أحدهما: لهن ذلك لاختصاصهن بالقربى، وإن ضعفت لأن ضعفها يسقط جهتها مع من هو أقوى منها ولا يسقط مع من عدم قرابتها فعلى هذا لا يجوز العدول عنها إلى الأجانب.
والثاني: لا يستحقن الحضانة بحالٍ لأنه لم يوجد فيهن سبب الاستحقاق ولكن يجوز أن يقدم بذلك على الأجانب من طريق الأولى [ق 231 أ] دون الاستحقاق كما تقدم المرضعة والجارة، هذا لأن حضانتهن أصلح للصبي من حضانة الأجانب فعلى هذا إن أدى اجتهاد الحاكم إلى العدول منها إلى غيرها من الأجانب جاز.
وهذا اختيار أبى إسحاق، لأن الحاكم أحق نيابة عن المسلمين كما في الميراث فإذا قلنا بالأول ففي أحقهم بها إذا اجتمع الذكور والإناث وجهان:
أحدهما: الذكور أحق بها لقربهم ممن أدلى بهم فيكون أب الأم أحق بالحضانة من أب، والخال أحق بها من ابنته.
والثاني: الإناث مع بعدهن أحق بها ممن أدلى به من الذكور مع قربهم لاختصاصهن بالأنوثة التي هي آلة التربية ومقصود الحضانة فتكون أم أب الأم أحق من أبيها وبنت الخال أحق بها من الخال، وإن انفرد الذكور وتنازعوا فإن كان لأحدهما ولادة دون الآخر كأب الأم والخالة كانت الحضانة لأب الأم لبعضيته ولا قصاص عليه به وعتقه عليه، وإن لم يكن فيها ولادة كالخال والعم من الأم فيه وجهان:
أحدهما: أنهما سواء بينهما ولا اعتبار بمن أدليا به لتساويهما في سقوط الحضانة مع وجود مستحقها.
والثاني: وهو الأشبه يستحقها من قوي سبب إدلائه فيكون الخال لإدلائه بالأم أحق بها من العم للأم لإدلائه بالأب الذي تقدم عليه الأم، ولو كان ابن أخ لأم وعم لأم كان العم للأم أولى لإدلائه بأم الأب التي هى أحق بالحضانة من الأخ للأم.
مسألة:
قَالَ: " وَلاَ حَقَّ لأَحَدٍ مَعَ الأَبِ غَيْرَ الأُمَّ وَأُمَّهَاتِهَا".
الفصل:
قد مضى الكلام إذا اجتمع نساء القرابات ولا رجل معهن وهذه المسألة إذا اجتمع الرجال والنساء والحكم فيها بأن الأم وأمهاتها أولى من جميع الأقارب لما ذكرنا أن لهن ولادة وهن من أهل الحضانة بأنفسهن [ق 231 ب] فإن عدمن الأقارب اللاتي تدلين بالأب كالأمهات للأب والأخوات للأب والعمات لا حق لهن مع الأب بل يقدم الأب عليهن لأنهن يدلين به فكان المدلى به أحق من المدلى.
وأما النساء اللاتي............. بالأم كالأخت من الأم والخالة فالمذهب المنصوص أنه يقدم الأب عنهن لأن في الأب من الولادة والاختصاص من النسب ما لا يكون في غيره.
وقال الإصطخري، وابن سريج، وأبو إسحاق، وبه قال أبو حنيفة: يقدمن على الأب والأم عليه أيضاً، وهذا اختيار أبي حامد لأنها ذات حضانة تدلى بالأم فسقط الأب كالجدة أم.
قال هذا القائل ومعنى قوله: ولا حق لأحد مع الأب غير الأم وأمهاتها أي لا حق لأحد مع الأب ممن يدلى به دون من يدلى بالأم بدليل أنه قال بعده فأما أخواته وغيرهن فإنما حقوقهن بالأب فلا يكون لهن حق معه وهن يدلين به فدل على أن من لا يدلى به فلها حق معه، وهذا لا يصح لأنه لو قدم الأخت مع الأم والخالة على الأب لظاهر هذا الكلام لوجب أن يقدم كلاهما على أمهات الأب لأنهن يدلين به فلما لم يدل هذا على تقديمهما على أمهاته فلذلك لا يدل على تقديمهما عليه، ولأن الشافعي صرح بأنه لا حق لأحد مع الأب غير الأم وأمهاتها، وذلك يقتضي أن يكون الأب أولى من الأخت والخالة فلا يجوز تركه بدليل الخطاب الذي بعده، وهذا اختيار صاحب الإفصاح والقاضي الطبري، وفي رواية الربيع فأما أخواتها وغيرهن فلا يكون لهن حق معه، وهذا نص صريح على أن الأب يقدم على الخالة، وعلى هذا إذا اجتمع أب وأم أب وأخت لأم فعلى القول القديم الأخت من الأم والخالة مقدمة على الأب، ومن يدلى به فالأخت للأم أولى [ق 232 أ] وههنا لا تفريغ عليه وأما على قوله الجديد أن أمهات الأب مقدمة على الأخوات يتفرع هذا، فإن قلنا بظاهر مذهب الشافعي أن الأب يقدم عليهما فالحصانة له، وإن قلنا الأصحاب وأنه لا يسقطهما ففي هذه المسألة وجهان:
أحدهما: أن الحضانة للأب ههنا وهو اختيار لاصطخري لأن الخالة والأخت من يسقطان بأم الأب، ثم يسقط أم الأب بالأب، قال: ولا يمتنع أن يسقط أم الأب الخالة والأخت للأم، ثم لا يثبت لها الحق بل يثبت للأب كالأخوين مع الأبوين يحجبان الأم من الثلث إلى السدس ثم لا يحصل ذلك السدس لها بل يحصل للأب.
والثاني: وهو قول عامة أصحابنا أن الحضانة للأخت من الأم والخالة لأن أم الأب تسقط بالأب والأب يسقط بالخالة والأخت للأم، وإن اجتمع أب وأخت لأم فيه وجهان أيضاً لأن مذهب الشافعي في الجديد أن الأخت للأب مقدمة على الأخت للأم.
