بحر المذهب للرويانيصفحات 386-1

كتاب مختصر المكاتب

صفحات 386-1

الفصل يعني إذا كاتب عبدًا على دراهم ثم أبرأه من دنانير أو كاتبه على دنانير ثم أبرأه عن دراهم لا يصح الإبراء بهذا الإطلاق لأنه أبرأه عما لا يستحقه فصار كما لو كان له على عمرو حق فأبرأه زيدًا منه، ولو أبرأه من ألف درهم وله عليه دنانير، ثم قال: أردت بذلك دنانير قيمتها ألف درهم قبل ذلك وبرئت ذمته عن القدر الذي أراده لأنه إبراء عما يستحقه كما لو قال: على ألف درهم إلا قفيز حنطة، وقال: أردت إلا دراهم بقيمة قفيز حنطة يقبل ذلك، ويكون مستثنيًا القيمة بالقفيز من ألف درهم، كذلك ههنا [147/ ب] ذكره أبو إسحاق.
واعلم أن الشافعي رضي الله عنه علل في مسألة الكتاب، فقال: لم يجز لأنه استيفاء، فهذه العلة مشكلة، وذلك أنه لو استوفى بدل الدنانير دراهم جاز، فكيف منع الجواز؟ فقال: لأنه استيفاء، وإزالة هذا الإشكال بأن يقال: أراد لأنه كالاستيفاء، ولو بطل الاستيفاء الذي ظننا أنه استيفاء صحيح لم يعتق كذلك إذا بطل الوضع الذي ظننا أنه أبراءٌ صحيح لم يعتق.
فزع لو اختلفا، فقال السيد في اللفظ المطلق: أردت به الدراهم، وقال المكاتب: بل أردت قيمة الدراهم من الدنانير، فالقول قول السيد لأنه اختلاف في إرادته، وهو أعلم بذلك، وهكذا لو مات السيد، واختلف المكاتب وورثة السيد فيما ذكرنا، فالقول قول الورثة لأنهم يقومون مقامة، فإن لم يحلف السيد أو الورثة على العلم بإرادة الميت ترد اليمين إلى المكاتب، فإذا حلف حكم به، وهكذا لو أوصي أن يوضع عنه كذا، وهو غير ما وجب عليه، فالوصية باطلة إلا أن يريد: ضعوا بقدر هذه الدنانير من الدراهم التي عليه فيصح.
فزع آخر مسألة: ولو قال: «قد استوفيت آخر كتابتك إن شاء الله أو إن شاء فلان لم يجز».
قد بينا فيما مضي أن الاستثناء يبطل الأقارير والعقود كلها، وقال ههنا: إذا قال: استوفيت إن شاء الله، أو إن شاء فلان لم يجز ولم يكن بهذا إقرارًا لأنه استثناءٌ، قال أبو إسحاق: أما قوله: إن شاء الله استثناء لأنه يستوفي إن شاء الله.
[148/ أ] فأما قوله: إن شاء فلان، فليس باستثناء، وإنما هو كلام محال لأن بمشيئة زيدٍ لا يصير مستوفيًا فلفظ الاستثناء في أحد المشيئتين صحيح دون الآخر، وهكذا ذكر صاحب «الإفصاح»، فقال: إن مشيئة الله تعالى فيما يستقبل، فأما ما دفع فقد سبقت المشيئة

فمعناه، استوفيه إن شاء الله، فأما مشيئة زيد فلا يتعلق بها الاستيفاء في الماضي، ولا في المستقبل، وقال القاضي أبو حامد: كل ذلك ليس باستثناء عند العرب لأن الاستثناء عند العرب لا يجوز فيما مضي من الأفعال، وفي الدائم إنما يجوز في المستقبل، ومعني قول الشافعي: لأنه استثناء أراد أن هذا التقييد يزيل إطلاق القول بالاستثناء ويقول مقام الاستثناء، وهذا صحيح لأن الشافعي قد جعله استثناء فيهما، وقول أبي إسحاق: يؤدي تخطئة الشافعي في قوله.
فإن قال قائل: هو يرده إلى أحد المسألتين، وهي إذا قال: إن شاء الله قلنا: قد قال الشافعي في «الأم»: لو قال قد استوفيت آخر كتابتك إن شئت لم يكن استثناء لأنه استثناء، فدل على أن تقديره: أن هذا التقييد بمنزلة الاستثناء.
فرع قال في «الأم»: ولو قال: وضعت عنك كتابتي كلها إلا دينارًا، أو عشرة دنانير كان بريئًا من الكتابة إلا ما استثني ولا يعتق إلا بالبراءة من آخر الكتابة.
فرع آخر قال: ولو وضع من كتابته شيئًا ثم اختلف هو والمكاتب فقال السيد: وضعت من آخر الكتابة، وقال المكاتب بل مما حل منها، فالقول قول السيد، فإن مات السيد، فالقول قول الورثة، فإن كانوا [148/ ب] صغارًا لا يعربون عن أنفسهم ألزم الحاكم المكاتب أن الموضوع من آخر الكتابة لأنه لا يجوز أن يضع إلا ما يحيط العلم بأنه وضع عنه.
فزع آخر قال: ولو شهد شاهدان للمكاتب أن سيده قال: قد استوفيت منه، أو قال السيد: أليس قد استوفيت، فقال: بلي كان القول قول السيد أنه استوفى منه ما حل من نجومه، وإن ادعي المكاتب أنه أراد آخر النجوم فعليه البينة، فإن قال لم يوفيني إلا درهمًا واحدًا كان القول قوله مع يمينه، وقول الورثة إن مات لأن المكاتب عبد حتى يشهد الشهود أنه قد أوفاه جميع كتابته.
فرع آخر لو شهد الشهود أنه قال: قد استوفيت آخر كتابتك ولم يزد على ذلك فالقول قول السيد، فيما بقي من كتابته في حياته وورثته بعده لأنه يحتمل أنه أراد بقوله آخر كتابتك مما حل عليك فوجب الرجوع إلى بيانه.

باب الوصية للعبد أن يكاتب

مسألة: قال: «ولو أوصي أن يكاتب عبدًا له».
الفصل صورة المسألة: أن يوصي رجل بكتابة عبد له فالوصية تصح، ويعتبر خروج قيمة العبد الموصي بكتابته من الثلث، لأن إخراج الرقبة من ملكه بغير عوضٍ على ما بيناه، ثم ينظر فإن لم يكن أوصي إلا بالكتابة وحدها، فالثلث مصروف إليها، فإن كان أوصي بالكتابة وبأشياء آخر من هبة ووصية ومال أو محاباة، فهل تقدم الكتابة على غيرها أم يسوي بين الجميع لأن المسألة مبنية على أصل وهي أن الرجل إذا أوصي بوصايا في جملتها عتق هل يسوي الجميع أم يقدم العتق [149/ أ] قولان، فإذا أوصي بالكتابة، قال الشافعي: حاص أهل الوصايا وهذا يقتضي التسوية بين الكتابة وغيرها، واختلف أصحابنا في المسألة على طريقين، منهم من قال: فيه قولان أيضًا، كالعتق سواءً لأن الكتابة تتضمن العتق، والشافعي ذكر ههنا أحد القولين، ومنهم من قال: يسوي بين الكتابة وغيرها على ما نص عليه قولًا واحدًا لأن الكتابة معاوضة تجري مجري المعاوضات، ولو أوصي فيه ببيع فيه محاباة سوى بينه وبين غيره كذلك الكتابة، ويفارق العتق لأن له مزية، وهي السراية، فقدم بخلاف الكتابة.
فإذا تقرر هذا فإذا أوصي بالكتابة وحدها، أو بها وبغيرها، وقلنا: إنها تقدم، فإن الثلث كله يتوفر على الكتابة، فإن احتمل الثلث قيمة العبد كوتب وتجبر الورثة على ذلك، ثم ينظر في العبد، فإن لم يختر الكتابة لم يجبر عليها، فإن بعد ذلك بطلت الوصية ولم يجب إليها لأن حقه قد سقط بامتناعه، وإن اختار الكتابة وطلبها فبكم يكاتب لا يخلو إما أن يكون الموصي أطلق الوصية ولم يقدر ما يكاتب عليه، أو قدر ذلك، فإن أطلق فإنه يكاتب على ما جرت العادة بكتابة مثله عليه، ولا يعتبر قيمته فيه لأن الكتابة لا تصح إلا إلى أجلين، والأجل يأخذه قسطًا من العوض فينقص منه لدخوله ويزاد فيه لسقوطه، وإن قدر ما يكاتب عليه كوتب على ذلك القدر لا يزاد عليه، فإن كوتب فأدي المال فإن ذلك المال لا يحتسب من جملة التركة بل يكون حقًا خالصًا للورثة لأن ذلك نماء الرقبة ليس بملكٍ للموصي، وإنما كان ملكه على الرقبة، فحسب فإن ذلك للورثة خالصًا كما لو أوصي بنخلٍ فأمرت.
ثم ينظر فإن لم يؤد تمام المال، أو عجز نفسه، فالورثة يسترقونه، فإن أدي عتق وثبت الولاء عليه [149/ ب] لسيد المكاتب ينتقل إلى العصبات من ورثته لأنه عتق بسبب كان منه، وهي وصية بكتابته، فهذا الحكم فيه إذا كانت قيمة العبد تخرج من الثلث، فأما إذا لم تخرج قيمة العبد من الثلث يكاتب القدر الذي يحتمله الثلث كما إذا

أوصى بعتق عبده، فإن كان الثلث احتمل أعتق، وإن لم يحتمل أعتق بقدر ما يحتمله الثلث، فإن ال العبد في مطلق الوصية إذا خرجت من الثلث يلزم أن يكون الكتابة بعوض المثل إذ لو عتق ثلث ماله بلا عوض جاز، قلنا: نعم، ولكنه لم يوص بأن يعتق وإنما أوصي أن يعقد فيحتمل أنه بعوض المثل.
فزع قال بعض أصحابنا بخراسان: لو أوصي لرجل بثلث ماله، وأمر أن يكاتب عبده وهو قدر ثلث ماله أيضًا يدفع نصف الثلث إلى الموصي له ويكاتب نصف العبد بخمسمائة إذا كان الثلث ألفًا نص عليه ههنا، فإذا دفع النجم فهل يزاد في الكتابة قد ذكرنا وجهين، فإذا قلنا: يزاد دفع ذلك إلى الموصي له ثلث، ويكاتب ربع العبد على مائتين وخمسين، فإذا دفع ذلك للموصي له بالثلث نصف ويكاتب ثمن العبد على مائة وخمسة وعشرين وعلى هذا يفعل أبدًا إلى أن تتم الكتابة كذا ذكره القفال، وفي هذا التفريع نظر، والثاني: أنه استقر، فلا يزاد في الكتابة، وقيل: إنه يزاد في الكتابة لكن النجوم يكون نماء ملكهم، ولا تجب الزيادة في الوصية بسبب ذلك ولابن سريج في وجه آخر أنه متى لم يخرج جميع الرقبة من الثلث فلا يكاتب أصلًا بل يبطل الوصية فيه، كما لو أراد أن يكاتب بعض عبده، والعبد كله له لا يصح.
مسألة: قال: «ولو قال: كاتبوا أحد عبدي» [150/ أ].
الفصل إذا أوصي فقال: كاتبوا أحد عبيدي، فإن الورثة يكاتبون أي عبد من عبيده شاؤوا، ولا يجوز أن يكاتبوا أمة لأن اسم العبد لا يقع عليها، ولذلك إذا قال: كاتبوا أمة، فلهم أن يكاتبوا أي أمة شاؤوا ولا يجوز أن يكاتبوا عبدًا لأن الاسم لا يقع عليه، ولو قال: كاتبوا عبدًا وكان له خنثي قد حكم بأنه رجل، أو قال: كاتبوا أمة وكان له خنثي حكم بأنها امرأة، فهل تجوز كتابته؟ اختلف أصحابنا فيه على طريقين: أحدهما: يجوز قولًا واحدًا لا يختلف المذهب فيه اعتبارًا بما حكم به، والثانية: فيه وجهاز ذكره أبو حاد، أحدهما ما ذكرنا، والثاني: لا يجوز لأن إطلاق الاسم لا ينصرف إلى الخنثي وإن تبين حالة ولا شك انه في حالة الإشكال لا يدخل في اسم العبد ولا في اسم الأمة، وهذا اختيار الربيع، والأول أصح، وهو اختيار المزني، ولو قال: كاتبوا أحد رقيقي كان لهم الخيار في عبد أو أمة، قال المزني: أو خنثي.
وروي الربيع في لأم أنه لا يجوز خنثي إذا كان مشكلًا فجعل الشافعي إطلاق اللفظ للعبد أو للأمة أو للخنثي الذي بان أنه امرأة، وصح أنه رجل، أو امرأة بتغليب الدلائل، وإن كان مشكلًا، فهو خارج عن العرف لا يقع عليه إطلاق اسم الرجل ولا المرأة، قال أبو

إسحاق: وأرى الشافعي قد نص في بعض الروايات على ما اختاره المزني على مذهبه من جواز الخنثي، ففيه قولان، وقال القاضي أبو حامد فيه وجه آخر على ما اختاره المزني، فجعل القول رواية الربيع، وجعل [150/ ب] اختيار المزني وهو الأصح وجهًا آخر.

