بحر المذهب للرويانيصفحات 83-122

وتخريجه مستنكر عند جمهور أصحابنا، وإنما هو مذهب المزني لم يروه عن الشافعي سواء في قديم ولا جديد، فيقال فيه قولًا واحدًا.
فأما النائم إذا انقلب على صغير أو مريض فقتله فلا قود عليه لارتفاع القلم عنه، وعليه الدية محققة على عاقلته، لأنه خطأ محض، وكذلك المغمي عليه لا قود عليه، فأما من شرب دواء فزال به عقله فإن قصد به التداوي فهو كالمغمي عليه إن أفاق، وكالمجنون إن استمر به فلا قود عليه، وإن قصد به زوال العقل واستدامة الجنون ففي وجوب القود عليه وجهان: أحدهما: عليه القود كالسكران لمعصيتهما بما أزال عقلهما.
والثاني: لا قود عليه؛ لأن حكم السكران أغلظ لما اقترن بسكره من الطرب الداعي إليه في حال من شرب ما أزال العقل، وأحدث الجنون لفقد هذا المعنى فيه، وأنه نادر من فاعليه.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو قطع رجلٌ ذكر خنثى مُشكل وأنثييه وشفريه عمدًا، قيل: إن شئت وقفناك فإن بنت ذكرًا أقدناك في الذكر والانثيين، وجعلنا لك حُكومةً في الشفرين، وإن بنت أنثى فلا قود لك، وجعلنا لك دية امرأةٍ في الشفرين وحكومةً في الذكر والأنثيين.
قال المُزني رحمه الله: بقيةٌ هذه المسألة في معناه أن يُقال له: وإن لم تشأ أن تقف حتى يتبين أمرك وعفوت عن القصاص، وبرأت، فلك دية شفري امرأةٍ وحكومةٌ في الذكر والأنثيين، لأنه الأقل، وإن قلت: لا أعفو ولا أقف، قيل: لا يجوز أن يقص مما لا يدري أي القصاص لك، فلابد لك من الأمرين على ما وصفنا".
قال في الحاوي: لهذه المسألة خمس مقدمات: إحداهما: في ذكر الرجل اقود فإن عفا عنه ففيه دية الرجل تامة.
والثانية: أن في أنثيي الرجل القود فإن عفا عنه ففيه دية الرجل تامة.
والثالثة: أن في أسكتي المرأة وهما شفراها القود، فإن عفا عنه ففيه دية المرأة تامة.
ووهم أبو حامد الإسفراييني فأسقط القود في الشفرين؛ لأنه لحم ليس له حد ينتهي إليه.
وهذا زلل منه خالف به نص الشافعي في كتاب "الأم" لأن الشفرين هما المحيطان بالفرج من جانبيه بمنزلة الشفتين من الفم وفي الشفتين القود، كذلك في

الشفرين، فإذا تعذر القود فالدية.
وزعم بعض أهل اللغة أن الشفرين داخل الإسكتين، فيكون المحيط بالفرج الإسكتان، وداخلها الشفران، والخلاف في الاسم لا يغير الحكم.
والرابعة: أن العضو الزائد على الخلقة لا يكافئ عضوًا من أصل الخلقة في قود ولا دية، فلا يقاد بالذكر الزائد ذكرًا من أصل الخلقة، وفيه حكومة، وكذلك ما زاد من الأنثيين والشفرين.
والخامسة: أن لا يجوز أن يقضي بالقول حتى يستيقن، ولا بالدية حتى يتحقق ويعطي مع الإشكال أقل الحقين.
فصل: فإذا تقررت هذه المقدمات الخمس اشتمل مسطور المسألة على خمسة فصول: أحدها: رجل جني على خنثى مشكل.
والثاني: امرأة جنت على خنثى مشكل.
والثالث: خنثى مشكل جني على رجل.
والرابع: خنثى مشكل جني على امرأة.
والخامس: خنثى مشكل جني على خنثى مشكل.
فأما الفصل الأول: وهو المسطور إذا قطع رجل ذكر خنثى مشكل وأنثييه وشفريه، وطالب بعد الاندمال بحقه من القود والدية، لم يجز أن يحكم له مع بقاء الإشكال بالقود حتى يبين أمره، فإن بان رجلًا وجب له القود في ذكره وأنثييه؛ لأنهما من أصل الخلقة فأقيد بما كافأهما، وأعطي حكومة في الشفرين؛ لأنهما زائدان على الخلقة، فإن عفا عن القود أعطي ديتي رجل إحداهما في الذكر، والأخرى في الأنثيين، وحكومة في الشفرين.
وإن بان الخنثى امرأة فلا قود على الرجل الجاني في ذكره ولا في أنثييه، لأنهما زائدان في خلقة المرأة، وأعطيت دية امرأة في الشفرين، وحكومة في الذكر والأنثيين.
وإن بقي الخنثى على إشكاله، ولم يتعجل بيانه، وطالب بحقه، نظر، فإن عفا عن القود أعطي أقل حقيه وهو أن يجري عليه حكم المرأة فيعطي دية في الشفرين، وحكومة في الذكر والأنثيين، فإن بان امرأة فقد استوفت حقها، وإن بان رجلًا كمل له ديتي رجل في الذكر والأنثيين، وحكومة في الشفرين.
فإن تعجل الطلب ولم يعف عن القود كان القود موقوفًا على زوال الإشكال، واختلف أصحابنا في إعطاء المال على وجهين: أحدهما: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة لا يعطي المال، ويكون موقوفًا على زوال الإشكال، كما وقف القود؛ لأن في إعطاء المال سقوط القود، وهو يطالب بالقود فسقطت المطالبة بالمال.

والثاني: وهو قول جمهور أصحابنا إنه يعطي من المال أقل ما يستحقه مع القود؛ لأنه يستحق القود في عضو، ويستحق المال في غيره فلم يكن في إعطائه عفو عن القود، والذي يعطاه من المال حكومة في الشفرين كوقوف القود في الذكر والأنثيين، إذا بان رجلًا.
وقال أبو حامد المروزي في "جامعة": يعطي دية الشفرين وهذا خطأ؛ لأن الذي يعطاه مالًا يسترجع منه إن أقيد، وقد يتبين رجلًا فيقاد من ذكره وأنثييه، ويستحق الحكومة في شفريه، ولو أعطاه الدية لا يسترجع منها ما زاد على الحكومة، فلذلك اقتص به على قدر الحكومة، وروعي ما سبق من أمره فإن بان رجلًا أقيد من ذكره وأنثييه، وقد استوفي حكومة شفرية، وإن بان امرأة سقط القود وكمل لها دية الشفرين، وحكومة في الذكر والأنثيين.
وأما الفصل الثاني: وهو أن تقطع امرأة ذكر خنثى مشكل وأنثييه وشفريه، فيصير القود موقوفًا على الشفرين كما كان في القود في جناية الرجل موقوفًا على الذكر والأنثيين اعتبارًا بالتجانس.
فإن بان الخنثى رجلًا سقط القود في الشفرين لزيادتهما على الخلقة وكان له ديتا رجل في الذكر والأنثيين، وحكومة في الشفرين.
وإن بان امرأة أقيد من الشفرين، وأعطي حكومة في الذكر والأنثيين.
وإن بقي على إشكاله وعفا عن القود أعطي أقل الحقين، وهو دية امرأة في الشفرين وحكومة في الذكر والأنثيين، وروعي ما يتبين من أمره، فإن بان امرأة فقد استوفت حقها، وإن بان رجلًا كما له ديتا رجل في الذكر والأنثيين، وحكومة في الشفرين، وإن لم يعف عن القود كان موقوفًا على الشفرين، وأعطي إذا قيل بإعطاء المال مع الوقف على القود حكومة في الذكر والأنثيين، فإن بان امرأة أقيد من الشفرين، وقد استوفي حكومة الذكر والأنثيين.
وإن بان رجلًا أسقط القود في الشفرين، وكمل له ديتا رجل في الذكر والأنثيين، وحكومة في الشفرين، فلو اشترك في الجناية على الخنثى رجل وامرأة فقطعا معًا ذكره وأنثييه وشفريه عن الرجل القود في الشفرين، وكان القود معها موقوفًا على التعيين.
فإن بان رجلًا أقيد بذكره وأنثييه من الرجل، وأخذ من المرأة نصف حكومة الشفرين مع النصف من ديتي رجل في الذكر والأنثيين؛ لأنها أحد جانبين وإن بان امرأة أقيد بشفريه من المرأة، وكان على الرجل نصف حكومة الذكر والأنثيين مع النصف من دية امرأة على الشفرين، لأنه أحد الجانبين.
فأما الفصل الثالث: وهو خنثى مشكل جني على رجل فقطع ذكره وأنثييه فإن طلب القود وقف على البيان.
فإن بان رجلًا أقيد من ذكره وأنثييه.

وإن بان امرأة فلا قود عليها ديتان في الذكر والأنثيين.
فإن بقي الخنثى على إشكاله لم يكن للمجني عليه المطالبة بمال إلا أن يعفو عن القود؛ لأنه لا يستحق مع القود مالًا بخلاف ما مضى ولكن لو عفا عن القود في الأنثيين، وطلب القود في الذكر أعطى دية الأنثيين، ووقف القود في الذكر على البيان، فإن بان رجلًا أقيد منه، وإن بان امرأة أخذ منها دية الذكر وسقط فيه القود.
وأما الفصل الرابع: فهو خنثى مشكل جني على امرأة فقطع شفريها فإن طلبت القود وقف على البيان.
فإن بان امرأة أقيد من شفريها.
وإن كان رجلًا فلا قود، وأخذت منه دية امرأة في الشفرين، فلو قطع مع شفري المرأة أعلى الركب، وهو منابت الشعر لم يستحق فيه قود، لأنه لحم ليس لانتهائه حد، ووجبت فيه حكومة ولو تجب فيه دية، لأنه تبع لغيره، فإن قطع مع الشفرين وجب القود في الشفرين، والحكومة في الركب، فإن سقط القود في الشفرين، وجب في الشفرين دية، وفي الركب حكومة.
وأما الفصل الخامس: وهو خنثى مشكل جني على خنثى مشكل فقطع ذكره وأنثييه وشفريه وقف القود على البيان ولهما ثلاثة أحوال: إحداهما: أن يبينا رجلين فيستحق القود في الذكر والأنثيين، وحكومة في الشفرين إلا أن يمكن القود منهما لتماثلهما في الزيادة منهما، فيقاد من الزائد بالزائد عند التماثل كما قيد من الأصل لأجل التماثل.
والثانية: أن يبينا امرأتين فيقاد من الشفرين، ويؤخذ حكومة في الذكر والأنثيين إلا أن يتماثلا في كل واحد منهما فيقاد بالزائد كما قيد بالأصل.
والثالثة: أن يبين أحدهما رجلًا والآخر امرأة فيسقط القود لاختلاف التجانس وعدم التماثل في الأصل والزائد.
وينظر في المجني عليه، فإن بان رجلًا أعطي ديتي رجل في الذكر والأنثيين، وحكومة في الشفرين.
وإن بان امرأة أعطيت دية امرأة في الشفرين، وحكومة في الذكر والأنثيين.
فإن ماتا مع بقاء إشكالهما جاز أن يعتبر بعد الموت بيان حال المجني عليه دون الجاني، لأن بيان الجاني موقوف على القود وقد سقط بالموت، وبيان المجني عليه لأجل الدية وهي مستحقة بعد الموت، فإن لم يبن بعد الموت أحد الأمرين وجب أقل الحقين.
فإن اختلف وارثهما فادعا وارث المجني عليه أكثرهما، واعترف وارث الجاني بأقلهما لم يكن للدعوى والإقرار تأثيره ألا ترى أن يصف كل واحد منهما حال الخنثى بما يوافق قوله، فإن أخلا بالصفة أطرح قولهما ووجب أقل الحقين، وإن وصفناه بما يوافق قولهما وعدما البينة عليه عرضت اليمين عليهما، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر

قضى بيمين الحالف على الناكل، وإن حلفا معًا تعارضت اليمينان وسقطتا، وأوجبنا أقل الحقين اعتبارًا باليقين.
فصل: وإذا خلق لرجل ذكراه، فإن كان يبول من أحدهما، ولا يبول من الآخر، فالذكر هو الذي يبول منه، وفيه القود أو الدية، ولا قود في الآخر، وفيه حكومة.
وإن كان يبول منهما فأكثرهما بولًا وأقواهما خروجًا هو الذكر، وفيه القود أو الدية، وفي الآخر حكومة، فإن استويا في البول فالذي ينشر منهما وينقبض هو الذكر، وإن كانا في الانتشار والانقباض سواء، فالثابت في محل الذكر المنفرد هو الذكر والمنحرف زائد، فإن استويا في محل الذكر، ولم يتميز أحدهما عن الآخر بوصف زائد فهما جميعًا ذكر زائد لا يجب في واحد منهما قود، وفيه نصف الدية، وزيادة حكومة، لأنه أزيد من نصف ذكر، فإن قطعا معًا وجب فيهما القود، وزيادة حكومة في الزيادة كالكفين على ذراع.

