قال الله تعالى: ﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: 33]، الآية.
الكتابة لفظة وضعت لعتق على مال منجم إلى أوقات معلومة يحل كل نجم لوقته المعلوم، وإنما سميت نجومًا لأن العرب كانوا أميين لا يحسبون ولا يكتبون وكانوا يحفظون أوقات السنة وفصولها التي ينتهون فيها ويرجعون إلى محاضرهم ويرسلون فيها الفحول وينتظرون النتاج بالأنواء في طلوع نجم وسقوط رقيبه وجميع ذلك ثمانية وعشرون نجمًا كلما طلع منها طالع سبقط ساقط، [42/ أ] وهي التي جعلت منازل القمر، قال الله تعالى: ﴿والْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: 39]، وكانوا يقولون في الدية: تلزم الرجل نجومًا ليكون أرفق به، وكان الضامن للحق يقول: إذا طلع نجم الثريا أديت من حقك كذا وكذا، وإذا طلع الدبران وفيتك كذا وكذا، وإنما جعل مال الكتابة في الإسلام منجم لأن المكاتب لو جمع عليه نجومًا في أوقات شتى ليتيسر عليه تعجيل شيء بعد شيء ويكون أسلم من الغرر.
وأصل الكتابة، ضم شيء إلى شيء، يقال: كتبت النغلة إذا ضم ما بين شفري فرجها بحلقة أو سير، وكتبت القربة إذا ضم فمها وأوكئ عليه، وسمى الكتيبة من الخيل لتتابعها واجتماعها، وسمي الخط كتابة لضم بعض الحروف إلى بعض فلما كانت الكتابة متضمنة لنجم بعد نجم سميت كتابة لكتب نجم إلى نجم، وقيل: سميت كتابة للعرف الجاري بكتابته في كتاب وثيقة يوقع فيه الشهادة.
والأصل في الكتابة: الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: 33]، الآية.
قال ابن عمر وابن عباس: أراد بالخير القدرة على الكسب والاحتراف، وقال الحسن وطاوس والثوري وقتادة: إنه الرشد والصلاح في الدين.
وقال الشافعي وأبو حنيفة ومالك: إنه الكسب والأمانة ليكون بالكسب قادرًا على الأداء وبالأمانة موثوقًا بوفائه، وبه قال عمرو بن دينار ومجاهد.
وقال ابن عمر رضي الله عنهما: يكره أن يكاتب العبد [42/ ب] إذا لم يكن له حرفة، وقال مكحول: أراد به الكسب.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه أراد أمانة ووفاء، وقال الكلبي سبب
نزول هذه الآية أن عبدًا لحويطب سأله أن يكاتبه، فامتنع، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وأما السنة فما روى الشافعي، قال: أخبرنا سفيان قال: سمعت الزهري عن نبهان مولى أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها كاتبته، وإنما سألته كم بقي عليك من كتابتك فذكر شيئا سماه وأنه عنده فأمرته أن يعطيه أخاها أو ابن أختها وألقت الحجاب واستقرت منه، وقالت عليك السلام وذكرت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا كان لإحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب عنه» وروي أنها قالت له: كم بقي عليك، قال: قلت: ألف درهم قالت: فعندك ما تؤدي قلت: نعم، قال: ادفعها إلى فلان ابن أختها ثم ألقت الحجاب، وقالت: السلام عليك هذا أخر ما تراني.
وذكرت الخبر.
قال الشافعي: ولم أحفظ عن سفيان أن الزهري سمعه من نبهان، ولست أراه يثبته أهل العلم، قال الشافعي: ويجوز أن يكون أمرها بالحجاب على ما عظم الله تعالى أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - أمهات المؤمنين وخصهن به وفرق بينهن وبين النساء إن لم يفتين، قال الله تعالى: ﴿ومَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ولا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: 53]، وقال تعالى [43/ أ]: ﴿وأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: 6]، وقال تعالى في أزواج الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ﴿وإذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن ورَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: 53]، فجعل عليهن الحجاب من المؤمنين، وهن أمهات المؤمنين، ولم يجعل على امرأة سواهن أن تحتجب ممن يحرم عليه نكاحها، فكان قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: إن كان قاله خاصة أو يكون ذلك بمعنى الاحتياط كما يجوز أن يؤمر بالاحتجاب من المراهق لقرب البلوغ ولأن احتجاب المرأة ممن له أن يراها واسع لها، وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - سودة أن تحتجب من رجل قضى أنه أخوها وهي ترثه ويرثها للاحتياط فبان أن الاحتجاب ممن له أن يراها مباح.
وجملته أن الشافعي رضي الله عنه ذهب أن المرأة ليس عليها أن تحتجب من مكاتبها وإن كان عنده وفاء.
وضعف حديث أم سلمة وتأوله على تخصيص أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو الاحتياط في الاحتجاب المباح، وأيضًا ما روى سهل بن حنيف رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: من أعان غارمًا أو غازيًا أو مكاتبًا في كتابته أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله».
وروي: «من أعان مجاهدًا في سبيل الله أو غارمًا في عسرته أو مكاتبًا في رقبته»، وروي عن سلمان الفارسي قال: كاتبت أهلي على أن أغرس لهم خمس مائة فسيلة فإذا علقت فأنا حر، فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له فقال: «اشترط لهم ذلك، فإذا أردت أن تغرس فآذني [43/ ب] فآذنته» فجاء يغرس إلا واحدة غرستها بيدي ف علقن جميعًا إلا الواحدة.
وروي: يغرس الكل إلا نخلة واحدة غرسها عمر
رضي الله عنه، وروى ابن عباس رضي الله عنهما قال سلمان: كاتبني صاحبي على ثلاثمائة نخلة أحييها وأربعين أوقية.
وأيضًا ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أيما مكاتب كوتب على ألف أوقية فأداها إلا عشر أواق فهو عبد، وأيما مكاتب كوتب على مائة دينار فأداها إلا عشرة دنانير فهو عبد».