وقال في "الحاوي": إذا قلنا بالمذهب الصحيح ينتقل بعد الأب إلى أمه، ومن علا مقدمين على أبيه، فإن عدم أمهات الأب انتقلت إلى أب الأب، وهو الجد، ثم إلى أب الجد، ثم إلى أمهاته، ثم إذا عدم الآباء والأمهات فيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: أن جميع النساء من الأقارب أحق بالحضانة من جميع العصبات فتقدم الأخوات والخالات والعمات ومن أدلى بهن من البنات على جميع من الأخوة وبينهم والأعمام وبينهم لما فيهم من الأنوثة التي هي بالحضانة أخص مع الاشتراك في القرابة، وإن تفاضلوا فيها.
والثاني: جميع العصبات أحق من جميع النساء من الأخوات والعمات والخالات، ومن يدلى بهن عن بناتهن لاختصاص العصبات بالنسب واستحقاقهم للقيام بتأديب المولود والميراث.
والثالث: وهو الأصح لا يترجح أحد الفريقين [ق 232 ب] على العموم ويعتبر تفاضل الدرج ويترتبون ترتيب العصبات في استحقاق فالأقرب من الرجال والنساء في الدرج قدم النساء فيها على الرجال لاختصاصهن بالأنوثة فعلى هذا ينتقل بعد الآباء والأمهات إلى الأخوة والأخوات فتقدم الأخوات لأنوثتهن، ثم ينتقل بعدهن إلى الأخوة، فإذا عدموا انتقلت إلى بنات الأخوات، ثم إلى بني الأخوة، فإن اجتمع ابن أخت، وابنة أخ كانت بنت الأخ أحق من بنت الأخت، وإن كان مدلياً بمن هو أحق اعتباراً بالأنثوية المستحق، ثم بعد الأخوة والأخوات انتقلت إلى الدرجة التي تليهم، وهو من ساوى الأبوين في درجته فالمساوئ للأم في درجتها الخالات والمساؤي للأب في درجته الأعمام والعمات، فتكون الخالات أحق بها من الأعمام والعمات لإدلائهن بالأم التي حي أحق بالحضانة من الأب، ثم ينتقل بعدهن إلي العمات يتقدمون فيها علي الأعمام، ثم ينتقل بعدهن إلي الأعمام، فإذا عدم الأعمام انتقلت إلي بنات الخالات، ثم إلي بنات العمات، ثم إلي بنات العم، ثم إلي بني العم، فإذا عدمت هذه الدرجة انتقلت إلي الدرجة التي تليها وهي الدرجة التي تساوي درجة الجد، والجدة فتساوي درجة الجدة حالات الأم وتساوي درجة الجد أعمام الأب وعماته فتنتقل الحضانة إلى خالات الأم، ثم إلى خالات الأب، ثم إلى عمات الأب، ثم إلى أعمام الأب، ثم إلى أولادهم فتكون بعدهم لبنات خالات الأم، ثم لبنات خالات الأب، ثم لبنات عمات الأم، ثم لبنات عمات الأب، ثم لبنات أعمام الأب، وعلى هذا أبداً.
وحكي بعض أصحابنا عن القفال أنه قال: لا يختلف أصحابنا أن أم الأب، وأم الجد، وإن بعدن أولى من الأب لأن لهم الحق الولادة، وإن كان أولاهن به ولا حق للأخت من الأب مع الأب، لأن [ق 223 أ] إدلائهما به وليس لهما قوة الولادة، وكذلك لا حق للأخت من الأم والأخت للأم اللتين حجبتا بالأب.
قال: وحكي عن الإصطخري أنه قال: تقدم الأخت من الأبوين والأخت من الأم والخالة على الأب، فأما الأخت للأب يحتمل وجهتين:
أحدهما: تقدم كأم الأم.
والثاني: تؤخر، لأن إدلائهما به وليس لها حق الولادة، قال: وتأويل قوله فأما أخواته أراد أخوات الأب لا أخوات الصبي، وهذا تخليط، ولم يساعده أحد من أصحابنا بالعراق في هذا والصحيح ما ذكرنا.
فرع:
إذا انفرد الذكور فأحقهم الأب، ثم أباه، ثم بعد الأجداد الإخوة فيقدم الأخ للأب والأم، ثم الأخ للأب، ثم الأخ للأم، وعلى قياس قول ابن سريج يقدم الأخ من الأم على الأخ من الأب، ثم بعد الإخوة فيه وجهان:
أحدهما: ينتقل إلى بني الإخوة ويتقدمون على الأعمام لقوة تعصيبهم فيقدم ابن الأخ للأب والأم، ثم ابن الأخ للأب ولا حق فيها لابن الأخ للأم لأنه غير وارث، ثم ينتقل بعدهما إلى أولادهما، وإن سفلوا ثم إلى الأعمام على هذا الترتيب.
والثاني: ينتقل بعد الإخوة إلى الأعمام دون بني الإخوة لقوتهم في الدرجة على بني الإخوة، ثم بعدهم إلى بني الإخوة دون بني الأعمام لاختصاص بني الإخوة بالمحرمة دون بني الأعمام، ثم بعد بني الإخوة والأعمام وجهان:
أحدهما: ينتقل إلى بني الأعمام يتقدمون بها، وإن سلفوا على أعمام الأب إذا قلنا يتقدم بها بنو الإخوة وإن سلفوا على العم، ثم تنتقل بعدهم إلى عم الأب.
والثاني: ينتقل إلى عم الأب يتقدم بها على بني العم إذا قلنا العم يتقدم بها على بني الإخوة، فإذا عدم الأب انتقلت بعده إلى بني الأعمام يتقدمون بها، وإن سلفوا على بني عم الأب، وإن قربوا لاختصاصهم بالقرب تساويهم في عدم المحرمية، ثم على هذا الترتيب [ق 233 ب] في بني أب بعد أب، ثم إذا عدم جميع العصبات لم يكن للمولى المعتق حق فيها لأنه أسقط بالعتق حق نفسه عن المعتق، فسقطت حضانته.
فرع آخر:
لو كان للمولى المعتق نسب هو أبعد من نسب من حضر فهل يترجح بولاية مع بعده على من هو أقرب منه كعم وعم أب معتق؟ فيه وجهان:
أحدهما: يتقدم به، وإن بعد لجمعه بين شيئين يجري على كل واحد منهما حكم التعصيب فتكون الحضانة لعم الأب لولاية دون العم.
والثاني: لا يتقدم لأنه سبب لا يستحق به الحضانة فلم تترجح به الحضانة إلا مع التكافؤ فيكون العم أحق بالحضانة لقربه من عم الأب مع ولاية.