باب الخيار في القصاص

مسألة: قال الشافعي رحمه الله: "أخبرنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئبٍ، عن سعيد بن أبي سعيدٍ المقبري، عن أبي شريح الكعبي، رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثم أنتم يا بني خزاعةً قد قتلتم هذا القتيل من هذيلٍ، وأنا والله عاقله، فمن قتل قتيلًا بعده فأهله بين خيرتين، إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل".
قال في الحاوي: قتل العمد موجب للقود ولولي المقتول أن يعفو عنه إلى الدية، ولا يفتقر إلى مراضاة القاتل.
وقال أبو حنيفة ومالك: قتل العمد موجب للقود وحده ولا تجب له الدية إلا بمراضاة القاتل استدلالًا بقوله تعالى: ﴿وكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:45] وهذا نص في أن لا يجب في النفس غير النفس.
وقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى الحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة:178] وفي الزيادة على القصاص إيجاب ما لم يجز العدول إلى غيره من الأبدال إلا عن مراضاة.
ولأن القتل موجب للقود في عمده والدية في خطئه، فلما لم يجز العدول عن الدية في الخطأ إلى غيرها إلا عن مراضاة لم يجب أن يعدل عن القود إلى غيره إلا عن مراضاة.
ولأن القتل يستحق بالقود تارة، وبالدفع عن النفس أخرى، فلما لم يملك بدل قتله

دفعًا لم يملك بدل قتله قودًا.
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى الحُرُّ بِالْحُرِّ والْعَبْدُ بِالْعَبْدِ والأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وأَدَاءٌ إلَيْهِ بِإحْسَانٍ﴾ [البقرة:178] معناه فمن عفا له عن القصاص فليتبع الولي الدية بمعروف، ويؤديها القاتل بإحسان فجعل للولي الإتباع، وعلى القاتل الأداء فلما تفرد القاتل بالأداء وجب أن ينفرد الولي بالإتباع ولا يقف على المراضاة.
وحديث أبي شريح الكعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل وأنا والله عاقله، فمن قتل قتيلًا بعده فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل".
فجعل الولي مخيرًا بين القود والدية وهذا نص.
فإن قيل: فقد روي: "إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا فادوا" والمفاداة لا تكون إلا عن مراضاة.
قيل: هذه رواية شاذة، وتحمل المفاداة فيها على بذلك الدية التي لا تستحق إلا عن مراضاة، ويحمل خبرنا في خيار الولي على أصل الدية التي لا تفتقر إلى مراضاة ليستعمل الخبرين، ولا يسقط أحدهما بالآخر، ولأن القود قد يسقط بعفو الولي إذا كان واحدًا، ويعفو أحدهم إذا كانوا جماعة، ثم ثبت أن سقوطه بعفو أحدهم موجب للدية بغير مراضاة فكذلك يكون وجوبها بعفو جميعهم.
وتحريره قياسًا: أنه قود سقط بالعفو عنه فلم تقف الدية فيه على مراضاة كما لو عفا عنه أحدهم.
ولأن استحقاق القود لا يمنع من اختيار الدية كما لو قطع كفًا كاملة الأصابع، وفي كفه أربعة أصابع كان المجني عليه عندنا وعندهم بالخيار بين القصاص والدية.
فإن أحب الدية أخذ دية كاملة، وإن أحب القصاص اقتص عندهم بالكف الناقصة، ولا شيء له غيرها، وعندنا يقتص منها، ويؤخذ دية الأصبع الناقصة من كف الجاني، ولأن للقتل بدلين، أغلظهما القود وأخفهما الدية فلما ملك القود الأغلط بغير مراضاة كان بأن يملك الدية الأخف بغير مراضاة أولى، ولأن قتل العمد أغلظ وقتل الخطأ أخف، فلما ملك الدية في أخفهما فأولى أن يملكها في أغلظهما.
فأما الجواب عن الآيتين: فهو أن وجوب القصاص فيهما لا يمنع من العفو عنه إلى غريه كالمراضاة.
وأما قياسهم على إتلاف المال فالمعنى فيه: أنه ليس له العمد والخطأ إلا بدل واحد، وللقتل بدلان فافترقا.
وقولهم: لما لم يملك العدول عن دية الخطأ إلا بالمراضاة كذلك القود العمد.
فالجواب عنه أن القود أغلظ والدية أخف فملك إسقاط الأغلظ بالأخف، ولم

يملك إسقاط الأخف بالأغلظ، وما اعتبروه من قتل الدفع الذي لا يملك فيه الدية فلا يشبه قتل القود؛ لأنه يملك بقتل الدفع إحياء نفسه فلم يجز أن يبدلها بالدية مراضاة ولا اختيارًا، وليس كذلك قتل القود، لأنه ملك به استيفاء حق يجوز أن يعدل عنه بالمراضاة، فجاز أن يعدل عنه بغير مراضاة.
فصل: فإذا ثبت أن استحقاق الدية في قتل العمد لا يقف على مراضاة القاتل، فقد اختلف قول الشافعي فيما يوجبه قتل العمد على قولين: أحدهما: أنه موجب لأحد أمرين من القود، أو الدية، وكلاهما بدل من النفس، وليست الدية بدلًا من القود، والولي فيهما بالخيار، كالحالف مخير في الكفارة بين الإطعام والكسوة والعتق.
ووجه ذلك شيئان: أحدهما: قول النبي صلى الله عليه وسلم "فمن قتل بعده قتيلًا فأهله بين خيرتين: إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل" وتخيرهم بين القود والدية يقتضي أن يكون كل واحد منهما بدلًا من القتل كالكفارة.
والثاني: أن الدية بدل من نفس المقتول دون القاتل، بدليل أن المرأة لو قتلت رجلًا وجب عليها دية الرجل، فلو جعلت الدية بدلًا من القود صارت بدلًا من نفس القاتل دون المقتول، ولو وجب على المرأة إذا قتلت رجلًا أن يؤخذ منها دية امرأة، إذا ثبت أن الدية بدلًا من نفس المقتول جرت مجرى القد فصارا واجبين بالقتل.
والقول الثاني: أن قتل العمد موجب للقود وحده، وهو بدل النفس، فإن عدل عنه إلى الدية كانت بدلًا من القود فيصير بدلًا عن النفس ووجهه شيئان: أحدهما: قول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى﴾ [البقرة:187] فدل على أن الذي يجب له القصاص وحده.
والثاني: أن قتل الخطأ لما أوجب بدلًا واحدًا، وهو الدية اعتبارًا بالمتلفات التي ليس لها مثل، اقتضى أن يكون قتل العمد موجبًا لبدل واحد، وهو القود اعتبارًا بالمتلفات التي لها مثل.
فصل: فإذا تقرر توجيه القولين كان القود مستحقًا على كلا القولين وترتب استحقاق الدية على اختلاف القولين.
فإن قلنا القول الأول إن قتل العمد موجب لأحد شيئين إما القود أو الدية فلولي المقتول في الاختيار والعفو سبعة أحوال: أحدها: أن يختار القود، فلا يسقط حقه من الدية إلا أن يقتص، فإن عدل القود

إلى الدية استحقها؛ لأنه عدل بها عن الأغلظ إلى الأخف.
والثانية: أن يختار الدية فيعطاها، ويسقط حقه من القود لما في العدول إليه من الانتقال عن الأخف إلى الأغلظ.
والثالثة: أن يختار القود والدية فلا يكون لاختياره تأثير، لأنه لا يستحق الجمع بينهما ولم يعين بالاختيار أحدهما.
والرابعة: أن يعفو عن القود فيتعين حقه في الدية، ولا يجوز أن ينتقل عنها إلى القود إلا بعد سقوطه بالعفو، ولأنه انتقال عن الأخف إلى الأغلظ.
والخامسة: أن يعفو عن الدية فله القود، ولا يكون لعفوه عن الدية تأثير، وله أن ينتقل من القود إلى الدية، لأنه انتقال من الأغلظ إلى الأخف.
والسادسة: أن يعفو عن القود والدية فيصح عفوه عنهما ولا يستحق بعد العفو واحدًا منهما من قود ولا دية.
والسابعة: أن يقول قد عفوت عن حقي فيكون عفوًا عن القود والدية معًا لأن يستحقهما.
وإن قلنا بالقول الثاني إن قتل العمد موجب للقود وحده ولا تجب الدية إلا باختيار بدلًا من القود فللولي في اختياره وعفوه سبعة أحوال: أحدها: أن يختار القود فلا يسقط بهذا الاختيار حقه من اختيار الدية وقت استحقاقها لأنه يستحق اختيارها بعد سقوط حقه من القود، فصار كالإبراء من الحق قبل وجوبه، لا يبرئه من ذلك الحق بعد وجوبه، ولا يتحتم عليه القود بهذا الاختيار، لأنه حق له وليس بحق عليه فصار هذا الاختيار لا تأثير له.
والثانية: أن يختار الدية فيكون في اختارها إسقاط لحقه من القود فيحكم له بالدية ويسقط القود.
والثالثة: أن يختار القود والدية فلا يكون لهذا الاختيار تأثير في القود ولا في الدية، لأنه لا يستحق الجمع بينهما ولم يعين بالاختيار أحدهما فيستوي حكم الاختيار، وهذه الأحوال الثلاث على القولين معًا، وإنما يفترقان في الأحوال الأربع في العفو.
والرابعة: أن يعفو عن القود فهذا على ضربين: أحدهما: أن يختار الدية مع عفوه عن القود، فيسقط حقه من القود بالعفو وتجب له الدية بالاختيار.
والثاني: أن يقتصر على العفو، عن القود ولا يعله باختيار الدية فيسقط القود بالعفو عنه وفي الدية قولان: أحدهما: نص عليه في جراح العمد - أنه له أن يختار الدية من بعد.
والثاني: ذكره في كتاب "اليمين مع الشاهد" أنه قد سقط حقه من الدية فليس له أن يختارها من بعد.

وأصل هذين القولين في المدعي إذا قام شاهدًا وامتنع أن يحلف مع شاهده، وعرضت اليمين على المنكر فنكل عنها، فهل ترد على المدعي أم لا؟ على قولين: والخامسة: أن يعفو عن الدية فلا يكون لعفوه تأثير القود ولا في الدية، لأن القود لم يعف عنه، والدية لم يستحقها مع بقاء القود، فلم يصح عفوه عنها.
والسادسة: أن يعفو عن القود فيسقط القود بعفوه عنه، وفي سقوط الدية بعفوه عنهما قولان حكاهما أبو حامد المروزي في "جامعه".
أحدهما: يصح عفوه عنها لاقترانه بالعفو عن القود.
والثاني: لا يصح العفو عنها، لأنه لم يقع في وقت الاختيار بعد القود.
فعلى هذا إن اختار الدية في الحال وجبت له، فإن اختارها بعد ذلك فعلى ما مضى من القولين: والسابعة: أن يعفو عن حقه فيسقط القود، لأنه يستحقه، ولا يسقط الدية، لأنه لم يستحقها، فإن عجل اختيارها وجبت له وإن لم يعجله فعلى القولين: أحدهما: تجب له الدية إن اختارها.
والثاني: لا تجب له وقد سقط حقه منها بتأخير الاختيار والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله: "ولم يختلفوا في أن العقل يورث كالمال، وإذا كان هكذا فكل وارثٍ ولي زوجةً أو ابنةً لا يًخرج أحدٌ منهم من ولاية الدم".
قال في الحاوي: أما الدية فموروثة ميراث الأموال بين جميع الورثة من الرجال والنساء من ذوي الأنساب والأسباب وهو متفق عليه.
وهو معنى قول الشافعي: "لم يختلفوا في أن العقل موروثٌ" إلا حكاية شاذة عن الحسن البصري أنه لم يورث الزوج والزوجة والإخوة من الأم شيئًا من الدية وهو محجوج بالنص والإجماع.
روي سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن رجلًا قتل خطأ فقضى عمر رضي الله تعالى عنه بديته على عاقلته فجاءت امرأته تطلب ميراثها من عقل زوجها فقال عمر: لا أعلم لك شيئًا، إنما الدية للعصبة الذين يعقلون عنه، فقام الضحاك بن سفيان الكلابي فقال: كتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني أن أورث امرأة أشيم الضبابي من عقل زوجها أشيم فورثها عمر.
وروي عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المرأة ترث من مال زوجها وعقله ويرث هو من مالها وعقلها".

(وروى) عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن العقل ميراث ورثة القتيل على فرائضهم.
وروي الشعبي أن النبي صلى الله عليه وسلم ورث امرأة من دية زوجها، وورث زوجًا من دية امرأته.
فصل: فأما القود فهو عندنا موروث ميراث الأموال بين جميع الورثة من الرجال والنساء على فرائضهم.
وبه قال أبو حنيفة وأكثر الفقهاء.
وقال مالك: يرثه رجال العصبات من ذوي الأنساب ودون الأسباب.
وقال ابن أبي ليل: يرثه ذوو الأنساب من الرجال والنساء دون ذوي الأسباب.
واستدل مالك بقول الله تعالى: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء:33] والوالي يتناول الرجال من العصبات فدل على أن لا حق فيه لغيرهم، ولأن القود موضوع لدفع العار فأشبه ولاية النكاح في اختصاصها برجال العصبات، ولأن النساء لو ورثن القود لتحملن العقل كالعصبات، وهن لا يتحملن العقل فوجب أن يسقط ميراثهم من القود كالأجانب.
ودليلنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "فمن قتل قتيلًا بعده فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل".
ومن هذا الخبر دليلان: أحدهما: أن الأهل عبارة عن الرجال والنساء من ذوي الأنساب والأسباب.
والثاني: أنه خيرهم بين الدية والقود، والدية تكون بين جميعهم فكذلك القود.
وروي الأوزعي عن حصين عن ابن سلمة عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ولأهل القتيل أن ينحجزوا الأول فالأول، ولو كانت امرأة" ومعنى قوله: "لينحجزوا" أن يتركوا يعني بتركهم فيما يجب على القاتل من قود ودية، ولأن كل من ورث الدية ورث القود كالعصبة؛ ولأن كل حق ورثه العصبة ورثه غيرهم من الورثة كالدية.
فأما قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء:33] فقد ينطلق اسم على المرأة كما ينطلق على الرجل، لأنها تليه وإن لم تل عليه، ولو تناولت من يلي عليه لخرج منهم الأبناء والإخوة على أن المراد به مباشرة الاستيفاء، وذلك يختص بالرجال دون النساء.

وأما استدلالهم بالنكاح في وضعه لنفي العار فليس بصحيح، لأن القود يستحق للتشفي لا لنفي العار على أن ولاية النكاح لا تورث إنما تستفاد بالنسب، والقود موروث فافترقا.
وما ذكره من اختصاص القود، من يتحمل العقل فاسد بالآباء والأبناء والصغار والفقراء كل هؤلاء يرثون القود، ولا يتحملون العقل كذلك النساء.
فصل: فإذا ثبت أن القود موروث كالمال لم يخل حال القتيل من ثلاثة أحوال: أن يكون له ورثة يستحقون جميع ماله فلهم الخيار بين ثلاثة أمور: إما القود، أو الدية أو العفو عنهما.
والثانية: أن لا يكون له وارث بحال فالإمام وليه لأنه موروث لبيت المال، وللإمام الاختيار في اعتبار الأصلح من أمرين: القود، أو الدية، وهل له الخيار في العفو عنه؟ على وجهين: أحدهما: له الخيار في العفو عنهما كالورثة.
والثاني: لا خيار له في العفو عنهما؛ لأنه نائب فلم يجز أن يسقط الحق بغير بدل.
والثالثة: أن يكون له من الورثة من يستحق بعض تركته كالزوج والزوجة.
فليس لهذا الوارث أن ينفرد بالقود، لأنه لا ينفرد بالميراث وشريكه في استيفائه الإمام؛ لأن باقي التركة ميراث لبيت المال.
فإن اتفق الوارث والإمام على القود وجب، وإن أراده أحدهما دون الآخر سقط، واستحق الدية، وكان الوارث في حقه منهما بالخيار بين الاستيفاء والعفو، وفي خيار الإمام في حق بيت المال فيهما وجهان على ما مضى.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولا يقتل إلا باجتماعهم، ويحبس القاتل حتى يحضر الغائب، ويبلغ الطفل، وإن كان فيهم معتوهٌ فحتى يُفيق أو يموت فيقوم وارثه مقامه".
قال في الحاوي: أما إذا كان ورثة القتيل أهل رشد لا ولاية على واحد منهم، فليس لبعضهم أن ينفرد بالقود دون شركائه، وعليه أن يستأذن من حضر وينتظر من غاب، وهذا متفق عليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "فأهله من خيرتين إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا العقل" فأما إن كان فيهم مولى عليه لعدم رشده بجنون أو صغر فقد اختلف فيه الفقهاء.

