بحر المذهب للرويانيصفحات 306-345

كتاب مختصر المكاتب

صفحات 306-345

وإن مات العبد فقامت البينة أن السيد أقر بقبض النجوم في حياته فكذلك الحكم، وإن لم تقم البينة ولكنه يقر بعد موته بأنه كان قد أدى المال وعتق ويدعي ذلك لجر الولاء.
وقال موالي الأم مات قبل الأداء، فالولاء لنا، فالقول قول موالي الأم لأن الأصل بقاء الولاء لهم، فلا ينتقل عنهم إلا بيقين ويحلف مولى الأم على العلم أنه لا يعلم ذلك.
قال في «الأم»: ودفع مال المكاتب إلى ورثته الأحرار بإقرار سيده أنه مات حرًا وهذه الصورة مسألة الكتاب.
فرع لو أقر السيد في مرضه أنه قبض ما على مكاتبه حالا كان على المكاتب أو مؤجلاً صدق، وليس هذا بوصية وإنما هو أقر ببراءة دين كان عليه، فهو كما يصدق على إقراره لحر ببراءة دين له عليه.
مسألة: قال: «ولو قال: استوفيت ما على مكاتبي أقرع بينهما».
صورة المسألة: أن يكون مكاتبان فأقر أنه استوفى ما له على أحدهما وكانت كتابتهما سواءً أو أقر أنه أبرأ أحدهما ما عليه، وإنما أشكل عليه عينه، قال الشافعي: يقرع بينهما ولا خلاف أنه لا يقرع ما دام السيد حيًا بل يرجع إليه، [77/ أ] فيقال له: تذكر، وأخبر به، فإن الظاهر من حال الإنسان أنه إذا نسي شيئًا تذكره وأخبر عنه، فغن تذكر وأخبر به يعتق الذي أخبر به، فإن ادعى الآخر أنه هو الذي عتق، فالقول قول السيد فيحلف له وتسقط دعواه، فإن نكل عن اليمين حلف العبد وعتق أيضًا وإن لم يتذكر حلف لهما إذا تداعياه.
ثم الحكم فيهما بعد اليمين اختلف أصحابنا فيه على وجهين، أحدهما: أن يكون كل واحد منهما على كتابته، ولا يعتق واحد منهما إلا بأداء جميع المال وحكي عن الشافعي هذا الوجه لأن كل واحد منهما لم يستقر له الأداء، والثاني: أن الدعوى ترد على المكاتبين حتى يتحالفا على الأداء، فإن حلفا أو نكلا كانا على الكتابة لا يعتقان إلا بالأداء وإن حلف أحدهما ونكل الآخر قضى بالأداء للحالف منهما دون الناكل وعتق، وكان الناكل على كتابته، وإن مات السيد قبل البيان، ففيه قولان، أحدهما: يقرع بينهما لأن الحرية قد تعينت في أحدهما لا بعينه فوجب تمييز ذلك بالقرعة، ولأن معنى ذلك أن أحدهما حر والآخر مملوك فهو كما لو قال أحدكما: حر، ولم يبين ومات وأراد واحدًا بعينه لأن العتق قد تعين في الذي أدى الكتابة والسيد المخبر عنه، والثاني: لا يقرع بينهما لأن أحدهما قد عتق، فلو أقرعنا أدى إلى نقل الحرية من شخص إلى شخص ولا سبيل إلى ذلك.
وإذا قلنا: بهذا رجعنا إلى الورثة، فإن ذكروا أنهم يعرفون ذلك حكمنا بحرية المعين

بإقرارهم فإن ادعى الآخر ذلك يحلفون له، فإن نكلوا عن اليمين حلف العبد [77/ ب] أن الأول بالإقرار، والثاني: يرد اليمين وإن ذكروا أنهم لا يعرفون ذلك حلفوا لكل واحد منهما ويستوفون المال منهما جميعًا كرجل له دين على رجلين أقر أن أحدهما برئ مما عليه ولم يعينه ومات فالورثة يحلفون لكل واحد منهما ويستوفون الدينين معًا كذلك ههنا.
ومن أصحابنا من قال: بيان الورثة مقدم على الإقراع في العتق المعين وهذا عتق معين، فإن قال الوارث: لا أعلم يقرع حينئذ على ما ذكره الشافعي ذكرها القاضي الطبري وهذا أصح عندي، وقال صاحب «الشامل»: عندي أنه إذا حلف الوارث لهما أنه لا يعلم عين المؤدي منهما، وقلنا: لا يقرع فقالا: نؤدي على أحدنا إن كانت الكتابتان سواء، وإن اختلف المالان، فقالا: نؤدي الأكثر منهما ليعتق.
كان لهما ذلك لأنه إذا أدى ذلك فقد ثبت أداء جميع ما عليهما بحكم الإقرار السابق، وهذا حسن عندي.
فإن قيل: أليس لو قال: استوفيت ديني من أحد الغريمين ولم يبين، ومات لا يقرع بينهما فما الفرق؟ قيل: الفرق أن ههنا في ضمن الاستيفاء عتقًا والإقراء لحق العتق لا لتبيين الاستيفاء، وهناك استيفاء محض، فلا تشرع القرعة ونظيره لو قال: استوفيت بعض نجوم، أحدهما ولم يبين لا يقرع لأن العتق لا يحصل به، بل الأمر موقوف.
فإن قيل: هلا اعتبرتم ظاهر اللفظ وهو الاستيفاء حتى لا يقرع: لأنه إخبار وليس بإنشاء، وفي ذلك المخبر عنه استيفاء، وعتق والعتق مغلب [78/ أ].
وإذا أقرعنا، فخرجت القرعة لأحدهما عتق، وقد حصلت البراءة تبعًا للعتق وبقي الآخر مكاتبًا.
وإن ادعى أحدهما على الورثة فأنكر له حصل بإنكاره الإقرار للآخر.
ثم رجع الشافعي رضي الله عنه إلى مسألة الخلاف، فقال: والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم، قال: وكيف يموت عبدًا ثم يصير حرًا بالأداء بعد الموت؟، وإذا كان لا يعتق في حياة السيد إلا بعد الأداء فكيف يصح عتقه إذا مات قبل الأداء؟ وهذا ذكره دليلا على أبي حنيفة رحمه الله.
مسألة: قال: «ولو أدى كتابته فعتق وكان عرضًا فأصاب السيد به عيبًا فرده».
الفصل جملة هذا أن الكتابة على العرض جائزة كما تجوز على النقود لأنه تثبت في الذمة سلمًا، فإذا كاتب على عرضين موصوفين إل أجلين معلومين، فأداهما على صفتها، فإنه يعتق في الظاهر لأنه أدى المال الذي وقعت الكتابة عليه، فإن أصاب السيد

بالعرض عيبًا فله رده، وإمساكه لأنه ملكه بمعاوضة ولا فرق عندنا بين العيب اليسير والكثير.
وقال أبو حنيفة لا يرد بالعيب اليسير، فإن اختار الإمساك سقط حكم الرد واستقر ملكه على المأخوذ واستقر العتق، وإن اختار الرد فرده وعجز ارتفع العقد، وارتفع العتق الواقع له كالمشتري إذا رد المبيع بالعيب ويفارق هذا إذا قال لامرأته: إن أعطيتني ثوبًا فأنت طالق وأعطته ثوبًا فإنها تطلق فلو وجد به عيبًا، فرده لم يرتفع الطلاق لأن المغلب هناك حكم الصفة وههنا المغلب حكم المعاوضة، [78/ ب] فإذا رده ارتفع حكمه كالبيع، وقال أحمد: لا يرتفع العتق الواقع به إذا رد لأن المال فيها غير مقصود كما في الخلع وهذا غلط لما ذكرنا، فإن قيل: إذا اختار الإمساك ينبغي أن لا يعتق لأنه لم يعطه جميع ما وقع عليه العقد كما لو كاتبه على عشرة فأعطاه خمسة أو تسعة لا يعتق، قلنا: إذا أمسك المعيب فقد رضي بإسقاط حقه منه فجرى مجرى ما لو أبرأه مما بقي من مال الكتابة، ولأن سلامة الصفة اقتضاها العقد والقدر منصوص عليه فتعلق العتق به لأن حكم الصفة أخف وكفى في سقوط حقه منها إمساكه، وقال أبو إسحاق: العتق قد وقع بقبضة معيبًا لأن كونه معيبًا لا يمنع كونه ملكًا للقابض إلى يفسخ ذلك، وإذا كان ملكه وجب أن يعتق المكاتب لأنه لا يجوز أن يجتمع في ملكه البدل والمبدل، ويقال للسيد إن رضيت به فالعتق نافذ من يوم قبضت، وإن لم ترض به فرده بالعيب فإذا رده عاد مكاتبًا، وقيل له: إن أعطيته سليمًا من العيب فليس له تعجيزك، فإذا عجزت عن ذلك، فليس عليه الصبر وله تعجيزك ورد الكتابة.
قال المسارجسي: وبعض أصحابنا إذا وجد العيب تبينا أن العتق لم يقع فإن أمضاه ورضي به عتق من وقت الرضا وإن رد لم يقع العتق.
وقول الشافعي ورد العتق ليس على ظاهره لأن العتق لا يرد بعد وقوعه، وإنما لم يقع العتق لأنه إذا وجد به عيبًا تبينا أنه لم يأت بالعوض الذي وصفه كالمسلم إليه إذا أتى بالمسلم فيه بغير فته، فإن المعقود عليه [79/ أ] لم يسلمه والذي يدل عليه أن الشافعي شبهه بدفع دنانير نقص، ولا شك أن العتق لا يقع بدفع دنانيرنا فضة.
قال: وقد قال الشافعي في كتاب الخلع: إذا خالع بعبد بعينه فوجد به عيبًا رده، وكان له عليها مهر مثلها، وإنما أوقع الطلاق لأن العقد وقع على عوض موصوف، فإن كان به عيب لم يسلم ما وقع العقد عليه، قال: والدليل على أن العتق إذا وقع لا يرفع أن الشافعي، قال: ولو قال: أنا عبد فلان، فأنكره وقال: ليس لي عتق، فإنه أقر بعده لغيره لم يقبل منه ولا يرفع عتق واقع.
ولأن الشافعي قال: إذا اختلفا في مقدار مال الكتابة بعد قبضه تحالفا ويرجع إلى قيمته، ولا يرفع العتق فصح أن العتق لم يصح في هذه المسألة، وهذا إذا كانت السلعة قائمة، فأما إذا كانت فائتة، قال أبو إسحاق: عاد إلى الكتابة من يوم المعيب لأنه بالتلف وجب للسيد أرشه فكأنه من ذلك اليوم قد بقي من الكتابة مقدار أرش العيب، فيكون مكاتبًا من ذلك الوقت، فيقال له: إن أعطيته نقصان العيب من وقتك وإلا فلسيدك تعجيزك، ولم يقل: يرد العتق، فلو كان العتق باقيًا مع تلف السلعة كبقائه إذا

كانت باقية لاحتاج أن يرد العتق أولا ثم يعجز، وقال القفال: لو رضي بالعيب بعدما علم به، وفاتت السلعة ففي وقت العتق وجهان، أحدهما: من يوم الدفع، والثاني: من يوم الرضا، قال وإذا أراد الأرش فإن كان العيب ينقص عشر قيمة العوض فعلى العبد أني غرم عشر قيمة [79/ ب] نفسه كما لو أسلم ثوبًا في حنطة، فأخذ الحنطة وأتلفها ثم وجد بها عيبًا ينقص عشر قيمتها فعلى البائع أن يرد عشر الثوب وههنا لا يمكن أن يرد عشر نفسه للفوت بالعتق فيرد عشر قيمة نفسه ومن أصحابنا من قال: يلزمه عشر قيمة العوض، وهذا غلط وهكذا الحكم لو كانت السلعة باقية ولكن حدث فيها عيب آخر، فلم يرض به لا يقع العتق حتى يدفع الأرش.
وإن وجد ما أخذ مستحقًا بان أنه لم يعتق بلا إشكال.
فرع قال الشافعي رضي الله عنه لو قبضه، وقال له: أنت حر ثم بان استحقاقه، فاختلفا، فقال السيد: أردت أنه حر على حكم الكتابة بقبض ما قبضت.
وقال المكاتب: بل أردت إنشاء الحرية، فالقول قول السيد مع يمينه ثم هو على كتابته إلى أن يؤدي وعلى هذا لو قيل له: طلقت امرأتك، فقال: نعم، طلقتها، ثم اختلفا، قالت المرأة: أردت إنشاء الطلاق أو إقرارًا بطلاق آخر وقال الزوج: أنا قلت ذلك على ظن أن اللفظ الذي كان جرى بيننا وقع به الطلاق، وقد أفتى العلماء بأن ذلك اللفظ ليس بطلاق، فالقول قوله، ذكره القفال، وهو غريب ولو بان استحقاق العرض، ثم قال: أنت حر يعتق الآن بلا إشكال.
مسألة: قال: «ولو ادعى أنه دفع مال الكتابة انظر يومًا».
اعلم أنه إذا اختلف السيد والمكاتب، فقال: أديت المال وأنكر السيد، فإن لم يكن معه بينة، فالقول قول السيد لأن الأصل بقاء الحق في ذمته، وإن كان معه بينة تشهد له فإن كانت حاضرة أقامها، [80/ أ] قال: فإن جاء بشاهد حلف معه وبرئ.
وهذا نص على أنه يقبل فيه شاهد ويمين ولا فرق بين النجم الأول، والثاني: وقد ذكرنا وجهًا آخر أنه لا يقبل في النجم الثاني، وهو خلاف النص وإطلاق الوجهين خطأ وإن ادعى أن له بينة غائبة لا يؤجل أكثر من ثلاثة أيام لأنها آخر حد القلة وأول حد الكثرة، فإن أحضر شاهدًا واستنظر بالثاني، ينظر ثلاثة أيام أخرى، ولو أحضر شاهدين انظر لإثبات عدا لتهما ثلاثًا.
مسألة: قال: «ولو عجز أو مات وعليه ديون بدئ بها على السيد».
الفصل قد ذكرنا فيما تقدم أنه إذا مات سقط دين السيد وبقيت ديون الناس، فيقضي مما في

يديه، فإن بقي شيء لا يلزم سيده قضاءه، وإن لم يمت ولكنه أفلس يبدأ بديون الناس على نجومه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لو كان لسيده عليه دين من معاملة لا من نجوم الكتابة فهو كأحدهم في ذلك، وإنما تقدم الديون على نجوم الكتابة فقط، وإن كان فيهم مجني عليه، ففيه وجها، أحدهما: يشاركهم، والثاني: يصرف ما في يده إلى الغرماء ويعجز ثم تباع رقبته للمجني عليه لأنه يمكن استيفاء حقه من رقبته ولا يمكن استيفاء حق الغرماء من رقبته فكانوا أحق بما في يده، وهذا أصح وهو اختيار القفال وغيره.
قال القفال: فإن مات رقيقًا، وهناك ديون جناية ومعاملة، ففيه وجان أحدهما: يقدم دين المعاملة كما في حال الحياة، والثاني: هما سواء [80/ ب] لأن دين المعاملة كان في المال والأرش كان في الرقبة فلما مات انتقل إلى المال وعندي أن أرش الجناية سقط بموته لفوات محله، وهو الرقبة وليس له تعليق بالمدة.
فرع قال في «الحاوي»: إذا عجز وكانت الجناية أقل من ثمنه بيع منه بقدرها، وكان الباقي منه على رق سيده، فإن أراد السيد أن يستبقي الباقي على الكتابة جاز له لأنه لم يبتدأ بها في بعضه فيمنع منها، وإنما بطلت الكتابة في بعضه فجاز أن يصح الباقي منها، فإذا أدى كتابة باقية عتق، وفي تقويم باقيه على السيد إن كان موسرًا وجهان، أحدهما: لا يقوم عليه لتقديم سبب العتق قبل التبعيض، والثاني: يقوم الباقي ويسري العتق في جميعه لأن اختياره للإنكار كابتداء العتق.
فرع آخر قال: لو بيع بعضه في جنايته قبل أن يحل عليه مال الكتابة لزم السيد أن يقيم على الكتابة في باقية لأنها إذا لزمت في جميعه لزمت في بعضه ولا يقوم عليه باقيه إن عتق بالأداء وجهًا واحدًا لأن عتقه لم يقف على خياره بعد التبعيض.
فرع آخر لو استسخر السيد مكاتبه فحبسه عن العمل واستخدمه، فهو مضموم عليه، فيؤخذ من السيد ثم هل يستأنف له ما فات من زمان الأجلظ قولان أحدهما: لا يستأنف لأنه قد أخذ أجر المتلف، والثاني: يستأنف إذ لا سبيل إلى تعجيزه، وقد أبطل عليه مدته، فإذا قلنا: لا يستأنف فإن وقت أجرة المثل بمال الكتابة عتق، وإن كان فيه فضل بقي له الفضل، [81/ أ] وإن نقص فبذلك النقصان يعجزه السيد إن كان قد حل النجم.

باب كتابة بعض عبد، والشريكين في العبد يُكاتبانه

مسألة: قال: «ولا يجوز أن يكاتب بعض عبد».

