بحر المذهب للرويانيصفحات 227-266

وهكذا: لو شهدا أن المنفرد بالقتل كان رجلًا آخرًا، بطلت القسامة ولم يحكم بالقتل على الثاني لشهادتهما قبل الدعوى عليه، فإن أعادا الشهادة بعد الدعوى لم تسمع لأن المدعي مكذب لهما بدعواه على الأول، وإذ بطلت القسامة بهذه الشهادة انقسمت في إبطال الدعوى ثلاثة أقسام: أحدها: ما يبطل به الدعوى كما بطلت به القسامة وهو الشهادة بأنه كان غائبًا، أو محبوسًا، لاستحالتها مع صحة الشهادة.
والثاني: ما لا يبطل به الدعوى، وإن بطلت به القسامة، وهو الشهادة بأنه نقل من محلة إلى أخرى، لاحتمال أن يقتله في غير محلته.
والثالث: ما يبطل به نصف الدعوى وإن بطل به جميع القسامة، وهو الشهادة بأن المنفرد بقتله رجل آخر، لأن إثبات القتل على الثاني بالشهادة مانع من أن يكون الأول منفردًا بقتله، ولا يمنع من أن يكون شريكًا فيه لأنه يجوز أن يكون جرحه من قبل الثاني، فلم يره الشهود، فلم يمتنع أن يكون شريكًا، وإن امتنع أن يكون منفردًا لذلك بطل نصف الدعوى، ولم يبطل نصفها، فهذا حكم الشهادة في إبطال اللوث وإبطال الدعوى والله أعلم.
فصل: والثاني: أن يخبر بإبطال اللوث بالأسباب المتقدمة من لا يقبل شهادته، فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون أخبار آخاد يحتمل التواطئ، فلا تبطل بها القسامة والحكم فيها على نفوذه لأنه لما لم يثبت بهذا الخبر ابتداء اللوث، لم يبطل ما ثبت من اللوث.
والثاني: أن تكون أخبارًا منتشرة ينتفي عنها حد التواطئ ولا تبلغ حد الاستفاضة، فيبطل بها اللوث، وينقضي الحكم بالقسامة، لأنه لما ثبت بها ابتداء اللوث جاز أن يبطل بها ما تقدم من اللوث، ولم تبطل بها الدعوى في جميع الأسباب بخلاف الشهادة، لأن الشهادة توجب الحكم في الابتداء فجاز أن يبطل بها الدعوى، وهذا الخبر لا يوجب الحكم في الابتداء فلم تبطل به الدعوى، وصارت الدعوى متجردة عن لوث فكان القول فيهما قول المدعي عليه مع يمينه، وفي أيمانه قولان: على ما مضى: أحدهما: خمسين يمينًا.
والثاني: يمينًا واحدة، فإن حلف برئ وإن نكل ردت على المدعي، ولا يجزئه ما تقدم من أيمانه في القسامة لتقدمها على استحقاقها، فإما إن أقر رجل أنه هو القاتل دون هذا المدعي عليه لم تبطل به القسامة، لأنه ليس بشاهد، ولا يحكم عليه بالقتل لأنه أقر لغير مطالب، وفي سماع الدعوى عليه قولان: أحدهما: لا تسمع الدعوى عليه لإكذابهما بالدعوى على الأول، لكن يصير تجديد

الدعوى عليه مبطلًا للقسامة مع الأول.
والثاني: تسمع الدعوى على الثاني، لأن الدعوى في القسامة على الأول كانت بغلبة الظن، وإقرار الثاني يقين، فلم يسقط حكم اليقين بغلبة الظن، ولو أقر بالقتل وقامت البينة أنه كان وقت القتل غائبًا لم تسمع البينة، لأنه أكذبها بإقراره والله أعلم.
فصل: والثالث: أن يقر المدعي بعد قسامته بما يمنع منها وهو على ثلاثة أقسام: أحدها: ما يبطل به قسامته ودعواه وهو أن يقر بأنه كذب في دعواه، أو يقول قتل أبي غيره، أو يقر أنه كان غائبًا عند القتل في بلد آخر، كان محبوسًا، فيكون هذا وما أشبهه مبطلًا لقسامته ودعواه، فإن عاد فادعى قتل أبيه على غيره لم تسمع دعواه لتكذيبها بالدعوى الأولى.
والثاني: ما يبطل قسامته ولا يبطل دعواه - وهو أن يقر بأن المقتول نقل إلى محلته بعد القتل، فتبطل به قسامته لاعترافه ببطلان اللوث، ولا تبطل به الدعوى لاحتمال أن يكون قد قتله في غير محلته، فتصير الدعوى متجردة عن لوث، فيكون القول فيها قول المدعى عليه مع يمينه، فإن حلف برئ، وإن نكل ردت اليمين على المدعي واستأنف اليمين ولم يجزه بما تقدم من أيمان القسامة.
والثالث: ما يرجع فيه إلى إرادته، لاحتماله ويعمل فيه على بيانه، وهو أن يقر بأن ما أخذه بالقسامة ظلم أو حرام وهذا محتمل أن يريد به أن الحكم بالقسامة على رأي أهل العراق، ويحتمل أن يريد به أن الحكم بالدية القود ظلم على مذهب مالك حين أوجب القود بالقسامة ويحتمل أن يريد به أن دعوى اللوث كاذبة، ويحتمل أن يريد به أن دعوى القتل دعوى كاذبة، فلهذه الاحتمالات المتعارضة ما وجب أن يرجع إلى إرادته ويعمل فيه على بيانه وينقسم بيانه ثلاثة أقسام: أحدهما: ما لا تبطل به القسامة ولا الدعوى، وهو أن يريد أن الحكم بها ظلم على رأي أبي حنيفة، أو يقصد على مذهب مالك، فلا تبطل قسامته، ولا يسترد ما أخذه، لأن نفوذ الحكم يكون باجتهاد الحاكم لا باجتهاد المدعي لكن فيما بينه وبين الله تعالى أنه لا تحل له الدية، إذا اعتقد أنه لا يستحقها وإن لم تسترجع منه.
والثاني: ما تبطل به القسامة وتبطل به الدعوى، وهو أن يقر بالكذب فيها أو أن المدعي عليه كان غائبًا عن بلد القتيل، أو يدعي أن المنفرد بقتل أبيه غيره فتبطل قسامته ودعواه في هذا كله، ويصير المدعي عليه بريئًًا من الدعوى، وعليه رد ما أخذ منه بالقسامة، ولا تسمع دعواه على غيره لإكذابها بالدعوى الأولى، فتصير باطلة في عموم الناس كلهم ولا تسمع بينة فيه ويصير دم أبيه هدرًا.
والثالث: ما تبطل به القسامة ولا تبطل به الدعوى، وهو أن يقر أن قتيله قتل في

غير (محلة) هذا المدعي عليه فتبطل القسامة لبطلان اللوث فيها بإقراره ولا تبطل الدعوى لاحتمال أن يكون قد قتله في غير محلته، والقول فيما بينه بإرادته مما لا تبطل به القسامة، أو لا تبطل به الدعوى قوله مع يمينه وهي يمين واحدة، لأنها ليست في دم وإنما هي في شأن كلام محتمل والله أعلم.

باب كيف يمين مدعي الدم والمدعي عليه

مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وإذا وجبت لرجلٍ قسامةٌ حلف بالله الذي لا إله إلا هو عالم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور لقد قتل فلانٌ فلانًا منفردًا بقتله ما شاركه في قتله غيره وإن ادعى على آخر معه حلف لقتل فلانٍ وآخر معه فلانًا منفردًا بقتله ما شاركهما فيه غيرهما".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، وإذا كان من شرط الدعوى أن تكون مفسرة، ينتفي عنها الاحتمال وجب أن يكون اليمين عليها مطابقة لها في استيفاء شروطها ونفي الاحتمال.
وذلك بخمسة أشياء وهي شروط في كمال يمينه ووجوب الحكم بها، ذكر المزني منها أربعة وأغفل الخامس، وقد ذكره الشافعي، في كتاب الأم.
أحدها: صفة اليمين.
والثاني: تعيين القاتل.
والثالث: تعيين المقتول.
والرابع: ذكر الانفراد بقتل، أو الاشتراك فيه.
والخامس: وهو الذي أغفله المزني صفة القتل من عمد وخطأ.
فأما اليمين فلا تصح إلا بأحد ثلاثة أشياء: إما بالله تعالى أو باسم من أسمائه وإما بصفة من صفات ذاته، ولا تصح بصفات أفعاله لأنها مخلوقة، وصفات ذاته قديمة، واليمين بالمخلوقات لا تصح، وإن كانت معظمة فيمينه بالله تعالى أن يقول والله أو بالله، أو تالله فيضم إليه حرف القسم به وهو أحد ثلاثة حروف الواو - والباء - والتاء - ودخول حرف القسم عليه يقتضي أن يكون إعرابه مجرورًا فيقول: والله بالكسر فإن جعله مرفوعًا فقال: والله بالضم، أو جعله منصوبًا فقال: والله بالفتح.
قال الشافعي في كتاب "الأم": أجزأه لأنه لحن لا يزيل المعنى ولم يفرق، وفرق بعض أصحابه بين من كان من أهل العربية والإعراب في كلامه وبين من لم يكن منهم فجعلها ممن ليس من أهل العربية يمينًا، لأنهم لا يفرقون بين اللحن والإعراب،

ويتكلمون بهما على السواء.
ولم يجعلها فيمن كان من أهل العربية يمينًا لأنهم يفرقون بين اللحن والإعراب، ولا يتلفظون بالكلمة إلا على موضعها في اللغة، فلا يجعلون ما خرج عن إعراب القسم قسمًا.
فأما إن حذف حرف القسم من ذكر الله لم يكن على الظاهر من مذهب الشافعي يمينًا في عموم الناس كلهم سواء ذكر الاسم مرفوعًا أو مجرورًا أو منصوبًا وعلى قول من فرق بين أهل العربية وغيرهم من أصحابه فجعلها بالنصب في أهل العربية يمينًا لأنهم إذا حذفوا حرف الجر نصبوا فصار النصب عوضًا من حرف القسم فصارت فيهم يمينًا دون غيرهم فأما غير ذلك من أسماء الله تعالى فينقسم قسمين: أحدهما: ما كان على اختصاصه بأسماء الله التي لا يشاركه المخلوقون فيها كالرحمن فيمينه به كيمينه بالله.
والثاني: ما كان مشتركًا بين الله تعالى وعباده كالرحيم: فلا يصح يمينه بانفراده حتى يضاف إلى صفة لا يشاركه المخلوقون فيها.
وأما يمينه بصفات ذاته فكقوله وقدرة الله وعظمة الله وعزة الله فيكون يمينًا لأنها قديمة مع قدمه فأما صفات أفعاله فكقوله: وخلق الله، ورزق الله فلا يكون يمينًا لحدوثها فصار كيمينه بالمخلوقات التي لا يلزم القسم بها فإذا صح ما يقسم به من ذكر الله وأسمائه المختصة به وصفات ذاته دون صفات أفعاله، فالأولى بالحاكم أن يضم إلى اسمه في اليمين من صفاته ما يكون أغلظ لليمين وأرهب للحالف.
وقد ذكره الشافعي رحمه الله تعالى فقال: يحلف بالله الذي لا إله إلا هو، وهو أولى من قول لا إله غيره لأن في الأول إثبات لإلهيته ونفيًا لإلهية غيره.
والثاني: مقصور على نفي إلهية غيره ثم أكد بعد ذلك بقوله، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وهذه صفة تختص بالله تعالى دون غيره، فإن ذكر الحالف ذلك في اليمين التي أحلف بها كان تأكيدًا لها وإن اقتصر في اليمين على اسمه فأحلفه: والله ولم يذكر من صفات التأكيد شيئًا، أجزأت اليمين، لأن النبي صلى الله عليه وسلم اقتصر في إحلاف ركانة بن عبد يزيد على اسم الله ولم يغلظها بالصفات، والله أعلم.
فصل: وأما الشرط الثاني: وهو تعيين القاتل، فلأن الحق متعلق به والحكم متوجه عليه، فإن كان حاضرًا، بالاسم والإشارة فقال: بالله لقد قتل فلان ابن فلان هذا الحاضر ويشير إليه بيده فلانًا، فإن اقتصر على الإشارة دون الاسم مع الإشارة تأكيد وإن اقتصر على الاسم دون الإشارة أجزأ ذلك في الغائب إذا رفع نسبه بما يتميز به عن جميع الناس كلهم، لأنه لا يقدر على تعيين الغائب إلا بالاسم، وفي إجزائه في الحاضر وجهان محتملان:

أحدهما: يجوز أن يقتصر فيه على الاسم دون الإشارة.
والثاني: لا يجزئه الاقتصار على الاسم حتى يضم إليه الإشارة لأن الإشارة أنفى للاحتمال وأبلغ من الأسماء التي تنتقل ويقع فيها الاشتراك، وإن جاز الاقتصار عليها مع الغيبة وترك الإشارة مع إمكانها يحدث من الشبهة المحتملة ما لا تحدث مع الغيبة.
فصل: وأما الشرط الثالث: وهو تعيين المقتول، فلأن الدعوى فيه واستحقاق المطالبة عنه فإن كان باقيًا حاضرًا عين بالاسم والإشارة، فيقول: والله لقد قتل فلان هذا الحاضر، فلان ابن فلان هذا المقتول فإن اقتصر على تعيين المقتول بالإشارة دون الاسم أجزأ وإن اقتصر على تعيينه بالاسم دون الإشارة كان على ما قدمناه من الوجهين المحتملين.
وإن كان المقتول غير موجود، جاز أن يقتصر على تعيينه بالاسم وحده لكن عليه مع هذا أن يرفع في نسبه ما لا يرفع فيه مع الإشارة حتى يستوفي نسبه وصفته وصناعته ما يتميز به ويمنع من مشاركة غيره.
فصل: وأما الشرط الرابع: وهو ذكر انفراده بقتله أو مشاركة غيره فلأن قتل المنفرد مخالف لقتل المشارك في الدية، وإن كان مساويًا له في القود وإن قال: قتله وحده حلف بالله لقد قتله وحده منفردًا بقتله ما شاركه في قتله غيره واختلف أصحابنا في قول ما شاركه فيه غيره بعد قوله منفردًا بقتله هل هو تأكيد أو شرط واجب؟ على وجهين: أحدهما: أنه تأكيد فإن تركه في اليمين أجزأ، لأن انفراده به يمنع من مشاركة غيره فيه.
والثاني: أنه شرط واجب لأنه قد ينفرد بقتله ويكون من غيره إكراه يلزمه به حكم القتل.
فيصير منفردًا في الفعل ومشاركًا في الحكم، فلم يكف منه أن يقول منفردًا بقتله حتى يقول: ما شاركه فيه غيره لينفي بذلك أن يتعلق حكم القتل على مكره غير قاتل، وإن ادعى أنه شاركه غيره في القتل ذكر عدد الشركاء، فإن قال قتله هذا آخر فإن حضر الآخر أقسم عليهما وقال: والله لقد قتله فلان هذان منفردين بقتله وشركهما في قتله غيرهما وإن غاب الآخر عين الحاضر وجاز أن يسمى الغائب ولا يسميه، وأقسم عليه، فقال: لقد قتله هذا آخر معه منفردين بقتله.
فصل: وأما الشرط الخامس: وهو صفة القتل من عمد أو خطأ، فلما بين العمد والخطأ من اختلاف الديتين وحكم القود، فإن كان عمد قال: لقد قتله عمدًا، وإن كان خطأ،