فذهب الشافعي إلى أن القود موقوف لا يجوز أن ينفرد به الرشيد حتى يبلغ الصغير ويفيق المجنون، ويجتمعون على استيفائه، ولا يجوز لولي الصغير أن ينوب عنه في الاستيفاء.
وقال أبو حنيفة ومالك: يجوز للرشيد منهم أن ينفرد باستيفاء القود ولا ينتظر بلوغ الصغير وإفاقة المجنون، ولو كان مستحقه صغيرًا أو مجنونًا لوليه أن ينوب عنه في استيفائه استدلالًا بقول الله تعالى: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء:33] فذكره بلفظ الواحد فدل على جواز أن يستوفيه الولي الواحد.
ولأن ابن ملجم قتل عليًا رضوان الله عليه فاقتص منه ابنه الحسن، وقد شاركه من أخوته صغار لم يبلغوا، ولم يقف القود على بلوغهم ولم يخالفه أحد من الصحابة رضي الله عنهم، فصار إجماعًا على جواز تفرده به.
قال: ولأن للقود حق يصح فيه النيابة فجاز إذا لم يتبعض أن ينفرد به بعضهم كولاية النكاح، ولأن القود إذا وجب لجماعة لم يمتنع أن ينفرد باستيفائه واحد، كالقتيل إذا لم يترك وارثًا استحق قوده جماعة المسلمين، وكان للإمام أن ينفرد باستيفائه.
ودليلنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "فمن قتل بعده قتيلًا فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل" فجعل ذلك لجماعتهم، فلم يجز أن ينفرد به بعضهم، لما فيه من العدول عن مقتضى الخير.
ولأن القود إذا تعين لجماعة لم يجز أن ينفرد به بعضهم، كما لو كانوا جميعًا أهل رشد.
ولأن القود أحد بدلي النفس فلم يجز أن يستوفيه بعض الورثة كالدية.
ولأن كل من لم ينفرد باستيفاء الدية لم يجز أن ينفرد باستيفاء القود كالأجانب.
وأما الآية فمحمولة على الولي إذا كان واحدًا.
وأما تفرد الحسن بقتل ابن ملجم لعنه الله فعنه جوابان: أحدهما: أنه قد كان في شركائه من البالغين من لم يستأذنه، لأن عليًا خلف حين قتل على ما حكاه بعض أهل النقل ستة عشر ذكرًا وست عشرة أنثى فيكون جوابهم عن ترك استئذانه للأكابر جوابنا في ترك وقوفه على بلوغ الأصاغر.
والثاني: أن ابن ملجم انحتم قتله لسعيه بالفساد، لأن من قتل إمام عدل فقد سعي في الأرض فسادًا فصار محتوم القتل، لا يجوز العفو عنه فلا يلزم استئذان الورثة فيه.
والجواب الثالث: أن ابن ملجم استحل قتل علي عليه السلام فصار باستحلاله قتله كافرًا، لأن من استحل قتلٍ إمام عدل كان كافرًا فقته الحسن لكفره ولم يقتله قودًا، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أيقظ عليًا من نومه في بعض الأسفار، وقد سيقت الريح عليه التراب، فقال: قم يا أبا تراب، ثم قال: أتعرف أشقى الأولين والآخرين؟ قال: الله ورسوله

أعلم، قال: أشقى الأولين عاقر ناقة صالح، وأشقى الآخرين من خصب هذه من هذا، وأشار إلى خضاب لحيته من دم رأسه، فيجوز أن يكون الحسن عرف بهذا الخبر كفر ابن ملجم لعنه الله لاعتقاده استباحة قتل علي فقتله بذلك.
وأما قياسهم على ولاية النكاح فعنه جوابان: أحدهما: أن ولاية النكاح يستحقها الأكابر دون الأصاغر، فجاز أن ينفرد بها الأكابر والقود يستحقه الأكابر والأصاعر فلم يجز أن ينفرد به الأكابر.
والثاني: أن ولاية النكاح يستحقها كل واحد منهم فجاز أن ينفرد بها أحدهم، والقود يستحقه جميعهم فلم يجز أن ينفرد به بعضهم.
فأما ما ذكره من تفرد الإمام بالقود فيمن ورثه جماعة المسلمين، فالجواب عنه أنه لما لم يتعين مستحقه وكان للكافة، تفرد به من ولي أمورهم، وهذا قد تعين مستحقه فافترقا.
فصل: فإذا ثبت وقوف القود على بلوغ الصبي وإفاقة المجنون وجب حبس القاتل إلى وقت البلوغ والإفاقة ليحفظ حقهما بحبسه ولا يطلق، وإن أعطى كفيلًا بنفسه؛ لأنه حق لا يملك استيفاؤه إلا منه، والمتولي لحبسه الإمام دون الولي؛ لأن أمر الحاكم أنفذ من أمره، فإن أراد الولي أن يلازمه لم يمنع، ولا يقف حبس الحاكم له على الاستعداء إليه، وينفرد به إذا ثبت عنده القتل لما يجب عليه من حفظ الحقوق على من يولي عليه، ولو كان في الورثة رشيد غائب لم يلزم الحاكم حبس القاتل إلا بعد الاستدعاء إليه، لأن مستحق القود رشيد لا يولي عليه، وهكذا لو غصب دارًا لغائب جاز للحاكم أن ينزعها من الغاصب إن كان مالكها موليًا عليه، ولم يجز أن ينتزعها منه إن كان مالكها رشيدًا، فإن أراد ولي الصغير والمجنون أن يعفو عن القود إلى غير مال لم يجز، وإن أراد العفو عن القود إلى الدية نظر في الصغير والمجنون، فإن كانا موسرين غير محتاجين إلى المال لم يكن للولي العفو عن القود، وإن عفا بطل عفوه، وإن كانا فقيرين فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون لهما من يجب عليه نفقتهما، فلا يجوز لوليه أن يعفو عن القود لاستغنائهما ممن وجب عليه نفقتهما.
والثاني: أن لا يكون لهما من يلتزم نفقتهما وهما من ذوي الفاقة إلى قدر نفقتهما، ففي جواز عفو وليهما عن القود وجهان: أحدهما: يجوز للضرورة اعتبارًا بمصلحتهما.
والثاني: لا يجوز لما فيه من إسقاط حقهما، ويحتمل وجهًا ثالثًا أن يعتبر حال

المولى فإن كان مناسبًا أو وصيًا لم يصح عفوه، وإن كان حاكمًا صح عفوه، لأنه حكم يجوز أن ينفرد باجتهاده والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وأيهم عفا عن القصاص كان على حقه من الدية، وإن عفا على غير مالٍ كان الباقون على حقوقهم من الدية".
قال في الحاوي: وإن عفا على غير مال كان الباقون على حقوقهم من الدية إذا كان أولياء المقتول جماعة، فعفا أحدهم عن القود سقط جميع القود في حقوق جماعتهم، ولم يكن لواحد منهم أن يقتص سواء عفا أقلهم أو أكثرهم.
وقال مالك: يجوز لمن لم يعف أن يقتص ولو كان واحد من جماعة استدلالًا بقول الله تعالى: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ فلو سقط حقه بعفو غيره لكان السلطان عليه ولم يكن له، ولأن القود موضوع لنفي المعرة كحد القذف، ثم ثبت أن حد القذف لا يسقط بعفو بعض الورثة، كذلك القود يجب أن يكون بمثابتهم، ولأنه لما لم يكن عفو بعضهم عن الدية مؤثرًا في حق غيره وجب أن يكون عفوه عن القود غير مؤثر في حق غيره.
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وأَدَاءٌ إلَيْهِ بِإحْسَانٍ﴾ [البقرة: 178] وهو محمول عند كثير من المفسرين على عفو بعض الورثة، لأنه جاء بذكر الشيء منكرًا، وجعل عفوه موجبًا لإتباع الدية بمعروف، وأن تؤدى إليه بإحسان ويحمل على عموم العفو من الواحد والجماعة.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "فمن قتل بعده قتيلًا فأهله بين خيرتين: إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل" فجعل الخيار في القود لجميع أهله لا لبعضهم، ولأنه إجماع الصحابة رضي الله عنهم روي أن رجلًا قتل رجلًا على عهد عمر رضي الله عنه فطالب أولياؤه بالقود فقالت أخت المقتول وهي زوجة القاتل: عفوت عن حقي من القود فقال عمر: الله أكبر، عتق الرجل يعني من القود ولم يخالفه من الصحابة أحد مع انتشاره فيهم، فثبت أنه إجماع، ولأن القود أحد يدلي النفس فلم يكن لبعض الورثة أن ينفرد باستيفاء جميعه كالدية، ولأن القاتل، قد ملك بالعفو بعض نفسه فاقتضى أن يستوي في الباقي منها كالعتق، ولأنه قد اجتمع في نفس القاتل إيجاب القود وإسقاطه فوجب أن يغلب حكم الإسقاط على الإيجاب لأمرين: أحدهما: أن القود يسقط بالشبهة، وهذا من أقوى الشبه.
والثاني: أن لسقوط ما وجب منه بدلًا وهو الدية، وليس للإيجاب ما سقط منه بدل.

فأما الجواب عن الآية فقد مضى.
وأما الجمع بين القد وحد القذف فغير صحيح، لأنهم في القود مشتركون وفي الحد منفردون، فلم يجز أن ينفرد أحدهم باستيفاء القود وجاز أن ينفرد باستيفاء الحد، وإنما اشتركوا جميعًا في القود وانفرد كل واحد في لحد لأمرين: أحدهما: أنهم ملكوا القود ميراثًا عن ميتهم لأنه بدل عن نفسه فاشتركوا فيه كالدية وملكوا الحد نيابة عن ميتهم لنفي العار عنه فانفرد كل واحد منهم به.
والثاني: أن القود بدل فلم يسقط بالعفو حق من لم يعف، فلذلك ما اشتركوا وليس للحد بدل فانفرد، ولئلا يسقط بالعفو حق من لم يعف، وأما الدية فإنما لم تسقط بالعفو حق من لم يعف، لأنها تتبعض فصح أن ينفرد كل واحد منهما باستيفائه حقه، لأنه لا يتعدى استيفاؤه إلى حق شريكه والقود لا يتبعض ولا يمكن كل واحد منهم أن ينفرد باستيفاء حقه منه إلا بالتعدي إلى حق شريكه، فسرى العفو عن القود ولم يسر العفو عن الدية.
فصل: فإذا ثبت أن عفو أحدهم موجب لسقوط القود في حق جميعهم انتقل الكلام إلى الدية، أما من لم يعف فقد ملكوا حقوقهم من الدية بسقوط القود ولا يقف ملك الدية على اختياره لأن القتل قد صار في حقوقهم بسقوط القود من غير اختيارهم جاريًا مجرى قتل عمد الخطأ الذي لا يجب فيه قود، ويملك به الدية بنفس القتل كذلك ها هنا، وأما الدية في حق العافي فمعتبرة بعفوه عن القود، فإن قرنه باختيار الدية وجب له حقه منها، وإن لم يقرنه باختيار الدية على ما مضى من القولين في الذي أوجبه قتل العمد، ثم على ما مضى من التفصيل.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "فإن عفوا جميعًا وعفا المفلس يُجني عليه أو على عبده القصاص، جاز ذلك لهم ولم يكن لأهل الدين والوصايا منهم، لأن المال لا يُملك بالعهد إلا بمشيئة المجني عليه إن كان حيًا، وبمشيئة الورثة إن كان ميتًا.
قال المزني رحمه الله: ليس يُشبه هذا الاعتلال أصله، لأنه احتج في أن العفو يُوجب الدية بأن الله تعالى لما قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وأَدَاءٌ إلَيْهِ بِإحْسَانٍ﴾ لم يجز أن يقال: عفا إن صولح على مالٍ، لأن العفو تركٌ بلا عوضٍ، فلم يجز إذا عفا عن القتل الذي هو أعظم الأمرين إلا أن يكون له مالٌ في مال القاتل أحب أو كره،

ولو كان إذا عفا لم يكن له شيءٌ لم يكن للعافي ما يتبعه بمعروفٍ، ولا على القاتل ما يُؤديه بإحسانٍ.
قال المزني رحمه الله: فهذا مالٌ مشيئةٍ، أو لا تراه يقول: إن عفو المحجور جائزٌ، لأنه زيادةٌ في ماله وعفوه المال لا يجوز، لأنه نقصٌ في ماله وهذا مالٌ بغير مشيئةٍ، فأقرب إلى وجه ما قال عندي في العفو الذي ليس لأهل الدين منعه هو أن يبرئه من القصاص ويقول بغير مالٍ فيسقطان وبالله التوفيق".
قال في الحاوي: اعلم أنه لا يخلو حال الوارث لقتل العمد في عفوه من أحد ثلاثة أقسام: أحدهما: أن يكون جائز الأمر مالك التصرف فيصح عفوه عن القود وعن الدية جميعًا.
والثاني: أن يكون محجورًا عليه لا يجرى عليه قلم كالصغير والمجنون، فلا يصح عفوه عن القود ولا عن الدية جميعًا.
والثالث: أن يتعلق به حجر من وجه وإن جرى عليه القلم، فهذا قد يستحق من أحد أربعة أوجه: أحدها: أن يتعلق بتركة المقتول ديون ووصايا فتتعلق بدينه كما يتعلق بتركته على ما سنذكره، فيصير الوارث في حكم المحجور عليه فيها حتى تقضى الديون وتنفذ الوصايا.
والثاني: أن يكون الوارث محجورًا عليه بالفلس في حقوق غرمائه حتى يستوعبوا ماله في ديونهم.
والثالث: أن يكون الوارث محجورًا عليه لسفه في حقه نفسه حفظًا لماله.
والرابع: أن يكون الوارث مريضًا يمنع في حق الورثة من العطاء إلا في ثلثه فهؤلاء الأربعة يصح عفوهم عن القود إلى الدية، لأن القود لا يؤثر في حقوقهم والعفو عنه أرفق بهم وفي صحة عفوهم عن الدية قولان: أحدهما: يصح من جميعهم، وهذا على القول الذي يجعل قتل العمد فيه موجبًا للقود وحده والدية لا تجب إلا باختيار الوارث، فيصح عفوه، لأنه لم يملكها فيعارض فيه ولا يملكها إلا بالاختيار، وهو لا يجبر على الاختيار، لأنه اكتساب عما لا يجبر على قبول الوصايا والهبات.
والثاني: أن عفو الثلاثة باطل لا يصح، وهذا على القول الذي يجعل قتل العمد فهي موجبًا للقود، أو الدية، لأنه عفو عن مال قد تعلق به حق غيره.
فأما المريض فعفوه على هذا القول معتبر من ثلثه، فإن احتمل ثلثه جميع الدية صح عفوه عنها، وإن لم يملك غيرها صح عفوه عن ثلثها وبطل عن باقيها فأما المزني فإنه تكلم على فصلين: أحدهما: الرد على أبي حنيفة في منعه من الدية إلا عن مراضاة.
والثاني: في اختياره لأحد القولين أن قتل العمد موجب لأحد أمرين من القود أو الدية.