وذكر صاحب "الحاوي" في الحضانة ترتيباً حسناً فقال: إذا اجتمع في الحضانة قرابات المولود فتكون على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكونوا نساءً لا رجل فيهم.
والثاني: أن يكونوا رجالاً كلهم.
والثالث: أن يكونوا رجالاً ونساءً، فأما الأول فيخرج منهن من لا حضانة لها وهي نوعان:
أحدهما: من سقطت حضانتها لنقص.
والثاني: من سقطت حضانتها لضعف قرابتها وهي كل مدلية بذكر لا يرث.
ثم من عدا هذين الصنفين متقدمين فيها بقوة السبب وذلك بشيئين دنوا القرابة كالأم مع أمها وقوة القرابة وقوتها تكون بخمسة أسباب مباشرة؛ الولادة، ووجود البعضية، والتعصب، والميراث، والمحرمية، والإدلاء بمستحق الحضانة ويقسم الإدلاء ثلاثة أقسام:
الإدلاء بالولادة كالإدلاء أم الأم بولادة الأم، وأم الأب بولادة الأب وهو أقوي أقسام الإدلاء.
والإدلاء بالانتساب كإدلاء الأخوات بالأبوين وإدلاء بناتهن بهن، وهذا يتلو الأول في القوة.
والثالث: الإدلاء بالقربى كإدلاء الخالة بالأم والعمة بالأب، وقد ذكرنا شرح الكل فلا نعيده.
فرع آخر:
لو اجتمع مع الرجال والنساء في الحضانة خنثي مشكل نظر [ق 234 أ] في مستحقها، فإن كان رجلاً لم تساوه الخنث فيها لجواز أن يكون امرأة، وهل يتقدم بذلك علي المرأة عند عدم الرجال؟ وجهان، وإن كان مستحقها امرأة لم تساوها الخنثى وهل يتقدم بذلك في الرجل؟ وجهان:
أحدهما: يتقدم عليه إذا تقدمت عليه المرأة لجواز أن يكون امرأة.
والثاني: لا يتقدم عليه لعدم الحكم بأنه امرأة.
فرع آخر:
لو أجبر الخنثى علي اختياره لنفسه أنه رجل أو امرأة عمل علي قوله في سقوط الحضانة، وهل علي قوله في استحقاقها وجهان:
أحدهما: يعمل عليه لأنه أعرف بنفسه.
والثاني: لا يعمل عليه للتهمة.
فرع آخر:
لو وقع التنازع في كفالة المولود وله زوجة كبيرة نظر، فإن أمكن استمتاعه بها أو استمتاعها فهي أحق بكفالته، وإن كانت أجنبية من جميع ثواباته لما جعل الله (تعالى) بين
الزوجين من المودة والرحمة فكان أسكن لها وأعطف عليه، وإن لم يكن استمتاعه بها ولا استمتاعها به لا حق لها في كفالته وأقربائه من الرجال والنساء أحق به منها.
فرع آخر:
لو كانت الزوجة من أقاربه هل يترجح بعقد النكاح علي غيرها من الأقارب وجهان:
أحدهما: يتراجع لجمعها بين سببين.
والثاني: لا يتجرع وتقف علي درجتها من القرابة التي هي أخص بالكفالة.
فرع آخر:
لو كان المولود جارية ولها زوج كبير، فإن أمكنه الاستمتاع بها كان أحق بكفالتها، وإن لم يمكنه فالأقارب أحق بكفالتها منه، فإنه شاركهم في القرابة فهل يتجرع بعقد النكاح عليهم؟ وجهان.
مسألة:
قال: " وَالجَدُّ أَبُو الأَبِ يقُومُ مَقَامَ الأَبَ إِذَا لمَ يَكُنْ أَباً أَوْ كَانَ غَائِباً أَوْ غَيْرَ رَشِيدٍ".
قال أصحابنا: ليس هذا الكلام علي ظاهره، فإن أم الأب أحق من الجد وكذلك أمهاتها يقدمن علي الجد أب الأب [ق 234 ب] لاختصاصهن بالحضانة، وتأويل هذا الكلام أن الجد أحق إذا لم يكن أب من أمهاته كما يكون الأب أحق من أمهاته، وإن اجتمع معه خالة أو أخت لأم، وقلنا: إن الأب يقدم عليها فههنا وجهان:
أحدهما: الجد أولي أيضاً، لأنه يقوم مقام الأب.
والثاني: وهوا لأقرب الأخت أولي، لأنها مساوية للجد في الدرجة وتختص الأخت بالحضانة بخلاف الجد، وهكذا إذا كان الأب غائباً أو غير رشيد بأن يكون فاسقاً أو مجنوناً، فالجد مقامه إذا لم يكن أمهات الأب.
فإن قيل: أبطلتم حق الحضانة بالغيبة ولم تبطلوا حق الولاية في النكاح بالغيبة فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن المطلوب بالحضانة خط الصبي، والخط له بأن ينتقل إلي الجد دون الحاكم وليس كذلك ولاية النكاح فإنها حق المولي فلا تبطل بغيبته، فقام الحاكم مقامه في استيفاء حق المرأة منه، ولأن الغيبة لا تمنع حق النكاح؛ لأنه لو زوجها من موضعه يصح بخلاف الكفالة، وعلي هذا قال القفال: لو ترك الأقرب الحضانة فالحق
الأبعد بخلاف ولاية النكاح، فإنها تنتقل إلي السلطان؛ لأن تزويج السلطان يحصل لها ما يحصل من تزويج القريب ولا يحصل بحضانة السلطان ما يحصل بحضانة الأقارب فيراعي فيه حظ الصبي.
مسألة:
قال: "وكَذلِكَ العصْبَةُ يَقُومُونَ مَقَامَ الأَبِ إِذَا لمَ يَكُنْ أَقْرَبَ مِنْهُمْ مَع الأُمَّ وَغَيْرُهَا".