باب موت سيد المكاتب

مسألة: قال: «ولو أنكح ابنته مكاتبه برضاها فمات».
الفضل إذا كاتب عبدًا، وكانت له ابنة فزوجها منه برضاها ولا بد من رضاها لأنه رقيق ليس بكفء لها، ولهذا قيد المسألة ثم مات لم تنفسخ الكتابة بموته لأنها عقد لازم، ثم ينظر في البنت فإن لم ترث أباها بأن كان بينهما اختلاف دين، أو كانت قاتلة، فالنكاح بحالة لأنها لم تملك من زوجها شيئًا، وإنما انتقل ملكه إلى مالكٍ آخر فلم يؤثر ذلك في النكاح، وإن ورثته، فإنه تملك جزءًا منه، وينفسخ النكاح بينهما، وبه قال أحمد وقال أبو حنيفة: لا ينفسخ النكاح بينهما، وبناه على أصله أن رقبة المكاتب لا تورث، وإنما يورث المال الذي عليه، وهذا لا يصح لأنه كان ملكًا للسيد وبموته لم يعتق فبقي ملكًا كما كان فورثه ورثته كسائر الأموال، والدليل على هذا أنه لا يبتدئ نكاحها بعد موت السيد بالإجماع.
فرع إذا اشتري المكاتب زوجته الأمة من سيده أو من غيره انفسخ النكاح، وكذلك لو اشترت المكاتبة زوجها من سيده، وقال أبو حنيفة: لا ينفسح النكاح لأن المكاتب لا يملك بدليل أنه لا يجوز له وطئ أمته، وهذا لا يصح لأن المكاتب يملك لأنه يثبت له الشفعة على سيده وللسيد عليه الشفعة وإنما لا يجوز له وطيء أمته لتعلق السيد به كما يمنع الراهن من وطئ المرهونة، وإن كانت ملكه، والدليل على أنه يملكها أنه لا يجوز له أن [151/ أ] يتزوج أمته ابتداء، والملك إذا منع الابتداء منع الاستدامة.
مسألة: قال: «فإن دفع ما عليه من الكتابة إلى أحد الوصيين لم يعتق».
اعلم أنه إذا كاتب عبدًا ثم مات السيد قد ذكرنا أن الكتابة لا تنفسخ، ثم لا يخلو إما أن يكون المال الذي على المكاتب يصرف إلى وارث، أو موصى له، أو إلى الغرماء، فإن كان ينصرف إلى الورثة، فإن كانوا رشيدين فالمال لهم، ثم ينظر، فإن كان الوارث واحدًا دفع المكاتب إليه، وإن كانوا جماعة دفع إلى كل واحد منهم قدر حقه، فإن دفع إلى بعضهم، وأخل بالبعض لم يعتق كما لو كان العبد بين شريكين وكاتباه، ثم دفع المال إلى أحدهما لا يعتق، ولا يجوز في هذا الموضع أن يوصي

السيد بالنظر في مال ولده ولا يقبض مال الكتابة، فإن فعل لم تصح الوصية، وإن دفع المال إلى الوصي لم يعتق لأن الوصية لا تصح في حق أهل الرشد، وإن كان الورثة أطفالًا، أو مجانين، فإن لهم جد فهو الناظر في أمرهم، فلا تصح الوصية معه، فإذا دفع المال إليه عتق وذكر الداركي عن بعض أصحابنا: أن وصي الأب أولى من الجد، وهو قول أبي حنيفة، وهذا الوجه غير مشهور عند أصحابنا، وإن لم يكن لهم جد وأوصي الأب إلى من ينظر في أمرهم صحت الوصية ويجب على المكاتب الدفع إلى الوصي، فإن كان واحدًا دفع إليه، وإن كانا اثنين نظر فإن أوصى إليهما وإلى كل واحدٍ منهما، على الانفراد جاز للمكاتب أن يدفع إليهما وإلى كل واحد منهما فإن أوصى إليهما ولم يوص إلى كل واحد منهما على الانفراد [151/ ب] لم يجز أن يدفع إلى أحدهما بل يجب الدفع إليهما، فإن دفع إلى أحدهما لم يعتق لأن الوصي رضي باجتهادهما معًا، وإن لم يكن الميت أوصى بالنظر في مال الأولاد، فالنظر في أمرهم للحاكم، فيرفع المكاتب الأمر إليه لينصب أمينًا، فيدفع المال إليه ويعتق، وإن كان بعض الورثة كبارًا، وبعضهم صغارًا، فالكبار يقضبون حقوقهم والحكم في حقوق الصغار ما ذكرنا إذا كان الميت قد أوصى أو لم يوص، وإن كان مال الكتابة ينصرف إلى الموصى له، فإن كان قد أوصى به لواحد بعينه، فالحق له فإن دفعه إليه جاز لأنه مستحقه، وقال صاحب «الإفصاح»: لا يجوز وحكاه القاضي الطبرى عنه، وهذا ليس بمذهب، وإن دفعه الوصي ليدفعه إليه جاز أيضًا، وإن كان قد أوصى به لأقوام غير معينين كالفقراء والمساكين، فلا يجوز للمكاتب أن يوصل المال إليهم بنفسه، بل عليه أن يدفعه إلى الوصي فإنه موضع اجتهاد، والميت لم يرض باجتهاد المكاتب، وإنما رضي باجتهاد الوصي.
وإن كان مال الكتابة ينصرف إلى الغرماء وقضاء الديون ينظر فإن كان السيد قد أوصى بأن يقضي من مال الكتابة ديونه فالحكم فيه كما لو أوصي به لرجل بعينه فيجوز للمكاتب دفعه إلى أصحاب الديون، ويجوز أن يدفعه إلى الوصي وليس للورثة ههنا حق، وإن لم يكن أوصى فالحق للورثة والوصي معًا، فلا يجوز للمكاتب أن يدفعه إلا بحضرتهما ورضاهما لأن للورثة في ذلك حقًا، وهو أن لهم أن يأخذوا المال ويقضوا من عندهم.
وإن تلف المال في يد الوصي لا يضر المكاتب لأن القبض قد صح [152/ أ] إذا كانت الوصاية صحيحة، وقال القاضي الطبري: إذا كان عليه دين يحيط بتركته فدفع المكاتب إلى من له الدين، وقد ثبت دينه فقد بريء لوصوله إلى مستحقه نص عليه في «الأم»، وقال صاحب «الإفصاح»: لا يبريء وهو خلاف النص، وهذا خلاف ما ذكرنا عن أصحابنا وهذا النص غريب.
ولو دفع المال إلى الوارث في هذا الموضع قال الشافع: لا يعتق حتى يصل إلى صاحب الدين لأن الوارث إنما يستحق ما فضل عن الدين.

باب عجز المكاتب

مسألة: قال: «وليس لسيده أن يفسخ كتابته حتى يعجز عن أداء نجم».
الفصل إذا كاتب عبده على مالٍ ثم أراد فسخه نظر، فإن لم يكن حل عليه نجم لم يكن له الفسخ وكذلك إن حل عليه نجم ولكن معه ما يؤديه ولم يمتنع من الأداء لأنه لا ضرر على السيد، ولا تعذر عليه حقه، وإن كان قد حل عليه المال، وليس معه ما يؤدي أو كان معه، ولكن امتنع من الأداء، فللسيد أن يفسخ ولا فرق بين أن يتعذر عليه جميع المال، أو بعضه، وبين النجم الأول وبين النجم الثاني، ثم ينظر فإن العبد حاضرًا يفسخه بنفسه، ولا يحتاج إلى حاكم لأنه فسخ مجمع عليه كالرد بالعيب، وإن كان العبد غائبًا فليس للسيد أن يفسخ، بل يرفع الأمر إلى الحاكم ويثبت عند الحاكم أن له على المكاتب مالًا وأنه قد تعذر عليه الأداء، فإذا فعل ذلك استحلفه الحاكم مع البينة على ما تقدم بيان اليمين، وقضي له بالفسخ وهذا لأنه قضاء على الغائب، وقال في «الحاوي»: هكذا قال البغداديون من أصحابنا، [152/ ب] وهذه اليمين استظهار عند أكثر أصحابنا لأن ليمين لا تجب إلا بطلب مستحقها، ومن أصحابنا من قال: هذه اليمين واجبة في فسخ الحاكم كيلًا يفسخ إلا بحق تزول معه الشبهة، وقال البصريون من أصحابنا: ينفرد السيد عند غيبته كما عند حضوره، وقال ابن أبي ليلي: لا يكون عجزه إلا عند الحاكم، وقال أبو يوسف: لا أرده في الرق إلا أن يتوالى عليه نجمان، واحتج بما روى عن علي رضي الله عنه أنه كان يقول: يرد الرجل في الرق حتى يتوالي عليه نجمان، ودليلنا ما روي أن ابن عمر رضي الله عنهما كاتب عبدًا له على ثلاثين ألفًا، فقال له: أنا عاجز، فقال له: امح كتابتك، فقال: امح أنت، ويحمل قول علي رضي الله عنه على الاستحباب، ولأنه دخل في الكتابة على أن يسلم له المال عند انقضاء كل نجم، فإذا لم يسلم ذلك كان له فسخها كما لو توالى عليه نجمان، وروي عطاء بن رباح أن ابن عمر رضي الله عنهما كاتب عبدًا له فأدي تسع مائة وبقيت مائة دينار فعجز فرده في الرق، وروي أن مكاتبًا له عجز فرده مملوكًا، وأمسك ما أخذ منه، وقال: شبيب بن عمر شهدت شريحًا رد مكاتبًا عجز في الرق، ولو كان العبد مليًا فامتنع من أداء النجم الذي حل عليه، أو أدي بعضه فللسيد فسخ الكتابة

