أهله دفع إلى المقيم".
قال في الحاوي: " إذا وجد اللقيط في المصر رجلان أحدهما من أهل المصر والآخر من أهل مصر آخر وهو غريب في هذا المصر فالواجد له من أهل عصره أحق بكفالته من الغريب الذي ليس من أهله لأن قيامه في البلد الذي وجد فيه أشهر لحاله وأقرب إلى ظهور نسبه ولكن لو انفرد الغريب بالتقاطه وأراد إخراجه من البلد الذي وجد فيه إلى بلده فان كان غير أمين أو كان للطريق غير مأمون فلا حق له في كفالته، وإن كان أمينًا والطريق مأمون فعلى ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون بلده قريبًا على أقل من يوم وليلة فهو مستحق لكفالته إذا تساوى البلدان أو كان بلد الملتقط أصلح فأما إن كان بلد اللقيط مصر وبلد الملتقط قرية ففيه وجهان:
أحدهما: لا حق له في كفالته لأن المصر أنفع له من القرية لما فيه من كثرة العلوم والآداب ووفور الصنائع والاكتساب.
والثاني: يستحق كفالته وإخراجه إلى قريته، لأن القرية ريما كانت أعف وكان أهلها أسلم ومعايشهم أطيب ولأن حاله في القرية أيسر منها في المصر الكبير لقلة من فيها وكثرة من ني المصر وقلما يمكن أن يشعر ني للقرى بفاحشة تخفى وريبة تكتم.
والثاني: أن يكون بلده بعيدًا وأخباره منقطعة والطارئ إليه أو منه نادر.
كمن بالعراق إذا أراد نقله إلى للشرق أو الغرب فلا حق له في كفالته لإضاعة نسبه وخفاء حاله فلو قال الغريب: أنا أستوطن بلد اللقيط قلنا: أنت حينئذ أحق بكفالته وإنما تمتع منه إذا أردت.... إلى بلدك.
والثالث: أن يكون بلده بعيدًا على أكثر من يوم وليلة لكن أخباره متصلة والوارد منه كثير كالبصرة وبغداد ففي استحقاقه لكفالته وجهان:
أحدهما: لا حق له في كفالته، لأن حظ اللقيط ني بلده أكثر وحاله فيه أشهر.
والثاني: أنه مستحق لكفالته لتساوي البلدين ني للتعليم والتأديب وربما كان في غير بلده أنفع فعلى هذا الوجه يتعين لحاكم بلد اللقيط أن يكتب إلى حاكم بلد الملتقط يذكر حاله وإشهار أمره.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالي:" وإن كان قرويًا وبدويًا دفع إلى القروي لأن القرية خير له من البادية".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، وإذا التقطه رجلان: أحدهما قروي والآخر بدوي فالقروي أولى من البدوي، سواء وجداه في قرية أو بادية لأن القرية أمكن في التعليم وأبلغ في التأديب وأحسن في المنشأ وقد روى أبو حازم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من بدا جفا ومن اتبع الصيد غفل ومن اقترب من أبواب السلاطين افتتن".
معنى قوله من بدا جفا أي من سكن البادية صار فيه جفاء الأعراب وقوله من اتبع السيد غفل يريد من يشتغل به وينقطع إليه تصير فيه غفلة.
فصل: فإذا انفرد اليدوي بالتقاطه فعلى ضربين:
أحدهما: أن يجده في مصر أو قرية فلا حق له في كفالته، لأنه لا حظ له في نزول البادية لما ذكرناه.
والثاني: أن يجده في البادية فلا تخلو حاله من أحد أمرين:
أحدهما: أن يكون ممن يسكن حلة مقيمًا فيها ولا ينتجع عنها فهو مستحق لكفالته لأن وجوده في البادية يدل على أنه من أهلها.
والحال الثانية: أن يكون ممن ينتجع ولا يلزم حلة ولا يقيم في مكان ففي استحقاقه لكفالته وجهان:
أحدهما: يستحق، لأن هذا هو الأغلب من حال البادية.
والثاني: أنه لا حق له فيها، لأن مداومة للنقلة وملازمة النجعة لا يشتهر بها حاله ولا يعرف معها مكانه مما يلحقه من المشقة في بدنه وتخير العادة في نقلته.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالي:" وإن كان عبدًا أو حرًا دفع إلى الحر".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا اجتمع على التقاطه حر وعبد فالحر أولى بكفالته من العيد لأمرين:
أحدهما: أن العبد مولى عليه فلم يصح أن يكون واليًا.
والثاني: أن العبد ممنوع من كفالته لخدمة سيده، فلو انفرد العبد بالتقاطه فإن كان بإذن سيده فالسيد هو الملتقط، لأن يد العبد يد له وهو المستحق لكفالته وإن كان بغير إذن سيده لم يجز بخلاف اللقطة في أحد القولين، لأن اللقطة كسب وهذه ولاية فلو أخذه السيد من عبده وقد التقطه بغير إذن فإن كان بعد رفعه إلى الحاكم فهو أولى، لأن يد العبد لما لم تكن مقرة لم يكن لها حكم وصار كأن السيد هو الملتقط له وهكذا حكم المدبر في التقاطه كالعبد وإما المكاتب فإن عللنا مع العبد منه بأنه من غير أهل الولاية فالمكاتب
ممنوع فيه، وإن عللناه بأنه ممنوع فيه لخدمة السيد فالمكاتب مستحق لكفالته، لأنه أملك من السيد بمنافع نفسه ولو شاركه في التقاطه حر كان الحر أولى به منه على العلتين لكمال الحر ونقص المكاتب وأما الذي نصفه حر ونصفه عبد فله حالتان:
إحداهما: أن يكون غير مهايأة فهو كالعبد لا حق له في كفالته ما لم يأذن له المالك لرقه لإشراك حكمه وإن الشركة فيه مانعة عن كفالته.
والثانية: أن يكون مهايأة فلا يخلو حال التقاطه من أحد أمرين:
أحدهما: أن يلتقطه في زمان السيد فيكون فيه كالعبد لا حق له في كفالته.
والثاني: أن يلتقطه في زمان نفسه ففيه وجهان:
أحدهما: أنه مستحق لكفالته، لأنه في زمانه كالحر.
والثاني: لا حق له في كفالته لنقصه وإنه سنعود إلى المع في غير زمانه وعلى كلى الوجهين لو شاركه الحر في التقاطه كان أحق به منه لكماله على من قصر عن حريته.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالي:" وإن كان مسلمًا ونصرانيًا في مصر به أحد به المسلمين وإن كان الأقل دفع إلى المسلم".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا اشترك في التقاط المنبوذ مسلم وكافر، فلا يخلو حال المنبوذ من أن يجري عليه حكم الإسلام أو حكم الكفر على ما سنصفه، فإن جرى عليه حكم الإسلام فالمسلم أحق بكفالته، وهكذا لو تفرد الكافر بالتقاطه نزع من يده لقوله تعالى: ﴿ولَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء: 141] ولأنه غير مأمون عليه في بدنه أن يسترقه، وفي دينه أن يفتنه، وفي ماله أن يتلفه؛ لأن عداوة الدين تبعث على ذلك كله، وإن جرى على المنبوذ حكم الكفر فإن انفرد الكافر بالتقاطه أقر في يده؛ لأن الكافر يلي على الكافر وإن اشترك في التقاطه مسلم وكافر، فعلى الظاهر من مذهب الشافعي في إقراعه بين المسلمين إذا اشتركا في التقاطه يقرع بين المسلم والكافر، يكون في يد من خرجت له القرعة، وعلى مذهب أبي علي بن خيران يسلم إلى المسلم دون الكافرة؛ لأن كفالة المسلم أصلح ولما يرجى له باعتبار الإسلام ويتعين عليه أن يميل إليه.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالي:"وجعلته مسلمًا وأعطيته من سهمان المسلمين حتى يعرب عن نفسه".
قال في الحاوي: وهذا صحيح.
وعلته أن حكم اللقيط في إسلامه وكفره أنه معتبر
بحكم الدار التي وجد فيها فهي ضربان: دار الإسلام ودار الشرك.
فأما دار الإسلام فعلى ثلاثة أضرب:
أحدها: أن ينفرد المسلمون بها حتى لا يدخلها مشرك كالحرم فالمنبوذ إذا التقط في مثل هذه الدار محكوم بإسلامه في الظاهر والباطن لامتناع اجتماع الشرك الظاهر في أبويه.
والثاني: أن تكون دار الإسلام قد تخلطهم فيها أهل ذمة كالبصرة وبغداد أو معاهدون كأمصار الثغور فإذا التقط المنبوذ فيها كان مسلمًا في الظاهر دون الباطن وإنما حكمنا بإسلامه ظاهرًا تغليبًا لحكم الدار، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الإسلام يعلو ولا يعلى".ولم يحكم بإسلامه ني الباطن قطعًا لجواز أن يكون من ذمي أو معاهد.
والضرب الثالث: أن تكون دار الإسلام قد تنفرد أهل الذمة يسكناها حتى لا يساكنهم فيها مسلم ولا يدخلها مثل يلد من بلاد الشرك فتحه المسلمون صلحًا أو عنوة فأقروا أهله فيه على أن لا يخالطهم غيرهم فإذا التقط المنبوذ فيه كان كافرًا في الظاهر لأن أهل الدار كفار وإن كانت في يد المسلمين عليهم غالبة وأحكام الإسلام فيهم جارية وأما دار الشرك فعلى ثلاثة أضرب أيضًا:
أحدها: ما كان من بلادهم التي ليس فيها مسلم فإذا التقط المنبوذ منها جرى عليه حكم الشرك اعتبارًا بحكم الدار.
والثاني: ما كان من بلاد الشرك فيها مسلمون ولو واحد كبلاد الروم فإذا التقط المنبوذ فيها ففيه وجهان:
أحدهما: أنه مشرك في الظاهر اعتبارًا بحكم الدار.
والثاني: وهو قول أبي علي ين أبي هريرة والظاهر من كلام الشافعي أنه يكون مسلمًا في الظاهر تغليبًا لحكم الإسلام.
والثالث: كان من بلاد الإسلام التي غلب عليها المشركون حتى صارت دار شرك كطرسوس وأنطاكية وما جرى مجرى ذلك من الثغور والمملوكة على المسلمين فإذا التقط المنبوذ فيها نظر فإن كان فيها أحد المسلمين ولو واحدًا جرى على الملقوط فيها حكم الإسلام.
وإن لم يكن فيها أحد من المسلمين أجرى عليه حكم الشرك في الظاهر لبعد للمسلمين عنها وامتناع حكمهم فيها.
فصل: فإن أجرينا عليه حكم الإسلام فقد ذكرنا من أين ينفق عليه إذا كان فقيرًا وهو
على ما مضى من القولين وإن أجرينا عليه حكم الشرك لم يجز أن ينفق عليه من بيت المال إذا كان فقيرًا، لأن ما في بيت المال مصروف في مصالح المسلمين دون المشركين فإن تطوع أحد المسلمين أو من أهل الذمة بالنفقة عليه كان محسنًا لأنها نفس لها حرمة وإن لم يتطوع أحد بالنفقة عليه جمع الإمام أهل الذمة الذين كان المنبوذ بين أظهرهم وجعل نفقته مقسطة عليهم ليكون دينًا لهم إذا ظهر أمره فإن ظهر له أب رجعوا بالنفقة عليه وإن ظهر له سيد رجعوا بها عليه وإن لم يظهر ذلك كانت دينًا عليه يرجعون بها في كسبه إذا بلغ.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالي:" فإذا أعرب عن نفسه فامتنع من الإسلام لم يبن لي أن أقتله ولا أجبره على الإسلام وإن وجد في مدينة أهل الذمة لا مسلم فيهم فهو ذمي في الظاهر حتى يصف الإسلام بعد البلوغ".
