يحلّ لامرأة مسلمة أن تسافر مسيرة ليلة إلا ومعها رجل ذو حرمة منها» 1، وبهذا قال النخعي والحسن وأحمد وإسحاق وهو اختيار أبي سليمان الخطابي.
وهذا غلط لظاهر الآية وهي تصير مستطيعَة بما ذكرنا، والخبر محمول على سفر التطوع، أو إذا لم يحصل الأمن إلَّا به، وقال القفالُ: لا بدّ أن يكون لإحداهن محرم حتى إذا استعانت هذه بتلك استعانت تلك بمحرمها، لأنه إذا لم يكن لإحداهن محرم، فكثرة النساء زيادة عورة وضعف، فلا يجوز لهن الخروج.
وهكذا حكم الخلوة، فإن نسوة لو خلون برجل وإحداهن برجل وإحداهن محرم له جاز، وإلا فلا، وكذلك لو خلت امرأة برجال وأحدهم محرم لها جاز، وإلا فلا حتى لو خلا عشرون رجلًا بعشرين امرأة وإحداهن محرم لأحدهم كفي ذلك، وقد نصّ الشافعي على أنه لا يجوز للرجل أن يؤم بنساء مفردات، فيصلي بهن إلا أن تكون إحداهن محرمًا له، وهذا حسنٌ، ولكنه خلاف النصّ.
والدليل على صحة اعتبار الجمع منهنّ أن أطماع الرّجال ينقطع عنهُن إذا كثرن وصرن جماعة، فيحصل الأمن لهنّ، ولا يؤدي إلى الفساد، وهذا معروف العرف المستقيم الجاري.
فَرْعٌ
قال أبو حامدٍ: لا تخرج في السّفر المباح إلا مع محرمها، ولا تخرج مع النسوة الثقات نصّ عليه، وهو المذهب لأن سفر الحج آكد لكونه فرضًا من غيره، ومن أصحابنا وجهًا آخر أنه وسفر الفرض سواء، وليس بشيء، وقال القفال: جميع الأسفار في هذا سواء، ومذهب الشافعي أنه لا يشترط المحرم في شيء منها، وهذا أصحّ، [20/ ب] وأقيس عندي.
فَرْعٌ آخرُ
لو كانت المرأة في دار الحرب عليها أن تهاجر إلى دار الإسلام وحدها ومع محرم سواء كانت الطريق مسلوكة أو لا، إن أمكنها ذلك بخلاف الخروج للحج، لا يلزم إذا كانت الطريق، غير مسلوكة؛ لان ذلك انتقال من الخوف لقصد الأمن فلا بأس، وإن كان الخوف في الطريق والسفر إلى الحج انتقال من الأمن فلا يجب إلا أن يكون الأمن موجودًا في الطريق.
مَسْألَةٌ: قالَ 2: وروي عن عطاء وطاوس أنهما قالا: الحجة الواجبة من رأس المال، قال: الحجة الواجبة من الميقات لا من بلده لأن الحج إنما يجب من الميقات، وما وراءه فإنما هو نسب إليه، فبعد الموت يقضي عنه من ذلك الموضع واستأنس الشافعي في ذلك بقول عطاء وطاوس رضي الله عنهما، ثم قال: وهو القياس
يريد به أنه دين عليه، والدين يقضى من رأس المال أوصى أم لم يوص كديون الآدميين، وفي هذا الذي ذكره بيان أن الحج والعمرة في الاستئجار سواء عليهما كما أنهما في الأركان وأحكام المحظورات سواء ثم ينبغي أن يستأجر عليه بأقل ما يوجد لأنه تصرف على الظاهر، وظاهر الشافعي بأقل ما يوجد من ميقاته يدلّ على أن عين ميقاته شرط في الحج، وليس المذهب على ما يقتضيه ظاهر اللفظ ومراد الشافعي بهذه العبارة، إما من عين ميقات بلد ذلك الميت، وإما أن يتحرى مقدار تلك المسافة التي بين ميقات الميت وبين مكة، فيحرم متيامنًا لذلك الميقات أو متياسرًا، ولو أحرم قبل محاذاته زاد خيرًا، ولا يجوز مجاوزته، ولو مرّ هذا الأخير على ميقات غير ميقات بلد الميّت [21/ أ] لم يجز له مجاوزته بغير إحرام سواء كان ذلك الميقات مثل ميقات الميت من المسافة أو أطول من ميقات الميت، فأما إذا مرّ على ميقات قريب من مكة، وميقات الميت أبعد منه مثل أن يكون الميت من أهل المدينة، وأحرم أحد من يلملم كان تاركًا لبعض الأمر لأن ما بين ذي الحليفة ومكة أضعاف ما بين يلملم ومكة، وإذا ترك بعض النسك، فماذا يكون حكمه؟ سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا ظاهر المذهب، وقال الشافعي في موضع آخر: قد قيل هذا، وقيل: إنه إن لم يوص به لا يحج عنه، وإن أوصى حجّ عنه من الثلث فحصل قولان، وهذا غير صحيح عندي، وقوله: وقيل كذا حكاية مذهب أبي حنيفة.
فَرْعٌ
النذور والكفارات وما وجب عليه باختياره فيه قولان:
أحدهما: يخرج من رأس المال كالحج الشرعي، وهو الصحيح.
والثاني: يخرج من الثلث لأنها أضعف حالًا مما وجبَ شرعًا، وهذا يبطل بالدين، فلا يصح القول به.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان هذا الإيجاب في مرضه، فهو من التلف، وإن كان في الصحة، فقولان مشهوران:
أحدهما: من الثلث لأنه متهم في التزامه في حق وارثه لأنه مطالب به في الدنيا.
فَرْعٌ آخرُ
إذا ضاق المال عن ديون الآدميين، وحجة الإسلام فيه ثلاثة أقاويل:
أحدهما: يقدم حجة الإسلام لقوله صلى الله عليه وسلم: «فدين الله أحقّ أن يقضى».
والثاني: يقدم الدين.
والثالث: يقسم بالحصص.
فَرْعٌ آخرُ
إذا أوصى في الحج الواجب أن يؤدي من الميقات من الثلث، [21/ ب] فمعلوم أنه لو لم يرض به لكنا نأمره بذلك من رأس المال، ففائدة قوله: من الثلث أنه يزاحم أهل الوصايا بإدخال النقص عليهم، ثم إذا أصاب الحج قدر لا يكفي للحج من الميقات جبر ذلك بشي من رأس المال حتى يتم المال الذي للحج.
فرع آخر
لو قال: يحج عني من بلدي من ثلثي فإنه يزاحم أهل الوصايا مما يصيبه أحج عنه رجل من حيث يبلغ ويفي به المال إلا أن لا يفي من المقيات لقلة ما أصابه بسبب كثرة الوصايا، فحينئذ يكمل من رأس المال.
فرع آخر
لو قال: يحج عني من بلدي ولم يقل: من الثلث، وقدر الحج من الميقات من رأس المال، وما من البلد والميقات يزاحم به أهل الوصايا فما يخصه يضم إلى ما أخرج للحج من الميقات ويحج عنه من حيث بلغ.
فرع آخر
إذا أوصى بحج التطوع وجوزنا يكون من الثلث، وهل يقدم على سائر الوصايا؟ قولان: كالعتق هل يقدم على الوصايا؟ قولان:
أحدهما: يقدم لما فيها من القربة.
والثاني: وهو الأصح لا يقدم
فرع آخر
إذا قلنا: لا يقدم فإن كان ما يخصه يكفي للحج من الميقات يفعل ذلك، وإن كان لا يكفي بطلت الوصية، وتبقى سائر الوصايا لأن الحج لا يتبعض بخلاف العتق، فإنه يتبعض فيعتق بما يخصه ثلث العبد أو نصفه.
مسألة: قال 1: ولا يحج عنه إلا من أدى الفرض مرة.
الفضل
لا يجوز لمن لم يحج عن نفسه أن يحج عن غيره ويسمى ضرورة وكانوا يسمون بهذا الاسم في الجاهلية.
قال الشافعي في "الأم": وأكره أن يقال ضرورة، وهذه كراهية تنزيه لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا صرورة في الإسلام" 2، وروى أنه نهى أن [22/أ] ويسمى المسلم صرورة 3. ومعنى الخبر أن سنة الدين أن لا يبقى أحد من الناس يستطيع الحج فلا يحج حتى لا يكون صرورة في الإسلام.
وقيل: معناه أن الصرورة إذا شرع في الحج من غير صار الحج عنه ليحصل معنى التقى فلا تكون صرورة، وبه قال الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وروى ذلك عن ابن عباس.
الصرورة: الرجل الذي انقطع عن النكاح وتبتل على مذهب الرهبانية والنصارى.
وعن أحمد رواية أنه لا يقع ذلك عنه ولا عن غيره.
وقال أبو حنيفة ومالك نحو ذلك،
ويقع عن غيره، وبه قال الحسن وعطاء والنخعي.
وقال سفيان الثوري: إن أمكنه أن يحج عن نفسه ليس له أن يحج عن غيره، وإن لم يمكنه ذلك يجوز له أن يحج عن غيره.
وهذا غلط لما ذكرنا من خبر شبرمة، وروي فيه: "اجعل هذا عن نفسك ثم حج عن شبرمة".
وأدعى أصحاب أبي حنيفة بأنه مرسل غير متصل، وأن هذا القصة جرت بين ابن عباس وبين شبرمة لا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين شبرمة، لأن الشافعي روى ههنا عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهذا غير صحيح، لأن الشافعي رواه موصولا، وذلك أنه قال: عن ابن عباس أنه سمع رجلاً، والهاء من قوله أنه كناية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا عن ابن عباس، ولو قال: وروى ابن عباس أنه سمع رجلاً لكان كلاماً مستقيماً، فحسنت هذه الكناية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقيل: الظاهر من لفظ "المختصر" أن الشافعي وقفه على ابن عباس، ووجه دفع هذا السؤال أن يقال: قد روى جماعة هذا الخبر عن ابن عباس موقوفاً، ورواه أبو قلابة عن ابن عباس مرفوعاً فثبت مسنداً.