ولا يجبر العبد على أدائه خلافًا لأبي حنيفة رحمه الله، ويخالف المشتري إذا امتنع من أداء الثمن يجبر عليه، ولا يكون للبائع فسخ البيع لأن الكتابة جائزة من جهة العبد غير لازمة على ما تقدم بيانه.
فرع قال في «الأم»: [153/ أ] وإذا كان حاضرًا فطالبه فقال: ليس عندي، فقال السيد: اشهدوا أني قد عجزت، أو أبطلت كتابته، أو فسختها أنفسخت وسواء كانت عند سلطان، أو غيره قال الشافعي: فإن لم يقل شيئًا من هذا فهو على الكتابة، قال أصحابنا: وافشهاد فيه استحباب، فإن قيل: قد قلتم في المشتري إذا عجز عن أداء الثمن لا يختار عين ماله إلا أن يفلسه القاضي ويحجر عليه، وههنا قلتم: إذا كان حاضرًا لا يحتاج إلى القاضي، قلنا: لأن فسخ البائع بعيب في ذمة المشتري، وذلك العيب مزاحمة الغرماء، ولا يحصل ذلك إلا بالحجر والفلس، وههنا الفسخ ليس بعيب يظهر بالعبد، ولكن لاعترافه بالعجز، فإذا حصل ذلك لا يحتاج إلى الحاكم.
فزع آخر قال: ولو حل عليه فلم يطالبه مدة قصيرة أو طويلة، ثم أحضره لم يكن للسيد الامتناع عن قبضه، قال: فإن سألته أن ينظره مدة يؤدي إليها نجمة وفي نسخة يؤدي إليه نجمه، أي إلى السيد لم يكن عليه أي لم يكن واجبًا عليه أن ينظره لأن حقه حال عليه والتأجيل تبرع، فلا يلزم وليس للسلطان أن ينظره أيضًا لأن الحق للسيد، فلا يجبر على ترك حقه، قال الشافعي: إلا أن يحضره ماله ببيعه مكانه، فينظره قدر بيعه معناه أنه إذا أحضر المكاتب واستنظر السلطان لبيعها أنظره قدر بيعها وهذا واجب بالحكم لأنه عرف الأداء وعادة الإيفاء والاستيفاء كما لو قال: أنظرني حتى أصير إلى البيت وأحمل المال، أو أفتح الصندوق، [153/ ب] ونحو ذلك قال أصحابنا: ويعتبر فيه قليل الزمان، وهو لا يجاوز ثلاثة أيام.
فزع آخر قال الشافعي رضي الله عنه: «وإن حل عليه نجم في غيبته فأشهد سيده أن قد عجزه، أو فسخ كتابته فهو عاجز» وزاد في «الأم» فقال: فإن جاء في غيبته وأقام بينه على سيده بقبض النجوم الذي عجزه، أو أبرأه منه أو إنظاره كان على كتابته فدل هذا النص على أن المكاتب إذا قدم ولم يدع ما ذكره أنه يكون عاجزًا وتكون الكتابة منفسخة.
وقال أبوإسحاق: يحتاج إلى الحاكم على ما ذكرنا من قبل، قال القاضي الطبري: هذا خلاف ما نقله المزني وبينه الشافعي في «الأم»، ومعناه أن السيد إذا

فسخها، وهو غائب فلما قدم لم يدع خلاف ما قاله علم أنه كان عاجزًا وإن ادعي خلاف ما قاله وأٌام البينة فهو على الكتابة، ثم قال: وإن رفعها إلى الحاكم حتى يفسخها، فإن الحاكم لا يفسخها حتى يتثبت على ما ذكرنا، وإذا عجزه جعل المكاتب على حجته إن كانت له، وهذا يدل على أن المذهب المنصوص ما قاله البصريون من أصحابنا.
فرع آخر لو أراد المكاتب فسخ الكتابة فيه وجهان: أحدهما: لا يملك لأنه لا ضرر عليه في بقاء الكتابة، وإنما له أن يمتنع من الأداء، والثاني: يملك لأنه عقد لحقه، فملك أن ينفرد بالفسخ كالمرتهن.
فرع آخر لو استنظره لمال غائب ينقله فإن كان على مسافة لا تقصر إليه الصلاة يلزمه إنظاره لأنه في حكم الحاضر، وإن كان على مسافرة يقصر إليها الصلاة لا يلزمه إنظاره لأنه كالقادم، ذكره في «الحاوي».
فرع آخر ولو قال: أنظرني لأقبض دينًا لي فإن [154/ أ] كان مؤجلًا لا يلزمه إنظاره، وإن كان حالًا فإن كان على موسر يلزمه إنظاره، وإن كان على معسر لا يلزمه إنظاره لأنه كالهالك ولهذا لا يلزم فيه الزكاة.
فرع آخر إذا كان هو غائبًا وماله حاضر لا يقضي القاضي عنه النجوم وللسيد حق التعجيز بخلاف ما إذا جن المكاتب وماله حاضر فالحاكم يؤدي عنه النجم، وليس للسيد التعجيز لأن الغائب لو كان حاضرًا لم يلزمه قضاء النجم بل له أن يعجز نفسه، فالحاكم لا يقوم مقامه وهو من أهل الكتابة ويرده إلى ملكه، وإن كان معه مال، فأداه إلى السيد عتق، وإن قال: لي مال أحضره فقد ذكرنا، وإن كان العبد غائبًا فليس للسيد أن يفسخ، تولى ذلك بنفسه ولعله فسخ الكتابة في حال غيبته، والمجنون لا يصح منه النظر لنفسه، فالحاكم يقوم مقامه في ذلك ذكرها القفال.
مسألة: قال: «وإن قال قائل: قد أنظرته وبدا لي والمكاتب غائب لم يجز له تعجيزه».
الفصل اعلم أنه إذا كاتب عبدًا فحل عليهمال الكتابة، فأظهر أنه عاجز عن أدائه فأنظره السيد وأخره بما عليه، فإن الإنظار يصح، ولا يجبر على اختيار الفسخ، فإن رجع بعد

ذلك وطالب بالمال صح رجوعه خلافًا لأبي حنيفة، ثم لا يخلو إما أن يكون العبد حاضرًا أو غائبًا، فإن كان حاضرًا ينظر فإن أظهر العجز كان للسيد أن يفسخ الكتابة ويرده إلى ملكه، وإن كان معه مال فأداه إلى السيد عتق.
وإن قال: لي مال أحضره فقد ذكرنا، وإن كان العبد غائبًا فليس للسيد أن يفسخ في الحال لأن غيبته لنظرته وتأجيله بل يرفع الأمر إلى الحاكم ويثبت عنده الكتاب وحلول المال عليه، وأنه لم يؤد شيئًا ويحلفه الحاكم على ذلك فإن هذا قضاء على الغائب فلا بد من اليمين، فإذا فعل هذا كتب إلى حاكم ذلك البلد بما يثبت عنده، فإذا وصل الكتاب إليه استدعي المكاتب وسأله عن الحال، فإن أظهر العجز كتب إلى حاكم ذلك البلد حتى يخبر السيد بعجز المكاتب [154/ ب] فيفسخ الكتابة وإن ذكر أن له مالًا، فإن لم يكن له وكيل، فإن الحاكم يكلف المكاتب أن يوصل المال إلى سيده إما ينفسه أو ينفذه مع أمين فإذا فعل ذلك وصار المال إلى السيد عتق، فإن أخر الإنفاد حتى مضت مدة لو أنفذ المال كان قد وصل كان للسيد أن يفسخ في الحال، وكذلك الوكيل إذا جعل السيد إليه الفسخ فله أن يفسخ في الحال، قال أبو إسحاق: ظاهر ما نقل المزني أنه قد أنظره مسافة الطريق سواء كان للسيد وكيل في ذلك البلد أو لا ولكن الربيع رواه مفصلًا هكذا، وهو الصحيح وعلى هذا لو كان طريقًا لا يمكن أن يسلك في السنة إلا مرة أنظره إلى ذلك الوقت الذي يمكنه سلوكه فيه، قال أبو إسحاق: فإن كتب إلى الحاكم بأن يقضيه فليس على الحاكم ذلك ولا أن يكون وكيلًا لغيره لأن الحاكم يكلف الحكم دون قبض المال بالوكالة فإن اختار القاضي القبض كان حكمه حكم الوكيل، فإن جاء وكيل ثابت الوكالة يطالب بالتسليم إليه نظر بينهما ويحكم بما يثبت.
مسألة: قال: «ولو غلب على عقله».
الفصل يعني إذا كاتب عبدًا فجن المكاتب لا تنفسح الكتابة بجنونه فإن قيل: هلا قلتم تنفسخ لأنها جائزة من جهته غير لأنه كما تنفسخ الشركة والمضاربة قلنا: العقد الذي ينفسخ بالجنون هو الجائز من الطرفين، فأما اللازم من أحد الطرفين لا ينفسخ به كما لا ينفسخ النكاح بجنون الزوجين لأنه جائز من جهة الزوج لازم من جهة الزوجة ولأن بالكتابة يتعلق العتق بالصفة وذلك يمنع من انفساخها بالجنون [155/ أ] ألا ترى أن مجرد العتق بالصفة لا ينفسخ بالجنون فإذا ثبت عند الحاكم ذلك، فإن وجد للمكاتب مالًا قد ذكرنا أنه يدفعه إلى السيد وحكم بعتقه، وإن لم يجد له مالًا جعل للسيد فسخ الكتابة، وليس له فسخها ما لم يأت الحاكم لأن الحاكم قيم المجانين ثم إذا فسخها لزمه نفقته لأنه عاد إلى ملكه.

فرع لو ظهر له بعد الفسخ مال، أو أفاق المكاتب وأظهر لنفسه مالًا نقض الحاكم حكمه، ودفع المال إلى السيد وحكم بعتقه ورجع السيد على المكاتب بما أنفق عليه لأنه أنفق عليه على أنه عبده، فإذا أبان أنه لم يكن عبده وكان مكاتبًا كان له الرجوع بما أنفق.
فرع آخر لو فسخ الكتابة ثم أفاق العبد وأقام البينة بأنه قد أذي إلى السيد مال الكتابة لم يرجع السيد عليه بما أنفقه لأنه أنفق عليه مع علمه بحريته فكان مقطوعًا به.
مسألة: قال: «ولو ادعي أنه أوصل إليه كتابته وجاء بشاهد أحلفه معه».
قد ذكرنا هذه المسألة وفسرها في «الأمة»، وقال: إذا حل النجم على المكاتب فسأله سيده أدائه، فقال: قد أديت إليك، أو إلى وكيلك وأنكر السيد لم يعجل السلطان في تعجيزه وأنظره يومًا أو أكثر وأكثر ما ينظره ثلاثة أيام، فإن جاء بشاهد أحلفه معه وأبرأه مما شهد شاهده وإن لم يعدل دعاه بغير، فإن جاء به من يومه أو غده أو بعده وإلا عجزه، وإن ذكر بينة غائبة أشهد أنه ذكر بينة غائبة، وأني قد عجزته [155/ ب] إلا أن يكون معه بينة بما يدعي، فإن جاء بها أثبت كتابته وأخذت سيده بما أخذ من خراجه وبقيمة خدمته، وإن لم يأت بها تم التعجيز، قال أبو إسحاق: ولم يذكر المزني إنظاره ثلاثًا حتى يأتي بالبينة، ولا إذا جاء بالبينة فلم يعدل أنظره ثلاثًا حتى يأتي بغيره وهو أولى مما نقل المزني، قال في «الأم»: وإن عجزه على هذا الشرط ثم جاء ببينة بإبرائه من ذلك النجم وهذا آخر نجومه، ومات المكاتب جعل ماله ميراثًا لورثته الأحرار وأخذ السيد بما أخذ منه وبقيمة خدمته، وإن لم يكن آخر نجومه فقد مات عبدًا، فإن قيل: أليس العتق يثبت بهذا الأداء ولا يثبت العتق بشاهد ويمين، قيل: لا يمتنع أن يقبل، وإن جر إلى ما لا يقبل فيه ذلك كشهادة النساء تقبل في الولادة، وإن جر إلى ثبوت النسب الذي لا تقبل شهادة النساء بحال.
فرع قال في «الأم»: وإذا عجزه السيد أو السلطان، فقال سيده بعد التعجيز قد أقررتك على الكتابة لم يكن عليها حتى يجدد له كتابة غيرها، ولو تأدي منه على الكتابة الأولى، وقال: قد أثبت لك العتق عتق بإثبات العتق وتراجعا بقيمة المكاتب كما يتراجعان في الكتابة الفاسدة وكذلك لو قال: أثبت لك الكتابة الأولى ولم يذكر العتق لأن قوله: أثبت لك الكتابة الأولى إثبات للعتق بها على الأداء ولو نعجزه ثم تأدى منه