قال: لقد قتله خطأ فيذكر الخطأ كما يذكر العمد إن كان أضعفهما حكمًا لأن دية العمد في ماله ودية الخطأ على عاقلته، فوجب أن يذكر كل واحد منهما، لاختلاف محلهما ولا يلزمه أن يصف في يمينه العمد ولا الخطأ، إذا كان وصفهما في الدعوى لأن يمين الحالف على مذهب الشافعي محمول على نية المستحلف دون الحالف فصارت متوجهة إلى الصفة التي أحلفه الحاكم عليها.
فإن قيل: فإذا كان محمولًا في صفة القتل على ما تضمنته الدعوى اعتبارًا بينة الحاكم المستحلف، فهلًا كان فيما عداها من الشروط المذكورة في هذه، اليمين لا يلزم ذكرها ويحمل على نية المستحلف قيل: لأن صفة القتل مراد لزوال الاشتباه وما عداها مراد الاستحقاق بها والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وإن ادعى الجاني أنه برأ من الجراح زاد وما برأ من جراحة فلانٍ حتى مات منها".
قال في الحاوي: وصورتها في مجروح مات مع لوث في جراحته، فأراد الولي أن يقسم، فذكر المدعي عليه أن المجروح مات من غير الجراحة التي كانت به فينظر، فإن مات عقيب الجراحة، فالظاهر أنه مات منها فلا يؤثر ما ذكره المدعي عليه، فإن لم يبرأ حتى زمان موته بعد الجراحة فهذا على ثلاثة أضرب: أحدها: أن تكون الجراحة قد اندملت فيسقط حكم القسامة فيها لاستقرار حكمها بالاندمال وبطلت سرايتها إلى النفس وليس فيما دون النفس قسامة.
والثاني: أن يكون دمها جاريًا لم تندمل فهذا محتمل أن يكون الموت ومحتمل أن يكون من غيرها فيزيد الحالف من أيمان قسامته أنه مات من جراحته فإن أقسم على اثنين قال: في يمينه، وأنه ما مات من غير جراحتها ولم يقل: أنه مات من جرحهما لأنه قد يجوز أن يموت من جرح أحدهما وإن أجرى الشرع حكم القتل عليهما.
والثالث: أن يختلفا في الاندمال فيدعيه الجاني وينكره المدعي فلو كان في غير القسامة لكان القول في قول الجاني فأما في القسامة، ففيه وجهان: أحدهما: وهو الظاهر من قول أبي إسحاق المروزي أن القول قول الجاني مع يمينه، كما يكون القول قوله في غير القسامة حتي يقيم المدعي البينة ببقاء الجرح سائل الدم غير مندمل ثم يقسم.
والثاني: وهو الظاهر من قول أبي علي بن أبي هريرة أن القول فيه قول المدعي بخلافه في غير القسامة، لأنه لما خالفت القسامة غيرها في قبول قول المدعي في القتل

خالفته في قبول قوله به في سراية الجراح فيقسم على ذلك ويزيد في يمينه أنه مات من جراحته، والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وإذا حلف المُدعي عليه حلف كذلك ما قتل فُلانًا ولا أعان على قتله ولا ناله من فعله ولا بسبب فعله شيءٌ جرحه ولا وصل إلى شيءٍ من بدنه لأنه قد يرمي فيُصيب شيئًا فيطير الذي أصابه فيقتله ولا أحدث شيئًا مات منه فلانٌ لأنه قد يحفر البئر ويضع الحجر فيموت منه".
قال في الحاوي: ذكر الشافعي رضي الله عنه بعد يمين المدعي في القسامة يمين المدعي في القسامة يمين المدعي عليه في القسامة وغير فذكر في يمينه ستة شروط: أحدها: ما قتل فلان لأنه أصل الدعوى ويشتمل قوله ما قتل على التوجيه بالذبح وعلى سراية الجرح فلم يحتج إلى الجمع بينهما ولو جمع كان أحوط.
والثاني: أن يقول ولا أعان على قتله يريد بذلك الشركة في القتل والإكراه عليه - وقال ابن أبي هريرة إنما أرادبه الممسك في القتل هو قاتل على مذهب مالك، وإن لم يكن قاتلًا على مذهب الشافعي فذكره في يمينه احتياطًا فيكون هذا الشرط على قول ابن أبي هريرة مستحب وعلى قوله غيره واجبًا.
والثالث: أن يقول: ولا ناله من فعله واختلف أصحابنا في مراده لهذا على وجهين: أحدهما: وهو قول البصريين - أن المراد به سراية الجرح.
والثاني: وهو قول البغداديين أن المراد به وصول السهم عن القوس وهو على كلا الوجهين شرط واجب وتكون في قتل العمد.
والرابع: أن يقول ولا ناله بسبب فعله شيء- اختلف أصحابنا في مراده بهذا على وجهين: أحدهما: وهو قول البصريين - أن المراد به سقي السم، فعلى هذا يكون شرطًا رابعًا في قتل العمد.
والثاني: وهو قول البغداديين - أن المراد به أن يرمي حائطًا بسهم أو حجر فيعود السهم أو الحجر على رجل فيقتله، فعلى هذا يكون شرطًا في قتل الخطأ دون العمد.
والخامس: أن يقول ولا وصل إليه شيء من بدنه وقد فسر الشافعي ما معناه: أن يرمي حجرًا فيصيب حجرًا فينقطع الثاني فيقع على ذلك فيقتله وهذا شرط في الخطأ دون العمد.

السادس: أن يقول ولا أحدث شيئًا مات منه وقد فسره الشافعي بحفر البئر ووضع الحجر في غيره ملكه فيلزمه ضمان من مات منه وهذا شرط في قتل الخطأ دون العمد، فتكون هذه الشروط الستة، يلزم منها في قتل العمد ما اختص به وفي قتل الخطأ ما اختص به وهي غاية الشروط التي يحتاط بها في الأيمان، فإن قيل يجب أن تكون يمين المدعي عليه إذا أنكر موافقة لدعوى المدعي إذا فسر فلم يحتج في يمين إنكاره إلى زيادة على ما ذكره المدعي في تفسيره وإنما يحتاج إلى ذلك في الدعوى المطلقة دون المفسرة وهو لا يرى سماعها إلا مفسرة فاختلف أصحابنا في الجواب عن هذا على ثلاثة أوجه: أحدها: أن هذا من قوله دليل على جواز السماع للدعوى مطلقة غير مفسرة وجعلوا ذلك قولًا ثانيًا للشافعي فخرجوا سماع الدعوى مطلقة في الدم على قولين بعد اتفاقهم أنها لا تسمع في القسامة إلا مفسرة لاحتياج المدعي إلى الحلف عليها وإنما أخرجوه فيما عدا القسامة ولو فسرت الدعوى لما تجاوز المدعي بيمينه ما تضمنته الدعوى.
والثاني: أن الشافعي شرط ذلك في الدعوى المفسرة في الدماء خاصة، لأن دعوى الدم حق المقتول فإن انتقل إلى دليل استظهر الزائد على ما ادعاه وليه.
وهو لا يرى سماعها مطلقة وشرط في اليمين الزيادة على ما تضمنته الدعوى على ما ادعاه وليه.
والثالث: أنه شرط ذلك في حق طفل أو غائب إذا ادعى له القتل ولي أو وكيل فيلزم الحاكم أن يستظهر في اليمين له على ما ادعاه وليه أو وكيله، ولو كانت الدعوى لحاضر جائز الأمر لم يستظهر له الحاكم بذلك بالبينة إذا قامت بدين على طفل أو غائب.
واستظهر الحاكم بإحلاف صاحب الدين أنه ما قبضه ولا شيئًا منه، ولو قامت على حاصر جائز الأمر لم يحلف صاحب الدين على ذلك إلى أن يدعيه الحاضر.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو لم يزده السلطان على حلفه بالله أجزأه لأن الله تعالى جعل بين المتلاعنين الأيمان بالله".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن تغليظ اليمين بما يضاف إلي اسم الله تعالى من صفاته التي ينفرد بها وتعظم في النفوس التلفظ بها مأمور به، ومندوب إليه لأمرين: أحدهما: لتباين ما قد ألفه الإنسان من أيمانه بالله في أثناء كلامه فيكون أزجر وأردع.
والثاني: لينتقي بها تأويل ذوي الشبهات، فإن حذفها الحاكم واقتصر على إحلافه بالله أجزأه وحذفها في أهل الديانة أيسر من حذفها في ذوي الشبهات وإن كان جواز حذفها في الفريقين على سواء لقول الله تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: 106]، وقوله:

﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور:6] وأحلف رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن مسعود في قتله لأبي جهل بالله أنك قتلته وأحلف ركانة في طلاق امرأته وبالله التوفيق.

باب دعوى الدم في الموضع الذي فيه قسامة

مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وإذا وجد قتيلٌ في محلة قومٍ يُخالطهم غيرهم أو في صحراء أو مسجدٍ أو سوقٍ فلا قسامة".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن وجود القتيل في محلة لا يوجب القسامة على أهلها أو بعضهم إلا بشرطين: أحدهما: أن تكن مختصة بأهلها مثل خيبر لا يختلط بهم غيرهم ولا يشركهم فيها سواهم، فيجوز أن يقسم على من ادعى عليه قتله منهم سواء قلوا أو كثروا إذا أمكن أن يشتركوا في قتل الواحد، فإن لم يكن أن يشتركوا فيه منع من القسامة على جميعهم.
وقيل له: خص بالدعوى من شئت منهم، ثم أقسم، فأما إن كانت المحلة مشتركة بين أهلها وغيرهم تطرقها المارة وتدخلها السابلة فلا قسامة فيها على أحد من أهلها ولا من غير أهلها.
فلو كانت قرية يدخلها غير أهلها عند ورود القوافل ولا يدخلها غيرهم إذا انقطعت القوافل عنهم جازت القسامة عليهم عند انقطاع القوافل، ولم تجب القسامة مع ورود القوافل فهذا شرط.
والثاني: ظهور العداوة بين القتيل وأهل المحلة أو القرية أو ظهور العداوة بين أهل القتيل وأهل القرية، فتجوز القسامة مع ظهور العداوة، ولا تجوز مع ارتفاع العداوة فإن اصطلحوا بعد العداوة ثم وجد القتيل فيهم نظر حال الصلح فإن تظاهروا بالحسنى بعد الصلح فلا قسامة وإن لم يتظاهروا بالصلح أقسمن كالشاهد إذا صالح عدوه ثم شهد عليه قبلت شهادته بعد الصلح إذا رأى ما بينهما حسنًا ولا تقبل إن لم ير ما بينهما حسنًا.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وإن ادعى وليه على أهل المحلة لم يحلف إلا من أثبتوه وإن كانوا ألفًا فيحلفون يمينًا يمينًا لأنهم يزيدون على خمسين فإن لم يبق منهم إلا واحدٌ حلف خمسين يمينًا وبرئ فإن نكلوا حلف ولاة الدم خمسين يمينًا واستحقوا الدية في أموالهم إن كان عمدًا وعلى عواقلهم في ثلاث سنين إن كان خطأً قال فوي ديات العمد على قدر حصصهم".

قال في الحاوي: قد مضى الكلام في شروط القسامة: فأما دعوى الدماء في غير القسامة فمعتبرة بشرطين: أحدهما: أن تكون على معين، فإن لم يعين القاتل وادعى قتله على قوم من أهل المحلة لم يسمع.
والثاني: أن تعين على عدد يمكن اشتراكهم في القتل فإن عين على عدد لا يمكن اشتراكهم لم يسمع فإذا عينها على من يمكن اشتراكهم فيه حلفوا وبرئوا.
وقال أبو حنيفة لا اعتبار بهذه الشروط، ويجوز أن يدعي قتله على غير معينين وعلى من لا يمكن اشتراكهم فيه فإذا ادعى قتله على قوم من أهل محلة أو قرية اختار منهم خمسين رجلًا وأحلفهم، فإذا حلفوا أوجب الدية على عواقلهم، فخالف أصول الشرع في خمسة أحكام: أحدها: سماع الدعوى على غير معين.
والثاني: سماعها على من لا يصح منهم الاشتراك فيه.
والثالث: أن جعل للمدعي اختيار خمسين ممن شاء منهم، وإن علم أنهم غير قتلة.
والرابع: إحلافهم وإن علم صدقهم.
والخامس: إلزامهم الدية بعد أيمانهم وكفى بمخالفة الأصول فيها دفعًا لقوله.
وقد ذكرنا من الدليل على فساد كل أصل منها ما أقنع.
فصل: فإذا ثبت ما ذكرنا وسمعت الدعوى على ما وصفنا، وكانت على جماعة ففي قدر ما يلزمهم من الأيمان ثلاثة أقاويل ذكرناها: أحدها: يحلف كل واحد منهم خمسين يمينًا ولو كانوا ألفًا.
والثاني: يحلف جميعهم خمسين يمينًا تقسط على أعدادهم.
والثالث: يحلف كل واحد منهم يمينًا واحدة ولو كان واحدًا وقد مضى توجيه هذه الأقاويل فإن قيل: فإذا جعل الشافعي إمكان اشتراكهم في القتل شرط سماع الدعوى عليهم، فكيف قال: يحلفون ولو كانوا ألفًا لا يصح اشتراك الألف في قتل الواحدة، قيل: لأن العدد الذي يمكن اشتراكه في القتل يختلف حسب اختلاف القتل، فإن كان ذبحًا أو قطعًا أو بضرب العتق لم يمكن أن يشترط فيه ألف ولا مائة ولا خمسون.
وإن كان بجراح أمكن أن يشترك فيه مائة ومائتان وإن كان بالعصا أمكن أن يشترك فيه ألف فيضربه كل واحد منهم عصا، وكذلك لو رموه بالبذق أمكن أن يشترك فيه ألف فيرميه كل واحد منهم ببذقة فإن حمل كلام الشافعي على هذا كان ممكنًا وإن حمل على غيره كان مبالغة.

مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "والمحجور عليه وغيره سواءٌ لأن إقراره بالجناية يلزمه في ماله والجناية خلاف الشراء والبيع".
قال في الحاوي: يريد المحجور عليه بالسفه وقد تقدم الكلام فيه والحكم فيه يشتمل على أربعة فصول: أحدهما: في الدعوى تسمع منه الدعوى في القتل كما تسمع من الرشيد لأن الحجر عليه موضوع لحفظ ماله ودعواه لما له سواء ادعى قتل عمد أو خطأ في قسامة وغير قسامة.
والثاني: سماع الدعوى عليه فيسمعها في العمد وفي سماعها في الخطأ قولان: والثالث: إقراره بالقتل فإن كان بعمد صح إقراره فيه ووجبت الدية في ماله إن عفا عن القود فيه كان بخطأ محض ففي صحة إقراره به قولان على ما مضى.
والرابع: إحلافه فتصبح أيمانه سواء حلف مدعيًا في القسامة، أو حلف منكر في غير القسامة، لما يتعلق بقوله من الأحكام بخلاف الصبي والمجنون.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وكذلك العبد إلا في إقراره بجنايةٍ لا قصاص فيها فإنه لا يُباع فيها لأن ذلك في مال غيره فمتى عتق لزمه.
قال المزني: فكما لم يضر سيده إقراره بما يُوجب المال فكذلك لا يضر عاقلة الحر قوله بما يُوجب عليهم المال".
قال في الحاوي: إذا كانت دعوى القتل على عبد، فهو على ضربين: أحدهما: أن تكون في عمد يوجب القود.
والثاني: أن تكون في خطأ يوجب المال، فإن كانت في عمد يوجب القود، فهي مسموعة على العمد دون سيده، لأن إقرار العبد بها على نفسه مقبول، لارتفاع التهمة عنه وإقرار السيد على عبده غير مقبول.
فإن اعترف العبد بها اقتص منه، فإن عفي عن القصاص بيع في جنايته، إلا أن يفديه سيده.
وإن كانت دعوى القتل في خطأ يوجب المال، فيجوز سماعها على العبد وعلى سيده، أما العبد فلتعلقها إن أقر بذمته وأدائه لها بعد عتقه، وأما السيد فلأنها إن أقر مستحقه في رقبة عبده، وإذا كان كذلك، فإن سمعت على العبد، فأنكرها حلف وبرئ، وجاز أن يستأنف الدعوى على سيده بعد إنكار عبده ويمينه، فإن اعترف بها تعلقت برقبة عبده وإن أنكرها حلف برئ.
وإن أقر بعدها تعلقت بذمته دون رقبته إلا أن يصدقه السيد عليها فتتعلق برقبته، إلا أن يفديه السيد منها ولو قدمت الدعوى على السيد.
فإن اعترف

تعلقت برقبة عبده، إلا أن يفديه السيد منها.
وسواء كان العبد فيها مقرًا أو منكرًا، وإن أنكرها السيد حلف وبرئ وجاز أن يستأنف الدعوى على العبد فإن أنكرها حلف وبرئ وإن اعترف بها تعلقت بذمته، يؤديها بعد عتقه ويساره فلو أنكرها العبد ونكل عن اليمين فيها فردت على المدعي وحلف ثبتت له الجناية بيمينه بعد النكول.
وهل تتعلق برقبته أو بذمته؟ على قولين مبنين على اختلاف قوليه في يمين المدعي بعد نكول المدعي عليه هل تقوم مقام البينة أو مقام الإقرار؟ فإن قيل أنها تقوم مقام البينة تعلقت برقبته وإن قيل إنها تقوم مقام الإقرار تعلقت بذمته.
فأما المزني فإنه قال: كما لا يضر سيده إقراره بما يوجب المال فكذلك لا يضر عاقلة الحر قوله هذا صحيح لأن العاقلة لا تتحمل الجاني كما لا يلزم السيد إقرار عبده، والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ومن كان منهم سكران لم يحلف حتى يصحو.
قال المزني: هذا يدل على إبطال السكران الذي لا يعقل ولا يُميز".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا توجهت اليمين على سكران لم يحلف في حال سكره حتى يصحو، لأمرين: أحدهما: أنه ربما اشتبه عليه بالسكر ما لا يستحقه.
والثاني: أن اليمين موضوعة للزجر، والسكران يقدم في سكره على ما يمتنع منه عند إفاقته.
واختلف أصحابنا في هذا الامتناع من استحلافه هل هو مستحب أو واجب؟ على وجهين: أحدهما: أنه مستحب فإن أحلف في حال سكره أجزأ، لأننا نجري عليه في السكر أحكام المفيق.
والثاني: أنه واجب وأن الاستحلاف في حال سكره لم يجزه، لما قدمناه من وضع اليمين للزجر وسكره يصد عن الانزجار.
وأما المزني فإنه جعل منع الشافعي من استحلافه في السكر دليلًا على أن طلاق السكران لا يقع، فلم يلزمه حكم الشافعي بوقوع الطلاق وصحة ظهاره وثبوت ردته، ومنع من إحلافه واستتابته من ردته حتى يفيق، فاختلف أصحابنا في ذلك على وجهين: أحدهما: أنه يجري عليه في جميعها أحكام الصاحي فيما له وفيما عليه مما ضره أو نفعه، وهو الظاهر قول أبي إسحاق المروزي، ويحمل منعه من إحلافه واستتابته على

الاستحباب دون الوجوب، وأنه إن حلف وتاب صحت أيمانه وتوبته كالمفيق فعلى هذا لا دليل للمزني فيه.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنه يجري عليه أحكام الصاحي فيما عليه مما يضره ولا يجري عليه أحكام الصاحي فيما له مما ينفعه، لأن السكر معصية توجب التغليظ فاختص بلزوم أغلظ الحكمين وسقوط أخفهما فعلى هذا لا دليل للمزني فيه لأن وقوع الطلاق تغليظ وصحة الأيمان تخفيف، والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وقد قيل لا يبرأ المدعي عليهم إلا بخمسين يمينًا كل واحدٍ منهم ولا يُحتسب لهم يمينٌ غيره وهكذا الدعوى فيما دون النفس وقيل يلزمه من الأيمان على قدر الدية في اليد خمسٌ وعشرون وفي الموضحة ثلاثة أيمانٍ.
قال المزني رحمه الله: وقد قال في أول بابٍ من القسامة: ولا تجب القسامة في دون النفس وهذا عندي أولى بقول العلماء".
قال في الحاوي: قد مضى تغليظ الأيمان في القسامة فأما تغليظها في غير القسامة من الدماء، فيه ثلاثة أقاويل: أحدهما: تغليظ في النفس وفيما دون النفس وإن لم يحكم فيها بالقسامة تغليظًا لحكم الدماء وفي كيفية تغليظها ما قدمناه من الأقاويل.
والثاني: لا تغليظ في النفس ولا فيما دون النفس إذا سقطت القسامة اعتبارًا بسائر الدعاوي، والمستحق فيما يمين واحدة.
والثالث: أنها مغلظة في النفس ولا تغلظ فيما دون النفس لاختصاص النفس بتغليظ الكفارة وسقوطها فيما دون النفس.
فأما المزني فإنه لما رأى الشافعي قال في أول الكتاب: لا قسامة فيما دون النفس وقال هاهنا: تغليظ الأيمان فيما دون النفس وهم وظن أن قوله اختلف في القسامة فيما دون النفس، وهذا ذلل ذميم فيه، لأن قوله لم يختلف أنه لا قسامة فيما دون النفس وإنما اختلف قوله في تغليظ الأيمان فيما دون النفس وهما مسألتان لم يختلف قوله في إحداهما واختلف في الأخرى، والله أعلم.

باب كفارة القتل

مسألة: قال الشافعي رحمه الله: قال الله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأًً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء:92].

قال في الحاوي: هذه الآية هي الأصل في وجوب الدية في قتل الخطأ للمقتول ووجوب الكفارة فيه على القاتل، وجملة القتل تنقسم أربعة أقسام: واجب، مباح، ومحظور يأثم به، ومحظور لا يأثم به.
فأما الواجب: فالقتل بالردة والزنى والحرابة ولا يتعلق به وجوب دية ولا كفارة.
وأما المباح فالقصاص، ودفع الطالب لنفس أو مال وهو في حكم الواجب في سقوط الدين والكفارة.
وأما المحظور الذي يأثم به، فهو قتل العمد بغير حق ويتعلق به أربعة أحكام القصاص مع التكافؤ والدية عند العفو، والكفارة عن القتل، والوعيد في المأثم.
وأما المحظور الذي لا يأثم به: فهو قتل الخطأ ويتعلق به حكمان الدية والكفارة وقد تضمنتهما الآية ويسقط عنه القصاص والمأثم فيصير موافقًا للعمد في حكمين، ومخالفًا له في حكمين وإذا كانت أقسام القتل على ما ذكرنا فالكفارة فيه واجبة عن كل قتل لمضمون في كل قتيل مضمون على كل قاتل ضامن.
فصل: فأما القتل المضمون فعمد وخطأ - فالعمد يأتي في خلاف نذكره والخطأ متفق على وجوب الكفارة فيه بنص الكتاب وإجماع الأمة وسواء كان قتل الخطأ بمباشرة أو بسبب، والمباشرة: أن يرمي هدفًا فيصيب إنسانًا فيقتله، والسبب: أن يحفر بئرًا في أرض لا يملكها فيقع فيها إنسان فيموت أو يضع حجرًا في طريق سائر فيعثر به إنسان فيموت أو يرش ماء في الطريق فيزلق به فيموت إلى امتثال ذلك مما قدمنا ذكره في ضمان النفس التالفة فيجب فيه الدية والكفارة.
وقال أبو حنيفة: تجب في قتل المباشرة الدية مع الكفارة وتجب في قتل السبب الدية دون الكفارة استدلالًا بأن كل من ضمن نفسًا من غير مباشرة لم تجب عليه الكفارة كالعاقلة، ولأن كل ما لم يجب في جنسه قود لم يجب في جنيه كفارة كالإمساك.
ودليلنا: هو أنه قتل يضمن بالدية فوجب أن يضمن بالكفارة، كالمباشرة.
فإن منعوا أن يكون مقتولًا، احتج عليهم بوجوب الدية، لأنه لا يجوز أن يلزم دية النفس ولا يكون متلفًا للنفس إذا لا يلزم دية إلا في قتل عن مقتول ولأنها كفارة تلزم بمباشرة القتل فوجب أن تلزم بسبب القتل كجزاء الصيد ولأن الكفارة أوكد من الدية فلما وجبت الدية كان أولى أن تجب الكفارة، وأما قياسهم على العاقلة فالجواب عنه أن العاقلة تلتزم الدية تحملًا ونيابة والكفارة لا يدخلها التحمل ولا النيابة ولذلك تحملت العاقلة دية الخطأ ولم تتحمل كفارته - وإن لزمته وأما قياسهم على الإمساك فالمعنى فيه أن الإمساك لما لم يوجب ضمان الدية لم يوجب ضمان الكفارة ولما أوجب السبب ضمان الدية أوجب ضمان الكفارة.

فصل: فأما المقتول المضمون: فكل ما ضمنت نفسه بالقصاص من صغير وكبير، وذكر وأنثي، ومسلم وكافر، وحر وعبد، وجبت الكفارة بقتله وقال مالك: لا تجب الكفارة إلا بقتل الحر المسلم ولا تجب بقتل عبد ولا كافر، وقال أبو حنيفة: تجب بقتل العبد ولا تجب بقتل الكافر احتجاجا بقول الله تعالي: ﴿ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: 92] فجعل الإيمان شرطا في وجوب الكفارة، فلم تجب مع الشرط، ولأن الكفارة مختصة بأغلظ الحرمات ولذلك وجبت في النفس دون الأطراف المسلم أغلظ من نفس الكافر فكانت أولي بسقوط الكفارة.
ودليلنا: قوله تعالي: ﴿وإن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92 فأوجب الله تعالي الدية مع الكفارة في قتل المعاهد كما أوجبها في قتل المؤمن فكان أول الآية في المسلم وآخرها في الكافر، ولأنها نفس مضمونة بالدية فوجب أن تضمن بالكفارة كالمسلم وما ادعاه من ضعف حرمته فراجع عليه في التسوية بينه وبين المسلم في وجوب القصاص ثم يقال: قد اثبت الذمة له حرمة فلا يسوى بينه وبين من عدمها في سقوط الكفارة كما لم يسو بينهما في سقوط الدية.
فصل: وأما القاتل الضامن: فكل قاتل ضمن نفس مقتول فعليه الكفارة سواء كان صغيرا أو كبيرا عاقلا أو مجنونا مسلما أو كافرا حرا أو عبدا، وقال أبو حنيفة: لا كفارة علي الصبي والمجنون احتجاجا بقول النبي صلي الله عليه وسلم: ((رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتي يحتلم، وعن المجنون حتي يفيق، وعن النائم حتي ينتبه)) ولأنها عبادة شرعية لا يدخلها التحمل قلم تجب علي الصبي والمجنون كالصلاة والصيام، ولأنها كفارة فلم تجب علي الصبي والمجنون قياسا علي كفارة الظهار والإيمان.
ولأنه حكم يتعلق بالقاتل لا يتحمله غير القاتل، فلم يجب علي الصبي والمجنون كالقصاص.
ودليلنا قوله تعالي: ﴿ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] فكان علي عمومه والصبي والمجنون وإن لم يتوجه إليهما الخطاب مواجهة كقوله تعالي: ﴿وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [المزمل: 20] توجه إليهم خطاب الالتزام والكفارة خطاب التزام فتوجه إلي الصبي والمجنون كالدية ولأنه قاتل ضامن فوجب أن تلزمه الكفارة كالبالغ العاقل ولأنه حق مال يجب بالقتل فوجب أن يستوى فيه الصغير والكبير والعاقل والمجنون كالدية، ولأن الكفارة أوكد من الدية، لأنها تجب علي قاتل نفسه وعلي السيد في قتل عبده، وإن لم تجب عليهما الدية فلما وجبت الدية علي الصبي والمجنون كان أولي أن تجب عليهما الكفارة: فأما الجواب عن قوله ((رفع القلم عن ثلاث)) فهو أن رفع