فإن قيل: [22/ب] وهل تتفق قصتان لشبرمتين تتفقان من أولهما إلى آخرهما فهذا نوع يضاد الرواية.
قلنا لا ندعي قصتين لشبرمتين، ولكنا متى وجدنا حديثاً يرسله بعد الرواة ويسنده بعضهم، والحديث حديث واحد، فمتابعة المسند أولى من متابعة المرسل، لأنه إثبات زيادة والزيادات في أسانيد الأخبار ومتونها مقبولة عن الثقات بالإجماع.
فرع
قال أصحابنا: ويستحب أن يحج بعد حجة الإسلام حجة ثانية عن نفسه ثم يشتغل بالنيابة عن غيره ليكون قد قدم نفسه في الفرض.
فرع آخر
إذا حج عن نفسه حجة الإسلام ولكن عليه حجة أخرى، أما بالنذر أو بالقضاء لا يجوز له أن يحج عن غيره، فإن حج انصرف ذلك إليه ولا أجرة له.
فرع آخر
لو كانت عليه حجة الإسلام وحجة منذورة لم يجز له تقديم الحجة المنذورة على حجة الإسلام، فإن أحرم بالمنذورة أولاً انعقد عن حجة الإسلام، وهكذا إذا مات فاستأجر وليه من يحج عنه الحجة المنذورة قبل حجة الإسلام وقعت عن حجة الإسلام دون المنذورة، وتقدم حجة القضاء على المنذورة على هذا الوجه الذي ذكرنا، وتقدم حجة الإسلام على حجة القضاء أيضا، وإنما يتصور اجتماع حجة الإسلام وحجة القضاء في مسألة واحدة لا نظير لها، وهي أن يحرم العبد البالغ بحج ثم يجامع، فإذا أكمل أفسده وعتق ووجد مالاً تجب حجة الإسلام والقضاء في ذمته قبل ذلك.
فرع آخر
إذا قلنا العمرة واجبة فحكمها حكم الجمع فيما ذكرنا، فإذا كانت عليه عمرة الإسلام لا يعتمر عن غيره، فإن اعتمر عن غيره كانت عنه، وإن حج ولم يعتمر له إن يحج عن غيره ولا يعتمر [23/أ] عن غيره، ولو اعتمر ولم يحج، له أن يعتمر عن
غيره، ولا يحج عن غيره.
فرع آخر
من حج عن نفسه ولم يرد به فرضاً لا يجوز له أن يحج عن غيره، كالعبد والصبي لأنهما ليسا من أهل الفريضة، وقال أبو حنيفة في العبد: يجوز ذلك.
فرع آخر
إذا استأجر عبداً ليحج عنه حجة النذر، فإن قلنا: يسلك به مسلك النفل يجوز وإن قلنا يسلك به مسلك القرض لا يجوز وفي هذا نظر لأن العبد لو نذرها وحج بإذن سيده يجوز، فهو من أهل أداء الحجة المنذورة، فيجب أن يجوز له أداؤها عن الغير.
فرع آخر
قال في "الجامع الكبير": قال الشافعي: لو كان قد حج عن نفسه، ولم يعتمر فحج عن غيره واعتمر أجزأه الحج دون العمرة، قال المزني: هذا غلط، لأنه إذا قرن بينهما فقد تداخلا وصارا كالعبادة الواحدة، فلا يجوز أن يقع بعضها عنه، وبعضها عن غيره، فيقعان عنه.
قال أصحابنا: الأمر على ما ذكره المزني، ولم يرد الشافعي به إذا قرن بينهما، وإنما أراد به إذا أفرد فحج، ثم اعتمر عقيبه، فيكون الحج عن غيره والعمرة عن نفسه.
فأما إذا أقرن بينهما جميعاً، فيقعان عنه لأن القران كالنسك الواحد عند الشافعي.
فرع آخر
لو استأجر ضرورة لأداء الحج ولم يعين العام الذي يحج فيه، بل ألزم ذمته ذلك يجوز، فيحج عن نفسه في هذا العام، ثم بالإجارة عاماً آخر
فرع آخر
ذكره والدي إذا قال: إذا كلمت فلاناً فلله على أن أحج فكلمه، فهو مخير في القول الصحيح بين الوفاء وبين الكفارة باليمين، وكان حج حجة الإسلام له أن يحج عن غيره ههنا قبل اختياره أحد الأمرين أم لا؟ يحتمل أن لا يجوز لأنه لو حج وأطلق النية [23/ب] صح عن المنذور، فإذا كان حجه عند الإطلاق يتصرف لم يكن له أداء حج عن غيره، ويحتمل أن يجوز لأنه لم يتعين عليه، وعندي الأول أقيس.
فرع آخر
قال أيضاً: إذا كانت على العبد حجة النذر، فصار معصوباً هل يجوز للحر أن يحج عنه إذا حج حجة الإسلام أم لا؟ يحتمل جوازه، لأن قضاء الدين عن العبد صحيح بصحته عن الحر، ويحتمل أن لا يجوز، ولو مات هذا العبد هل يحج عنه المنذور؟ إن أوصى به جاز، وإن لم يكن أوصى فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز.
والثاني: يجوز كما يجوز لوارث الحر أن يحج عنه حج الفرض، وإن لم يترك مالاً، ولم يوص به والسيد في العبد كالوارث في الحر، فإذا قلنا: يجوز أن يحج عنه، فإن حج السيد عنه صح، وإن حج غيره عنه، فإن كان بإذن السيد صح، وإن كان بغير إذنه فيه وجهان، وأصل هذا أن الحر إذا مات فحج عنه أجنبي بغير إذن الوارث فهل يصح عنه؟ فيه وجهان، وأصل الوجهين في الأصل أن خيار الثلاثة ينتقل من الحر إلى وارثه قولاً واحداً، وهل ينتقل من المكاتب إلى سيده بموته؟ وجهان.
فرع آخر
وقال أيضاً: إذا قلنا: العمرة غير واجبة هل يجوز فعلها من الغير، وقبل فعلها عن نفسه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز لأن العمرة على هذا القول كحجة التطوع وتصح النيابة فيها، قبل فعلها عن نفسه بعد أداء الفرض كذلك القول في العمرة.
والثاني: لا تجوز لأن العمرة إحدى نسكي القران، فلا يجوز فعلها عن الغير، قبل فعلها عن نفسه كالحج.
فرع آخر
وقال أيضاً: إذا حج حجة الإسلام ثم نذر أن يحج في العام الثالث هل يجوز له في العالم الثاني [24/ أ] أن يحج حجة التطوع أو يحج عن غيره؟ له ذلك، لأن حجة الإسلام سقطت عنه والمنذور لم يتوجه عليه، فكان له التطوع في الحج عن الغير كما لو لم يوجد منه هذا القول، وقيل: يجوز له أن يتطوع بالحج، ولا يجوز له أن يحج عن غيره لأن حجة النذر غير واجبة في العام الثاني ولها حالة الوجوب، في العام الثالث فصح في العام الثاني.
إذ التطوع وإن لم يصح الأداء عن الغير كالصبي يجوز لهما أداء حج التطوع لا فرض عليهما، ولا يجوز لهما أن يحجا عن غيرهما لأن لهما حالة وجوب حجة الإسلام.
فرع آخر
وقال أيضاً: إذا قلنا: يلزم الإحرام لدخول مكة، وإذا ترك لا قضاء على قول ابن أبي أحمد حتى يصير خطاباً هل يجوز له أن يحج عن الغير أم يتطوع قبل أن يصير خطاباً؟ يحتمل وجهين:
أحدهما: لا يجوز لأن الفرض لازم عليه، ولكنه لا يتمكن من تحصيله في الحال ألا ترى أنه إذا صار خطاباً يلزمه القضاء؟
والثاني: يجوز لأنه لو لم يجز عن حجة التطوع وعن الغير وجب أن يصح عن الفرض كما في الفقر الذي حج حجة الإسلام إذا نذر حجاً ثم تطوع أو حج عن الغير ما لم يصح عما نواه لأجل الفرض صح عن الفرض فلما لم يصح ههنا عن القضاء وجب أن لا يكون وجوب القضاء في ذمته مانعاً من التطوع والنيابة عن الغير، وهذا أوضح لأن الأول يؤدي إلى أن لا تصح حجة هذا الرجل ما لم يصر خطاباً لأن إحرامه لا يصح عن القضاء أيضاً، ويبعد أن لا يصح حج العاقل المسلم البالغ ما لم يصر.
خطاباً، فإذا صح هذا فليس على أصلنا مسلم صح التطوع فيها بالحج والنيابة مع وجوب الفرض عليه إلا في هذا الموضع.
فرع آخر [24/ب]
إذا نظر حجاً في عام معين، وكان حج حجة الإسلام، فلم يحج في ذلك العام ثم نذر حجاً آخر فهل عليه أن يقدم حجة القضاء أم له الإتيان بالمنذور ثانياً؟ قال والدي رحمه الله: عندي له أن يأتي بحجة القضاء وله الإتيان بالمنذور الثاني، لأن كل واحد منهما واجب عليه بالنذر، فلو منع القضاء من الثاني لمنع الثاني من القضاء، فيؤدي إلى أن لا يمكن تحصيلهما، وهذا محال.
ويفارق هذا حجة الإسلام مع حجة النذر لأن إحديهما وجبت بإيجاب الله تعالى على الانفراد، فيكون أكد وتقدم الأكد واجب وفي هذا الموضع هما واجبان بإيجابه ونذره، فاستويا في القوة، ويحتمل أن يقال: يقدم حجة القضاء لأنها استوت وجوباً، وللسابق في الأصول مزية.