قال في الحاوي: اعلم أن من يجري عليه حكم الإسلام قبل بلوغه على أربعة أقسام:
أحدها: من يجري حكم الإسلام عليه بإسلام أبويه فيصير بإسلامهما مسلمًا.
وروى أبو اليزيد عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل مولود يولد على الفطرة وأبواه يهودانه وينصرانه كما تناقح الإبل من بهيمة جمعاء هل تحسون من جدعاء" قالوا: يا رسول الله، أفرأيت من يموت وهو صغير، قال: الله أعلم بما كانوا عاملين" [.فمعنى قوله: يولد على الفطرة.
يريد على للإقرار بأن الله خالقه، لأن جمع الناس على اختلاف أديانهم يعلمون أن الله خالقهم ثم يهود لليهود أبناءهم وينصر للنصارى أبناءهم أي يعلمونهم ذلك وضرب لهم مثلًا بالإبل إذا أنتجت من بهيمة جمعاء والجمعاء هي السليمة وإنما سميت بذلك لاجتماع السلامة لها في أعضائها فتجدع أنوف نتاجها وتفقأ عيونها فأما إذا أسلم أحد الأبوين فإن كان الأب منهما هو المسلم كان ذلك إسلامًا له وإن أسلمت الأم فذهب الشافعي وأبي حنيفة أن إسلامها إسلام له كالأب وقال مالك: لا يكون إسلام الأم إسلامًا له وهذا خطأ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الإسلام يعلو ولا يعلا ولقوله صلى الله عليه وسلم: "فأبواه يهودانه وينصرانه" فجعل اجتماعهما موجبًا لتهوده دون انفرادها، ولأنها لو أسلمت وهي حامل كان ذلك إسلامًا لحملها إذا وضعت كذلك إذا أسلمت بعد الوقع ولأنها أحد الوالدين فصار الطفل بها مسلمة كالأب، فأما استدلاله بالحرية فقد
يعتبر بالأب كما يعتبر بالأم، ألا ترى أنه لو ولد منه كان الولد حرًا، فإذا ثبت أن الإسلام أحد الأبوين يكون إسلامًا لغير البالغ من أولادهما، فكذلك يكون إسلامًا لمن بلغ منهم مجنونة، لأن المجنون تبع لغيره، فأما البالغ العاقل فلا يكون إسلام الأبوين أو أحدهما إسلامًا له، لأن الإسلام يصح منه، وأما إذا بلغ الكافر عاقلًا ثم جن فهل يكون إسلام أبويه إسلامًا له أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لا يكون ذلك إسلامًا له، لأنه قد فعل الكفر بنفسه يعد بلوغه فاستقر حكمه عليه.
والوجه الثاني: وهو اختيار أكثر أصحابنا أنه لا يصير مسلمًا، لأنه بزوال العقل وخروجه عن حدّ التكليف قد صار تبعًا فإذا تقرر ما وصفناه وصار الطفل أو المجنون مسلمًا بإسلام أبويه أو أحدهما ثم بلغ الصبي وأفاق المجنون فإن أقاما على الإسلام فقد استلام حكم إسلامها وإن رضيا الكفر لم يقبل منهما وصارا بذلك مرتدين يقتلان إذا أقاما على للردة سواء أقرا بالإسلام بعد البلد والإفاقة أو لم يقرا به.
وقال بعض أصحابنا إن كانا يعد البلوغ والإفاقة قد أقرا بالإسلام والتزما حكمه بفعل عبادته من الصلاة والصيام جعلتهما مرتدين وإن لم يوجد ذلك متهما لم أحكم بردتهما، لأن جريان حكم الإسلام عليهما تبعًا لضعف من جريان حكمه عليهما إقرارًا وعملًا وهذا خطأ لقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطٌّور: 21].فأخبر بإيمان الذرية تبعًا لآبائهم فلم يجز أن ينتقل حكم الإيمان عنهم ولأن ما أوجب إسلامه أوجب إلزامه كالإقرار فهذا حكم القسم الأول.
فصل: والقسم الثاني: أن يجري عليه حكم الاسم بإسلام السابي له من بلاد الشرك فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون السبي بعد البلوغ فلا يكون بإسلام سابيه مسلمًا ويكون حكم الكفر عليه جاريًا.
والثاني: أن يكون سبته قبل البلد فهذا على ضربين:
أحدهما: أن كون مسببًا مع أبويه أو أحدهما فلا يكون حكمه حكم سابيه، لأن إلحاق حكمه بأبويه أقوى من إلحاق حكمه بسابيه ويكون على حكم الكفر استصحابًا لدين أبويه.
والثاني: أن يسبى وحده دون أبويه ففيه وجهان:
أحدهما: وهو الظاهر من مذهب الشافعي أنه لا يتيح سابيه في الإسلام ويكون حكمه ني الشرك حكم أبويه؛ لأن يد السابي يد استرقاق فلم توجب إسلامه كالسيد.
والوجه الثاني: أنه يتبع السلبي في إسلامه؛ لأنه قبل البلد تبع لغيره فهو أخرجه
بسبيه عن أبويه من أن يكون تبعًا لهما، قصار تبعًا لمن صار إليه بعدهما، فعلى هذا يجري عليه قبل بلوغه أحكام السابي في العبادات والاقتصاص من المسلم إذا جني عليه، وإذا مات صلى عليه ودفن في مقابر المسلمين وإن بلغ واستصحب الإسلام قولًا وعملًا ثم رجع عنه صار برجوعه مرتدًا، وإن وصف الكفر عند بلوغه فهل يحكم بارتداده أم لا؟ على وجهين مضى توجيههما فهذا حكم القسم الثاني.
فصل: والقسم الثالث: أن يجري عليه حكم الإسلام بنفسه إقرارًا واعترافًا بشروطه فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون ذلك بعد بلوغه فهذا مسلم له ما للمسلمين وعليه ما عليهم.
والثاني: أن يكون ذلك قبل بلوغه فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون ذلك منه في طفولته وعدم تمييزه فلا يكون بذلك مسلمًا، لأنه لا حكم لقوله ولا يصل إلى معرفة حق من باطل ولا صحيح من فاسد.
والثاني: أن يكون مراهقًا مميزًا يصل بذهنه إلى معرفة الحق من الباطل ويميز ما بين الشبهة والدليل ففي الحكم بإسلامه إذا وصفه على شروطه ثلاثة أوجه:
أحدها: وهو الظافر من مذهب الشافعي أنه لا يصير مسلمًا لقوله صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى ينتبه".
فرفع القلم عنه قبل البلوغ في جميع أحواله، وجمع بينه وبين المجنون في سقوط تكليفه، ولأن عقود المعاملات أخف حالًا من شروط الإسلام، فلما امتنع قبل البلوغ أن تصح منه للعقود فأولى أن يمتنع منه شروط الإسلام.
والثاني: وهو مذهب أبي حنيفة أن يصير مسلمًا؛ لأنه قد يصل إلى معرفة الدليل كما يصل إليه البالغ وخالف الطفل والمجنون، ولأن عليًا عليه السلام أسلم قبل بلوغه فحكم بصحة إسلامه؛ فعلى هذا إن بلغ فرجع عن الإسلام صار مرتدًا.
والثالث: أن إسلامه يكون موقوفًا، فإن استدام ذلك بعد بلوغه علم أنه تقدم إسلامه، وإن فارقه بعد البلوغ علم أنه لم يكن مسلمًا، وعلى هذا الوجه يحتمل إسلام علي عليه السلام في قول من إسلامه إلى ما قبل البلوغ، وأنه لما استدامه بعد البلوغ علم به صحة ما تقدم إسلامه فهذا حكم القسم الثالث.
والقسم الرابع: أن يجري عليه حكم الإسلام بالدار، وهذا هو اللقيط، وقد قسمنا أحواله التي تجري عليه بها حكم الإسلام أو حكم الشرك، فان أجرينا عليه أحكام الشرك فبلغ ووصف الإسلام بعد بلوغه استوثق به حكم الإسلام من حينئٍذ، وإن أقام على الشرك
أقر عليه من تخويف ولا إرهاب، وإن جرى عليه حكم الإسلام فذلك ضربان:
أحدهما: أن يجريه عليه في الظاهر والباطن على ما ذكرنا من التقاطه في بلاد الإسلام التي لا يدخلها مشرك، فهذا لا يقبل منه بعد البلوغ الرجوع عنه ويكون إن رجع عنه مرتدًا.
والثاني: أن يجري عليه حكم الإسلام في الظاهر دون الباطن، فما لم يبلغ فحكم الإسلام جاٍر عليه، فإن مات غسل وصلي عليه ودفن في مقابر المسلمين، وإن قتله مسلم فعليه دية مسلم وفي وجوب الاقتصاص منه قولان:
أحدهما: يقتص منه لجريان حكم الإسلام عليه.
والثاني: لا يقتص منه لاحتمال حاله، وأنه ربما وصف الكفر بعد بلوغه فلم يجز أن يراق دم بالشبهة، فإن وصف الإسلام قولًا وأقام عليه فعلًا استقر حكم إسلامه وجرى القصاص على قاتله، وإن رجع عنه إلى الشرك أرهب وخوف لرجوع عن الإسلام، فإن أبى إلا أن يكون مشركًا سئل عن سبب شركه، فإن قال: لأن أبي مشرك وصرت لأتباع أبي مشركًا ترك لما اختاره من الشرك لاحتماله، وأجرى عليه أحكام الشرك؛ لأننا لم نكن حكمنا بإسلامه قطعًا وإنما حكمنا به تغليبًا.
فإن قال: لست أعرف دين أبى ولا أعلمه مسلمًا ولا مشركًا ولكني أختار الشرك ميلًا إليه ورغبة فيه ففيه وجهان:
أحدهما: يقبل منه؛ لأنه لم يكن مقطوعًا بإسلامه.
والثاني: هو الأصح أنه لا يقبل منه ويجعل إن أقام عليه مرتدًا إلا أن يدعي شرك أبيه فيقبل منه ويقر عليه ليكون في الشرك تبعًا ولا يكون متبوعًا.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله عليه: "ولو أراد الذي التقطه الطعن به فإن كان يؤمن لأن يسترقة فذلك له وإلا متعة".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا التقطه مقيم ثم أراد بعد حصوله في كفالته وإقراره في يده جاز أن يسافر به بأربعة شروط:
أحدها: أن يكون قد اشتد بدنه بحيث يقوى على السير فإن كان طفلًا لا يحتمل السير لم يجز.
والثاني: أن يكون السفر مأمونًا لا يخاف عليه من غلبة مسترق فإن خيف ذلك عليه.
[لم يجز]
والثالث: أن يكون المسافر مأمونًا عليه فلا يسترقه ولا يسيء إليه فإن خيف ذلك لم يجز.
والرابع: أن يكون بنية للعود إلى بلده، فإن لم يرد العود وسافر متنقلًا ففي تمكينه منه وجهان:
أحدهما: أنه يمكن، لأنه قد صار في استحقاق كفالته كالأب الذي يجوز له أن يأخذه من الأم في سفر نقلته.
والثاني: لا يجوز لما في نقله من إضاعة ما كنا نرجوه من ظهور نسبة ولهذا للمعنى جعلنا للمقيم إذا شارك في التقاطه مسافرًا أولى به.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله عليه: "وجنايته خطأ على جماعة المسلمين".
قال في الحاوي: وهذا صحيح وجنايته ضربان على نفسر أو مال فإن كانت على مال فهي في ماله صغيرًا كان اللقيط أو كبير موسرًا أو معسرًا فإن كان له ماله دفع منه غرم جنايته وإن لم يكن له مال كان دينًا عليه إذا أيسر أداه فإن كانت جنايته على نفسر آدمي فضربان عمد وخطأ فإن كانت خطأ فعلى عاقلته وإن لم يكن له عصبة يعقلون عنه ففي بيت المال، لأن جماعة المسلمين عاقلته.