وروي أيضًا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم».
وأما الإجماع فلا خلاف بين المسلمين فيه، وروي أن بريرة كوتبت على تسع أواق تؤدي في كل عام أوقية، وعرف حالها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كاتب عبدًا له على خمسة وثلاثين ألف درهم.
وروي أن ابن سيرين سأل أنس بن مالك رضي الله عنه أن يكاتبه، فأبى عليه فعلاه عمر رضي الله عنه بالدرة وقال: أما سمعت الله تعالى يقول: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: 33]، فكاتبه وترك عليه من مال الكتابة خمسة آلاف درهم، وروى مسلم بن أبي مريم عن رجل أنه قال: كنت مملوكًا لعثمان رضي الله عنه ف بعثني في تجارة فقدمت عليه فأحمد ولايتي فقمت بين يديه ذات يوم ف قلت: يا أمير المؤمنين أسألك الكتابة فقطب فقال: نعم، ولولا آية كتاب الله تعالى ما فعلت أكاتبك على مائة ألف على أن تعدها [44/ أ] في عدتين والله لا أغصبك منها درهمًا.
فإذا تقرر هذا، فاعلم أن الكتابة مستحبة إذا طلب العبد ذلك ولا تجب، وبه قال جمهور العلماء، وقال عمرو بن دينار وعطاء والضحاك وداود: إذا دعا السيد إلى الكتابة بقدر قيمته حر يحب أن يكاتبه، واحتج بظاهر قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: 33]، وهذا أمر والأمر على الوجوب.
وأيضًا حديث عمر حين طلب سيرين الكتابة على ما ذكرنا، ودليلنا أنه عتق بعوض، فلا يجب على السيد كالاستسعاء.
وأما الآية، قلنا: هذا أمر إباحة ورخصة لأنه مبني على محظور، فإن بيع الرجل ماله بماله محظور وهذا كقوله تعالى: ﴿فَإذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [المائدة: 2] ونحو ذلك ونحمله على الندب بدليل ما ذكرنا، وأما خبر عمر رضي الله عنه، قلنا: خالفه أنس بن مالك والقياس مقدم على قول الصحابي عند بعضهم.
مسألة: قال: «ولا يكون الابتغاء من الأطفال والمجانين».
جملة هذا أن الكتابة لا تجوز إلا لبالغ عاقل، ولا تجوز للمجنون ولا للصبي مميزًا كان أو غير مميز، وقال أبو حنيفة وأحمد: إن كان مميزًا تجوز كتابته كما يجوز بيعه بإذن وليه، قلنا: هو غير مكلف، فلا تصح كتابته كالمجنون، ويفارق تدبير العبد المجنون، لأنه عتق بصفة ينفرد به السيد لا يحتاج إلى قبول العبد بخلاف الكتابة، فإذا ثبت هذا فالسيد إذا كاتب عبده المجنون، أو الصغير فليس بكتابة صحيحة ولا فاسدة [44/ ب] لأن العبد ليس من أهل الكتابة، ولا يصح منه القبول ولكن لو أدى المال عتق بوجود الصفة لأنه الكتابة تشتمل في معارضة وصفة، وإذا عتق يكون كسبه لسيده، ولا يكون بينهما تراجع، ويفارق العبد البالغ إذا كاتبه سيده كتابة فاسدة فأدى وعتق ثبت بينهما التراجع، لأنه من أهل العقد والضمان، وهذا ليس من أهل العقد والضمان، فلم يثبت بينهما التراجع ويلزمه رد الثمن عليه، ولا يرجع بقيمة السلعة.
فرع
إذا كاتب العبد على نفسه، وعن أولاده الصغار لا يجوز في أولاده، وفي المكاتب قولا تفريق الصفقة، وقال أبو حنيفة: يصح في حق الجميع، وإن كان الأب حرًا فكاتب السيد أولاده وقبل الأب عنهم لا يجوز، وواف قنا به أبو حنيفة.
وقال مالك: يجوز.
فرع آخر
لو كاتب عبده الصغير الذي لا يميز أو المجنون وقبل السيد عنه لا يجوز، وقال: أبو حنيفة: يجوز، واحتج الشافعي بالآية، وقال: لا يكون الابتغاء إلا من البالغ والعاقل فلا يكون من الصبي والمجنون.
مسألة: قال: «وأظهر معاني الخبر بدلالة الكتاب الاكتساب مع الأمانة».
وجملة هذا أن الله تعالى ندب إلى كتابة العبد إذا كان فيه خيرًا وقد مضى معنى الخير، والدليل على صحة ما ذكره الشاف عي رضي الله عنه أن الله تعالى قال: ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: 8]، وقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ إن تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: 180]، الآية.
وأراد به المال والكسب، [45/ أ] وقال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا﴾ [الزلزلة: 7]، وأراد به الطاعة فحملناه عليهما بدلالة، وهي أن المقصود من الكتابة العتق، وإنما يحصل العتق بالأداء، والأداء إنما يحصل باجتماع الكسب والأمانة، فإن العبد يكتسب ويجمع المال ويؤديه بالأمانة، والديانة فيعتق، والشافعي ذكر هذا في «الأم» مشروحًا فقال: الخير كلمة يعرف ما أريد بها
بالمخاطبة بها، قال الله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ [البينة: 7]، فعلمنا أنهم خير البرية بالإيمان وعمل الصالحات لا بالمال، وقال تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [النور: 33]، كان أظهر معانيها بلادلة استدلالنا بها القوة على اكتساب المال والأمانة، لأنه قد يكون قويًا فيكتسب فلا يؤدي إذا لم يكن ذا أمانة، وقد يكون ذا أمانة، ولا يكون قويًا على الاكتساب فلا يؤدي، وقيل الخير في كتاب الله تعالى على ثلاثة أوجه، أحدها: المال، وهو ما ذكرنا، وقوله تعالى: ﴿إنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص: 32]، أي أقمت وتحلفت عن الصلاة حبًا مني للخير، وهو المال وذلك المال كان خيولا عرضت على سليمان صلوات الله عليه فاشتغل بها فنسي صلاة العصر، فلما تذكر قضى صلاته وسبل الخيل كلها في سبيل الله كفارة لذلك، والثاني: الطاعة على ما ذكرنا، والثالث: الاكتساب والقوة والأمانة، وهو في هذه الآية.