كما كان يساوي ولم يقل: قد أثبت لك الكتابة لم يكن حرًا بالإداء [156/ أ] وكان تأديته إليه كالخراج يأخذه منه.
فرع آخر قال في «الأم»: وإن عجز المكاتب عن نجم حل عليه، فقال السيد: أعجز بعضك وأقر بعضك لم يكن ذلك له كما لم يكن له أن يكاتب بعضه، فإن فعل وأدي على هذا عتق كله ويرجع السيد عليه بنصف قيمته.
فرع آخر قال في «الأم»: ولو كاتب الرجل عبده كتابة صحيحة ثم أفلس السيد فالكتابة بحالها وكان للغرماء أخذ ما عليه من دين الكتابة عند محله.
ولو عجل المكاتب ما عليه قبل محله لم يكن للسيد منعه وكان للغرماء أخذه منه.
قال القاضي أبو حامد: تأويل هذه المسألة أنه أداه إلى الغرماء بإذن السيد، أو بإذن الحاكم فلذلك عتق فأما إذا لم يكن بالإذن، فلا يعتق لأنه لا يبرأ إذا عتق إلا بالبراءة مما عليه فإن كاتبه بعد الوقف وأدي إليه مال الكتابة لم يعتق وأخذ منه ما أدي إليه وبيع العبد عليه، ولو اختلف السيد والغرماء، فقالوا: كاتبته بعد الوقف، وقال السيد: بل كاتبه قبل الوقف، فالقول قول السيد وكذلك لو قال السيد: مع الغرماء كانت الكتابة بعد الوقف، وقال العبد: بل كانت قبل الوقف فالقول قول العبد وعليهم البينة، فإن كانت الكتابة صحيحة، فأقر السيد بعد التفليس أنه قبض منه شيئًا قبل الوقف، فالقول قوله: وكذلك كل ما أقر به الغريم له عليه حق.
مسألة: قال: «ولو دفع الكتابة وكانت عوضًا بصفة [فقبضه] وعتق ثم استحق».
الفضل [156/ ب] قال ذكرنا هذه المسألة وذكرنا أن قول السيد: أنت حر عقيب أدائه المال لا يصير بقوله حرًا إذا ظهر الاستحقاق وأنهما لو اختلفا، فقال المكاتب: أردت بقولك: أنت حر ابتداء الإعتاق، وقال السيد: بل أردت بالعوض الذي أداه، فالقول قول السيد: لأن الظاهر معه، قال أًحابنا: فإن كان ذلك قبل أن أدي إليه العوض ثبت بذلك حريته لأنه لم يكن مضافًا إلى الأداء، ولو قال بعد الاستحقاق: أنت حر عتق عليه، ولا يقبل أني أردت ما ظننته من عتقه بالأداء بخلاف الظاهر ولو قال بعد الأداء والعتق في الظاهر وقبل الاستحقاق أنت حر، ثم قال بعد الاستحقاق بالعتق ما كان من ظاهر الأداء، فهل يقبل منه وجهان محتملان أحدهما: تقبل كما يقبل منه عند الأداء لأنه في الحالتين على سواء، والثاني: لا يقبل ويكون القول قول المكاتب مع يمينه لأن العتق

بالأداء انقضى زمان ظاهره، فصار لما تجدد بعده من لفظ العتق حكم مبتدأ.
واعلم أن الشافعي رضي الله عنه ذكر في «الأم» مسألتين في هذا الفصل، أحدهما: إذا قال لعبده: إن أعطيتين ثوبًا من صفته كذا وكذا، فأنت حر، فدفع ثوبًا على تلك الصفة إلا أنه مستحق للغير لا يعتق لأن الظاهر إعطاء ثوب يملكه وينتفع به والمستحق لا يملك، ولا ينتفع به، والثانية: قال: وكذلك لو قال لعبده: إن أعطيتني هذا الثوب فأنت حر فغصبه وأعطاه لا يعتق فسوى بين الثوب المطلق وبين الثوب المعين، وقد فصل بينهما في الخلع، فقال: [157/ أ] في الثوب المطلق لا يقع الطلاق وفي المعين، قال: يقع الطلاق فمن أصحابنا من قال: فيهما قولان نقلًا وتخريجًا، ومنهم من حمله على ظاهرها وفرق بأن الطلاق له من التغليب ما ليس للحرية ألا ترى أنه لا يجوز أن يقف في بعض الشخص بحال والعتق قد يقف في بعض الشخص.
وأيضًا الفرق أن للزوجة مدخلًا في رفع النكاح بالفسخ، فكان رفعه بالطلاق أوسع حكمًا وليس للعبد مدخل في رفع رقه فكان العتق أضيق حكمًا، وقال صاحب «الحاوي»: في هذا الفرق نظر، والذي عندي أن العتق يقع بالمستحسن إذا كان معينًا كالطلاق لأن المغلب فيهما مع التعيين حكم الصفة، وإن لم يكن الخلع أقوى لكونه عقد معاوضة لم يكن أضعف من مجرد العتق بالصفة.

باب الوصية بالمكاتب والوصية له

مسألة: قال: «ولو أوصى به لرجل وعجز قبل الموت، أو بعده لم يجز».
أعلم أنه إذا كاتب عبده ثم أوصى برقبته فإن كانت الكتابة صحيحة لا تصح الوصية لأن للسيد وإن كان يملك المكاتب ملكًا ضعيفًا فإنه يحول بينه وبين التصرف في رقبته ومنفعته ولا فرق بين أن يعجز أو لا يعجز حين يبتديء الوصية بعد الملك بالتعجيز، فإن قال السيد: إذا عجز المكاتب وبطلت كتابته فقد أوصيت به لفلان تكون هذه وصية صحيحة إن عجز لأنه وصية بصفة ونظير هذا أنه لو أوصي لرجل بعبد لا يملكه لا يجوز وإن ملكه بعد ذلك حتى يستأنف الوصية [157/ ب] بعد الملك ولو أوصي بعبد لا يملكه إن ملكه صحت الوصية وعلى هذه إذا أوصي بثلث ماله ولا مال له ثم ملكه فالمشهور جوازه لأن تقديره بثلث مالي إن مكلته فتكون هذه الوصية مضافة إلى ملك فيصح، وإذا قال: أوصيت له بثلث ما اكتسبه أو بثلث ما أملكه إلى الموت يصح لأنها مضافة إلى ملكه.
مسألة: قال: «ولو أوصي بكتابته جازت في الثلث».
يعني: إذا كاتب عبده كتابة صحيحة ثم أوصي بالمال الذي في ذمته، فإن الوصية تصح لأنه مالك لذلك المال، فصار كمات لو أوصي بدين له في ذمة إنسان تصح

الوصية، فإذا ثبت هذا فمات الوصي لزمت الوصية بموته من الثلث ثم ينظر في المكاتب فإن أدي المال إلى الموصي له عتق ولا يحتاج في ذلك إلى إذن الورثة ويثبت عليه الولاء للموصي لأنه عتق بسبب منه وينتقل ذلك إلى العصبات من ورثته، فإن أظهر العجز فللورثة أن يعجزوه وتبطل الوصية، وإن قال الموصي له: أنا أنظره بالمال وأراد الورثة تعجيزه لم يكن له منعهم من حقهم، وهذا كما لو أراد السيد يقره على الكتابة وأراد المجني عليه تعجيزه ليبيع رقبته لم يكن للسيد إسقاط حقه من تعجيزه وبيع رقبته وإن عجز المكاتب نفسه بطلت الوصية، قال في «الأم»: وهكذا لو أوصي بكتابة مكاتبه لرجل وبرقبته لآخر إن عجز كان للذي أوصي له أن يعجزه.
ولو أدي المال عتق ويكون ذلك المال للموصي له، بها وبطلت وصية الآخر، وإن عجز نفسه سلمت الرقبة إلى الموصي له بها وبطلت وصية الآخر بالمال [158/ أ].
فرع قال في «الأم»: ولو قال: أوصيت له بما يعجله مكاتبي من مال الكتابة صحت الوصية لأن تعليق الوصية بالصفات المجهولة تصح ثم ينظر فإن عجل شيئًا مما عليه دفع ذلك إلى الموصي له وإن لم يعجل بل أدي المال في نجومه بطلت الوصية، ولا يجبر على تعجيله ولا يعجز إذا لم يعجله.
مسألة: قال: «ولو كانت الكتابة فاسدة بطلت الوصية» أراد بهذا الوصية بالنجوم والكتابة فاسدة لا تصح لأنه لا يملك بالكتابة الفاسدة المال في ذمته، وقال أبو إسحاق: إلا أن يقول: ما قبضت من نجومه الفاسدة فقد أوصيت به لفلان فتكون هذه وصية صحيحة كما قلنا في الوصية بملك غيره إذا أضافه إلى ملكه ويحكي هذا عن الشافعي رضي الله عنه، وقال الداركي: لا أعرف لهذا وجهًا، وقال بعض أصحابنا: أراد به إذا قبضته وعتق بالصفة وما أخذ مثل قيمته، أو أقل فقد ملكه فتصح الوصية به.
مسألة: قال: «ولو أوصي برقبته وكتابته فاسدة ففيها قولان».
إعلم أنه إذا كاتب عبده كتابة فاسدة ثم أوصي برقبته فيه قولان منصوصان في «المختصر» أحدهما: تصح لأن ملكه لم يزل عن رقبته، والثاني: لا يصح قال المزني: الأشبه بقوله أن يصح لما ذكرنا من العلة، وقال أبو إسحق: يحتمل أن يكون القولان إذا لم يعلم بفساد الكتاة فأما إذا علم بفسادها صحت الوصية قولًا واحدًا، وهكذا إذا باعه بيعًا فاسدًا ثم أوصي به فإن لم يعلم بفساد البيع هل تصح الوصية قولان، وإن علم بفساده صحت الوصية [158/ ب] قولًا واحدًا، قال: ويحتمل أن تكون المسألة على قولين سواء على السدي أن الكتابة فاسدة، أو لم يعلم لأن الكتابة الفاسدة كالصحيحة في وقوع العتق بالأداء ويخالف هذا إذا باع بيعًا فاسدًا ثم أوصي به، وهو يعلم أنه