ألا تراه لو مات بلا وارث كان ميراثه لبيت المال لجماعة المسلمين وإن كانت جنايته عمدًا يوجب العود فله حالان:
أحدهما: أن يكون بالغًا القود واجب عليه في نفس كانت الجناية أو في طرف.
والثانية: أن يكون صبيًا فلا قود عليه لارتفاع القلم عنه وفي محل الدية قولان من اختلاف قوليه في عمد الصبي هل يجري مجرى الخطأ أو مجرى العمد الصحيح وإن سقط عنه القود فإن قيل إنه يجري مجرى الخطأ كانت الدية في بيت المال مؤجلة كلية الخطأ وإن قيل إنه عمد صحيح وإن سقط عنه القود كانت الدية في ماله حالة فإن أعسر بها كانت دينًا عليه.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله عليه: "والجناية عليه على عاقلة الجاني فإن قتل عمدًا فللإمام القود أو العقل وإن كان جرحًا حبس له الجارح حتى يبلغ فيحتار القود أو الأرش فإن كان معتوهًا فقيرًا أحببت للإمام أن يأخذ الأرش وينفقه عليه".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: لا يخلو حال الجناية على اللقيط من أن تكون
عمدًا أو خطأ فإن كانت خطأ فهي على عاقلة الجاني في نفس كانت أو طرف ودينه دية حر مسلم ما كان على حاله اعتبارًا بالأغلب من حكم الدار في الحرية والإسلام.
وإن كانت عمدًا فضربان في نفس أو طرف فإن كانت في نفس استحق فيها دية حر مسلم وفي استحقاق القود إن كان القاتل حرًا مسلمًا قولان أصحهما عليه القود اعتبارًا بالأغلب من حاله وحال الدية في قتله.
والقول الثاني: لا قود، لأنه حد يدرأ بالشبهة وكان بعض أصحابنا يحمل اختلاف هذين القولين على اختلاف حالين فيقول إن كان قتله قبل البلوغ وجب القود على قاتله وإن كان بعد البلوغ فلا يجب، لأنه يقدر على إظهار حاله وهذا الفرق مسلوب المعنى، لأنه إن اعتبر حال الشبهة ففي الحالين وإن اعتبر حال الظاهر ففي الحالين فلم يكن للفرق بينهما وجه فإن قلنا بإسقاط القود أخذت الدية لبيت المال وإن قلنا بوجوب القود كان للإمام عن كافة المسلمين مخيرًا فيما يراه أصلح لجماعتهم من القرد لئلا يسرع الناس إلى قتل النفوس وأخذ الدية.
فصل: وإن كانت الجناية عليه في طرف فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون بالغًا بالخيار بين أن يأخذ الدية أو يقتص لنفسه على ما ذكرناه من القولين:
والثاني: أن يكون غير بالغ فان قلنا بإسقاط القود على أحد القولين فليس له إلا دية الطرف ويأخذها الإمام له لينفق عليه منها أو يضم إلى ماله إن كان غنيًا.
وإن قلنا بوجوب القود على الصحيح من المذهب فللقيط أربعة أحوال:
إحداها: أن يكون عاقلًا غنيًا فعلى الإمام أن يحبس الجاني عليه إلى أن يبلغ فيختار القود أو الدية ولا يجوز للإمام أن يقتات عليه في أمرها كما لا يجوز لأب الطفل أن يقتات عليه فيما استحقه من قود أو دية.
والثانية: أن يكون معتوهًا فقيرًا فينبغي للإمام أن يأخذ الدية من الجاني لينفق منها عليه ويعفو عن القود لأمرين:
أحدهما: ظهور المصلحة بعد حاجته بالفقر.
والثاني: بقاؤه في الأغلب على عتهه بعد البلوغ.
والثالثة: أن يكون عاقلًا فقيرًا ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يحبس قاتله ليختار لنفسه ما شاء من قود أو دية تعليلًا بظهور عقله.
والثاني: أن الإمام يأخذ له الدية ويعفو عن القود تعليلًا بحاجته وفقره، ولو بلغ فاختار القود ورد الدية ففيه وجهان: أحدهما له ذلك والثاني ليس له وعفو الإمام كعفو، وهذان الوجهان بناء على عفو الولي عن نفقته هل له المطالبة بها بعد لوغه أم لا على وجهين.
والرابعة: أن يكون معتوهًا غنيًا فعلى وجهين:
أحدهما: يحبس قاتله ليختار لنفسه بعد بلوغه وإفاقته فإما اعتبارًا بغيابه عن الدية.
والثاني: أن للإمام أن يأخذ الدية ويعفو عن القرد اعتبارًا بعتهه وعدم إفاقته في الأغلب.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله عليه: "وهو في معني الحر حتى يبلغ فيقر".
قال في الحاوي: وهذا صحيح لا نقطع بحرية اللقيط ولا نعم فيه أحكام العبد أما عدم القطع بحريته فلإمكان ما عداها من الرق.
وأما إسقاطها تغليبًا لأحكام الرق فلأن الأغلب من دار الإسلام الحرية كما كان الأغلب فيها الإسلام وإنما اختلف قول الشافعي في ظاهر أمره فأحد القولين إنه حر في الظاهر وإن جاز أن يكون عبدًا كما أجرينا عليه حكم الإسلام في الظاهر وإن جاز أن يكون كافرًا ولأن الرق طارئ والحرية أصل فلأن يجري في الظاهر على حكم الأصل أولى.
والثاني: أنه مجهول الأصل لإمكان الأمرين وأن الرق قد يجوز أن يكون مستحقا فلم يجز أن نحكم بتغليب غيره عليه وليس كالكفر
الذي هو باطل فجاز تغليب الإسلام عليه ومن هذين القولين خرج القولان في استحقاق القود من الحر.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله عليه: "فإن أقر الرق قبلته ورجعت عليه بما أخذه وجعلت جنايته في عنقه".
قال في الحاوي: أما إقرار اللقيط قبل بلوغه فغير معمول عليه في حرية ولا في رق فإذا بلغ صار إقرار حينئٍذ معتدًا فإن ادعى الحرية وأنكر الرق كان قوله فيها مقبولًا وصار حرًا في الظاهر والباطن ما لم يقم بينة برقه ولا يقبل منه الإقرار بالرق بعد ادعاء الحرية كما لو بلغ فأقر بالإسلام لم يقبل منه الرجوع إلى الكفر فأما إذا أقر بالرق فإن جعلناه مجهول الأصل كان إقراره بالرق مقبولًا وإن جعلناه حرًا في الظاهر ففي قبول إقراره بالرق وجهان:
أحدهما: لا يقبل منه إلا أن تقوم بينة، لأنه خلاف ما أجرى عليه من حكم الظاهر وحكاه أبو حامد المروزي في جامعه.
والثاني: وهو الصحيح الظاهر من كلام الشافعي أن إقراره به مقبول وإن كان قد أجرى عليه في الظاهر حكم الحرية كما يقبل إقراره بالكفر إن أجرى عليه في الظاهر حكم
الإسلام ثم يجري عليه حكم الرق في المستقبل من أمره إن جني أو جني عليه فأما في الماضي من أمره فقد ذكر الشافعي ما سوى الجناية فيما بعد وقدم ذكر الجناية في هذا الموضع والنفقة عليه أما الجناية فالكلام فيها يشتمل على فصلين أحدهما فيما جنى عليه والثاني فيما جناه على غيره.
فأما الجناية عليه فلا يخلو ما أخذه من أرشها بالحرية من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يستوي أرشها بالحرية والرق فلا يراجع فإن كانت عمدًا وعرفها الجاني من ماله فقد غرم ما لزمه وإن كانت خطأ تحملتها عاقلته ففي رجوع العاقلة بها قولان بناء على اختلاف قوليه في تحمل العاقلة بالجناية على العبد.
والثاني: أن يكون أرشها في الرق أقل من أرشها في الحرية كأنها في الحرية ألف وفي الرق مائة فيسترجع منه ما زاد على أرش الرق وذلك بتسعمائة فإن كانت بعينها في يده أو كان بدلها موجودًا من كسبه ليسترجعه الجاني أو عاقلته، وإن كانت غير موجودة في يده ولا بد لها من كسبه نظر فإن كان الحاكم قد أنفقها عليه في صغره استحق الجاني الرجوع بها على سيده كما يرجع عليه بالقبض في النفقة عليه وهكذا لو كان المنفق لها على نفسه، لأن نفقته واجبة على سنده وإن لم يتصرف في نفقته لم يلزم السيد غرمها لأنها لم تصر في يديه ولا انصرفت في واجب عليه ثم ينظر فإن كان الحاكم قد أخذ ذلك في صغره ولم تصر إلى يده لتلفه لم يجب غرمه وكانت الزيادة هدرًا وإن كان هو القابض لها في كبره أو دفعها الحاكم إليه بعد كبره تعلق غرمها بذمته بعد عنقه ويساره لغروره ولم تتعلق برقبته.
والثالث: أن يكون أرشها في الرق من أرشها في الحرية بأن كانت في الحرية مائة وفي الرق ألف ففي استحقاق الزيادة بالرق قولان:
أحدهما: يستحق إلا أن يعترف الجاني بها ولا يقبل قوله فيها مع الإنكار لها لمكان للتهمة وهذا على القول للذي نجعله فيه حرًا في الظاهر.
فصل: وأما الجناية على غيره فلا يخلو ما دفعه في أرشها بالحرية من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يستوي أرشها في الحرية والرق فليس للمجني عليه إلا ما أخذه ثم ينظر فإن كانت جنايته فقد أرشها من ماله أو كسبه كذلك ولن كانت خطأ أخذت من بيت المال وجب ردها فيه، لأن جناية العبد في عنقه دون بيت المال والسيد بالخيار بين أن يغرمها أو يبيع رقيقه فيها فإن ضاقت الرقبة عند بيعها عن غرم جميعها لم يلزم السيد ما بقي وهل يرجع به على المجني عليه في حق بيت المال أم لا على قولين.
والثاني: أن يكون أرشها بالرق أكثر من أرشها بالحرية فهذا على ضربين:
أحدهما: أن تكون رقبة العبد تتسع للزيادة فيستحق المجني عليه الرجوع بها في
رقبة العبد إلا أن يفديه السيد منها.
والثاني: أن تكون رقبة العيد تضيق عن الزيادة ففيها قولان:
أحدهما: تكون هدرًا.
والقول الثاني: أنها مستحقة فإن فداه السيد وإلا بيع فيها.
والثالث: أن يكون أرشيا بالرق أقل من أرشها بالحرية ففي قول قوله في استرجاعها قولان:
أحدهما: يقبل قوله ويسترجع وهذا على القول الذي نجعله فيه مجهول الأصل.
والثاني: لا يقبل قوله فيها ولا يسترجع وهذا على للقول الذي نجعله فيه حرًا في الظاهر.
فصل: فأما النفقة التي أنفقها الحاكم عليه في صغره فان كانت من بيت المال لم تسترجع من السيد، لأنها دفعت من سهم المصالح وقد جعل ذلك مستحقًا فيه وإن كانت قرضًا اقترضه الحاكم من واحد أو عدد وجب على السيد غرمها وردها عليهم لوجوبها بحق الملك.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله عليه: "ولو قذفه قاذف لم أجد له حتى أساله فإن قال أنا حر حددت".
قال في الحاوي: وصورتها في لقيط قذفه قاذف بالزنى فإن كان اللقيط صغيرًا فلا حدّ على قاذفه، وإن كان كبيرًا لم يعجل إلى حدّ القاذف حتى يسأل اللقيط المقذوف لا يختلف فيه، لجواز أن يكون حرًا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "جنب المؤمن حمى" فإن أقر بالرق ولم يدع الحرية فلا حدّ على قاذفه، لأن قاذف العبد لا حد عليه فان ادعى الحرية فإن صدقه عليها القاذف حدّ له حدًّا كاملًّا وإن كذبه وادعى رقه فعلى القول الذي نجعل فيه اللقيط مجهول الأصل يكون للقول فيه قول القاذف ولا حدّ عليه وعلى للقول الذي نجعل اللقيط فيه حرًا في الظاهر ففيه لأصحابنا وجهان:
أحدهما: أن للقول قول اللقيط ويحدّ قاذفه كما يقتل هذا للقول قاتله.