القلم عنهم لا يمنع من وجوب حكم القتل في أموالهم كما لم يمنع من وجوب الدية، وكما لا يمنع النائم إذا انقلب علي إنسان فقتله من وجوب الدية مع الكفارة.
وأما قياسهم علي الصلاة والصيام فمنتقض بوجوب الغرم وجزاء الصيد ثم المعني في الصلاة والصيام أنهما عبادتان علي البدن والكفارة حق في المال فافترقا كما افترق القصاص والدية وأما قياسهم علي كفارة الأيمان مع انتفاضه بجزاء الصيد فالمعني فيه أنه لما لم تصح مهما الأيمان لم يلزمهما كفارتهما ولما صح منهم القتل لزمتهما كفارته.
وأما قياسهم علي القصاص، فالمعني في القصاص أنه حق علي بدن فسقط عنهما كالحدود والكفارة، حق في مال فلم تسقط عنهما كذكاة الفطر وجزاء الصيد، والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: ((وقال تعالي: ﴿فَإن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] يعني في قوم في دار حرب خاصة ولم يجعل له قودا ولا دية إذا قتله وهو لا يعرفه مسلما وذلك أن يغير أو يقتله في سرية أو يلقاه منفردا بهيئة المشركين وفي دارهم أو نحو ذلك)).
قال في الحاوى: وهذا صحيح، ذكر الله تعالي في هذه الآية أحكام القتل في ثلاثة أوجب فيهم ديتين وثلاث كفارات: أحدهما: وهو المقدم فيها قتل المؤمن في دار الإسلام فأوجب فيه الدية والكفارة بقوله تعالي: ﴿ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ إلاَّ أَن يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: 92] وقد استوفيناه.
والثاني: قتل المؤمن في دار فأوجب فيه الكفارة ولم يوجب فيه الدية بقوله تعالي: ﴿فَإن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] ومعناه فإن كان من قوم من أعدائكم مؤمن قتلتموه بينهم فتحرير رقبة تلزمكم في قتله.
ولا يخلو حال قتله فيهم من أربعة أقسام: أحدهما: أن يعلم قاتله أنه مسلم وتعمد قتله فعليه القود.
وقال أبو حنيفة: لا قود عليه لقوم النبي صلي الله عليه وسلم: ((منعت دار الإسلام ما فيها وأباحت دار الشرك ما فيها)) ولأنه مقتول في دار الحرب فلم يستحق فيه قود كأهل الحرب.
ودليلنا قول النبي صلي الله عليه وسلم: ((إن الله حرم من المسلم ماله ودمه وأن لا يظن به إلا خيرا)) ولأنه عامد لقتل مسلم محقون الدم فوجب أن يلزمه القود كما لو قتله في دار الإسلام.

والجواب عن الخبر والقياس أن دار الشرك لم تبح دمه وأباحت دم المشرك.
فصل: والقسم الثاني: أن لا يعلم قاتله أنه مسلم، ولا يعمد قتله ولكن يرمي إلي دار الحرب سهما مرسلا فيقع عليه فيقتله فهو المراد بالآية، وفي قتله الكفارة.
واختلفوا في وجوب الدية: فذهب الشافعي إلي أنه لا تجب فيه الدية، فقال مالك: تجب فيه الدية.
وقال أبو حنيفة: إن كان في دار الإسلام أو هاجر إليها وجبت فيه الدية وإن لم يسلم فيها ولا هاجر إليها، لم تجب فيه الدية، لثبوت حرمة الدار علي المهاجر وعدمها في غير المهاجر واستدلا في الجملة بقوله تعالي: ﴿ودِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: 92] فكان علي عمومه ولأنه مقتول مسلم فوجب أن يكون مضمونا بالدية كالمقتول في دار الأسلام.
ودليلنا: قوله تعالي: ﴿وإن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] فكان الدليل فيها من وجهين: أحدهما: اقتصاره علي الكفارة ولو وجبت فيه الدية لذكرها.
والثاني: أنه غاير بين قتله في دار الإسلام ودار الشرك، ولو تساويا لأطلق ولم يغاير بينهما، ولأنها دار إباحة لم يعمد فيها قتل مسلم، فوجب أن لا يضمن بالقتل دية كما لو قتل غير مسلم، ولأن من لم يضمن ديته إذا لم يهاجر لم يضمن، وإن هاجر، كالمشرك وعموم الآية مخصص بما تعقبها وقياسه معارض لقياسنا، ولأن دار الإسلام حاظرة ودار المشرك مبيحة.
فصل: والقسم الثالث: أن يعمد قتله ولا يعلم أنه مسلم فلا قود فيه وفيه الدية وقال أبو حنيفة: لا دية فيه، إن لم يهاجر.
ودليلنا: أن اليمان أبا حذيفة بن اليمان قتله المسلمون ولم يعلموا بإسلامه فقضي رسول الله صلي الله عليه وسلم بديته فقال حذيفة يغفر الله لهم.
فإنهم لم يعملوا، ولأن جهل القاتل بأحوال المقتول لا يوجب سقوط ضمانه عن القاتل كالصبي والمجنون.
فصل: والقسم الرابع أنه يعلم أنه مسلم ولا يعمد قتله ويرمي أهل الدار بسهم فاعترض المسلم السهم حتى أصابه فقتله، فلا قود وفيه الكفارة وفي وجوب الدية قولان: أحدهما: لا دية فيه استدلالا، واعتبارا بالقسم الثاني.
والثاني: فيه الدية استدلالا بحيث اليمان.
واعتبارا بالقسم الثالث.
والله أعلم.

مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: ﴿وإن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92].
قال في الحاوي: وهذا هو الثالث مما بينه الله تعالي في هذه الآية وجمع في قتله بين الدية والكفارة وهو الكافر ذو الميثاق بذمة أو عهد او قتل في دار الإسلام ففيه الدية والكفارة بقوله تعالي: ﴿وإن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] فجمع في قتله بين الدية والكفارة كما جمع في قتل المسلم في دار الإسلام بين الدية والكفارة.
وقدم في قتل المسلم الكفارة علي الدية وفي قتل الكافر الدية علي الكفارة لأن المسلم يري تقديم حق الله علي حق نفسه والكافر يري تقديم حق نفسه علي حق الله تعالي، وقال ابن أبي هريرة: بل خالف بينهما، ولم يجعلها علي نسق واحد، لأن لم لا يلحق بهما، ما بينهم من قتل المؤمن في دار الحرب في قوله ﴿وإن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] فيضم إليه الدية إلحاقا بأحد الطرفين فأزال هذا الاحتمال بأحد اللفظين.
وسواء كان صاحب هذا الميثاق من الكفار من أهل الذمة، أو من أصحاب العهد، وسواء كان من أهل الكتاب، أو من غير أهل الكتاب في وجوب الدية والكفارة إذا قتل في دار الإسلام.
فأما إذا قتل في دار الحرب، فحكمه حكم المسلم إذا قتل فيها في ضمانه بالكفارة والدية إلا أن يعمد قتله غالطا بميثاقه الذي هو مقيم علي التزامه فتجب فيه الدية مع الكفارة، والكفارة الواجبة في قتل الكافر، كالكفارة الواجبة في قتل المسلم في أيمان الرقبة وسلامتها من العيوب المضرة، والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: ((وإذا وجبت عليه كفارة القتل في الخطأ وفي قتل المؤمن في دار الحرب كانت الكفارة في العمد أولي.
قال المزني رحمه الله: واحتج بأن الكفارة في قتل الصيد فهي الإحرام والحرم عمدا أو خطأ إلا في المأثم فكذلك كفارة القتل أو خطأ سواء إلا في المأثم)).
قال في الحاوي: وهذا كما قال، الكفارة تجب في قتل العمد والخطأ.
وأوجبها أبو حنيفة ومالك في قتل الخطأ وأسقطاها في قتل العمد سواء وجب في القود أو لم يجب استدلالا بقوله تعالي: ﴿ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] فجعل الخطأ شرطا في وجوب الكفارة، فوجبت أن ينتقي عن العمد لعدم

الشرط، وبما (روي) عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: ((العمد قود)) فجعل موجب العمد استحقاق القود، فدل علي أنه لا يجب في غير القود، ولأنه سبب يوجب القتل فلم يوجب الكفارة كالزني والردة، ولأنه قتل عمد فلم تجب فيه الكفارة، كالقصاص ولأن القصاص عقوبة علي بدن، والكفارة حق في مال فلم يجتمعا في القتل الواحد كالقصاص مع الدية.
ودليلنا ما رواه واثلة بن الأسقع قال: أتينا رسول الله صلي الله عيله وسلم في صاحب لنا استوجب النار بقتل، فقال: ((اعتقوا عنه رقبة يعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار)) وهو لا يستوجب النار إلا في العمد.
فإن قيل: فقد أمر بها غير القاتل فدل علي أنها غير واجبة علي القاتل قلنا الخطاب وإن توجه إلي السائل فالمراد به القاتل لأنه أوجبها بالقتل، وروى عن عمر بن الخطاب أنه قال: يا رسول الله إني وأدت في الجاهلية.
فقال أعتق عن كل موؤودة رقبة وذلك أن العرب في الجاهلية كانت تحفر تحت الحامل إذا ضربها الطلق حفيرة يسقط فيها ولدها إذا وضعته، فإذا كان ذكرا أخرجوه منها وإن كان أنثي تركت في حفرتها وطمر التراب حتى تموت، وهذا قتل عمد، وقد أوجبت به الكفارة.
ومن القياس: أنه قتل آدمي مضمون فوجب أن تستحق فيه الكفارة كالخطأ ولأن كل كفارة وجبت بقتل الخطأ وجبت بقتل العمد كجزاء الصيد، ولأن الكفارة إذا وجبت علي الخاطئ مع عدم المأثم كان وجوبها علي العامد مع المأثم حق كما قال تعالي: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] فلم أوجب القضاء علي المفطر معذورا بمرض أو سفر كان وجبه علي من فطر عمدا بغير عذر أحق ولقول النبي صلي الله عيله وسلم: ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها)).
وقد روي عن النبي صلي الله عيله وسلم أنه قال: القتل كفارة.
والثاني: وهو الصحيح أن الكفارة علي وجوبها لا تسقط بالقود لأنها حق الله تعالي فلم تسقط بتأدية حق الآدمي كما لم تسقط بأداء الدية.
فصل: فأما إذا اشتركت الجماعة في قتل عمدا أو خطأ فإنهم يشتركون في الدية، فلا يلزمهم إلا دية واحدة، ولا يشتركون في الكفارة ويلزم كل واحد منهم كفارة كاملة فإن قيل فهلا اشتركوا في الكفارة كما اشتركوا في الدية كما ذهب إليه عثمان البتي وحكاه بعض أصحابكم عن الشافعي.
قيل: الحاكي له عن الشافعي غالطا، ولم يعرف في شيء من كتبه ولا نقله عنه أحد

من أصحابه ونصوصه في جميع كتبه بخلافه.
والفرق بين الدية والكفارة من وجهين: أحدهما: أن الدية تتبعض فجاز أن يشتركوا فيها، والكفارة لا تتبعض، فلم يصح اشتراكهم فيها.
والثاني: أن الدية بدل من النفس، وهي واحدة فلم يلزم فيها إلا دية واحدة، والكفارة لتكفير القتل وكل واحد منهم قاتل فلزم كل واحد منهم كفارة وهذان الوجهان دليل علي عثمان.
فصل: فإذا ثبت وجود الكفارة علي كل قاتل بغير حق من عمد أو خطأ في كل مقتول من مسلم أو كافر، أو عبد فقد رضي الله تعالي فيها علي العتق والصيام.
فقال: ﴿وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: 92] فقدم عتق الرقبة، وشرط فيها الإيمان فلا يجزئ إلا عتق رقبة مؤمنة سواء كان المقتول مؤمنا أو كافرا، لأنه شرط إيمانها في عتقها عن قتل الكفار فكان إيمانها في عتقها عن قتل المؤمن أولي.
فإن لم يجد الرقبة فاضلة عن كفايته علي الأبد سقط عنه التكفير بالعتق، وكفر بصيام شهرين متتابعين وهو نص القرآن فإن عجز عن الصيام ففيه قولان: أحدهما: يعدل إلي الإطعام فيطعم ستين مسكينا، لأن الله تعالي نص عليه من كفارة الظهار وأطلق ذكره في كفارة القتل، فوجب أن يحمل إطلاقه في كفارة القتل علي تقيده في كفارة الظهار، لأن المطلق محمول علي المقيد من جنسه.
والثاني: أنه لا إطعام فيها وتكون الكفارة بأحد الأمرين باقية في ذمته إلي أن يقدر عليها، لأن الإبدال في الكفارات موقوفة علي النص دون القياس، ولا يجوز حمل مطلقها علي المقيد إلا في الوصف دون الأصل، كما حمل إطلاق اليد في التيمم علي تقيدها بالمرافق في الوضوء لأنه حمل مطلق علي مقيد في وصف، ولم يحمل إغفال ذكر الرأس والرجلين في التيمم علي ما قيد من ذكرهما في الوضوء، لأنه حمل مطلق علي مقيد في أصل.
كذلك في الكفارة حملنا إطلاق العتق في كفارة الظهار علي تقيده بالإيمان من كفارة القتل، لأنه حمل مطلق علي مقيد في وصف، ولم يحمل إغفال الإطعام في كفارة القتل علي ذكره الظهار لأنه حمل مطلق علي مقيد في أصل، والله أعلم بالصواب.