الفصل إذا كاتب بعض العبد لا يخلو أن يكون باقيه حرًا أو مملوكًا له، أو مملوكًا للغير فإن كان باقيه حرًا صحت الكتابة لأنه يتوفر عليه جميع مقاصد الكتابة ويعطى من سهم الرقاب، وإن كان الباقي مملوكًا له نص على أنه لا يجوز لأنه يملك به كمال الكسب والتصرف فإن له منعه من السفر والغيبة ولا يجوز له أن يأخذ سهم الرقاب لأن السيد يأخذ نصفه لحق الملك وذلك لا يجوز، فصار كما لو كاتب عبدًا بشرط أن لا يسافر ولا يأخذ من الصدقة لا يجوز، وقال بعض أصحابنا: فيه قول مخرج أنه يجوز لأن الشافعي، قال في العبد المشترك: إذا كاتبه أحدهما بإذن شريكه فيه قولان، لأنه شريكه، وهو قد رضي، ومن قال بالأول فرق بأنه أمكنه هناك أن يكاتب كله ليكون العقد مصونًا عما ذكر وأحد الشريكين لا يمكنه أن يكاتب أكثر من نصيبه، فإذا قلنا: لا يجوز فأدى ما سمى عتق بالصفة والنصف الثاني يعتق بالسراية، ويتراجعان بنصف القيمة، وهو أن يؤدي العبد إلى سيده نصف قيمته ويسترد ما أعطاه وإنما قومنا عليه الباقي لأن نصفه عتق بسبب كان منه، ولا يجب على العبد قيمة نصف الذي سوى العتق إليه كما لو قال: [81/ ب] إن دخلت الدار فنصفك حر، فدخل عتق نصفه وسري إلى باقيه، ولا يقوم على العبد النصف الباقي، وقال ابن سُريج هذا إذا أدى ما سمي بعد أداء حق سيده من كسبه، فإن أدى قبل أداء حق سيده منه، ففيه وجها، أحدهما: لا يعتق كما في الكتابة الصحيحة لاستحقاقه لبعضه بحكم الملك فلم يكمل به الأداء، والثاني: يعتق لأن في الفاسد يغلب حكم العتق بالصفة، وقد وجدت الصفة وإن لم يملك كما لو قال: إن أعطيتني هذا الثوب فأنت حر فأعطاه وكان مغصوبًا عتق.
ومن أصحابنا من قال فيا يرجع به السيد على مكاتبه وجهان، أحدهما: ما ذكرنا، والثاني: يرجع بجميع قيمته لوقوع عتقه عن كتابة فاسدة ذكره في «الحاوي» وإذا قلنا: بالقول المخرج فإن هايأه السيد فكان يكسب يومًا ويخدم يومًا للسيد فأدى النجوم من نصيبه عتق النصف بالكتابة والنصف بالسراية، وإن لم يكن مهيأة بل اكتسب لنفسه كل يوم ووفر على السيد ضعف نجومه عتق أيضًا كما ذكرنا نصفه بالكتابة ونصفه بالسراية وإن لم يدفع إلا مقدار النجوم، فهل يعتق أم لا؟ فيه وجهان على ما ذكرنا.
وهو مخير يجوز أن يهايئه ويجوز أن لا يهايئه بلا خلاف.
وإن كان الباقي مملوكًا لغيره فإن كاتبه بغير إذن شريكه لا يجوز وبه قال مالك وأبو حنيفة وجماعة، وقال الحكم وعبيد الله العنبري وابن أبي ليلى والحسن بن صالح بن حي وأحمد: يجوز وهذا لا يصح لأنه إذا كان باقيه مملوكصا فالسيد لا يكنه من الاكتساب والسفر لا يدفع إليه شيء [82/ أ] من الصدقات، فلا يحصل له الأداء الذي هو المقصود لحصول العتق، وحكم الكتابة أن يكون عقدًا لا يكون المكاتب فيه ممنوعًا

من جميع وجود الاكتساب، وإن قلنا: لا يمكنه أخذ الصدقات لأن ذلك يؤدي إلى مقاسمة الشريك فتصير نصف الزكاة إلى سيده الذي لم يكاتبه فإذا ثبت أنه لا يجوز فقد اشتملت على معاوضة وصفة وبطلت المعاوضة فتجردت الصفة وللسيد إبطالها فإن أبطالها صار كأنه لم يكاتبه، وإن لم يبطلها حتى أدى مال الكتابة عتق وثبت بينه بين السيد التراجع على ما ذكرنا وسرى العتق إلى نصيب شريكه إن كان موسرًا ويلزمه قيمته، وإن جمع الكسب وأداه إلى السيد الذي كاتبه، فهل يعتق به وجهان على ما ذكرنا، والظاهر أنه لا يعتق لأنه يقتضي إعطاء ما يملكه وينتفع به وذلك لا يحصل بمال شريكه، وقال بعض أصحابنا بخراسان نقل الربيع: أنه لا يعتق ونص في كتاب ابن أبي ليلى: أنه يعتق فحصل قولان، قال: ولذا لو قال لعبده: إن أعطيتني عبدًا، فأنت حر فأعطاه عبدًا مستحقًا فهل يعتق؟ قولان، وهذا غريب، فإن قلنا: لا يعتق، فالسيد الذي لم يكاتبه يرجع على شريكه بنصف الكسب الذي أخذه من العبد فإن الكسب مشترك بينهما.
ثم إن كان مع العبد ما يؤدي إلى شريكه تمام ما عليه من كسبه وثبت بين المكاتب وبين سيده التراجع على ما ذكرنا في القسم قبله ويسري العتق إلى باقي العبد إن كان موسرًا، ويقوم عليه نصيب شريكه ولا يلزم العبد شيء، لأنه [82/ ب] لم يدخل في عقد الكتابة على ضمانه.
وإن كانت الكتابة بإذن شريكه فحصل، تصح الكتابة فيه قولان نقلها المزني، أحدهما يصح، وبه قال أبو حنيفة ومالك لأنه منع من ذلك لحق شريكه، فإذا رضي به بإسقاط حقه وإدخال الضرر على نفسه يصح ونص على هذا في الإملاء على مسائل محمد بن الحسن.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: إذنه في ذلك يقتضي أن يؤدي العبد مال الكتابة من جميع كسبه ولا يرجع الإذن بشيء منه وطلب أبو يوسف ومحمد يصير جميعه مكاتبًا لأن التدبير والكتابة يسريان وهذا لا يصح لأنه عقد معاوضة فلا يسري كالبيع، والثاني: نص عليه في «الأم»: أنه لا تصح الكتابة وهو اختيار المزني لما ذكرنا من العلة لأنه لا يكون ممكنًا من جميع وجوه التكسب والتصرف، فإذا قلنا: إنها باطلة فالحكم كما لو كاتبه بغير إذن شريكه سواء، وإذا قلنا: تصح الكتابة فنصف العبد يكون مكاتبًا ونصفه يكون مملوكًا للشريك، ويكون الكسب بينهما والنفقة عليهما، ثم ينظر فإن دفع إلى الشريك الذي لم يكاتب نصف الكسب وجميع النصف الآخر ودفعه إلى السيد الذي كاتبه عتق ولا تراجع لأنه عتق بكتابة صحيحة ولكنه يسري إلى الباقي إن كان موسرًا على ما ذكرنا، وإن جمع الكسب كله وأداه إلى المكاتب فهل يعتق من أصحابنا من قال: فيه وجهان، أو قولان كما ذكرنا في المسألة قبلها، وهذا خطأ بل لا

يعتق قولاً واحدًا والفرق أن الكتابة ها هنا صحيحة والمغلب فيها حكم المعاوضة وفي المعاوضة إذا دفع شيئًا غير مملوك كان بمنزلة ما لم يدفع [82/ أي كما في البيع وفي المسألة قبلها الكتابة فاسدة والمغلب حكم الصفة وقد وجدت الصفة فعتق، وقد ذكرنا أن كسبه مشترك بين المكاتب وبين الشريك، فإن لم يكن مهيأة لا يجوز أن يأخذ من سهم الصدقات وإن كان بينهما مهايأة يجوز أن يأخذ من سهم الصدقات للرقاب في أيام نفسه خاصة ذكره في «الحاوي».
وقال الصيمري: إذا جوز كتابته هل يأخذ من الزكاة قولان، وهل تجب المهايأة إذا طلب أحدهما قال في «الحاوي»: فيه وجهان، أحدهما: تجب كالقسمة وأصل هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قسم بين نسائه وهذا مهايأة قد أوجبها لنفسه وعليها، والثاني: لا تلزم لأنها لا تفضي إلى تأخير حق معجل وتعجيل حق مؤخر بخلاف القسمة، وفي قسم الزوجات لا يمكن الجمع بينهن فلا بد من إفراد كل واحدة بحقها فلزمت المهايأة، واحتج المزني على ما اختاره، فقال: زعم الشافعي أنه لو كانت كتابتهما فيه سواءً فعجزه أحدهما وانظره الآخر فسخت الكتابة بعد ثبوتها حتى يجتمعا على الإقامة عليها فالابتداء بذلك أولى.
ثم قال: ولا يخلو إما أن تكون كتابته جائزة كبيعه إياه فلا معنى لإذن شريكه أو لا يجوز فلم نجوزه بإذن من لا يملكه، وهذا اعتراض على القولين وجوابه عن الفصل الأول أن يقال للمزني: هذا جواب على القول الذي لا يجيز الكتابة، فأما على القول الذي يجيز الكتابة فلا تفسخ الكتابة في نصيب من أنظره، وقال القفال: من أصحابنا من سلم هذه المسألة أنه لا يجوز، لأنه بغير إذن الشريك، وإنما تراضيا في الابتداء ليكاتباه معًا، [83/ ب] فإذا اختلفا في التعجيز والإنكار حصل استبقاء الكتابة في النصف بغير إذن الشريك حتى لو قال للذي عجزه: رضيت بأن ينظره صاحبي جاز قولا واحدًا.
وأما الفصل الثاني: إذا باع نصيبه ترك منزلته فلا يحتاج إلى إذن الشريك في بيعه كما لا يحتاج إلى إذنه في استبقاء ملكه، وأما إذا أراد أن يكاتبه، فالكتابة ضرر على شريكه من وجوه شتى بخلاف إعتاق نصفه إذ لا يجد المكاتب بدا من التغلب للتحمل فإذا أذن فقد رضي بالتزام الضرر فجاز، فإذا تقرر هذا ذكر الشافعي في هذا الفصل أن المكاتب لا يمنع من السفر والاكتساب، والمزني نقل هذا من «الأم»، وحكى المزني في «الجامع الكبير» عن الشافعي أنه قال في «الإملاء»، وليس للمكاتب أن يسافر بغير إذن سيده، واختلف أصحابنا في المسألة على طريقين فمنهم من قال: المسألة على اختلاف حالين، فالموضع الذي قال له أن يسافر إذا كان سفرًا قصيرًا لا تقصر فيه الصلاة، فيكون ذلك بمنزلة الحضر، والموضع الذي قال: لا يسافر إذا كان السفر طويلاً لأن فيه تغريرًا، ومن أصحابنا من قال: فيه قولان، أحدهما: لا يجوز له أن

يسافر إلا بإذن السيد وبه قال مالك: لأنه ممنوع من إتلاف ما في يجده فليس له أن يغيب المال عن سيده لأنه لا يؤمن أن يتلفه من حيث لا يقف عليه سيده ولا يمكنه منعه منه ولأن للمرتهن منع الراهن من السفر بالمرهون فالسيد أولى لأن حق السيد فيما في يد [84/ أ] المكاتب أكثر، فإنه قد يعجز أن يموت فيأخذ السيد جيمعه، والثاني: يجوز ذلك ولا يمنعه منه السيد وبه قال أبو حنيفة وأحمد حتى قال أبو حنيفة: لو شرط عليه سيده في الكتابة أن لا يسافر سقط الشرط وكان له أن يسافر ووجه هذا أن المكاتب في يد نفسه، وإنما للسيد عليه دين والدين لا يمنع السفر كالدين على الحر إذا كان مؤجلا، وقال المزني: هذا أقيس على أصله لأنه إذا كان على كتابته فهو مالك لنفسه ولتصرف إلى أن يعجز فليس له أن يمنعه منه لا سيما وفي السفر منفعة تؤدي إلى حريته، قلت: وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إن شاء الله أنه قال: مكتوب في التوراة.
قال الله تعالى: «أحدث سفرًا أحدث لك رزقًا».
مسألة: قال: «ولا يجوز أن يكاتباه معًا حتى يكونا فيه سواء».
قال أصحابنا لم يرد بهذا أنه لا يجوز أن يكاتباه معًا حتى يكونا في قدر الملك سواءً بل يجوز أن يكاتباه معًا قولا واحدًا سواءًا تساويا في الملك أو تفاضلا لأن كل عقدٍ صح مع التساوي صح في الملك مع التفاضل كالبيع، وإنما أراد به، لا يجوز أن يكاتباه حتى يكونا في اعتبار مال الكتابة بقدر الملك سواء، فلا يجوز أن يكون العبد بينهما نصفين ويكون مال الكتابة بينهما ثلثًا وثلثين، ولا يجوز أن يكون العبد بينهما أثلاثًا، ويكون مال الكتابة بينهما نصفين، وإن رضيا لا يجد بدًا من أن يدفع حق احدهما إلى الثاني لأنه ربما يدفع إلى أحد السيدين مائتين، [84/ ب] وإلى آخر مائة ثم يفسخان الكتابة فيحتاج أن يرجع السيد الذي حصل معه مائة على الآخر بخمسين فيكون قد انتفع شريكه بهذه الخمسين مدة بقائها بغير حق ولا سبيل إلى ذلك، ويفارق هذا إذا باعاه من نفسه أحدهما بأكثر من الآخر جاز لأن ذلك لا يتعلق بالكسب والكتابة تتعلق بالكسب وكذلك إذا أجراه بأجرتين مختلفتين لما ذكرنا من الفرق، وهو أنه لا يفضي إلى أن ينتفع أحدهما بملك شريكه، وههنا يؤدي إلى ذلك واختلف أصحابنا في هذه المسألة هل هي أصل بنفسها أم مبنية على غيرها؟ فمنهم من قال: هي مبنية على أصل، وهو أن أحد الشريكين إذا كاتب بإذن شريكه هل يصح؟ فيه قولان، فإذا قلنا: يصح لم يجز ذلك، وعلى هذا يدل كلام الشافعي، فإنه ذكر هذه المسألة في «الأم»، وذكر أنه لا يجوز ثم قال: ولو أجزت هذا أجزت أن ينفرد بكتابة بحصته فثبت أنا إذا جوزنا ذلك جازت هذه الكتابة، وهذا لأن العقد يتعدد بتعدد العاقد فصار كما لو أفرد كل واحد منهما كتابة نصيبه وهذا اختيار القفال، ومن أصحابنا من قال: هذه المسألة أصل بنفسها ولا تجوز هذه الكتابة بحال مع التفاضل لأن المعنى الذي ذكرنا

موجود على القولين جميعًا وهذا اختيار القاضي الطبري وأجري على القياس وتلك الطريقة أشبه بكلام الشافعي، ومن أصحابنا من قال قوله حتى يكونا فيه سواءً أراد به: تساويهما في ملكه، فإن تفاضلا وكان لأخدهما ثلثه وللآخر ثلثاه [85/ أي لم يصح لقوة أحدهما فيصير التساوي بينهما معدومًا، ولهذا قيل: فيه سواء، يعني في العبد، ولو أراد الكتابة لقال: حتى يكونا فيها سواءً، وعلى هذا يجوز على مالٍ يتفاضلان فيه،,به قال أبو حنيفة ذكره في «الحاوي»، ومن أصحابنا من قال: إذا كاتباه معًا فيه طريقان، أحدهما: هل يجوز ذلك فيه قولان، لأن العقد إذا اجتمع في أحد طرفيه عاقدان جرى عليه حكم العقدين فصار كأن كل واحد انفرد به، وفيه قولان، والطريقة الثانية: أنه يجوز قولاً واحدًا وهذا التخريج خطأ لأنه يكمل تصرفه إذا اجتمعا ويجوز أخذه من الصدقات بخلاف ما لو كاتبه أحدهما، فقولاً واحدًا يجوز وإذا قلنا: لا يجوز حتى يتساويان في النجم على قدر الملك لا يجوز أن يشترط أحدهما أن يحل نجمه قبل نجم صاحبه أو يحل لأحدهما في النجم الأول أكثر مما يحل للآخر أن يختلفا في جنس المال بل يجب أن يتساويا في جميع ذلك للمعنى الذي ذكرنا.
مسألة: قال: «ولو كاتبناه جميعًا بما يجوز، فقال: قد دفعت إليكما مكاتبتي».
الفصل في هذا الفصل مسائل إحداها: أن يدعي أنه دفع إلى كل واحدٍ منهما من المال حقه وأنه عتق فلا يخلو حال الشريكين من ثلاثة أحوال، إما أن يصدقاه أو يكذباه أو يصدقه أحدهما ويكبه الآخر فإن صدقاه عتق لأنهما أقرا ببراءة دمته، وإن كذباه قالقول قولهما لأن الأصل أن لا قبض فيحلفان ويكون المال لهما عليه، وإن صدقه أحدهما يعتق نصيبه بإقراره [85/ ب] بقبض المال، وأما المكذب فالقول قوله مع يمينه لأن الأصل عدم القبض فيحلف ويكون حقه باقيًا على المكاتب ولا تقبل شهادة شريكه عليه، وإن كان عدلا لأنه يدفع بذلك ضررًا عن نفسه فإنه إذا لم يثبت أن شريكه قبض شيئًا من المال استحق أن يرجع عليه ويأخذ منه نصف ما دفعه إليه فهو بشهادته يسقط عن نفسه حق الرجوع فلم تقبل شهادته، فإذا ثبت هذا فإن نصف العبد قد عتق وهو نصيب المصدق ونصفه باق على الكتابة وهو نصيب المكذب، والمكذب بالخيار إن شاء طلب المكاتب بالخمسمائة التي كاتبه عليها بكمالها وإن شاء رجع على شريكه بمائتين وخمسين، وعلى المكاتب مائتان وخمسون لأن الكسب الذي حصل مع الشريك مستحق لهما، فلا يجوز لأحد الشريكين أن يأخذ شيئًا منه دون صاحبه، فإذا أخذه يصير ضامنًا لنصيب صاحبه منه، وإنما يعتق نصيبه بإقراره بأنه لا حق له عليه فيكون