الفصل:
اختلف أصحابنا في تأويل هذا الكلام، فمنهم من قال: معناه أن العصبة يقومون مقام الأب في حفظ نسبه وتأديبه وإسلامه إلي الصنعة دون الحضانة، فإن الإخوة والأعمام لا مدخل لهم في الحضانة، وإنما الحضانة من الرجال للأب، والجد فقط، وبه قال أبو إسحاق، ومن أصحابنا من قال: أراد به في الحضانة [ق 235 أ] وهو الظاهر من مذهب الشافعي وهو الصحيح؛ لأن الشافعي روي خبر عمارة الجرمي أن علي بن أبي طالب خيره بين أمه وعمه علي أن العم له مدخل في الحضانة.
فإذا قلنا بهذا م يكن حد من الأبوين والجد والجدات، فإن كان الولد ذكراً بدفع إلي الأقرب فالأقرب من العصبات وأولادهم، سواء كان الأقرب ذكراً أو أنثي، وإن كان الولد أنثي نظر في العصبة، فإن كان محرماً لها لم تسلم إليه وإنما تسلم إلي من يدلي به من الإناث، مثل أن يكون ابن عم وله بنت فتسلم إلي بنت ابن العم، فإذا اجتمع ذكر وأنثي مثل ابن العم، وابنة العم، فإن الولد يسلم إلي ابنة العم دون ابن العم؛ لأنهما إذا استويا في الدرجة قدمت الأنثى علي الذكر لكمال حضانتها علي ما ذكرنا فيما تقدم، وعلي ما ذكرنا إذا لم يكن أب ولا جد فهل يخير الولد بين الأم وسائر العصبيات؟ وجهان، وأما يدلي بالأب فلا يخير بينهن وبين الأب، وإن أدلين بالأم كالخالات ففي تخييره بين الأب وبينهن وجهان، وفي تخييره بين سائر العصبات، وبين سائر النساء سوي الأمهات ثلاثة أوجه:
أحدها: لا تخير والعصبات أحق.
والثاني: لا تخير ونساء القرابات أحق.
والثالث: تخير بين عصابته ونساء قراباته إذا تساوي درجتهم فإن استوي اثنان من عصبته كأخوين أو اثنتان من قراباته كالأختين فيه وجهان:
أحدهما: يخير بينهما.
والثاني: يقرع بينهما ولا يخير.
وقيل: إن كانت العصبة ابن العم لا تخير الجارية بينه وبين الأم إذ لا يحل له الخلوة بها، قال القفال: إلا أن تكون صغيرة لا تشتهي مثلها فحينئٍذ هو كالغلام يخير بين أمه وبينه أيضاً وهذا غريب.
مسألة:
قال: " وإِذَا أَرادَ الأَب ُأَنْ يَنتْقَل عَنِ الَبلَد الَّذي نَكَحَ بِهِ المَرأَةَ كاَنَ بَلَدهُ أَوْ بَلَدَها فَسَوَاءٌ".
الفصل:
قد ذكرنا فيما مضي أن الأب إذا أراد أن يتقبل إلي بلد آخر، فإن الأب أحق بالولد [ق 235 ب] من الأم.
قال الشافعي: " موضعاً كان أو كبيراً" وأراد به سواء كان طفلاً أو قد بلغ الحد الذي يخير بين الأبوين، فإن الأب يكون أحق به، إلا أن يريد أن ينتقل إلي بلدٍ غير مأمون من النهب والغارة فتكون الأم أحق به، وهذا لما ذكرنا أن الأنساب لا تبقي ولا تجئ بالأمهات، وإنما يجئ بالإباء، وربما يتطاول الزمان بعد نقله فيندس نسب الولد ويخفي، والنسب إذا اندرس أضر بالولد والوالد جميعاً، ولا فرق بين أن تكون البلدة التي نكحها بها بلدة مقامها أو غير ذلك خلافاً لأبي حنيفة، حيث فصل بين أن ينكحها في بلدها وبين أن ينكحها في غير بلدها، ولا فرق بين أن يكون الولد ذكراً كان أو أنثي؛ لأنها في الحاجة إلي النسب سواء، وقد ذكرن أنه لو أراد الخروج للتجارة أو النزهة فالأم أحق وليس له أن يحمل الولد معه؛ لأنه لا يندرس به النسب، وإن اختلفا فقال الأب: أريد النقلة، وقالت الأم: تريد التجارة فالقول قول الأب؛ لأن المرجع في ذلك إلي عزيمته وقصده، وهو أعلم بذلك، ويلزمه اليمين لتعلقه بسقوط حقها من الحضانة.
وقال القفال: القول قوله بلا يمين؛ لأنه أمر في المستقبل، والصحيح ما ذكرنا.
وكل موضع قلنا: الأب أحق ويبطل حق الأم/ من الحضانة، فلو قالت الأم: أنا أنتقل إلي ذلك البلد أو عاد الأب إلي بلدها كانت علي الحضانة.
ثم قال الشافعي: "وكَذلِكَ العَصْبةُ".
ومعناه إذا لم يكن للوالدات كان له عصبة من جانب الأب وأراد العصبة النقلة
واستيطان بلدة أخري، فالعصبة أولي بالولد من الأم؛ لأن الأنساب مع العصبات أبقي وأحب، وهذا يدل علي أن الشافعي رحمة الله جعل للعصبات حظاً في الحضانة بخلاف ما حكيناه عن أبي إسحاق.
[ف 236 أ] مسألة:
قال: "وَلاَ حَقَّ لِمَنْ لمَ تَكْمُلْ فِيِه الحُريَّةُ فِي وَلَدِ الحُرَّ".
من لم يكمل حريته بأن يكون بعضه حراً وبعضه مملوكاً حكمه حكم العبد القن؛ فإنه إن كان مملوكاً فالأب الحر لا حق له فيه أيضاً، وقد ذكرنا أنه إذا كان الولد حراً والأم مملوكة دون الأب فحضانته لأبيه الحر، وإذا كان الولد مملوكاً فحضانته لسيده، والأولي لسيده أن يسلمه إلي أمه، وهل يجوز أن يسلمه إلي غيرها وجهان:
أحدهما: له ذلك لأنه ملكه يفعل به ما يشاء.
والثاني: ليس له لأنه تفرقة بين الأم وولدها.
وقال في "الحاوي": إذا كان الولد مملوكاً وأبواه حرين لا كفالة لهما بعد السبع لرق الولد، وفي استحقاق الأم لحضانته في السبع رضيعاً أو فطيماً وجهان:
أحدهما: تستحقها لفضل حنوها وعجز السيد عنها.
والثاني: لا تستحقها لأن المملوك لا تثبت عليه ولاية لغير سيده.