والثاني: أن القول قول قاذفه ولا حدّ عليه وإن قتل قاتله وفرق قائل هذا الوجه من أصحابنا بين القتل والقذف بأن المقذوف حي يسكنه إقامة البينة على حريته فإذا عجز عنها ضعف حاله والمقتول لا يقدر على إقامة البينة على حريته بعد قتله فعمل فيه على ظاهر حاله كالدية؛ فمن قال بهذا اختلفوا في قبول قوله في القرود إذا كان في طرف فمن أصحابنا من أجراه مجرى للقذف ولم يقبل قول اللقيط فيه لتمكنه من إقامة البينة على
حريته ومنهم من أجراه مجرى القتل في للنفس وقبل قوله في حريته إلحاق! له بالقتل الذي هو من جنسه.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله عليه: "قاذفه وإن قذف حرًا حد".
قال في الحاوي!: وصورتها في لقيط قذف حرًا بالزنى فإن كان قبل بلوغه فلا حدّ عليه لارتفاع القلم عنه وإن كان بعد بلوغه فما لم يدع المقذوف حريته لم يكمل حدّه وإن ادعى حريته فإن اعترف له اللقيط بالحرية حدّ لقذفه حدًا كاملًا ثمانين وإن أنكر الحرية وادعى الرق فعلى القول للذي نجعله فيه مجهول الأصل القول قوله وليس عليه إلا حدّ العبيد نصف الحد وعلى للقول الذي نجعله فيه حرًا في الظاهر فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن القول قول المقذوف وبحد له اللقيط حدًا كاملًا تغليبًا لظاهر حاله.
والثاني: أن القول قول اللقيط القاذف وليس عليه إلا حد العبيد نصف الحد، لأن الحدود تدرأ بالشبهات.
والثالث: أنه إن كان عند ادعاء الرق أقر لسيد بعينه قبل قوله وحد حدّ العبيد لاستقرار رقه فتعين المالك وإن لم يعينه وادعى رقأ مطلقة لغير سيد بعينه لم يقبل قوله وحدّ الأحرار ثمانين.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله عليه: "وسمعته يقول اللقيط حر لأن أصل الآدميين الحرية إلا من ثبتت عليه العبودية ولا ولاء عليه كما لا أب له فإن مات فميراثه لجماعه المسلمين.
قال المزني: هذا كله يوجب أنه حر.
قال المزني رحمه الله: وقوله المعروف أنه لا يحد القاذف إلا أن تقوم بينة للمقذوف أنه حر لأن الحدود تدرًا بالشبهات".
قال في الحاوي: وهذا كما قال لا ولاء على اللقيط لملتقطه ولا لغيره من المسلمين ما لم يثبت عليه رق.
وقال أبو حنيفة الولاء ثابت عليه لملتقطه دون غيره.
إذا حكم له الإمام بولاية وقال مالك ولاؤه ثابت لجماعة المسلمين.
واستدل من أثبت عليه الولاء بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ليجوز للمرأة ثلاثة مواريث؛ ميراث عتيقها، وميراث لقيطها، وميراث ولدها الذي لاعنت عليه، وبما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لرجل التقط منبوذًا: "لك ولاؤه وعلينا نفقته" قال: ولأنه منهم فجاز أن يستحق الولاء المعتق.
ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الولاء لمن
أعتق".
فانتفى الولاء بذلك عمن لا يعتق ولأن من لم يثبت عليه رق لم يستأنف عليه ولاء كالحر الأصلي ولأن ما استحق بالرق انتفى عن غير الرق كالملك، ولأن من جرى عليه حكم الحرية في أصله جرى عليه حكم الحرية في فرعه كالمعروف بالحرية طردًا وبالعبودية حكمًا.
فأما الجواب عن الخبر إن صح فحمله على أحد وجهين إما على ميراثه إذا دعته ولدًا أو على ميراثه إذا دعته عبدًا وأما قول عمر رضوان الله عليه: "لك ولاؤه وعلينا نفقته" فيحمل على الكفاية والولاية دون الولاء، وأما الجواب عن قولهم إنه منعهم فمنتقض بمن استنفذ غريقًا أو أجار مظلومًا أو منح فقيرًا فإذا ليت هذا فميراثه في بيت المال كالحر الذي لا وارث له.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله عليه: "ولو ادعاء الذي وجده ألحقته به فإن ادعاه آخر أريته القافة فإن ألحقوه بالآخر أريتهم الأول فإن قالوا إنه ابنهما لم ننسبه إلى أحدهما حتى يبلغ فينتسب إلى من شاء منهما وإن لم يلحق بالآخر فهو ابن الأول".
قال في الحاوي: وصورة هذه المسألة في رجل وجد لقيطًا فادعاه ولذا فدعواه مسموعة وقوله مقبول ويحكم له ببنوته سواء ادعاه مع التقاطه أو بعده، لأنه لا منازع له ليمنع منه وينبغي أن يسأله الحاكم استظهار من أين صار ولدك أمن أمة أو زوجة في نكاح أو شبهة فإن أغفل كل ذلك جاز، لأن قوله فيه مقبول فإن جاء آخر، لأن قوله فيه مقبول، فإن جاء آخر إلحاقه بالواجد فادعاه ولدًا لم يقبل قوله بمجرد الدعوى، لآن الأول بادعائه له قد صار دافعًا لدعواه ولا يمنع منها لاحتمالها وأن إلحاقه بالأول إنما كان تغليبًا لصدقه عند عدم المنازع وإذا كان كذلك وجب أن يرى الثاني مع الولد القافة، لأن فيها بيان عند التنازع في الأنساب فإن نفوه عن الثاني استقر لحوقه بالأول استصحابًا لسابق الحكم وإن ألحقوه بالثاني عرض عليهم الولد مع الأول فإن نفوه عن الأول لحق بالثاني وانتفى عن الأول، لأن القافة حجة في إثبات الأنساب وكالبينة فكانت أولى من إلحاقه بدعوى الأول فإن أقام الأول بعد إلحاق القافة له بالثاني بينة على الفراش بأربع نسوة عدول يشهدون أنه ولد على فراشه لحق بالأول ببينته وكان أولى من إلحاق القافة له بالثاني بشبهة، لأن حكم الشبه يسقط مع ثبوت الفراش ألا ترى لو أن ولدًا على فراش رجل فادعاه آخر وألحقته القافة به لم يلحق وكان ولد صاحب الفراش لتقديم الفراش على حكم الشبه.
فصل: وإن قالت القافة حين رأوه مع الثاني يشبهه كشبهه بالأول لم يلحق بهما ولو
بواحد منهما لعدم البيان في القافة ووجب أن يوقف أمر حتى يبلغ الولد إلى زمان الانتساب فينسب إلى أحدهما وفي زمان انتساب قولان:
أحدهما: البلوغ، لأنه لا حكم لقوله قبله.
والثاني: إلى أن يميز باستكمال السبع أو الثمان وهي الحال التي يخير فيها بين أبويه عند تنازعهما في الحضانة فإن قيل فهلا إذا عدم البيان في القافة أقرّ على بنوة الأول بما تقدم من إلحاقه به إذا لم يقابل بما يوجب لحوقه بغيره كالمال إذا نوزع صاحب اليد في ثم تعارضت البينتان فأسقطنا حكم تملكه لصاحب اليد: قيل الفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أن اليد تدل غلى الملك فجاز عند تعارض البنتين أن يحكم بها ولا تدل على النسب فلم يجز أن يحكم بها وإنما حكمنا بما سبق من الدعوى دون اليد وهذا فرق أبي علي بن أبي هريرة وفيه دخل، لأنه يمكن أن يقال فهلا إذا كانت الدعوى في النسب كاليد في الملك وجب أن يحكم بها عند سقوط الحجج بالتعارض كاليد.
والثاني: أن الأموال ليس لها بعد تعارض البينات بيان ينتظر فجاز أن يحكم باليد بالضرورة عند فوات البيان وليس كذلك حال النسب، لأن انتساب الولد عنه بلوغه حال منتظرة يقع البيان بها فلم يحكم بما تقدم من الدعوى لعدم الضرورة وهذا فرق أبي الحسين بن القطان ويدخل عليه فوت البيان بموت الولد.
فصل: فإذا ثبت أن النسب موقوف على بلوغ الولد لينسب إلى أحدهما أخذ به الولد بعد البلوغ فإذا انتسب صار لاحقًا بمن انتسب إليه منتفيًا عن الأخر فلو رجع فانتسب إلى الآخر لم يقبل منه للحقوقه بالأول بانتسابه الأول فلو وقف على الانتساب إلى أحدهما فانتسب بعد البلوغ إلى غيرهما ففيه وجهان:
أحدهما: لا يقبل منه، لأن القافة قد وقفته عليهما فلم يجز أن يعدل بالانتساب إلى غيرهما كما لو ألحقته القافة لم يكن له أن ينتسب إلى غيره.
والثاني: يقبل منه ويصير ملحقًا بمن انتسب إليه، لأن وقفته بينهما لا يمنع دعوى غيرهما.
فصل: وإذا تداعيا بنوة اللقيط رجلان ولم يسبق أحدهما بدعواه فيلحق به ولم يكن لواحد منهما بينه تشهد بولادته على فراشه رجع فيه إلى بيان القافة فإذا ألحقوه بأحدهما لحق به دون الآخر.
وقال أبو حنيفة إن وصف أحدهما علامة غامضة في جسد المولود فهو أحق به، لأن علمه بذلك دليل على صدقه وهذا خطأ، لأنه قد يرى ذلك غير الوالد ولا يراه الوالد ولأنه لما لم يجز أن تدفع اللقطة بالصفة فالنسب أولى أن لا يثبت بالصفة.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "وَلَوْ ادَّعَى اللََّقِيط رَجُلاَنِ فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ منْهُمَا بَيَنَةً أَنَّهُ كَانَ فِي يَدِهِ جَعَلْتُهُ لِلَّذِي كَانَ فِي يَدِهِ أَوَّلاٌ وَلَيْسَ هَذَا كَمِثْلِ المَالِ ".
قال في الحاوي: وصورتها في رجلين تنازعا كفالة اللقيط دون نسبه وادعى كل واحد منهما أنه التقطه دون صاحبه وأقام كل واحد بما ادعاه بينة والبينة هاهنا شاهدان لا غير، لأنها ليست على مال وإنما هي على استحقاق كفالة تثبت بها ولاية فإن شهدت إحدى البينتين لأحدهما بتقديم يده كان المقدم غليه أولاهما به، قال الشافعي وليس كالمال، لأن المتنازعين في المال إذا أوجبت بينتاهما تقدم يد أحدهما كان فيها قولان:
أحدهما: أن المتقدم إليه أولى كالمتنازعين في الكفالة.
والثاني: أنهما سواء ويقدم في الكفالة من تقدمت يده.
والفرق بينهما أن المال قد يصح انتقاله بحق من يد إلى يد فجاز أن يستوي فيه اليد المتقدمة واليد المتأخرة والكفالة لا يصح انتقال اللقيط فيها بحق من يد إلى يد فوجب أن يحكم بها لمتقدم اليد، فإن تعارضت بينتاها أو أشكلتا لعدم المنازع ففيه قولان:
أحدهما: يقرع بينهما ويستحقه من فرع.
والثاني: يسقطان ويتحالفان حلفا أو نكلا فقد استويا وصارا كالملتقطين له معًا فيكون على ما مضى من الوجهين أحدهما يقرع بينهما ويستحقه من قرع منهما والثاني: يجتهد الحاكم في أحظها.