فرع آخر
وقال أيضاً: إذا نذر العبد حجاً فشرع فيه ثم اعتق في أثنائه، فإن كان قبل الوقوف انصرف إلى حجة الإسلام، وإن كان بعد الوقوف صح عن النذر اعتباراً بما لو اعتق في أثناء حج التطوع ووجه الجمع أن تقديم حجة التطوع على حجة الإسلام لا يجوز، ولذلك تقديم حج النذر عليها لا يجوز، فلما وجب في أحديهما صرف الإحرام إلى حجة الإسلام إذا كان العتق قبل الوقوف كذلك القول في الآخر مثله.
فرع آخر
وقال أيضاً: إذا شرع في حجة النفل، ثم نذر حجاً فإن كان بعد الوقوف لا ينقلب إلى المنذور وإن كان قبل الوقوف فيه وجهان:
أحدهما: ينصرف إلى المنذور كما لو شرع العبد في حج التطوع ثم اعتق قبل الوقوف انصرف إلى حجة الإسلام، ولا فرق بين طريان وجوب المنذور وبين طريان وجوب حجة الإسلام، لأن [25/ أ] كل واحد منهما من فعل تطوع الحج.
والثاني: لا ينصرف إليه لأنا لو صرفناه إليه وجب القول بأن الإحرام انعقد عن النذر، وهذا محال لأن إحرام المنذور لا يسبق النذر بحال فيبقى عن التطوع كما كان، ويفارق حجة الإسلام لأن فعلها قبل وجوبها صحيح في الجملة، فأمكن القول بأن الإحرام انعقد عنهما حكماً، وإن لم يكن واجب عليه في تلك الحالة، وهذا واضح.
وقيل: هذا بناء على أن الصبي إذا أحرم، ثم بلغ هل ينقلب فرضاً في الوقت؟ إن تبينا أن إحرامه انعقد فرضاً، فالنذر لا يمكن إفساده، فلا يحتسب به عن النذر ومن قال بالأول كان يفترض على هذا، فيقول: حالة العبودية ينافي حجة الإسلام، كما أن قبل النذر الحالة حالة تنافي المنذور، فإذا جاز في إحداهما أن يجعل كأن الإحرام وقع بحج الإسلام، وإن لم تكن تلك الحالة وقتاً لأداء حج الإسلام وجاز في الآخر أن يجعل لأن الإحرام وقع بحج النذر، وإن لم تكن تلك الحالة وقتاً لأداء المنذور ولا فصل بينهما.
فرع آخر
قال: لو نذر حجاً بعدما شرع في الحج عن غيره، وكان حج الإسلام لم ينصرف الحج إليه، وإن كان مثل الوقوف لأن الحج إذا انعقد عن شخص لا ينصرف إلى شخص آخر، ويفارق هذا إذا شرع في حج النفل، ثم نذر حجاً حيث صرفنا إلى المنذور في أحد الوجهين، لان جواز ذلك في حق الشخص الواحد لا يدل على جوازه في حق الشخصين ألا ترى أن الصبي إذا بلغ في أثناء الصلاة انصرفت إلى الفرض ويستحيل ذلك في شخصين لامتناع النيابة فيها.
فرع آخر
إذا كانت عليه حجة الإسلام، فقال: لله على أن أحج هذا العام [25/ب] إن شفي الله مريضي لم يصح النذر، لأن هذا العام متعين لحجة الإسلام لا يجوز إيقاع غيرها فيه، فلا يصح نذر حج آخر فيه، كما لو نذر صوماً في رمضان لم يصح النذر، ولو نذر، ولو نذر حجاً في عام، ثم نذر حجاً آخر في ذلك العام، وكان حج حجة الإسلام فيه وجهان:
أحدهما: عليه حجة واحدة.
والثاني: تلزمه حجتان.
وهما مبنيان على أن العام الذي عينه بالنذر لحجة هل يجوز إيقاع حجة أخرى منذورة فيه؟ وفيه وجهان.
فرع آخر
قال: إذا بقيت عليه ركعتا الطواف، وقلنا: هما واجبتان وفرغ من سائر أعمال الحج هل يجوز له أن يحرم عن الغير؟ عندي أنه يجوز، ويجوز أيضاً أن يحرم عن نفسه بحجة التطوع، لأن بقاء الصلاة عليه لا يمنع من النيابة والتطوع، فكذلك واجبة بالشرع، ومنذور الصلاة لا يمنع النيابة، فكذلك واجبه شرعاً بحق الإحرام.
فرع آخر
قال: إذا أحرم عن المعصوب بحجة النفل في أصح القولين فنذر المعصوب بالحج قبل وقوف النائب بعرفة، فهل ينصرف ذلك الحج إلى المنذور أم لا؟ فيه وجهان مبنيان على أن الشارع في التطوع لنفسه إذا نذر الحج هل ينصرف إليه؟ وجهان.
وهذا لأن الإحرام عن المعصوب كإحرام المعصوب بنفسه، ولو كان متمكناً من الحج بنفسه.
فرع آخر
إذا بذل الطاعة لأحد أبويه، فلزمه أداء الحج لو أراد أن يحج عن غيره، قال بعض أصحابنا: يجوز لأنه الأداء بنفسه لأنه إن شاء فعله بنفسه، وإن شاء استأجر غيره ليحج عنه، ونظيره أن يموت على حج، ثم أراد الوارث [26/ أ] الحج عن غيره قبل فرض الميت كان له ذلك، فكذلك فيما ذكرناه.
فرع آخر
قال: إذا ارتد بعد وجوب الحج عليه واستقراره لم يسقط عنه، فلو مات على الرد يحتمل أن يقال: يقضي عنه كالزكاة، والأقوى أنه لا يقضي عنه لأن الحج عبادة على
البدن فمن شرطها أن يقع قربه، ولا يحصل ههنا، لأن المرتد ليس من أهل القرية، والحج يقع عنه والزكاة حق المال قد يستوفي على طريق الغرامة كما يستوفي قربة.
فرع آخر
قال: إذا بذل الطاعة لوالده، وقلنا: ليس له الرجوع، فلو بذل الوالد الطاعة لوالده يجب الحج على الابن في أصح الوجهين، وهل للأب الرجوع؟ وجهان:
أحدهما: لا يرجع كالابن فيما ذكرناه.
والثاني: له الرجوع كما يرجع في الهبة بعد إبرامها بالقبض بخلاق الابن.
ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأن للأب حقاً في مال الابن بالنفقة والإعفاف أو الولاية، فصح إثبات الرجوع له في الهبة على الاختصاص، ولا دخل للأب في حج الابن، فلا رجوع له كما يرجع الابن.
مسألة: قال (1): وكذلك لو أحرم تطوعاً وعليه حج.
الفضل
من عليه فرض الحج إذا أحرم به ينوي تطوعاً يقع عن فرضه، وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: يقع تطوعاً، وهذا غلط لأنه لو أطلق الإحرام يقع عن فرضه في رواية الأصول، فكذلك إذا قيد بالنفل لأن إطلاق النية كالمقيد في هذا الباب ألا ترى أنه لو أطلق الإحرام بالصلاة، وعليه فرضها يقع عن النفل كما لو قيد بالنفل؟ وكذلك لا يجوز أن يتطوع بالعمرة، وعليه فرضها، فإن أحرم بها بنية التطوع [26/ب] وقع عن الفرض.
باب تأخير الحج
مسألة: قال 2: أنزلت فريضة الحج.
الفضل
وقت الحج عندنا موسع وهو ما بين أن يحيا إلى أن يموت، فإن حج بنفسه فقد أدى الفرض في وقته، وإن مات قبل أن يحج، وكان مستطيعاً للحج، فقد مات عاصياً والمستحب تعجيله بلا أشكال.
وبه قال الثوري والأوزاعي ومحمد، وقال مالك وأحمد وأبو يوسف: هو على الفور فيجب على من قدر أداءه، فإن أخره أثم وعصى، وهو اختيار المزني، وقال الكرخي: مذهب أبي حنيفة أنه على الفور، وقيل: لا نص فيه عنه، وأصحابه يقولون: مذهب مثل مذهب أبي يوسف، وهو اختيار المزني إلا أن عند مالك إذا أخره عن السنة التي وجب فيها، ثم حج في غيرها صار قاضياً كمن أخر الصلاة عن وقتها، وعندهم متى حج في عمره يكون مؤدياً لا قاضياً.
وأصل هذه المسألة أن الأمر المطلق هل هو على الفور أم التراخي؟ واحتج الشافعي بأن قال: "أنزلت فريضة الحج بعد الهجرة" يريد قوله تعالى: ﴿آمِنًا ولِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آل عمران: 97]، الآية، فإنها مدنية، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر على الحج يريد سنة ثمان1
من الهجرة، وتخلف النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد منصرفه من تبوك لا محارباً ولا مشغولاً بشيء، وتخلف أكثر المسلمين قادرين على الحج وأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلفن أيضاً عن الحج مع الإمكان، فلو كان ترك الحج كترك الصلاة حتى يخرج وقتها ما ترك النبي صلى الله عليه وسلم [27/أ] الفرض ولا ترك المتخلفون عنه من أصحابه وأزواجه.
ولم يحج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فرض الحج إلا حجة الإسلام، وهي حجة الوداع سنة عشرة، وهي أخر عمرة ودع فيها الناس وعاش بعد ثمانين يوماً، ثم قبض إلى رحمة الله تعالى، ثم أوضح هذا بما روي عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بالمدينة تسع سنين لم يحج ثم حج، وقصد الشافعي بهذا إسقاط سؤالين لأبي حنيفة.
أحدهما، يقول: الحجة التي حجها في آخر عمره عساها كانت تطوعاً، وكان قد حج حجة الإسلام بعد الفتح قبل حجة المدينة إذا كانت له أسفار كثيرة إلى مكة.