فاسد صحت الوصية قولًا واحدًا لأن البيع الفاسد ليس كالصحيح.
والصحيح الطريقة الأولى، لأن الشافعي نص في «الأم»، فقال: فيه قولان: أحدهما: الوصية باطلة إلا أن يقول: ليس بمكاتب لأن كتابته فاسدة، فأما إذا أوصي به وهو يراه مكاتبًا، فالوصية باطلة لأنه أوصي به وهو يراه لغيره.
والثاني: جائزة في الوجهين جميعًا لأنه ليس بمكاتب ولا خارج عن ملكه بالبيع الفاسد فقد صرح الشافعي بأن القولين إذا لم يعلم بفساده ونص أيضًا على أنه إذا أوصي بشيء وهو لا يعلم أنه مالكه ثم علم أنه كان قد ورثه فيه قولان، وهو أيضًا نص صريح على مثل ما ذكرنا.
وأما إذا باع شيئًا وعنده أنه لغيره فإذا هو قد ورثه ولم يعلم نص الشافعي على بطلان البيع، قال أصحابنا: وفيه قول آخر يصح البيع لأنه صادف ملكه، ولعلهم أخذوا هذا القول من الوصية ومن أصحابنا من قال: البيع لا يصح قولًا واحدًا بخلاف الوصية لأنها مبنية على الحظر بخلاف البيع.
مسألة: قال: «ولو قال: ضعوا عن مكاتبي أكثر ما بقي عليه وبمثل نصفه».
الفصل ذكر الشافعي في هذا الفصل ثلاث مسائل ترك المزني الأولى منها لسهولتها ونقل [159/ أ] الثانية والثالثة والأولى هي أصل للثانية وصورة الأولى أن يوصي رجل، فيقول: ضعوا عن مكاتبي أكثر ما بقي عليه من مال الكتابة فقد أوصي أن يوضع عنه نصف ما بقي عليه وزيادة لأن أكثر الشيء ما زاد على نصفه فيضع عنه الورثة نصف ما بقي عليه وزيادة ما شاؤوا من غير تحديد بمقدار.
والثانية التي نقلها المزني وصورتها أن يقول: ضعوا عنه أكثر ما بقي عليه من مال الكتابة ومثل نصفه فقد أوصي بأن يوضع عنه ثلاثة أرباع مال الكتابة وزيادة شيء لأن أكثر ما بقي هو النصف وزيادة عليه ونصف ذلك يكون الربع وزيادة شيء، فإذا كان ألف درهم فأكثر ما عليه خمس مائة درهم وزيادة، وإن قلت: فيوضع عنه خمس مائة درهم إن شاء الورثة أن يكون الزيادة درهمًا ويوضع عنه مائتان وخمسون ونصف درهم، وهو النصف.
جملة الموضوع عنه سبع مائة وخمسون ودرهم ونصف درهم، والباقي عليه.
ولو زاد على ثلاثة أرباع المال درهمًا كفي ولا يلزمه مثل نصف ذلك الدرهم وصار كأن الزيادة على النصف كانت بثلثي درهم والزيادة الثانية بثلث درهم.
والثالثة، أن يقول: ضعوا عنه أكثر ما بقي عليه ومثله فقد أوصي بأن يوضع عنه زيادة على مال الكتابة لأن أكثر ما بقي هو النصف وزيادة ومثل ذلك يكون نصفًا وزيادة، فيكون الجميع أكثر من مال الكتابة فتصح الوصية بمال الكتابة وتبطل في

الزيادة لأنها وصية بمال لا يملك ولا يمكن أن يوضع إلا ما عليه [159/ ب].
مسألة: قال: «ولو قال: ضعوا عنه ما شاء».
الفصل نقل المزني: أنه لا يجوز أن يشاء جميع ما عليه بل يحتاج أن يبقي منه جزءًا، وإن قل، ونقل الربيع عن «الأم»: أنه إذا قال: ضعوا عنه من كتابته ما شاء فشاء كلها لم يوضع عنه حتى يبقي منها شيئًا، فقيد بقوله من كتابته، واختلف أصحابنا في هذا فمنهم من قال: الصحيح ما نقله الربيع، وإنما يوضع البعض إذا قال: ضعوا عنه من كتابته شيئًا لأن «من» تقتضي التبعيض، فأما ما نقله المزني، وهو إذا قال: ضعوا عن مكاتبي ما شاء، فإذا شاء الكل وضع عنه لأنه علق ذلك بمشيئته مطلقًا، وقال أبو إسحاق: الكلامان معًا صحيحان، أما ما نقله الربيع فصحيح على ما ذكرنا، وأما ما نقله المزني فله وجه صحيح، وذلك لأنه لو أراد وضع جميع مال الكتابة لقال: ضعوا عنه جميع مال الكتابة فلما قال: ضعوا عنه ما شاء كان معناه ما شاء من كتابته فحمل على ذلك، وقيل: معناه في التقدير: ضعوا عنه ما شاء مما عليه، أو من مال الكتابة، فإن لا يصح إلا هكذا فكأن كلمة «من» مضمرة فيه، وهكذا قال القاضي الطبري، وقال صاحب «الإفصاح» إذا قال: من مال كتابته فهو كما قال في «الأم»: وإذا لم يقل ذلك، وأطلق كما نقل المزني: فيه وجهان، وقال القفال: غلط المزني وترك كلمة «من» ولا بد من ذلك ليصح ما ذكر من الجواب.
فرع قال في «الأم»: ولو قال: ضعوا عنمكاتبي بعض كتابته أو بعض ما عليه وضعوا عنه ما شؤوا من كتابته، وإن قل وإذا وضعوا قدرًا، وإن كثر [160/ أ] يكون ذلك بوصيته ولا يقال: الزيادة على الواجب تبرع من جهة الوارث لأن لفظ الموصي يحتمل ذلك ولهم أن يضعوا ذلك عنه من آخر نجومه، أو أولها كما يوصي لرجل بدين عليه من دين حال، أو بأجل وضعوا عنه إن شاء من الحال وإن شاء من المؤجل.
فرع آخر ولو قال: ضعوا عنه نجمًا من نجومه، أو بعض نجومه لم يكن لهم أن يضعوا عنه نجمًا، ولهم أن يضعوا عنه أي نجم شاؤوا.
فرع آخر قال: ولو قال: ضعوا عنه ما يخف من كتابته، أو ضعوا عنه ما يثقل عليه من كتابته، أو ضعوا عنه جزءًا من كتابته، أو ضعوا عنه كثيرًا من كتابته، أو قليلًا من كتابته، أو ذا بالٍ من كتابته، أو غير ذي بالٍ كان إليهم أن يضعوا عنه ما شاؤوا لأن

القليل يخفف عنه من كتابته، ويثقل عليه مع غيره في كتابته ويكون كثيرًا وقليلًا.
فرع آخر قال: ولو أوصي له بنجم من كتابته وكانت نجومه مختلفة كان ذلك إلى الورثة يعطونه أي نجم شاؤوا متقدمًا، أو متأخرًا أقل النجوم مالًا أو أكثرها، ولو قال: ضعوا عنه أكبر نجومه أو أكثر نجومه وضع عنه أكثرها مقدارًا لأن الأكبر لا يعبر عنه عن طول الأجل لأنه لا يقال: أجل كبير وصغير، وإنما يقال: أجل طويل وقصير.
فرع آخر قال: ولو قال: ضعوا عنه أوسط نجومه، فإن كانت ثلاثة وكانت متفقة الآجال والمقدار وضع الثاني، وإن كانت أربعة كانوا بالخيار بين أن يضعوا الثاني أو الثالث لأن له أوسطين، وإن كانت خمسة وضعوا الثالث، وإن كانت مختلفة في [160/ ب] الآجال والمقدار مثل أن يكون أحدهما مائة والآخر مائتين والآخر ثلاثمائة ويكون أحدها إلى شهر والآخر إلى شهرين والآخر إلى ثلاثة أشهر، كانوا بالخيار بين أن يضعوا الأوسط من الآجال والمقدار والعدد.
فرع آخر لو قال المكاتب: أراد السيد في المقدار، وقال الورثة بل أراد في العدد، فالقول قول الورثة أنهم لا يعلمون ما أراد والخيار إليهم وعليهم اليمين، وهكذا الحكم إذا قال: ضعوا عنه نجمًا من أوسط نجومه ولا فرق بين العبارتين.
فرع آخر قال: ولو قال لمكاتبه: إذا عجزت بعد موتي فأنت حر عتق بعجزه بعد الموت لأنه لا يمتنع أن يكون الموت صفة في وقوع العتق كالتدبير، قال أصحابنا: ويصح مثله في قول السيد لعبده: إذا دخلت بعد موتي الدار فأنت حر أن يعتق بموت السيد بدخولها لأن الصفة المطلقة تقتضي حال الحياة، وإذا قيدها بما بعد الموت تعلقت به، وقال صاحب «الحاوي»: وفي هذا نظر عندي، وفرق بينه وبين مسألة المكاتب لأن العبد موروث فجاز أن يعتق المكاتب بالعجز لبقائه على حكم ملك السيد، ولم يعتق العبد بدخول الدار لخروجه عن ملك السيد.
فرع آخر قال: لو ادعي العجز في هذه المسألة فإن كان قبل حلول النجم لم يعتق لأن العجز وقت الاستحقاق، وإن ادعي بعد حلول النجم أنه عاجز اعتبر ما بيده فإن كان معه مال النجم لم يعتق لأنه ليس بعاجز وإن جاز أن يعجز نفسه لأنه على عتقه بالعجز لا

بالتعجيز، وإن لم يكن بيده مال، فالظاهر عجزه، [161/ أ] فيكون القول قوله مع يمينه في التعجيز إن كذبته الورثة لأنه أمر يتعلق به، فالمرجع إليه، فإذا حلف عتق ولو عجز عن آخر النجوم، وقدر على الأول، والثاني: كان عجزًا يعتق به.
فرع آخر لو كاتب عبدًا غائبًا وعبدًا حاضرًا فقبل الحاضر لنفسه وعن الغائب لم يجز، وقال أبو حنيفة: يجوز وهذا لا يصح لأنه لم يأذن له الغائب بذلك فلا يصح.
فرع آخر لو كاتبه على زقاق خمر فلو عجل دفعها إلى السيد قبل حلول النجم، قال بعض أصحابنا فيه وجهان، وإلا ظهر أنه لا يعتق لأن في الكتابة الفاسدة يعتق بالصفة والصفة عند حلول النجم.
فرع آخر لو قال: إن شفي الله مريضي فعبدي مكاتب لا يكون شيئًا إلا أن يقول: كاتب عبدي.
فرع آخر لو خلف لا يبيع عبده فكاتبه لا يحنث لأنه لا يسمي بيعًا في العرف وقيل: فيه وجه آخر يحنث لأنه بيع رقبته منه في الحقيقة.
فرع آخر إذا كاتب عبده المرهون لا يجوز وكذلك إذا كاتب عبده المؤجر لا يجوز لأن الرهن يقتضي البيع والكتابة تمنع البيع والكتابة تقتضي التمكين من التصرف، والإجارة تمنع ذلك.
فرع آخر قال بعض أصحابنا: يجوز كتابة أم الولد والمدبر لأنه عتق بصفة يجوز أن يتقدم الموت فجاز في المدبر وأم الولد بالعتق المعلق بدخول الدار، وقال ابن أبي أحمد في «التخليص»: أم الولد في جميع أحكامه كالأمة إلا في أربع مسائل، لا يجوز بيعها ورهناها وهبتها وكتابتها، ولا يجري فيها الوصايا [161/ ب] أو المواريث، قاله في البيع نصًا وقلته في الباقي تخريجًا، وقال القاضي الطبري: قال في «الأم»: ولا تخالف أم الولد المملوكة في شيء إلا أنه لا يجوز لسيدها بيعها ولا إخراجها من ملكه بشيء غير العتق، وهذا يدل على أنه يجوز له أن يكاتبها، قال: ومن أصحابنا من خرج في جواز كتابتها وجهًا آخر أنه يجوز ولأن الشافعي نص أن المكاتبة إذا حبلت من سيدها لم تبطل الكتابة، وقال الداركي: فيه وجهان، وهذا كله تخليط، والفرق بين استدامة الكتابة وابتدائها أن الاستدامة أقوى من الابتداء، وقد أجمع أصحابنا على أن الإحبال يمنع ابتداء الرهن ولا يمنع من استدامته في أحد القولين، ولا يجوز كتابة أم الولد على ما أِار إليه في «الأم»، وهذا أصح عندي لأن الكتابة اعتياض عن رقبتها، ولا يجوز ذلك كالبيع والمشهور عند أصحابنا بخراسان جواز