واعلم أن الكتابة من خصائص الإسلام بخلاف التدبير [45/ ب] لأن العرب في الجاهلية كانت تعرف التدبير دون الكتابة، فإذا تقرر هذا، فاعلم أن العبد إذا جمع كسبًا وأمانة استحب كتابته، وإن فقد أحدهما لم يستحب كتابته، ولا يكره، نص عليه في «الأم»، والعبد والأمة البالغة في هذا سواء، وسواء كانوا ذوي صنعة أو لا، ومن أصحابنا من قال: إن كان له دين وأمانة يستحب كتابته أيضًا، وإن لم يكن له كسب لأنه يدفع إليه من مال الصدقات، فيؤدي ويعتق، ومن أصحابنا من قال: تستحب كتابة من له كسب وإن لم يكن أمينًا أيضًا ولكن يقدم في الاختيار مكاتبة الأمين غير المكتسب على مكاتبة المكتسب غير الأمين لأن صاحب الأمانة معاف والأول أصح، لأن الله تعالى ندب إلى الكتابة بشرط أن يعلم فيه خيرًا، وهو الأمانة والاكتساب على ما ذكرنا، فلا يستحب إلا بوجود كلا الشرطين، وقال أحمد وإسحاق: إذا لم يكن كسب يكره كتابته كالأمة إذا لم يكن لها كسب يكره مخارجتها، ودليلنا: أنه تعليق عتق بصفة، فلا يكره كما لو كان له كسب، ويخالف الأمة لأنها ربما تكسب بالفرج الحرام ولا تستفيد العتق وههنا يعان بمال الصدقات ويعتق فلا يكره، وقد قال الشافعي في «الأم» ولا أكره لمالك أن يكاتب مملوكه وإن كان غير قوي ولا أمين، ويأخذ من مكاتبه صدقات الناس فريضة أو نافلة ومن أين أدى المكاتب إلى سيده نجمه فحلال له أن يقبله ويجبر على قبوله [46/ أ] إلا أن يعلم أنه من حرام، فلا يحل له قبول الحرام.
فرع
قال في «الأم»: وعلى الحاكم أن يمنع الرجل أن يخارج عبده وإن كان ذا صنعة
إذا كره ذلك ولكن يؤجره وينفق عليه إن شاء، ويمنعه الإمام أن يجعل على أمته خراجًا إلا أن يكون في عمل واجب، وكذلك العبد إذا لم يطق الكسب، فمن أصحابنا من قال فيه قولان، أحدهما: لا يخارجه إلا برضاه وإن كان ذا صنعة، والثني: إذا كان مطيقًا للكسب وكان ذات صنعة فله أن يخارجه وإن لم يض، وقيل له ذلك قولاً واحدًا، ذكره القاضي الطبري.
مسألة: قال: «وما جاز بين المسلمين في البيع والإجارة جاز في الكتابة».
الفصل
أراد به أن كل ما جاز أن يكون عوضًا في البيع جاز أن يكون عوضًا في الكتابة وما لا يجوز أن يكون عوضًا كالخمر والخنزير لا يجوز أن يكون عوضًا في الكتابة، ولا يريد به أن كل ما يجوز في عقد البيع يجوز في عقد الكتابة، وإن شرط خيار الثلاث يثبت في عقد البيع دون الكتابة وكذلك الخيار المجلس وقد مضى شرحه، وقيل: قصد بهذا اللفظ الرد على أبي حنيفة حيث قال: لو كاتبه على عبد مطلق غير موصوف جاز كما قال في النكاح والخلع، ويدفع إليه عبدًا سيدًا بين الأبيض والأسود، وعندنا لا يجوز ذلك كما لا يجوز في البيع والإجارة، وقال أحمد مثل ما قال أبو حنيفة، ودليلنا أن كل ما لا يجوز ان يكون عوضًا في البيع [46/ ب] والإجارة لا يجوز أن يكون عوضًا في الكتابة كالثوب المطلق.
مسألة: قال: «ولا يجوز على أقل من نجمين».
عندنا الكتابة الحالة باطلة، ولا تجوز على أقل من نجمين، وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة ومالك تجوز حالة وعلى نجم واحد، لأنه عقد على عين فجاز على عوض حال كالبيع، ودليلنا ما روى علي رضي الله عنه أنه قال: الكتابة على نجمين والإيتاء من الثاني.
وهذا يقتضي أقل ما تجوز عليه الكتابة، لأنها تجوز في أكثر من نجمين.
وروى ابن أبي هريرة: في تعليقه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الكتابة على نجمين» وهذا نص إن صح وأيضًا فالصحابة رضي الله عنهم كاتبوا على نجوم مختلفة على ما ذكرنا، ولم يكاتب أحد منهم على أقل من نجمين، فلو كان يجوز ذلك لأشبه أن يكون قد فعل ذلك كما فعل على نجمين وأكثر، وروي عن عثمان رضي الله عنه أنه قال لعبده: والله لا عاقبتك ولا كاتبتك إلا على نجمين، وقال الماسرجسي: رأيت أبا إسحاق المروزي في مجلس النظر نصر هذا الدليل نصرة حسنة، وقال: كانت الصحابة يتسارعون إلى القربة والطاعة خصوصًا إذا كان فيه تعجيل مال حلال فلو كانت الكتابة جائزة على لحم لفعلوا.