ذلك بمنزلة الإبراء، فإن اختار الرجوع على المكاتب ومطالبته بالخمسمائة، وأخذها منه، وإن اختار مطالبة كل واحد منهما بما يلزمه ففعل عتق لأنه أدى جميع المال ولا يستحق المكاتب أن يرجع على الشريك المصدق بشيء ولا الشريك يستحق الرجوع على المكاتب بشيء فإنه يقول: أديت ما علي من مال الكتابة والشريك ظالم فيما يرجع علي به، فإنه قد استوفى حقه، ومن أقر أنه مفهوم لا يستحق الرجوع على غيره بما ظلم به وهكذا الشريك المصدق لا يستحق الرجوع على المكاتب بشيء، فإنه يقول [86/ أ] شريكي: قد استوفى حقه من المكاتب، وهو ظالم فيما يرجع به علي، وإن اختار السيد أ، يرجع على المكاتب بخمسمائة فطالبه بها فعجز فله أن يسترقه لأنه قد عجز عن أداء ما عليه، فإذا استرقه حصل نصفه حرًا، ونصفه مملوكًا وكسبه في المستقبل بينه وبين السيد نصفين.
وأما الكسب الذي وجده في يده فنصفه يكون لسيده الذي استرقه ونصفه يترك عليه لأن نصفه قد عتق بعقد الكتابة، فكان كسب ذلك النصف له كما لو عتق جميعه.
قال الشافعي رضي الله عنه، ولا يقوم باقي العبد على الشريك المصدق، والتعليل الصحيح فيه أن التقويم إنما يراد لحرية العبد وتكميل أحكامه والعبد يقول: أنا عتقت فلا أحتاج إلى التقويم، وإنما غصبني الشريك المنكر على نصفي فسقط التقويم في حقه لأن المغصوب لا يقوم على أحد، قال القاضي الطبري وهذا لا يختلف فيه قول الشافعي ولم يحك أبو إسحاق ولا صاحب «الإفصاح» غير هذا القول، وذكر المزني هذه المسألة في «لجامع الكبير» عن الشافعي هكذا، ثم قال: وهذه المسألة الثانية، وإن ادعى أنه دفع جميع مال الكتابة إلى أحدهما فقال المدعى عليه، بل دفعه إلينا جميعًا رجع عليه شريكه بنصف ما أقر بقبضه وعتق نصيبه وقوم عليه نصيب شريكه إن كان موسرًا، قال أبو إسحاق: وإذا وجب تقويمه فهو على قولين أحدهما تبطل الكتابة في نصيبه ويقوم على شريكه في الحال كما لو أعتق نصيبه، والثاني: يكون نصيبه [86/ ب] على كتابته فإن عجز حينئذ قوم على شريكه، والفرق بين هذه المسألة، والمسألة التي قبلها أن العبد في هذه المسألة لا يدعي حرية جميعه لأنه لا يعتق بدفع جميع مال الكتابة إلى أحدهما، فلهذا قومنا على المقر نصيب شريكه، وفي هذه المسألة التي قبلها ادعى دفع نصيب كل واحد منهما إليه وحرية جميعه فلم يجب تقويمه وهو يزعم أنه حر وقال القاضي الطبري من أصحابنا من قال يقوم نصيبه على شريكه وهذا له وجه ولكنه خلاف النص، وقال في «الحاوي» نص الشافعي أنه لا يقوم وعلل بأن العبد يبرئه من ذلك، وفي هذا التعليل نظر لأنه في تكميل العتق م حقوق الله تعالى ما لا يعتبر فيه الإبراء، ولا فرق بين المسألتين عندي على وجه يصح الفرق، وقال بعض أصحابنا ينقل جواب إحدى المسألتين إلى الأخرى، وهل يقوم فيهما على الشريك؟، فيه قولان،

وقال بعض أصحابنا بخراسان قولا واحدًا يقوم فيهما لأنه حصل عتق نصيب الواحد، إما بإقراره أو باتفاق الكل، وله الولاء فيقوم عليه نصيب الشريك وهذا والذي قبله ليس بشيء، والفرق ظاهر، وفي هذه المسألة الثانية القول قول المدعى عليه: أنه لم يقبض الخمسمائة الأخرى لأن الأصل أنه ما قبض وإذا حلف برئت ذمته من دعوى المكاتب عليه، ولا تقبل شهادة الشريك على الشريك الآخر لما ذكرنا والقول قول الشريك المنكر أنه ما قبض حقه، ولا يمين عليه لأنه لم يدع واحد منهما عليه أنه أقبضه وهو بعد إنكاره مخير بين أن يرجع على المكاتب بجميع حقه وبين أن يرجع على المقر بنصفه وعلى المكاتب بنصفه على ما ذكرنا في المسألة قبلها، ولا يرجع أحدهما على صاحبه بشيء لما ذكرنا من العلة.
والمسألة الثالثة: أن يكاتب رجلان [87/ أ] عبدًا لهما على ألف كل على واحد منهما على خمسمائة ثم إن المكاتب ادعى أنه أدى الألف إلى أحد السيدين على أن يأخذ منهما خمسمائة، ويدفع إلى شريكه خمسمائة وصدقه السيد، وقال قبضت منك الألف وأخذت منها خمسمائة، ودفعت إلى شريكي خمسمائة، وأنكر الشريك ذلك، وقال ما دفع إلي شيئًا فنصيب المقر يعتق بإقراره بقبض نصيبه ولا تقبل شهادته على شريكه بأنه دفع إليه حقه لأنه يدفع بذلك ضررًا عن نفسه ويكون القول قول المنكر مع يمينه، فإذا حلف يكون نصيبه مكاتبًا ونصيب شريكه قد عتق، وللسيد أن يطالب بخمس مائة على الكمال من شاء منهما فله أن يطالب المكاتب لأنه كاتبه عليها، ولم يثبت أنه دفع إليه وله أن يطالب الشريك لأنه أقر بقبضها ولم يثبت أنه دفعها إلى الشريك، فإن رجع على المكاتب، وأخذ منه خمس مائة كان للمكاتب أن يرجع على السيد، فيأخذ منه الخمس مائة التي دفعها إليه سواء صدقه في أنه دفعها إلى شريكه أو كذبه لأنه إن كذبه فهو يقول: ما دفعت، ما قبضت وإن صدقه، فهو يقول: أنت منوط كأنه كان من سبيلك أن تدفع دفعًا يبرئني وهو بالشهادة، وإن رجع على شريكه، فأخذ منه خمسمائة لم يكن للشريك أن يرجع على المكاتب لأنه يقول: هو ظالم فيما يرجع به، فلا يستحق الرجوع بما ظلم به فإذا حصل للشريك الخمس مائة، إما من [87/ ب] المكاتب، أو من شريكه عتق العبد كله، وإن تعذر ذلك فإن اختار الرجوع على المكاتب فعجز عن الأداء، وهذا بعيد فإنه إذا رجع على المكاتب فيمكن للمكاتب مطالبة شريكه وأخذ خمس مائة منه فلا يتعذر عليه الأداء، اللهم إلا أن لا يختار الرجوع على شريكه الذي هو سيده ويختار التعجيز، فلا يجبر على الرجوع عليه ومطالبته لأن ذلك بمنزلة الاكتساب، فلا يجبر عليه المكاتب، فإذا تعذر حصول المال من المكاتب فالسيد يعجزه ويسترقه فإذا فعل ذلك عاد نصفه رقيقًا ويقوم على الشريك المقر بالقبض لأنه عتق بسبب كان منه وهو الكتابة، فإذا قوم لزمه نصف قيمته ويرجع عليه الشريك المكذب بخمس مائة لأنه لما استقر العبد استحق نصفه ونصف كسبه، وهو الخمس مائة التي هي كسبه للنصف الذي استرقه فاستحق أخذها فيصير المقر بعد

التعجيز غارمًا لكتابة الحصة، وهي خمس مائة ولقيمتها ولو دفع ذلك قبل التعجيز لم يلزم إلا مال الكتابة وحدها دون القيمة وإن حصل الأداء من جهة المكاتب وعتق باقيه يرجع على سيده المقر بالقبض الخمس مائة التي قبضها منه لأنه عتق بكتابة صحيحة، وقال القاضي الطبري: هذا التقويم على المقر إذا لم يصدق سيده في دفع خمس مائة إلى شريكه وإن كان قد صدقه لم يقوم لأنه يعترف بأنه حر وإن أحكامه قد كملت.
مسألة: قال: «ولو أذن أحدهما لشريكه أن يقبض نصيبه فقبضه ثم عجز».
الفصل جملة هذا أن الرجلين إذا كاتبا عبدًا لهما على ألف درهم فلا يجوز للمكاتب [88/ أ] أن يفضل أحدهما على الآخر فيما يدفعه، ولا أن يقدم أحدهما على صاحبه، بل يدفع إليهما شيئًا واحدًا على السواء في وقتٍ واحدٍ، فإن أذن أحدهما للمكاتب أن يدفع ما حصل له من الكسب إلى شريكه ويقدمه عليه فهل يصح هذا الإذن؟، ويصح قبض الشريك لما يأخذه فقولان منصوصان، أحدهما: لا يصح لأن السيد لا يملك ما في يد المكاتب حتى يقبضه فإذنه فيما لا يملكه لا حكم له ونعني به أنه لا يملكه ملكًا كاملاً فإنه مال مكاتبه وعتقه معلق به، وهذا قول أبي حنيفة واختاره المزني، فقال: هذا أشبه بقوله: أداء المكاتب عبد ما بقي عليه درهم وما في يده موقوف ما بقي عليه درهم، فليس معناه فيما أذن له بقبضه إلا بمعنى استغنى بوزن النصف حتى استوفى فليس يستحق بالسبق ما ليس له كأنه وزن لأحدهما قبل الآخر وصورة هذه المسألة التي استشهد بها المزني: أن يأتي المكاتب بالمال ليعطيهما حقهما فيقول أحدهما لصاحبه اسبقني بوزن نصيبك فسبقه ووزن لأحدهما نصيبه بإذن شريكه لم يعتق نصيبه حتى يزن للآخر مثله قولاً واحدًا حتى لو تلف الباقي قبل أن يسلمه إلى الشريك الآخر كان له أن يرجع على القابض بنصف ما قبضه.
والقول الثاني: يصح ويحكى ذلك عن قول أبي حنيفة وعلى هذا يعتق نصيبه بقبض قسطه ووجه هذا أنا إنما منعناه من الانفراد ببعضه لحق شريكه، فإذا رضي بتقدمه عليه جاز ومن قال بهذا أجاب عما ذكر المزني بأن في هذه المسألة التي استشهد بها لم يرض بحقيقة السبق لكن إذا أراد أن يوفيهما حقهما منفردين لم يمكنه إلا هذا فهما في الحقيقة قابضان معًا، وههنا قد تطاول [88/ ب] زمان السبق، وخرج عن عادة إيفائهما معًا، فوجب أ، يتم حكم القبض المتقدم بعتق ذلك النصف، وقال القفال: من أصحابنا من بني القولين على جواز كتابة أحد الشريكين بإذن صاحبه لأن في كل واحد من الموضعين يؤدي الأمر إلى كتابة يكون في أحد النصفين، ومنهم من قال: بل ينبني هذا على أن تبرعات المكاتب هل تجوز بإذن السيد لأن هذا التعجيل والتخصيص تبرع

لأحدهما، فإذا قلنا: لا يصح التعجيل فلشريك الرجوع بمثل ما يعجله شريكه، فإن كان مع المكاتب مثله فدفعه إليه استقر التعجيل الأول وعتق كله وإن لم يكن بيده غير ما عجله كان للإذن الرجوع على المتعجل بنصف ما في يده، فإذا رجع لم يعتق شيء منه، وإن قلنا: يصح التعجيل، وهو الأصح عتق نصيبه.
قال أبو إسحاق: فإن كان معه وفاء بنصيب الآخر أداه وعتق عليهما، فإن لم يكن معه وفاء به فلا يختلف المذهب أنه يقوم على شريكه، وقال في «الحاوي»: هل يقوم على شريكه فيه قولان، أحدهما: يقوم في الحال، والكتابة تنفسخ في نصيب شريكه في الحال، ويقوم عليه أختار الشريك تعجيزه، أو لم يختر لأنه إذا تعلق العتق بسببين روعي أعجلهما، والقول الثاني: قاله في «الإملاء» على كتاب مالك لا تنفسخ الكتابة في الحال فإن أدى المكاتب حصة الشريك الآخر عتق وكان الولاء بينهما، وإن عجز قوم نصيبه على الشريك القابض نصيبه إن كان موسرًا وإن كان معسرًا فقد عتق نصفه ورق نصفه.
قال المزني: قد قال: لو أعتقه أحدهما قوم عليه الباقي إن كان موسرصا وعتق كله ولم يؤخذ التقويم إلى حالة العجز وإلا كان الباقي مكاتبًا، ولذلك لو أبرأه، [89/ أي فهو كإعتقاه إياه، قال المزني: هذا أشبه بقوله: يعني أ، تعجيل التقويم في الحال أولى بأصله لهذه المسألة، قلنا: هذا على أحد القولين، فأما على القول الآخر، فلا يقوم في الحال حتى يعجز في المسألة التي أوردها المزني أيضًا، على ما تقدم بيانه فإذا قلنا: تقوم في الحال، فإنجميع ما في يد العبد يكون للشريك لأن التقويم يفسخ الكتابة، والشريك قداستوفى نصيبه، فيكون ما بقي له وهذا إذا كان هذا الذي بقي مثل ما يعجله، فإن كان أكثر من المعجل كانت الزيادة بين الشريك الآذن بحق رقه وبين المكاتب بحق عتقه، وإذا قلنا: يقوم إذا عجز فإن كل ما يكسبه إلى أن عتق نصفه، فهو لسيده الذي لم يقبض نصيبه وما كسب بعده إلى أن قوم يكون بينه وبين السيد الذي لم يقبض نصيبه نصفين لأنه كسبه بنصفه الحر ونصفه المكاتب، وقال في الكتاب في أثناء الفصول فإن مات بعد العجز فما في يديه بينهما نصفان يرث أحدهما بقدر الحرية وهذا على أحد القولين والآخر بقدر العبودية وتسميته الآخر وارثًا عبارة مجاز وقد ذكرنا هذا في كتاب الفرائض.
وهذا إذا استعجل ما عتق نصيبه به فأما إذا استعجل نصيبه من النجم الأول بإذن الشريك ففيه القولان في صحة الإذن وإذا قبض هل يخلص له أم يشاركه فيه صاحبه؟ كما ذكرنا فإن قلنا: صح الإذن أدى العبد مثل ذلك إلى الآخر، فإن لم يبق عنده مال، وعجز فلا شك أن عليه أن يناصف صاحبه ما قبض لأنه كسب عبدهما، فلا يخلص له بأن يقول له شريكه: أذنت لك في أخذه بل يناصفه ويأخذ [89/ ب] مثل ما أخذ، ثم الباقي بينهما واختار بن سُريج أنه لا يأخذه مثل ما أخذ لأنه يقول: لما أذنت لي في الأخذ رضيت بوقوع حقك في ذمته ثم لما عاد رقيقًا سقط دينك عن ذمته بالتعجيز.

مسألة: قال: «ولو مات سيد المكاتب فأبرأه بعض الورثة من حصته عتق نصيبه».
قد ذكرنا هذه المسألة، وقال: ههنا ولاؤه للذي كاتبه يعني الميت لأن العقد له، ولا أقوم عليه، والولاء لغيره، وهذا أحد القولين اللذين ذكرناهما فيما تقدم، ثم قال: وأعتقه عليه بسبب رقه فيه لأنه لم يكن فيه رق فعجز لمن يكن له.
وهذا اللفظ لإيجازه مشكل، وهو جواب سؤال لا يصح إلا بذكر السؤال كأنه يقول: إن قال قائل: إذا لم يقوم على هذا الوارث الذي قد أعتق نصيبه بالإبراء، فلم أعتقت بقوله ذلك النصيب؟ وإذا نفذ العتق فيه بقوله: وجب التقويم عليه، قلنا: إنما يعتق عليه ذلك النصيب بسبب رقه فيه، لأنه لو لم يكن فيه رق لم يكن له إذا عجز ومعلوم أنه إذا عجز كان ذلك النصف له، فإذا لم يعجز فالولاء لمن كاتبه، وإذا كان الولاء لغير هذا الوارث المعتق أو المبرئ لم يجز التقويم عليه.
وحكى المزني في موضع آخر هذين القولين في أصل التقويم على هذا الوارث، وقال في موضع فيها قولان، أحدهما: لا يقوم عليه، والثاني: يقوم عليه إذا عجز وكان له ولاؤه كله لأن الكتابة الأولى بطلت، وأعتق هذا ملكه.
وقال الإمام أبو محمد الجويني: ههنا نكتة وذلك أنه إذا أعتق أحد الوارثين نصيبه من المكاتب [90/ أ] الموروث.
وقلنا: بالتقويم وانتظرنا العجز فعجز النصف الثاني فقومناه، قد ذكرنا أن الكتابة انتقضت في النصف المقوم بالعجز ف أما النصف الأول الذي أعتقه الوارث فهل يحكم الآن بإبطال الكتابة؟ فيه اختلاف أصحابنا فيه فمنهم من لم يبطل الكتابة فيه، وعليه الأكثرون، ومنهم من أبطل الكتابة فيه وعلل، فقال: العقد عقد واحد فإذا انفسخ بعضه في الانتهاء انفسخ جميعه وكنت استضعفت هذا الوجه حتى دل النص عليه في هذا الموضع حيث حكى المزني القولين في أصل التقويم، وقال في القول الثاني لأن الكتابة الأولى بطلت وأعتق هذا ملكه فوجدناه قولاً منصوصًا، وقال القاضي الطبري معناه ولاء هذا النصف له لا الكتابة إنما بطلت فيه دون نصيب المبرئ، قال المزني: الول أشبه بمعناه يعني أن لا يقوم عليه، واحتج بأنه زعم أنه إذا أبرأه من قدر حقه من مالك الكتابة عتق نصيبه، بمعنى عقد الأب فلم يجز أن يزيل ما ثبت يعني إذا ثبت أن العقد حصل على عقد الأب لم يجز أن يقوم عليه هذا الوارث ثم قال المزني: وإذا زعم أنه إن عجز فقد بطلت الكتابة الأولى فينبغي أن يبطل عتق النصيب بالإبراء من قدر النصيب لأن الأب لم يعتقه إلا بأداء الجميع فكأن الأب أبرأ من بعض مال الكتابة، فلا عتق بإبرائه من بعض مال الكتابة، قلنا: قال أصحابنا لم يرد الشافعي بقوله: بطلت الكتابة في الجميع وإنما أراد في النصيب الذي يقوم على الابن فلم يجب رد العتق، وقال الجويني: رحمه الله اعترض المزني بهذا [90/ ب] على القول الذي استضعفناه ووجدناه نصًا، فقال: إذا حكمنا في الانتهاء بإبطال جميع الكتابة وجب أن يبطل عتق النصف الأول الذي أعتقناه بلفظ الإبراء

ويكون كالسيد لو أبرأه من بعض مال الكتابة.
والجواب: أو الوارث يومئذ كان كالسيد إذا أبرأه عن جميع مال الكتابة لأن الوارث أبرأ عن جميع حصته فلهذا حكم بعتق ذلك النصف، فإذا حكمنا اليوم بإبطال الكتابة فكيف يلزمنا حصته فلهذا حكم بعتق ذلك النصف، فإذا حكمنا اليوم بإبطال الكتابة فكيف يلزمنا أن نعترض على ذلك العتق؟ قال: ويحتمل أن يكون جميع كلام المزني من قوله: الأول أشبه بمعناه إلى آخر الباب اعتراضًا واحدًا على هذا القول الذي نصرناه وأجبنا عنه المزني رحمه الله، والله أعلم.