فصل: ولو ادعى أحد المتنازعين فيه أنه ولده وتفرد الآخر بادعاء الكفالة دون الولادة حكم به ولدًا لمدعي نسبه، لأنه غير منازع في نسب وصار أولى بكفالته، لأن الوالد أحق بالكفالة من الملتقط وهكذا لو استقرت يد الملتقط في الكفالة ثم رجاء رجل فادعاه ولدًا لحق به نزع من يد ملتقطه وصار من جعلناه أولى بكفالته.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "وَدَعْوَةِ المُسْلِمِ وَالعَبْدِ وَالذِّمِّيِّ سَوَاءٌ ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، إذا تداعى نسب اللقيط حر وعبد ومسلم وذمي فهما في دعوة النسب سواء تداعى كالحرين وكالمسلمين، وقال أبو حنيفة: يقدم الحر على العبد والمسلم على الكافر استدلالاً بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الإسلام يعلو ولا يعلى "فلم يجز أن يتكافأ المسلم والذمي في الدعوى قال: ولأنه لما أجري على اللقيط حكم
الحرية والإسلام صار الحر والمسلم أقوى حالاً من العبد والكافر لاتفاقهما في الحكم واشتراكهما في الصفة ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: "الولد للفراش وللعاهر الحجر "فأثبت الولد للفراش ودون الاشتراك في الحرية والدين ولأن كل من سمعت دعواه إذا كان منفردًا لم يدفع عنها إذا كان منازعًا كالحرين والمسلمين ولأن كل دعوى لا يمنع الذمي منها مع البينة لم يدفع عنها بغير بينة كالمال، فأما قوله صلى الله عليه وسلم: "الإسلام يعلو ولا يعلى "فمن علوه الانقياد لحقوق أهل الذمة على أن علوه باليد ونفوذ الحكم ونحن نجري على الولد وإن لحق به أحكام الإسلام، وأما قوله إنه موافق لحال الحر والمسلم دون العبد والكافر فهذا فاسد بتفرد العبد والكافر بادعائه وبمسلم وكافر تنازعا لقيطًا في دار الحرب فقد أجرى عليه حكم الشرك فإنهما فيه سواء ولا يغلب الكافر على المسلم لحكم الدار كذلك في دار الإسلام يغلب المسلم على الكافر لحكم الدار.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "غَيَرَ أَنَّ الذِّمِّيِّ إِذَا ادَّعَاهُ وَوُجِدَ فِي دَارِ الإِسْلاَمِ فَأَلْحَقْتُهُ بِهِ أَحْبَبْتُ أّنْ أَجْعَلَهُ مُسْلِمًا فِي الصَّلاةِ عَلَيْهِ وَأَنْ آمُرّهُ إِذَا بَلَغَ بِالإِسْلاَمِ مِنْ غَيْرِ إِجْبَارٍ.
وَقَالَ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى: إِنَّا نَجْعَلُهُ مُسْلِمًا لأَنَّا لَ نَعْلَمُهُ كَمَا قَالَ.
قَالَ المُزَنِيُّ: عِنْدِيِ هَذَا أَوْلَى بِالحَقُ لأَنَّ مَنْ ثَبَتَ لَهُ لَمْ يَزلْ حَقُّهُ بِالدَّعْوَى فَقَدْ ثَبَتَ لِلإِسْلاَمِ أَنّهُ مِنْ أَهْلِهِ وَجَرَى حَكْمُهُ عَلَيْهِ بِالدَّارِ فَلاَ يَزُولُ حَقُّ الإِسْلاَمِ بِدَعْوَى مُشْرِكِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ ابْنُهُ بَعْدَ أَنْ عَقَلَ وَوَصَفَ الإِسْلاَمِ أَلْحَقْنَاهُ بِهِ وَمَنَعْنَاهُ أَنْ يَنْصُرَهُ فَإِذَا فَامْتَنَعَ مِنَ الإِسْلاَمِ لَمْ يَكُنْ مُرْتَدَّا نَقْتُلُهُ وَأَحْبِسُهُ وَأُخِيفُهُ رَجَاءَ رُجُوعِهِ.
قَالَ المُزَنِيُّ رَحِمَهُ اللهُُ: قِيَاسُ مَنْ جَعَلَهُ مُسْلِمًا أَنْ لاَ يَرُدَّهُ إِلى النَّصْرانِيَّةِ".
قال في الحاوي: وصورتها في ذمي ادعى لقيطًا ولدًا وألحقناه به نسبًا فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يلحق به بعدما صار مسلمًا وصلى وصام والتزم شرائع الإسلام فهذا يجري عليه حكم الإسلام وإن لحق نسبه بذمي، لأن فعله للإسلام أقوى من إتباعه لغير في الكفر فهل يصير بوصف الإسلام قبل البلوغ مسلمًا حتى لو رجع بعد البلوغ صار مرتدًا أم لا على ما ذكرنا من الوجوه الثلاثة:
أحدها: أنه لا يصير بذلك مسلمًا وسواء ألحق بالذمي بمجرد الدعوى أو ببينة شهدت له بأنه ولد على فراشه.
والثاني: أن يلحق به في صغره وطفولته وقبل صلاته وصيامه فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يلحق به ببينه تشهد بأنه ولد على فراشه فهذا تجري عليه أحكام الكفر تبعًا لبيه، لأن قيام البينة العادلة لولادته على فراشه تأصل عن حكم الأصل في ظاهر الدار.
والثاني: أن يلحق به بمجرد الدعوى من غير بينة ففيه قولان:
أحدهما: ينقل من حكم الإسلام إلى حكم الكفر، لأنه صار لاحقًا بكافر فصار الظاهر غير ذلك الظاهر.
والثاني: وهو اختيار المزني أنه يكون باقيًا على حكم الإسلام ولا ينقل عنه للحوقه بكافر، لأن حكم الدار أقوى من دعوى محتملة فعلى هذا إن خيف عليه من افتتانه بدين أبيه حيل بينه وبين أبيه وأخذ بنفقته حتى يبلغ فإن بلغ ووصف الإسلام تحقق حكمه فيه وإن وصف الكفر ومال إلى دين أبيه أرهب وخوف رجاء عوده فإن أبي إلا المقام على الكفر فبعدًا له ولا يصير بذلك مرتدًا ويقر على ما اختاره لنفسه من الكفر، لأن فعله أقوى حكمًا من غالب الدار.
فصل: فعلى هذا لو كان أبوه يهوديًا فقال وقد بلغ: لستُ يهوديًا ولا مسلمًا وإنما على غير اليهودية من الملل كالنصرانية والمجوسية ففيه وجهان:
أحدهما: يقبل منه ويقر عليه، لأن الكفر كله ملة واحدة.
والثاني: لا يقبل منه ما أراد الانتقال إليه من الكفر ولا يعاد إلى دين أبيه لإقراره بأنه ليس إلا على الإسلام فإن أباه صار مرتدًا.
فصل: وإذا لحق اللقيط بمدعيه عند عدم منازع من مسلم أو كافر فبلغ وأنكر نسبه وادعى نسبًا غير لم يقبل منه إلا ببينة تثبت بولادته على فراش غيره، لأن لحوق نسبه لم يراع فيه قبول الوالد فيؤثر فيه إنكاره وإنما يراعي ذلك منه في إدعاء نسبه بعد البلوغ فلذلك أثر فيه إنكاره بعد البلوغ.
فصل: فإذا ادعى العبد لقيطًا ولدًا فإن صدقه سيد في إدعائه لحق به وإن كذبه فيه ففي قبول دعواه وإلحاق نسبه به وجهان:
أحدهما: لا يقبل كما لا يقبل إقراره باب لما فيه من إزاحته عن الميراث بالولاء لمن أعتقه.
والثاني: يقبل منه، لأنه قد أدخله تحت ولايته بخلاف الأب وإذا لحق اللقيط بالعبد لم يصر بذلك عبدًا، لأنه في الرق تبعًا لأمه دون أبيه ولا يسمع قول العبد أنه من أمه، لأنه لا حق له في رقه وغنما يسمع ذلك من سيد أمة تدعيه ولدًا لها ليصير له بهذه الدعوى عبدًا فإن حضر من ادعى عليه هذه الدعوى كان على ما سنذكره في ادعاء رقه فلو كان العبد قد أعتق فادعى بعد عتقه ولدًا فإن أمكنه أن يكون مولودًا بعد عتقه لحق به صدق السيد أو كذب وإن لم تكن ولادته بعد عتقه ففي لحوقه به مع تكذيب السيد وجهان مضيا.
مسألة:
قَالَ الشَّافعيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "وَلاَ دَعْوَةَ للِمَرْأَةِ إِلاَّ بِبيَنَّةٍ ".
قال في الحاوي: واختلف أصحابنا في تأويل هذه المسألة على ثلاثة أوجه وخلافهم فيها قديم حكاه أبو إسحاق المروزي وغيره.
فأحد الوجوه الثلاثة: أنه لا يقبل منها ادعاء اللقيط ولدًا لنفسها إلا ببينة تشهد لها بولادته سواء كانت ذات زوج أو لم تكن بخلاف الرجل الذي يقبل منه دعوى نسبه وإن لم تكن له ببينة والفرق بين الرجل والمرأة أن لجوق الولد بالمرأة يمكن أن يعلم يقينا بمشاهدتها عند ولادته فكانت دعواها أضعف لقدرتها على ما هو أقوى والرجل يلحق به الولد بغلبة الظن دون اليقين فجاز لضعف أسبابه أن يصير ولدًا بمجرد الدعوى.
والوجه الثاني: أنها إن كانت ذات زوج لم يصر ولدًا لها بمجرد الدعوى حتى يقيم ببينة بولادته وإن كانت غير ذات زوج قبل منها وألحق بها، لأنها إذا كانت ذات زوج أوجب لحوقه بها أن يصير لاحقًا بزوجها، لأنها له فراش فلم يثبت ذلك إلا ببينة يثبت بها الفراش وإذا لم تكن ذات زوج فلحوقه بها لا يتعداها إلى غيرها كالرجل.
والوجه الثالث: أن مراد الشافعي بذلك أنه لا دعوة لها في إلحاقه بزوجها ولا في ادعائه لنفسها إلا ببينة تقيمها على ولادتها له ردًا على طائفة زعمت أن المرأة إذا ادعت ولادة ولد على فراش الزوج كان قولها فيه مقبولاً وصار بالزوج لاحقًا فأما إذا أرادت أن تدعو لنفسها ولدًا فإنه يلحق بها بمجرد الدعوى كالرجل.
فصل: فإذا لحق بها على ما ذكرنا من هذه الوجوه الثلاثة لم يلحق بزوجها إلا أن يصدقها على ولادته فيصير حينئِذ لاحقًا به بتصديقه، أو ببينة تقيمها على ولادته.
فصل: فلو قالت المرأة وقد ألحق بها الولد وأنكرها الزوج أن تكون ولدته على فراشه: أنا أريه القافة معك ليلحقوه بك لم يجز، لأن الولادة لا تثبت بالقافة لإمكان البينة.
مسألة:
قَالَ الشَّافعيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "فَإِنْ أَقَامَتِ امْرَأَتَانِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهُ ابْنُهمَا لَمْ أَجْعَلْهُ ابْنَ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حَتَّى أُرِيَةُ القَافَةَ فَإِنْ أَلْحَقُوهُ بِوَاحِدَةٍ لَحِقَ بِزَوْجِهَا وَلاَ تَنْفِيهِ إِلاَّ بِالِّلعَانِ.
قَالَ المُزَنِيُّ: مَخْرَجُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا أَنَّ الوَلَدَ للِفْرَاشِ وَهُوَ الزَّوْجُ فَلَمَّا أَلْحَقَتْهُ القَافَةُ بِالمَرْأَةِ كَانَ زَوْجُهَا فِرَاشًا يَلْحَقُهُ وَلَدُهَا وَلاَ يَنْفيهِ إِلاَّ بِلعَانٍ".