وروي أن عثمان رضي الله عنه قال لعبده حين سأل الكتابة: أكاتبك على مائة ألف درهم على أن تعدها في عدتين، والله لا أغصبك منها درهمًا على ما ذكرنا، فقال
العبد: فخرجت من عنده فتلقاني الزبير، [47/ أ] فقال: ما الذي أرى بك، فأخبرته بالقصة، فقال: ارجع، فدخل على عثمان، فقال: يا أمير المؤمنين قلت كذا، فقال: نعم، فغضب الزبير، وقال: كاتبه كما تقول، فكاتبني فانطلق بي الزبير إلى أهله، فأعطاني مائة ألف درهم، وقال: انطلق فاطلب فيها من فضل الله تعالى، فأديت إلى عثمان ماله وإلى الزبير ماله، وفضلت في يدي ثمانون ألفًا وأيضًا فالكتابة إن كانت مشتقة من الضم والجمع، فأقل ما يكون به الضم والجمع اثنان فيعتبر ضم نجم إلى نجم وإن كانت من كتابة الحظ، فأقل ما تتقيد به الكتابة حرفان فيفتقر إلى نجمين فإن قيل: يتقيد الخط وهو «لا» قلنا: كلمة لا حرفان وهو ألف ولام والحرفان قد يتجانسان، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ما أنا من دد ولا الدد مني»، وأراد اللعب، وقيل: إنها إذا كانت حالة لم تكتب غالبًا وقد رفع الله تعالى الجناح في ترك كتبتها، فقال: ﴿إلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ ألاَّ تَكْتُبُوهَا﴾ [البقرة: 282] والكتابة مشتقة من الكتبة، وأما البيع فلأنه قادر على ما يتوجه عليه بالمطالبة بتسليمه، وههنا عاجز لأن العبد لا يملك شيئاً.
فرع
لو كاتبه إلى أجل ساعتين بمال عظيم يجوز في ظاهر المذهب لأنه ربما يقدر على تسليمه بالاستقراض، وقيل: فيه وجهان.
فرع آخر
لو كاتب من نصفه حر ونصفه عبد كتابة حالة لا نص فيه، وظاهر المذهب أنه لا يجوز، والأقيس جوازه لأنه يقدر على تسليم ما يتوجه عليه المطالبة بأدائه في الحال.
فرع آخر
لو قال [47/ ب] لعبده بعت نفسك منك بألف درهم حالة، قال ابن أبي هريرة: فيه وجه محتمل أنه لا يجوز لنه لا يقدر عليه، ونص الشافعي رضي الله عنه في كتاب الإقرار على جوازه لأن العتق فيه يحصل قبل الأداء بخلاف الكتابة.
مسألة: قال: فلو كاتبه على مائة دينار موصوفة الوزن والعين إلى عشر سنين أولها كذا وآخرها كذا يؤدي في انقضاء كل سنة منها كذا فجائز.
جملة هذا أن الكتابة لا تجوز حتى يكون الأجل معلومًا والعوض معلومًا، فالأجل أن يقول: كاتبتك على مائة دينار إلى عشر سنين نصفها إلى خمس والباقي إلى العشر، أو يقول: كاتبتك على مائة دينار إلى عشر سنين يحل في كل سنة عشرها يعني عند انقضائها، ويجوز ذلك فإن أراد في خلالها لا يجوز للجهل، وقال في «الأم» لا بأس أن يجعل الدنانير في النجوم مختلفة إذا كان ما يحل منها في كل نجم معلومًا، فأما إذا
قال: كاتبتك على مائة دينار إلى عشر سنين لا يصح لمعنى واحد وهي أنها كتابة إلى أجل واحد ولا فرق بين أن يقول: يؤديها في عشر سنين أم لا بمقضي عشر سنين حتى يؤدي بعضها عند انقضاء خمس ينين وبعضها عند تمام السنين لم يجز لأن البعض مجهول، وأما العوض فيحتاج أن يكون معلومًا، فإن كاتبه على عوض ينبغي أن يضبطه بالصفات التي يضبط بها المسلم فيه وإن كاتبه على دراهم أو دنانير، فإن ضبط النوع والجنس جاز، وإن أطلق وللبلد نقد واحد جاز وانصرف إليه، وإن كان نقودًا مختلفة [48/ أ] لم يجز حتى يعين ويضبطه ولا يجوز أن يقول: كاتبتك على مائة دينار أو ألف درهم لأنه لا يدري على أي شيء عقد الكتابة.
وجملة هذا أن كل عوض وأجل يثبت في السلم يثبت في الكتابة، وما لا يثبت من العوض والأجل فيه لا يثبت في الكتابة.
فرع
لو كاتبه على مال إلى عشر سنين على أن يؤدي أول كل سنة كذا لم يجز لأنه يصير الأول منها حلاً.
فرع آخر
لو جعله في وسط السنة: فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز لأن وسط السنة ما بين طرفيها فصار مجهولا.
والثاني: يجوز ويكون المحل في نصف كل سنة لأن الوسط على التحقيق موضوع لاستواء الطرفين.
فرع آخر
لو كاتبه على نجمين إلى سنتين على أن يكون النجم الأول في آخر السنة الأولى، والثاني: في أول السنة الثانية فيه وجان:
أحدهما: لا يجوز لأنها بالاتصال صارت نجمًا واحدًا، والثاني: يجوز لاستحقاق كل واحد منهما في غير زمان الأول لأن الأول يستحق في آخر أجزاء السنة الأولى، والثاني: يستحق في أول جزء السنة الثانية، فصارا مختلفين وإن اتصلا.
فرع آخر
لو لم يقل قدر ما يستحقه كل نجم وأطلق فيه وجهان: أحدهما: الكتابة باطلة للجهل بقدر الاستحقاق، والثاني: الكتابة جائزة ويكون المال مقسوما على أعداد النجوم لأن الإطلاق يوجب التسوية، فإن كانت النجوم خمسة استحق في كل نجم خمس المال.