فأما الفصل الأول فسلم كلامه فيه، وأما الفصل الثاني فالتبس عليه حتى اختلط تعليله، وضعف دليله وفي كشفه إطالة يقتصر فيها على سيره عند تأمله، وبالله التوفيق.

باب القصاص بالسيف وغيره

مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "قال الله تعالى: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ قال: وإذا خلى الحاكم الولي وقتل القاتل فينبغي له أن يأمر من ينظر إلى سيفه، فإن كان صارمًا وإلا أمره بصارمٍ لئلا يُعذبه، ثم يدعه وضرب عنقه".
قال في الحاوي: ما أوجب القصاص من الجنايات ضربان: طرف، ونفس.
فأما الطرف فلا يمكن مستحق القصاص من استيفائه بنفسه، لما يخاف من تعديه إلى ما لا يمكن استدراكه، وأما النفس فيجوز للولي أن يتولى استيفاء القود منها بنفسه إذا قدر على مباشرته للآية ولقول النبي صلى الله عليه وسلم "فأهله بين خيرتين: إن أحبوا قتلوا" وكما يستوفي جميع حقوقه بنفسه، ولأن القود موضوع للتشفي فكانت المباشرة فيه أشقى، وإذا كان كذلك فاستيفاؤه للقود معتبر بستة شروط: أحدها: أن يحكم به الحاكم ليميز العمد المحض من عمد الخطأ، وليتعين بالحكم ما اختلف فيه الفقهاء، ولئلا يتسرع الناس إلى استباحة الدماء.
والثاني: أن يكون مستوفيه رجلًا فإن كانت امرأة منعت، لما فيه من بذلتها وظهور عورتها.
والثالث: أن يكون ثابت النفس عند مباشرة القتل، فإن ضعفت منع.
والرابع: أن يعرف القود ويحسن إصابة المفصل، فإن لم يحسن منع.
والخامس: أن يكون قوي اليد نافذ الضربة، فإن ضعفت يده لشلل أو مرض منع.
فإذا تكاملت فيه هذه الشروط الخمسة وصار بها من أهل الاستيفاء لم يخل حال الولي أن يكون واحدًا أو عددًا، فإن كان واحدًا قام باستيفائه، وإن كانوا عددًا خرج منهم من لم يتكامل فيه شروط الاستيفاء ولم يجز أ، يشترك الباقون فيه حتى يتولاه أحدهم، فإن سلموه لأحد كان أحقهم به وإن تنازعوا فيه أقرع بينهم، فمن قرع كان أحقهم باستيفائه، فإذا تعين الاستيفاء لواحد منهم اعتبر في استبقائه عشرة أشياء: أحدها: حضور الحاكم الذي حكم له بالقود، أو نائب عنه ليكون حضوره تنفيذًا لحكمه.
ط والثاني: أن يحضره شاهدان ليكونا بينة ي استيفاء الحق أو في التعدي بظلم.
والثالث: أن يحضر معه من الأعوان من إن احتاج إليهم أعانوا، فربما حدث

ما يحتاج إلى كف وردع.
والرابع: أن يؤمر المقتص منه بما تعين عليه من صلاة يومه، ليحفظ حقوق الله تعالى في الإضاعة.
والخامس: أن يؤمر بالوصية فيما له وعليه من الحقوق، ليحفظ بها حقوق الآدميين.
والسادس: أن يؤمر بالتوبة من ذنوبه، ليزول عند مأثم المعاصي.
والسابع: أن يساق إلى موضع القصاص سوقًا رفيقًا، ولا يكلم بخنا ولا شتم.
والثامن: أن تستر عورته بشداد حتى لا تبرز للأبصار.
والتاسع: أن تشد عينيه بعصابة حتى لا يرى القتل ويترك ممدود العنق، حتى لا يعدل السيف عن عنقه.
والعاشر: أن يكون سيف القصاص صارمًا ليس بكال ولا مسموم، لأن الكال والمسموم يفسد لحمه ويمنع من غسله، فيراعي سيف الولي، فإن كان على الصفة المطلوبة وإلا التمس سيفًا على صفته أو أعطى من بيت المال، وإن كان موجودًا، وإنما اعتبرنا هذه الشروط والأوصاف إحسانًا في الاستيفاء، ومنعًا من التعذيب، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله تعالى كتب عليكم الإحسان فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة".
وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه: "نهى عن تعذب البهائم" فكان النهي عن تعذيب الآدميين أحق.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه:"وإن ضربه ما لا يُخطاء بمثله من قطع رجلٍ أو وسطٍ عزر، وإن كان مما يلي العنق من رأسه أو كتفه فلا عقوبة عليه، وأجبره الحاكم على أن يأمر من يُحسن ضرب العنق ليوجيه".
قال في الحاوي: وأما محل القصاص من النفس فهو العتق يضرب بالسيف من جهة القفا، لأنه أمكن والسيف فيه أمضى حتى يقطع المريء والودجين، ولا يراعي قطع الحلقوم إذا لم ينته السيف إليه، لأن في قطع المريء والودجين توجئة، وإن كان قطع الحلقوم معه أوجى، ولا يجوز أن يعدل به إلى الذبح والمعتبر في تذكية البهائم لافتراقهما في الحرمة واختلافهما في الحكم، فإن وصل بالضربة الواحدة إلى محل التوجئة اقتصر عليها ولم يزد، وإن لم تصل إلى محل التوجئة ضربة ثانية، فإن لم تصل الثانية لم يخل

من أحد أمرين: إما أن يكون من كلال سيفه فيعطي غيره من السيوف الصارمة وإما أن يكون من ضعف يده، فيعدل إلى غيره من ذوي القوة.
فصل: فإن ضربه فوقع السيف في غير عنقه فعلى ضربين: أحدهما: أن يقع في موضع لا يجوز الغلط في مثله كضربه لرجله أو ظهره أو بطنه، فيعزز لتعديه، ولا تقبل دعوى الغلط فيه، ولا يحلف عليه لاستحالة صدقه، واليمين تدخل فيما احتمل الصدق ولا قود عليه فيما قطع أو جرح، ولا غرم لأرش ولا دية، لأنه قد ملك إتلاف نفسه، وإن تعدى بالسيف في غير محله.
والثاني: أن يقع السيف في موضع يجوز الغلط بمثله كأعلى الكتف وأسفل الرأس سئل، فإن قال: عمدت غرز ومنع وإن قال: أخطأت أحلف على الخطأ لإمكانه ولم يعزر ولم يمنع من القصاص، فإن تاب بعد عمده وأراد العود إلى القصاص فقد قال الشافعي ها هنا ما يدل على سقوطه حقه من الاستبقاء بقوله: "وأجبره الحاكم على أن يأمر من يحسن ضرب العنق" ليوجيه يريد به الاستتابة به.
وقال في كتاب "الأم" يمكنه الحاكم في الاستيفاء فاختلف أصحابنا في اختلاف هذين النصين، فخرجه البصريون على اختلاف قولين، وخرجه أبو حامد الإسفراييني على اختلاف حالين فالمنع محمول على أنه بان للحاكم أنه لا يحسن القصاص، والتمكين محمول على أنه يحسن القصاص.
فصل: ولو كان الجاني قد قطع يد المجني عليه وقتله، فأراد الولي أن يقتص من القطع والقتل جاز أن يتولى القتل بنفسه ولم يجز أن يستوفي القطع بنفسه، وإذا منع من القطع والقتل كان له أن يستنيب فيه من يشاء من غير اعتراض إذا اجتمع فيه أمران: الإماتة، وشروط الاستيفاء فلو بادر الولي وقد عدم شروط الاستيفاء فاقتص بنفسه من النفس والأطراف لم يضمن قودا ولا دية، لأنه استوفي ما استحق ويعزره الحاكم لافتياته.
ولو كان الولي من أهل الاستيفاء فامتنع من استيفائه بنفسه لم يجبر عليه وجاز أن يستنيب فيه، فإن استناب وإلا اختار له الحاكم من ينوب عنه في مباشرة الاستيفاء، فإن لم يستوفه النائب إلا بأجرة أعطى أجرته من بيت المال، لأنه من المصالح العامة، وإن لم يكن في بيت المال ما يعطاه كانت أجرته في مال المقتص منه دون المقتص له.
وقال أبو حنيفة: تكون الأجرة في مال المقتص له دون المقتص منه، وسيأتي الكلام معه.

مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "قال ولو أذن لرجل فتنحى به فعفاه الولي فقتله قبل أن يعلم ففيها قولان؛ أحدهما: أن ليس له على القاتل شيء إلا أن يحلف بالله ما علمه عفا ولا على العافي.
والثاني: أن ليس على القاتل قود لأنه قتله على أنه مباح وعليه الدية والكفارة ولا يرجع بها على الولي لأنه متطوع وهذا أشبههما.
قال المزني رحمه الله: فالأشبه أولى به".
قال في الحاوي: أما التوكيل في القصاص فضربان: أحدهما: توكيل في إثباته.
والثاني: توكيل في استيفائه.
وقد ذكرنا كلا الضربين في كتاب "الوكالة" ونحن نشير إليهما في هذا الموضع.
أما الضرب الأول وهو التوكيل في إثبات القصاص فهو جائز عند جمهور الفقهاء إلا أبا يوسف وحده، فإنه منع منه، لأنه حد يدرأ بالشبهة، وهذا فاسد، لأن الشبهة ما اختصت بالفعل أو بالفاعل فلم يتعد إلى التوكيل والموكل، ولأن التوكيل في الإثبات مختص بإقامة البينة وإثبات الحجة، وهذا يجوز أن يفعله الموكل وتصح فيه النيابة.
فإذا ثبت جواز التوكيل في إثبات القصاص لم يكن للوكيل أن يستوفيه بعد ثبوته إلا بإذن موكله، وهو قول جمهور الفقهاء إلا ابن أبي ليلى وحده، فإنه جوز له استيفاء القصاص وحده بعد إثباته، لأنه مقصود الإثبات، فأشبه الوكيل في البيع يجوز له قبض الثمن من غير إذن لأنه مقصود البيع وهذا فاسد؛ لأن فعل الموكل مقصور على ما تضمنه التوكيل فلم يجز أن يتعداه ولأن إثبات القصاص يقف موجية على خيار الموكل دون الوكيل، ولأن في استيفائه للقصاص إتلاف ما لا يستدرك وخالف قبض الثمن في البيع من وجهين: أحدهما: أن المقصود في البيع قبض الثمن، والمقصود في القصاص مختلف.
والثاني: أن رد الثمن مستدرك، ورد القصاص غير مستدرك، فعلى هذا لو اقتص الوكيل كان عليه القود، وينتقل حق الموكل إلى الدية لفوات القصاص.
وأما الضرب الثاني: وهو التوكيل في استيفاء القصاص فعلى ضربين: أحدهما: أن يستوفيه بمشهد الموكل فيصح الوكيل؛ لأنها استنابه في مباشرة الاستيفاء والموكل هو المستوفي.
والثاني: أن يوكله في استيفائه مع غيبته عنه، فظاهر ما قاله ها هنا صحة الوكالة، وظاهر ما قاله في كتاب "الوكالة" فسادها، فخرجه أكثر أصحابنا على قولين:

أحدهما: وهو قول أبي حنيفة فسادها.
والثاني: وهو أصح جوازها وقد مضي توجيه القولين، ومن عدل بهما من أصحابنا إلى اختلاف تأويلين، وعلى كلا القولين من صحة الوكالة وفسادها إذا استوفاه الوكيل كان مستوفيا لحق موكله لتصرفه فيه عن إذنه، ولا ضمان عليه من قود ولا دية.
فصل: فإذا تقرر ما وصفنا فصورة مسألتنا أن يوكله في القصاص، ثم يعفو عنه ويستوفيه الوكيل منه فهذا على ضربين: أحدهما: أن يعفو بعد اقتصاص الوكيل، فيكون عفوه باطلا، لأن عفوه بعد الاستيفاء كعفوه عن دين قد استوفاه وكيله ويكون عفوه بعد القبض باطلا.
والثاني: أن يعفو قبل أن يقتص الوكيل، فهذا على ضربين: أحدهما: أن تكون مسافة الوكيل أبعد من زمان العفو مثل أن يكون الوكيل على مسافة عشرة أيام، ويعفو الموكل قبل القصاص بخمسة أيام، فيكون عفوه باطلا لا حكم له كما لو رمي سلاحه على المقتص منه، ثم عفا عنه قبل وصول السلاح إليه كان عفوه هدرا؛ لأنه عفو عما لا يمكن استدراكه.
والثاني: أن تكون مسافة الوكيل أقصر من زمان العفو، مثل أن يكون الوكيل على مسافة خمسة أيام ويعفو الموكل قبل اقتصاص الوكيل بعشرة أيام، فهذا على ضربين: أحدهما: أن يعلم الوكيل بعفو موكله قبل القصاص فيبطل حكم الإذن ويصير قاتلا بغير حق، فيجب عليه القود، ويكون الموكل على حقه من الدية إن لم يعف عنه على ما قدمناه من شرح القولين.
والثاني: أن لا يعلم الوكيل بعفو الموكل حتى يقتص فلا قود عليه، لأنه مستصحب حالة إباحة، فكانت أقوى شبهة في سقوط القود، وفي وجوب الدية عليه قولان: أحدهما: لا دية عليه استصحابا لحال الإباحة كالقود.
والثاني: عليه الدية، لأنه صادق الحظر بعد الإباحة، فصار بعمد الخطأ أشبه، وكالحربي إذا أسلم وقتله من لم يعلم بإسلامه ضمنه بالدية دون القود، قد أسلم اليمان أبو حذيفة بن اليمان فقتله قوم من المسلمين لم يعلموا بإسلامه "فقضي عليهم رسول الله صلي الله عليه وسلم بديته" ومن هذين القولين خرج أصحابنا بيع الوكيل بعد عزله وقبل علمه على وجهين: أحدهما: أن بيعه باطل لمصادفته حال العزل، وإن لم يعلم.
والثاني: أنه صحيح ما لم يعلم بعزله، ومسألة اختلاف أصحابنا في نسخ الحكم هل يلزم من لم يعلم بالنسخ، أم لا يلزمه إلا بعد علمه بنسخه؟ على وجهين: أحدهما: لا يلزم إلا بعد انتشاره والعلم به؛ لأن أهل قباء استداروا في صلاتهم إلى الكعبة حين بلغهم تحويل القبلة إليها.