باب ولد المكاتبة

مسألة: قال: «وولد المكاتبة موقوف».
الفصل جملة هذا أنه إذا كاتب أمة فأتت بولد لا يخلو إما أن تأتي به من السيد، أو من غيره فإن أتت به من السيد انعقد حرًا وتصير له أم ولد لأن له فيها ملكًا، وإن كان ضعيفًا، وتكون الكتابة باقية فيها، لأنها عتق بصفة، فلا ينافيها الاستيلاد كما لو قال: إن دخلت الدار فأنت حرة ثم استولدها تكون أم ولده ومعتقته بصفة، فإن أدى مال الكتابة عتقت وبطل حكم الاستيلاد وإن عجزت بطلت الكتابة ويكون الاستيلاد باقيًا فيها فتعتق بموت السيد وإن مات السيد قبل الأداء عتقت بموته وبطلت الكتابة وإن أتت بولد من غير السيد، إما من زوج، أو من زنا يكون مملوكًا لأن الأم مملوكة، [91/ أ].
ولا يصير مكاتبًا لأن الكتابة عقد معاوضة يفتقر إلى إيجاب وقبول ورضى فلا يلزم حكمه إلا لمن عقد معه ويفارق ولد المدبرة يتبعها في التدبير في أحد القولين لأن التدبير يحصل بقبول السيد وحده ومن الفرق أن المكاتبة متى عجزت أو ماتت بطلت الكتابة وكان ولدها رقيقًا، وإذا مات المدبر قبل موت سيده يبطل تدبيره ولم يبطل في ولده ثبت أن الولد دخل في التدبير، ولم يدخل في الكتابة، فإن قيل: ولد المبيعة يدخل في حكم المبيع، وإن كان المبيع يفتقر إلى الإيجاب والقبول، قلنا: لا يدخل في البيع وإنما يتبع في الملك لأن المبيعة صارت ملكًا للمشتري وههنا الملك للمكاتب فلو تبع تبع في العقد دون الملك، وقال أبو حنيفة يسري إلى الولد لأنها سبب ثابت للعتق فسرى إلى الولد كالاستيلاد، وهذا خطأ لما ذكرناه.
فإذا ثبت أنه لا يدخل في الكتابة فما حكمه؟ فيه قولان، أحدهما: أنه مملوك للسيد لأنه عقد يلحقه الفسخ فلا يثبت حكمه في الولد كالرهن، والثني: أنه موقوف على حكم الأم، فإن رقت رق الولد، وإن عتقت عتق الولد، قال الشافعي رضي الله عنه.
وهذا القول أحب إلي، وقال أبو إسحاق: إذا اختار الشافعي هذا القول وجب أن يكون القول الآخر ساقطًا ووجه هذا القول أن الولد يتبع الأم في سبب الحرية كما يتبعها في

الحرية كولد أم الولد، ولأن الولد من كسبها فيقف على عتقها كمالها، فإذا قلنا: الولد يكون مملوكًا للسيد فله أن يتصرف فيه كيف شاء، ولو قيل: كانت قيمته له، وإذا قلنا: إنه موقوف فالكلام على هذا القول [91/ ب] في خمسة أحكام، أحدها: في الجناية عليه، والثاني: في نفقته، والثالث: في كسبه، والرابع: في عتقه، والخامس: في وطئها إذا كانت ثيبًا.
فأما في الجناية عليه، فضربان جناية على نفسه وجناية على طرفه فإن كانت الجناية على نفسه وكانت خطأ يوجب المال فعليه قيمته لأنه مملوك، فيضمن بالقيمة ولمن تكون القيمة فيه قولان، أحدهما: أنها للسيد وهو اختيار الشافعي رضي الله عنه لأنه تابع لأمه، والأم لو قتلت كانت قيمتها للسيد فكذلك قيمة الولد للسيد وعلل أبو إسحاق فقال: لأن الولد لم يجز عليه العتق، ولا هو ملك الأم، وإنما هو ملك لسيده، وإنما وقف على الحرية والرق، فإذا قتل فقيمته للسيد.
وأيضًا لو أعتق السيد الولد عتق فلو كان كسبًا لأمه تستعين به في كتابتها لما جاز أن يعتقه السيد لأنه يتلف على الأم بعتقه كسبه، قال أبو إسحاق: ويخالف هذا ولد المكاتب الذي أوصى له به فقبله أو وطئ جاريته في حال كتابته فولدت منه، فإنه يملك ولده ويصير موقوفًا من أجل ملكه إياه، ولو كان يجري عليه رق على الدوام لكان يستديم لملكه كسائر عبيده ولكن لا يستقر له ملكه على ولده فيعتق عليه إذا كان حرًا ويصير موقوفًا على حريته إذا كان مكاتبًا، فإذا كان كذلك يكون السيد ممنوعًا من ولده، ولا ينفذ فيه عتقه فلما نفذ دل على ما قلنا، والقول الثاني: أن قيمته للمكاتبة تستعين بها في مال الكتابة لأن القصد من الكتابة طلب حصتها، وهذا [92/ أ] من حصتها ولأن السيد لا يملك التصرف فيه مع كونه قنًا فلا يستحق قيمته، وإذا لم يستحقها السيد كانت لأمه لأنه لا فائدة في إيقاف القيمة بخلاف الولد لأنه يوقف ليعتق، وإذا كانت الجناية عليه عمدصا فإن جعلنا قيمته في الخطأ للسيد، فالقود في العمد مردود إلى خيار السيد، فإن اقتص أو عفا فلا اعتراض للأم عليه وإن جعلنا قيمته للأم، فإن اقتضت كان لها ولم يكن للسيد معها وإن عفت إلى المال كان لها وإن عفت عنهما، ففي صحة عفوها قولان، فإن قلنا: موجب العمد القصاص وحده يجوز ذلك أذن السيد أو لا لأنه لا حق للسيد في القصاص والمال لا يجب إلا باختيار الأم وليس للسيد أن يجبرها على تملكه، وإن قلنا: موجب العمد أحد الأمرين.
أما القصاص أو المال لا يجوز ذلك لأن فيه إتلاف المال، وهل يجوز بإذن السيد قولان كالهبة.
وإذا كانت الجناية على الطرف فإن كانت خطأ توجب المال ففيه ثلاثة أقوال، أحدها: الأرش للسيد لأنه ملكه، والثاني: الأرش للأم لأن الولد تابع لها، والثالث: أنه موقوف على الولد، فإن عتق بعتق الأم كان الأرش له وإن رق برقها كان للسيد وإن كانت عمدًا، فإن قلنا: الأرش للسيد كان القود في طرفه مستحقًا للسيد وإن جعلناه للأم كان القود في طرفه مستحقًا للسيد، وإن جعلناه موقوفًا على عتق الولد ورقه، فلا

حق للأم في القود، وهو موقوف بين الولد والسيد فإن اجتمعا عليه جاز أن يستوفياه وإن تفرد به أحدهما، لم يجز لأنه إن تفرد به الولد جاز أن يكون للسيد [92/ ب] أن يرق، وأن تفرد به السيد جاز أن يكون للولد إن عتق فلذلك منع أحدهما من التفرد حتى يجتمعا، أو يستقر أمر الولد على عتق فيكون القود له أو على رق فيكون لسيده، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا قلنا: ولد المكاتبة يتبعها في الحرية فحق الملك للسيد في الولد أو للمكاتبة قولان، وفائدة هذا أنه لو جنى على طرف الولد فالأرش لمن يكون؟ فإن قلنا: للسيد حق الملك فيه، فالأرش موقوف، فإن عتق الولد فذلك له وإ÷ن رق برق الأم كان للسيد، وإن قلنا: حق الملك للمكاتب فالأرش للمكاتبة تستعين بها في كتابتها وإن قتل، فإن قلنا: حق الملك للسيد فأولى أن تكون القيمة له، وإن قلنا: حق الملك للأم، ففيه وجهان أحدهما: للأم، والثاني: للسيد أيضًا لأن حكمه إ÷ذا مات مات رقيقًا وما تقدم أصح على ما فسره في «الأم».
وأما الكلام في كسبه فلن يكون فيه طريقان، أحدهما: فيه ثلاثة أقوال أحدها: للسيد، والثاني: للأم، والثالث: موقوف، والطريق الثاني فيه قولان: أحدهما: للأم، والثاني: موقوف وفيه قول ثالث مخرج أنه للسيد، وهو مخرج من كون القيمة للسيد وهذا ليس بشيء، والقولان منصوصان.
وقال أبو إسحاق ما دام الولد حيًا لا تأخذ الأم كسبه وما في يده ويكون موقوفًا لا يختلف فيه قول الشافعي رضي الله عنه وزعم بعض أصحابنا: أنه في حياته قولان، أحدهما: وهم، والثاني: موقوف ولا نص فيه للشافعي نعلمه، قال الشافعي: والأول: أشبههما يعني أنه موقوف، [93/ أ] وإذا مات يكون للسيد، وقال المزني، بل الآخر أشبههما إذا كانوا يعتقون بعتقها، فهي أولى بها ومما يدل على ذلك قوله، ولو وطئ ابنه مكاتبته أو أمته كان عليه مهر مثلها وهذا يقتضي ما وصفت من معنى ولدها، قال أبو إسحاق: هذا ليس بإلزام صحيح لأن في حياة الولد لا يختلف قوله في الكسب أنه موقوف ولا تأخذ الأم، وإنما اختلف قوله بعد موت الولد، وقال غيره من أصحابنا: فيه قولان، وإن كان حيًا على ما ذكرنا ولا فرق بين المهر والكسب، فسقط السؤال هذا في مهر ابنتها، فأما في مهر أمتها يكون لها لا يختلف القول فيه، وقيل: يقال للمزني: كيف يقال القول الآخر أشبههما، وعلة القول الأول أظهر، وهي قوله لأن المكاتبة لا تملك ولدها.
وأما إيجاب مهر المثل في وطء ابنة المكاتبة وأمتها فللحيلولة ورجاء العتق، ألا ترى أنها إذا لم تعتق كان ذلك المهر للسيد، فإذا قلنا: الكسب للمكاتبة، فإنها تأخذه يومًا بيوم وتستعين به في مال الكتابة، وإذا قلنا للسيد يومًا بيوم ويتصرف فيه، وإذا قلنا: إنه موقوف فإنه يجمع ثم ينظر فإن عجزت الأم واسترق الولد دفع الكسب إلى السيد، وإن عتقت وعتق الولد دفع الكسب إلى الولد، وإن أشرفت المكاتبة على العجز، فإن لم يكن في كسب الولد وفاء لأداء مال الكتابة لا يدفع إليها لأنها لا تستفيد به وإن كان فيه وفاء بمال الكتابة فهل يدفع إليها لتستعين به في مال الكتابة وتعتق، فيه

قولان: أحدهما: لا يدفع إليها لأنها غير [93/ ب] مستحقة له على هذا القول، وكان موقوفصا بين الولد والسيد فلم يكن كلام فيه حق، والثاني: يدفع إليها لأنه وقف طلبًا لحظ الولد إن عتق فإذا أخذته الأم فعتق بعتقها كان أحظ للولد من أن يأخذ السيد فيرق، ولو مات هذا الولد وكسبه موقوف، ففيه قولان بناءً على قيمته لو قتل أحدهما لها والثاني: لسيده، وأما الكلام في نفقته فإن كان مكتسبًا ففي كسبه وإن لم يكن مكتسبًا، فإن قلنا: كسبه للأم فالنفقة عليها، وإن قلنا: كسبه للسيد فنفقته عليه وإن قلنا: موقوف، ففيه وجهان: أحدهما على سيده لنه على ملكه، والثاني: في بيت المال من سهم المصالح لأنه محتاج، وليس له من ينفق عليه لأن السيد لا يملكه والأم لا تستفيد بالإنفاق عليه.
وأما الكلام في عتقه فإن قلنا: كسبه له أو هو موقوف، والمكاتبة إذا أشرفت على العجز لم يدفع إليها ينفذ عتقه لنه تعجيل الحرية من غير أن يكون على المكاتبة فيه ضرر، وإن قلنا: كسبه للمكاتبة أو قلنا: موقوف ولكن أشرفت المكاتبة على العجز دفع إليها لم ينفذ عتقه لأن في هذا إضرارًا بالمكاتبة وتعطيلاً للكسب عليها.
وقال أبو إسحاق: يعتق الولد قولا واحدًا.
وذكره الشافعي في «الأم»، ومن أصحابنا من قال: لا ينفذ عتقه فيه.
إذا قلنا: ما في يد الولد للأم، وليس بصحيح وهذه الطريقة أصح، وقال في «الحاوي»: إن قلنا: كسبه للأم لا ينفذ عتقه، وإن قلنا: كسبه للسيد نفذ عتقه فيه، وإن قلنا: موقوف، ففيه وجهان مخرجان من القولين في عجز الأم هل تتمم كتابتها بكسبه، [94/ أ] فإنا قلنا: تتمم لم ينفذ عتقه، وإن قلنا: لا تتمم، نفذ فيه عتقه وهكذا لو كاتبه السيد، فهو مبني على نفوذ عتقه فإن قلنا: يصح عتق بأسبق الأمرين من أدائه وأداء أمه لأنه إذا عتق بانفراد كل واحد منهما وجب أن يتحرر عتقه إذا اجتمعا بوجود أسبقهما فإن سبق أداؤه عتق عن كتابته، وإذا سبق أداء الأم عتق بأداء الأم تبعًا وبطلت كتابته بعتقه.
وأما الكلام في وطئها إذا كانت ثيبًا، فإن قلنا: إنها مملوكة له؛ حل له وطئها، وإن قلنا: إنها موقوفة على الأم لحل ذلك لأنه لا يملكها ملكًا تامًا فإن وطئ فلا حد لأن له فيها شبهة الملك وفي المهر ثلاثة أقوال بناءً على الكسب أحدها: لا مهر إذا قلنا: الكسب للسيد، والثاني: يلزم المهر للأم، إذا قلنا: الكسب لها، والثالث: أنه موقوف كالكسب، فإن قلنا: بالوقف ففي كيفية وقفه وجهان: أحدهما: يوقف بعد قبضه من السيد، والثاني: يوقف في ذمة السيد وعلى حال يحرم الوطئ، فإن أحبلها انعقد الولد حرًا لشبهة الملك وتصير الجارية أم ولده لأنها علقت بحر في ملك وإن كان ضعيفًا، ولا يلزمه قيمتها لأن القيمة إنما تجب لمن يملكها، والمكاتبة لا تملك ابنتها ولا يلزمه قيمة الولد أيضًا لأنها وضعته، وهي أم ولد له، هكذا قال جميع أصحابنا المتقدمين،

وقال بعض المتأخرين من أصحابنا: هل يلزم قيمتها؟ ينبغي أن يكون فيه قولان كما إذا قلت ففي قيمتها قولان: أحدهما أنه له، والثاني: أنها لأمها تستعين به على كتابتها [94/ ب].
فرع كيف الحكم في ولد ولدها؟، قال الشافعي رضي الله عنه: ولد البنات كالبنات وولد البنين كالأمهات وأراد به أن ولد الابن يكون حكمها حكم أمه دون ابنه لأن ولد البنت تبع لها في الرق وولد الابن تبع لأمه في الحرية والرق فصار ولد البنات كالبنات وولد البنين كالأمهات.
وقال أبو يوسف ومحمد: ولد البنت يكون داخلاً في كتابة جدته، كأمه وهذا نحو ما ذكره الشافعي، وقال أبو حنيفة: يدخل في كتابة أمه دون جدته واحتج بأن الحقوق التي تسري إنما تسري مع الاتصال، فأما الولد المنفصل فلا يسري إليه وهذا الولد اتصل بأمه دون جدته، وهذه لا يصح لأن الولد من كسب أمه والأمههنا تابعة للمكاتبة فكذلك ولدها كسائر كسبها، ونحن نقول بالسراية على ما ذكرنا فيما تقدم فلا يلزمنا ما ذكروا.
مسألة: قال: «وهو ممنوع من وطء مكاتبته».
العم أنه إذا كاتب أمته فليس له أن يطأها لأن الوطء إنما يستباح في زوجته أو ملك تام وليس ههنا واحد منهما، فغن وطئها فلا حد وبه قال جماعة العلماء.
وحكي عن الحسن البصري أنه قال: يجب عليه الحد لأنه عقد عليها عقد معاوضة كما لو باعها وهذا لا يصح لأن له فيها ملكًا وإن كان ضعيفًا بدليل أنه لو أعتقها نفذ عتقه، ولو زوج ابنته من مكاتبه ثم مات وورثته البنت انفسخ نكاحها، لأنها ملكت جزءًا من زوجها فصار ذلك شبهة في سقوط الحد ولو شرط [94/ أ] في عقد الكتابة عليها أن يطأها كان الشرط والعقد باطلين وحكي عن مالك أنه قال: يصح العقد ويبطل الشرط، وقال أحمد: يصح العقد والشرط لأنه شرط عليه منفعتها فوجب أن يصح كما لو شرط الاستخدام، ودليلنا أنه لا يملك وطئها مع الإطلاق للعقد فلا يملكه بالشرط كما لو زوجها واشترط لنفسه الوطء، ويفارق الاستخدام لأنه يجوز أن يملك بما لا يمك به الوطء من الإعارة والإباحة، والدليل على بطلان قول مالك أن الشرط الفاسد يوجب فساد العقد كما لو شرط في الكتابة عوضًا فاسدًا، فإذا ثبت هذا فإن كانا عالمين بتحريم الوطء عزرًا وإن كانا جاهلين لم يعزرا، وإن كان أحدهما جاهلاً والآخر عالمًا لما عزر العالم دون الجاهل.
وأما المهر، فنقل المزني عن الشافعي أنه قال: إن أكرهها فلها مهر مثلها، قال أبو إسحاق: ظاهر هذا أنه إذا وطئها طائعة لا مهر لها ولا نعلم أن الشافعي قال ذلك بل