والثاني يقول: حج رسول الله صلى الله عليه وسلم حججاً كثيرة أجزأته واحدة منها عن حجة الإسلام، قال جابر رضي الله عنه: حج رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث حجج، حجتين قبل أن يهاجر، وحجة بعدما هاجر معها عمرة، فأشار، الشافعي إلى إسقاط الثاني، بقوله: إلا حجة الإسلام، وهي حجة الوداع، فأخبر أن الحجة إلى سميت حجة التي سميت حجة الوداع لتوديعه فيها الناس هي حجة الإسلام لأنها أول حجة فعلها بعد نزول الفرض، فأما ما فعل بمكة قبل الهجرة، وقبل نزول الفرض فلا يتصور أن ينصرف إلى حجة الإسلام كما يصلي صلاة تطوع قبل دخول وقت المكتوبة، فلا ينوب تطوعه مناب المكتوبة.
وقد قال قتادة: قلتُ لأنس: كم حج النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: حجة واحدة، واعتمر أربع عمر: [27/ ب] عمرة في ذي القعدة، وعمرة الحديبية، وعمرة مع حجته وعمرة الجعرانة، إذا قسم غنائم حنين، فإذا تقرر هذا، اختلف أصحابنا في أول وقت العصيان إذا مات بعد الإمكان، فقال أبو إسحاق: يكون عاصياً من السنة الأخيرة لأنا نجيز له في كل سنة أن يؤخره بشرط أن لا يفوته فعله، فإذا أخره عن السنة الأخيرة لأنا نجيز له في كل سنة أن يؤخره بشرط أن لا يفوته فعله، فإذا أخره عن السنة الأخيرة، ومات فقد علمنا أنه لم يكن جاز له تأخيره.
ومن أصحابنا من قال: كان عاصياً من السنة الأولى لأنا إنما أجزنا له التأخير من أول حال الإمكان بشرط أن لا يفوته، فإذا فاته صار عاصياً بتأخيره من أول حال الإمكان.
وقيل: فائدة الوجهين أنه لو شهد عند القاضي، وحكم بشهادته، ثم مات، ولم يحج، فإن قلنا: نحكم بالعصيان من آخر السنة فهذا فسق ظهر بعد الحكم فلا يؤثر فيه، وإن قلنا: نحكم به من أول السنة يصير كما لو بان فيقهم عند الحاكم، ومن أصحابنا من قال: بقول: يعصي بتأخيره إلى الموت في الجملة من غير تعيين وقت، فيقول لمن لزمه الحج وقدر لك أن يؤخره بشرط السلامة، وهو أن يفعله من بعد، فإن لم نفعل عصيت، وهذا كما تقول للزوج أن يضرب زوجته بشرط السلامة، فإذا أدى إلى التلف تبيناً أنه لم يكن مأذوناً، ومن أصحابنا من قال: لا يصير عاصياً، ولكن يقول: إنه كان مفرطاً كما تقول للزوج أن يضرب زوجته بشرط السلامة، فإذا أدى إلى التلف تبينا أنه لم يكن مأذوناً، ومن أصحابنا من قال: لا يصير عاصياً، ولكن يقول: أنه كان مفرطاً كما ينسب تارك الصلاة عن أول وقتها حتى يعجز إلى التفريط دون العصيان، وهذا اختيار صاحب "الإفصاح" لأنا جوزنا له
التأخير، ولا يعرف هو وقت الموت، فلا ذنب له ثم على هذا القول فيه وجهان:
أحدهما: أنه مفرط من أول وقت إمكانه [28/أ].
والثاني: أنه غير مفرط من آخر وقت إمكانه.
وقال أبو ثور: لا نحكم بعصيانه أصلاً، ومن أصحابنا من قال: إذا غلب ظنه بالإمارات أنه إذا أخرها عن تلك السنة يصير عاجزاً بالكبر والضعف والفقر يصير عاصياً من تلك السنة عند الإمكان، وإن أدركه قضاء الله تعالى فجأة، أو مع رجاء الحياة وبقاء القوة واشتغاله بأمر المعاش لا يصير عاصياً، ولا يمتنع أن يتعلق الحكم بالظن الغالب كما أن الله تعالى كتب الوصية في الابتداء على حضر الموت يعني أمارته الدالة عليه لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ إن تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: 180] وكان الحكم أنه يعصي بتركها عند وجودها، ولا يعصي من دون ذلك.
كذلك ههنا، وهذا أصح عندي.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لو كان يخشى الزمانة، أو تلف ماله، هل له تأثير الحج؟ فيه وجهان:
أحدهما: له ذلك كما لو لم يخش الزمانة، فإنها موهومة وأصل وجوبه على الفور، فلا يتعين بالوهم.
والثاني: ليس له ذلك، ويصير عاصياً به لأنه لا يمكنه أداء الحج عند الزمانة.
فرع
لو وجب عليه الحج، فلم يحج حتى صار معصوباً، وله مال هل يلزمه أن يستنيب على الفور؟ وجهان:
أحدهما: لا يلزمه ذلك بل هو على التراخي لأنه في القادر على التراخي.
والثاني: أنه على الفور، لأن الحج فات، وهذا بدل الحج، فهو كقضاء الصلاة على الفور إذا فاتته الصلاة بغير عذر، فعلى هذا لو امتنع يستأجر الحاكم من ماله من يحج عنه.
فرع آخر
قال أبو إسحاق: [28/ب] إذا أخر قضاء الصلوات حتى مات قبل قضائها يصير عاصياً، لأن آخر وقت القضاء غير معلوم، كآخر وقت الحج غير معلوم، كآخر وقت الحج غير معلوم، وإنما يجوز له أن يؤخرها بشرط أن لا تفوته، ولو أخر الصلاة عن أول وقتها إلى آخره، فمات قبل أن يصلي لا يصير عاصياً، لأن آخر وقتها معلوم، فلا يراعي فيه شرط السلامة عند الإذن بتأخيرها إليه، وهو كالحد الذي هو مقدر الطرفين إذا أدى إلى التلف لا يوجب الضمان بخلاف التعزيز المؤدي إلى التلف فإنه يوجب الضمان.
باب وقت الحج والعمرة
مسألة 1: قال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197].
قال: وأشهر الحج شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة.
القصد من هذا الباب بيان معرفة وقت جواز أفعال الحج والعمرة من السنة، فلا خوف أن وقت أفعال الحج سوى
الإحرام إنما هو أشهر الحج التي ذكرها الله تعالى في قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197]، وتفسير هذه الأشهر ما ذكره الشافعي بعد الآنية، وأشهر الحج: شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة، وهو يوم عرفة يعني: والتاسع هو يوم عرفة، وفيه معظم الحج، كما قال صلى الله عليه وسلم: "الحج عرفة" 1 يعني الوقوف بعرفة يوم عرفة، ويكون عشر ليالي من ذي الحجة، فإذا طلع الفجر ليلة النحر خرجت أشهر الحج.
وروي هذا ابن الزبير 2 وابن مسعود 3 رضي الله عنهما، وهو مذهب أبي يوسف.
وقال أبو حنيفة: الحج: شوال [29/ أ] وذو القعدة وعشرة أيام من ذي الحجة، فأدخلوا يوم النحر فيه.
وبه قال أحمد، وقال مالك: أشهر الحج: شوال وذو القعدة وذو الحجة، وقيل: نص عليه الشافعي كتاب "الإملاء"، وعن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما روايتان:
أحدهما: مثل قولنا.
والثانية: مثل قول مالك، وقال بعض أصحاب أبي حنيفة: روي نحو قولنا عن أبن مسعود وابن عمر وابن عباس وابن الزبير، ولا يتعلق بهذا الاختلاف حكم، والدليل على ما ذكرنا قوله تعالى: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ﴾ [البقرة: 197]، فلا يخلو، أما إن أراد به الإحرام، أو الأفعال، وكلاهما لا يختص بثلاثة أشهر، ولأن الرفث وهو الجماع، يحل يوم النحر، وفي باقي الأيام من ذي الحجة، فدل أنها ليست من أشهر الحج، ولأن بعد يوم النحر وقت لو اعتمر فيه مضافاً إلى حجة من سنته لا يلزمه دم، فلا يكون من أشهر الحج كشهر رمضان.
واحتج مالك بأن الله تعالى ذكر الأشهر بلفظ الجمع، وأقله ثلاثة، قلنا: قد يعبر عن الاثنين وبعض الثالث بلفظ الجمع، كما قال تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228]، وأراد به الأطهار عندنا، وعنده، وهي طهران وبعض الثالث، كذلك ههنا، فإن قيل: ما معنى قوله: وتسع من ذي الحجة؟ أيريد بالتسع تسع ليال أو يريد الأيام؟ فإن أراد الليالي، فهي عشر، وإن أراد الأيام، ففيه خلل من وجهين.
أحدهما: أن العبادة عن الأيام بإثبات الهاء لا بحذفها إذا العرب تقول: تسعة أيام وتسع ليال.
والثاني: أن وقت الحج لا ينقضي بانقضاء اليوم التاسع، بل يبقى، وفيه الليلة العاشرة حتى يطلع فجرها.
قلنا: االمراد [29/ ب] بقوله: وتسع من ذي الحجة إلى تسع ليال، والعرب إذا أطلقت حساب الليالي إنما تريد الليالي بأيامها لقوله تعالى ﴿ووَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: 142]، أي: بعشر ليال مع أيامها، فدخل يوم عرفة تحت قوله: وتسع ذي الحجة وبقيت ليلة النحر غير داخلة تحت هذه العبادة، فألحقها
به، فقال: "فمن لم يدركه إلى الفجر من يوم النحر، فقد فاته الحج" ولا فرق بين الاقتصار على ذكر التسع، ثم إلحاق الليلة العاشرة بها، وبين ذكر العشر ثم استثناء اليوم العاشر منها إذ لو قال: وعشر من ذي الحجة لدخل يوم النحر تحت الجملة، ولاحتاج إلى الاستثناء يوم النحر لأنه ليس من وقت الحج، وإنما هو وقت بقايا مناسكه.