مسألة: قال: ولا يعتق [48/ ب] حتى يقول في الكتابة، فإذا أديت هذا فأنت
الفصل
جملة هذا أن الكتابة تشتمل على معاوضة، وصفة المعاوضة قوله: كاتبتك على كذا وكذا، والصفة قوله، فإذا أديت إلى ذلك فأنت حر، فإن ذكرهما جميعًا فهو النهاية، وإن ذكر المعاوضة ونوى الصفة بقلبه جاز.
قال الشافعي رضي الله عنه: يقول فإذا أديت هذا فأنت حر، أو يقول بعد ذلك، قولي: كاتبتك كان معقودًا على أنك إذا أديت فأنت حر كما لا يكون الطلاق إلا بتصريح أو ما يشبهه مع النية، فإن لم يذكره ولم ينوه لا يصح، وقد ذكرنا حكم قوله: دبرتك وكاتبتك هل هما صريحان أم كناية؟ وقال أبو إسحاق قوله: دبرتك جعله الشافعي صريحًا في العتق من العالم ولو كان من المجاهل كان كناية، وقوله: كاتبتك جعله كناية من الجاهل، ولو كان من عالم كان صريحًا فجعلهما صريحين من العالم كنايتين من الجاهل وهذا فاسد لأن صريح الطلاق وكنايته سواء في حق العالم والجاهل كذلك هذا، وقال أبو حنيفة وأحمد قوله: كاتبتك صريح في عقد الكتابة، ولا يحتاج إلى التقيد ولا إلى النية وهذا لا يصح لما ذكرنا، وقال القفال، قال بعض أصحابنا: إذا ذكر ما تتميز به الكناية عن المخارجة كفاه مثل أن يقول: أعاملك وتعاملني أو أضمن لك أرش الجناية أو تستحق علي الإيتاء من الذي يؤدي وعن سهم الرقاب.
مسألة: قال: ولا يجوز على العوض حتى يكون موصوفًا كالسلم.
وقد ذكرنا [49/ أ] ذلك، واعلم أن ههنا إشكالاً وذلك أن مشايخنا قالوا: المعقود عليه في الكتابة رقبة المكاتب وعند أبي حنيفة الاكتساب، فإذا كاتبه على العوض فوجوب العوض على معنى السلم إذ لا يتصور في الذمة عوض من غير ضوات الأمثال إلا في السلم وفي السلم يعتبر رأس المال في المجلس والرقبة ما صارت مسلمة إليه في المجلس لأن تسليم الرقبة بالعتق، فبان أن الكتابة تنعقد على الإكساب، قلنا: هذا السؤال يتوجه على المذهبين لأن الإكساب ما صارت مسلمة في المجلس إذا المنافع غير مخلوقة، فإن قيل: التخلية الموجودة في الحال جعلت كالمنافع المستقبلة في حكم الموجودة المسلمة للضرورة التي بنيت عليها عقود المنافع، قلنا: ولمثل هذه الضرورة جعلت الحيلولة بين الرقبة في البيع والرهن وسائل التصرفات كالتسليم، ولهذه الضرورة باينت الكتابة سائرها حتى جاز للرجل أن يعامل نفسه بملك نفسه.
مسألة: قال: «ولا بأس أن يكاتبه على خدمة شهر ودينار بعد الشهر».
الفصل
صورة المسألة أن يكاتب عبدًا على أن يخدمه شهرًا ويؤدي دينارًاه بعد الشهر وأراد الشافعي أن تكون خدمة الشهر متصلة بعقد الكتابة فإن شرط تأخيرها لا يجوز، وإذا
شرط اتصالها فقد عقدت الكتابة على نجمين مختلفين المنفعة والدينار، ولا بد أن يكون كل واحد منهما معلومًا، فالمنعفة تعلم بأن يقول: تخدمني شهرًا، أو تخيط أو تبني والدينار يعلم بما ذكرنا، وأطلق الشافعي أنه إذا كان [49/ ب] على هذا الوجه فلا بأس، واختلف أصحابنا في هذا، فقال أبو إسحاق: إنما يصح إذا جعل بين وقت أداء الدينار وانقضاء الشهر مدة، فيقول: تؤديه بعد الشهر بيومين أو ثلاثة، فأما إن شرط الأداء عقيب الشهر فلا يجوز لأن استيفاء المنفعة يتصل بالعقد والدينار يتصل استيفاؤه باستيفاء المنافع فيصير ذلك في معنى النجم الواحد، فلا يجوز كما لو كاتبه على خدمة شهر ودينار يؤديه إليه في أثناء الشهر لا يجوز، وهذا اختيار القاضي أبي حامد، ومن أصحابنا من قال: المسألة على ظاهرها ولا يحتاج أن يجعل بين الشهر والدينار مدة لأنه يعتبر أن يختلف استحقاق النجمين واستحقاقهما مختلف لأن المنافع تستحق عقيب الكتابة والدينار يستحق بعد انقضاء الشهر، وإنما استيفائهما يتصل، وهذا غير ممتنع.