نص أن لها مهر مثلها طائعة وطئها أو كارهة لأنه لا حد في هذا الوطئ فهو كما لو وطئ طائعة بنكاح فاسد فلها المهر، لأنه لا حد عليها وهذا هو الصحيح، وإنما يختلف الإكراه وغيره في المواضع الذي لو لم يكرهها لكان عليها الحد، ومن أصحابنا من قال: إذا أكرهها، ولم يتعرض لذكره إذا طاوعته وأوجب في «الأم» في الحالتين فلم يكن بينهما اختلاف، ومن أصحابنا من قال: ما حكاه المزني إن عرف للشافعي [95/ ب] فله وجه وذلك أنها إذا طاوعت فقد أباحت نفسها من غير عوض فلا مهر وهي مفارقة للمنكوحة نكاحًا فاسدًا لأنه المنكوحة لا تمكن إلا على أن لها المهر وليس بين المكاتبة والسيد عقد يوجب المهر لا صحيح ولا فاسد فإذا أباحت نفسها بلا عوض مع علمها به لم يجب لها العوض، قال أبو إسحاق: قد قيل: هكذا ولكنا لا نعرف للشافعي.
قال: ذلك في شيء من كتبه.
وقال في «الحاوي» قد قيل: فيه قولان بناء على الراهن إذا أذن للمرتهن في الوطء فوطئ هل يلزم المهر قولان.
وقال القفال: أخل المزني بالنقل حيث خص بالمهر حالة الإكراه لأن في حالة الطوع يجب أيضًا، وإنما قال الشافعي: حالة الطوع حتى يكون حالة الإكراه أولى وهذا غريب، وذكر صاحب «المنهاج»: أن الصحيح أنه لا مهر لها إذا كانت طائعة وهكذا في الأمة إذا طاوعت على الزنا، وهذا سهو منه في هذا الموضع لما بينا.
وحكي عن مالك أنه قال: لا مهر لها أصلا لأن بضعها ملكه ولهذا لا يجوز له أن تتزوج إلا بإذنه، وهذا لا يصح لأن منافع المكاتبة لها، ولهذا لو وطئها أجنبي بشبهة أو بالإكراه فالمهر لها وإنما يفتقر نكاحها إلى إذنه لأن النكاح لازم إلى الأبد فربما عجزن نفسها وتعود إليه ناقصة بالتزويج، فإذا ثبت وجود المهر، لها قال في «الأم»: فإن أصابها مرة أو مرارًا لم يكن لها إلا صداق واحد حتى تجبر فتختار الصداق، أو العجز فإن اختارت فعاد فأصابها السيد، فلها صداق آخر، قال أصحابنا: [96/ أ] هذا عبارة عن قبض الصداق، وفإذا قبضت ثم وطئها وجب صداق آخر.
وهذا كما لو نكح امرأة نكاحًا فاسدًا، فأصابها رة أو مرارًا يجب صداق واحدًا، فإذا فرق بينهما وقضى بالصداق ثم نكحها نكاحًا آخر فلها مهر آخر إذا وطئها ثم هذا المهر يجب عليه من غالب نقد البلد ثم ينظر فإن لم يكن عليها نجم من مال الكتابة فإنها تأخذ وتتصرف فيه حتى يحل النجم.
ثم قوله: وإن كان حل عليها نجم، فإن كان الذي حل عليها من غير جنس الآخر فهل يصير قصاصًا؟ فيه أربعة أقوال ذكرناها، فإن حبلت المكاتبة فقد ذكرنا أنها تصير أم ولد له والولد حر لا يلزمه قيمته وهي تعتق بحكم الكتابة ويكون كسبها له، ومتى تعتق بالاستيلاد يكون كسبها قبل العتق للسيد، وههنا الكتابة باقية، فإن أدت مال الكتابة قبل موت سيدها عتقت، وكان ما في يدها من الكسب لها، فإن عجزت نفسها

قبل موت السيد وفسخ الكتابة كان ما في يدها له، فإن مات عتقت بموته بحكم الاستيلاد وحدها.
فرع لو أتت هذه المكاتبة بعد الاستيلاد بولد من زوج أو زنا فهذا ولد أم ولد وولد مكاتبة فيتبعها في الاستيلاد قولا واحدا، وهل يتبعها في الكتابة قولان، فإذا قلنا: لا يتبعها فليس له إلا سبب واحد وهو الاستيلاد فيعتق بموت السيد، وإذا قلنا: يتبعها فقد اجتمع لها سببان أيهما سبق عتق به، والحكم فيه كالحكم في الأم على ما ذكرنا.
فرع آخر لو اشترى المكاتبة أمة للتجارة لا يحل للسيد وطئها، فإن وطئها قد ذكرنا أنه لا حد ويلزم المهر ههنا للمكاتبة بلا خلاف، [96/ ب] فإن حبلت انعقد الولد حرًا لشبهة الملك وتصير أم ولده لأنها عتقت بحر في ملك، ويلزمه قيمتها لأنها مملوكة للمكاتبة وقد أتلفها عليه بالإحبال، ويفارق للثبت على ما ذكرنا لأنها ليست بمملوكة له بل هي موقوفة معها أو مملوكة للسيد.
وأما الولد فلا تجب قيمته لأنه قد ملك الأم بالتقويم، فإذا أتت بولد بعدما صارت أم ولده لم يلزمه قيمته.
وأما إذا أحبل المكاتبة يلزمه قيمة ولدها إذا قلنا: ولدها موقوف لأنها مكاتبة كما كانت وقد أتلف ولدها عليها فلزمته قيمته لها ويدفع إليها أو تستعين بها أو يجعلها قصاصًا، وإذا قلنا: قيمته لو قتل تكون لسيدها فلا قيمة عليه.
مسألة: قال: «ولو اختلفا في ولدها».
الفصل إنما تتصور هذه المسألة على القول الذي يقول: ولد المكاتبة موقوف على كتابتها وصورتها أن يقول: المكاتبة ولدته بعد المكاتبة.
وقال السيد: ولدته قبل الكتابة فهو ملكي فقد ذكرنا من قبل أن القول قول السيد لأنه اختلاف في التحقيق في قوت الكتابة، فإنها تقول عقدت معي الكتابة ثم أتيت بالولد، وهو يقول: لا بل أثبت به ثم عقدت معك الكتابة، والأصل أن لا عقد ولهذا نقول: لو اختلفا في أصل العقد، فالقول قوله أيضًا، وإذا قلنا: ولدها للسيد لا يتصور الاختلاف، فإنها سواء أتت به قبل الكتابة أو بعدها، فهو للسيد فإن نكل السيد عن اليمين ترد عليها اليمين، فإن نكلت ففي ردها على الولد بعد البلوغ، وجهان.
مسألة: قال: «ولو اختلفا في [97/ أ] ولد المكاتب من أمته، فالقول قول المكاتب».
في صورة هذه المسألة مضمون محذوف، ولا يمكن حمل اختلافهما على ظاهره

لأنه ولد المكاتب من حرة حر لا يصح فيه الاختلاف، والمسألة مصورة فيمن كاتب عبده ثم زوجه أمته، فالتزويج صحيح ثم اشترى المكاتب من السيد زوجته فينفسخ النكاح عندنا خلافًا لأبي حنيفة رحمه الله وصارت مملوكة له فأتت بولد فاختلف هو والسيد، فقال السيد: أتت به من قبل أن بعتكها، فهو مملوك لي، وقال: بل أتت به بعدما ابتعتها فهو لي يعتق بعتقي وأمكن ما قالاه، فالقول قول المكاتب لأنهما اختلفا في ملك الولد ويد المكاتب ثابتة على الولد فصار بيده أقوى من السيد.
فرع قال بعض أصحابنا بخراسان: ذكر الشافعي رضي الله عنه: أنها لو أتت بولدين، أحدهما قبل الكتابة، والآخر بعدها، فهما للسيد لأنهما حمل واحد وهكذا لو أتت بأحدهما في يوم ملك الأم بأقل من ستة أشهر والآخر بأكثر فهما للسيد، وكذا أفتى الشيخ أبو زيد وليس بصحيح لأن الحمل يتبع الأم في البيع، وإذا وضعت ولدًا وفي بطنها ولد آخر فبيعت فالولد الثاني مبيع معها، وقد نص الشافعي كما قال الشيخ أبو زيد، فنقول: مراد الشافعي رضي الله عنه أنه يحكم بأن الولدين حصلا في ملك السيد ثم معقول أن الذي في البطن يصير مبيعًا يتبع الأم أو نقول صورة المسألة: [97/ ب] أنها أتت بالولد الثاني مع البيع لا بعده فيكونان للسيد.

باب المكاتبة بين اثنين يطأها أحدهما أو كلاهما

مسألة: قال: «إذا وطئها أحدهما فلم تحبل فلها مهر مثلها».
اعلم أنه إذا كانت أمة بين رجلين فكاتباها لا يحل لأحدهما وطئها لأنه قبل الكتابة كان يملك بضعها ملكًا تامًا، ولم يكن يحل الوطئ فبعد الكتابة أولى أن يحل وطئها فإنها توجب تحريمًا لو كان الوطئ حلالاً من قبل، فإن وطئ أحدهما فلا حد لشبهة الملك ثم ينظر فإن كانا عالمين عزرا وإن كانا جاهلين لم يعزرا، وإن كان أحدهما جاهلاً لم يعزر الجاهل ويجب المهر لأنه وطئ شبهة ويكون للمكاتبة لأنه كسبها ثم ينظر فإن لم يكن قد حل عليها نجم من مال الكتابة، فإن كان المهر من جنس مال الكتابة، فإن كان معها بقدر ما يدفع إلى السيد الذي لم يطأها مثل المهر فعلت ذلك وسلمت، وللسيد الذي وطئ عليها قدر المهر فإن المهر يكون بين السيدين لأن الكسب بينهما والمهر من جملة الكسب، فيرجع الذي لم يطأ على الذي وطئ فيأخذ منه نصف المهر فيحصل المهر بينهما نصفين ثم ينظر، فإن فضل باقي مال الكتابة فأدتها إليهما عتقت وإن لم يكن معها شيء فللسيدين أن يعجزاها ويسترقاها، فإن فعلا عادت مملوكة لهما وكسبها بينهما والمهر من جملة الكسب، فإن كانت قبضت المهر من الواطئ فقد برئت ذمته منه، [98/ أ] فإن كان باقيًا بحاله اقتسماه بينهما، وإن كان قد

أتلف فقد تلف من ملكهما معًا، وإن لم تكن قبضت المهر فإن ذلك يكون كسبًا ليسدها ثم ينظر فإن كان في يدها شيء يدفع للسيد الذي لم يطأها بإزاء المهر ويحصل المهر لمن هو عليه فعل ذلك، وإن لم يكن معها شيء آخر، فإنهما يقتسمان المهر بينهما نصفين ويسقط ما بقي من حقهما، وإذا اقتسما نصفين دفع الواطئ إلى صاحبه نصف المهر وسقط نصفه عن ذمته، فإن أتت هذه المكاتبة بولد نظر فإن كان السيد قد استبرأها بعد الوطئ وأتت بولد بعد الاستبراء لستة أشهر فصاعدًا لم يلحق بالسيد بل يحكم بأنه ولد مكاتبته من شبهة أو نكاح أو زنًا فيه قولان على ما ذكرنا، وإن لم يكن استبرأها أو كان قد استبرأها إلا أنها أتت بالولد لأقل من ستة أشهر من حين الاستبراء فإنه يلحق بالوطئ، فإنه واطئ بشبهة وينعقد الولد حرًا ويصير نصف الجارية أم ولده لأنها علقت بحر في ملك، وإن كان ضعيفًا وجميعها يكون مكاتبًا لهما ثم ينظر في الواطئ فإن كان معسرًا فلا يسري إلى نصيب شريكه وإن كان موسرًا فيسري لأنه كالعتق، وهل يقوم عليه في الحال، أو فيما بعد، فعلى ما ذكرنا من القولين أحدهما: يقوم في الحال تغليبًا للإيلاد على الكتابة للزوم حكمه والثاني: يتوقف تقويمه على العجز تغليبًا لحكم الكتابة على الإيلاد لتقدمه، وقال أبو علي بن أبي هريرة: يقوم عند العجز ههنا قولاً واحدًا وإنما القولان في عتق أحد الشريكين، [98/ ب] والفرق أن السراية هناك إذا كانت في الحال استفادة العتق في الحال فلا ضرر على المعتقة، وههنا يضر التقويم والسراية لا تنفسخ فيما قومناه، وثبت لها حكم الاستيلاد فيقف عتقها على الموت، وإذا كانت مكاتبة يعتق بالأداء في الحال، وقال أبو إسحاق: الطريقة الأولى أصح، وما قاله أبو علي خطأ لأن الإحبال أقوى من العتق، والعتق إذا أوجب التقويم في الحال فالإحبال أولى، والذي قاله من الضرر لا يصح لأنا إذا قومنا في الحال تنفسخ الكتابة في نصيب الشريك وتبقى في نصيب المحبل، فإذا أدت إلى مولاها المحبل نصيبه من المال عتقت وسرى العتق إلى الباقي فالتقويم أحظُ لها، وقال بعض أصحابنا بخراسان: كلام الشافعي ههناه يدل على أنه لا يقوم في الحال في الإحبال وإنما يقوم يوم العجز قولاً واحدًا، وذلك أنه أجاب ههنا في الإعتاق بأنه يقوم في الحال، فقال: إذا مات الواطئ وعتق نصفها قوم النصف الثاني في الحال، ولم يقل إذا عجزت، وكذلك إذا أعتق أحدهما نصيبه وأجاب في الإحبال بأنه لا يقوم فيه الحال، فقال: فاختارت العجز أو مات الواطئ، فإن للذي لم يطأها نصف المهر، ونصف قيمتها على الواطئ فدل ذلك على أن قوله لم يختلف في الإحبال أن التقويم فيه يوم العجز لما تقدم من العلة وقد بينا خلاف هذا.
فإن قلنا: يقوم في الحال تنفسخ الكتابة في نصيب شريكه بالتقويم وتصير أم ولد الواطئ ويكون النصف الآخر مكاتبًا وهي أم ولد له ثم ينظر فإن أدت مال الكتابة عتق نصفها وسرى العتق [99/ أ] إلى باقيها ويبطل حكم الإحبال والعتق بها، وإن قلنا: لا يقوم في الحال ينظر فإن أدت مال الكتابة إليهما عتقت ويكون الولاء بينهما ويبطل حكم

الإحبال، وإن عجزت نفسها استرقاها وبطلت الكتابة فتقوم حينئذ على الشريك الوطئ ويصير جميعها أم ولد يعتق بموته فهذا الحكم في الأم، وأما الولد فقد حكمنا بحريته فهل يجب على الواطئ شيء من قيمته لشريكه؟.
الحكم في ذلك أن كل موضع أتت به وجميعها أم ولد للواطئ لا يلزمه شيء من قيمة الولد لأنها وضعته في ملكه وكل موضع أتت به ونصفها مكاتب لغيره يلزمه نصف قيمته لشريكه لأنه كان من سبيله أن يكون نصيبه من الولد مملوكًا له فلما صار حرًا باعتقاده وفعله صار متلفًا لذلك النصف عليه فيلزمه قيمته.
وإن مات السيد قبل أن يعجز أو يؤدي فقد عتق نصفها بموته وانفسخت الكتابة فيه، فعلى هذا إن أدت إلى الشريك نصفه عتقت وإن لم تؤد قوم على الميت في تركته لأنه قد وجب بسبب كان منه في حال حياته.
وكل موضع حكمنا بأنها أم ولده والكتابة باقية فمات السيد سبق عتق الاستيلاد على الكتابة فعتقت بموته واستتبع الاكتساب بخلاف العتق بالصفة والعتق بمجرد الإيلاد هذا كله إذا اختارت المقام على الكتابة، فاما إذا اختارت العجز في الحال فالحكم فيها كالحكم في الجارية بين الشريكين إذا أحبلها أحدهما، وحكمه أنه إن كان موسرًا عليه نصف مهرها ويقوم عليه نصيب شريكه، وهل يسري الإحبال في الحال أو بأداء القيمة؟، فعلى ما ذكرنا [99/ ب] فيما تقدم وفي نصف قيمة الولد قولان بناء على القولين في إحباله، فإن قلنا: يسري في الحال فليس عليه نصف قيمة الولد، وإن كان معسرًا فقيمة نصف المهر في ذمته ولا يقوم عليه نصيب شريكه وفي الولد وجهان.
قال ابن أبي هريرة: الولد حر كله ويكون عليه نصف قيمته لشريكه لأنه وطئ شبهة كما لو وطئ أمة غيره بشبهة.
وقال أبو إسحاق يكون الولد نصفه حرًا ونصفه مملوكًا لشريكه لأن الولد تابع للأم في الحرية، فهو بمنزلة ما لو ولدت جارية نصفها حر ونصفها مملوك من زوج أو زنا كان الولد نصفه حرًا ونصفه مملوكًا، وقيل: إن ابن أبي هريرة علل الوجه الأول أنه يستحيل أن ينعقد الولد ابتداءًا بعضه رقيقًا وبعضه حرًا، فألزم عليه إذا كانت الجارية نصفها حرًا ونصفها مملوكًا فلم يسلم هذه المسألة، وقال: الخلاف واحد.
ويمكن أن يقال: علة ابن أبي هريرة أن الحرية الصادرة عن الملك لا تتبعض، وهذا العتق ليس بسراية ولهذا لا قف عتق الباقي على أداء القيمة قولا واحدًا، فإذا قلنا: لا يقوم، ففيه وجهان: أحدهما: يكون موقوفًا للشريك، والثني: يكون تبعًا لأمه يعتق إن عتقت، وإذا قلنا: تقويم الأم موقوف وعجزت عن أداء مال الكتابة.
فلها وللمحبل حالتان: إحداهما: أن يتفقا على الإنظار بالكتابة في حقه فيجوز ذلك لهما إذا تراضيا به، لأنه لا يتعلق بالكتابة حق لغيرهما بخلاف الشريك غير المحبل، والثانية: أن لا يتفقا على الإنظار بل يختلفان فيه فالكتابة تنفسخ بينهما لأن المكاتبة لا يلزمها المقام على العقد، [100/ أ] والسيد يلزمه الإنظار بالمال.