قال في الحاوي: وصورة هذه المسألة في امرأتين تنازعتا في لقيط وادعته كل واحدة منهما ولدًا فهذا على ضربين:
أحدهما: أن لا يكون لهما مع التنازع بينة ففي سماع دعواهما ما ذكرنا من الثلاثة الأوجه:
أحدها: أنها غير مسموعة إلا ببينة سواء كانتا من ذوات الأزواج أو من الخلايا.
والثاني: أنهما إن كانتا من ذوات الأزواج لم تسمع دعواهما إلا ببينة وإن كانتا من الخلايا سمعت دعواهما بغير بينة وإن كان إحداهما ذات زوج والأخرى خلية كانت دعوى الخلية مسموعة ودعوى ذات الزوج مدفوعة إلا ببينة.
والثالث: أن دعواهما معًا مسموعة سواء كانتا من ذرات الأزواج أو الخلايا فعلى هذا إذا سمعت دعواهما وأقامتا على تنازعهما أو عدمت بينتاهما ففي الذي يحكم به فيهما وجهان:
أحدهما: أنهما يريان القافة مع الولد فبأيهما ألحقوه ألحق بها وفي لحوقه بزوجها وجهان:
أحدهما: يلحق به إلا أن ينفيه باللعان، لأن القافية كالبينة بخلاف الدعوى المجردة.
والثاني: أنه لا يلحق به كالدعوى المجردة إلا أن يصدقها على ولادته فيصير لاحقًا به فإن عدمت القافة كان الولد موقوفًا بينهما إلى أن ينتسب عند بلوغه زمان الانتساب إلى إحداهما ويكون حكمهما فيه كحكم الرجلين إذا تنازعاه على العمل على القافة وإن وجدوا أو انتساب الولد إن عدموا.
والوجه الثاني: وهو قول ابن أبي هريرة أنه لا مدخل للقافة في إلحاق الولد بأمه وإنما يحكم بهم في إلحاقهم بالأب دونها والفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أن الولد يعرف أمه يقينًا فلم يحتج إلى الحكم بالشبه ولا يعرف أباه ظنًا فاحتيج إلى الحكم بالبه.
والثاني: وهو فرق استدلال أن حكم القافة لما فيه من مباينة الأصول فكان مقصورًا على ما ورد فيه النص من إلحاقه بالأب دون الأم ويكون تنازع المرأتين في يوجب وقوفه بينهما حتى ينتسب عند البلوغ إلى إحداهما، والوجه الأول أصح، لأن الله تعالى يقول: ﴿إنَّا خَلَقْنَا الإنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيه﴾ [الإنسان: 2] يعني إخلاطًا.
قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: لاختلاط ماء الرجل بماء المرأة.
وقال تعالى: ﴿خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ [6] يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: 6 - 7] يعني أصلاب الرجال وترائب النساء وهي الصدور وقيل هي الأضلاع وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا سبق ماء المرأة ماء الرجل كان الشبه للخؤولة، وإذا سبق ماء الرجل كان الشبه للعمومة "فحصل للأم في الولد شبهًا كالأب، ولأن الولد
بالأم أخص وكان الشبه أحق.
فصل: والضرب الثاني: أن يكون لهما عند التنازع فيه بينه تشهد على ولادته بأربع نسوة عدول فإن كانت البينة لإحداهما دون الأخرى حكم به لذات البينة ولحق بزوجها إلا أن ينفيه باللعان وإن أقامت كل واحدة منهما بينة على ولادته قال أبو حنيفة ألحقته بهما بالبينة وأجعله ابنًا لكل واحدة منهما ولزوجها وأجعل منهما وزوجها أمًا له وأبًا قال وإنما قلت ذلك، لأن الضرورة عند امتناع الممتنعين إذا لم يترجح أحدهما يوجب الحكم بهما كاللعان قد امتنع به صدقهما ثم حكم به بينهما وكاختلاف المتبايعين إذا تحالفا عليه وقد أوجب فسخ العقد بينهما وإن علم بالضرورة أنه إحداهما فهذا القول مع خطته مستحيل ومع استحالته شنيع واستحالة لحوقه بالاثنين أعظم من استحالة لحوقه بالأبوين، لأنه لا يمنع ماء الرجلين في رحم واحد ويمتنع خروق الولد الواحد في رحمين، وقد قال الله تعالى: ﴿إنْ أُمَّهَاتُهُمْ إلاَّ اللاَّئِي ولَدْنَهُمْ﴾ [المجادلة: 2] فأخبر أن أمه هي التي تلده، فإن لحق الولد بهما اقتضى ذلك ولادتها وفي القول بهذا من الاستحالة ما تدفعه بذاته العقول ويمنع منه الحسن الفطن ولا يحتاج مع الملاحظة إلى دليل ولا مع التصور إلى تعليل وحسب ما هذه حالة اطرادًا واستقباحًا لاسيما ما يقضي هذا القول أما مذهبًا وأما إلزامًا إلى أن يصير الولد الواحد ملحقًا بنساء القبيلة ورجالها ثم بنساء المدينة ورجالها ثم بنساء الدنيا ورجالها ونعوذ باللهِ من قول هذه نتجت ومذهب هذه قاعدته فأما اللعان فما حكمنا فيه بصدقها مستحيل وإنما علقنا عليه حكمًا قد أسماه الصادق منهما اقتضى ذلك نفيه في أحدهما وأما التحالف في اختلاف المتبايعين فإنما أوجب إبطال ما اختلفنا فيه دون إثباته.
فصل: فإذا تقرر أنه لا يلحق بهما مع تعارض البينتين فقد اختلف الشافعي في تعارض البينتين في الأملاك هل يستعملان أو يسقطان وله في ذلك قولان:
أحدهما: يستعملان بقسمة الملك بين المتداعيين.
والثاني: يستعملان بالقرعة بين البينتين، فإن قلنا باستعمال البينتين في الأملاك استعملناهما في الانتساب ولم يجز أن تستعملهما بالقسمة لاستحالة ذلك في النسب ولا بالقرعة مع وجود القافة لأن القافة أقوى وأوكد ووجب أن يكون استعمالهما بتمييز القافة بينهما فينظر إلى الولد والمرأتين فإن ألحقوه بإحداهما لحق بها بالبينة، وكان تمييز القافة ترجيحًا فعلى هذا يصير لاحقًا بها وبزوجها إلا أن ينفيه باللعان وإن قلنا بإسقاط البينتين عند تعارضهما في الأملاك فهل يسقطان عند تعارضهما في الأنساب أم لا فيه وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي أنهما يسقطان كالأملاك فعلى هذا يكون حكمهما كما لو تداعتاه ولا بينة لهما فيكون على ما مضى.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنهما لا يسقطان إذا تعارضتا في
الأنساب وإن سقطتا بتعارضهما في الأملاك والفرق بينهما أنهما لما تكافآ في الأملاك ولم يكن ما يترجح به إحداهما جاز أن يسقط ولما أمكن ترجيح أحدهما في الأنساب بالقافة ولم يسقطا وحكم لمن انضم إلى بينته بيان القافة.
فصل: فإذا ثبت ما وصفنا ووجدت القافة فألحقت الولد بإحداهما صار لاحقًا بها بالبينة لا بالدعوى فإن عدمت القافة أو أشكل عليهم لم يجز أن يقرع بين البينتين لوجود ما هو أقوى من القرعة وهو انتساب الولد إذا بلغ زمان الانتساب وفيه قولان:
أحدهما: إلى استكمال سبع أو ثمان.
والثاني: إلى بلوغ فإذا انتسب إلى إحداهما لحق بها وبزوجها، لأنه صار لاحقًا بها بالانتساب مع البينة وصار كالقافة مع البينة.
فصل: فلو ماتت واحدة منهما قبل انتساب الولد إلى أحدهما وقف من تركة الميتة ميراث ابن فإن انتسب إلى الميتة أخذ ما وقف له من تركتها وهو ميراث ابن وإن انتسب إلى الثانية منها رد ما وقف له من ميراث الميتة على ورثتها ولو مات زوج إحداهما وقف من تركته ميراث ابن لجواز أن ينسب إلى زوجته فيصير لاحقًا بها فإن انتسب إلى امرأة الميت أخذ ما وقف من تركة زوجها وإن انتسب إلى الأخرى رد ما وقف له من ميراث الميت على ورثته فلو ماتت إحدى المرأتين وزوج الأخرى وقف له من تركة الميتة ميراث ابن ومن تركة زوج الأخرى ميراث ابن فإن انتسب إلى الميتة أخذ ميراثها ورد ميراث زوج الباقية على ورثته وإن انتسب إلى الباقية أخذ ميراث زوجها ورد ميراث الميتة على ورثتها.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "وَإِذَا ادَّعَى الرَّجُلُ اللَّقِيطَ أَنَّهُ عَبْدُهُ لَمْ أَقْبَلِ البَيَّنّةَ حَتَّى تَشْهَدَ أَنَّهَا رَأَتْ أَمَةَ فُلاَنٍ وَلَدَتْهُ وَأَقْبَلَ نِسْوَةِ وَإِنَّمَا مَنَعَنِي أَنْ أَقْبَلَ شُهُودَهُ أَنَّهُ عَبْدُهُ لأَنَّهُ قّدْ يُرَى فِي فَيَشْهَدَ أَنَّهُ عَبْدُهُ.
وَقَالَ فِي مَوْضِع آخَرَ: إنْ أَقَامَ بَيَّنَةَ أَنَّهُ كَانَ فِي يَدِهِ قَبْلَ التِقَاطِ المُلْتَقِطِ لَهُ.
قَالَ المُزَنِيُّ: هَذَا خِلاَفُ قَوْلِهِ الأَوَّلِ وَأَوْلَى بِالحَقِّ عِنْدِيِ مِنَ الأَوَّلِ ".
قال في الحاوي: وصورتها في رجل ادعى رق إنسان مجهول الحال وأنه عبد وليس وإن أقرّ صار عبدًا له.
والثاني: أن تكون الدعوى على غير بالغ فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون ممن لم يعلم أنه لقيط فيكون قول المدعي رقه مقبولاً ويحكم بأنه عبده ما لم تكن يد تدفعه أو مدع يقابله، لأن ما جهل حاله إذا لم يكن فيه منازع لم
يتوجه إليه اعتراض كمن وجد مالاً فادعاه ملكًا أقرَ على دعواه ما لم ينازع فيه فلو بلغ هذا الطفل الذي حكم برقه لمدعيه وأنكر الرق وادعى بالحرية لم يقبل منه بعد الحكم برقه كما لا يقبل منه إذا أنكر النسب بعد الحكم به فإن أقام بينه الحرية حكم بها ورفع رق المدعى عنه فإن طلب عند تعذر البينة عليه إحلاف المحكوم له برقه كان له ذلك، لأنها دعوى حرية قد استأنفها على سيده.
فصل: والضرب الثاني: أن تكون الدعوى برق لقيط فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون قبل ذلك التقاطه ففي قبول دعوى المدعي لرقه وجهان:
أحدهما: يقبل كما يقبل منه ادعاء نسبه.
والوجه الثاني: وهو قول الأكثرين من أصحابنا أن قوله لا يقبل في رقه وإن قيل في نسبه.
والفرق بين الرق والنسب من وجهين:
أحدهما: أن في دعوى النسب حقًا له وحقًا عليه ودعوى الرق حق له لا عليه.
الثاني: أن النسب لا يمنع منه ظاهر الدار بل يقتضيه والرق يمنع منه ظاهر الدار وينافيه ويشبه أن يكون تحريج هذين الوجهين من اختلاف قولي في حكم اللقيط فإن قيل إنه حر في الظاهر لم يحكم برقه للمدعي وإن قيل إنه مجهول الأصل حكم به.
فصل: والضرب الثاني: أن تكون دعوى رقه بعد التقاطه فلا تسمع هذه الدعوى إلا ببينه لا يختلف أصحابنا فيه سواء ادعاه ملتقطه أو غيره وفرق ما قبل التقاطه بعده أن قبل الالتقاط لم تستقر علي يد وبعد الالتقاط قد استقرت عليه يد وإذا كان كذلك فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون مدعي رقه هو الملتقط.