ألا ترى أنه لو كاتبه على دينارين: دينار بعد شهر ودينار بعد شهرين فأخر المطالبة بالدينار الأول حين حل الدينار والثاني: يستوفي الديناران بمرة واحدة، ولا يؤثر ذلك لأن وقت استحقاقهما مختلف، وهذا القائل يلتزم ما استشهد به أبو إسحاق، فقال: إذا قال: كاتبتك على خدمة شهر ودينار تؤديه في أثناء الشهر جاز أيضًا للمعنى الذي ذكرنا وهو أن وقت استحقاق النجمين مختلف، وهذا اختيار أبي حامد وهو الأصح لأن الشافعي نص في «الأم» على هذا، فقال: إذا كاتبه على منفعة شهر لم يجز حتى يشترط أن يؤدي مالا، إما معها أو بعدها وهذا اختيار [50/ أ] ابن أبي هريرة، والقفال أيضًا، وقال القاضي أبي حامد قوله: معها نقله الربيع، وهذا خطأ منه، فإن قيل: الخدمة نجم حال، وذلك لا يجوز على مذهب الشافعي حتى لو كاتبه على دينارين: دينار عقيب العقد، ودينار بعد شهر لم يجز، قيل: نحن إنما منعنا الكتابة الحالة للعجز عن التسليم عقيب العقد، وإذا شرطنا التنجيم ولا بد منه، وإذا شرط عقيب العقد دينارًا فهو عاجز عقيب العقد عنه، وإذا شرط خدمة شهر، فهو قادر على الخدمة والاعتبار بالمعنى لا باللقب والحلول لقب، وقال أبو إسحاق وغيره هذا نجم مؤجل في الحقيقة لأن الخدمة تتعلق بمضي المدة، وإنما نقول: المنفعة في الإجارة مقبوضة حكمًا على معنى أن للمستأجر التصرف فيها، والعقد عليها، ولم يحصل فيها حقيقة القبض، ألا ترى أنه لو تلفت انفسخ العقد فيما بقي.
فرع
قال في «الأم»: ولو كاتبه على خدمة شهر ودينار بعد الشهر فمرض في أثناء الشهر مدة بطلت الكتابة، قال أصحابنا: هذا مبني على مسألة في البيع وهي أن من باع
شيئين فتلف أحدهما قبل القبض، فالعقد باطل في التالف، وهل يتعدى إلى الباقي طريقان، والشافعي رضي الله عنه نص ههنا أنه يتعدى، وقال القاضي الطبري: ههنا قول واحد على ما نص عليه لأن عقد الكتابة لا يقع على بعض العبد فإذا انفسخ في بعضه انفسخ في كله.
فرع آخر
قال: وليس له ان يعطيه أحد الخدمة مكانه، ولا عليه إن أراد السيد ذلك [50/ ب] كما لو استأجر حرًا على أن يخدمه فمرض في الشهر لم يكن عليه ولا له أن يخدمه غيره وانقضت الإجارة، وقال مالك: لا تجوز الكتابة على الخدمة أصلا.
مسألة: قال: وإن كاتبه [على أن يخدمه] بعد شهر لم يجز لأنه قد يحدث ما يمنعه العمل بعد الشهر وليس بمضمون يكلف أن يأتي بمثله.
قد ذكرنا هذه المسألة ومعنى هذا الكلام أن الإجارة على العين تجري مجرى بيوع الأعيان ولا يجوز بيع عين وتسليمها مؤخر ولذلك قلنا: إذا أكرى داره في رمضان لشوال لا يجوز.
مسألة: قال في «الأم»: لو كاتبه على أن يخدمه شهرًا حين كاتب وشهرًا بعد ذلك لم يجز لأنه ضرب للخدمة أجًلا لا يكون على المكاتب فيه خدمته.
فرع آخر
قال: ولو كاتبه على أن يخدمه شهرًا حين يكاتبه ثم يوفيه لبنًا أو حجارة أو طينًا معلومًا بعد شهر جاز وهذا أجل للمال، ولو قال: على أن يخدمني شهرًا وخياطة كذا وكذا عقيب الشهر جاز لأنه بمنزلة قوله: «كاتبتك على خدمة شهر ودينار بعده».
فرع آخر
قال: ولو كاتب على أن يضمن له بناء دار وصفها وسمى معه دينارًا يعطيه إياه قبله أو بعده كان جائزًا لأن هذا عمل يكلف فعله ما يكلف المال ومعه نجم غيره، وكذلك إن كاتبه على ضمان بناء دارين، إحداهما في وقت كذا والأخرى في وقت كذا، كانت هذه كتابة جائزة وليس هذا كالعمل بيده إلى أجل معلوم لأنه إذا كاتب أو استأجر حرًا على أن يعمل [51/ أ] بيده لم يكلف أن يأتي بغيره يعمل له، وإذا ضمن عملا كلف أن يوفيه إياه بنفسه أو غيره.
مسألة: قال: «وإن كاتبه على إن باعه شيئًا لم يجز».
علل الشافعي في هذه المسألة، فقال: لأن البيع يلزم بكل حال، والكتابة لا تلزم متى شاء تركها.
فإن قيل: هذا التعليل كيف يستقيم؟ ولا فرق في فساد مثل هذه الصفقة بين عقدين كلاهما لازم كالبيع والإجارة وبين عقدين، أحدهما: لازم، والثاني: غير لازم، قلنا: هذا التعليل دليل على أن مراد الشافعي بتصوير المسألة أن لا يجعل أحد العقدين شرطا في الثاني كما توهمناه وعللنا له، ولكن صورة مسألته أن يقول: كاتبتك وبعت منك هذا الثوب بألف درهم فجعل الألف ثمن الثوب ومال الكتابة، وذكر الأجل والنجوم فإذا تصور العقد بهذه الصورة ففيه قولان، أحدهما: وبه أجاب ههنا أنهما باطلان للعلة التي ذكرناها وهي أنهما عقدان مختلفان جمعهما في صفقة واحدة لأن البيع يلزم بكل حال، والكتابة لا تلزم متى شاء تركها، والثاني: أن العقدين صحيحان ومن أصحابنا من قال: البيع باطل قولا واحدا وفي الكتابة قولان، لأن أحد شطري البيع لاقى عبده القن ولا يصح مبايعة السيد عبده، ويمكن أن يجاب عنه بأن البيع يقع مع الكتابة فلا يؤدي إلى أن يبيع من عبده القن، وإنما يقع البيع من مكاتبه، فأما إذا تصورت المسألة إذا قال: [51/ ب] كاتبتك على أن تشتري مني هذا العبد بكذا، فالكتابة باطلة قولا واحدًا، وهي باب البيعتين في بيعة واحدة فلو أدى النجوم ههنا عتق وتراجعا بالقيمة سواء باعه ذلك الشيء أو لم يبعه لأنه لم يجعل البيع صفة في العتاق يقف العتاق على وجودها، وإنما الصفة أداء النجوم، وهذا شرط زائد فاسد، وقال القاضي الطبري في الصورة الأولى لا يختلف المذهب أن البيع باطل لما ذكرنا من العلة.