كتابتها وكذلك عند أكثر أصحابنا بالعراق والتحقيق ما ذكرنا والله أعلم.
فرع آخر ذكره والدي رحمه الله إذا أدي الكاتب المعيب إلى سيده ولم يبق عليه شيء فقبل معرفة السيد بالعيب شهد المكاتب عند الحاكم هل تقبل شهادته؟ يحتمل وجهين، فإذا لم يقبلها وردها فعاد بعد الرضا بالعيب، وأعاد الشهادة هل يقبل هذا المعاد أم لا؟ يحتمل وجهين.
فرع آخر إذا قال لعبده: أت حر مثل هذا العبد، وأشار إلى عبد آخر يحتمل أن لا تقع الحرية لأن حرية البدن غير الحرية في المشتبه به، فيعلم أن القصد به حرية الخلق وهذا يشبه ما يقول: إذا قال: أنت أزني من فلان لم يكن قاذفًا [162/ أ] إلا أن يقول: فلان زان، وأنت أزني منه.
فرع آخر لو قال لعبده: أنت حر مثل هذا وأشار إلى عبد، ولم يقل: هذا العبد احتمل أن يعتقا والأصح أنهما لا يعتقان لأن عتق المشبه به لم يثبت حتى يعتق هذا بتمثيله به، وهو قياس ما ذكرنا في القدف سواء.
فرع آخر إذا قال: فلان أخي ثم [قال:] أردت به الإخوة من الرضاع يجب أن يقبل لأن اللفظ وإن كان محتملًا فالأظهر من محتمليه هو الإخوة من جهة النسب ولا يقبل قول أحد فيما يخالف ظاهر كلامه، ولهذا لما ذكر الله تعالى المحرمات في القرآن قيد الأمهات والأخوات بالرضاع لما قصد ذكرهن ولم يقيد أمهات النسب وأخواته بذكر النسب، ولهذا نقول: لو قال أردت به الإخوة بالإسلام لم يقبل، وإن كان الله تعالى قد قال: ﴿إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]، ويحتمل أن يقبل ذلك عندي لأن الناس يسمونه أخًا مطلقًا في بعض البلاد.
فرع آخر إذا أوقع العتق على بعض مملوكه سرى إلى الباقي إذا كان قابلًا للعتق إلا في مسألة ذكرها بعض أصحابنا، وهي: إذا وكل آخر بأني يعتق عبده كله فأعتق الوكيل نصفه، ففي وقوع العتق على النصف وجهان: أحدهما، لا يقع، والثاني، يقع وبه، قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد.
والثاني: لا يعتق إلا النصف ويبقي نصفه لإعتقا المالك، وبه قال أبو حنيفة إلا أنه قد يستسعي في الباقي، وهذا الوجه ضعيف على أصلنا لأن إعتاق الوكيل عنه كإعتاقه بنفسه فلما امتنع التبعيض هناك كذلك ههنا.
فرع آخر إذا قال لآخر: [162/ ب] أنت تعلم أن العبد الذي في يدي حر حكم بحريته، ولو

قال: أنت تظن أنه حر لم يحكم بحريته، والفرق أن في الأول لو لم يقل بالحرية أدي إلى أن لا يكون المقول عالم بحريته، والسيد معترف بعلمه بذلك، فأوقعنا الحرية ليتحقق هذا المعني، وفي المسألة الثانية إذا لم يوقع الحرية لم يخرج المقول له من أن يكون ظانًا لجواز أن يظن الإنسان الشيء على خلاف ما هو به ومثل هذا في العلم لا يصح.
فرع آخر إذا قال لآخر: أنت ترى أن العبد الذي في يدي حر احتمل أن لا تقع الحرية ويحتمل أن تقع الحرية ويحتمل الرؤية ههنا علم العلم كما قال الشافعي رضي الله عنه إذا قال لامرأته: إن رأيت الهلال فأنت طالق حنث إذا رآه غيره وتحمل الرؤية على العلم.
فرع آخر رجل ضرب عبد غيره، فقال صاحب العبد للضارب معاتبًا له على الضرب عبد غيرك حر مثلك هل تقع الحرية بهذا القول؟.
قال والدي رحمه الله: عندي أنه لا تقع الحرية لأنه لم يعين عبده.
واللفظ محمول على عبد واحد من عبيد الدنيا كبير عنه مع أنه اعتراف بالحرية وهو مناقض لأنه وصفه بكونه عبدًا حرًا، فهو كما لو قال: عبدي لفلان لا يكون إقرارًا لما فيه من التناقض.
فرع آخر قال بعض أصحابنا بخراسان: إذا أوصي لعبده بثلث ماله فيه ثلاثة أوجه أحدها: بطلت الوصية، والثاني: تصح بثلث نفسه فقط، والثالث: تصح بجميع ثلثه ويقدم نفسه عليه [163/ أ].

باب عتق أمهات الأولاد

مسألة: قال: وإذا وطئ أمته فولدت ما تبين أنه من خلق الآدميين».
الفصل اعلم أنه إذا وطئ أمته فولدت ولدًا منه، فالولد حر لأنها علقت في ملكه وتسري حرمة الحرية إلى الأم، فتصير أم ولدٍ له لا يجوز بيعها ولا هبتها ولا التصرف فيها بشيء من أنواع التصرفات، ولكن يجوز التصرف في منافعها بالوطئ والاستخدام، فإذا مات السيد عتقت بموته وبه قال عمر وعثمان وعائشة رضي الله عنهم، وسعيد بن المسيب والحسن ومالك وأهل المدينة والأوزاعي وأهل الشام والليث بن سعد وأهل مصر وأحمد وإسحاق وكافة أهل العلم.
وروي عن جابر وعبد الله بن الزبير، وبه قال داود والشيعة يجوز بيع أم الولد، وروي الحجازيون عن علي رضي الله عنه أنه حرم بيعها، وروي العراقيون عنه جوازه، وروي الشيعة عن ابن سيرين عن علي رضي الله عنه، أنه قال: اضوا في أمهات

الأولاد بما كنتم تقضون فإني أكره أن أخالف أصحابي يعني أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم وروي عن عبيدة قال: بعث إلى علي رضي الله عنه وإلى شريح أن اقضوا ما كنتم تقضون في أمهات الأولاد فإني أكره الاختلاف.
وروي عن عبيدة السلماني أنه قال: سمعت عليًا رضي الله عنه يخطب، فقال: إن عمر شاورني في أمهات الأولاد فاجتمع رأيي ورأيه أن يعتقن فقضي عمر بذلك، [163/ ب] ثم ولي عثمان فقضي بذلك حياته ثم وليت فرأيت أن أرقهن، فقال له عبيدة: رأيي عدلين في جماعة أحب إلى من رأي عدل.
وفي رواية عن علي رضي الله عنه، قال: اجتمع رأيي ورأيي عمر على أن لا تباع أمهات الأولاد، وأنا أرى الآن أن يبعن، فقال له عبيدة السلماني: رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك في الفرقة فمن أصحابنا من قال: رجع عن ذلك ومنهم من قال: لم يرجع عن ذلك ولكن العصر الثاني: أجمعوا على أنها لا تباع ويرتفع الخلاف السابق في أحد القولين.
وروي عبد الله بن قارب الثقفي أنه اشتري رجل جارية بأربعة آلاف كانت قد أسقطت من مولاها سقطًا، فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه، فأتاه بالدرة ضربًا وقال: بعدما اختلطت لحومكن بلحومهن ودماؤكم بدمائهن بعتموهن وأكلتم أثمانهن لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم أن يأكلوها فباعوها وأكلوا أثمانها، وعن ابن عباس رضي الله عنهما روايتان: إحداهما، أنه قال: هي كشاتك أو بعيرك، والثانية، أنه قال: تجعل في سهم الولد وتعتق عليه، وروي عن سلامة بنت مغفل، فقالت: كنت للخباب بن عمرو فمات ولي منه غلام فقالت امرأته: الآن تباعين في دينه فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فذكرت ذلك له، فقال - صلى الله عليه وسلم -: طمن صاحب تركة الخباب»، فقالوا: أخوه أبو اليسر كعب بن عمرو فدعاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «لا تبيعوها وأعتقوها، فإذا سمعتم برقيق قد جاءني فأتوني أعوضكم عنها»، ففعلوا فاختلفوا فيما بينهم بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال بعضهم: بل هي حرة أعتقها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ففي ذا كان الاختلاف.
وروي فرفع خوات إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال رسول الله: «لا تباع وأمر بها فأعتقت».
وروي عن قتادة أنه قال: إن عمرَ وعُمر يعني عمرَ بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز أعتقا أمهات الأولاد ومن بينهما من الخلفاء.
واحتجوا بما روي عن جابر رضي الله عنه، قال: كنا نبيع أمهات أولادنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أظهرنا إلى أن نهانا عنه عمر رضي الله عنه فانتهينا.
وروي عن جابر وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما أنهما قالا: كنا نبيع أمهات

الأولاد على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ودليلنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال عند موته: «ما أخلف دينارًا ولا درهمًا، ولا عبدًا ولا أمة»، قالت عائشة رضي الله عنها، فمارية، فقال: «تلك أعتقها ولدها».
وقال الوليد بن عبد الرحمن عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى علي رضي الله عنه أن أم إبراهيم حرة، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال لأم إبراهيم حين ولدت: «أعتقها ولدها».
وروي ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أيما أمة ولدت من سيدها فهي حرة»، وروي: «فهي معتقة من دبر منه»، وروي ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أم الولد لا يبعن ولا يوهبن [164/ ب] ولا يورثن، ويستمتع بها سيدها ما بدا له فإذا مات فهي حرة».
وقال الإمام أحمد البيهقي: هذا رواه ابن عمر عن عمر وغلط من رفعه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وروي ابن عباس رضي الله عنه، قال: أعتق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمهات الأولاد، وقال: «لا يبعن في دين، ولا يجعلن في وصية».
وأما خبرهن فليس فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علم ذلك فأقرهم عليه، ويحتمل أنه نهي عنه بعد ذلك ولم يبلغها النهي ويبلغ عمر ومن تابعه، فأجمعوا على تحريم بيعهن.
وقال الإمام أحمد البيهقي أقوى شيء فيه إجماع الخلفاء، أو نحمله على الاستلاد برفع النكاح.
ورفع إلى شريح رجل تزوج أمة فولدت له أولادًا ثم اشتراها فرفعهم شريح إلى عبيدة، فقال عبيدة: إنما تعتق أم الولد إذا ولدت أحرارًا، فإذا ولدتهم مملوكين، فإنها لا تعتق وبهذا أجاب الشافعي، وقال: لأن الرق جري على ولدها لغيره.
فإذا تقرر هذا نقول: قال الشافعي رضي الله عنه: ولا تخالف أم الولد المملوكة في شيء إلا أنها لا تخرج من ملكه في دين ولا غيره.
وهي في ثلاثة أحكام كالحرة في البيع والرهو والهبة، وفي الكتابة خلاف ما ذكرنا وهي في ستة أشياء، كالأمة في ملك أكسابها ونفقتها ووطئها وفي العدة وشهادتها والجناية عليها، وتخالف الحرة في جنايتها خطأ فإن أرشها على السيد وفي تزويجها اختلاف على ما ذكرنا في كتاب النكاح.
وإذا تقرر هذا ففيه مسائل، أحدها: أن تعلق بولد حر في ملكه فتصير أم ولد بلا