والثاني: أن فرض النسخ لازم للكافة مع البلاغ، وإن لم ينتشر في جميعهم ولا علمه أكثرهم، لأن حكم الله تعالى على الجماعة واحد.
فصل: فإذا تقرر ما ذكرنا من القولين، فإن قيل بالأول إنه لا ضمان على الوكيل من قود ولا عقل فقتل الوكيل للجاني يكون قودا ويكون عفو الموكل باطلا، واختلف أصحابنا على هذا القول في الوكيل هل تلزمه الكفارة أم لا؟ على وجهين: أحدهما: لا كفارة عليه، لأنه قد أجرى على قتله حكم استيفائه قودا.
والثاني: عليه الكفارة كمن رمى دار الحرب فقتل مسلما ضمنه وكفر عنه.
وإن قيل بالقول الثاني إن الوكيل ضامن للدية، فعفو الموكل صحيح وحقه في الدية إذا استوجبها على ما مضى من التفصيل مستحق على الجاني قاتل أبيه يرجع بها في ماله ولا يرجع بها على وكيله، ويرجع أولياء القاتل المقتول بديته على الوكيل، وهل تكون حاله في مال الوكيل أو مؤجلة على عاقلته على وجهين: أحدهما: وهو قول أبي إسحاق تكون حالة في ماله مع الكفارة، لأنه عامد في فعله وإنما سقط القود فيه بشبهته.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة تكون مؤجلة على عاقلته والكفارة في ماله؛ لأنه قتله معتقدا لاستباحة قتله فصادف الحظر فصار خاطئا فإذا أغرم الوكيل الدية ففي رجوعه على موكله بها قولان، كالزوج المغرور إذا أغرم مهر المثل بالغرور هل يرجع به على الغارم أم لا؟ على قولين، لأن الموكل قد صار بعفوه غارا للوكيل حين لم يعلمه بعفوه، وسواء كان هذا الوكيل مستعملا أو متطوعا، وهكذا الحكم في الأطراف إذا اقتص منها الوكيل بعد العفو.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله: "ولا تقتل الحامل حتى تضع، فإن لم يكن لولدها مرضع فأحب إلي أن لو تركت بطيب نفس الولي حتى يوجد له مرضع، فإن لم يفعل قتلت.
قال المزني رحمه الله: إذا لم يوجد للمولود ما يحيا به لم يحل عندي قتله بقتل أمه حتى يوجد ما يحيا به فيقتل".
قال في الحاوي: إذا وجب القصاص على حامل أو وجب عليها وهي حائل فحملت، لم يجز أن يقتص منها حاملا حتى تضع لقول الله تعالى: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِف فِّي القَتْلِ﴾ [الإسراء: 33] وفي قتل الحامل سرف للتعدي بقتل الحمل معها، ولأن الغامدية أقرت عند رسول الله صلي الله عليه وسلم بالزنا وهي حامل، وقالت: طهرني يا

رسول الله (صلى) الله عليه وسلم فقال لها: "اذهبي حتى تضعي حملك" وأمر عمر برجم امرأة أقرت بالزنا وهي حامل فردها علي وقال لعمر رضي الله عنهما: إنه لا سبيل لك على ما في بطنها، فقال عمر: "لولا علي لهلك عمر".
وقيل: بل كان القائل ذلك معاذ بن جبل فقال له عمر: "كاد النساء يعجزون أن يلدن مثلك" والأول أشهر ولأنه قد تقابل في الحامل حقان: أحدهما: يوجب تعجيل قتلها وهو القصاص.
والثاني: استبقاء حياتها وهو الحمل، فقدم حق الحمل في الاستيفاء على حق القصاص في التعجيل لأن في تعجيل قتلها إسقاط أحد الحقين وفي إنظارها استيفاء الحقين، فكان الإنظار أولى من التعجيل، وسواء كانت في أول الحمل أو في آخره، علم ذلك بحركة الحمل أو لم يعلم إلا بقولها ليستبرأ صحة دعواها.
وقال أبو سعيد الإصطخري: لا تقبل دعواها للحمل حتى يشهد به أربع نسوة عدول، ويعجل قتلها إن لم يشهدن لها، وهذا خطأ لقول الله تعالى: ﴿ولا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: 228] فكان هذا الوعيد على ما وجب من قبول قولها فيه، وتحلف عليه إن اتهمت، فإذا وضعت حملها أمهلت حتى ترضع ولدها اللبأ الذي لا يحيا المولود إلا به، ويتعذر وجوده من غيرها في الأغلب، فإذا أرضعته ما لا يحيا إلا به لكم يخل خاله في رضاعه من أربعة أقسام: أحدها: أن لا يوجد له مرضع سواها، فالواجب الصبر عليها حتى تستكمل رضاعة حولين كاملين، لأنه لما أخرناها لحفظ حياته فأولى أن نؤخرها لحفظ حياته مولودا، ولأن النبي صلي الله عليه وسلم قال للغامدية حين عادت إليه بعد وضع حملها: "اذهبي حتى ترضعيه حولين كاملين".
والثاني: أن يوجد له مرضع قد تعينت وسلم إليها ملازمة لرضاعه فيقتص منها في الحال، وإن كانت في بقية نفاسها، لأنه لم يبق للولد عليها حق ولا لحياته بها تعلق.
والثالث: أن يوجد له من لا يترتب لرضاعه من النساء على الدوام، أو يوجد له بهيمة ذات لبن يكتفي بلبنها ولا يوجد لرضاعه أحد النساء، فيقال لولي القصاص.
الأولى بك أن تصبر عليها لتقوم برضاعه، لئلا يختلف عليه لبن النساء إذا لم يترتب له إحداهن، أو يعدل به إلى لبن بهيمة ولبن النساء أوثق له، ولا يلزمك الصبر، لأن فيما يوجد من لبن البهيمة ومن لا يترتب له من النساء حفظ لحياته فإن صبر مختارا أخر قتلها، وإن امتنع وطلب التعجيل قتلت ولم تؤخر، وهو معنى قول الشافعي "فإن لم يكن لولدها مرضع فأحب إلي لو ترك بطيب نفس الولي حتى يوجد له مرضع، فإن لم يفعل قتلت، وليس كما توهمه المزني أنه أراد إذا لم يوجد له مرضع أبدا.
والرابع: أن يعلم أنه سيوجد له مرضع يترتب لرضاعه، ولكن لم يتعين في الحال ولا تسلمته، ففي تعجيل قتلها قبل تعيين مرضعة وتسليمه وجهان:

أحدهما: وهو أظهرهما تعجيل قتلها، إلا أن يرضى الولي بإنظارها إلى تعيين المرضع وتسليمه لأننا لا نأمن على المولود من تلف النفس.
والثاني: يجب تأخير قتلها حتى يتعين المرضع وتسليمه، رضي به الولي أو لم يرض؟ لأنه ربما تأخر تعيين المرضع وتسليمه إليها زمانا لا يصير المولود فيه على فقد الرضاع فيتلف.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله: "ولو عجل الإمام فاقتص منها حاملا فعليه المأثم فإن ألقت جنينا ضمنه الإمام على عاقلته دون المقتص.
قال المزني رحمه الله: بل على الولي لأنه اقتص لنفسه مختارا فجني على من لا قصاص له عليه فهو بغرم ما أتلف أولى من إمام حكم له بحقه فأخذه وما ليس له".
قال في الحاوي: إذا عجل قتل الحامل قودا ولم تسهل حتى تضع لم يخل حالها بعد القتل من أن تلق ولدا، أو لا تلقيه فإن لم تلق ولدا فلا ضمان في الحمل، لأنه موهوم وينظر حالها، فإن كانت أمارات الحمل ظاهرة عليها كان قاتلها آثما إذا علم بالأمارات، لأنه عجل بقتل وجب تأخيره وإن لم تظهر أماراته فلا مأثم فيه، لأن الظاهر خلوها من الحمل وإن ألقت ولدا فعلى ضربين: أحدهما: أن يكون حيا يبقى بعد قتلها فلا ضمان فيه لبقاء حياته، فإن مات بعدها روعي أمره فيما يبين وضعه وموته، فإن لم يزل فيه ضمنا يحدث به ضعف بعد ضعف، فالظاهر من موته أنه كان يقتل أمه فيكون مضمونا بالدية، وإن كان فيما بين وضعه وموته سليما يزداد قوة بعد قوة ثم مات، فالظاهر من حال موته أنه عن سبب حادث بعد ولادته فلا يضمن ديته.
والثاني: أن تضعه جنينا لا يبقى له حياة فيكون مضمونا؛ لأن الظاهر من إلقائه أنه كان بقتل أمه لأمرين: أحدهما: أن حياته كانت متصلة بحياتها.
والثاني: أنه فقد غذاءه منها وإن كان مضمونا نظر فيه، فإن وضعته ميتا وجب فيه غرة عبد او أمة قيمتها خمسون دينارا هي عشر دية أمة: ونصف عشر دية أبيه، ولا فرق بين أن يكون الجنين ذكرا أو أنثى ضمن بدية امرأة.
فصل: فإذا ثبت أن الجنين مضمون بالغرة إن لم يستعمل، وبالدية إن استهل كان لزومها مقصورا على الإمام لحكمه بالقصاص، وعلى الولي لاستيفائه القصاص، ولا يخلو

حالهما في الحمل من أربعة أقسام: أحدها: أن يعلم الولي بالحمل ولا يعلم به الإمام، فالضمان على الولي دون الإمام لمباشرته لقتل علم حظره.
والثاني: أن يعلم الإمام بالحمل ولا يعلم به الولي، فالضمان على الإمام لحكمه بقتل علم حظره، كالشهود بالقتل إذا استوفاه الحاكم بشهادتهم ثم رجعوا ضمنوه دون الحاكم.
وقال المزني: في هذا لقسم "يكون ضمانه على الولي دون الإمام لمباشرته" وهو فاسد بما ذكرناه.
والثالث: أن يعلم الإمام والولي بالحمل فالضمان على الإمام دون الولي، وقال المزني: على الولي دون الإمام، وهذا فاسد، لأن الولي مطالب بحقه والإمام هو الممكن منه، والحاكم به فكان بالتزام الضمان أحق.
والرابع: أن لا يعلم الإمام ولا الولي بالحمل، ففي ما يلزم الضمان ثلاثة أوجه: أحدها: وهو قول أبي إسحاق المروزي أنه مضمون على الولي، لمباشرته له.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنه مضمون على الإمام دون الولي، بتسليطه عليه.
والثالث: وهو قول البصريين، أنه مضمون على الإمام وعلى الولي نصفين لوجود التسليط من الإمام ووجود المباشرة من الولي، فصارا فيه شريكين.
فصل: فإذا استقر تعيين من وجب عليه الضمان، على ما ذكرناه من التقسيم كان ما ضمنه الولي من ديته أو غرته على عاقلته؛ لأنه من خطئه الذي تتحمله العاقلة عنه، وكانت الكافرة في ماله، لأن العاقلة تتحمل العقل دون الكفارة.
فأما ما ضمنه الإمام من الدية أو الغرة ففيه قولان: أحدهما: أنه مضمون على عاقلته يتحملونه عنه، لأن عمر رضي الله عنه حين ضمن جنين المرأة التي أرهبها فألقته ميتا قال لعلي عليه السلام: "عزمت عليه لا تبرح حتى تضربها على قومك" يعني من قريش، لأنهم عاقلة عمر وكما يتحملون عنه العقل لو لم يكن إماما فعلى هذا تكون الكفارة في ماله كغير الإمام.
والثاني: تكون الدية أو الغرة مضمونة في بيت المال، لأنه يكثر من الإمام لما يتولاه من أمور المسلمين التي لا يجدهن مباشرتها والاجتهاد فيها بدا، فلو تحملت عاقلته ما لزمه من خطأ اجتهاده عجزوا عنه ولم يطيقوه، فوجب أن يكون في مال من ينوب عنهم ويقوم بمصالحهم من المسلمين، فلذلك كان في بيت مالهم.
فإن قيل: ليس هذا من مصالحهم، فيكون في بيت مالهم.