وإن كان الولد وأمه مملوكين، فلو كانت الأم مملوكة لغير سيده لا حق لها في حضانته، وإن كانت لسيده لم يجز أن يفرق بينهما في حال صغره، وهل تصير بالمنع من التفرقة بينهما مستحقة لحضانته؟ وجهان:
أحدهما: يستحق، لأن المنع من التفرقة بينهما، قد جعلها أحق به من غيرها.
والثاني: لا تستحقها لأن ثبوت الرق عليها مانع من ولايتها.
باب نفقة المماليك
مسألة:
قال": أَخْبَرَنَا سُفْيَان ُبْنُ عيُيْنَة عَنْ مُحَمَّد بْنِ عَجْلانَ وَذَكَرَ الخبَرَ".
الفصل:
الكلام ههنا في نفقة العبيد والإماء فتجب نفقة المملوك علي سيده وكذلك كسوته بالمعروف، والأصل ما ذكرنا من الخبر، وهو ما روي أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: " للمملوك طعامه وكسوته [ق 236 ب] بالمعروف ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق".
قال الشافعي: ومعني قوله لا يكلف من العمل إلا ما يطيق الدوام عليه.
وروي عن أبي المعرور سويد أنه قال: لقيت أبا ذر بالربذة وعليه ثوب حلة وعلي غلامه مثله فقال له رجل: يا أبا ذر لو أخذت هذا الثوب من غلامك فلبسته وكسوت غلامك ثوباً آخر، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما سيلبس ولا يكلفه ما يغلبه، فإن كلفه فليعنه".
وروي أنه قال له رجل: أ: سوت غلامك مما تلبس فقال أبو ذر: إني سأبيت غلاماً لي فرفعت يدي لأضربه فلم يفجأني إلا رجل أخذ بيدي فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال: هذا وقال: "لا تكلفه من العمل ما لا يطيق".
فإذا تقرر هذا لا يخلو إما أن يكون مكتسباً أو غير مكتسب، فإن لم يكن مكتسباً بأن كان زمناً أو أعمي أو طفلاً لا كسب له لزمه أن ينفق عليه من سائر أمواله أو يبيعه، أو يعتقه، فإنه إذا أعتقه حلّ له أن يأخذ الصدقات فيستغني بها، وإن كان مكتسباً، فإن كان في كسبه وفاءً بنفقته، فقد فعل الواجب، وإن لم يكن وفاء وجب علي السيد إتمامه من سائر ماله، وإن كان أكثر من نفقته لزم العبد أن يدفع ما زاد عليها إلي السيد.
وأما مقدار النفقة فهو ما يكفي مثله في ذلك البلد غالباً من القوت والأدم، ولا يعتبر حاله في نفسه فإنه ربما يكون كبيراً كون اعتاد كثرة الأم: ل وإنما تعتبر عادة مثله.
ومن أصحابنا من قال: إذا كان لا يكفيه قدر الغال واعترف السيد به يلزمه قدر كفايته، كما إذا كان يكفيه أقل من ذلك لا يلزمه الزيادة؛ لأنه لا طريق للعبد إلي تحصيل شيء إلا من جهة كسبه وكسبه لسيده.
قال في "الحاوي" [ق 237 أ] إن كانت الزيادة تؤثر في قوته وبدنه يلزمه الزيادة، وإلا فلا يلزم ويعتبر جنس القوت بغالب عرف البلد سواء كان قوت سيده أو دونه أو فوقه، ويلزمه مثله أيضاً، فإن كان ببغداد فالخبز الخشكار، وإن كان بالمدينة فالثمر، وإن كان بخراسان فالبر، وإن كان بطبرستان فالأرز، وإن كانوا في موضوع يقتاتون الشعير فمنه.
ثم تكلم الشافعي علي الخبر في تفسيره المعروف فقال: فعلي مالك المملوك الذكر
(والأثنى) البالغين إذ شغلهما في عمل له أن ينفق عليهما ويكسوهما بالمعروف وذلك نفقة رقيق بلدهما الشبع لأوساط الناس تقوم به أبدانهم من أي طعام كان، وفي هذا اللفظ إشكال، وذلك أنه قيد نفقتها بالعمل فقال: " إذا شغلهما في عمل له أن ينفق عليهما" ومعلوم أن النفقة تجب بالملك ولا يتوقف وجوبها علي الاستخدام.
وكذلك الكسوة، فيحتمل أن يكون مقصود الشافعي بهذا التقييد التعليل لا الشرط، فكأنه قال: لما كان السيد بسلطان الملك مسلطاً علي الاستخدام وتكليف العمل كان عليه النفقة والكسوة في مقابلة الملك الذي به ولاية الاستخدام، سواء استخدام أو لم يستخدم ويحتمل معني آخر وهو أنه أراد به الزيادة في النفقة بسبب العمل، وكذلك الكسوة.
وبيان هذا أن الرجل إذا كان له مملوك فربما يكلفه عملاً يحتاج ذلك المملوك بسبب ذلك العمل الذي العمل يتكلفه إلي زيادة طعام، وإذا كلفه عملاً في الأسواق ومشاهد الناس، فالعادة أن تكون الكسوة بخلاف كسوته التي يلبسها في داره، فعله أراد بهذا التقييد هذا المعني، وإلي هذا المعني يرجع التقييد بالبلوغ لأن الصغير في العرف والعادة قد يستغني عن بعض ما لا يستغني عنه البالع من كسوة وطعام.
مسألة:
قال: "وَكُسْوَتُهُمْ كَذَلِكَ".
الفصل:
[ق 237 ب] إلي أن قال: " وَالجَوارِي إِذَا كَانَتْ لهَنَّ فَرَاهَةٌ وَجمَاَلٌ فَالَمعْروفُ أَنَّهُنًّ يُكْسَيْنَ أَحْسَنَ مِنْ كُسْوَةِ اللَّائِي دُونَهُنَّ".
يلزم السيد أن يكسوهم ما يكتسي العبيد في ذلك البلد، والأولي أن يستوي بين عبيده ولا بفضل كثير الثمن علي قليله فيها، ولا تعتبر كسوة السيد فقد يكون بخيلاً يلبس ثياباً أدون مما تلبسه العبيد، وقد يكون سخياً يلبس أحسن الثياب فلا يعتبر ذلك.