مسألة: قال: «فإن وطأها فعلى كل واحد منهما مهر مثلها».
جملة هذا أن السيدين إذا كاتبا جارية ثم وطئها كل واحد منهما فإن لم تحبل فلا حد على واحد منهما وغرر العالم منهما والمكاتبة أيضًا إن كانت عالمة وعلى كل واحد منهما كمال مهر مثلها ثم ينظر فإن عجزت نفسها، وفسخت الكتابة فقد سقط عن كل واحد منهما نصف ما عليه من المهر ولزمه النصف الآخر لشريكه فإن كانا سواءً تقاصا وإن كان أحدهما أكثر من الآخر.
قال الشافعي بأن يطأ أحدهما وهي بكر ويطأ الآخر ثيبًا أو تكون في وطئ أحدهما صحيحة وفي وطء الآخر بغية، ونحو ذلك فإن التقاص يحصل في المقدار الذي اتفقا فيه ولصاحب الفضل أن يطالبه وإن كانت قد قبضت المهرين فقد برئت ذمة السيدين منهما ثم ينظر فإن كانا باقيين اقتسماهما وإن كانا تالفين فقد تلفا من ملكيهما وضمانهما، قال في «الأم»: فإن وطئها أحدهما وهي بكر وجب عليه أرش البكارة لأن ذلك لا يدخل في المهر فسقط عنه النصف ويجب النصف لشريكه، وإذا وجدت الجارية مفضاة، فقال كل واحد منهما: أنت أفضيتها حلف كل واحد منهما لصاحبه ويسقط حكم الإفضاء وهكذا إذا اختلفا في الوطئ فكل واحد منهما يقول لصاحبه: أنت وطئت حلف كل واحد منهما لصاحبه ويسقط المهر هذا كله إذا لم تحبل الجارية فإن حبلت الجارية، فالحكم في الحد والمهر على ما مضى.
وأما الولد فينظر فإن ادعى كل واحد من الشريكين أنه استبرأها بعدما وطئها وأتت بالولد بعد الاستبراء [100/ ب] لستة أشهر فصاعدًا لا يلحق بواحدٍ منهما ويحكم أنه أتت به من زنا وقد ذكرنا فيه قولين: كيف يكون حكمه وإن لم يدع أحدهما: الاستبراء لا يخلو حال الولد من أربعة أحوال.
إما أن لا يمكن أن يكون من واحد منهما أو أمكن أن يكون من الأول دون الثاني أو من الثاني دون الأول أو أمكن أن يكون من كل واحد منهما فإن لم يمكن أن يكون من كل واحد منهما بأن تأتي به لأكثر من أربع سنين من وقت الوطئ الأول ولأقل من ستة أشهر من وقت الوطئ الثاني، فإنه ينتفي عنهما ويصير كالولد الذي يؤتى به من زنا فيه قولان على ما ذكرنا وإن أمكن أن يكون من الأول دون الثاني بأن تأتي به لأكثر من ستة أشهر من وقت وطئ الثاني يلحق بالأول لأنه يمكن أن يكون منه وينتفي عن الثاني لأن لا يمكن أن يكون منه، ثم لا يخلو، إما أن يكون الأول موسرًا أو معسرًا فإن كان موسرًا فالولد يلحقه ويكون حرًا لشبهة الملك ويصير نصيبه من الجارية أم ولده لأنها علقت بحر في ملكه ويستحق عليه تقويم نصيب شريكه كما يستحق ذلك بالعتق وهل يقوم في الحال أم عند التعجيز؟ فعلى ما ذكرنا من القولين فإن قلنا: يقوم في الحال فقوم فإن الكتابة تنفسخ في نصيب الشريك الذي لم يحبل لأن التقويم ينفسخ بالكتابة ويعود نصيبه إلى ملكه ثم يقوم على شريكه وتبقى الكتابة في النصف الذي لشريكه فيكون نصف الجارية مكاتبًا للشريك المحبل وجميعها أم ولد له.

وإن اختار السيد المحبل أن ينظرهما بما عليهما، فإن نصيب شريكه يقوم عليه، [101/ أ] وتنفسخ الكتابة وتبقى الكتابة في نصيبه، فيكون جميعها أم ولد له ونصفها مكاتب له، والحكم فيها إذا أدت وعتقت بالأداء، ولم تؤد فعتقت بالموت على ما ذكرنا في المسألة قبلها.
فإذا ثبت هذا الكلام بعده فيما يستحقه المحبل على لم يحبل وما يستحق الذي لم يحبل عليه، فأما الذي لم يحبل فيستحق على شريكه ثلاثة أشياء: المهر وقيمة نصيبه من الجارية وقيمة نصيبه من الولد، فأما المهر فإنه يستحق عليه نصفه لأنها لم قومت افنسخت الكتابة في نصفها، وعاد إلى ملكه وكان كسب هذا النصف له من المهر من جملة الكسب هكذا ذكر أبو حامد، وقال القاضي الطبري: هكذا ذكر الشافعي أنه يلزمه نصف مهر مثلها ولكنه أراد إذا عجزت نفسها، فأما إذا أقامت على الكتابة فإن نصيب الأول صار أم ولد له وهل يقوم في الحال أم إذا عجزت؟ فيه قولان: أحدهما، يقوم في الحال فتنفسخ بالتقويم الكتابة في نصيب شريكه لأن الأول يملك نصيب شريكه إذا قوم عليه وإذا انفسخت الكتابة في نصيب شريكه يكون جميعها أم ولد للأول، ونصفها مكاتب له ونصفها غير مكاتب ويلزمها جميع مهر مثلها، فيكون نصفه للجارية لأنه مكاتب للأول ونصفه للشريك لأنه وطئها، ونصفها مكاتب له، ثم فسخت الكتابة فيه فصار إليه ما كان في يدها، أو استحقته قبضته، أو لم تكن قبضته، وقيل: أراد الشافعي بقوله: ونصف مهرها ذكر النصف الذي لزمه بسبب الملك نفسه.
فإن قيل: [101/ ب] المكاتب لا يملك، فكيف ملك ها هنا قلنا: يملك حكمًا كما بالإرث.
وأما قيمة نصيبه من الجارية، فيستحقه عليه لأنه أتلفه بالإحبال، وأما قيمة نصف الولد، قال الشافعي: وفي نصف قيمة ولدها قولان: أحدهما، يغرمه، والثاني، لا يغرمه وهذان القولان مبنيان على أصل، وهو أن وقت نقل ملك النصف إليه بالتسرية متى يكون، وفيه قولان: أحدهما، أنه ينتقل إليه عقيب العلوق من غير فصل فعلى هذا يغرم نصف قيمة الولد لأن العلوق حصل في ملك الغير والثاني أن العلوق حصل في ملكه، وقال أصحابنا بالعراق: وهو مبني على أصل، وهو أن كل موضع وضعت الولد، وهو ملكه لا يلزمه شيء من قيمته وكل موضع وضعت قبل أن يصير جميعها أم ولد وهو إذا قلنا: إنها لا تقوم في الحال، وإنما تقوم بعد العجز فوضعته قبل العجز، وقلنا: الإحبال إنما يسري بعد دفع القيمة، فوضعت قبل دفع القيمة يلزمه نصف قيمته لأنها وضعته ونصفها مملوك لغيره وكان من سبيله أن يكون مملوكًا له، فصار حرًا بفعله واعتقاده.
قال المزني: القياس على مذهبه أن ليس عليه نصف قيمة الولد لأنها بالحبل صارت أم ولد، قال أصحابنا: هذه العلة لا بيان فيها حتى يقال: لأنها بالحبل صارت أم ولده، وانتقل الملك قبل الحبل.
وأما ما يستحق المحبل على الذي لم يحبل، قال في المختصر «المختصر»: «وفي الواطئ

الآخر قولان: أحدهما، يغرم نصف مهرها لأنها لا تكون أم ولد للمحبل إلا بعد أداء نصف القيمة والآخر، يغرم جميع مهر مثلها»، وهذان القولان [102/ أ] مبنيان على القولين في وقت التسوية، فإن قلنا: بتأخير السراية إلى وقت الأداء فليس على الثاني بالوطئ إلا نصف المهر لأن الجارية مشتركة بعد، وإذا قلنا: بتعجيل السراية فعليه جميع المهر لأنه وطئها، والملك خالص للأول ولا شك أنه لا يلزمه غير المهر شيء آخر، واختار المزني إيجاب جميع مهر المثل، وقال: لأنه وطئ أم ولد لصاحبه، وهذا التعليل دعوى لأن من قال بالقول الثاني: جعلها أم ولد لصاحبه بعد أداء القيمة، وقال أبو إسحاق: الصحيح ما اختار المزني أنها تصير أم ولد له في الحال دون أداء القيمة وهو الذي اختاره الشافعي، فعلى هذا يلزم على الثاني جميع مهر المثل ولا يجب على الأول نصف قيمة الولد كما ذكرنا عن المزني، فإذا قلنا: عليه جميع المهر وعلى الأول جميع المهر، وقد عجزت انتقل نصف المهر والواجب على الأول إلا الثاني فيصير النصف بالنصف قصاصًا إن استويا، ويبقى للأول على الثاني نصف مهر مثلها، وإذا قلنا: عليه نصف المهر وقد عجزت فللأول على الثاني نصف المهر، وللثاني على الأول نصف المهر أيضًا، فيتقاصان إن استويا، ولا يبقى شيء إذا كان المحبل موسرًا، فإن نصيب الأول يصير أم ولده ولا يقوم نصيب شريكه عليه، فيكون نصيب أم ولده وجميعها مكاتبة بينه وبين شريكه، ثم ينظر فإن اختارت المقام على الكتابة وأدى مال الكتابة، وعتقت استحقت على كل واحد منهما كمال مهرها، وإن عجزت كان نصفها مملوكًا للواطئ الثاني ونصفها أم ولد للواطئ الأول، [102/ ب] ويكون لكل واحد منهما على صاحبه نصف مهر مثلها فيقاصان على ما ذكرنا.
وأما الولد فهل ينعقد كله حرًا أو نصفه حرًا، ونصفه مملوكًا فعلى ما ذكرنا من الاختلاف بين ابن أبي هريرة وبين أبي إسحاق.
وقال القاضي الطبري: ما قاله ابن أبي هريرة أصح لما احتج به أنه وطئ شبهة، ولو وطئ جارية غيره بشبة كان الولد حرًا، ويلزمه قيمته في ذمته إذا كان معسرصا إلى أن يوسر فكذلك ههنا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان، وهذا غريب.
والحالة الثالثة: إذا أمكن أن يكون الولد من الثاني دون الأول بأن تأتي به لأكثر من أربع سنين من وقت وطئ الأول ولأكثر من ستة أشهر، وأقل من أربع سنين من وقت وطئ الثاني، فهذا الفصل لم ينقله المزني إلى «المختصر» وحكمه: أنه ينتفي الولد عن الأول ويلحق بالثاني، ويصير الثاني في هذا القسم كالأول في القسم الأول والأول ها هنا كالثاني هناك إلا في أشهر، فلا يخلو حال الثاني، إما أن يكون موسرًا أو معسرًا، فإن كان موسرًا، فالولد حر ونصيبه من الجارية أم ولده، ويسري إلى نصيب شريكه ويقوم في حقه ومتى يقوم فعلى ما ذكرنا من القولين، فإذا قلنا: يقوم في الحال، أو بعد العجز، فعجزت وقومت، فبالتقويم تنفسخ الكتابة في نصيب شريكه ويعود رقيقًا ويكون كسبه للشريك، والنصف الآخر يبقى على الكتابة والحكم فيه، إذا أدت أو

عجزت، (فاسترقت) على ما ذكرنا من القسم قبله.
وأما الذي يجب على الثاني والذي يجب على الأول، [103/ أ] فإن الثاني يجب عليه نصف المهر وقيمة نصف الجارية، وأما قيمة نصف الولد، فإنها إن وضعته قبل أن صار جميعها أم ولد يلزمه ذلك وإلا فلا يلزم، وأما الأول فلا يجب عليه قيمة الجارية ولا قيمة الولد، وإنما يجب عليه نصف المهر فقط لا يزيد ولا ينقص وهذا هو الذي يخالف القسم قبله، فإن هناك يجب على الثاني الذي لم يحبل كمال المهر في حالة، ونصفه في حالة أخرى وها هنا يجب على الأول الذي قلم يحبل نصف المهر بكل حال، والفرق أن وطئ الجارية في الأول صادف الجارية بعدما صارت أم ولد للأول، فيلزمه كمال المهر ووطئ الأول ههنا لم يصادف، وهي أم ولد للثاني، فإن وطئه سبق وطئ الثاني بل صادفها ونصفها مكاتب له والكتابة تنفسخ في ذلك النصف، فيعود كسبه إليه، فلا يلزمه أكثر من نصف المهر وإن كان الثاني معسرا، فإن نصيبه يصير أم ولده ولا يسري ذلك إلى نصيب الشريك ويلزمه نصف مهر المثل والحكم فيها إذا ردت، أو عجزت على ما ذكرنا وهل ينعقد كله حرًا، أو نصفه حرًا فعلى ما ذكرنا من الاختلاف.
والحالة الرابعة: أن يكون من كل واحد منهما بأن تأتي به لأكثر من ستة أشهر ولأقل من أربع سنين من وقت وطئ كل واحد منهما، فادعياه، أو ادعاه أحدهما ولم يدعيا، ولا أحدهما الاستبراء يعرض على القافة فإن ألحقته بالأول كان الحكم على ما ذكرنا إذا لم يمكن أن يكون من الأول، وإن ألحقته بالثاني كان الحكم على ما ذكرنا إذا لم يمكن [103/ ب] إلا من الثاني، فإن لم يكن قافه، أو كان فأشكل عليهم، أو ألحقته بهما أو أنفته عنهما ترك حتى يبلغ فينسب إلى أحدهما، وهذا لأن الأنساب تتعاطف، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الرحم إذا تماست تعاطفت» وتتعلق بزمان الوقف، ثلاثة أحكام أحدها في كتاب «الأم»، وذلك معتبر بحال الواطئين، فإن كانا موسرين كانت كتابتهما على قولين: أحدهما: باقية بحالها في جميعها ويملك جميع كسبها، ويؤخذ كل واحد منهما بجميع مهرها، إذا أدت عتقت، وإن عجزت كانت أم ولد لأحدهما يوقف على البيان ولا تعتق إلا بآخرهما موتًا، وإن ماتا قبل البيان، والثاني: أن الكتابة قد بطلت في نصفها وبقيت في النصف الآخر، وبقي نصف كسبها موقوفًا على من تصير له أم ولد، والنصف الآخر لها تستعين به في كتابتها، فإن أدت تحرر عتق جميعها نصفها بالكتابة ونصفها بالسراية، وإن عجزت كانت أم ولد لأحدهما لا بعينه فيوقف أمرها فيه، وفي الفاضل من كسبها بعد العجز، وفي النصف الموقوف من الكسب على ما يتجدد من البيان فيما بعد وإن كانا معسرين، فنصفها يكون في حكم م الولد والكتابة في جميعها باقية والأداء يكون إليهما، فإن عتقت به، بطل حكم الإيلاد، وإن عجزت كان نصفها أم ولد ونصفها موقوفًا ويوقف على البيان، وإن كان أحدهما موسرًا والآخر معسرًا، فلا يقوم على الموسر لجواز أن يكون الولد من المعسر

فتكون الكتابة بحالها كما لو كانا معسرين لأنها على الصحة، فلا تفسخ بالجواز.
والحكم الثاني: في الولد، وهو يعتبر [104/ أ] بحالها في اليسار والإعسار، ولا يخلو من الأحوال الثلاثة أن يكونا موسرين، فيكون جميع الولد حرًا وإن كانا معسرين فنصفها يكون في حكم أم الولد والكتابة في جميعها باقية، والأداء يكون إليهما، وإن كانا معسرين فنصفه حر، وفي نصفه الباقي وجهان: أحدهما، يكون حرًا، والثاني، يكون مملوكًا، فإن اجتمع الواطئان على بيع نصفه الرقيق جاز ووقف ثمنه على مستحقه منهما وإن تفرد أحدهما ببيع نصفه لم يجز لجواز أن يكون أبًا وإن كان أحدهما موسرًا، والآخر معسرًا، فنصفه حر، وفي الباقي وجهان: أحدهما، يكون حرًا، والثاني يوقف فإن ألحق بالموسر كان حرًا وإن لحق بالمعسر كان مملوكًا، ولو اجتمعا على بيعه لم يجز لتردده بين الرق والحرية.
والحكم الثالث: في النفقة، وهما نفقتان، نفقة الولد ونفقة الأم، فأما نفقة الولد فتعتبر بأحواله الثلاث، فإن حكم بحريته كله يؤخذان جميعًا بنفقته، فإذا لحق بأحدهما رجع الآخر عليه بما أنفق وإن حكم بحرية نصفه ورق نصفه يؤخذان بها ولا رجوع لأحدهما على صاحبه إذا لحق به لأن الآخر يصير مالكًا لرقه، وإن حكم بحرية نصفه ووقوف نصفه يؤخذان بنفقته، فإذا لحق بالموسر وبان باقيه حرًا رد على صاحبه ما أنفق وإن لحق بالمعسر وبان باقيه مملوكًا، فلا تراجع بينهما.
وأما نفقتها تعتبر بحالها وهي تنقسم ثلاثة أقسام: أحدها: أن يتحرر عتق جميعها بالأداء فنقتها ساقطة عنهما، فلا يؤخذ واحد منهما بها، والثاني: أن يكون جميعها صار أم ولد لعجزها ويسار الواطئين فنقتها واجبة [104/ ب] ويوقف جميعها بها، فإذا بان أنها أم ولد لأحدهما بعينه رجع الآخر عليه بما أنفق، والثالث: أن يكون نصفها أم ولد ونصفها مملوكًا لعجزها، وإعسار الواطئين فنفقتها واجبة عليها ومستقرة بينهما ولا رجوع لواحد منهما على صاحبه بعد البيان لأنه إذا صار نصفها أم ولد لأحدهما فقد صار نصفها الباقي موقوفًا للآخر فاستويا في التزامه.
وقول الشافعي ههنا: فإذا لحق بأحدهما، أو انتسب إلى أحدهما، وهو معسر فنصفها لشريكه بحاله والصداقان ساقطان عنهما يعني: إذا كانا متساويين في الحال، والحال حال عجزها يدل على أحد الأقوال في التقاص.
مسألة: قال: «ولو جاءت من كل واحد منهما بولد يدعيه ولم يدعه صاحبه».
الفصل جملة هذا أن المكاتبة إذا كانت بين اثنين، فوطئها كل واحد منهما فأتت بولدين وكل واحد منهما لا يدعي الاستبراء، ولا يدعي أنه شارك صاحبه في الوطئ في طهر