فإن قيل: إذا دخل يوم عرفة تحت قوله: وتسع من ذي الحجة، فما معنى قوله بعده: وهو يوم عرفة، وهل هذا إلا إعادة الكلام المستغني عن إعادته؟ قلنا: مقصوده بإعادة هذه اللفظة تخصيص يوم عرفة بوقوع الحج فيه لأن الأيام التي قبله وقت الإحرام، وليست بوقت الوقوف فإذا دخل يوم عرفة دخل وقت الوقوف، وقيل: إنما أفردها لأن الإحرام يستحب قبلها ليبقى من النهار بعد إحرامه ما يقف فيه، أو أفردها لتعلق الفوات بها.
مسألة: قال 1: ولا يجوز لأحد أن يهل بالحج قبل أشهر الحج.
فإن أحرم به قبلها انعقد بالعمرة، ولا ينعقد بالحج كما لو أحرم بالظهر قبل وقتها ينعقد نافلة.
وبه قال ابن عباس 2 وجابر 3 والأوزاعي وأحمد وإسحاق، وقال أبو حنيفة ومالك والثوري: ينعقد بالحج، ولكنه يكره، وبه قال أحمد، واحتجوا بقوله تعالى [3/أ]: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والْحَجِّ﴾ [البقرة: 189]، فجعل جميع السنة للحج، وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197]، وتقديره وقت الحج، أو أشهر الحج، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، فلو كان جميع السنة، وقتاً له، ما كانت للمعلومات فائدة تظهر.
واحتج الشافعي بعد هذا بقول جابر وذلك أنه سئل: أيهل بالحج قبل أشهر الحج؟ فقال: لا، وأستأنس بقول عطاء لمن أحرم بالحج قبل أشهره: أجعلها عمرة 4، أي: ائت بأعمال العمرة، فإن إحرامك انعقد بها، وأما الآنية التي ذكروها دليلنا لأنها تقتضي أن يكون بعض للناس، وبعضها للحج، أو نحملها على هذا بدليل ما ذكرنا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا أحرم بالحج قبل أشهره لا ينعقد عمرة، لأن الشافعي يتحلل بعمل عمرة فحصل قولان:
أحدهما: ينعقد عمرة حتى لو كانت عليه عمرة الإسلام تسقط بهذه العمرة.
والثاني: لا تنعقد عمرة بل هو إحرام لا يصلح لحج، ولا لعمرة لأنه يصح حجاً، ولم ينو العمر فيتحلل بعمل العمرة من الطواف، والسعي والخلاف كمن فاته ولا يحتسب له، ومن أصحابنا من ذكر قولاً ثالثاً أنه انعقد في الجملة، فإن شاء صرفه إلى العمرة، ويصح العمرة عن عمرة الإسلام، وإلا فلا يصح، ومن أصحابنا من قال: لا تجزئ عن عمرة الإسلام قولاً واحداً، وحيث قال: تجزئ صورته أنه أطلق الإحرام، ولم يعين حجاً، ولا عمرة فيصرف إلى ما يصلح الوقت له، وهو العمرة والمشهور الأول، وهو المذهب.
وقال داود: يبطل إحرامه، ولا ينعقد بواحد منها.
فرع
لو أحرم [30/ب] بالحج ليلة النحر، ووقف بعرفة، هل يكون مدركاً للحج، وجهان:
أحدهما: يكون مدركاً، لأن كل زمان كان صالحاً للوقوف كان صالحاً لإنشاء الإحرام بالحج فيه كيوم عرفة.
والثاني: لا يكون مدركاً، لأن ليلة النحر كالتبع ليوم عرفة في رخصة الإدراك وتوسعة الأمر، فما لم يحصل إحرامه قبل هذه الليلة لم يدرك الحج بالوقوف فيها.
ذكره أصحابنا بخراسان، قالوا: ومعنى الوجهين أن ليلة النحر هل تعد من أشهر الحج أم لا؟
مسألة: وقال 1: ووقت العمرة متى شاء.
وقت العمرة ليس بمحصور كوقت الحج بل هي في جميع السنة جائزة متى شاء اعتمر وتستحب له أن يكثر منها، ولا يكره فعلها في شيء من أوقات السنة.
وبه قال أحمد.
وحكي عن مالك أن يكره العمرة في أشهر الحج، وهي ثلاثة أشهر كوامل، وفائدة قوله: أشهر الخرم ثلاثة أشهر كوامل، هذا وحكي عنه أنه قال: لا يجوز فعل العمرة في السنة إلا مرة واحدة.
وبه قال سعيد بن جبير والنخعي وابن سيرين.
وحكى عن أبي حنيفة أنه قال: يكره في خمسة أيام: يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق.
وقال أبو يوسف: يكره في أربعة أيام: يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق، واحتجوا بقول عائشة: السنة كلها وقت العمرة، إلا خمسة أيان: يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق، وهذا غلط لأن كل وقت لا يكره في القرآن بين الحج والعمرة لا يكره فيه إفراد العمرة بالإحرام أًله قبل يوم عرفة، وأما [31/أ] خبر عائشة قلنا: ليس فيشيء من الأصول، وإن صح فحمله على أنه أراد إذا كان متلبساً بإحرام الحج، واحتج الشافعي على مالك فقال: "ومن قال لا يعتمر في السنة إلا مرة خالف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه أعمر عائشة في شهر واحد من سنة واحدة مرتين، وخالف فعل عائشة نفسها، وعلي، وابن عمر، وأنس رضي الله عنهم".
وأما السنة فما روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر في سنة واحدة عمرتين، أحديهما في شوال والثانية في ذي القعدة.
وكذلك أمر عائشة بالقرآن لما نفست بمكة، ثم لما فرغت من القرآن قال لها: "طوافك بالبيت يكفيك لحجك وعمرتك" فقالت: يا رسول الله، أكل نسائك ينصرفن بنسكين وأنا أنصرف بنسك واحد - ومعناه أنهن ينصرفن بعمل نسكين وأنا أنصرف بنسك واحد - فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر فأعمرها من التنعيم 2.
فهذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرتين يجمعها في سنة واحدة، إحديهما هي المقرونة بالحج، والثانية هي المفردة عن الحج.
وأما فعل عائشة نفسها فهو ما روي عن سعيد بن المسيب قال: اعتمرت عائشة في سنة واحدة مرتين، مرة من ذي الحليفة، ومرة من الجحفة 1.
وروى صدقة بن يسار، عن القاسم بن محمد، قال: اعتمرت عائشة في شهر واحد مرتين.
قال صدقة: قلت للقاسم: ولم يعب عليها (أحد) فقال: سبحان الله أم المؤمنين 2. أي أم المؤمنين تفعل ما يعاب.
وأما فعل على فهو ما [31/ب] روى سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: في كل شهر عمرة 3. ومثله لا يندب إلى خير إلا ويقصد بنفسه فعله إذا تمكن منه.
وأما فعل ابن عمر فهو ما روى موسى بن عقبة، عن نافع قال: اعتمر ابن عمر - رضي الله عنهما - أعواماً في إمارة ابن الزبير في كل سنة مرتين 4.
وروى: ابن عمر كان يعتمر في كل يوم من أيام بن الزبير.
ذكره في "الشامل" وذكر أيضاً عن على رضي الله عنه أنه كان يعتمر في كل يوم مرة.
وأما فعل أنس فهو ما روى سفيان، عن ابن أبي حسين، عن بعض أولاد أنس قال: كان أنس رضي الله عنه كلما حمم رأسه اعتمر 5. أي كان لا يحلق إلا في عمرة، ويروى بالجيم من الجمة، ويروي بالحاء من الحمة.
والدليل على أنه لا يكره في شيء من السنة، ما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "العمرة إلى العمرة تكفر ما بينهما، والحج المبرر ليس له جزاء إلا الجنة" 6. والمبرور: الذي لا يخالفه إثم.
وروى البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر في ذي القعدة.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: والله ما أعمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة في ذي الحجة ألا ليقطع بذلك أمر أهل الشرك، فإن هذا الحي من قريش كانوا يقولون: إذا عفا الوبر وبر الدبر ودخل صفر فقد حلت العمرة لمن اعتمر 7. وقوله: "عفا الوبر": أي كثر وكانوا لا يعتمرون في الأشهر الحرم حتى تنسلخ.
وقالت أم معقل: يا رسول الله، أني امرأة قد كبرت وسقمت، فهل من عمل يجزي عني من حجتي؟ فقال: عمرة [32/أ] في رمضان تجزي حجة" (1). وروي: "تعدل حجة".
باب وجوب العمرة
مسألة 2: قال الله تعالى: ﴿وأَتِمُّوا الحَجَّ والْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196].
اختلف قول الشافعي في وجوب العمرة، قال في "الأم" ونقل المزني أنها واجبة، وهو المشهور والصحيح، فإذا وجد الزاد، والراحلة، فقد لزمه الحج والعمرة لأن الاستطاعة الواحدة تمكن أداء كليهما.
وبه قال عمر وابن عمر وابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء وطاوس ومجاهد وسعيد بن المسيب والثوري وأحمد وإسحاق، وقال في "القديم" و"أحكام القرآن من الجديد" ليست بواجبة بل هي سنة لا أخرص في تركها لمن قدر.
وبه قال ابن مسعود والشعبي ومالك وأبو حنيفة، واحتجوا بما روى أبو صالح الحنفي أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "الحج جهاد والعمر تطوع" 3، وروى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن العمرة: أواجبة؟، قال: لا، وإن تعتمروا فهو أفضل" 4 أورده أبو عيسى.