وأما الجواري، فإن كن للخدمة يسوي بينهن كالعبيد، وإن كان بعضهن للتسري اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: يسوي بينهن أيضاً كالعبيد، ومنهم من قال: وهو الصحيح المنصوص أنها إذا كانت جمال وفراهة يكسوها أحسن ما يكسو الخادمة، لأن العرف جري بذلك، ولأن للرجل أغراضاً في أن تكون جاريته لفراشه أحسن زياً وثياباً من الخادمة لاستمتاعه.
وأعلم أنه يختلف نفقة المملوك والمملوكة وكسوتهما باختلاف في حال السادات في عاداتهم وعسرهم ويسرهم وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "للملوك طعامه وشرابه بالمعروف".
فإن قيل: أليس قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه في المماليك: "أطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون" قلنا: بلى قد قاله ابن عباس.
وقد روي هذا اللفظ مرفوعًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ذر وتفسير هذا الكلام ما فسر الشافعي فقال: هذا الكلام بعمل يجوز أن يكون على الجواب فقيل السائل عن مماليكه، وإنما يأكل تمرًا أو شعيرًا أو يلبس صوفًا فقال: "أطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون" السائلون عرب ولباس عامتهم وطعامهم خشن أي خشن، ومعاشهم ومعاش رقيقهم متقارب، فأما من خالف معاش السلف والعرب فيأكل رقيق الطعام ويلبس جيد الثياب فلو ساوى رقيقه كان أحسن، وإن لم يفعل فله [ق 238 أ] ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نفقته وكسوته بالمعروف، فأما من لبس الوشي أو الخز والمروي وأكل النقي وألوان لحوم الدجاج فهذا بالمعروف للمماليك، وهذا الذي ذكره وجه الجمع بين خبر أبي ذر، وخبر أبي هريرة رضي الله عنهما.
ثم ذكر خبرًا آخر فقال وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كفي أحدكم خادمه طعامه حره ودخانه فليدعه فليجلسه معه، فإن أبى فليروغ له لقمة، فيناوله إياها أو يعطيه إياها أو كلمة هذا معناها".
وروى أبو هريرة مثله، وفيه فليناوله أكلة أو أكلتين، وروي: "فإن كان الطعام قليلًا فليضع في يده أكلة أو أكلتين".
ثم تكلم الشافعي على هذا الخبر وعلى احتمالاته فقال: لما قال فليروغ له لقمة كان هذا عندنا والله أعلم على وجهين:
أولاهما: بمعناه أن إجلاسه معه أفضل، فإن لم يفعل فليس بواجب إذا قال صلى الله عليه وسلم: "وإلا فليروغ له لقمة" ولو كان إجلاسه واجبًا لم يجعل له أن يروغ له لقمة دون أن يجلسه معه، أو يكون بالخيار بين أن يناوله أو يجلسه، وقد يكون أمر اختيار غير الحتم.
وظاهر هذا الكلام في التنويع مشكل وحقيقة معناه أن الشافعي رحمه الله ذكر ثلاثة أنواع من الاحتمال:
أحدها: أن الترويغ واجب، ولو أجلسه معه كان أفضل.
والثاني: أن أحدهما واجب لا بعينه وهو قوله: أو يكون الخيار بين أيدينا وله أن يجلسه.
والثالث: أن الأمر في الإجلاس أو في الترويغ أمر اختيار غير الختم، هكذا ذكره القفال وجماعة، وقال أصحابنا بالعراق: لا خلاف أنه لا يجب واحد منهما وفي المسألة قولان:
أحدهما: وهو المذهب الإجلاس مع نفسه أفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ به، ولأنه إذا أجلسه معه أكمل كفايته وكان ذلك تواضعًا من سيده.
والثاني: هو مخير [ق 238 ب] بين الإجلاس وبين أن يروغ له اللقمة واللقمتين لأن النبي صلى الله عليه وسلم خير بينهما، وقال الزهري: الترويغ أن يرويها له بالدسم والدهن، ويحتمل أن يريد بالترويغ الاختزال فقط.
وقال بعض أصحابنا: هذا الحكم فيمن باشر ذلك؛ لأنه نفس من باشره يتوق إليه أكثر مما تتوق نفس من لم يباشرها.
وقال بعضهم: هذا فيمن يتولى ذلك وفيمن لم يتول ذلك سواء، إلا أن هذا في الذي قولي ذلك أشد استحبابًا، وهذا أجود عندي، والأكلة مضمومة الألف اللقمة والأكلة بفتح الألف المدة الواحدة من الأكل.
وروي في الخبر: "فإن كان الطعام مشفوعًا فليضع في يده أكلة أو أكلتين" والمشفوه القليل، سمي بذلك لكثره الشفاه التي تجتمع على أكله.
ثم قال الشافعي رحمه الله: وهذا يدل على ما وصفنا من بيان طعام المملوك وطعام سيده بترويغ لقمة المملوك عرفنا أنه ليس من المعروف أن يكون طعام العبد مثل طعام السيد في جميع الحالات، ولكن يختلف باختلاف العادات، وكان الإمام القفال يقرأ من بيان طعام المملوك بكسر الباء ويذهب إلى مصدر المباينة، وهذا حسن لولا الواو في العطف حيث قال من بيان طعام المملوك وطعام سيده، ولو كانت من المباينة لكانت الواو محذوفة لأنك تقول هذا الشيء يباين هذا الشيء أو تقول مباينة الشيء الشيء.
ثم قال الشافعي رحمه الله: والمملوك الذي يلي طعام الرجل مخالف عندي المملوك الذي لا يلي طعامه، وينبغي أن يناوله منهما تقر إليه ولو لقمة، فإن المعروف أن لا يأكل طعامًا قد ولي العمل فيه، ثم يناوله منه شيئًا يرد به شهوة، وأقل ما يرد به شهوته لقمة وغيره من المماليك لم يله ولم يره والسنة خصت هذا من المماليك دون غيره.
ثم أورد الشافعي من القرآن العظيم مثالًا [ق 239 أ] بتخصيص هذا المملوك دون غيره.