باب لا يرث القاتل

مسألة: قال الشافعي رحمه الله: ((قال أبو حنيفة لا يرث قاتل خطأ ولا عمدا إلا أن

يكون مجنونا أو صبيا فلا يحرم الميراث لأن القلم عنهما مرفوع وقال أهل المدينة لا يرث قاتل عمد ولا يرث قاتل خطأ من الدية ويرث من سائر ماله, قال محمد بن الحسن هل رأيتم وارثا يرث بعض مال رجل دون بعض إما أن يرث الكل أو لا يرث شيئا قال الشافعي رحمه الله يدخل علي محمد بن الحسن أنه يسوي بين المجنون والصبي وبين البالغ الخاطئ في قتل الخطأ ويجعل علي عواقلهم الدية ويرفع عنهم المأثم فكيف ورث بعضهم دون بعض وهم سواء في المعني قال: ويدخل علي أصحابنا ما دخل علي محمد بن الحسن وليس في الفرق بين قاتل خطأ لا يرث وقاتل عمد خبر يلزم ولو كان ثابتا كانت فيه أشبه.
قال المزني رحمه الله: المعني تأويله إذا لم يثبت فرق أنهما سواء في أنهما لا يرثان وقد قطع بهذا المعني في كتاب قتال أهل البغي فقال: إذا قتل العادل الباغي أو الباغي العادل لا يتوارثان لأنهما قاتلان قال وهذا أشبه بمعني الحديث)).
قال في الحاوي: وهذا قد مضي قد كتاب الفرائض وذكرنا اختلاف الفقهاء في ميراث القاتل فذهب الشافعي رضي الله عنه أنه لا يرث قاتل عمد ولا خطأ سواء جري عليه القلم بالبلوغ والعقل أو رفع عنه القلم بالصغر والجنون.
وقال أبو حنيفة: لا يرث قاتل عمد ولا خطأ إن جري عليه القلم ويرث إن رفع عنه القلم وقال مالك: لا يرث قاتل العمد وإن رفع عنه القلم ويرث الخطأ من المال دون الدية وإن جري عليه القلم, فرد محمد بن الحسن علي مالك هذا القول وقال: هل رأيتم وارثا يرث بعض مال رجل دون بعض؟ إما أن يرث الكل أو لا يرث شيئا, هذا رد صحيح من محمد بن الحسن علي مالك حيث ورث الخاطئ من المال دون الدية, وكلاهما مال للمقتول يقضي منهما ديونه وتنفذ منهما وصاياه فإن انتفت التهمة عن الخاطئ ورث الكل وإن تحققت التهمة منع الكل, ولم يجز تبعيض المال في ميراث فيرث بعض ويمنع بعض كما أن المبتوتة بالطلاق في المرض لما لحق الزوج التهمة في منعها من ثلث ماله لأنه الثلث غير متهوم في منها منه, لأن له أن يمنع منه كل وارث فلم يلحق الزوج تهمة في منعها وقد كان يقتضي علي قياس قوله أن يورثها ثلث ماله ولا يورثها من الثلث لاختصاص التهمة بالثلثين دون الثلث وقد اجتمعت الأمة علي إبطال هذا التبيض, وكانوا في توريثها علي قولين: فمن ورثها منهم ورثها جميع المال, وإن كان غير متهوم في بعضه ومن لم يورثها منعها جميع المال وإن الشافعي رد علي محمد بن الحسن فيما ذهب إليه أبو حنيفة من توريث مع دفع عنه القلم دون من جري عليه القلم لأن الصبي والمجنون قد شاركا الخاطئ في وجوب الدية, وشاركهما الخاطئ, في ارتفاع المأثم فصاروا جميعا سواء في الحكم والعلة, فهلا صاروا سواء في الميراث في أن يرثوا أو لا يرثوا؟ وكيف فرق بينهم في الميراث وقد تساووا في سببه وهذا التكافؤ في الاعتراض

دليل (على) فساد المذهبين ويصح ما ذهب إليه الشافعي من منع كل قاتل من الميراث لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال: القاتل لا يرث, وقال ليس لقاتل شيء.
فصل: فإذا تقرر أن لا ميراث لكل قاتل تعليق عليه حكم القتل في ضمان دية أو كفارة لأنه قاتل بحق, فهو علي ضربين: أحدهما: أن يكون مخيرا فيه, وإن كان محقا كالمقتضي منه قودا فلا ميراث له لتوجه التهمه إليه في عدوله عن العفو إلي القصاص رغبة في الميراث فوجب أن يمتنع منه.
والثاني: أن يجب عليه قتله ولا يكون مخيرا كالحاكم إذا قتل في زنا أو في قصاص استوفاه لخصم فهذا علي ضربين: أحدهما: أن يقتلهم بالبينة فلا يرث لأنه متهوم في تزكية الشهود فمنعته التهمة في الميراث.
والثاني: أن يقتلهم بإقرارهم ففي ميراثه لهم وجهان لأصحابنا: أحدهما: وهو قول أبي العباس بن سريج يرثهم لانتقاد التهمة عنه في إقرارهم.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة والأكثرين والظاهر من مذهب الشافعي أنه لا يرث لإطلاق اسم القتل عليه وإن انتفت التهمة عنه كالصبي والمجنون, والله أعلم بالصواب.

باب الشهادة علي الجناية

مسألة: قال الشافعي رحمه الله: ((ولا يقبل في القتل وجراح العمد والحدود سوي الزني إلا عدلان)).
قال في الحاوي: أما الشهادة فتنقسم علي أقسام: موضوع استيفائها كتاب الشهادات ونحن نذكر في هذا الموضع ما اختص به من الشهادة في الجنايات.
والجنايات ضربان: عمد يوجب القصاص, وخطأ يوجب المال, فأما العمد الموجب للقصاص فلا تثبت البينة فيه إلا بشاهدين ولا يثبت بشاهد وامرأتان, كالحدود وسواء كان في نفس وفيما دون النفس.
وقال الحسن البصري: لا يقبل في النفس إلا أربعة شهود: كالزني لأنها إماتة نفس, ويقبل فيما دونها شاهدان كالحدود وقال مالك: يقبل فيما قل من الجراح شاهد

وامرأتان ولا يقبل فيما كثر إلا شاهدان لخفة القليل وتغليظ الكثير وكلا القولين خطأ, والدليل عليهما أن الله تعالي نص في كتابه علي ثلاث شهادات خالف بين أحكامها وجعلها أصولا لما أغفله ليكون المغفل فرعا ملحقا بأصله فيها فنص علي أربعة شهود في الزني ونص علي شاهدين في الطلاق والرجعة ونص علي شاهد وامرأتين في الأموال وأغفل الشهادة في الجنايات فصارت فرعا لأحدها فلم يجز أن تحمل علي الزني لأنه لما لم تحمل عليه فيما دون النفس, لم تحمل عليه في النفس, لوجوب تساويهما كما استوي حكم الزني في ما أوجب الرحم وما أوجب الجلد فبطل به قول الحسن ولم يجز أن يحمل علي الأموال لأنه لما لم يحمل عليها فيما كثر لم تحمل عليها فيما قل, لاستواء حكم الأموال فيما قل وكثر فبطل هذا قول مالك فلم يبق إلا الأصل الثالث وهو الشاهد في الطلاق والرجعة فيما كثر وقل, والله أعلم.
مسألة قال الشافعي رضي الله عنه: ((ويقبل شاهد وامرأتان ويبين وشاهد فيما لا قصاص فيه مثل الجائفة وجناية من لا قود عليه من معتوه وصبي ومسلم علي كافر وحر علي عبد وأب علي ابن لأن ذلك مال)).
قال في الحاوي: وهذا صحيح كل جناية سقط القصاص فيها وأوجبت الدية قبل فيها شاهد وامرأتان, وشاهد ويمين, كالأموال لأن كل ذلك مال والذي لا قصاص فيه من الجنايات علي ثلاثة أضرب: أحدها: الخطأ المحض ممن كان وعلي من كان.
والثاني: عمد الخطأ, لأنه في حكم الخطأ إلا في تقسيط الدية فيه وتخفيفها.
والثالث: العمد الذي يسقط فيه القصاص وهو ثلاثة أضرب: أحدهما: ما سقط لمعني في الجاني, كجناية الصبي والمجنون, وجناية الأب علي الابن.
والثاني: ما سقط لمعني في المجني عليه كجناية المسلم علي كافر, وجناية الحر علي عبد.
والثالث: ما سقط لمعني في الجناية كالجائفة فيقبل في جميع هذا كله شاهد وامرأتان وشاهد يمين وسواء كانت في نفس أو طرف أو جرح, فإن صارت الجائفة نفسا لم يقبل فيها شاهدان, لأنها صارت موجبة للقصاص في النفس.
فصل: فإذا كانت الجناية عمدا فقال ولي القصاص: لست أقتص فاسمعوا مني شاهدا

وامرأتين, ولم يقبل, لأن قوله: لسن أقتص موعد بالعفو وليس بعفو وإن قال: قد عفوت عن القصاص فاسمعوا شاهدا وامرأتين, فالصحيح أنه يقبل منه شاهد وامرأتان وشاهد ويمين, لأنه لو قام شاهدين بعد عفوة, قبل الشهادة لم يحكم له بالقصاص.
وقال: بعض أصحابنا وهو مذهب أبي علي بن أبي هريرة لا أقبل منه وإن صرح بالعفو إلا شاهدين لأمرين: أحدهما: أن ما أوجب القصاص نوع لا يقبل فيه أقل من شاهدين.
والثاني: أنه عفو منه قبل استحقاقه للقصاص وكلا التعليلين خطأ, لأن العفو يخرجه من نوعه القصاص, فبطل التعليل الأول, والعفو قبل البينة عفو بعد استحقاق القصاص, لأنه يستحق بالجناية لا بالبينة فبطل التعليل الثاني.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: ((فإن كان الجرح هاشمة أو مأمومة لم أقبل أقل من شاهدين لأن الذي شج إن أراد أن آخذ له القصاص من موضحة فعلت لأنها موضحة وزيادة)).
قال في الحاوي: أما دون الموضحة من شجاج الرأس فيقبل فيه عمدا كان أو خطأ شاهد وامرأتان, وشاهد ويمين, لأنه لا قصاص في عمده وأما الموضحة فلا يقبل فيها إذا كانت عمدا إلا شاهدان, لأنها موجبة للقصاص فإن قيل: إذا أقام في عمدها شاهدا وامرأتين, أو شاهدا ويمينا, هلا حكمتم له بالدية وأسقطتم القود؟ كالسرقة إذا شهد بها شاهدان حكم فيها بالقطع والغرم وإن شهد بها شاهد وامرأتان أسقط القطع وحكم الغرم, [قيل لا] لفرق منع من الجمع بينهما وهو أن الغرم والقطع في السرقة حقان يجمع بينهما الاختلاف مستحقها وليس أحدهما بدلا من الآخر, فجاز أن يفرد كل واحد منهما بحكمه والقصاص والأرش في الموضحة حق وجب بسبب واحد لمستحق واحد أحدهما بدلا من الآخر فشاركه في حكمه, فلم يجز أن يثبت أحدهما مع انتفاء الآخر فافترقا.
وأما ما فوق الموضحة في الهامشة والمنقلة والمأمومة فقد جمعت هذه الشجاج بين فيه قصاص وهو الإيضاح وبين ما ليس فيه قصاص, وهو الهشم والتنقيل ففيها للشافعي قولان: أحدهما: وهو المنصوص عليه في هذا الموضع, لأنه لا يقبل فيها إذا كانت عمدا إلا شاهدان, لأن فيها إيضاحا يستحق فيه القصاص لمن طلب.
والثاني: قاله في كتاب الشاهد واليمين أنه يقبل فيها شاهد وامرأتان وشاهد ويمين, لأنه لما قبل ذلك فيه إذا انفرد عن الإيضاح لم يمتنع قوله فيه إذا اقترن بالإيضاح وصار

الإيضاح ملحقًا به في سقوط القصاص لمشاركته له.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه:"ولو شهد أنه ضربه بسيٍف وقفتهما فإن قالا فأنهر دمه ومات مكانه قلبتهما وجعلته قاتلًا وإن قالا لا ندري أنهر دمه أم لا بل رأيناه سائلًا لم أجعله جارحًا حتى يقولا أوضحه هذه الموضحة بعينها".
قال في الحاوي: فقد مضى الكلام في الشهود, فأما صفة الشهادة: فيجب أن تكون مفسرة لا احتمال فيها, لقول الله تعالى: ﴿إلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف 86] فإذا قال الشاهدان: رأيناه قد طلبه بسيبف وغابا عنا ثم رأيناه قتيلًا, أو جريًحا, لم تقبل هذه الشهادة لجواز أن تكون قد قتله أو جرحه غيره وهكذا لو قالا: قد رأيناه وقد ضربه بسيف ثم غابا ووجدناه قتيلًا أو جريحًا لم تقبل لجواز ما ذكرنا من قتل غيره أو جراحة غيره فإن قالا رأيناه وقد ضربه بسيف فأنهر دمه ومات مكانه قبلت هذه الشهادة, لأن ظاهر موته أنه من إنهار دمه فإن ادعى الجارح أنه مات من غير جراحته لم تقبل منه مع الشهادة عليه بموته نظر في موته فإن بعد زمان لا يجوز أن يندمل فيه الجراحة حكم على الجارح بالقتل لأن ظاهر موته قبل اندمال الجراحة أنه منها فإن ادعى الجارح أنه مات من غيرها فهو محتمل وإن كان بخلاف الظاهر فيحلف الولي أنه مات من الجراحة, وإن كان موته بعدها بزمان يجوز أن تندمل فيه الجراحة حكم عليه بالجراحة, ولم يحكم بالقتل حتى يقيم وليه البينة أنه لم يزل ضمنًا مريضًا حتى مات فيحكم عليه حينئٍذ بالقتل.
فإن ادعى موته من غيره أحلف وليه لقد مات من جراحته ولكن لو شهد الشاهدان أنه ضربه بسيفه ولم يشهد أنه أنهر دمه لم يكن جارحًا, لأنه ليس كل مضروب بسيف ينجرح به وهكذا لو قالا: ضربني بسيفه فسال دمه لم تقبل شهادتهما لجواز أن يسيل من فتح عرق أو رعاف ولا قالا: ضربني بسيفه فسال دمه لم تقبل شهادتهما لجواز أن يسيل من فتح عرق أو رعاف ولا قالا: ضربه بسيفه فأسال دمه, قبلت شهادتهما, لأنها أضافا سيلان الدم إليه بخلاف ما تقدم فإن شهدا أنه أوضحه في رأسه, فإن عينا الموضحة حكم فيها بالقصاص أو الدية, وإن لم يعيناها نظر فإن لم يكن في رأسه غير موضحة واحدة, كانت هي المشهودة بها, وإن لم يعين حكم فيها بالقصاص, لأن الدية تجب في كل موضحة على كل موضع من الرأس فلم يفتقر إلي التعيين والقصاص لا يجب إلا بعد تعيين الموضع من الرأس وقدرها في الطول والعرض.
وهكذا لو شهد أنه قطع إحدى يديه, ولم يعيناها فإن كانت إحدى يديه باقية وجب القصاص في الدامية أو الدية وإن لم يعين, لأنها صارت ببقاء الأخرى معينة في الدامية وإن كان مقطع اليدين لم يحكم له