وأما الكتابة قال أبو إسحاق: يبطل أيضا لوجهين، أحدهما: ما ذكرنا أنه جمع بين عقدين مختلفين الحكم، واثاني: أنه جمع بين الصحيح والفاسد بثمن واحد ونص الشافعي في «الأم» على فساد الكتابة، ونقله المزني، وذكر في «الإفصاح» في المسألة وجهين، أحدهما: يبطلان، والثاني: يصحان، وهو خطأ لا شك فيه لأن البيع لا يصح قولاً واحدًا، وإذا صححنا الكتابة وحدها، فهي بجميع العوض فعليه أداء جميع النجوم، والثاني: بحصته فتوزع النجوم على قيمته وقيمة الثوب، ولا فائدة في إثبات الخيار لمكان هذا التفريق لأن المكاتب أبدًا بالخيار، وإذا قلنا: الكتابة فاسدة فعليه إذا جمع النجوم لتحصل الصفة فيعتق به، ثم يتراجعان بالقيمة، وقال بعض أصحابنا بخراسان: ويحتمل قولا آخر أنه إذا أدى ما يخص قيمته من النجوم عتق وتراجعا بالقيمة الكاملة، ولو أفرد الكتابة بالعوض عن البيع فسد البيع وصحت الكتابة، ولو كاتبه كتابة صحيحة ثم اشترى السيد من مكاتبه، أو المكاتب من سيده كان جائزًا [52/ أ] لأن السيد حينئذ ممنوع من مال مكاتبه نص عليه في «الأم».
فرع
قال ابن سريج على دينارين: دينار بعد شهر، ودينار يؤديه بعد شهرين على أنه إذا أدى الدينار الأول عتق وأدى الدينار الآخر وهو حر كان فيه قولان، قال بعض أصحابنا: بنى هذه المسألة على الأصل الذي ذكرناه وهو أن الصفقة اشتملت على كتابة وعتق بصفة يقع قبل الأداء وهما مختلفا الأحكام فإن الكتابة من شأنها أن لا يقع العتق
فيها قبل الأداء والعتق على صفة، وعلى مال من شأنه أن يقع ثم يتبعه الأداء فهما عقدان مختلفان فيهما قولان، قال: وليس يمتنع أن يسبق العتق الأداء في الكتابة، فإن الشافعي قال: إذا كاتب عبده على نجمين فأدى أحدهما ثم عجز عن الآخر أو لم يعجز، فقال السيد: أعتقني وأنا أؤدي إليك النجم الآخر، كان جائزًا ويقع العتق ويكون المال ثابتًا يؤديه في نجومه، ومن أصحابنا من قال: هما قولان مختصان بهما، أحدهما: يفسد العقد لأنه شرط فيه ما ينافيه لأن مقتضى الكتابة أن يعتق بعد أداء جميع النجوم فقد شرط خلافه، والثاني: يصح العقد لأنه لو كاتبه مطلقًا فأدى بعض المال فأعتقه على أن يؤدي الباقي بعد عقته جاز على ما ذكرنا فإذا شرط في الابتداء وجب أن يصح.
فرع آخر
لو كاتب عبده على مال الغير لم تجز الكتابة سواء كان المال في يد العبد لذلك الإنسان أو في يد المالك، وقال أبو حنيفة: يصح على الدراهم [52/ ب] والدنانير لأنهما لا يتعينان، فالقصد من الإشارة إليهما المقدار وفي العروض اختلفوا إذا أذن له رب العرض في أن يكاتب عليه فمنهم من قال: لا يجوز ومنهم من قال: يجوز، وملك السيد ذلك العوض، وعندنا حصلت الكتابة فاسدة، ولكنه إذا أذن له رب المال بإعطائه سيده فأعطاه وقع العتق ثم يترادان، القيمة لفساد الكتابة وإن أدى بغير إذن المالك لا يحصل العتق بدفع المستحق بخلاف ما لو قال: إن أديت إلى هذا فأنت حر، فإذا أدى عتق وإن كان مستحقا لأنه محض الصفة وهذه كتابة فتقتضي التمليك، وإذا وجد إذن المالك، فقد وجد مقتضى التمليك غير أن الرد وأخذ القيمة إنما لزم لفساد الكتابة.
مسألة: قال: «ولو كاتبه على مائة دينار يؤديها إليه في عشر سنين كان النجم مجهولا لا يدري في أولها أو آخرها» وقد ذكرنا هذه المسألة، قال المزني: «وكذلك لو قال تؤدي إليه في كل سنة عشرة مجهولة أيضا لأنه لا يدري في أول كل سنة أو في آخرها حتى يقول في انقضاء كل سنة عشرة».
مسألة: قال: «ولو كاتب ثلاثة كتابة واحدة».
الفصل
إذا كاتب الرجل ثلاثة أعبد أو أربعة على عوض واحد صفقة واحدة نص الشافعي رضي الله عنه أنه يجوز فمن أصحابنا من قال: هو على قول واحد لأن البائع والمشتري في الحقيقة هو السيد وهو واحد فصار كما لو باع عبدًا من رجل بثمن واحد ومن أصحابنا من قال فيه، قولان: كما لو تزوج أربع نسوة في عقد واحد بمهر واحد هل يجوز المهر فيه؟ قولان: وقد مضى شرح ذلك فيما تقدم، وقال أبو إسحاق: لو اشترى ثلاثة أنفس ثلاثة أعبد من مالك كل واحدٍ منهم عبدًا كاملاً بثمن واحدٍ لم يصح قولا
واحدًا حتى يكون ثمن كل واحدٍ من العبيد معلومًا [53/ أ].