قيل: لما كان سببه القصاص الذي فيه حفظ حياتهم وصلاح أنفسهم، كان موجب الخطأ فيه من جملة مصالحهم، فعلى هذا يكون في بيت المال ما ضمنه من الدية أو الغرة على تأجيل لخطأ، وفي الكفارة وجهان: أحدهما: في بيت المال كالدية لاتفاقهما في معنى الوجوب.
والثاني: أنها تكون في مال الإمام دون بيت المال، لأن بيت المال عاقلته والعاقلة تتحمل الدية دون الكفارة.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله: "ولو قتل نفرا قتل للأول وكانت الديات لمن بقي في ماله فإن خفي الأول منهم أقرع بينهم فأيهم قتل أولا قتل به وأعطي الباقون الديات من ماله".
قال في الحاوي: إذا قتل الواحد جماعة إما في حال واحدة بأن ألقي عليهم حائطا، أو ألقاهم في نار، أو غرقهم في سفينة، أو قتلهم في أوقات شتى واحدا بعد واحد وجب أن يقتل بأحدهم، وتؤخذ من ماله ديات الباقين.
وقال مالك وأبو حنيفة يقتل بجماعتهم وقد استوفوا به حقوقهم، ولا دية لهم في ماله فإن بادر أحدهم فقتله كان مستوفيا لحقه وحقوقهم وبني أبو حنيفة ذلك على أصلين: أحدهما: أنه في قتل العمد أنه لا يوجب غير القود، وأن الدية لا تستحق إلا عن مراضاة.
والثاني: أن القاتل إذا فات الاقتصاص منه بالموت لم يجب في ماله دية، وقد مضى الكلام معه في الأصل الأول، ويأتي الكلام معه في الأصل الثاني، واستدل في هذه المسألة بأن الجماعة إن كانوا كفؤا للواحد إذا قتلوه قتلوا به، وجب أن يكون الواحد كفؤا للجماعة إذا قتلهم قتل بهم، ولأن القصاص إذا ترادف على نفس واحدة تداخل بعضه في بعض كالعبد إذا قتل جماعة، وكالمحارب إذا قتل في الحرابة جماعة، ولأن القصاص حد، فوجب أن يتدخل بعضه في بعض، كحد الزنا والقطع في السرقة ولأنهم اشتركوا في عين ضاقت عن حقوق جميعهم، فوجب أن يكونوا فيها أسوة كغرماء المفلس، ودليلنا قول الله تعالى: ﴿وكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: 45] فمن جعل نفسا بأنفس خالف الظاهر وقال تعالى: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ ومن قتله بجماعته أبطل سلطان كل واحد منهم، ولأنها جنايات لا يتداخل خطأها فوجب أن لا يتداخل عمدها، كالأطراف لأن واحدا لو قطع أيدي جماعة قطع عندنا بأحدهم، وأخذ منه ديات الباقين، وعند أبي حنيفة يقطع يده بجماعته ثم يؤخذ من ماله

إن كانوا عشرة تسع ديات يد تقسم بين جماعتهم، فصار هذا الاختلاف إجماعا على أن لا تتداخل الأطراف، ولأنها جنايات لا تتداخل في الأطراف فوجب أن لا تتداخل في النفوس كالخطأ، ولأن جنايات العمد أغلظ من الخطأ، فلم يجز أن يكون أضعف من موجب الخطأ، ولأن حقوق الآدميين إذا أمكن استيفاؤها لم تتداخل كالديون، ولأن للقصاص موضوع لإحياء النفوس.
كما قال تعالى: ﴿ولَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ فلو قتل الواحد بالجماعة لكان فيه إغراء بقتل الجماعة، لأنه لا يلتزم بعد قتل الأول شيئا في جميع من قتل، وليسارع الناس بعد ابتدائهم بالقتل إلى قتل النفوس ولم يكفوا، ولم يصر القصاص حياة، وهذا استدلال وانفصال عن جمعه بين قتل الجماعة بالواحد، وقتل الواحد بالجماعة.
وأما الجواب عن قياسهم على قتل العبد والمحارب، فإن جعل الأصل فيه العبد.
فالجواب عنه أنه لما تداخلت جنايات خطئه تداخلت جنايات عمده وإن جعل الأصل قتل المحارب فقد اختلف أصحابنا في تداخل جنايته فذهب ابن سريج إلى أنها لا تتداخل، ويتحتم قتله بالأول، ويؤخذ من ماله ديات الباقين، وذهب جمهورهم إلى تداخلها، لأنها صارت بانحتام قتله من حقوق الله تعالى، وحقوقه تتداخل وإذا قيل في غير الحرابة، لأنها صارت بانحتام قتله من حقوق الله تعالى، وحقوقه تتداخل وإذا قيل في غير الحرابة لم ينحتم قتله، فكان من حقوق الآدميين وحقوقهم لا تتداخل وكذا الجواب عن قياسهم على الحدود وقياسهم على غرماء المفلس.
فالجواب عنه أنه لم يبق لغرماء المفلس عين يستوفون حقوقهم منها، فاستهموا في الموجود منها.
ولو كان القاتل مفلسا لكان الأولياء معه بمثابتهم وإذا فارق المفلس يساره وجد الأولياء سبيلا إلى استيفاء حقوقهم، فافترق الجمعان.
فصل: فإذا ثبت أن قاتل الجماعة يقتل بأحدهم لم يخل حال قتله لجماعتهم من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يقتلهم واحدا بعد واحد.
والثاني: أن يقتلهم في دفعة واحدة.
والثالث: أن يشكل حال قتله لهم ومن يقدم قتله منهم.
فأما القسم الأول: وهو أن يقتلهم واحدا بعد واحد فأحقهم بالاقتصاص منه ولي الأول، فلا يخاطب أولياء الباقين إلا بعد عرض القصاص على الأول، فإن طلبه اقتص منه للأول وكان في ماله ديات الباقين، فإن اتسع ماله لجميع دياتهم استوفوها، وإن ضاق عنها استهموا فيها بالحصص، وصار المتقدمون والمتأخرون فيها أسوة، وإنما تقدم الأسبق في القصاص، ولم يتقدم في الدية، لأن محل الدية في الذمة، وهي تتسع

لجميعها، فشارك المتأخر الأسبق لاشتراكهما في الذمة، ومحل القود الرقبة، وهي تضيق عن اقتصاص الجماعة، ولا يتسع إلا لواحد، فيقدم الأسبق بها على المتأخر، فإن عفا الأول عن القصاص إلى الدية عرض القصاص على الثاني، فإن استوفاه رجع الأول ومن بعد الثاني بدياتهم في مال القاتل، وإن عفا الثاني عن القصاص إلى الدية عرض القصاص على الثالث، ثم على هذا القياس في واحد بعد واحد إلى آخرهم، فلو عمد الإمام فقتله للأخير فقد أساء وأثم إن علم بتقدم غيره، ولا يأثم إن لم يعلم ولا ضمان عليه في الحالين، وهكذا لو بادر ولي الأخير فقتله قصاصا لم يضمنه، وعزر عليه ورجع الباقون بدياتهم في مال القاتل، ولو كان ولي الأول صغيرا أو مجنونا أو غائبا وقف الاقتصاص من القاتل على إفاقة المجنون وبلوغ الصبي، وقدوم الغائب ثم عرض الإمام عليهم القصاص على ما مضى، فإن لم ينتظر به الإمام بلوغ الصبي وإفاقة المجنون وقدوم الغائب وعجل قتله قصاصا لم يخل من أحد أمرين: إما أن يقتله لهم، أو يقتله لأولياء من بعدهم، فإن قتله لهم لم يكن ذلك قصاصا في حقهم ولا حق غيرهم، لأن لهم العدول عن القصاص إلى الدية فلم يجز أن يفوت عليهم حقهم منها ويصير الإمام ضامنا لدية المقتص منه، لأن قتله لم يكن قصاصا وهل تكون الدية على عاقلته أو في بيت المال؟ على ما مضى من القولين، وإن قتله لمن حضر أولياؤه عن أمرهم جاز وقد أساء بتقديمهم على من تقدمهم، وإن قتله بغير أمرهم كان على ما مضى من قتله في حق الصغير والمجنون والغائب.
وأما القسم الثاني: وهو أن يكون قد قتل الجماعة في حالة واحدة، فإن سلموا القود لأحدهم كان أحقهم به، ورجع الباقون بالديات في تركته، وإن تشاحوا فيه وطلب كل واحد أن يقاد يقاد بقتيله أقرع بينهم واختص بقتله من قرع منهم، ورجع الباقون بدياتهم في تركته، فإن بادر أحدهم فاقتص منه بقتيله من غير قرعة، فإن كان بأمر الإمام فقد أساء الإمام ولم يعزر المقتص، وإن كان بغير أمره عزر، وقد استوفي بالاقتصاص حقه ورجع الباقون بدياتهم في تركته، فإن ضاقت اقتسموها بينهم بالحصص من غير قرعة في التقدم، وإن كان للمقتص منه غرما ضربوا بديونهم مع أولياء المقتولين بدياتهم في التركة ليتوزعوها بينهم على قدر حقوقهم.
وأما القسم الثالث: وهو أن يشكل حال قتله لهم هل ترتبوا، أو اشتركوا؟ فهذا على ضربين: أحدهما: أن يعترف أولياء جميعهم بالإشكال، فيقال لهم: إن سلمتم القصاص لأحدكم كان أحقكم به وإن تشاححتم أقرع بينكم واقتص منه من قرع منكم.
والثاني: أن يختلفوا ويدعي كل واحد منهم أنه الأول، فإن كانت لأحدهم بينة عمل عليها، وإن عدموها رجع إلى الجاني القاتل، فإن اعترف بالتقدم لأحدهم كان أحقهم بالقصاص، وإن لم يعترف أقرع بينهم لنكافئهم، واختص بالقصاص من قرع منهم،

فلو شهد اثنان منهم بالتقدم لأحدهم قبلت شهادتهما؛ لأنهما غير متهمين فيها فإن ردت شهادتهما بجرح سقط حقهما من القصاص بالاعتراف به لغيرهما، والاعتبار بالتقدم أن يراعي وقت الموت لا وقت الجناية، فلو قطع يد زيد ثم قطع يد عمرو فمات عمرو ثم مات زيد استحق زيد القصاص في النفس دون زيد، لأن موته أسبق والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو قطع يد رجل وقتل آخر قطعت يده باليد وقتل بالنفس".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا قطع الجاني يد رجل، ثم قتل آخر قطعت يده للأول، وقتل الثاني.
وقال مالك: يقتل بالثاني ويدخل فيه القطع، لأن القتل أعم فاستوعب الحقين ولأن الغرض إفاتة نفسه والزيادة عليه ومثله ولأنه وجب عليه القطع في السرقة والقتل في الردة قتل بالردة ودخل فيه قطع السرقة، وكذلك في الجناية على اليد وعلى النفس، يجب أن يدخل قطع اليد في قتل النفس، وهذا خطأ لقول الله تعالى: ﴿وجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: 40] وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] فوجب أن يجازى بالأمرين، ويستوفي منه الحقان، ولأن القطع والقتل حقان لشخصين، فلم يجز أن يتداخلا كالديون وسائر الحقوق، ولأنه لما امتنع تداخلهما في الدية امتنع تداخلهما في القود، ولأن الخطأ أخف من العمد وهما لا يتداخلان في الخطأ فكان أولى أن لا يتداخلا في العمد فبطل به الاستدلال الأول، ولا يكون نكالا ومثله، لأنه جزاء فاجتماع قطع السرقة وقتل الردة فقد اختلف أصحابنا في تداخلهما على وجهين: أحدهما: لا يتداخلان ويستوفيان، فيقطع بالسرقة ويقطع بالردة.
والثاني: يتداخلان، لأنهما من حقوق الله تعالى، فجاز تداخلهما وحقوق الآدميين لا تتداخل، وهكذا اختلف أصحابنا فيمن زنا بكرا ثم زنا ثيبا، هل يدخل الجلد في الرجم مع اختلافهما في الحكم وارتفاقهما في الموجب على وجهين.
فصل: ولو ابتدأ الجاني فقتل رجلا، ثم قطع يد آخر اقتص من يده بالقطع، ثم من نفسه بالقتل ويقدم القطع وإن تأخر عن القتل وإن تقدم، بخلاف القتيلين في تقديم الأسبق فالأسبق؛ لأنه لا يمكن استيفاء القود في القتيلين، فقدم أسبقهما، ويمكن استيفاء القود

في اليد والنفس فربما على الوجه الذي يمكن استيفاؤهما.
ولو قدم القتل سقط القطع، وإذا قدم القطع لم يسقط القتل، فلذلك قدم القطع وإن تأخر على القتل وإن تقدم، ولكن مثال القتيلين من الأطراف أن يقطع طرفين متماثلين من اثنين مثل أن تقطع من رجل يمنى يديه ومن آخر يمنى يديه فلا يمكن استيفاء القصاص من اليد الواحدة، فيقدم الاقتصاص منها لأسبقهما كالقتلين لتعذر القصاص فإن عفا الأول اقتص منها للثاني.
فإن قيل فالمقتول كان كامل الأطراف، فوجب أن يقتص له من نفس كاملة الأطراف.
قيل: كمال النفوس لا يعتبر بكمال الأطراف، لأن القاتل لو كان كامل الأطراف والمقتول ناقص الأطراف قتل به مع كمال أطرافه ولو كان القاتل ناقص الأطراف والمقتول كامل الأطراف قتل به ولا شيء له في زيادة أطرافه، لأن دية النفس وإن نقصت أطرافها كدية النفس وإن كملت أطرافها.
فصل: وإذا ابتدأ الجاني فقطع إصبع رجل من يده اليمنى، وقطع من آخر يده اليمنى قدم القصاص في الإصبع لتقدم استحقاقه، فإن اقتص صاحب الإصبع منها اقتص بعده لصاحب اليد وقد اقتص من يد نقصت إصبعا بيده الكاملة فيرجع بعد القصاص على الجاني بدية إصبع وهي عشر الدية، وهذا بخلاف ما قدمناه من القصاص في النفس إذا نقصت أطرافها، لأن الكمال معتبر في تكافؤ الأطراف، وغير معتبر في تكافؤ النفوس؛ لأن دية الأطراف مساوية لدية النفس الكاملة الأطراف، فلو عفا صاحب الإصبع عن القصاص كان له ديتها وقطع لصاحب اليد، ولا شيء له سواه، لأنه قد استوفي القصاص في يد كاملة بيده الكاملة، ولو ترتب القطعان بالضد، فبدأ الجاني فقطع من رجل يده اليمنى ثم من آخر إصبعا من يده اليمنى قدم القصاص لصاحب اليد على القصاص لصاحب الإصبع لتقدم قطع اليد على قطع الإصبع اعتبارا بالأسبق.
فإن قيل: فهلا قدمتم القصاص في الإصبع، وإن تأخرت على القصاص في اليد ليستوفي به الحقان مما قدمتم القصاص في اليد، وإن تأخر على القصاص في النفس لاستيفاء الحقين؟ قيل: لما قدمناه من اعتبار الكمال في تكافؤ الأطراف وسقوط اعتباره في تكافؤ النفوس، وقد استحق صاحب اليد بكمال يده الاقتصاص من يد كاملة، فلم يجز أن يقتص له من يد ناقصة مع إمكان الاقتصاص منهما وهي كاملة، وإذا كان كذلك واقتص صاحب اليد سقط القصاص لصاحب الإصبع ورجع بديتها، وإن عفا صاحب اليد عن القصاص رجع بديتها واقتص لصاحب الإصبع، وهكذا قطع الأنملة من رجل وقطع تلك الإصبع من آخر يكون على قياس الإصبع مع الكف.