واحد، وكان كل واحد منهما يعرف ولده بعينه، والشافعي فرض المسألة فيه إذا عجزت المكاتبة نفسها، فاسترقها السيدان، فالحكم فيها وفي الأمة القن إذا كانت بين شريكين فوطئاها، وأتت من كل واحد منهما بولد حكم واحد ففيه مسألتان إحداهما: أن يكون قد عرف الذي وطئها أولا والذي وطئها ثانيًا، والثانية: أن لا يعرف الأول منهما من الثاني بل كل واحد منهما يدعي أنه لأول وأن الآخر الثاني، فإن تعين الأول منهما من الثاني وادعى كل واحد منهما ولدًا غير الولد الذي يدعيه صاحبه فلا يخلو حالها من أربعة أحوال، [105/ أ] إما أن يكونا موسرين أو كان الأول موسرًا، والثاني، معسرًا، أو كانا معسرين أو كان الأول معسرًا، والثاني، موسرًا، فإن كانا موسرين فالكلام في الحد والتعزير على ما مضى، وأما المهر وكون الجارية أم ولد ووجوب قيمتها وقيمة الولد، فإن الأول لما وطئ وجب عليه نصف المهر لأن نصفها مملوك له ونصفها لغيره ويصير نصيبه منها أم ولده ويقوم عليه نصيب شريكه بالسراية ومتى يسري فيه ثلاثة أقوال: كالعتق سواء، وينعقد الولد حرًا، وهل تجب قيمته ينظر فطإن وضعته بعدما دفع قيمة نصيب شريكه لم تلزمه قيمته لأنا إن قلنا: يسري بالإحبال فقد صار جميعها أم ولد له بنفس الإحبال، وإن قلنا: يسري بالإحبال ودفع القيمة، أو قلنا: هو مراعي، فقد دفع القيمة وصارت أم ولده فلم يلزمه قيمة الولد الذي نصفه في ملكه، وإن وضعت قبل دفع القيمة، فإن قلنا: يسري الإحبال بنفسه أو هو مراعي ودفع القيمة لا يلزمه، وإن قلنا: بالآخر فقد وضعته ونصفها أم ولد له ونصفها مملوك لغيره، فيلزمه نصف قيمة الولد لشريكه فهذا الحكم فيما يجب على الأول، وأما الثاني، فلا يلزمه قيمة شيء من الجارية لأنه لا يتصور أن يكون شيء منها أم ولده على ما بينته، وإنما يلزم في حقه المهر وقيمة الولد فأما المهر فإنه ينظر فإن وطئها، بعدما صار جميعها وأم ولد له فعليه كمال مهر المثل للأول لأنه وطئ أم ولد غيره، وإن وطئها قبل أن صار جميعها أم ولد له فعليه نصف المهر لأنه وطئها ونصفها أم ولد للأول ونصفها مملوك له، وأما الولد فينعقد حرًا [105/ ب] لشبهة الملك ثم ينظر فإن وضعته وقد صار جميعها أم ولد للأول فعليه كمال قيمته، وإن وضعته قبل أن صار جميعها أم ولده فعليه نصف قيمته، ولا يصير نصيبه من الجارية أم ولد له في الحال سواء أحبلها بعد ما صار جميعها أم ولد للثاني، أو قبله لأنه وإن لم تصر باقية أم ولد للأول، فقد استحق أن تصير أم ولد له وتقوم في حقه فلو جعلناها أم ولد للثاني لأبطلنا حق الأول من التقويم في حقه وسراية الإحبال، ولا سبيل إلى ذلك، وقال القفال في نفوذ الاستيلاد من الثاني في نصيبه على القول الذي نقول: لا يصير جميعها أم ولد للأول في الحال وجهان كما قلنا: إذا أعتق الثاني نصيبه بعدما أعتق الأول نصيبه، وهو موسر، وقلنا: السراية يوم أداء القيمة هل ينفذ وجهان.
فإذا استقر ما يجب لكل واحد منهما على صاحبه فإنهما يتقاصان ما يتساويان فيه على اختلاف الأحول في المقاصة ثم يرجع صاحب الفضل على صاحبه بما بقي له.

وإن كان الأول موسرًا والثاني: معسرا، فالأول لما وطئ لزمه نصف مهر المثل ويصير نصيبه أم ولده، ويري إلى نصيبه شريكه ويقوم عليه، ومتى يسيري فعلى الأقوال الثلاثة، وينعقد الولد حرًا وهل يلزمه قيمته؟ ينظر، فإن كانت وضعته بعد دفع القيمة لم يلزمه، وإن كان قبل دفع القيمة، فإن قلنا: الإحبال يسري بنفسه، أو قلنا: يراعي - ودفع القيمة لم يلزمه، وإن قلنا: يسري بعد دفع القيمة لزمه نصف لقيمته، فيكون حكم الموسر ههنا بحكمه في القسم الأول سواءً [106/ أ].
وأما الثاني، ألمعسر إذا وطئ فإن وطئ بعدما صارت الجارية أم ولد له يلزمه كمال المهر وإن وطئ قبل أن يصير جميعها أم ولد له يلزمه نصف المهر على ما ذكرنا، وهل يصير نصيبه أم ولد، فعلى ما ذكرنا، وأما الولد إن وطئها بعد ما صارت أم ولد الأول، قال أبو إسحاق: ينعقد مملوكًا لأن وطئه صادف أمة لا ملك له فيها ولا يلزمه قيمة الولد، وإن وطئها قبل أ، صارت أم ولد الأول، فقد وطئها ونصفها مملوك له ونصفها أم ولد الأول فيه وجهان على قول أبي إسحاق ويكون نصفه حرًا ونصفه مملوكًا وعلى قول ابن أبي هريرة ينعقد حرًا ويجب على هذا الشريك نصف قيمته في ذمته، فيكون الحكم في هذا القسم كالحكم فيه إن كانا موسرين إلا في هذا الولد في حق الثاني.
وإن كانا معسرين فالأول لما وطئ يلزمه نصف مهر المثل، صار نصيبه منها أم ولده ولا يسري إلى الباقي، وفي الولد وجهان، فيستوي في هذه المسألة حكم الأول، والثاني: في جميع الأحكام وتصير الجارية أم ولدهما.
وإن كان الأول معسرًا، والثاني: موسرًا فالأول لما وطئ يلزمه نصف المهر ويصير نصيبه من الجارية أم ولده، فلا يسري، وفي الولد وجهان، وأما الثاني لما وطئ لزمه نصف المهر لأن نصفها له ونصفها أم ولد لشريكه ويصير نصيبه أم ولده ولا يسري إلى نصيب شريكه لأنه قد صار أم ولد للأول، ولا يمكن أن يصير أم ولد للثاني، وينعقد ولده حرًا ويجب عليه نصف قيمته [106/ ب] لشريكه فيكون الحكم في هذا القسم كالحكم فيه، إذا كانا معسرين إلا في الولد على ما بيناه، والكلام في المقاصة بينهما على ما مضى قال المزني لما فرغ من ذكر هذه المسألة: قد مضى قوله في هذه المسألة بما قلت لأنها لو لم تكن للأول أم ولد إلا بعد أداء نصف القيمة لما كان على المحبل الثاني جميع مهرها ولا قيمة ولده منها.
قلنا: جواب الشافعي ههنا صدر على قول تعجيل السراية وعليه فرع حكم المهر والقيمة، ولا يحتج بفرع قول على إبطال قول يرد ذلك الفرع.
والمسألة الثانية: وهي إذا لم يعلم الأول منهما بل كل واحد منهما يدعي أنه هو الأول والمسألة مفروضة فيما فرضنا المسألة قبلها، وهو إذا كان كل واحد منهما لا يدعي الاستبراء ولا يدعي مشاركة صاحبه في الوطئ في طهر واحد، فلا يخلو حالهما من ثلاثة أحوال: إما أن يكونا موسرين أو معسرين أو أحدهما، موسرًا والآخر،

معسرًا، فإن كانا موسرين، وكل واحد منهما يقول: أنا الذي وطئت أولا فعلى نصف المهر، وقد صار نصيبي أم ولد وسرى ذلك إلى نصيب شريكي فصارت الجارية كلها أم ولد لي وعلي قيمة نصيب شريكي، والولد حر وعلي نصف قيمته إن كان وضعته قبل دفع القيمة وقلنا: الإحبال لا يسري إلا بعد دفع القيمة، ولا شيء علي إذا وضعته بعد دفع القيمة وأنت أيها الشريك، وطئت بعدي فعليك نصف المهر في حالة وكمال المهر في حالة أخرى على ما بيناه في المسألة قبلها ولا يجب عليك شيء من قيمة الجارية وعليك [107/ أ] كمال قيمة الولد في حالة، ونصف قيمته في حالة أخرى، فإذا ثبت هذا فإن كل واحد منهما يقر لصاحبه بنصف قيمة الجارية وصاحبه لا يدعي ذلك فسقط إقرارهما فيه، ويبقى الاختلاف بينهما في المهر وقيمة الولد، فإن قلنا: يجب على الأول نصف المهر وعلى الثاني النصف لا يفيد الاختلاف، وإن قلنا: يجب على الأول نصف المهر وعلى الثاني كمال المهر وهي إذا وطئها بعدما صارت أم ولد الأول فههنا يفيد الاختلاف، فإن كل واحد منهما يدعي على صاحبه نصف المهر، فيحلف كل واحد منهما للآخر على نفي ما يدعيه عليه ويسقط التداعي.
وأما قيمة الولد فإنه إن كان للأول يجب عليه نصف قيمة الولد، وعلى الثاني نصف قيمة الولد، فلا يفيد الاختلاف شيئا بل يتقاصان، وإن كان الثاني يجب عليه كمال قيمة الولد والأول لا يجب عليه شيء أو يجب عليه نصف القيمة فالاختلاف بينهما يفيد فيحلف كل واحد منهما على نفي ما يدعيه صاحبه عليه ويسقط التداعي، فإذا تقرر هذا، فنقول: قال الشافعي رضي الله عنه في زمان الإشكال: وقفتها وأخذتهما بنفقتها فإذا مات واحد منهما عتق نصيبه وأخذ الآخر بنفقته نصيب نفسه، فإذا مات عتقت وولاؤها موقوف.
وقال القاضي الطبري: هكذا ذكر الشافعي في «الأم»، قال عامة أصحابنا: إنما قال الشافعي يعتق نصيب من مات منهما لأن الظاهر أنه ولدها وأنها كانت ملكًا له وشككنا في إحبال شريكه [107/ ب] قد انتشر إلى نصيبه أم لا فأعتقنا نصيبه بالظاهر لأن العتق مبني على الغلبة والسراية، وإذا مات الآخر عتق الباقي ويكون ولاءها موقوفًا لأنا لم نتيقن أن الولاء لأحدهما.
وبه قال ابن أبي هريرة وصاحب «الإفصاح»، وقال أبو حامد وأكثر أصحابنا: إذا مات أحدهما لا يعتق منها شيء لأنه يحتمل أن تكون أم ولد للحي خاصة فلا نوقع العتق بالشك.
وهكذا قال صاحب «الحاوي»، فإن اتا عتقت الآن لأنها أم ولد لأحدهما وإن لم يتعين، قال صاحب «المنهاج»: هذا مشكل لأنا لا تعلم المستولد الأول منهما ونعلم أن أحدهما إذا سبق بالاستيلاد وهو موسر فعتق جميعها معلق بموته، ولا يتعلق بموت أحدهما وإزالة هذا الإشكال بأن يقال: لا يستقيم هذا الجواب إلا على أحد القولين وأحد الوجهين، أما أحد القولين، فالقول الذين يقوم بتأخير السراية إلى وقت الأداء، والأداء لم يحصل لأن الطالب لم يتميز من المطلوب،

وأما أحد الوجهين هو الوجه الذي يقول: إذا أعتق الموسر نصيبه وأخرنا السراية إلى الأداء، فأعتق الثاني نصيبه قبل قبض القيمة نفذ عتقه وكذلك في الاستيلاد ينفذ استيلاده فعلى هذا القول وعلى هذا الوجه إذا مات أحدهما عتق نصيبه يقينًا لأن الميت إذا كان أولهما استيلادًا فنصيب أم ولده باستيلاده، وإن كان الثاني فنصيبه أم ولده يتراخى قبض القيمة.
وإن كانا معسرين فلا يفيد اختلافهما شيئيًا لأن كل واحد منهما يقول: علي نصف المهر، وقد صار [108/ أ] نصيبي أم ولد، ولم يسر ذلك إلى نصيب شريكي وفي ولدي وجهان فيتقاصان بنصف المهر ويتقاصان بنصف قيمة الولد إذا أوجبنا ذلك، وتكون الجارية أم ولد لهما معًا، فإن مات أحدهما عتق نصيبه منها ويثبت الولاء عليه لعصبته، ونقل الربيع: أن الولاء موقوف إذا كانا معسرين أيضًا ونص في «الأم» عليه، فقال: وولاءها موقوف بكل حال، وإن كانا معسرين أو أحدهما معسر، والآخر موسر، قال أبو إسحاق: هذا سهو منه في النقل، والصحيح ما رواه المزني وهو أنه قيد، فقال: وولاءها موقوف بكل حال إذا كانا موسرين فدل على أنهما إذا كانا معسرين لا يتوقف الولاء بل يكون الولاء بينهما، ويشبه أن يكون الذي في «الأم» شيئًا جرى به القلم، وهكذا قال الماسرجسي والقفال، وهذا لأن الولاء في اليسار مشكل متوقف، وفي الإعسار غير مشكل فلم يجز أن يوقف، وقال ابن أبي هريرة وصاحب «الإفصاح»: أراد به إذا كانا معسرين وقت التنازع والحكم لا في وقت الإحبال، وفي ذلك الوقت كانا موسرين.
وإن كان أحدهما موسرًا، والآخر معسرًا، فالموسر يقول: أنا وطئت أولا فعلي نصف المهر وقد صار نصيبي أم ولدي وسري إلى نصيب شريكي، وعلي قيمته وولدي حر وعلي نصف قيمته في حال ولا شيء علي في حالة أخرى، وأنت أيها المعسر وطئت بعد ذلك، فعليك كمال المهر في حالة ونصفه وفي حالة أخرى، وولدك أن يكون مملوكًا أو نصفه حر أو جميعه حر، وعليك نصف قيمة الجارية لم يصر شيء منها أم ولد لك والمعسر يقول: أنا وطئت [108/ ب] أولا فعلي نصف المهر وقد صار نصيبي من الجارية أم ولد ولم يسر ذلك إلى نصيب شريكي وفي ولدي وجهان، وأنت وطئت بعد ذلك، فعليك نصف المهر وصار نصيبك من الجارية أم ولد وولدك حر وعليك نصف وعليك نصف قيمته.
فأما الاختلاف في المهر وقيمة الولد فإنهما يتحالفان عليه ويسقط ما يدعيه كل واحد منهما على صاحبه منه.
وأما الجارية فقد أقر أن نصفها أم ولد للموسر ونصفها الباقي يدعي هو والمعسر، فيكون موقوفا بينهما، فإذا مات الموسر عتق عليه نصفها وثبت الولاء في هذا النصف لعصبته، والنصف الآخر يوقف فإذا مات المعسر عتق، ويكون ولاء نصيبه موقوفًا بين ورثة السيدين على ما ينكشف فيما بعد.

ونقل المزني: أن جميع ولاءها موقوف إذا كانا موسرين أو أحدهما، وهذا الجواب راجع إلى الموسرين، وقيل: لم يقل المزني جميع الولاء بل قال: وولاءها موقوف إذا كانا موسرين، أو أحدهما، وأراد نصف الولاء إذا كان أحدهما موسرًا.
وقال القفال: هذا إذا قلنا بنفس العلوق تصير أم ولد للموسر، فأما إذا قلنا: يأخذ القيمة، وقلنا: ينفذ استيلاد الشريك في نصيبه، فههنا لم يكن أخذ القيمة فتكون الجارية أم ولد لهما بينهما نصفين وإذا عتقت، فالولاء بينهما نصفين ولا حاجة إلى الوقف.
فرع إذا كاتب اثنان عبدهما فجنى العبد عليهما موضحة لزمه لكل واحد الأقل من أرش الجناية أو القيمة، أو الأرش بالغًا ما بلغ، فلم يؤد إليهما حتى عجز [109/ أ] سقط من حصة كل واحد منهما نصفها، فلو قال قبل عجزه: لا أؤدي إلى كل واحد إلا النصف خوفًا من عجزي، قيل: ليس لك ذلك قبله.