وروى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال" دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة" 5 يعني فرضها ساقط بالحج وهذا غلط لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "الحج والعمرة فريضتان واجبتان" 6، وروى عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال "تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد" 7، واحتج الشافعي على وجوبها بقوله تعالى: ﴿وأَتِمُّوا الحَجَّ والْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]، فقرن العمرة به، فكانت [32/ب] واجبة للقرآن بينهما في الأمر بهما، ولهذا احتج أبو بكر الصديق رضي الله عنه باقتران الصلاة والزكاة في القرآن على اقترانهما في الافتراض واستحقاق القتال بالامتناع منهما، ثم قال 8: واعتمر النبي صلى الله عليه وسلم قبل الحج، وأراد لو لم تكن واجبة لكان الأشبه أن يبادر إلى الحج الذي هو واجب.
ثم قال 9: ومع ذلك قول ابن عباس: والذي نفسي بيده، إنها لقرينته في كتاب الله أي أن العمرة لقرينة الحج1
في الأمر بهما في كتاب الله تعالى، وهو فيما ذكرنا من الآية.
ثم استأنس بقول عطاء غيره، فقال (1): وعن عطاء أنه قال: ليس أحد من خلق الله ألا وعليه حج وعمرة واجبتان، ثم قال: وقال غيره من مكيينا أي: من فقهاء المكين غير عطاء، ثم قال (2): وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني شرع وأوجب في قرن العمرة مع الحج هدياً، فلو كانت نافلة لكان الأشبه أن لا تقترن مع الحج كأنه يقول: إنما أوجب النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن هدياً جبراً، ولو كانت العمرة نافلة لكان الأشبه أن لا يدخل النقص بشببها حتى يحتاج إلى جبره بالهدي.
وفي هذا الاحتجاج ضعف لأن الفارغ من عمرة الإسلام لو أراد القرآن بشرط الدم يباح له، وإن كانت العمرة نفلاً في حقه.
ثم قال (3): وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة"، كأنه ذهب إلى أن المراد به دخل وجوب العمرة في وجوب الحج أبداً فهما واجبان.
وقيل: معناه دخلت أعمال حتى يجوز للقارن طواف واحد لهما، وقيل: [33/أ] معناه دخل في وقت الحج وشهوره رداً على أهل الجاهلية، فإنهم كانوا لا يعتمرون في أشهر الحج.
ثم قال (4): وروى أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم: أن العمرة هي الحج الأصغر، وكأن وجه استدلاله منه أنه لما سماها حجاً دخل وجوبها تحت قوله تعالى: ﴿ولِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [البقرة: 97]، وأما خبرهم الأول رواه أبو صالح الحنفي، ولم يلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو مرسل، ثم أراد أن الحج يشق كالجهاد والعمرة تسهل فتتطوع بها النفس، وأما الخبر الثاني يحتمل أنه أراد به العمرة الثانية، وفي هذا التأويل نظر، ويحتمل أنه كان في الأول، ثم أوجب من بعده.
باب ما يجزئ من العمرة إذا جمعت إلى غيرها
مسألة: قال 5: يجزئه أن يقرن العمرة مع الحج.
إذا أراد الرجل تحصيل النسكين معاً: الحج والعمرة، فهو بالخيار بين ثلاثة أشياء: القران، والإفراد والتمتع، فالإفراد أن يقدم الحج، فإذا فرغ منه اعتمر.
وأما التمتع، فهو أن يقدم العمرة، فيأتي بها في أشهر الحج، فإذا فرغ منها أحرم بالحج من سنته.
وأما القران فمن وجهين:
أحدهما: أن يحرم بالحج والعمرة ويلبي بهما.
والثاني: أن يحرم بالعمرة، ثم يدخل الحج عليها حجاً فيصير قارناً، لما روى عن عائشة قالت: كنت ممن أخرم بعمرة، فلما دخلت مكة حضت، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي، فقال: "ما لك، أنفست"؟ أي حضت، قلت: نعم، قال: "ذلك شيء كتبه الله تعالى على بنات آدم، فاغتسلي وامتشطي [33/ب] وارفضي عمرتك1234
وأهلي بالحج"، ففعلت ذلك، فلما كان يوم النحر قال لي: طوافك بالبيت يكفيك لحجك وعمرتك 1، فصارت مدخلة بالحج على العمرة وصارت قارنة.
وروت عائشة، قالت: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج وعمرة ومنا من أهل بحج"، وهذا هو التمتع والقران والإفراد.
فرع
يجوز إدخال الحج على العمرة قولاً واحداً لخبر عائشة الذي ذكرنا، فإن قيل: قال لها: "ارفضي عمرتك وأهلي بالحج"، فما معناه، قلنا: أراد به: ارفضي أفعال عمرتك، فإن الحيض يمنعها من الطواف دون الإحرام بذلك أنه قال لها: طوافك بالبيت وسعيك بين الصفا والمرة يكفيك لحجك وعمرتك.
فرع آخر
إذا أحرم أولاً ثم أدخل عليه بالعمرة، هل يجوز؟ فيه قولان:
أحدهما: يجوز قاله في "القديم"، ويصير قارناً.
وبه قال أبو حنيفة لأنه أحد النسكين فجاز إدخال الآخر عليه كالعمرة.
والثاني: قاله في "الأم" و"الإملاء": لا يجوز وبه قال أحمد.
ولا يجوز هذا الإحرام بالعمرة، وهو الأصح لأن الحج أكد من العمرة فيجوز إدخال القوي على الضعيف، ولا يجوز إدخال الضعيف على القوي ذلك اليمين يطرأ على ملك النكاح، فيرفعه وملك النكاح لا يطرأ على ملك اليمين، فيرفعه، ولأنه لا يفيد إدخال العمرة على الحج شيئاً لأن الأفعال قد بقيت عليه بإحرام الحج، فلا يفيد إدخال العمرة إلا إسقاط فرضها خاصة، فلم يجز، وإذا أدخل الحج على العمرة يتعلق به واجبات ليست في العمرة، ويتعلق به إدخال أفعال العمرة [34/أ] في الحج فجاز.
فرع آخر
وقت إدخال الحج على العمرة ما لم يطف بالبيت، فإذا ابتدأ الطواف لا يجوز ذلك.
نص عليه الشافعي، واختلف أصحابنا في تقليد ذلك، فمنهم من قال: لا يجوز، لأنه أتى بمعظم العبادة، فإن الطواف معظم العمرة.
ومنهم ن قال: لا يجوز، لأنه شرع في التحلل من العمرة لأن الطواف يتحلل من العمرة، فلا يكون عقدها تاماً.
فرع آخر
إذا جوزنا إدخال العمرة على الحج، فأي وقت يجوز؟ مبني على اختلاف التعليلين في المسألة السابقة، فإذا قلنا بالعلة الأولى، يجوز إدخال العمرة على الحج ما لم يقف بعرفة، فإذا وقف لا يجوز لأنه تلبس بمعظم الحج، وإذا قلنا بالعلة الثانية يجوز ذلك ما لم يطف، أو يرم لأن التحلل به يكون.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: في
وقت إدخال العمرة ثلاثة أوجه:
أحدهما: ما لم يأت بشيء من الأعمال فرضا، أو نقلاً حتى لو أتى بطواف القدم أو بشيء منه لم يجز ذلك.
والثاني: ما لم يأت بفرض حتى إن وقف أو سعي عقيب طواف القدوم لم يجز ذلك، لأن حكم السعي بعد طواف القدوم أن يحتسب به عن فرضه يوم النحر.
والثالث: لم يأخذ في أعمال التحلل والاعتماد على ما سبق.
فرع آخر
إذا قلنا: لا يجوز إدخال العمرة على الحج، فإذا شرع في طواف الحج لا يجوز أن يعتمر، وكذلك ما دام بقى عليه شيء من أفعال الحج لا يجوز أن يعتمر، فأما يوم النحر لا يجوز أن يعتمر لأن عليه طوافاً، وحلقاً وغير ذلك، وفي اليوم الأول من أيام التشريق لا يجوز أيضاً، لأنه فيه رمياً، وفي اليوم الثاني يكون النفر الأول، [34/ب] فإن أراد أن ينفر فيه يرمي في هذا اليوم بعد الزوال ثم ينفر وقد فرغ من أفعال الحج، فيجوز أن يعتمر، ولا يجوز أن يعتمر قبل النفر لأن الاعتبار بفعل النفر لا بنية النفر، وإن أراد أن ينفر في النفر الثاني يحتاج إلى أن يقيم إلى اليوم الثالث من أيام التشريق، ثم يرمي بعد الزوال، ثم يعتمر بعده، وإن لم ينفر، وإن أراد أن ينفر في النفر الأول، فرمى بعد الزوال في ذلك اليوم، ثم لم ينفر وأقام حتى غربت الشمس لم يجز النفر بعد ذلك، بل يحتاج إلى أن يصير إلى أن يرمي في اليوم الثاني ثم ينفر بعد ذلك.
فرع آخر
قال صاحب "الإفصاح": إذا أحرم بعمرة، ثم أفسدها بالوطء، ثم أدخل عليها حجاً فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز وهو اختيار ابن أبي أحمد، وهو الأصح لأن الأصل فيها الإفراد، ثم وردت الرخصة في إدخال الحج على عمرة سليمة وحدها، ولأن هذا الحج لا يجوز أن ينعقد فاسداً، لأنه لم يطرأ عليه ما يفسده، ولا يجوز أن ينعقد صحيحاً ويقارنه عمرة فاسدة، فلا وجه إلا الإبطال.
والثاني: يجوز.
وبه قال ابن الحداد، لأن العمرة الفاسدة كالصحيحة في وجوب الإتمام، فكذلك في جواز القران، فعلى هذا لا يكونان فاسدين، فيلزمه قضاءهما.
وقال بعض أصحابنا: يلزمه قضاء العمرة وفي قضاء الحج وجهان:
أحدهما: لا قضاء عليه لسلامة الحج من الوطء.
والثاني: عليه القضاء لأن الشرع قدر إدخال الحج على العمرة كالإحرام بهما، فصار كالواطئ فيهما.