فقال: وفي القرآن ما يدل على ما يوافق بعض معاني هذا، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا﴾ [النساء: 8] ولم يقل يرزق مثلهم ممن لم يحضر، وقيل: ذلك في المواريث وغيرها من الغنائم وهذا أحب إليّ، ويعطون ما طابت به نفس المعطي بلا توقيت، ولا يحرمون، فحصل من هذا المثال أن المساكين أو القربى أو اليتامى إذا حضروا مجلس القسمة، والورثة يقتسمون المواريث، أو كان الغانمون يقتسمون الغنائم، فالمستحب أن يعطي من حضر وذلك المقدار غير مقدر.
ثم رجع الشافعي إلى تفسير قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يكلف من العمل ما لا يطيق والذي رويناه في خبر أبي ذر رضي الله عنه فقال: ومعنى ذلك والله أعلم ما يطيق الدوام عليه لا
ما لا يطيق يومًا أو يومين أو ثلاثة ونحو ذلك ثم يعجز، وجملة ذلك ما لا يضر ببدنه الضرر البين، وهذا لأنه إن كان يمشي يومًا أو يومين في كل خمسين ميلًا ففي اليوم الثالث يعجز فلا يقدر على ذلك فيكلفه ما يطيق الدوام عليه، فإن كان سفرًا ركب عقبه ومشى عقبه، فإن كان لا ينام راكبًا تركه حتى ينام في المنزل، وإن كان الليل طويلًا أمره بالعمل في طرفي الليل، وإن كان قصيرًا أمكن من القيلولة في النهار.
ثم قال: "فإن عمي أو زمن أنفق عليه" وقد ذكرنا ذلك، وهذا لأن سبب النفقة الملك والحاجة، وقد وجدا.
فرع:
إذا دفع إلى عبده طعامًا، ثم أراد السيد أن يبدله بغيره في وقت أكله لم يجز، وإن كان قبله جاز لتعيين حقه فيه عند الأكل،
فرع آخر:
لو قال الحاكم لعبد رجل غائب استدان [ق 239 ب] وأنفق على نفسك فذلك دين على السيد ونحو ذلك.
مسألة:
"وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَرْضِعَ الأَمَةَ غَيْرَ وَلَدِهَا".
الفصل:
إن كان لأمته ولد من زوج أو زنى فإنه مملوك له، فإن أراد السيد أن يسترضعها ولدًا آخر نظر، فإن كان لا يفضل عن ري ولدها لبن لم يكن ذلك؛ لأنه ليس له أن يعطي مملوكه بعض الكفاية، فإذا استرضعها ولدًا آخر حصل لولدها من اللبن بما لا يكفيه، وإن كان لها لبن يفضل عن ريه، لاستغناء ولدها ببعض الطعام عن شرب لبن كثيرًا ولقلة شربه وغزارة لبنها فله ذلك بأجرة وغير أجرة لأنه لا ضرر على ولدها فيه.
قال أصحابنا: وحكم الأمة في الرضاع مخالف حكم الزوجة لأن أحد الزوجين إذا أراد الفطام قبل الحولين فللآخران لا يرضي، وإذا بلغ الولد الحولين فلكل واحد الفطام.
وأما في الأمة فالحكم للسيد، فإن قال لها: أرضعي الولد بعد الحولين يلزمها إذا لم يكن عليها ضرر، وإن قال: أفطمي قبل الحولين فعليها ذلك إذا لم يكن على الولد ضرر.
مسألة:
قَالَ: "وَيَمْنَعُهُ الإِمَامُ أَنْ يَجْعَلَ عَلَى أَمَتِهِ خَرَاجًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي عَمَلٍ وَاجِبٍ".
معنى الخراج أن يقول لعبده أو أمته: اكتسب لنفسك وأعطني كل يوم شيئًا معلومًا وأنفق الباقي على نفسك فهذا ينظر فيه، فإن طلب العبد أو الأمة ذلك لم يجب على السيد أن يجيبه إلى ذلك، وإن طلب السيد لم يجب على العبد أن يجيبه إلى ذلك؛ لأن منفعته لسيده فلا يلزمه أن يشتري ماله منه بماله، فإن تراضينا على الخراج نظر، فإن كان كسبه يفي بنفقته وخراجه جميعًا جاز، وإن كان يزيد عليهما كانت الزيادة للعبد؛ لأن السيد رضي بمقدر الخراج وجعل الباقي له، فكانت الزيادة برًا من جهة السيد للعبد، وله أن يدفع إليه أكثر من حاجته لنفقته وإن كان كسبه يعجز عنهما [ق 240 أ].
قال الشافعي للإمام أن يمنعه من ذلك؛ لأنه إذا كان كسبه يعجز عنه يسرق العبد وتزني الأمة.
وروي عن عثمان رضي الله عنه أنه قال في خطبته: لا تكلفوا الأمة غير ذات الصنعة بالكسب فإنكم متى كلفتموها الكسب كسبت بفرجها، ولا تكلفوا الصغير الكسب فإنه إن لم يجد سرق، وعفوا إذا عفكم الله وعليكم من المطاعم بما طاب منها.
وقوله: إلا أن يكون في عمل وأصيب: يعني دائم من الخياطة ونحوها فيقدر حينئذٍ على أداء ذلك الخراج وأما الولد في ذلك كالأمة.
باب نفقة الدواب وصفته
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ كَانَتْ لِرَجُلٍ دَابَّة فِي المِصْرِ أَوْ شَاةً أَوْ بَعِيرًا أَعْلَفَهُ بِمَا يُقِيمَهُ".
الفصل:
إذا كان له حيوان غير الآدمي من البهائم والطيور ونحوها فعليه نفقتها؛ لأنه حيوان مملوك كالعبد، ولا فرق بين أن تكون مأكولة اللحم أو غير مأكولة، فإذا ثبت هذا لا يخلو إما أن يكون في البلد أو في الصحراء، فإن كانت في البلدة فإن العرف فيه أنها تعلف ولا ترعى، فإن كانت مما يؤكل لحمها فهو مخير بين ثلاثة أشياء: بين أن يعلفها أو يذبحها أو يبيعها، وإن كانت مما لا يؤكل لحمها فهو مخير بين أن يبيعها وبين أن يعلفها، وإذا امتنع
من ذلك كله فإن كان له مال ظاهر أنفق الحاكم عليها من ماله، وإن لم يكن له مال ظاهر باع من البهيمة جزءًا وأنفق على الباقي، وهذا لأن للحيوان حرمة مثل ما للعبد.