بالقصاص, لأنه لا يدري مستحقة في يمنى أو يسرى وحكم له بالدية لاستوائها في اليمنى واليسرى ثم على هذا القياس فيما سواه والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه:"ولو شهدا على رجلين أنهما قتلاه وشهدا لآخران على الشاهدين الأولين أنهما قتلاه وكانت شهادتهما في مقاٍم واحٍد فإن صدقهما ولي الدم معًا أبطلت الشهادة وإن صدق اللذين شهدا أولا قبلت شهادتهما وجعلت الآخرين دافعين بشهادتهما وإن صدق اللذين شهدا أخرا أبطلت شهادتهما لأنهما يدفعان بشهادتهما ما شهد به عليهما".
قال في الحاوي: وهذه المسألة مصورة في سماع الشهادة على القتل قبل دعوى الولي, وقد اختلف أصحابنا في كيفية سماعها قبل الدعوى على ثلاثة أوجه: أحدها: أنها تسمع قبل الدعوى, إذا كان الولي طفلًا, أو غائبًا, ولا يجوز سماعها إذا كان بالغًا, حاضرًا.
والثاني: أنها تسمع قبل الدعوى, إذا لم يعرف الولي شهوده ولا تسمع إذا عرفهم بعد الدعوى.
والثالث: وهو قول أبي إسحاق المروزي وأبي علي بن أبي هريرة والجمهور أنها تسمع قبل الدعوى في الدماء خاصة, ولا تسمع في غير الدماء, إلا بعد الدعوى والفرق بينهما من وجهين: أحدهما: لتغليظ الدماء على غيرها من الحقوق.
والثاني: أنها من حقوق المقتول يقضي منها ديونه, وتنفذ منها وصاياه فجاز للحاكم أن ينوب عنه في سماع الشهادة قبل دعوى أوليائه ويجيء على هذا التعليل أن يسمعها في ديون الميت, ولا يسمعها في ديون الحي, وعلى التعليل الأول لا يسمعها في ديون حي, ولا ميت وعلى هذا الترتيب يتأول, اختلاف الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"خير الشهداء من شهد قبل أن يستشهد",إنها محمولة على ما يشهد فيه قبل سماع الدعوى.
وما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"شر الشهداء من شهد قبل أن يستشهد" محمول على ما لا يشهد فيه إلا بعد سماع الدعوى.
فصل: فإذا تقرر ما ذكرنا فصورة مسألتنا في شاهدين شهدا على رجلين أنهما قتلا زيدًا, وشهد الرجلان المشهود عليهما أن الشاهدين الأولين هما اللذان قتلا زيدًا, فللولي حالتان:

أحدهما: أن تصح منه الدعوى.
والثاني: أن لا تصح منه, فإن صحت منه الدعوى لبلوغه وعقله, سأله الحاكم عما يدعيعه من القتل على من يعينه من الأربعة وهو في ذلك على ثلاثة أقسام: أحدهما: أن يدعيه على الآخرين الذين شهد عليهما الأولان فتكون شهادة الأولين عليهما ماضية ويحكم للولي على الآخرين بالقتل لسلامة الأولين عند شهادتهما وتهمة الآخرين في الشهادة بالرفع عن أنفسهما وهل يلزم الحاكم أن يستعيد الشهادة بعد الدعوى أم لا؟ على وجهين: أحدهما: لا يستعيدها, ويحكم بما تقدم من شهادتهما, لأنه لا يستعيد بها زيادة علم.
والثاني: يلزمه استعادتهما, ولا يجوز له أن يحكم بما تقدم منها لأنه لا يجوز أن يكون الحكم سابقًا للدعوى.
والقسم الثاني: أن يدعو الولي قتله على الأولين دون الآخرين, فشهادتهما على الأولين باطلة, لأنهما قد صارا عدوين لهما, ومتهمين في شهادتهما.
والقسم الثالث: أن يدعه قتله على جماعتهم فتبطل الشهادتان لإكذابه لهما, وإقراره بفسقهما, وإن كان الولي ممن لا تصح منه الدعوى لصغره, أو جنونه, فقد اختلف أصحابنا هل يقضي الحاكم بموجب الشهادة أو يوقفها على بلوغ الولي وعقله؟ على وجهين: أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي يقضي بموجب الشهادة ويقضي على الآخرين بالقتل بشهادة الأولين.
والثاني: أنه يقف الشهادة, ولا يبت الحكم فيها حتى يبلغ, ويفيق المجنون, ثم يرجع إليه ويعمل على ما بينه وادعاه من الأقسام الثلاثة, لتردد الشهادة بين إيجاب وإسقاطه فلم يحكم بأحدهما مع احتمالهما فأما إذا اتفقت شهادة بعض ولم يتقدم إحداهما على الأخرى فكلتا الشهادتين باطلة لا يحكم بواحدة منهما ولا يرجع فيهما إلي دعوى الولي, لتعارض الشهادتين في التدافع بهما, والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه:"ولو شهدا أحدهما على إقراره أنه قتله عمدًا والآخر على إقراره ولم يقل خطأ ولا عمدًا جعلته قاتلًا والقول قوله فإن قال عمدًا فعليه القصاص وإن قال خطأ أحلف ما قتله عمدًا وكانت الدية في ماله في مضى ثلاث سنين".

قال في الحاوي: وصورتها في شاهدين شهدا على إقرار رجل بالقتل, فقال أحدهما: أقر عندي أنه قتل عمدًا, وشهد الآخر: أقر عندي أنه قتله ولم يقل عمدًا, وشهد الآخر: أقر عندي ولم يقل عمدًا ولا خطأ فقد تمت الشهادة على إقراره بالقتل ولم تتم الشهادة على إقراره بصفة القتل, فيسأل المقر عن صفة القتل, فإنه لا يخلو فيها من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يقول قتله عمدًا فيقتص منه بإقراره الآنف لا بالشهادة المتقدمة فإن عفا عنه إلي الدية, كانت حالة مغلظة في ماله.
والثانية: أن يقول: قتلته خطأ فلا يحكم عليه بالقود لأنه لم يتم الشهادة بالعمد, ولكن يكون هذا لوثًا في قتل العمد لأنه إذا ثبت اللوث بشهادة واحد فأولى أن يثبت بشاهدين فإن أقسم حكم له بالقود على قوله في القديم, وبالدية المغلظة حالة على قوله في الجديد, وإن لم يقسم, أحلف المقر بالله أنه ما قتله عمدًا ولزمته دية والخطأ مخففة يؤديها من ماله, في ثلاث سنين, ولا تحملها عنه العاقلة, لأنها دية اعتراف.
والثالثة: أن يمسك عن البيان, فيصير كالناكل فترد اليمين على الولي فإن حلف حكم له بالقود بيمينه لا بالشهادة، وإن نكل حكم له بدية الخطأ دون العمد بالشهادة.
فصل: ولو كانت الشهادة على فعل القتل، فشهد أحدهما أنه قتله عمدًا وشهد الآخر أنه قتله خطأ، سئل كل واحد منهما عن صفة القتل الذي شاهده، فإن اتفقا عليها واختلفا في الحكم عندهما لم تكن في هذه الشهادة تعارض ووجب على الحاكم أن يعتبر بما شهدا به من صفة القتل، فإن كان عمدًا حكم فيه القود، وإن كان خطأ حكم فيه بدية الخطأ على العاقلة وإن اختلفا في صفة القتل فهو تعارض لا يحكم فيه بعمد ولا خطأ على ما سنذكره من بعد، وبالله التوفيق.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو قال أحدهما قتله غدوًة وقال الآخر عشيًة أو قال أحدهما بسيف والآخر بعصًا فكل واحٍد منهما مكذب لصاحبه فمثل هذا يوجب القسامة".
قال في الحاوي: إذا تعارض الشاهدان فأثبت كل واحد منهما ما نفاه الآخر فلذلك ضربان: أحدهما: أن تكون شهادتهما على فعل القتل.
والثاني: أن تكون على الإقرار بالقتل، فإن كانت على فعل القتل فقال أحدهما: قتله غدوة أو في يوم السبت وقال الآخر: قتله عشية أو في يوم الأحد، أو قال أحدهما:

قتله بسيف، وقال الآخر: بعضا.
أو قال أحدهما: قتله بالبصرة، وقال الآخر بالكوفة، فهما وإن اتفقا على الشهادة بالقتل فقد تعارضا في صفته فصارا متكاذبين، لأنه قتله غدوة، غير قتله عشية، وقتله بسيف غير قتله بعصا، فلم يحكم بشهادتهما ولا بشهادة واحد منهما مع يمين المدعي في عمد ولا خطأ.
وقال ابن أبي ليلى أعذر الشاهدين وأحكم بفسقهما لاجتماعهما على كذب مستحيل.
وعند الشافعي وأبي حنيفة: لا تعزير عليهما ولا تفسيق لأحد أمرين: أحدهما: لجواز الاشتباه عليهما، فيخرجان بالشبهة عن الفسق، والكذب.
والثاني: أن كذب أحدهما لا يمنع صدق الآخر، وقد اشتبه الصادق من الكاذب فإذا ثبت أن شهادتهما مردودة، فقد نقب المزني هاهنا، "ومثل هذا يوجب القسامة"، ونقل الربيع في كتاب الأم فمثل هذا لا يوجب القسامة، فاختلف أصحابنا في اختلاف هذين النقلين على ثلاثة أوجه: أحدها: وهو قول أبي إسحاق المروزي أن الصحيح ما نقله المزني هاهنا، أنه يوجب القسامة ويكون الربيع ساهيًا في زيادة لا؛ لأنهما قد اتفقا على الشهادة بالقتل.
والثاني: وهو قول أبي الطيب بن سلمة أن الصحيح، ما نقله الربيع أنه لا يوجب القسامة ويكون المزني ساهيًا في حذف لا لأن تكاذبهما يسقط شهادتهما.
والثالث: أن كلا النقلين صحيح وأنه على قولين مثل تكاذب الوليين: أحدهما: يوجب القسامة.
والثاني: لا يوجبها.
فصل: وأما الضرب الثاني: وهو أن تكون شهادتهما على إقراره بالقتل فيقول: أحدهما: أقر عندي أنه قتله غدوة.
ويقول الآخر: أنه قتله عشية أو يقول أحدهما: أقر عندي أنه قتله بسيف، ويقول الآخر: أقر عندي أنه قتله بعصا، أو يقول أحدهما: أقر عندي أنه قتله بالبصرة، ويقول الآخر: أقر عندي أنه قتله بالكوفة، فهذه شهادة صحيحة على إقراره بالقتل لا تعارض فيها وإنما التعارض من المقر بالقتل في صفة القتل فلم يؤثر ذلك في شهادة على إقراره بالقتل فإن كان كل واحد من الفعلين عمدًا يوجب القود أقدناه، وإن كان كل واحد منهما خطأ لا وجب القود سقط عنه القود، ولزمته دية الخطأ مؤجلة في ماله، وإن كان أحدهما عمدًا موجبًا للقود والآخر على إقراره بقتل الخطأ، فيكون على ما مضى في الرجوع إلي قوله، فإن أقر بالعمد أقدناه، وإن أقر بالخطأ أخلفناه، وإن امتنع من البيان جعلناه ناكلًا، وأحلفنا ولي الدم على ما ادعاه من العمد فإن نكل حكمنا له بدية الخطأ في ماله دون عاقلته.

مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو شهد أحدهما أنه قتله والآخر أنه أقر بقتله لم تجز شهادتهما لأن الإقرار مخالٌف للفعل".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا أقام ولي الدم شاهدان، شهد أحدهما على فعل القتل، فقال: رأيته قتله، وشهد الآخر على الإقرار بالقتل، قال: أقر عندي أنه قتله لم تتعارض شهادتهما، لأنها غير متنافية ولم تتم الشهادة منهما، لأنها غير متماثلة، لأن فعل القتل، غير الإقرار بالقتل، ولم تكن تكمل الشهادة على الفعل ولا على الإقرار، فلم يجز أن يحكم عليه بواحد منها، لكن يكون هذا لوثًا يوجب القسامة قولًا واحدًا، لأن كل واحدة من الشهادتين مقوبة للأخرى غير منافية لها، وإذا كان كذلك لم يخل حال القتل من أن يكون عمدًا أو خطأ، فإن كان خطأ لم يحتج فيه إلي القسامة، لأنه قد تتم البينة فيه بشاهد ويمين فيقال لولي الدم أحلف مع أي الشاهدين شئت يمينًا واحدة تكمل بها ببينتك ويقضي لك فيها بدية الخطأ.
وينظر فإن حلف مع الشاهد على فعل القتل كانت الدية على عاقلته وإن حلف مع الشاهد على إقراره بالقتل كانت الدية في ماله وإن كان عمدًا فعلى ضربين: أحدهما: أن يكون غير موجب للقود كقتل الأب لابنه والمسلم لكافر فهو مختص بوجوب الدية ويصير كالخطأ في أن لا يحكم فيه القسامة لوجود البينة مع يمين الولي مع أي الشاهدين يمينًا واحدة ويحكم له بدية العمد في ماله، سواء حلف مع شاهد الفعل أو مع شاهد الإقرار.
والثاني: من العمد أن يكون موجبًا للقود فيجب الحكم فيه بالقسامة دون الشهادة لأن الشهادة تصير لوثًا فيحلف الولي أيمان القسامة خمسين يمينًا ويحكم له بالقود على قوله في القديم وبدية العمد حالة على قوله في الجديد والله تعالى أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو شهد أنه ضربه ملففًا فقطعه باثنين ولم يبينا انه كان حيًأ لم أجعله قاتلًا وأحلفته ما ضربه حيًا".
قال في الحاوي: أما شهادة الشاهدان بالقتل فغير مفتقرة إلي ثبات الحياة عند القتل، لأن القتل هو إماتة الحياة فدلت على وجود الحياة عند القتل فأما إذا شهد أنه قطع ملفوفًا في ثوب باثنين فهذه شهادة محتملة لأنه قد يجوز أن يكون عند القطع حيًا، ويجوز أن يكون ميتًا، فيسأل الشاهدان لأجل هذا الاحتمال عن حال الملفوف، ولهما فيه ثلاثة أحوال:

أحدها: أن يشهدا بحياته عند قطعه، أو بمشاهده وحركته أو بختلاجه بعد قطعه، فهذا كله شهادة بالحياة، لأنه لا يختلج بعد القطع إلا حي.
فأما الشهادة بسيلان دمه عند قطعه فلا تكون شهادة بحياته وإن كان دم الميت جامدًا، لأن جمود دمه بعد فتور حرارته، وقد يحتمل أن يكون قد مات لوقته قبل فتور حرارته وجمود دمه فلذلك لم تثبت فيه الحياة.
والثانية: أن يشهدا موته عند قطعه، فيصير شاهدين بنفي الحياة، وإثبات الموت فلا تسمع شهادة غيرهما بحياته، وينتفي عنه حكم القتل، ويعزر أدبًا على قطع ميت لانتهاك حرمته.
والثالثة: أن يجهلا حاله عند قطعه، فلا يشهدا بحياته ولا موته، فإن تصادق المدعي والدعي عليه على حياة أو موت عمل على تصادقهما، وإن تنازعا فقال المدعي كان حيًا، وقال المدعى عليه: كان ميتًا كلف كل واحد منهما إقامة البينة على ما ادعاه، فإن أقام المدعي بينة بحياته عند قطعه حكم بها، وأجرى على المدعى عليه حكم القتل، وإن أقام المدعى عليه بينة بموته عند قطعة حكم بها وبرئ المدعى عليه من القتل.
وإن أقام المدعي بينة بالحياة، وأقام المدعى عليه بينة الموت ففيه وجهان: أحدهما: يحكم ببينة الموت، لأنها أزيد علمًا.
والثاني: أنهما متعارضان؛ لأن واحدة منهما تقطع بإثبات ما نفته الأخرى ولم يكن في إحداهما مع القطع بالشهادة زيادة علم، فأما إن أقام على الدعوى وعدما البينة، ففيه قولان: أحدهما: وهو الذي نقله المزني هاهنا ونص عليه الشافعي في أكثر كتبه وبه قال أبو حنيفة إن القول قول الجاني مع يمينه إنه كان ميتًا عند قطعه وهو بريء من قتله إلي حلف لأن الأصل براءة ذمته فصار كما لو ادعى الولي أنه مات من سراية جراحته وادعى أنه مات من غير جراحته، كان القول قول الجاني دون الولي اعتبارًا ببراءة ذمته.
والثاني: وتفرد الربيع بنقله.
وقال بعد رواية الأول وفيه قول آخر: أن القول قول الولي مع يمينه أنه كان حيًا عند قطعه ويؤخذ القاطع بحكم قطعه لأنه الأصل بقاء الحياة حتى يعلم زوالها عند القطع، واليقين، والشك إذا تعارضا سقط حكم الشك باليقين، كما لو تيقن الحدث وشك في الطهارة، أو تيقن الطهارة وشك في الحدث والفرق بين دعوى الموت ودعوى السراية أن الولي مستأنف لدعوى السراية فلم يقبل قوله فيها، والجانب هاهنا مستأنف لدعوى الموت، فلم يقبل قوله فيها، والله أعلم بالصواب.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو شهد أحد الورثة أن أحدهم عفا القود والمال

فلا سبيل (إلى) القود وإن لم تجز شهادته وأحلف المشهود عليه ما عفا المال ويأخذ حصته من الدية وإن كان ممن تجوز شهادته حلف القاتل مع شهادته لقد عفا عنه القصاص والمال وبرئ من حصته من الدية".
قال في الحاوي: وصورتها من قتل عمد ترك ابنين شهدا أحدهما على أخيه بالعفو فلا تخلو شهادته عليه، من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يشهد عليه بعفوه عن القود وحده، فيسقط القود بهذه الشهادة في حق الشاهد والمشهود عليه بحكم الإقرار، لا بحكم الشهادة، ويستوفي فيها من تجوز شهادته ومن لا تجوز، لأن الشاهد على أخيه بالعفو مقر لسقوط القود في حق نفسه، لأنه القود لا يتبعض، وعوف أحد الأولياء عنه موجب لسقوطه في حقوق جميعهم، وإذا سقط في حق الشاهد، سقط في حق المشهود عليه، ولا يمين على القاتل في إثبات العفو ولا على المشهود عليه في نفيه لسقوط القود بمجرد الإقرار وقضى لهما بدية العمد على سواه.
والقسم الثاني: أن يشهد عليه بعفوه عن الدية دون القود فينظر حال الشاهد، فإن كان ممن لا تجوز شهادته بجرحه رد قوله، ولم يحكم به في شهادة ولا إقرار؛ لأن المجروح لا يشهد والإقرار لا يؤثر، وكان المشهود عليه على حقه من القود والدية.
وإن كان الشاهد ممن تجوز شهادته لعدالته لم تؤثر بشهادته في القود، لأنه ما شهد بالعفو عنه، وكان أخوه على حقه منه وهل تكون شهادته مؤثر في العفو عن الدية أم لا؟ على وجهين مخرجين من اختلاف قوليه في قتل العمد والذي يجب به على قولين: أحدهما: أنه موجب لأحد أمرين من القود، أو الدية، فعلى هذا تؤثر شهادة الأخ في العفو عن الدية، إذا حلف معه القاتل لقد عفا عن الدية لأن الإبراء من الدية قبل استحقاقها، ويكون الأخ المشهود عليه مخيرًا بين القود والعفو عنه لا اختيار الدية.
والقسم الثالث: أن يشهد عليه بعفوه عن القود والدية معًا، فالقود قد سقط بكل حال، سواء كان الشاهد ممن تجوز شهادته أو لا تجوز لما بيناه من قبل، فأما الدية فهي معتبرة بحال الشاهد، فإن كان ممن لا تجوز شهادته كانت شهادته مردودة، وحلف المشهود عليه ما عفا عن الدية ولا يحتاج أن يذكر في يمينه وما عفا عن القود، ولا يختلف أصحابنا فيه، لأن يمينه موضوعة لإثبات ما يستحقه وهو يستحق الدية دون القود، وإن كان الشاهد ممن تجوز شهادته أبرأت شهادته قولًا واحدًا، إذا حلف معها القاتل على العفو، وكانت بينة تامة في الإبراء.
وفي صفة يمين القاتل هاهنا مع شاهده وجهان: أحدهما: ذكره الشافعي رضي الله عنه في كتاب الأم، وقاله أبو إسحاق المروزي

يحلف لقد عفا عن الدية ولا يذكر أنه عفا عن القود، لسقوط القود بإقرار الأخ دون شهادته، وكما يحلف الأخ إذا ردت شهادة أخيه أنه ما عفا عن الدية ولا يذكر القود.
والثاني: ذكره الشافعي في هذا الموضع وقاله أبو علي بن أبي هريرة أنه يحلف القاتل مع شاهده لقد عفا عن القود والدية، لأن هذه يمين تقوم مقام شاهد فكانت على لفظ الشهادة وخالفت يمين الأخ، لاختصاصها بإثبات المستحق، والله اعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو شهد وارٌث أنه جرحه عمدًا أو خطًأ لم أقبل لأن الجرح قد يكون نفسًا فيستوجب بشهادته الدية".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، لأن كل شاهٍد جر بشهادته إلي نفسه نفعًا أو دف بها ضررًا، كانت شهادته مردودة، فإذا شهد وارقا المجروح وهما أخواه، أو عماه على رجل أنه جرحه لم تخل حال الشهادة من أحد أمرين: أحدهما: إما أن يكون بعد اندمال الجرح، فشهادتهما مقبولة، لأنهما لا يجدان بها نفعًا ولا يدفعان بها ضررًا، سواء أوجبت القصاص أو الدية.
والثاني: أن تكون الشهادة قبل اندمال الجرح فهي مردودة فلا تقبل لأمرين: أحدهما: أنها قد تسري إلي نفسه فيموت منها ويصيرا المستحقين لها، فيصيرا شاهدين لأنفسهما.
والثاني: أن المجروح مع بقاء الجراح متهم.
ولورثة المريض الاعتراض عليه في مال ومنعه من التصرف فيما زاد على ثلثه كاعتراضهم عليه بعد موته ولا تجوز شهادتهم له بعد الموت، كذلك في المرض، فعلى هذا إن كان الجرح مام يسري مثله إلي النفس جازت شهادتهما لع على التعليل الأول، ولم تجز شهادتهما له لى التعليل الثاني، وكذلك لو شهد له وارثاه في مرضه بدين له في قبول شهادتهما له وجهان: أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي لا تقبل شهادتهما في الدين كما لا تقبل في الجرح، وهو مقتضي التعليل الثاني.
والثاني: وهو قول أبي الطيب بن سلمة أنها تقبل في الدين وإن لم تقبل في الجراح والفرق بينهما أن الدين يملكه الموروث ثم ثنتقل عنه إلي الوارث والدية يملكها الوارث عن الجاني فصار في الجناية شاهدًا لنفسه فردت شهادته وفي الدين شاهدًا لغيره فأمضيت شهادته وهذا مقتضى التعليل الأول، والله أعلم.

فصل: فإذا تقرر أنه لا تقبل شهادتهما له قبل اندمال الجرح الساري، لم يخل حال الجرح من أن يسري إلي النفس أو يندمل، فإن سرى إلي النفس استقر الحكم في رد شهادتهما، وإن اندمل لم يحكم بالشهادة المتقدمة، وفي الحكم بها إن استأنفاها بعد الاندمال وجهان: أحدهما: تقبل شهادتهما في المستأنف لزوال ما منع من ردها: والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي لا تقبل شهادتهما للحكم بردها في شهادة الأول كالفاسق إذا ردت شهادته لم تقبل إذا ادعاها بعد عدالته، والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "فإن شهد له من يحجبه قبلته فإن لم أحكم حتى صار وارثًا طرحته ولو كنت حكمت ثم مات من يحجبه ورثته لأنها مضت في حين لا يجر بها إلي نفسه".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا ردت شهادة الوارثين في الجراح اعتبرت بكونهما وارثين عند تنفيذ الحكم بشهادتهما لأنهما بحال التهمة الموجبة للرد، وإذا كان كذلك واختلف حالهما قبل الشهادة وبعدها فلهما حالتان: أحداهما: أن يكونا غير وارثين عند الشهادة ثم يموت من يحجبهما فيصيرا وارثين بعد الشهادة، وقبل الحكم بها، فبشهادتهما مردودة لحدوث ما يمنع من قبولها عند الحكم بها فصار كما لو شهد عدلان، فلم يحكم بشهادتهما حتى فسقا ردت شهادتهما في العدالة، لحدوث الفسق عند الحكم بها.
والثاني: يصيرا وارثين بعد الحكم بهشادتهما فهي ماضية لا تنقضي بحدوث ما تجدد بعد نفوذ الحكم بها، كما لو حكم بشهادة العدلين ثم فسقا لم ينقص الحكم بحدوث فسقهما، والله أعلم.
فصل: والثانية أن يكونا وارثين عند الشهادة ويحدث من يحجبهما فيصيرا غير وارثين بعدها، فلا يكون الحكم بما تقدم من شهادتهما لاقتران التهمة فإن استأنفهما بعد أن صارا غير وارثين ففي جواز قبولها على ما مضى من الوجهين في إعادة شهادتهما بعد اندمال الجرح، والله أعلم.

مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو شهد من عاقلته بالجرح لم أقبل وإن كان فقيرًا لأنه قد يكون له ماٌل في وقت العقل فيكون دافعًا عن نفسه بشهادته ما يلزمه.
قال المزني رحمه الله: وأجازه في موضع آخر إذا كان من عاقلته في قرب النسب من يحمل العقل حتى لا يخلص إليه الغرم إلا بعد موت الذي هو أقرب".
قال في الحاوي: وصورتها في شاهدين شهدا على رجل بالقتل، وشهد شاهدان من عاقلة القاتل بجرحهما، فالقتل المشهود به ضربان: عمد، وخطأ، فإن كان عمدًا قبلت شهادة العاقلة بجرح الشاهدين على القتل، لأن القتل العمد لا يتوجه على العاقلة منه حكم فلم يهتموا في الشهادة بالجرح، لأنهم لا يدفعون بها ضررًا ولا يجرون بها نفعًا، وإن كان القتل خطأ فعلى ضربين: أحدهما: أن تكون الشهادة على إقراره به فتقبل شهادة العاقلة في جرح الشهود لأن العاقلة لا تحمل الاعتراف فلم يتهموا في شهادة الجرح.
والثاني: أن تكون الشهادة على فعل القتل فلا تقبل شهادة العاقلة في الجرح لأن دية الخطأ تجب عليهم، فإذا شهدوا بجرح شاهدي الأصل، دفعوا بها تحمل الدية عن أنفسهم، فصار كشهادة القاتل بجرحهم في قتل العمد وهي مردودة لدفعة بها عن نفسه، كذلك شهادة العاقلة في قتل الخطأ.
فصل: فإذا ثبت رد شهادتهم بالجرح فهم ضربان: أحدهما: أن يكونوا عند الشهادة بوصف من يتحمل الدية لوجود شرطين: قرب النسب، ووجود الغنى فهؤلاء هم المردود شهادتهم بالجرح.
والثاني: أن يكونوا عند الشهادة بوصف من لا يتحمل الدية وهم صنفان: أحدهما: من لا يتحملها لفقر.
والثاني: من لا يتحملها لبعد نسبه ووجود من هو أقرب نسبًا، فإن كان ممن لا يتحملها لفقره.
قال الشافعي: لم تقبل شهادته بالجرح وإن كان ممن لا يتحملها لبعد نسبه ووجود من هو أقرب منه، قال الشافعي: قبلت شهادته بالجرح فاختلف أصحابنا في اختلاف نصه فيها على وجهين: أحدهما: وهو قول المزني وطائفة من متقدمي أصحابنا أن حملوا ذلك فيها على اختلاف قولين:

أحدهما: أنه لا تقبل شهادة من لا يتحملها لقرب نسبه وتقبل شهادة من لا يتحملها لبعد نسبه على ما نص عليه في بعد النسب، لأنهما جميعًا عند شهادتهما بوصف من لا يتحمل العقل فلم يتوجه إليهما عند الشهادة بالجرح تهمة يجدان بها نفعًا، أو يدفعان بها ضررًا.
والثاني: أنه لا تقبل شهادة من لا يتحملها لبعد نسبه ولفقره ولا شهادة من لا يتحملها لبعد نسبه، لأنهما قد يجوز أن يصيرا عند الحول ممن يتحملها لاستغناء الفقير وموت من هو أقرب من ذي النسب البعيد فيصيرا دافعين عن أنفسهما تحمل العقل بشهادتهما فهذا أحد الوجهين: والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي، وأبي علي بن أبي هريرة وكثير من متأخري أصحابنا أنه ليس ذلك على اختلاف قولين والجواب على ظاهره في الموضعين فلا تقبل شهادة من لا يتحملها لفقره، وتقبل شهادة من لا يتحملها لبعد نسبه على ظاهر نصه، والفرق بينهما أن الفقير معدود من العاقلة في الحال، لقرب نسبه وإن جاز أن لا يتحمل العقل عند الحول لبقاء فقره والبعيد النسب غير معدود من العاقلة في الحال، وإن جاز أن يتحمل العقل عند الحول، بموت من هو أقرب فافترق معناهما فكذلك ما اقترفنا في الشهادة وجمع المزني بين معناهما ولذلك ما جمع بينهما في الشهادة.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وتجوز الوكالة في تثبيت البينة على القتل عمدًا أو خطأ فإذا كان القود لم يدفع إليه حتى يحضر الولي أو يوكله بقتله فيكون له قتله".
قال في الحاوي: قد مضت هذه المسألة في كتاب الوكالة، وأعادها المزني في أول كتاب الجنايات، ثم تكررها في هذا الموضع من كتاب القسامة، ونحن نشير إليها مع تقدم استيفائها الوكالة ضربان: أحدهما: في تثبيت القصاص فتصح في قول الجمهور، ولأنها وكالة في إثبات حق ومنع منها أبو سيف، لأنه حد يدرأ بالشبهة فإذا ثبت القصاص لم يكن للوكيل أن يستوفيه في قول الجمهور لقصور تصرفه على ما تضمنته الوكالة في تثبيت القصاص دون استيفائه وجوز له ابن أبي ليلى الاستيفاء لمطلق الوكالة كما يجوز له بمطلقها في المبيع قبض الثمن، وقد ذكرنا الفرق بينهما فإن اقتص الوكيل وجب عليه القود.
والثاني: أن يكون له استيفاء فظاهر ما نص عليه في هذا الموضع جواز الوكالة وظاهر ما نص عليه في كتاب الوكالة بطلانها فاختلف أصحابنا فمنهم من خربه على اختلاف قولين، وقد شرحنا كلا الطريقتين، فإن قيل بأن الوكالة في الاستفتاء لا

تصح منع الوكيل من القصاص فقد أساء ولا ضمان عليه، لأنه مأذون له في فساد عقده، وإن قيل بجواز الوكالة في الاستيفاء، فإن عقدت الوكالة بعد ثبوت القصاص صحت وإن عقدت قبل ثبوت القصاص ففي صحتها وجهان: أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي: لا تصح الوكالة لعقدها قبل ثبوت الاستحقاق.
والثاني: تصح الوكالة لأن القصاص مستحق بالقتل فصارت الوكالة معقودة بعد الاستحقاق وهكذا لو جمع له في عقد الوكالة بين تثبيت القصاص، وبين استيفائه، صحت الوكالة في إثباته، وفي صحتها في استيفائه وجهان: فإذا صحت الوكالة في الاستيفاء فهل يلزم إحضار المولى حيث يعلم الوكيل أو الحاكم بطلبه وعفوه؟ على وجهين: أحدهما: وهو قول أبي المروزي، يلزم حضوره إلي حيث لا يخفى على الوكيل أو الحاكم حاله في بقائه على الطلب أو حدوث العفو، لأنه قود يفوت استدراكه، والظاهر من أحوال أهل الدين الذين وصفهم الله تعالى بالرأفة والرحمة أن يعفو بعد ظهور القدرة.
والثاني: لا يلزم أن يقرب كما لم يلزم أن يحضر، لأن ظاهر حاله بقاؤه على استيفاء ما وكل فيه ولا يمنع من ذلك فوات استدراكه كما لم يمنع من التوكيل في عقد النكاح، وفي الطلاق الثلاث، مع فوات استدراكه، والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وإذا أمر السلطان بقتل رجٍل أو قطعه اقتص من السلطان لأنه هكذا يفعل ويعزر المأمور".
قال في الحاوي: وقد مضت هذه المسألة في أول كتاب الجنايات وهو أن يأمر السلطان رجلًا بقتل رجل مظلمًا فقتله المأمور لم يخل حاله من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يعتقد أن السلطان محق في قتله، وأنه لا يرى قتل أحد ظلمًا فعلى السلطان الآمر القود، دون المأمور القاتل، لأن المأمور كالآلة لالتزامه طاعة سلطانه، والسلطان هو القتل لنفوذ أمره، ولا تعزير على المأمور، لأنه أطاع فيما ظاهره حق.
والثاني: أن يكون القتل مختلفًا في استحقاقه، كقتل مسلم بالكافر، والحر بالعبد، فيعقد السلطان الآمر وجوبه، لما أداه اجتهاده إليه، ويعتقد المأمور سقوطه لما يعتقده من مذهبه، فلا قصاص على واحد منهما لكن يعزر المأمور لإقدامه على قتل يعتقد حظره، وإن سقط القود باجتهاده كالآمر.

والثالث: أن يكون القتل محظورًا ودم المقتول محقونًا والمأمور عالم بظلمه إن قتل، فهذا على ضربين: أحدهما: أن لا يكون من الآمر إكراه للمأمور، فالقود واجب على المأمور دون الآمر لمباشرته لقتل مظلوم باختياره ويعزر الآمر تعزير مثله لأمره بقتل هو مأمور يمنعه.
والثاني: أن يكون من الآمر إكراه للمأمور صار به الآمر قاهرًا والمأمور مقهورًا فالقود على الآمر القاهر واجب، ولا تمنع ولايته من استحقاق القود عليه، بخلاف ما ذهب إليه بعض من يدعي العلم من إعفاء الولاة من القصاص، لئلا يستوي الشريف والمشروف، والوالي والمعزول، وقد أعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم القصاص من نفسه وكذلك خلفاؤه الراشدون من بعده، ولأن أولى الناس بإعطاء الحق من نفسه من يتولى أخذ الحقوق لغيره لقول الله تعالى: ﴿أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة 44] ويكون القهر من هذا الآمر فسقًا وهل ينعزل به عن إمامته أم لا؟ على وجهين: أحدهما: ينعزل، لأن العدالة شرطًا في عقد إمامته.
والثاني: لا ينعزل به حتى يعزله أهل العقد والحل، إن أقام على حاله ولم يتب عند استتابته، لأن ولايته انعقدت بهم فلم ينعزل عنها إلا بهم، فأما المأمور المقهور ففي وجوب القود عليه، قولان: أحدهما: يجب عليه القود، لأن لا يستحق إحياء نفسه بقتل غيره.
والثاني: لا قود عليه، واختلف أصحابنا في علته، فذهب البغداديون إلي أن العلة في سقوط القود عنه أن الإكراه شبهة يدرأ بها الحدود، فعلى هذا يسقط القود عنه وتجب الدية عليه ويلزمه نصفها، لأنه أحد قاتلين، لأن الشبهة تدرأ بها الحدود ولا تدفع بها الحقوق، وذهب البصريون إلي أن العلة في سقوط القود عنه، أن الإكراه إلجاء وضرورة، ينقل حكم الفعل عن المباشرة إلي الآمر فعلى هذا لا قود عليه ولا دية، والله أعلم بالصواب.

باب الحكم في الساحر إذا قتل بسحره

أصل ما جاء في السحر قول الله تعالى: ﴿واتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ومَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ولَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ومَا أُنزِلَ عَلَى المَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ ومَارُوتَ﴾ [البقرة: 102] الآية.
ونحن ذكر ما قاله المفسرون فيها وما احتمله تأويل معانيها ليكون حكم السحر محولًا عليها.
أما قوله تعالى: ﴿واتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ [البقرة: 102] فيه وجهان: أحدها: ما تدعي.
والثاني: ما تقرأ وفيها تتلوه وجهان: أحدهما: السحر.
والثاني: الكذب على سليمان وفي الشياطين هاهنا وجهان:

أحدهما: أنهم شياطين الجن وهو المطلق من هذا الاسم.
والثاني: أنهم شياطين الإنس المتمردون في الضلال، ومنه قول جرير: أيام يدعونني الشيطان من غزلي... وكن يهونني إذا كنت شيطانا وفي قوله تعالى على ملك سليمان وجهان: أحدهما: يعني في ملك سليمان لما كان حيًا وتكون على بمعنى في.
والثاني: على كرسي سليمان، بعد وفاته، لأنه كان من آلات ملكه ويكون على مستعملًا على حقيقته وفي قوله: ﴿ومَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ولَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة 102] وجهان: أحدهما: يعني وما سحر سليمان ولكن الشياطين سحروا فعبر عن السحر بالكفر، لأنه يؤول إليه.
والثاني: أنه مستعمل على حقيقة الكفر، لأن سليمان لم يكفر ولكن الشياطين كفروا.
فإن قيل: إن المراد به السحر، ففيه وجهان: أحدهما: أن الشياطين كانوا يسترقون السمع ويستخرجون السحر فأطلع الله سليمان عليه فأخذه منهم دفنه تحت كرسيه فلما مات سليمان دلوا عليه الإنس ونسبوه إليه.
وإن قيل: إنه محمول على حقيقة الكفر، ففيما أريد قوله: ﴿ومَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ [البقرة: 102] وجهان: أحدهما: ما كفر بالسحر.
والثاني: ما كفر بما حكاه عن الله تعالى من تسخير الرياح والشياطين له، وفي المراد بقوله تعالى: ﴿ولَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: 102] وجهان: أحدهما: كفروا بما استخرجوه من السحر.
والثاني: كفروا بما نسبوه إلة سليمان من السحر ثم قال" ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: 102] وفيه وجهان: أحدهما: معناه أعلموهم ولم يعلموهم فيكون من الإعلام لا من التعليم وقد جاء في كلامهم تعلم بمعنى أعلم، كما قال الشاعر: تعلم أن بعد الغي رشدا... وإن لذلك الغي انقشاعا والثاني: أنه التعليم المستعمل على حقيقته، وفي تعليمهم للناس السحر وجهان: أحدهما: أنهم ألقوه في قلوبهم فتعلموه.
والثاني: أنهم دلوهم على إخراجه من تحت الكرسي فتعلموه، وفي قوله: ﴿ومَا أُنزِلَ عَلَى المَلَكَيْنِ﴾ [البقرة: 102] وجهان: أحدهما: أنهما ملكان من ملائكة السماء قوله من قرأ بالفتح.

والثاني: أنهما ملكان من ملوك الأرض قاله من قرأ بالكسر في ما هاهنا وجهان: أحدهما: أنها بمعنى الذي، وتقديره الذي أنزل على الملكين.
والثاني: أنهما بمعنى النفي، وتقديره ولم ينزل على الملكين، ببابل وفيه وجهان: أحدهما: أنها أرض الكوفة وسوادها سميت بذلك حين تبلبلت الألسن بها.
والثاني: أنها من نصيبين إلي رأي العين، وهاروت وماروت فيهما وجهان: أحدهما: أنهما اسمان للملكين.
والثاني: أنهما اسمان لشخصين غير الملكين وفيهما وجهان: أحدهما: أنهما من الملائكة اسم أحدهما هاروت، والآخر ماروت.
قاله من زعم أن الملكين المذكورين من قبلهما من ملوك الأرض.
والثاني: أنهما من ناس الأرض، اسم أحدهما هاروت والآخر ماروت من أهل الجبل، قاله من زعم أن الملكين المذكورين هما من ملائكة السماء، فإن قيل إنهما من الملائكة، ففي سبب هبوطهما وجهان: أحدهما: اختيار الملائكة لأنهم عجبوا من عصاة الأرض فأهبط منهم هاروت وماروت في صورة الإنس فأقدما على المعاصي وتعليم النصيحة وهذا يستبعد في الملائكة المعصومين من المعاصي لكن قاله كثر من المفسدين فذكرته.
والثاني: أن الله تعالى أهبطهما لينهيا الناس عن السحر، وإن قيل: إنهما من ناس الأرض ففيهما وجهان-أنهما كانا مؤمنين، وقيل كانا نبيين من أنبياء الله تعالى ولذلك نهيا عن الكفر.
والثاني: أنهما كانا كافرين ولذلك علما السحر، ثم قال: ﴿ومَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: 102] فيه وجهان: أحدهما: أنه على وجه النفي.
وتقديره: لا يعلمان أحد السحر فيقولان-إنما نحن فتنة فعلى هذا يكون راجعًا إلي من انتفت عنه المعصية من الملكين أو من هاروت وماروت.
والثاني: أنه إثبات لتعليم السحر على شرط أن يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فعلى هذا فيه وجهان: أحدهما: أنه راجع إلي من أضيفت إليه المعصية من الملكين ومن هاروت وماروت ويكون تأويل قوله على هذا الوجه ﴿إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: 102] أي شيء عجيب مستظرف الحسن كما يقال للمرأة الحسناء فتنة وهذا تأويل قوله فلا تكفر بما جئناك به وتطرحه بل صدق به وأعمل عليه.
والثاني: أنه راجع إلي من انتفت منه المعصية من الملكين أو من هاروت وماروت فعلى هذا هل لملائكة الله وأوليائه تعليم الناس السحر أم لا؟ فيه وجهان:

جارٍ التحميل