مسألة: قال 1: ويهريق دماً.
لا يجب الدم على المفرد [35/أ] بالإجماع، ولكن يستحب له.
وقال بعض أصحابنا: يستحب له سوقه مع نفسه إلى مكة، لأن أهل مكة إذا رأوا متمتعاً، أو قارناً، فرحوا به لعلمهم بأنه يذبح الهدى، وإذا رأوا مفرداً لم يفرحوا به، لأنه لا دم عليه، فإذا ساق الهدى مع نفسه أدخل السرور، وأما المتمتع، فيجب عليه الدم لقوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] وأما القارن فيجب عليه الدم، وقال داود: لا يلزمه الدم.
وروي ذلك عن طاوس، وقال الشعبي: يلزم القارن بدنة، وحكام بعض أصحابنا عن مالك، وهو غلط والدليل على بطلان قول داود قوله صلى الله عليه وسلم: "من قرن بين حج وعمرة فليهرق دماً" 1، وروي مثله عن ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهما، ولأنه إذا وجب الدم على المتمتع، لأنه جمع بين النكسين في وقت أحدهما، فلأن يجب على القارن، وقد جمع بينهما في الإحرام أولاً.
وحكي ابن المنذر: أن ابن داود لما دخل مكة سئل عن القارن: هل يلزمه الدم؟ قال: لا، فجزوا برجله، وهذا لشهرة هذا الأمر بينهم.
وأما قول الشافعي 2: "والقارن أخف حالاً من المتمتع" يحتمل أن يكون مراده تداخل الأعمال، فكأنه قال: إذا قرن بينهما كانت المشقة عليه أقل منها على المتمتع، وقد أوجبنا على المتمتع بالدم بالنص، فلأن يجب على القارن أولى، فيكون دليلاً على داود.
وقيل: بين بهذا الاقتصار على جواز الشاة، وسقوط البدنة عنه، فكأنه قال: إذا لم يلزم البدنة على المتمتع مع استمتاعه بمحظورات النسكين بين العمرة [35/ب] والحج، فالقارن الذي لا يستمتع حتى يفرغ منهما أخف حالاً أولى أن لا يلزمه البدنة، ويكفيه دم شاة، فيكون دليلاً على الشعبي.
وهذا الذي نقله المزني ضرب من الترجيح، وإنما يحسن الترجيح بعد تقدم القياس الجامع، ولا عيب في ذلك على الشافعي، لأنه فرع من القياس، ثم اشتغل بالترجيح (3)، فقال: ويجزئه أن يقرن ويهريق دماً قياساً على قوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ﴾ [البقرة: 196] الآية، والقارن أخف حالاً من المتمتع، ثم بين الشافعي كيفية مشابهتهما، فقال (4): المتمتع وصل الحج بالعمرة، فسقط عنه ميقات أحدهما، فلا يكون القارن أكثر من المتمتع فيما يجب عليه من الهدي، ففي أول المسألة إثبات الدم رداً على أصحاب الظاهر وفي آخر المسألة دليل صفة الدم رداً على من أوجب البدنة.
والدليل على بطلان قولهما أيضاً ما روى عن عائشة رضي الله عنها، قالت: أهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أزواجه بقرة، وكن قارنات 3 فدل على وجوب الدم، وأن البدنة لا تجب.
مسألة: قال 4: وإن اعتمر قبل الحج، ثم أقام بمكة حتى ينشئ الحج أنشأه من مكة.
الفصل
القصد به ذكر صورة التمتع وبيان الميقات الذي يحرم منه المتمتع، فيلزمه الإحرام بالعمرة من ميقات بلده، والقارن يحرم بالحج والعمرة من ميقات بلده، والمفرد يحرم بالحج من ميقات بلده لأن ابن عباس رضي الله عنهما، روى "أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت المواقيت، ثم قال: هذه المواقيت لأهلها ولمن أتى عليها من غير أهلها [36/أ] ممن أراد حجاً أو عمرة" 1، فإذا أحرم المتمتع بالعمرة من ميقات بلده ثم دخل مكة وطاف وسعى وحلق وفرغ من عمرته، ثم يحرم بالحج إذا أراد من جوف مكة، ولا يلزمه الرجوع إلى الميقات، ولا إلى الخروج إلى الحل، فإن لم يحرم من جوف مكة، وخرج منها، وأحرم بالحج، فإن رجع إلى مكة محرماً، فلا دم عليه كما إذا جاوز الميقات، وأحرم دونه، ورجع إليه محرماً لم يلزمه الدم، وإذا خرج إلى عرفة، ولم يرجع إلى مكة نظر في موضع إحرامه، فإن كان في الحل أحرم لزمه قولاً واحداً، وإن كان أحرم في الحرم خارج البنيان.
اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: لا دم عليه لأن ما لا يتعين موضعه في بنيان مكة يشرك فيه جميع بقاع الحرم أصله ذبح الهدى، ومنهم من قال: عليه الدم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بعد الفراغ من العمرة بالإحرام بالحج من بنيان مكة، وهو كمن ترك عمارة ذي الحليفة أو الجحفة، والأول أفيس.
وقال بعض أصحابنا: فيه قولان، والصحيح لزوم الدم.
فرع
قال بعض أصحابنا بخراسان: في موضع استحباب إحرام الحج في المتمتع قولان:
أحدهما: الأفضل أن يطوف بالبيت سبعاً ويصلي ركعتين ثم يحرم.
والثاني: الأفضل أن يحرم من جوف منزله بمكة، ويخرج فيطوف بالبيت محرماً، ويصلي ركعتين الطواف، ثم يقصد عرفة.
فرع آخر
قال في "الإملاء": يستحب للمتمتع أن يحرم بالحج يوم التروية مكياً، كان أو غريباً، ويخرج بعد الزوال متوجهاً إلى منى من المسجد.
وحكي عن مالك: يستحب [36/ب] عند إهلال ذي الحجة لقول عمر رضي الله عنه لأهل مكة أهلوا بالحج إذا أخل ذو الحجة.
وهذا غلط لما روى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا توجهتم إلى منى فأهلوا بالحج" 2، قال أصحابنا: هذا إذا كان واجداً للهدى، وإن كان عادماً يستحب له الإحرام بالحج في اليوم الخامس، أو السادس من ذي الحجة ليصوم اليوم السادس والسابع والثامن بدلاً من الدم، ويفطر يوم عرفة.
مسألة: قال 1: ولو أفرد الحج وأراد العمرة بعد الحج خرج من الحرم ثم أخل من أين شاء.
إذا كان مفرداً، فقدم الحج، وفرغ منه، ثم أراد أن يحرم بالعمرة، فإنه يخرج إلى الحل، ويحرم منه، ولا يلزمه أن يرجع إلى الميقات الذي أحرم بالحج منه لأنه إذا دخل مكة، فقد صار ميقاته ميقات أهلها، وهذا لأن عائشة رضي الله عنها لما أرادت أن تعتمر بعد التحلل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أخاها عبد الرحمن أن يعمرها من التنعيم وهو من الحل.
فإذا تقرر هذا، فمتى خرج من الحرم، وانفصل منه، وأحرم في بادئ الحل صح إحرامه، ثم يدخل مكة، ويطوف ويسعى ويحلق، وقد تحلل من العمرة بذلك، ولا يلزمه الخروج إلى مسجد عائشة، ولا إلى غيره من المساجد، إنما ذلك استحباب لا واجب، ولا فرق بين المكي في ذلك وبين الغريب الذي ورد محرماً بحج وبين من يريد العمرة في مكة ابتداء، فإن خالف، وأحرم بها من جوف مكة فإنه ينعقد إحرامه بها، فإن خرج إلى الحل على ما هو عليه قبل الطواف، ثم عاد [37/أ] وأكملها، فلا شيء عليه، وقد زاد خيراً، وإن لم يخرج بل طاف وسعى وحلق.
نص في "الأم" 2 على قولين:
أحدهما: عمرته صحيحة، وإنما أخل بالإحرام بها من الميقات، فعليه لتركه دم، وهو الصحيح، وبه قال أبو حنيفة.
والثاني: لا تجزئه عمرته لأنه نسك فكان من شرطها الجمع بين الحل والحرم، كما قلنا في الحج.
فعلى هذا لما حلق، حلق فبل وقته، فعليه دم، وإن وطئ بعد الحلق معتقداً أنه قد فرغ منها، فهو وطء من جاهل أنه محرم هل يفسدها؟ قولان، فإذا قلنا: لا يفسدها كان وجود الوطء وعدمه سواء، فيخرج إلى الحل على ما هو عليه، ثم يعود فيكملها.
وإذا قلنا: أفسدها، فعليه المضي في فاسدها، وهو أن يخرج إلى الحل على صورته، ثم يعود فيكملها، وعليه بدنه لأجل الفساد، وعليه القضاء، وإذا قضاها نظر في التي أفسدها فإن كانت عمرة الإسلام جاز هذا القضاء عنها، وإن كانت غيرها أجزأ عن التي أفسدها فإذا تقرر هذا هذا، قال الشافعي 3 ههنا: فسقط عنه بإحرامه بالحج من الميقات أي: وسقط عنه الإحرام من الميقات بإحرامه الأول بالحج منه، فلا يلزمه العود إليه بالعمرة.
وفي بعض النسخ: وسقط عنه بإحرامه بالحج من الميقات، وهو الأصح، وزاد في "الإيضاح"، فقال (4): فأحرم بها أي: بالعمرة بعد الحج من أقرب المواضع من ميقاتها، ولا ميقات لها دون الحل كما يسقط ميقات الحج إذا قدم العمرة قبله لدخول أحدهما في الآخر في سفر واحد، فإن قيل: أليس قلتم في المتمتع: يحرم بالحج من جوف مكة، وفي المنفرد قلتم: يحرم بالعمرة من الحل لا من جوف مكة، ما الفرق؟ قلنا: [37/ب] الفرق أنه لابد للحاج من الخروج إلى الحل للوقوف، فإذا أحرم به في الحرم يصير جامعاً بين الحل والحرم في النسك بكل حال، والمعتمر يأتي
بالأفعال كلها في الحرم، فإذا أحرم بها في الحرم لا يصير جامعاً بين الحل والحرم في النسك، فلهذا، لا يجوز لنا إلا أن نخرج إلى الحل، ولأن النبي صلى الله عليه وسلن فسخ على أصحابه الحج إلى العمرة ثم أمرهم بعد الفراغ منها أن يحرموا بالحج من جوف مكة.