مسألة: قال المزني رحمه الله: "فإن مات المقطوعة يده الأول بعد أن اقتص من اليد فقياس قول الشافعي عندي أن لوليه أن يرجع بنصف الدية في مال قاطعه لأن المقطوع قد استوفي قبل موته ما فيه نصف الدية باقتصاصه به قاطعه".
قال في الحاوي: وصورتها: في رجل قطع يد رجل وقتال آخر فقطعت يده قصاصا للأول، وقتل قودا للثاني ثم مات الأول من سراية يده، صار القطع قتلا وقد فات القود في النفس بالقود الثاني فوجب للمقطوع دية نفسه بسراية القطع إليها، وقد أخذ بالاقتصاص من يده ما يقابل نصف دية نفسه، فوجب أن يرجع وليه في تركه الجاني بنصفها ليصير مستوفيا بالقطع والأخذ بما يقابل جميع دية النفس، ولو كان الجاني قطع من الأول إحدى أصابعه وقتل آخر فاقتص للأول من إصبعه، وقتل للثاني ثم مات الأول من سراية إصبعه كان لوليه أن يرجع في تركة الجاني تسعة أعشار دينه لأنه قد استوفي بقطع الإصبع عشرها، فصار مستوفيا لجميع الدية ولو كان الجاني قطع يدي رجل ثم قتل آخر فقطعت يداه للأول وقتل للثاني ثم سرت يد المقطوع إلى نفسه فمات فلا شيء لوليه، لأنه قد استوفي بقطع اليد كمال الدية، لأن في اليدين جميع الدية.
فصل: وإذا قطع إحدى يدي رجل فاقتص منها ثم سرت إلى نفسه فمات كان لوليه أن يقتص من نفس القاطع؛ لأن القطع صار قتلا، فإن عفا عن القود في النفس، إلى الدية كان له الرجوع بنصف الدية، لأنه قد استوفي بقطع اليد ما يقابل نصف الدية، فصار مستوفيا لجميع الدية، ولو كان المقطوع يده، أخذ دية ولم يقتص ثم سرى القطع إلى نفسه فمات سقط القود في النفس، لأن عدوله إلى دية القطع عفو عن القود في النفس، ولو قطع يد رجل فاقتص منهما ثم سرى القطع إلى نفسه فمات، كان لوليه القصاص في النفس، فإن عفا إلى الدية لم يستحقها، لأنه يقطع اليدين قد استوفاهما، وهذا موضع يجب فيه القود ولا تجب فيه الدية، وهو نادر.
ولو كان المقطوع أخذ دية يده ثم سرت إلى نفسه لم يكن لوليه قود ولا دية، لسقوط القود بدية القطع واستيفاء دية النفس بدية اليدين.
فصل: ولو قطع إحدى يدي رجل فأخذ المقطوع ديتها نصف الدية ثم عاد الجاني إليه فقتله قبل اندمال يده ففيما يلزمه بقتله ثلاثة أوجه حكاهما ابن أبي هريرة: أحدها: وهو ظاهر مذهب الشافعي أنه لا قود عليه في النفس لأخذه نصف الدية

في قطع اليد، ويرجع وليه بنصف الدية، وهو الباقي من دية النفس.
والثاني: وهو قول ابن سريج عليه القود في النفس، فإن عفا عنه، فعليه جميع دية النفس وجعل جناية الواحد كجناية الاثنين.
والثالث: وهو قول ابن علي بن أبي هريرة عليه القود في النفس، ولا يلزمه إن عفا عن القود إلا نصف الدية، لأن النفس لا تكون تبعا للأعضاء فلم يوجب سقوط القود في اليد سقوطه في النفس، ولم يستحق إلا نصف الدية، لأنه قد أخذ ما فيه نصفها.
فصل: إذا قطع نصراني يد مسلم فاقتص المسلم من النصراني ثم مات المسلم من سراية القطع كان لوليه أن يقتص من نفس النصراني، لأن القطع قد صار بالسراية نفسا، فإن عفا عن القصاص في النفس كان فيما يرجع به على النصراني وجهان: أحدهما: يرجع عليه بخمسة أسداس الدية، لأن دية المسلم اثنا عشر ألف درهم ودية النصراني ثلثها أربعة آلاف درهم وقد اقتص من إحدى يديه بنصفها وهو ألفا درهم، وقدرهما سدس دية المسلم، فصار الباقي له خمسة أسداسها.
والثاني: وهو أشبه أن يرجع النصراني بنصف الدية لأنه لما رضي المسلم أن يأخذ النصراني بيده ودية اليد نصف دية النفس صار الباقي له نصف الدية ألا تراه لو ابتدأ النصراني بقتل المسلم فرضي وليه أن يقتص منه كانت نفسه بنفس المسلم ولم يرجع وليه بفاضل ديته، كذلك في اليد، ولو كان النصراني قطع يدي المسلم فاقتص المسلم منها ثم مات المسلم كان لوليه القصاص في النفس فإن عفا عنه إلى الدية كان على الوجهين أيضا: أحدهما: يرجع عليه بثلثي الدية؛ لأنه قد أخذ منها باليدين دية نصراني قدرها أربعة آلاف درهم وذلك ثلث دية المسلم فبقي له ثلثاها.
والثاني: أنه لا شيء له عليه، لأن في يدي النصراني دية نفسه فصار في الاقتصاص منها كالمقتص من نفسه، وعلى هذين الوجهين لو قطعت امرأة يد رجل فاقتص منها ثم مات الرجل كان لوليه أن يقتص من نفس المرأة، فإن فعا عنها إلى الدية رجع عليها في الوجه الأول بثلاثة أرباع الدية، لأن دية المرأة نصف دية الرجل وقد أخذ بيدها نصف ديتها وهي ربع دية الرجل فبقي له ثلاثة أرباعها.
وعلى الوجه الثاني: يرجع عليها بنصف الدية، لأنه قد أخذ باليد نصف الدية، والديتان مع تفاضلهما يتماثلان في القصاص، ولو قطعت المرأة يدي الرجل فاقتص منها ثم مات: فعلى الوجه الأول يرجع وليه عليها إن لم يقتص من نفسها بنصف الدية، ولا يرجع عليها في الوجه الثاني بشيء لاقتصاصه من يدين يجب فيها دية النفس.

فصل: سراية الجناية مضمونة على الجاني، وسراية القصاص غير مضمونة على المقتص فإذا قطع رجل يد رجل فاقتص المجني عليه من الجاني، ثم مات المجني عليه من القطع، كانت نفسه مضمونة على الجاني، ولو مات الجاني من القصاص كانت نفسه هدرا لا يضمنها المقتص.
وقال أبو حنيفة: سراية القصاص مضمونة على المقتص كما أن سراية الجناية مضمونة على الجاني، فإذا مات الجاني مع سراية القصاص ضمن المقتص جميع دية نفسه على عاقلته، استدلالا بأن ما حدث عن المباشرة كان مضمونا على المباشر كالجاني.
ولأن القصاص مباح وليس بلازم لتخيير وليه بين فعله وتركه كضرب الرجل لزوجته والأب لولده، ثم ثبت أن ما حدث من التلف عن ضرب الزوج والأب مضمون عليهما كذلك ما حدث عن القصاص يجب أن يكون مضمونا على المقتص.
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿ولَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ (41)﴾ [الشورى:41] وروي عن عمر وعلي رضي الله عنهما أنهما قالا: "من مات من حد أو قصاص فلا دية له الحق قتله" وليس لهما مخالف فصار إجماعا، ولأن ما استحق قطعه بالنص لم يضمن سرايته كالسرقة، ولأن السراية معتبرة بأصلها فإن كان مضمونا لحظره ضمنت سرايته، وإن كان هدرا لإباحته لم يضمن سرايته اعتبارا بالمستقر في أصول الشرع بأن من أوفد نارا في ملكه فتعدت إلى جاره، أو أجرى الماء في أرضه فجري إلى أرض غيره لم يضمن، ولو أوقد النار في غير ملكه وأجرى الماء في غير أرضه ضمن بتعديهما، ولو حفر بئرا في ملكه لم يضمن ما سقط فيها ولو حفرها في غير ملكه ضمن ما سقط فيها كذلك سراية القصاص عن مباح فلم يضمن وسراية الجناية عن محظور فضمنت، وهذا دليل وانفصال عن الجمع بين السرايتين، وما ذكره من ضرب الزوج والأب فالفرق بينه وبين القصاص تقدير القصاص بالشرع نصا، فلم يضمن والضرب عن اجتهاد فضمن، كما لا يضمن ما حدث عن جلد الزاني ويضمن ضرب التعزير.
فصل: إذا قطع رجل يد رجل فاقتص المجني عليه من الجاني ثم سرى القطعان إلى النفس، فمات المجني عليه ومات الجاني فهذا على ضربين: أحدهما: أن يتقدم موت المجني عليه على موت الجاني، فيجزي قطع القصاص وسرايته عن قطع الجاني وسرايته؛ لأنه لما قامت السراية في الجناية مقام المباشرة وجب أن تقوم السراية في القصاص مقام المباشرة؛ لأن المستحق على الجاني أخذ نفسه وقد أخذها ولي المجني عليه بسراية قوده، هذا ما قاله أصحابنا وعندي فيه نظر؛ لأن سراية المجني عليه غير مضمونة، فلم يجز أن يستوفي بها سراية الجاني وهي مضمونة.

والثاني: أن يكون موت الجاني قبل موت المجني عليه، ففيه وجهان: أحدهما: لا يجزي ما تقدم من سراية القصاص في القود عما حدث بعده من سراية الجناية؛ لأن تقديم القصاص من قبل استحقاقه لا يجزي بعد استحقاقه؛ لأن يصير سلفا، والسلف في القصاص لا يجوز فعلى هذا يؤخذ من تركة الجاني نصف الدية.
والثاني: أنه تجزي سراية القصاص وإن تقدمت عما وجب بالسراية عن الجناية وإن تأخرت لأن كل واحدة من السرايتين تابعة لأصلها، وقطع القصاص متأخر، فجرى على ما تقدم من سرايته حكم المتأخر، والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله: "ولو قتله عمدا ومعه صبي أو معتوه أو كان حر وعبد قتلا عبدا أو مسلم ونصراني قتلا نصرانيا أو قتل ابنه ومعه أجنبي فعلى الذي عليه القصاص القصاص وعلى الآخر نصف الدية في ماله وعقوبة إن كان الضرب عمدا.
قال المزني رحمه الله: وشبه الشافعي أخذ القود من البالغ دون الصبي بالقاتلين عمدا يعفو الولي عن أحدهما إن له قتل الآخر.
فإن قيل: وجب عليهما القود فزال عن أحدهما بإزالة الولي قيل فإذا أزاله الولي عنه أزاله عن الآخر فإن قال لا قيل فعلهما واحد فقد حكمت لكل واحد منهما بحكم نفسه لا بحكم غيره.
قال: فإن شركه قاتل خطأ فعلى العامد نصف الدية في ماله وجناية المخطئ على عاقلته واحتج على محمد بن الحسن في منع القود من العامد إذا شاركه صبي أو مجنون فقال: إن كنت رفعت عنه القود لأن القلم عنهما مرفوع وإن عمدهما خطأ على عاقلتهما فهلا أقدت من الأجنبي إذا قتل عمدا مع الأب لأن القلم عن الأب ليس بمرفوع وهذا ترك أصلك.
قال المزني رحمه الله: قد شرك الشافعي رحمه الله محمد بن الحسن فيما أنكر عليه في هذه المسألة لأن رفع القصاص عن الخاطئ والمجنون والصبي واحد فكذلك حكم من شاركهم بالعمد واحد".
قال في الحاوي: إذا اشترك اثنان في قتل نفس لم يخل حالهما من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون كل واحد منهما لو انفرد بقتله قتل به كحرين قتلا حرا أو عبدين قتلا عبدا، أو كافرين قتلا كافرا، فعليهما إذا اشتركا في قتله القود، لأن كل واحد منهما لو انفرد بقتله وجب عليه القود.
والثاني: أن يكون كل واحد منهما لو انفرد بقتله لم يجب عليه القود، كحرين قتلا عبدا، أو مسلمين قتلا كافرا، فلا قود عليهما إذا اشتركا لسقوط القود عن كل واحد منهما إذا انفرد.

والثالث: أن يجب القود على أحدهما لو انفرد، ولا يجب على الآخر إذا انفرد، فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون سقوط القود عنه لو انفرد لمعنى في نفسه، كالأب إذا شارك أجنبيا في قتل ولده، وكالحر إذا شارك عبدا في قتل عبده، وكالمسلم إذا شارك كافرا في قتل كافر، فيسقط القود عنه لمعنى في نفسه لا في فعله.
والثاني: أن يكون سقوط القود عنه لو انفرد لمعنى في فعله كالخاطئ إذا شارك عاملا في القتل أو تعمد الخطأ إذا شارك عمدا محضا فيسقط القود عنه لمعنى في فعله لا في نفسه، فاختلف الفقهاء في شريك من سقط عنه القود بأحد هذين الضربين، هل توجب الشركة سقوط القد عنه بسقوطها عن شريكه أم لا؟ على ثلاثة مذاهب: أحدهما: وهو مذهب مالك، أنه لا يسقط القود عنه بسقوطه عن شريكه، سواء كان سقوط القود عنه لمعنى في نفسه كالأب إذا شارك أجنبيا، أو لمعنى في فعله كالخاطئ إذا شارك عامدا.
والثاني: وهو مذهب أبي حنيفة أنه يسقط القود عنه لسقوطه عن شريكه، سواء سقط القود عنه لمعنى في نفسه كالأب إذا شارك أجنبيا أو لمعنى في فعله كالخاطئ إذا شارك عامدا.
والثالث: وهو مذهب الشافعي أنه إذا شارك من سقط القود عنه لمعنى في نفسه كالأب إذا شارك أجنبيا لم يسقط القود عن الأجنبي، وإن شارك من سقط عنه القود لمعنى في فعله كالخاطئ إذا شارك عامدا لم يجب القود على العامد، فصار الخلاف مع مالك في شريك الخاطئ، عنده يقتل، وعند الشافعي لا يقتل، ومع أبي حنيفة في شريك الأب عند أبي حنيفة لا يقتل، وعند الشافعي يقتل.
فأما مالك فاستدل على أن شريك الخاطئ يقتل، بأن كل من وجب عليه القود إذا انفرد وجب عليه القود إذا شارك فمن ليس عليه قود، كشريك الأب، ولأنه لو جاز أن يتعدى حكم الخاطئ إلى العامد في سقوط القود لجاز أن يتعدى حكم العامد إلى الخاطئ في وجوب القود، ولأنه لما لم يتغير حكم الدية بمشاركة الخاطئ لم يتغير بها حكم القود.
والدليل على أن شريك الخاطئ لا يقتل قول النبي صلي الله عليه وسلم: " ألا إن في قتيل العمد الخطأ قتيل السوط والعصا مائة من الإبل مغلظة" وهذا القتيل قد اجتمع فيه عمد وخطأ، فوجب أن يستحق فيه الدية دون القود، ولأنها نفس خرجت بعدم أو خطأ، فوجب أن يسقط فيها القود، كما لو جرحه الواحد عمدا أو جرحه خطأ؟ ولأنه إذا اجتمع في النفس موجب ومسقط يغلب حكم المسقط على حكم الموجب، كالحر إذا قتل من نصفه مملوك ونصفه حر، ولأن سقوط القود في الخطأ يجري في حق القاتل مجرى عفو بعد الأولياء وسقوطه عن الأب يجري مجرى العفو عن أحد القاتلين، وعفو بعض الأولياء يوجب