والثاني: أن يكون غيره من الأجانب فإن كان المدعي هو الملتقط فلا يخلو من أحد أمرين أما أن تكون له بينه أو لا تكون فإن لم تكن له بينة كانت دعواه مردودة واللقيط على ظاهر الحرية لم يثبت عليه رق ويقر في يده مع ماله إن كان ولا ينزع منه وإن كان مدعيًا لما استحقه من كفالته بالالتقاط هو الذي نقله المزني في جامعه الكبير والذي أراه أولى أن انتزاعه من يده واجب، لأنه قد خرج بدعوى رقه من الأمانة في كفالته وربما صارت عليه استدامة يده ذريعة إلى تحقيق رقه وإن كانت له بينة فعلى ضربين:
أحدهما: أن تشهد له باليد فلا يحكم بها، لأن اليد شاهدة وليس يحكم بها للعلم بسببها فلم يكن للشهادة بها تأثير.
والثاني: أن تشهد البينة له بالملك فهذا على ضربين:
أحدهما: أن تصف سبب الملك على وجه يوجب الملك وذلك من أحد خمسة
أوجه إما ابتياع من مالك أو هبة قبضها من مالك أو ميراث عن مالك أو بسبي سباه فملكه أو ولدته أمته في ملكه فإن كانت البينة على البيع أو الهبة أو الميراث أو السبي حكم فيا بشاهدين أو شاهد وامرأتين أو شاهد ويمين ولا يحكم بشهادة النساء منفردات وإن كانت الشهادة على أن أمته ولدته سمع فيه أربع نسوة يشهدن على ولادتها في ملكه وتكون شهادتين بملك الأم عند الولادة تبعًا للشهادة بالولادة وإذا لم يكن في ملك الأم نزاع فإن نوزع في ملكه الأم لم تقبل شهادتين بملك الأم حتى يشهد بملكها شاهدان أو شاهد وامرأتان بالملك والولادة فيه قبل فأما إن شهدت البينة بولادته من أمته ولم تشهد بأن الولادة كانت في ملكه فهذا مما لم يذكر فيه سبب ملكه، لأنه قد يجوز أن تكون أمه قد ولدته في ملك غيره فإذا ثبت هذا وشهدت البينة له بسبب الملك الموجب للملك حكم بها وصار عبدًا له.
والثاني: أن تشهد البينة له بالملك ولا تذكر سبب الملك ففي وجوب الحكم بها قولان:
أحدهما: أنه يحكم بها ويجعل اللقيط عبدًا له ولا يلزم أن يسألوا عن سبب الملك كما لو شهدوا بملك مال لم يذكروا سبب ملكه كان جائزًا فكذلك في ملك اللقيط.
والثاني: أن لا يحكم بهذه الشهادة في اللقيط حتى يذكروا سبب ملكه ويحكم بها في غيره من الأموال وإن لم يذكروا سبب ملكه والفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أن حكم اللقيط أغلظ من سائر الأموال لما فيه من نقله عن ظاهر حاله في الحرية إلى ما تشهد له البينة من الرق وليس كذلك سائر الأموال، لأنها مملوكة في سائر الأحوال.
والثاني: أن اليد في الأموال تدل على الملك وفي اللقيط لا تدل عى الملك فإن قبل فيجوز للشهود في الأموال أن يشهدوا فيا بالملك باليد وحدها قيل أما يد لم يقترن بها تصرف كامل فلا تجوز الشهادة بها في الملك وأما إذا اقترن بها تصرف فقد اختلف أصحابنا فحكي أبو علي الطبري في إفصاحه وجهين من غير ووجهًا ثالثًا عن نفسه.
أحد الوجهين: يجوز كما يجوز للحاكم والحكم أوكد من الشهادة.
والثاني: لا يجوز ذلك للشهود وإن جاز للحاكم، لأن للحاكم أن يجتهد وليس للشهود أن يجتهدوا.
والثالث: الذي حكاه عن نفسه أنه إن اقترن بمشاهدة اليد والتصرف سماع من الناس ينسبونه إلى ملكه جاز أن يشهدوا بالملك.
وإن لم يسمعوا الناس ينسبونه إلى ملكه لم يجز أن يشهدوا بالملك وشهدوا باليد.
فصل: وإن كان المدعي لرق اللقيط أجنبيًا غير الملتقط فإن لم تكن له بينته ردت
دعواه وإن كانت له بينة فعلى ضربين:
أحدهما: أن تشهد له بالملك فيكون على ما مضى في الشهادة للملتقط.
والثاني: أن تشهد له باليد قبل التقاطه ففي الحكم بها قولان:
أحدهما: لا يحكم بها لغير الملتقط كما لا يحكم با للملتقط ولا تكون اليد عليه موجبة لملكه لما ذكرنا من تغليظ حاله فعلى هذا لا يحكم بها في ملكه لرقه ولكن يحكم بها في تقدم يده واستحقاق كفالته، لأن بينته تشهد بأن يده كانت عليه قبل يد ملتقطه فعلى ما حكاه المزني ينتزع من الملتقط ويسلم إليه ليكفله وعلى ما أراه أولى يمنع لئلا يصبر ذريعة إلى استرقاقه.
والثاني: ذكره المزني في جامعه الكبير أنا نحكم له برقه مع الشهادة ل باليد بخلاف يد الملتقط، لأن في إقرار الملتقط بأنه لقيط تكذيب لشهوده بأن اليد موجبة لملكه وليس من غير الملتقط إقرار يوجب هذا إلا أن المزني فيما نقله عن الشافعي في جامعه الكبير أنه قال بعد الحكم بالشهادة ل باليد ويحلف أنه كان في يده رقيقًا له فإن لم يحلف لم أرقه له فاختلف أصحابنا في إحلافه مع البينة هل وواجب أو استحباب على وجهين:
أحدهما: أنه واجب لينفي بها احتمال اليد أن تكون بغير ملك فإن نكل لم يحكم له برقه.
والثاني: أنها استحباب وليست بواجبة، لأن اليد إن أوجبت الملك أغنته عن اليمين إذا لم يكن منازع وإن لم توجب الملك لم يكن للشهادة بها تأثير ولأن في اليمين مع البينة اعتلالاً للشهادة.
فصل: فلو ادعى الملتقط بنوة اللقيط ألحق به ولم يكلف ببينة فلو ادعى غيره بعد ذلك رق اللقيط لم يسمع منه إلا ببينة لما ذكرنا من الفرق بين الرق والنسب وإذا أقامها صار ابنًا للملتقط وعبدًا للآخر لإمكان الأمرين ويكون السيد أولى بكفالته من الأب.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعيُّ رَحمَهُ اللهُ تَعَالَى: "وَإذَا بَلَغَ اللَّقيطُ فَاشْتَرَى وَبَاعَ وَنَكَحَ وَأَصْدَقَ ثُمِّ أَقَرَّ بالرّقِّ لِرَجُلِ أَلْزَمْتُهُ مَا يَلْزَمُهُ قَبْلَ إِقْرَارِهِ وَفِي إِلْزَامِهِ الرّقِّ قَوْلاَنِ أحدهما أَنََّ إِقْرَارِهِ يَلْزَمُه ُفِي نَفْسِهِ وَفِي الفَضْلِ مِنْ مَالهِ عَمَّا لَزِمَهُ وَلاَ يَصْدُقُ َفِي حَقِّ غَيْرِهِ وَمِنْ قَالََ أَصْدَقَهُ فِي الكُلِّ.
قَالَ: لأَنَّهُ مَجْهُولُ الأَصْلِ وَمِنْ قَالََ القَوْلَ الأَوَّلَ قَالَهُ فِي امْرَأَةٍ نُكحتْ ثُمَّ أَقَرَّتْ بِمِلْك لِرَجُلٍ لاَ أُصَدِّقُهَا عَلَى إفْسَادِ النِّكَاح وَلاَ مَا يَجبُ عَلَيْهَا للِزَّوْجِ وَأَجْعَلُ طَلاَقَهُ إيَّاهَا ثَلاثَا وَعِدَّتُهَا ثَلاثُ حِيَضٍ وَفِي الوَفَاةِ عِدَّةُ أَمَةٍ لأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهَا َفِي الوَفَاةِ حَقِّ يَلْزَمُهَا لَهُ وَأَجْعَلُ وَلَدَهُ قَبْلَ الإقْرَارِ وَلَدَ حُرَّةٍ وَلَهُ الخِيَارُ فَإنْ أَقَامَ عَلَى النْكَاحِ كَانَ وَلَدُهُ
رَقيقًا وَأَجْعَلُ مِلْكَهَا لِمَنْ أَقَرَّتْ لَهُ بِأَنَّهَا أَمَتُهُ.
قَالَ المُزَنِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: أَجْمَعَتِ العُلَمَاءُ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِحَقِّ لَزِمَهُ وَمَنْ ادَّعَاهُ وَلَمْ يَجِبْ لَهُ بدَعْوَاهُ وَقَدْ لَزمَتْهَا حُقُوقٌ بإقْرَارِهَا فَلَيْسَ لَهَا إِبْطَالُهَا بدَعْوَاهَا".
قال في الحاوي: وصورة هذه المسألة في لقيط بلغ فجرت عليه أحكام الأحرار في عقوده وأفعاله اعتبارًا بظاهر حاله في الحرية، لأنه ممكن من ذلك كله ولا يمنع منه بالإشكال سواء قيل إنه حرّ في الظاهر أو مجهول الأصل فإذا وجد ذلك منه وجرت أحكام الحرية عليه ظاهرًا ثم جاء رجل فادعى رقه وأنه عبد فلا يخلو أن يكون له بينة تشهد له برقه أو لا يكون فإن أقام برقه بينة على ما تقدم من وصف البينة حكمنا له برقه وأجرينا عليه أحكام العبيد في الماضي من حاله وفي المستقبل فلما بطل من عقوده الماضية بالرق أبطلناه وما وجب استرجاعه من غرم أو مال استرجعناه وسواء في ذلك ما ضر غيره أو نفعه أو نفع غيره وضره، لأن البينة حجة عليه وعلى غيره وإن لم يكن للمدعي بينة فلا يخلو أن يقر اللقيط له بالرق أو ينكره فإن أنكره حلف له وهو على ظاهر حريته وإن أقر له بالرق فلا يخلو أن يكون قد اعترف قبل ذلك بالحرية أو لم يعترف فإن كان قبل ذلك قد اعترف بالحرية لم يقبل إقراره بالرق إلا أن تقوم بينة، لأن اعترافه بالحرية قد تعلق به حق الله تعالى وإن تضمنه حق لنفسه فلم يكن له إبطال حق الله تعالى وإن أبطل حق نفسه وإن لم يكن قد اعترف قبل ذلك بالحرية قبل إقراره بالرق سواء قيل بجهالة أصله أو بظاهر حريته، لأن إقراره على نفسه أقوى من حكم الظاهر ولأن الكفر بالله تعالى أغلظ من الرق ثم كان قوله لو بلغ مقبولاً في الكفر فأولى أن يكون مقبولاً في الرق.
فصل: فإذا ثبت أن إقراره بالرق مقبول أجريت عليه أحكام الرق في المستقبل وفي إجرائها عليه في الماضي قولان:
أحدهما: تجري عليه أحكام الرق في الماضي كما تجري عليه أحكامه في المستقبل، وهذا على القول الذي نجعله فيه مجهول الأصل ووجهه شيئان:
أحدهما: أن الرق أصل إذا ثبت تعلق في فرعه من أحكام فإذا ثبت أصله فأولى أن تثبت فروعه.
والثاني: أنه لما كان إقراره بالرق موجبًا لإجراء أحكام الرق عليه في المستقبل كالبينة اقتضى أن يكون موجبًا لذلك في الماضي كالبينة.