فرع
لو مر بالميقات وهو يريد الحج والعمرة ثم أحرم بالحج، ثم اعتمر من أقرب الحل جاز كما لو لم يرد إلا الحج وحده جاز.
وقال أبو حنيفة: إذا أرادهما، ثم أحرم بالحج وحده، فعليه أن يرجه لإحرام العمرة إلى الميقات، فإن لم يفعل فعليه دم ترك الميقات فيحتج عليه بضده، وهو أن المريد المتمتع مريد للحج والعمرة، ثم لا يحرم إلا بالعمرة، ولا يلزمه دم إلا شاة، فكذلك ههنا، وهذا لأنه يكفيه قضاء حق الميقات بنسك واحد، وإن كان مزيداً لها.
مسألة: قال (1): وأحب إلى أن يعتمر من الجعرانة.
الفصل
القصد بين بيان الموضع الذي يستحب له أن يحرم بالعمرة منه إذا قدم الحج عليها، فكل من أراد العمرة ممن هو من مكة، أو من غيرها ممن دخلها حاجاً، وأراد الاعتمار، فالمستحب أن يحرم بها من الجعرانة، فإنه أبعد الحل من الحرم، ومنها اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن فاتته فمن التنعيم، وهو أدنى الحل من الحرم لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعمر عائشة منها على ما ذكرنا قال: وهي أقرب الحل إلى البيت، [38/أ] الحرام، وفيه اليوم مسجد عائشة، ومنه يعتمر الناس اليوم لخفة المسافة، فإن لم يتفق له ذلك، فمن الحديبية، لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بها، وأراد المدخل بعمرته منها، يريد به عام صده المشركون عن مكة، فقد قدم الشافعي في الاستحباب فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ما أمره، ثم ما أراد أن يفعله فمنع منه، ولم يعتبر المسافة لأن التنعيم على فرسخ من مكة والجعرانة والحديبية على ستة فراسخ منها، وهذا مثل ما قال الشافعي في الاستسقاء في تقليب الرداء أحب أن أفعل ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم من تحول الرداء، وما أراد أن يفعله فيقلب عليه من التنكيس، فإن قيل: أليس قلتم في الاستقساء: يقدم ما يتم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما فعل؟ كذلك ههنا وجب أن تقدموا ما يتم من الإحرام بالحديبية على غيره، قلنا: لأن ما يتم به يشتمل على فعل هناك، فإن التنكيس يشتمل على التحويل، والعمرة من الحديبية لا يشتمل على العمرة من الجعرانة، فما فعل أولى مما يتم، والله أعلم.
باب الاختيار في إفراد الحج
مسألة: قال 2: وأحب إلى أن يفرد.
الفضل
القصد من هذا الباب أن يبين ما هو المختار من الثلاثة التي يؤدي بها الحج1
والعمرة.
وهي مسألة خلافية فعندنا القران هو المؤخر والإفراد، والتمتع أفضل منه، وأيهما أفضل؟ فيه قولان:
أحدهما: الإفراد أفضل، وهو المشهور من مذهبه.
وبه قال مالك.
والثاني: التمتع أفضل.
نص عليه في "القديم"، [38/ب] وفي اختلاف العراقيين و"مختصر الحج الصغير".
وبه قال أحمد وأصحاب الحديث.
وقال أبو حنيفة والثوري: القران أفضل، وهو اختيار المزني وأبي إسحاق المروزي.
وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه قال: القرآن أفضل، ثم الإفراد، ثم التمتع.
وقال أبو يوسف ومحمد: التمتع أفضل ثم القران ثم الإفراد.
وعندنا الإفراد الذي هو أفضل أن يحرم بالحج مفرداً، ثم يأتي عقيبة بعمرة في عامة، فأما إن أراد تأخير العمرة عن حجة، فالقران والتمتع أفضل منه لما يحوزه من فضل المبادرة وأن تأخير العمرة عن الحج مكروه، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "تابعوا بين الحج والعمر" الخبر، والكلام في هذه المسألة في ثلاثة فصول:
أحدها: في أن حج النبي صلى الله عليه وسلم على أي صفة كان.
والثاني: أن الإفراد أفضل، أو القران؟
والثالث: أن دم القران هل هو دم نسك أو دم حبر؟ وقد ذكرنا كلها في الخلاف، فإذا تقرر هذا رجعنا إلى بيان ما ذكر في "المختصر"، فإذا قال: في "مختصر الحج"، وأراد "المختصر الأوسط" دون "المختصر الصغير" 1، وأحب إلى أن يفرد لأن الثابت عندنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد.
فممن روى عنه الإفراد عائشة وابن عمر وجابر وغيرهم رضي الله عنهم، وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حج لم يجب عليه في حجة دم، وهذا أدل الدليل على أنه كان مفرداً لأن القارن والمتمتع يلتزمان الدم، ثم قال 2: في اختلاف الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم، [39/أ] قال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة" 3، وتمام هذا الخير ما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم حين خرج عام حجة الوداع أحرم إحراماً مبهماً لا يحج ولا بعمرة 4، وكان ينتظر القضاء في اختيار ما وضع الله تعالى له من الثلاثة التي ذكرناها، وكان قد ساق مع نفسه هدياً، فنزل عليه القضاء، وهو فيما بين الصفا والمروة، فأمر بالحج، وقال لأصحابه، وكانوا قد أحرموا بالحج: من لم يسق الهدي، فليجعلها عمرة، فقيل: يا رسول الله كيف نحل ولم تحل أنت؟ فقال: "أني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى يحل هديي".
وروى أنه صلى الله عليه وسلم قال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها
عمرة" أي: لو علمت من قبل أن التمتع الذي أمرتكم به، أفضل ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة"، أي للتمتع فهذا دليل على أن التمتع أفضل من الإفراد لأنه تمنى ذلك، فلولا أنه أفضل من غيره ما تمناه، وقيل: إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا لأنه تداخلهم شيء من تحللهم مع بقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم على إحرامه وودوا لو كانوا محرمين زمان إحرامه ومحلين زمان إحلاله، فأراد تطييب قلوبهم بهذا القول.
وأيضاً كانوا في الجاهلية يستنكرون العمرة في شوال وذي القعدة وذي الحجة يستعظمونها ويعدونها من أكبر الكبائر، وأفجر الفجور، فلما أمروا بخلاف عادتهم، وخلاف فعل الرسول صلى الله عليه وسلم شق عليهم، فقالوا: يا رسول الله أنروح إلى منى ومذاكيرنا تقطر [39/ب] منياً؟ أي: لقرب عهدنا بالجماع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا أي: أن سوق الهدى يمنعني عن مساعدتكم على العمرة، ولو عرفت في ابتداء الإحرام لما سقت الهدى ولجعلت إحرامي عمرة كما أمرتكم به، فهذا لم يكن لتمني التمتع، بل لهذا، فلا يدل ذلك على أن التمتع أفضل.
ثم أعلم أن مذهب أبي حنيفة وأحمد أن من ساق الهدي من المتمتعين لا يتحلل من عمرته، بل يطوف ويسعى، ثم يترك الحلق، ويقيم على إحرامه، ثم يحرم بالحج من جوف مكة، ثم يوم النحر من الحج والعمرة معاً، واحتج بهذا الخبر ذكرنا، لأن سوق الهدى منع رسول الله صلى الله عليه وسلم من التحلل، وعندما لا فرق بين أن يكون ساق أو لم يسق في أنه يتحلل بأعمال العمرة، وبه قال مالك.
والقصد من الخبر الذي ذكرنا أن من ساق لا يتمتع بل يحج حتى يبقى هدية متطوعاً به، فإنه لو تمتع احتاج إلى ذبحه عن متعته، ومن لم يسق الهدي لا تفوته فضيلة هدي التطوع، فلهذا فصل بينهما لا لما ذكره، والدليل على ما ذكرنا أن العمرة إحدى نسكي التمتع فسوق الهدى لا يمنع التحلل منه كالحج.
ثم قال الشافعي 1: ومن قال: إنه أفرد الحج يشبه أن يكون قاله على ما يعرف أهل العلم الذين أدرك دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: من الصحابة أن أحداً لا يكون مقيماً على حج، وإلا وقد ابتدأ إحرامه بحج وأحسب عروة حين حدث أن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم بحج ذهب إلى أنه سمع عائشة تقول: يفعل في حجه على هذا المعنى، فأول خبر من [40/أ] روى مطلقاً أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد الحج.
فإن قيل: أليس مال الشافعي إلى الإفراد، وفضله على غيره، فكيف استعمل في هذا الفصل بتضعيف رواية من روى الإفراد؟ وقال: لما كثر سماعه لذكر الحج المفرد استجاز أن يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان مفرداً، قلنا: إنما اشتغل الشافعي بالاعتراض على التمسك بأحاديث الإفراد لأن الذي ثبت عنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمل الإحرام في الابتداء، ثم فسره بحج مفرد في الانتهاء.
وهكذا روى جابر رضي الله عنه، وهو أحسن الصحابة سياقاً لحديث الحج من أوله إلى آخره، فلما رأى الشافعي عروة وغيره رووا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرم حين أحرم بحج اشتغل بتقديم رواية جابر على رواياتهم لا أنه ناقض هذا الفصل أول الباب في أخبار الإفراد وتفضيله على غيه وأكثر الغلط في الإخبار إنما