سقوط القود في حق من بقي من الأولياء والعفو عن أحد القتلة لا يوجب سقوط القود عمن بقي من القتلة، وهذا دليل وانفصال عن جميعه بين الأمرين: وقوله: "لو تعدى الخطأ إلى العمد لتعدي العمد إلى الخطأ" فهو خطأ بما ذكرناه، وأن اجتماع الإيجاب والإسقاط يقتضي تغليب حكم الإسقاط على الإيجاب.
وقوله: "لما لم يتغير حكم الدية لم يتغير حكم القود" ليس بصحيح، لأن الدية تتبعض والقود لا يتبعض.
فإذا ثبت سقوط القود عن العامد لسقوطه عن الخاطئ فعلى العامد نصف الدية مغلظة حالة في ماله، وعلى عاقلة الخاطئ نصف الدية مخفضة إلى أجلها.
فصل: وأما أبو حنيفة فاستدل على أن شريك الأب لا يقتل بأنه شارك من لم يجب عليه القود، فوجب أن يسقط عنه القود كشريك الخاطئ، ولأن مشاركة الأب كمشاركة المقتول ثم ثبت أن المقتول لو شارك قاتله لسقط عنه القود، كذلك الأب إذا شارك الأجنبي وجب أن يسقط عنه القود.
والدليل على أن شرك الأب يقتل عموم قوله تعالى: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: 33] ولأنها نفس مضمونة خرجت بعمد محض، فلم يكن سقوط القود عن أحد القاتلين موجبا لسقوطه عن الآخر، كالعفو عن أحدهما لا يوجب سقوط القود عن أحد القاتلين موجبا لسقوطه عن الآخر، كالعفو عن أحدهما لا يوجب سقوط القود عنهما، ولأنه لما لم يتغير حكم الأب بمشاركة الأجنبي في وجوب القود عليه لم يتغير حكم الأجنبي بمشاركة الأب في سقوط القود عنه.
فأما الجواب عن قياسه على الخاطئ فهو أن سقوطه عن الخاطئ لمعنى في فعله، وقد امتزج الفعلان في السراية فلم يتميزا، وسقوطه عن الأب لمعنى في نفسه وقد تميز القاتلان فلم يستويا، وجمعه بين شركة الأب وشركة المقتول ففيه قولان: أحدهما: أن شريك المقتول، فعلى هذا يسقط الاستدلال.
والثاني: وهو الأصح لا يقتل، وإن قتل شريك الأب، لأن شركة المقتول إبراء وليست شركة الأب إبراء.
فصل: فأما البالغ العاقل إذا شارك في القتل صغيرا أو مجنونا، فإن كان قتل الصبي والمجنون على صفة الخطأ فلا قود على شريكه، لأنه لو كان الخطأ من بالغ عاقل سقط به القود عن العامد، فكان أولى أن يسقط به غير الصغير والمجنون، وإن كان قتل الصغير والمجنون على صفة العمد، فقد اختلف قول الشافعي في عمدهما هل يكون عمدا أو خطأ؟ على قولين:

أحدهما: وهو قول أبي حنيفة أن عمدها خطأ لقول النبي صلي الله عليه وسلم: " رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يحتلم" ولأنه لو كان عمدا لتعلق به القود والمأثم، وبسقوطهما عنه يجري عليه حكم الخطأ، فعلى هذا لا قود في العمد على البالغ العاقل إذا شاركهما، وعليه نصف الدية حالة في ماله، وعليهما نصف دية الخطأ مخففة على عواقلهما.
والثاني: أن عمدها عمد، لأنهما قد يميزان مضارهما من منافعهما، ولأن النبي صلي الله عليه وسلم قد جعل للصبي تمييزا في اختيار الأبوين، وقدمه للصلاة إماما، ولأنه لما كان عمده للأكل في الصيام عمدا وعمد المجنون خطأ لكان الفرق بينهما أشبه، لأن العبادات تصح من الصبي، ولا تصح من المجنون، لكن القول في الجمع بينهما مطلق فأطلقناه مع الفرق الذي أراه، فعلى هذا يجب على العامد إذا شاركهما في القتل القود بخروج النفس بعمد محض، ولا قود عليهما، لأن ما تعلق بالأبدان ساقط عنهما، وعليهما نصف الدية مغلظة حالة من أموالهما، لأن ما تعلق بالأموال واجب عليها، فصار سقوط القود وعنهما على القول الأول لمعنى في فعلهما فلذلك سقط القود عمن شاركهما، وسقوطه عنهما على القول الثاني معنى في أنفسهما، فلذلك وجب القود على من شاركهما.
فصل: فأما العامد إذا شارك في القتل سبعا أو ذئبا أو نمرا لم يخل حال الرجل العامد، ومن شاركه من سبع أو ذئب من أربعة أقسام: أحدها: أن يكون الرجل موجئا والسبع جارحا، فعلى الرجل القود، فإن عفا عنه إلى الدية فعليه جميعها.
والثاني: أن يكون الرجل جارحا والسبع موجئا، فينظر، فإن تقدمت توجئة السبع، فلا ضمان على الرجل من قود ولا أرش، وإن تقدمت جراحة الرجل ضمن الجراحة وخدها بقودها أو أرشها.
والثالث: أن يكونا موجئين فينظر، فإن تقدمت توجئة السبع، فلا ضمان على الرجل من قود ولا أرش، وإن تقدمت توجئة الرجل فعليه القود أو جميع الدية.
والرابع: أن يكونا جارحين يجوز أن يموت من كل واحد منهما ويجوز أن يعيش، ففي وجوب القود على الرجل قولان: أحدهما: وهو أظهرهما، عليه القود لخروج النفس بالعمد.
والثاني: لا قود عليه، لأنه لا تمييز للسبع، فصار كاشتراك العمد والخطأ، وهكذا مشاركته للحية إذا نهشت يكون في وجوب القود عليه قولان: أحدهما: تجب.
والثاني: لا تجب، وعليه نصف الدية حالة في ماله.

فصل: وإذا اشترك في قتل العبد سيده وعبد آخر فلا ضمان على السيد من قود ولا قيمة، وفي وجوب القود على العبد المشارك له قولان، بناء على شريك السبع، لأن فعل السيد غير مضمون، كما كان فعل السبع غير مضمون.
أحدهما: يجب عليه القود لخروج النفس بعمد محض.
والثاني: لا قود عليه لمشاركة من لا ضمان عليه، وهكذا لو أن مسلما جرح رتدا ثم أسلم فجرحه مسلم آخر ومات فلا قود على الأول، لأن جرحه في الردة غير مضمون، وفي وجوب القود على الثاني قولان؛ لأن شارك من لم يضمن: أحدهما: يقاد منه.
والثاني: لا قود عليه، وعليه نصف الدية، وعلى هذا لو أن رجلا قطعت يده قودا وقطع آخر يده الأخرى ظلما ومات المقطوع، فقد خرجت لنفس عن قصاص مباح وظلم محظور، ففي وجوب القصاص على ظالمه بالقطع قولان: أحدهما: يقتص من نفسه.
والثاني: لا يقتص من نفسه، وعليه نصف الدية، فإن أراد أن يقتص من اليد وجب له على القولين معا.
فصل: فأما كلام المزني فيشتمل على فصلين: أحدهما: ما حكاه عن الشافعي في مناظرته لمحمد بن الحسن في شريك الصبي، لم أسقط عنه القود؟ فقال محمد بن الحسن: لأن القلم عنه مرفوع، فأجابه الشافعي: بأن شريك الأب لا قود عليه عندك، وليس القلم مرفوعا عن الأب، فأبطل عليه تعليله بارتفاع القلم.
قال أصحاب أبي حنيفة: لا يلزم محمد بن الحسن هذه لمناقضة، لأنها نقيض العكس دون الطرد، والنقيض إنما يلزم في الطرد بأن توجد العلة ولا حكم، ولا يلزم في العكس بأن يوجد الحكم ولا علة فعنه جوابان: أحدهما: أن من مذهبهم نقض العلة بطردها وعكسها، فألزمهم الشافعي على مذهبهم.
والثاني: أن التعليل إذا كان لعين انتقض بإيجاد العلة ولا حكم، ولا ينتقض بإيجاد الحكم ولا علة، وإن كان التعليل لجنس انتقض بإيجاد العلة ولا بإيجاد الحكم ولا علة، وتعليل محمد بن الحسن قد كان للجنس دون العين، فصح انتفاضه بكلا الأمرين.
والفصل الثاني: من كلام المزني أن اعترض به على الشافعي فقال قد شارك محمد بن الحسن فيما أنكر عليه، لأنه رفع القصاص عن الخاطئ حتى أسقط به القود

من العامد, ورفع القصاص عن الصبي ولم يسقط به القود عن البالغ, وهذا الاعتراض وهم من المنزي, لأن الشافعي حمل ذلك على اختلاف قوليه في عمد الصبي هل يكون عمدا أو خطأ, فجعله في أحد قوليه عما فلم يسقط به القود عن البالغ إذا شاركه لوجود الشبهة في الفاعل دون الفعل, بخلاف الخاطيء وإن جعل عمده في القول الثاني خطأ سقط به القود عن البالغ لوجود الشبهة في القتل دون الفاعل كالخاطيء, فكان اعتراضه زللا, والله أعلم بالصواب.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله: "ولو قتل أحد الوليين القاتل بغير أمر صاحبه ففيهما قولان أحدهما لا قصاص بحال للشبهة قال الله تعالى: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ يحتمل أي ولي قتل كان أحق بالقتل وهو مذهب أكثر أهل المدينة ينزلونه منزلة الحد لهم عن أبيهم إن عفو إلا واحدا كان له أن يحده.
قال الشافعي رحمه الله: وإن كان ممن لا يجهل عزر وقيل للولاة معه لكم حصصكم والقول من أين يأخذونها واحد من قولين أحدهما أنها لهم من مال قاتل المقتول على قاتل صاحبهم بحصة الورثة معه من الدية.
والقول الثاني في حصصهم أنهم لهم في مال أخيهم القاتل قاتل أبيهم لأن الدية إنما كانت تلزمه لو كان لم يقتله ولي فإذا قتله ولي فلا يجتمع عليه القتل والغرم.
والقول الثاني: أن على من قت من الأولياء قاتل أبيه القصاص حتى يجتمعوا على القتل.
قال المزني رحمه الله: وأصل قوله إن القاتل لو مات كانت الدية في ماله.
قال المزني رحمه الله: وليس تعدي أخيه بمبطل حقه ولا بمزيله عمن هو عليه ولا قود للشبهة".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن القود لا يستحقه الأولياء إلا باجتماعهم عليه, وأن ليس لأحدهم أن ينفرد به, فإن بادر أحد الوليين فقتل القاتل انقسمت حاله فيه ثلاثة أقسام: أحدهما: أن يكون عن إذن أخيه وشريكه فيه, فلا يكون بقتله متعديا, وقد استوفي القود في حقهما.
والثاني: أن يكون بعد عفو أخيه وعلمه بعفوه فهو متعد بهذا القتل, والصحيح أن عليه القود لسقوطه في حقهما بعفو أحدهما.
والثالث: أن لا يكون من أخيه إذن ولا عفو, فهذا على ثلاثة أقسام: أحدهما: أن يحكم له الحاكم بالقود, فالصحيح أن لا قود عليه لنفوذ حكمه بمختلف فيه.

والثاني: أن يحكم عليه الحاكم بالمنع من القود, فالصحيح أن عليه القود لنفوذ حكمه برفع الشبهة فيه.
والثالث: أن لا يكون من الحاكم فيه حكم بتمكين ولا منع, ففي وجوب القود عليه قولان منصوصان: أحدهما: لا يجب عليه القود, وهو مذهب أبي حنيفة لأمرين: أحدهما: إنه شريك في استحقاق النفس التي قتلها فوجب أن تكون الشركة شبهة في سقوط القود عنه كالأمة بين شريكين, إذا وطئها أحدهما سقط الحد عنه لشبهة الشركة.
والثاني: أنه لما قتل نفسا استحق بعضها لم يجز أن يقاد من نفسه التي لم يستحق بعضها, لعدم التكافؤ كما لا يقاد الحر بمن تصفه عبد ونصفه حر.
والقول الثاني: يجب عليه القود, وإن كان شريكا لأمرين: أحدهما: أن القود يجب في قتل بعض النفس كما يجب في قتل جميعها, لأن الشريكين في القتل يقاد كل واحد منهما, وهو متلف لبعض النفس, كما يقاد به إذا انفرد بقتله, كذلك هذا الشريك قد صار قائلا لبعض النفس بعد استحقاق بعضها فوجب عليه القود.
والثاني: أن استحقاقه لبعض النفس كاستحقاقه للقود من بعض الحسد, ثم ثبت أنه لو استحق القود من بعض الجسد فقتله وجب عليه القود, كذلك إذا استحق بعض نفسه فقتله وجب عليه القود, وقد خرج من هذين القولين قول فيما ذكرنا صحة حكمه من الأقسام المتقدمة إيجابا وإسقاطا.
فصل: فإذا تقرر توجيه القولين تفرع الحكم عليهما, فإذا قبل بالقول الأول, أنه لا قود على الولي القاتل, وهو اختيار المزني فعليه الدية وقد سقط عنه نصفها, وهو ما استحقه من دية أبيه إذا جعل الين المتماثل قصاصا, وبقي عليه نصف دية قاتل أبيه, وبقي لأخيه نصف دية أبيه, وفي انتقال حقه من هذا النصف عن قاتل أبيه إلي أخيه القاتل قولان منصوصان: أحدهما: وهو اختيار المزني أنها لا تنتقل ويرجع الأخ بحقه من نصف الدية في تركة قاتل أبيه, ويرجع ورثة قاتل الأب بنصف الدية على الأخ القاتل, وإنما لما ينتقل حق الأخ الذي ليس بقاتل إلي الأخ القاتل, لأنه حقه على قاتل أبيه, فلم ينتقل إلي قاتله كما لو قاتله غير أخيه, فعلى هذا لو أبرأ ورثة قاتل الأب للأخ القاتل بريء, ولو أبرأه أخوه لم يبرأ, لأن ما عبيه من الدية مستحق لورثه قاتل أبيه دون أخيه, ولو أبرخ الأخ ورثة قاتل

جارٍ التحميل