والثاني: أنه يجري عليه في الماضي أضر الأمرين به من أحكام الحرية أو الرق فما نفعه وضر غيره لا يقبل منه وما ضره ونفع غيره قبل منه وهذا على القول الذي نجعله فيه حرًا في الظاهر ووجهه شيئان:
أحدهما: أن إقراره فيما ضر غيره متهوم فأمضى وإقراره فيما ينفعه متهوم فرد.
والثاني: أنه كما لم يملك إبطاله من العقود بغير الإقرار بالرق لم يملكه بالإقرار،
لأن لزومها يمنع من تملك فسخها.
فصل: فإذا تقرر توجيه القولين تفرع عليها ما مضى فمن ذلك هباته وعطاياه فإن قيل بنفوذ إقراره فيهما بطلت وأستحق السيد استرجاعها وإن قيل برد إقراره فيهما بطلت واستحق استرجاعها أمضيت ولم يسترجع وليس للسيد إحلاف الموهوب له والمعطي إن أنكر.
فصل: ومن ذلك بيوعه وإجاراته إن قيل بنفوذ إقراره فيهما بطلت ولزم التراجع فيهما وإن قيل برد إقراره فيهما أمضيت ولا يراجع فيهما وما حصل بيده مما اشتراه لم يكن لسيده التصرف فيه، لأنه مقر أنه على ملك بائعه وله أن يتوصل إلى أخذ ثمنه منه فإن فضل منه لم يملكه.
فصل: ومن ذلك ديونه التي لزمته وهي على ضربين:
أحدهما: ما وجب باستهلاك وجناية فهي متعلقة برقبته على القولين معًا، لأن ذلك اضربه فنفذ إقراره فيه وإن ضاقت الرقبة عن غرم جميعه ففي تعلق الباقي بذمت بعد عتقه قولان إن قيل بنفوذ إقراره سقط ولم يلزم وإن قيل برد إقراره لزم في ذمته بعد عتقه.
والثاني: ما وجب عن معاملة من ثمن أو أجرة أو صداق فإن قيل بنفوذ إقراره تعلق ذلك بذمته بعد عتقه وكان السيد أحق بما في يده وإن قيل يرد إقراره كان ذلك مستحقًا فيما بيده فما كان بإزائه جميع ما في يده في ديونه ولا شيء فيه لسيده، وإن كان أقل منه كان الباقي بعده في ذمته بعد عتقه فإن كان أكثر الفاضل منه لسيده وهو معنى قول الشافعي: أن إقرار يلزمه في نفسه وفي الفضل من ماله عما لزمه يعني من ديونه.
فصل: ومن ذلك نكاحه وذلك ضربان:
أحدهما: أن يكون اللقيط عبدًا فينكج امرأة.
والثاني: أن تكون امرأة فتنكح رجلاً فإن كان اللقيط عبدًا فنكح امرأة فإن قيل بنفوذ إقراره فالنكاح باطل من أصله، لأنه مقرّ أنه نكح بغير إذن سيد فإن لم يدخل فلا شيء عليه وإن دخل بها قلها مهر المثل دون المسمى إلا أن يكون مهر المثل أكثر فلا تستحق إلا المسمى، لأنها تدعي الزيادة عليه وإن قيل برد إقراره بفسخ النكاح من وقته لإقرارها بتحريمها عليه ولم ينفسخ من أصله لقبول إقراره فيه فإن كان قبل الدخول فلها نصف المسمى وإن كان بعد الدخول فلها جميعه وإن كان اللقيط أمة فنكحت رجلاً فإن قيل بنفوذ إقرارها بطل النكاح، لأنها منكوحة بغير إذن سيدها سواء كان الزوج واحدًا للطول أو لم يكن فإن لم يدخل بها فلا شيء لها وإن دخل بها فلها مهر المثل دون المسمى وكان أولادها منه أحرارًا، لأنه أصابها على حرية أولادها فصارت كالغارة بحريتها لكن على الزوج قيمتهم لسيدها وفي رجوع الزوج بعد ذلك عليها بعد عتقها قولان كالمغرور وإن
قيل برد إقرارها لم يقبل في فسخ النكاح سواء كان الزوج واحدًا للطول أو لم يكن، لأن الزوج يدعي صحة العقد على حرة وجميع أولادها منه قبل الإقرار وبعده لأقل من ستة أشر أحرار لا يلزم الزوج غرم قيمتهم وله الخيار في المقام معها لم استقر من حكم رقها فإن أقام عليها رق أولاده منها إذا وضعتهم لأكثر من ستة أشهر من وقت إقراره ثم إن لزمتها العدة على هذا القول الذي يرد إقرارها فيه فعلى ضربين: طلاق أو وفاة فإن كانت وفاة فعدة أمه شهران وخمس ليال، لأنها حق الله تعالى فقيل: قولها فيه على القولين معًا، وإن كانت عدة طلاق فعلى ضربين:
أحدهما: أن تملك فيها الرجعة فيلزمها ثلاثة أقراء، لأن حق الآدمي منها أقوى لثبوت رجعته فيها.
والثاني: أن لا يملك فيها الرجعة ففيه وجهان:
أحدهما: عدة أمه كالوفاة، لأنه لا يتعلق بها للزوج حق.
والثاني: وهو الظاهر من منصوص الشافعي أنها ثلاثة اقراء كما لو فيها الرجعة والفرق بين عدة الطلاق وعدة الوفاة أن عدة الطلاق يغلب فيها حق الادمي، لأنها لا تجب على ضغيرة ولا غير مدخول بها، لأن مقصودها الإستبراء وعدة الوفاة يغلب فيها حق الله تعالى لوجوبها على الضغيرة وغير المدخول بها ولأن المقصود بها التعبد، فأما الجناية منه وعليه فقد تقدم ذكرها وفيما استوفيناه من ذلك تنبيه على ما أغفلنا فأما المزني فإنه اختار أن لا ينفذ إقراره في الماضي وإن نفذ في المستقبل وكان من استدلاله أن قال أجمعت العلماء أن من أقر بحق لزمه ومن ادعاه لم يجب ل بدعواه.
وهذا القول صحيح غير أن الإستدلال به فاسد، لأن اللقيط لم يكن منه إقرار بالحرية فلا يقبل رجوعه عنه وإنما حمل أمره في الحرية على الظاهر وإقراه على نفسه أقوى فكان الحكم به أولى.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعيُّ رَحمَهُ اللهُ تَعَالَى: "وَلَوْ أُقِرَّ اللَّقيطَ بِأَنَّهُ عَبْدٌ لِفُلاَنٍ.
وَقَالَ الفُلاَنُ مَا مَلَكْتُهُ ثُمَّ أَقَرَّ لِغَيْرِهِ بِالرِّقِّ بَعْدُ لَمْ أَقْبَلْ إِقْرَارَهُ وَكَانَ حُرَّا فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ ".
قال في الحاوي: وصورتها في لقيط بالغ ابتداء من غير دعوى فأقر برقه لزيد فأنكر زيد أن يكون مالكه فأقر اللقيط بعد ذلك برقه لعمرو فإقراره مردود وهو حر في الظاهر إلا أن يقوم بينة برقه لمالك فيحكم بها دون الإقرار.
وقال أبو العباس بن سريج: إقراره مقبول للثاني، وإن رده الأول كما كان إقراره
مقبولاً للأول، وهكذا لو أنكره الثاني فأقر الثالث قبل منه، قال أهل العراق استدلالاً بأنه لو أقر بنسبه لرجل فرد ثم أقرّ بنسبه لغيره جاز، فكذلك إذا أقر برقه لرجل فرد ثم أقرّ به لآخر جاز وهكذا لو أقرّ بدار في يده لرجل فردّ إقراره ثم أقرّ بها لغيره نفذ إقراره، فكذلك في الرق، لأنه لا يخلو من ان يجري مجرى النسب وقد ذكرنا جواز ذلك فيه أو مجرى المال وقد ذكرنا جوازه فيه، وهذا الذي قاله أبو العباس ومن وافقه من أهل العراق خطأ من وجهين:
أحدهما: أن إقراره بالرق للأول إقرار لا رق عليه لغير الأول فإذا رد الأول الإقرار فقد رفع رقه عنه بالإنكار فصار إقراره بالرق إذا رد كالعتق فلم يجز أن يقرّ بعد الرق.
والثاني: أن في الحرية حقَا للهِ تعالى وحق للآدمي فصار أغلظ من حق الله تعالى إذا تجرد من حق الآدمي إذا انفرد فلم يكن لمن جرى حكمه عليه أن يدفعه عن نفسه فأما ما استدل به من إقراره بالنسب فقد كان بعد أصحابنا يضيق عليه الفرق بينهما فيجعل الحكم فيهما سواء ويقول إذا رد إقراره بالنسب لم أقبله إذا أقر به من بعد كما لو رد في العتق لم أقبله من بعد وذهب سائر أصحابنا إلى أنه يقبل في النسب ولا يقبل في الرق والفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أن إنكاره الرق يقتضي أن لا رق وليس إنكاره للنسب موجبًا لرفع النسب.
والثاني: أن من أنكر شيئَا أقرّ به قبل ومن أنكر الرق ثم أقرّ به لم يقبل منه، وأما الإقرار بالدار فإذا ردّه المقرّ له لم يقبل إقرار المقر بها لغيره وإنما جعل الثاني أحق بها من حيث إنه لا منازع له فيها ولابد لكل ملك من مالك وليس كذلك اللقيط، لأنه قد يكون حرًا وليس له مالك.
فصل: فإذا تقرر ما وصفنا قيل للثاني إن أقمت البينة على رقه حكم لك به، لأن البينة توجب رقه وإن كان معترفًا بالرية فكانت بإثبات رقه في هذه الحال أولى.
فصل: ولو أن لقيطًا أقرّ بالبنوة لرجل ثم أقرّ بالرق بعده لآخر قبلنا إقراره لهما بالبنوة والرق، لأنه ليس يمتنع أن يكون ابنًا لزيد وعبدًا لعمرو ولو ابتدأ فأقر بالرق لرجل ثم أقرّ بعده بالبنوة لآخر نفذ إقراره بالرق المتقدم فلم ينفذ بالبنوة المتأخرة، لأن العبد لا يقبل إقراره بأب بتصديق السيد لما فيه من إبطال الإرث بالولاء وليس كذلك إذا قدم الإقرار بالأب ثم أقرّ بعده بالرق.
فصل: وإذا تنازع الرجلان طفلاً وادعاه كل واحد منهما ابنًا ثم سلمه أحدهما إلى الآخر واعترف بأبوته فإن كان تنازعهما في نسبه لإشتراكهما في الفراش لم يقبل تسليمه
إليه وإن كان لاشتراكهما في التقاطه قبل وصار ابنًا لمن سلم إليه دون من سلمه، والفرق بينهما أن الحادث عن الفراش ملحق بغير دعوى واللقيط لا يلحق إلا بالدعوى فلو رجع من سلم إليه وجعله ابنًا له وسلمه إلى غيره واعترف له بأبوته لم يجز، لأنه قدمكم له بعد التسليم بأبوته فلم يجز أن يدفعه عن نفسه ولا أن ينفيه باللعان لإعترافه به وهكذا لو تفرد رجل بالتقاطه وادعى بنوته ثم سلمه بعد ادعاء البنوة إلى غيره ولدًا لم يجز وصار لازمًا للأول لإلحاقه به فلو تنازع نسبه رجلان ثم تركاه معًا راجعين عن ادعاء نسبه لم يجز ورأينا فيما رأياه للقافة وألحقناه بمن ألحقوه به ولم سلمه المتنازعان إلى ثالث استحدث دعوى نسبه لم يجز لأنهما بالتنازع الأول قد اتفقا على أن نسبه لا يخرج عنهما ثم ينظر في الثالث فإن ألحقته القافة به صار بإلحاق القافة لاحقًا به لا بالتسليم وإن نفوه عنه وجب إلحاقه بأحد الأولين إما بالقافة أو بالتسليم والله أعلم.