قال أصحابنا: لو كان بدابته جرح ولا يجد خيطًا يخيط به في ملكه له أن يغضب خيطًا بالقيمة، ولو لم يجد علفه إلا مع رجل لا يبيعه وقد فضل عن حاجته والدابة مشرفة على الهلال له أن يغصب علفها بالقيمة كما في الآدمي سواء، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: لا يجبر على ذلك ولا يباع [ق 248 ب] من ماله شيء لنفقتها ولكنه يأمره بذلك كما يأمره بالمعروف، وهذا غلط لأنها نفقة واجبة عليه فكان للسلطان إجباره كنفقة العبيد، وإن كانت في الصحراء، فإن العرف فيها الرعي دون العلف فلا يكلف صاحبها العلف ولكنه يخير بين أن يخليها للرعي وبين ما ذكرنا، فإن جذبت الأرض فلم يكن فيها متعلق أو أنبتت ولكنه لا يكفيها فحكمها حكمها إذا كانت في البلد على ما بيناه.
وقد قال الشافعي ببعض البهائم لا تستوفي كفايتها بالرعي مثل البغل والحمار فيلزمه أن يعلفها كفايتها.
قال أصحابنا: إنما قال ذلك على عادة مصر لأن المرعى بها ضعيف لقلة الأمطار.
وقيل: غن مصر لا يقع فيها مطر، وإذا رأى أهلها سحابة استغاثوا ودعوا الله تعالى في إزالتها عنهم، وخافوا الهدم، فإنه ليس لهم المزاريب التي يكون في بلادنا، وإذا كان كذلك نقل النبات في صحاريها فلا يكفي الدواب رعيه ولا تستقل، فأما في الموضع الذي يكثر فيه الرعي والكلأ، فإن الدواب يكتفي بالرعي فيه.
وأما إذا كان للبهيمة ولد فأراد صاحبها أن يحلب لبنها، فالحكم فيه كما ذكرنا في الأمة إلا أنه يحلب ههنا الفصل عن ري الولد وتعني بالري ما يقيمه حق لا يموت وهناك يسترضع ولدًا آخر.
وأما الأملاك التي لا روح فيها كالعقار والأشجار، فلا يجب عليه عمارتها لأن ذلك تنمية للمال ولا يتعلق لحق ذي زوج، والأصل في جميع ما ذكرنا ما روي عن ضرار ابن الأزور.
قال: أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقحة فأمرني أن أحلبها فحلبتها فجهدت حلبها، فقال: "دع داعي اللبن".
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اطلعت على النار فرأيت فيها امرأة تعذب في هرة ربطتها لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من حشاش الأرض" [ق 241 أ] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن مومسة من بني إسرائيل مرّت بكلب على رأس بئر يلهث عطشًا فشدت برطها
في خفها فسقته فشكرها الله تعالى فغفر لها" فقيل: يا رسول الله إن لنا في سقي الكلاب أجرًا، فقال: "في كل كبد حرى أجر".
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئرًا فنزل فيه فشرب، ثم خرج، فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغني فنزل البئر فملأ خفه ماء، ثم أمسكه بفيه حتى ارتقى فسقى الكلب فشكر الله فغفر له" فقالوا: يا رسول الله وإن لنا في البهائم لأجرًا فقال في كل ذات كبد رطبة أجر".
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل حائطًا لرجل من الأنصار، فإذا فيه جمل فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم حق إليه وذرفت عيناه فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فمسح ذفرته فسكن فقال: "من رب هذا الجمل"؟ فجاء فتى من الأنصار فقال: هو لي يا رسول الله، قال: فقال: "ألا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها فإنها تشكو إليَّ أنك تجيعه وتدنيه".
فرع آخر:
لو ولي على ابنه المجنون له أن ينفق على نفسه من مال المجنون ولا يحتاج إلى إذن الحاكم، وقيل: هذا يلزمه أن يستأذن الحاكم كالأم والجدة أو يأخذ بنفسه وجهان:
فرع آخر:
قال ابن الحداد: لو تزوج حرّ بأمة فولدت منه فنفقة الولد على سيده، فإن أعتق الولد، واختلف الوالد والسيد في وقت عتق الولد فالقول قول الوالد مع يمينه.
قال أصحابنا: لا معنى لهذا الفرع لأن نفقة الولد تسقط بمضي الزمان فلا يصح اختلافهما فيه [ق 241 ب].
فرع آخر:
لو تزوج مملوك بحرة موسرة فأولدها كانت نفقة الولد على أمه، فإن أعتق الأب، قال ابن الحداد: عادت النفقة إليه قال أصحابنا: هذا غلط وإنما تعود النفقة إذا اكتسب ما يفضل عن نفقته ونفقة امرأته، فأما بنفس العتق فلا تنتقل إليه.
فرع آخر:
قال ابن أبي أحمد في التلخيص: لو كان لرجل امرأة فلم يقدر على الكسب إلا قدر
ما ينفق على نفسه وله أب موسر أخذ الابن بنفقة امرأته وأخذ الأب بنفقته قلته تخريجًا، وهذا لأنه لو لم يفعل هكذا لخيرت امرأة هذا الابن.
وقال القفال: يحتمل غير ذلك وهو أنه لما اكتسب ما يكفيه خرج بذلك من حدّ الفقر فلا يلزم إياه نفقته وليس لامرأته أن تطالبه بذلك لأنه محتاج إليه فلا يجبر على بذله لها، فإن قالت: أختار نفسي فلها ذلك.
والله أعلم بالصواب وإليه المرجع وإليه المآب.
تم ربع النكاح بحمد الله وحسن توفيقه، يتلوه ربع الخراج إن شاء الله تعالى وحده.
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وأصحابه أجمعين وسلم تسليمًا كبيرًا إلى يوم الدين وحسبنا الله ونعم الوكيل.
تم الجزء الحادي عشر ويليه
إن شاء الله الجزء الثاني عشر
وأوله: كتاب القتل
فهرس المحتويات
بحر المذهب في فروع المذهب الشافعي
تأليف القاضي العلامة فخر الإسلام شيخ الشافعية الإمام أبي المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل الروياني المتوفى سنة 502 هـ
تحقيق طارق فتحي السيد
الجزء الثاني عشر المحتوى: كتاب القتل - كتاب الديات - كتاب قتال أهل البغي
بسم الله الرحمن الرحيم