باب تعجيل الكتابة

مسألة: قال: «ويجبر على قبول النجم إذا عجله».
الفصل اعلم أنه إذا كاتب على مال ثم إن المكاتب عجل للسيد المال قبل محله ينظر، فإن كان من الأشياء التي تتلف ولا تبقى على الدوام كالطعام الرطب ونحو ذلك لم يجبر على قبوله لأن له غرضًا في أن يحصل له هذا المال حين يحل الأجل، وإن كان مما يبقى إلا أنه يلزمه في حفظه مؤنة ككراء البيت مثل القطن ونحوه، لا يجبر عليه وكذلك إذا كان حيوانًا يلزمه كراء الموضع الذي يحفظ فيه، فلا يجبر عليه.
وقول الشافعي: فليس عليه قبوله إلا في موضعه، يعني في موضعه من الزمان وموضعه من المكان، وإن لم يكن في حفظه مؤنة نظر، فإن كان هناك خوف فلا يخلو، إما أن يكون الخوف حال العقد موجودًا، أو لم يكن، فإن كان موجودًا حال العقد، فهل يجبر على قبوله، فيه وجهان: أحدهما، وهو الأصح لا يجبر لأنه خاف عليه في حال القبض قبل حلوله فأشبه إذا كان البلد آمنا حال العقد، ولأن اعتبار حالة الحلول أولى من اعتبار حالة العقد لأنه وقت الاستحقاق، ولا يعلم بقاء خوفه في تلك الحالة فلا يلزمه التسليم، في حالة الخوف، والثاني: يجبر على قبوله لتماثل الزمانين في الخوف نصًا كما لو عقد والبلد خراب وأقبضه المال، والبلد خراب يجبر على قبوله بلا خلاف.
وقيل: هذا ظاهر مذهب الشافعي رر، وهو اختيار ابن أبي هريرة، [109/ ب] وإن كان هذا الخوف معهودًا لا يرجى زواله يلزمه قبوله وجهًا واحدًا ذكره في «الحاوي»، وإن

لم يكن في البلد خوف وفتنة يجبر عليه، فإن أخذه، وإلا أخذه الحاكم عنه، وحكم بعتق العبد، واحتج في ذلك بعمر بن الخطاب رضي الله عنه وفسره في «الأم»، فقال: روي أن مكاتبًا لأنس رضي الله عنه جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: إني أتيت بمكاتبتي إلى أنس بن مالك، فأبى أن يقبلها، فقال: إن أنسًا يريد الميراث ثم أمر أنسًا أن يقبلها أحسبه، قال: فأبى فأراد أن يأخذها ويضعها في بيت المال، فقبلها أنس، وعتق هكذا ذكر القاضي الطبري، وروى ابن سيرين عن أبيه، قال: كاتبني أنس بن مالك على عشرين ألف درهم، فكنت فيمن فتح تستر فاشتريت رثة، فربحت فيها، فأتيت أنس بن مالك بكتابته، فأبى أن يقبلها مني إلا نجومًا فأتيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه فذكرت ذلك له، فقال: أراد أنس الميراث وكتب إلى أنس أن أقبلها من الرجل فقبلها، وروى بعض أصحابنا أن عمر أخذ ذلك، وقال لأنس: قد أعتقته، فإن شئت أخذتها، وإن شئت وضعتها في بيت المال، وروي أنه قال لعمر: إنه يريد أن أموت فيأخذ مالي وولدي، فقال له عمر: تأخذه، أو أضعه في بيت المال، فأخذه أنس وعتق سيرين.
ومعنى قول عمر أضعه في بيت المال، أي أحفظه عليك، ولم يرد أنه يصير مالا للمسلمين أنفقه عليهم وكانت صورة الحال أنه لم يكن في تعجيله ضرر عليه، وفي هذا دليل على أن المكاتب إذا مات مات رقيقًا، وإن حلف وفاء لأن سيرين قال: يريد أن أموت فيأخذ أموالي وأولادي، ولم ينكر عليه عمر رضي الله عنه، [110/ أ] وروى سعيد المقبري عن أبيه: أن امرأة استرقته من سوق ذي المجاز وقدمت مكة فكاتبته على أربعين ألفًا، فأدى عامة المال، ثم أتى بباقيه، فقالت: لا، والله حتى تأتي سنة بعد سنة وشهرًا بعد شهر فخرج بالمال إلى عمر رضي الله عنه فأخبره بذلك، فقال: ضعه في بيت المال وراسلها أنه قد أخذ المال وعتق أبو سعيد، فإن اخترت أخذته شهرًا بشهر وسنة بسنة، فافعلي فأرسلت وأخذت المال.
وروي معنى هذا عن عثمان رضي الله عنه، فإن قيل: إذا حصل القبض قبل حلول الأجل يجب أن لا يعتق لأن الصفة لم تحصل فإن السيد، قال: إذا أديت إلي في وقت كذا، فإذا قدمه عليه لم توجد الصفة فلا يعتق.
قلنا: المغلب في الكتابة الصحيحة حكم المعاوضة دون العتق بالصفة، فإذا كان كذلك وقبضه برئ المكاتب منه، فإن برئ مما عليه عتق كما لو أبرأه مولاه من غير قبض ويفارق هذا إذا قال: إن أديت إلي ألفا في رمضان، فأنت حر، ثم أعطاه في شعبان لا يعتق لأن المغلب هناك حكم الصفة.

فرع قال في «الأم»: وهكذا لو كاتبه ببلد ولقيه ببلد غيره، فقال: لا أقبض منك في هذا البلد أجبر على القبول حيث كان إلا أن يكون في طريق فيه نهب فلا يجبر على أخذها منه، ثم قال: هذا في الدراهم، والدنانير فأما في الحديد والنحاس والرصاص مما في حمله مؤنه فلا يلزمه أن يقبله ببلده غيره لأن للحمولة مؤنة بخلاف الدنانير والدراهم، فإنه لا مؤنة لحملها، وقال لا فرق في هذا بين أن يأتي به في محله أو معجلا، فإن كان السيد في ذلك البلد لزمه قبوله، وإن لم يكن في ذلك البلد روعيت مسافة البلدين فإن كان بينهما قريب [10/ ب] لا يقصر في مثله الصلاة لزمه قبوله، وإن كان بعيدًا فيه وجهان: أحدهما: لا يلزمه لما عليه من الضرر في إبعاد ماله عن بلده، والثاني: يلزمه قبوله لأن أجزاؤهما متماثلة واستيطان كل واحد منهما ممكن.
فرع آخر قال في «الأم»: ولا يكلف المكاتب أن يعطيه ذلك بغير البلد الذي كاتبه فيه فنص على أن المكاتب لا يجبر على دفع ما عليه في غير البلد الذي كاتبه فيه، وهو صحيح.
فرع آخر قال: وإذا حل على المكاتب شيء فتأخر سنة أو أكثر ولم يعجزه سيده، ثم قال سيده: لا أقبضه لأنه في غير وقته أجبر على قبضه إلا أن يبرأه منه لأنه حال.
فرع آخر قال: فإذا تدارك على مكاتبه نجمان أو أكثر ولم يعجزه السيد، ثم قال: أنا أعجزه، لم يكن له ذلك ويقال للمكاتب: أد جميع ما عليك قديمًا وحديثًا فإن فعل، فهو على الكتابة، وإن عجز عن شيء من ذلك، فهو عاجز.
فرع آخر قال: فإن كان في طريق خربة وهي للتلصص أو بلد فيه يهب لم يلزمه قبوله إلا أن يكون في ذلك الموضع كاتبه فيلزمه قبوله لأن موضع العقد موضع التسليم إذا لم يذكر للتسليم موضعًا وهذا عند الحلول، فأما إذا أتى به في حال الخوف قبل الحلول فقد ذكرنا.
فرع آخر ولو عجل له بعض الكتابة على أن يبرئه.
الفضل إذا كاتب عبدًا على ألف درهم فجاء بخمسمائة قبل الأجل، وقال: خذ هذه على أن

تبرئني من الباقي لم يصح ذلك فإنه مضارع لربا الجاهلية، وذلك أن من كان له الدين إلى أجل إذا حل دينه يقول تقضي أو تربي، فإن قضى أدى وإن قال: أربي، زاد في الدين وفسح له في الأجل، وهذا المعنى موجود ههنا لأنه يسقط الحق في مقابلة نقصان الأجل [111/ أ] كما كانوا يزيدون في الدين في مقابلة الزيادة في الأجل وهذا لأن الأجال لا يجري عليها المعاوضات، فإذا ثبت هذا لم يصح القبض يسترجع المكاتب ما دفع إليه ويؤديه إذا حل الأجل ويرجع السيد إلى ما أسقط من المال.
فرع آخر قال الشافعي رضي الله عنه: «فإن أحب أن يصح هذا فليرض المكاتب بالعجز، ويرض سيده بشيء يأخذه قبل أن يعتقه، فيجوز» فإن قال قائل: فإذا فعل هكذا ارتفعت الكتابة، وإذا ارتفعت فالسيد بالخيار إن شاء أعتقه وإن شاء لم يعتقه، قلنا: كذلك الأمر وما علينا من ذلك، وإنما أراد الشافعي: حالة تراضيهما ليحصل العتق بقبض صحيح، ويكون كالعتق على مال معلوم لما عجز عن مثل ذلك في الكتابة وبه قال صاحب «الإفصاح» وغيره الاحتياط للعبد أن يقول السيد: إذا عجزت نفسك وأديت خمسمائة، فأنت حر، فإذا عجز نفسه وأعطى ذلك فهو حر، ولا يمكن السيد الرجوع عنه وهذا أحوط مما ذكره الشافعي، وقيل: مراد الشافعي ما ذكر صاحب «الإفصاح»، وقال أبو حنيفة: يصح هذا الشرط والبراءة وعتق العبد إذا فعل السيد ما قال العبد وهذا لأن مال الكتابة غير مستقر فلا يكون دينًا صحيحًا، ولا يكون هذا معاوضة عن الأجل، فيحمل على أنه أخذ بعضه وأسقط بعضه وخالفه أبو يوسف وزفر، وهذا غلط لأن هذا ربا لأنه بيع ألف بخمسمائة على ما ذكرنا ولا شك أن هذا عوض في العقد وعدم الاستقرار لا يدل على أنه ليس بدين صحيح كالثمن قبل تسليم المبيع، فإذا تقرر هذا وفعل العبد ذلك وعتق يثبت بين السيد وبينه التراجع، فيحتسب له ما دفع من قيمته ويتراجعان الفضل لأنه جعل بدل العتق [111/ ب] الخمسمائة، والتعجيز، فلا يجوز أن يكون التعجيز بدلا عن العتق فكأنه أوقع العتق على بدل فاسد، فيسقط المسمى ويثبت التراجع بينهما.
واعلم أن المزني قال: قال الشافعي في هذا الموضع: إن وضع وتعجل لا يجوز، وقال في موضع آخر: إن وضع وتعجل جاز فأجازه في الدين، قال المزني: يجوز أحب إلي، قال أصحابنا: ليس ذلك على قولين، وإنما هو على اختلاف حالين فالموضع الذي قال: يجوز في الدين على ما حكاه المزني هو أن يتعجل ويضع ولا يجعله شرطًا، فإذا كان كذلك فهو جائز، والذي قال: لا يجوز إذا جعله شرطًا وهذا كما قال في كتاب الصلح: إذا كان له على آخر ألف درهم فأعطاه خمسمائة على أن

يبرئه من الباقي لم يجز، وإن أخذ خمسمائة، وأبرأه من الباقي من غير شرط جاز وبرئ، وقيل: أشار المزني إلى قولين، وهو غلط منه وهذا لا يصح لأن المزني لم يعتقد إلا ما ذكرنا من غير إشكال.
فرع آخر لو قال لمكاتبه إن أعطيتني دينارًا، فأنت حر، فأعطاه دينارًا أعتق بدفعه ويغلب حكم الكتابة به فصار العتق فيها على عوض فاسد فيلزم المكاتب فيها قيمته ويرجع بما أداه من قبل مع الدينار الذي عتق به من العبد ويتقاصان مع اتفاق الجنسين ويتراجعان الفضل إن كان فيه وهذا لا يصح لأنه لا تصح المعاوضة على المكاتب.

باب بيع المكاتب وشرائه

مسألة: قال: «وبيع المكاتب وشراؤه في الشفعة له وعليه فيما بينه وبين سيده والأجنبي سواء».
جملة هذا أن المكاتب يصح بيعه وشراؤه من سيده وغيره لأن المقصود من الكتابة حصول العتق، [112/ أ] وإنما يحصل العتق بالأداء والتصرف فوجب أن يمكن من ذلك ليحصل له المال فيؤديه به ويعتق فإن شقص في شركته جاز له أخذه بالشفعة لأنه قد يكون له حظ في ذلك فوجب تمكينه من ذلك وله أن يأخذه من سيده بالشفعة ويأخذ السيد منه بالشفعة لأن السيد ممنوع من التصرف في المال الذي في يده كما هو ممنوع من التصرف في مال الأجنبي، وقال أبو إسحاق في علته: لأن المكاتب مالك لما في يده دون سيده غير أنه ممنوع من إتلاف ما في يده خوفًا من عجزه، وإلا فلا ملك للسيد في ذلك ما دام مكاتبًا وقد يمنع الإنسان أن يتلف ملكه أو يفسده فلا يكون ذلك دليلاً على أن لا ملك له فكذلك المكاتب وإن كان ملكه ناقصًا، فهو المالك والمتصرف ولو كان السيد هو المالك لتصرف هو فيه، وقام بتنميته دون المكاتب فلما كان التصرف إلى المكاتب علم أنه هو المالك ولكن لم يكمل ملكه فلم يكمل تصرفه، وعلى هذا لو كاتبت امرأة عبدها فوطئها بشبهة استحقت عليه مهر المثل، وإن كانا عالمين حدا فإنه لا شبهة بينها وبين عبدها فكيف بينها وبين مكاتبها، وقد قال الشافعي في «القديم»: يملك المكاتب ما في يده.
مسألة: قال: إلا أن المكاتب ممنوع من استهلاك ماله، وأن يبيع بما لا يتغابن الناس بمثله.
جملة هذا أن المكاتب لا يهب ماله ولا يبيعه بالمحاباة ولا يقرض بغير إذن السيد؟ لأنه ممنوع من هذه الأشياء قبل عقد الكتابة وإنما استفاد بالكتابة التصرف الذي فيه خطه ويتوصل به إلى تحصيل المقصود من العتق وهذه الأمور إتلاف للمال لا حظ له

فيها فيمنع منها كما منع منها قبل عقد الكتابة، [112/ ب] وإنما استفاد بالكتابة التصرف ولا فرق في الهبة بين أن يكون على مكافأة أو غير مكافأة لأنه لاحظ له في ذلك، لأن أكثر ما يجب من المكافأة على قول من يجبر ذلك قيمة الشيء الموهوب ويحتاج إلى تسليمه أو لا يطالبه بذلك، فلا حظ له فيها، وقوله: إنه ممنوع من استهلاك طلبه أراد بما ذكر من المحاباة أو الهبة، ولم يرد به الإتلاف المحض لأن سائر الناس ممنوعون من ذلك أيضًا، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: للمكاتب والمأذون أن يبيعها ما عز وهان من الثمن كالوكيل المطلق بالبيع وكلامنا ههنا أظهر لأن هناك لفظًا عامًا وهو قوله «بيع» ولم يوجد ذلك هاهنا كالولي في مال الصبي، فإن فعل شيئا مما ذكرنا بإذن سيده نص في «الأم» ونقله المزني: أنه يجوز، وقال الربيع: فيه قول آخر لا يجوز، ونص في الخلع على المكاتبة إذا اختلعت بإذن السيد على مال بذلته لم يجز، والخلع قريب من الهبة، فإنه إخراج المال بغير عوض، واختلف أصحابنا في المسألة على طريقين: أحدهما: أنه ينقل جواب كل واحد من المسألتين ويخرج كلاهما على قولين: أحدهما، ولا يجوز، وبه قال أبو حنيفة، لأن هذا المال غير مملوك لسيد المكاتب، وملك المكاتب عليه ناقص، فإذا وهبه أحدهما وأجازه الآخر لم يجز كما لو زوج الأخ أخته الصغيرة بإذنها لم يجز لأن ولايته عليها ناقصة، ولهذا لو أذن له السيد في وطئ جاريته، لم يجز له وطئها، والثاني، وهو الأصح يجوز لأن المال لم يخرج من بينهما كالشريكين، في المال إذا وهب أحدهما بأن صاحبه جاز، ومن أصحابنا من حمل المسألتين على ظاهرهما، وهي الطريقة الثانية، فقال: [113/ أ] الهبة تجوز بإذن السيد والخلع لا يجوز، والفرق أن بالهبة يحصل الثواب، إما من جهة الله تعالى أو من جهة الآدمي بالمكافأة، ولا يحصل لها بالخلع في مقابلة المال الذي يخرجه من يدها عوض بحال، فلا يصح ولهذا يندب إلى الهبة دون الخلع.
وهذا ليس بشيء والاعتماد على الطريقة الأولى.
فرع لو وهب المكاتب لسيده شيئا فقبله فهما كإذنه فيها فيكون على قولين ونص في «الأم»: أنه يجوز، فإذا قلنا: يصح، فإن قلنا: تجب المكافأة في الهبة المطلقة يجب على السيد أن يكافئه فيدفعه إلى مكاتبه أو يحتسب بها من مال كتابته، وإن قلنا: لا تجب المكافأة وروعي حال المكاتب، فإن أدى مال كتابته من غيره استقر ملك السيد على الهبة، وإن عجز وكان في الهبة وفاءً بما عليه ففي رجوع المكاتب بها ليؤديها في كتابته فيعتق به وجهان: أحدهما: لا يرجع كالهبة للأجنبي، والثاني: يرجع لأن مال الكتابة مستحق للسيد في كتابته فبأي وجه صار إليه استحق به العتق، ولو وهب لولد سيده، فإن كان صغيرًا فالسيد قابلها، فيصير قبوله لها كإذنه فيها، فيكون على قولين،

جارٍ التحميل