خلاف [165/ أ] إلا في مسألة واحدة وهي الراهن إذا أحبل جاريته المرهونة، فإنها لا تصير أم ولده في أحد الأقوال على ما ذكرنا في كتاب الرهن.
والثانية: أن تعلق بولد مملوك في غير ملك بأن يتزوج أمة فأحبلها فأتت بولد يكون مملوكًا، فلا يثبت للأم حكم الاستيلاد بحال خلافًا لأبي حنيفة رحمه الله إلا في مسألة واحدة، وهي المكاتب يستولد أمته يثبت له حكم الاستيلاد في أحد القولين، وإن كان الولد مملوكًا، والفرق أنه قد ثبت لهذا الولد حكم الحرية، فإنه مكتب على ولده وإن كان مملوكًا في الحال، وفي الولد الحاصل من النكاح لم يثبت حكم الحرية أصلًا، فلا يثبت لأمه حكم الاستيلاد كما لو استولدها بالزنا.
والثالثة: أن تعلق بحر في غير ملكه فهل تصير أم ولده فيه قولان ذكرناهما في مواضع.
فإذا تقرر هذا ينظر فإن أتت بولدٍ تام الخلقة، إما حيًا وإما ميتًأ تعلق بولادته أربعة أحكام، وهي أن تصير أم ولده وتجب فيه الغرة بالجناية، إن كان حرًا أو عشر قيمة أم إن كان مملوكًا وتجب فيه الكفارة وتنقضي به العدة.
وإن أتت بولد ظهر فيه شيء من خلقه الآدمي، إما يد أو رجل أو ظفر ونحو ذلك يتعلق به هذه الأحكام أيضًا، وإن وضعت جسدًا ليس فيه تخليط، وقال القوابل: إن فيه تخليطًا باطنًا تتعلق به هذه الأحكام أيضًا لأن المرجع فيه [165/ ب] إلى القوابل اللاتي هن أهل المعرفة بذاك وقد شهدت بأنه ولد.
وإن وضعت جسدًا ليس فيه تخطيط ظاهر ولا باطن، ولكن قالت القوابل: بل هذا مبدأ خلق الآدمي ولو بقي لتخلق وتصور كانت به أم ولد أيضًا، فإن شككن فيه لم تكن به أم ولد، هذا هو الطريق الصحيح، وهو الذي نص عليه الشافعي، ونقله القاضي أبو حامد ذكره القاضي الطبري، وقال أبو إسحاق: لا تصير بهذا أم ولد قولًا واحدًا، قال أبو حامد وهو ظاهر ما نص ههنا لأنه شرط أن يتبين فيه من خلقه الآدمي، وهذا أصح عندي لأنه لا يسمي ولدًا فلا تصير به أم ولد؟، ومن أصحابنا من قال: فيه قولان، ونص الشافعي في العدة، على أن العدة تنقضي به، وقد شرحنا هذا في الكتاب العدة وذكرنا ما قيل فيه من الطرق.
فرع لو نظر إليه من الرجال من له بصيرة وعلم ذلك قبلنا فيه قول رجلين وإنما نص الشافعي على النساء لأن الرجال قلما يعلمون ذلك وليس ذلك تحتم ولكن هو الأولى والعدالة شرط في النساء وفي الرجال الذين رجعنا إلى قولهم.
مسألة: قال: «فإذا مات عتقت من رأس المال».
إذا مات سيد أم الولد، فإنها تعتق بموته من رأس المال بدليل ما روي أن مارية القبطية

لما أتت بإبراهيم ابن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال - صلى الله عليه وسلم -: [166/ أ] «أعتقها ولدها» أي أثبت لها حرمة الحرية وحقها ولم يرد به أنها عتقت في الحقيقة، ولا فرق بين أن يحبلها في الصحة أو في المرض لأنها بمنزلة ما يستمتع به من المأكول والطيب واللباس ونحو ذلك ولا فرق بين المديون وغيره لأن الاستيلاد لما تحقق صار كالاستهلاك بخلاف التدبير، ولهذا جاز بيع المدبر دون أم الولد، وقد روي أن عكرمة سئل عن أمهات الأولاد فقال: هن أحرار، قيل له: بأي شيء تقوله، قال: بالقرآن، قالوا: بماذا قال: قال الله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: 59]، وكان عمر رضي الله عنه من أولى الأمر، قال: أعتقت وإن كان سقطًا وروي عنه أنه قال: «أعتقها ولدها وإن كان سقطًا».
مسألة: قال: «وولد أم الوليد بمنزلتها».
أم الولد إذا أتت بولد لا يخلو، إما أن تأتي به من سيدها أو من غيره، فإن كان من سيدها، فهو حر لأن الأول أتت به وهي مملوكة، وكان حرًا فهذا الولد الثاني وقد ثبت لها حق الحرية أولى أن يكون حرًا ولا يثبت الولاء على هذا الولد والاعتبار بالأم في رق الولد وحريته إلا في الاستيلاد فإن الولد في الحرية تبع الأب لا تبع الأم، وإن أتت به من غيره، إما من زوج أو من زنا.
وقول الشافعي من حلال أراد به من زوج فإنه يثبت له الحرية مثل ما يثبت لها وتعلق عتقه بموت السيد، فلا يجوز له التصرف فيه [166/ ب] بما لا يجوز في الأم لأن الولد تبع للأم في الرق والحرية وفي سبب الحرية إذا كان مستقرًا، ثم ينظر فإن مات السيد عتقت الأم والولد بموته، وإن ماتت الأم قبل موت السيد، فقد بطل حكم الحرية فيها، وبقي ذلك الحكم في الولد، فإذا مات السيد عتق بموته من رأس المال لأن الحكم ثبت له ثبوتًا مستقرًا فلم يبطل بموت الأم.
ولأن عتقه غير موقوف على عتق أمه ولكن يوقف عتقه وعتق أمه على موت السيد، فإذا مات السيد بقي من بقي من الولد كجماعة من المماليك تعلق عتقهم بوصف، فمات بعضهم ثم وجد الوصف وبهذا يخالف ولد المكاتب إذا عجزت نفسها وفسخت الكتابة، فإن ولدها يرق لأن أداء المال يسقط بفسخ الكتابة، وذلك العتق معلق بصفة أداء المال، فإذا سقطت الصفة سقط العتق في الأم والولد جميعًا، وقد روي عن ابن عمر رضي اله عنهما أنه قال: إذا ولدت الأمة من سيدها فنكحت بعد ذلك فولدت أولادًا كان ولدها بمنزلتها عبيدًا ما عاش، فإن مات فهم أحرار.
مسألة: قال: «ولو اشترى امرأته وهي أمة حامل منه، ثم وضعت عنده عتق ولدها منه».
الفصل إذا اشترى زوجته وهي حامل فولدت عنده، فإن الولد يكون لسيد الأمة، وقد ملك

ولده فعتق بالملك ولم يرد به الشافعي أنه يعتق يوم الوضع بل حكمنا بعتقه من بطنها يوم اشتراها حاملًا، وإنما هو توسع في العبارة ويثبت عليه الولاء.
وإن ولدت ثم اشتراها وولدها فأولى أن يعتق الولد، [167/ أ] وأمان الأم، فلا تصير أم ولد له أبدًا حتى تحمل منه وهي في ملكه وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: تصير أم ولد له لأنها علقت بولد ثابت النسب منه، قوال مالك: إن اشتراها وهي حامل، فولدت عنده في ملكه تصير أم ولد له، وإن اشتراها بعد أن ولدت لا تصير أم ولد له.
ودليلنا: أنها عقلت بولدٍ مملوك، فلا تصير أم ولد له كما لو علقت بالزنا، وقد بينا أنه لو ملك ولد الزنا لا يعتق عليه خلافًا لأبي حنيفة.
ثم قال الشافعي رضي الله عنه: فإن أصابها بشبهة فعلقت منه ثم ملكها لم تكن به أم ولد، وقد ذكرنا أنه أحد القولين.
ولو كان بين رجلين أمة فأصابها أحدهما فعلقت قد ذكرنا فيما تقدم حكمه ونشير في هذا الموضع، فنقول: إن كان معسرًا فعليه نصف قيمة ولده ونصف مهر مثلها، وإن كان موسرًا، فعليه نصف قيمتها لشريكه وكلها أم ولد له، وفي نصف قيمة الولد قولان، قال القاضي أبو حامد: لا يلزمه في أولاهما لأنه أتلف حق شريكه منها بالعلوق قبل أن يكون للجنين قيمة، وهذه العلة لا تصح لأنه يوجب أن لا تجب أيضًا إذا كان معسرًا لأنه أتلف حق شريكه منه بالعلوق، قبل أن يكون للجنين قيمة وقد نص على أنه يجب ذلك ولكن العلة صحيحة فيه أنا جعلناها أم ولده في الحال، فيكون الوضع في ملكه فلا تجب قيمة الولد بخلاف ما إذا كان معسرًا فإنها وضعت نصفه في ملكه ونصفه فيملك شريكه لأن نصيب شريكه لم يصر أم ولد له.
ثم قال: «وللمكاتب أن يبيع أم ولده»، وقد ذكرنا حكمه وعند أحمد لا يبيعها، وقال ابن أبي أحمد: [167/ ب] لا تباع أم الولد إلا في ثلاث مسائل، إحداها: هذه، والثانية: أن يطأها فأولدها وهي مرهونة، والثالثة: إذا أحبلها بعد ما حنث وقد شرحناها فيما تقدم.
مسألة: قال: «ولو أوصي رجل لأم ولده أو لمدبره».
الفصل أما أم الولد، فالوصية لها تصح لأن الوصية تلزم بعد الموت وهي حرة في تلك الحالة فيصح أن تملك بالوصية، وأما المدبر والمدبرة، فالوصية لهما تصح أيضًا لأنهما يعتقان بموته، ولكن أم الولد تعتق بموت السيد من رأس المال ويعتبر خروج ما أوصي لها من الثلث، فإن احتمل جميعه نفذت الوصية فيه، وإن لم يحتمل نفذ في القدر الذي يحتمله الثلث، وأما المدبر والمدبرة فيعتبر قيمتهما، وفيه ما أوصي لهما به من الثلث،

فإن احتمل جميع ذلك نفذت الوصية، وإن لم يحتمل بديء باعتبار قيمة المدبر فإن خرجت من الثلث نظر حينئذ فيما أوصي به فإن بقي من الثلث شيء نفذ بقدره، وإن لم يبق شيء من الثلث بطلت الوصية، وإن لم يكن يحتمل الثلث جميع قيمة المدبر عتق منه بقدر ما يحتمله الثلث وبطلت الوصية له.
مسألة قال: «ولو جنت أم الولد».
الفضل إذا جنت أم الولد فالأرش يتعلق برقبتها وعلى السيد أن يفديها لأنه منع بيها بإحبالها، ولم يبلغ بها حالة يتعلق الأرض بذمتها ويفارق هذا إذا كان له عبد، أعتقه ثم جني تعلق الأرض بذمته فيها.
فإذا تقرر هذا يضمن الأقل من قيمتها أو الأرش بخلاف العبد القن في احد القولين، فإنه يفديه بأرش الجناية بالغًا ما بلغ [168/ أ] لأنه يمكن بيعه بخلاف أم الولدفإن فداها السيد، ثم جنت ثانيًا، فقد ذكرنا في كتاب الجنايات قولين: أحدهما، أن الثاني يشارك الأول وعلل ههنا لهذا القول بأن إسلامه قيمتها كإسلامه بدنها لو كانت أمة، قنًا: فليس عليه سوى القيمة الواحدة.
ثم قال: ويدخل على هذا أن إسلامه قيمتها لو كان كإسلامه بدنها إلى الأول لزم الأول إخراج تلك القيمة بتمامها إلى الثاني إذا بلغ أرش الجناية الثانية قيمتها كما لو سلم الجارية الجانية إلى الأول فجنت في يده جناية يستغرق قيمتها وجب تسليمها إلى الثاني، والقول الأول أن السيد يغرم جنايتها، الثانية كما غرم الأول واختار المزني هذا القول، وبه قال أبو إسحاق، وقال: هذا أشبه بالحق عندي، ثم احتج المزني بحجة أخرى للشافعي، فقال: «لو كان إسلام قيمتها كإسلام بدنها لوجب أن تكون الجناية الثانية على قيمتها ولبطلت الشركة، وفي إجماعهم على إبطال ذلك إبطال هذا القول، وفي إبطاله ثبوت القول الآخر إذ لا وجه لقول ثالث، نعلمه عند جماعة العلماء ممن لا يبيع أمهات الأولاد».
ثم قال: «وإذا افتكها ربها عن الجناية الأولى صارت بمعناها المتقدم لا جناية عليها ولا على سيدها، فكيف إذا جنت لا يكون عليه مثل ذلك قياسًا؟»، فالجواب: أن السيد في الجناية الأولى قد غرم جميع قميتها لمنعه إياها عن البيع بالاستيلاد، والمنع لم يتكرر من السيد بتكرر الجناية كما يتكرر في العبد القن فكذلك لا يتكرر الغرم عليه، وإنما قلنا: لا يسترجع كل القيمة [168/ ب] من الأول لأن الجناية الثانية لم تحصل في ملك الأول حتى يلزمه الفداء، أو التسليم، وإنما حصلت في ملك السيد، ولكن الجنايات سواء في حق السيد، وهو ما ذكرنا من أن المنع واحد فيها.

واحتج أيضًا بأن قال: «وقد ملك المجني عليه الأرض بحق، فكيف يجني غيره وغير ملكه وغير من هو من عاقلته فيجب عليه غرمه أو غرم شيء منه» وأراد بهذا أن المجني عليه الأول قد ملك الأرض بكماله وهو قيمة أم الولد، فإذا جنت جناية أخرى لم يجز أن يسترجع منه بعض تلك القيمة بجناية حصلت من غيره وغير ملك، وغير من هو من عاقلته ليحترز ذلك عن عبده إذا جني وعن جميعه الذي هو من عاقلته، والجواب أن نقول: نحن إذا سلمنا قيمة أم الولد إلى الأول، نقطع القول بأنها صارت مسلمة له حيث لا يسترجع منه بعضها، ولكن حكمنا له مع جواز نقص ذلك الملك، بمعني عارض في بعض تلك القيمة ألا ترى أن الورثة إذا اقتسموا الميراث حكمنا لهم بالملك؟، ثم إذا وقعت بهيمة في بئر حفرها مورثهم نقضنا ملكهم في التركة بجناية حصلت من غيرهم وغير ملكهم وغير من هو من عاقلته.
مسألة: قال: «وإذا أسلمت أم ولد النصراني».
الفصل إذا كان للذمي أم ولد فأسلمت لا تعتق عليه، ولا تباع ولا تستعي، ولكن يحال بينه وبينها وتجعل في يد امرأة ثقة ينفق عليها من كسبها، فإن فضل شيء من كسبها كان لسيدها، وإن عجز عن نفقتها لزم السيد تمامها، وبه قال أحمد وإسحاق وجماعة، وقال مالك تعتق بإسلامها [169/ أ] ولا شيء عليها في إحدى الروايتين، وفي الرواية الثانية عنه أنها تباع عليه، وقال أبو حنيفة رحمه الله: تستسعي في قدر قيمتها، فإذا أدي عتقت وهو رواية عن أحمد، وقال أبو يوسف ومحمد: تعتق ثم تستسعي في قيمتها، وقال الأوزاعي: يعتق نصفها، وتستسعي في النصف الباقي، ودليلنا: أنه إسلام طرأ على ملك فلا يقتضي عتقًا كالعبد القن إذا أسلم وقد دللنا على بطلان الاستسعاء.
فرع قال أبو إسحاق: إذا أرادت التزويج في هذه المسألة زوجها الحاكم، وكان للسيد مهرها، وكذلك إن اختار تزويجها وكرهته هي غير أنه لا يزوجها فإنما يزوجها الحاكم، وتكون نفقتها على زوجها، وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يجوز تزويجها؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يزوجها هو ولا الحاكم لأن ولاية التزويج لا تثبت إلا مع الموالاة في الدين، وهذا أظهر وهو اختيار القفال، والثاني: يزوجها النصراني لأنه يتصرف بالملك، فلا يمنع اختلاف الدين، وما ذكرنا أصح.
فرع قال أبو إسحاق: هذه الجارية ما دامت مقيمة لا تتزوج فهي أحق بحضانة الولد، فإذا تزوجت صار الأب أحق بالولد إلا أن يخاف الفتنة على دينه فيمنع من ذلك، وإذا

كان طفلًا لا يعقل فهو أحق به، قال الشافعي رضي الله عنه: فإن أسلم خلي بينهما لأن المنع إنما تعلق بكفره، فإذا أسلم زال المانع.
مسألة: قال: «وإذا توفى سيد أم الولد أو أعتقها فلا عدة».
لا تجب العدة عليها، ولكن يجب الاستبراء، فإن كانت [169/ ب] من ذوات الأقراء، فإنها تستبرأ بقرء واحد، وبه قال مالك وأحمد، وقال الثوري: تعتد بقرأين، وقال أبو حنيفة: تعتد بثلاثة أقراء، وقال إسحاق: يلزمها عدة الوفاة، وقد مضت هذه المسألة بشرحها في كتاب العدة وإن كانت من ذوات الشهور، ففيه قولان: أحدهما: يلزمها شهر واحد لأن كل شهر في مقابله قرء، والثاني: يلزم ثلاثة أشهر وهو الأصح لأن براءة الرحم لا تعلم بدون ذلك لأن الولد يبقي في البطن أربعين نطفة وأربعين علقة وأربعين مضغة، فيتصور بعد ثلاثة أشهر وينتفج جوفها، فيعلم أن بها حملًا، وقيل: ذلك لا يعلم واختار المزني القول الأول.
مسألة: قال المزني: «وقد قطع خمسة عشر كتابًا بعتق أمهات الأولاد، ووقف في غيرها».
قال أبو إسحاق: ليس للشافعي في أم الولد إلا قول واحد أنها لا تباع، والذي حكاه المزني إنما هو قول حكاه الشافعي عن غيره وليس يتوقف منه فيه ولفظه في بعض المواضع لا يجوز بيعها في قول من لا يبعها يشير بذلك إلى خلاف كان في السلف، وذلك الخلاف اليوم مهجور، والفقهاء متفقون على منع بيعها فلا يكون هذا توقفًا فغلط المزني في هذا، وقيل: معناه توقف استيضاحًا لحكم الاجتهاد، وإفساد الدعوى للإجماع ردًا على مالك رحمه الله، فإنه ادعي بالاجماع في هذه المسألة بناءً على أصله في أن الإجماع إجماع أهل المدينة فقط لأن عليًا رضي الله عنه استجد خلافه في جواز [170/ أ] بيعها بالكوفة بعد أن وافق أبا بكر وعمر رضي الله عنهما بالمدينة، فلم يعتد مالك بخلافه بعد خروجه عنها، والشافعي يخالفه فيما يعتقده من الإجماع في تحريم بيعها، وفيما يراه من إجماع أهل المدينة.
مسألة: قال: «وفي كتاب النكاح القديم ليس له أن يزوجها بغير إذنها».
في تزويج أم الولد ثلاثة أقوال ذكرناها في كتاب النكاح، والأصح أنه يجبرها على التزويج، وبه قال أبو حنيفة، واختاره المزني، فإذا قلنا: بالقول القديم لا يزوجها أصلًا، فإن أذنت، قد ذكرنا عن ابن أبي إسحاق والاصطخري أنهما قالا: لا يزوجها الحاكم على هذا القول لأن الحرية إذا منعت ولاية المولى، وهو السيد فلأن تمنع ولاية الحاكم أولى، وهذا يدل على ضعف هذا القول، وأن الصحيح ما ذكرنا وإذا جوزنا تزويجها فزوجها انقطع ملك السيد عن استمتاعها ويحرم عليه وطئها، ويحل

ذلك لزوجها ويلزمه المهر، ويكون ذلك للسيد لأنه من جملة الكسب.
فرع لو أراد أن يزوج ابنة أم الولد، فهي كالأم فيها ثلاثة أقوال: وإذا جوزنا تزويجها يجوز أن يتزوجها من غير استبراء بخلاف أم الولد لأنها ليست فراشًا للسيد.
فرع آخر لو كان الولد غلامًا لم يكن للسيد إجباره على النكاح لأن ليس بتكسب فيجبره عليه بخلاف الأمل، وليس لهذا الغلام أن يتزوج بغير إذن السيد وفي جواز تزويجه بإذن السيد وجهان، تخريجًا من الأقوال في أمه.
فرع آخر إذا وطئ أخته من الرضاعة [170/ ب] بملك اليمين يلزمه الحد في أحد القولين والتعزير في القول الآخر، والنسب يلحقه ويكون الولد حرًا، وتصير الجارية أم ولد له بكل حال، وليس على أصلنا وطئ يجب به الحد، وتصير الجارية أم ولده غير هذا الوطئ، وهكذا الكافر إذا وطئ أمته المسلمة قبل أن تباع عليه، هل يجب الحد قولان وعلى كل حال تصير الجارية أم ولده لأنها علقت بحر في ملكه كالمسلم سواء.
فرع آخر أم الولد تضمن بالغصب خلافًا لأبي حنيفة وهذا على أصله أن التضمين يوجب التمليك ولا يملك أم الولد.
فرع آخر قال أحمد: إذا أحبل جارية ابنه تصير أم ولده لا يلزمه قيمتها، ولا مهرها لأنه لا يضمن قيمة ولدها، وهذا لا يصح لأنه لو لم يحبلها لزمه مهرها، فكذلك إذا أحبلها، ولأنها أتلف ملك غيره فيستحيل أن لا يلزمه الضمان.
فرع آخر للسيد إجارة أم الولد على ما ذكرنا وحكي عن مالك أنه ليس له إجارتها لأنه لا يبيعها، فلا يؤجرها كالمكاتبة، وهذا لا يصح لأنه يملك استخدامها فيملك إجارتها كالأمة القن سواء ويخالف المكاتبة لأنه لا يملك استخدامها، والله تعالى أعلم.
تم الجزء الثامن بتقسيم المحقق ويليه إنشاء الله الجزء التاسع وأوله: كتاب النكاح

بَحْرُ المَذْهَبِ في فُروعِ المذْهَب الشّافعي

تأليف القاضيُ العلاّمة فخر الإسلَام شيَخ الشّافعيّة الإمَام أبي المحاسن عَبد الواحد بن إسماعيل الرّوُيَاني المتوفي سنة 502 هـ

تحقيق طَارق فَتحي السَيِّد

الجُزء التاسع المحتوى: كتاب النكاح - كتاب الصداق

بسم الله الرحمن الرحيم

جارٍ التحميل