ويفارق هذا عقد الكتابة على ثلاثة أعبد فإنه يصح في أحد القولين.
والفرق أن المقصود من الكتابة القربة فخف حكمها والمقصود من البيع المعاينة فيغلظ حكمه ولهذا ينفذ العتق في الكتابة الفاسدة، ولا يصحل المقصود في البيع الفاسد وأيضًا الثمن مقصود في البيع وليس بمقصود في الكتابة فافترقا وهكذا قال ابن أبي هريرة والاصطخري والقاضي الطبري.
وقال ابن سريج فيهما، قولان.
قال أبو حامد والمذهب هذا، لأن الشافعي نص في الكتابة على قولين وهي مثل البيع سواء في باب العوض صحة وفسادًا.
فإذا تقرر هذا فإذا قلنا: تصح الكتابة، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، قال الشافعي: المائة مقسومة على قيمهم لا على رؤوسهم لأن المعقود عليه رقابهم وقيمها مختلفة فهي بمنزلة أعيان السلع في البيوع يوزع الثمن على قيمها وتعتبر قيمتهم يوم عقد الكتابة لأنه وقت زوال سلطان السيد عنهم.
وأيهم أدى حصته عتق وأيهم عجز رق وهذا كما يقول لكل واحد من النساء أن يطالب الزج بما يصيبها من المستحق دون ما يصيب صواحبها إذا جمع بينهن بنكاح واحد على صداق واحد، ولذلك إذا باع عبدين فمات أحدهما قبل التسليم يجب للبائع مطالبة المشتري بثمن العبد الذي سلمه إليه فثبت أنه لا يتعلق أداء واحد منهم بأداء صاحبه ولا عجزه بعجزه ف إن قيل: الكتابة [53/ ب] عند الشافعي عتق بصفة والمكاتب يعتق بقوله: فإذا أديت إلى كذا فأنت حر، فإذا قال لهم السيد: إذا أديتم إلى كذا في نجمين فأنتم أحرار فأدى واحد منهم بعضه وجب أن لا يعتق لأن الصفة لم توجد، قلنا: هذا فيما إذا كان عتقًا بصفة فأما إذا كان معاوضة وهو الكتابة فحكمه حكم المعاوضات وإن كان فيه عتق بصفة، ألا ترى أنه لو كاتبه ثم أبرأه من مال الكتابة عتق! ولو مات السيد فأداه إلى وارثه عتق ولم توجد الصفة في هذين الموضعين فدل على ما قلناه، وقال بعض السلف يتوقف عتق أولهم على آخرهم.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: لا يعتق واحد منهم حت ى يؤدي كل المال فيصير بعضهم ضامنا عن بعض من غير ضمان ولأحدهم أن يؤدي جميع النجوم بل عليه ذلك، إذا طالبه السيد بالجميعليعتق هو وأصحابه ثم يرجع على أصحابه بحصتهم وبه قال مالك، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قول آخر يوزع عليهم النجوم بالسوية على عدد الرؤوس، وهذا غريب، قال الشافعي وإن مات أحدهم قبل أن يؤدي مات رقيقًا كان له ولد أو لم يكن وقصد به الرد على مالك حيث قال: يقوم وله مقامه في الأداء وعند أبي حنيفة لا تبطل الكتابة بالموت إذا كان له وفاء سواء كان هناك ولد أم لا، وهذا لا يصح لأن العقد مع الوالد لا مع الولد وقد مات مقصود الصدقة بموته، وهو العتق وإذا قلنا: الكتابة فاسدة
فقد بطل حكم المعاوضة وبقي حكم الصفة، [54/ أ] فإن الكتابة مشتملة على معاوضة وصفة، فإذا بطل أحدهما بقي الآخر وللسيد إبطال الصفة هناك والرجوع فيها لأنه التزمها على أن يحصل له العوض الذي سماه، فإذا لم يسلم له ذلك كان له الرجوع.
ثم ينظر فإن رجع فيها وأبطلها بطلت وإن لم يرجع حتى أدى المال عتقوا لوجود الصفة، ويستحق السيد عليهم قيمتهم لأنه أزال ملكه بشرط أن يحصل له العوض، فإذا لم يحصل استحق استرجاع الرقبة فإذا تعذر استرجاعها لتلفها استحق السيد قيمتها كما لو باعه شيئا بيعًا فاسدًا وسلمه وتلف عند المشتري يجب عليه قيمته ويحتسب له بما أدى ويتراجعان.
الفصل
وإذا أدى واحد من العبيد حصته فظاهر كلام الشافعي ههنا ونص عليه في الإملاء أنه يعتق لأن الكتابة الفاسدة محمولة على الكتابة الصحيحة، والصحيحة لو أدى أحدهم نصيبه عتق، ومن أصحابنا من قال: لا يعتق لأن المعاوضة بطلت لفسادها وتجردت الصفة فلا يعتق حتى توجد كمال الصفة وهذا اختيار القفال، فإن قلنا: بالأول حصل التراجع بينه وبين سيده بما أدى من النجوم وبجميع قيمته وبقي الآخر على كتابته الفاسدة بحصته من النجم إلا أن يفسخ السيد كتابته، فتنفسخ.
وإن أدى الوارث بعد موت السيد أو أبرأه السيد، أو أدى الغير عنه متبرعا [54/ ب] أو أدى غير جنس نجم الكتابة لا يعتق لأنه لم توجد الصفة إذا كانت الكتابة فاسدة، وقال أبو حنيفة: يعتق بكل ذلك كما في الكتابة الصحيحة، فإن قيل: العتق المطلق بصفة لا يمكن إبطاله بقوله: أبطلت فلم قلتم ههنا إذا أبطلها السيد بطلت، قلنا لأن هذه ليست بصفة مجردة بل بناها على المعاوضة، فإذا لم يسلم العوض لم يلزمه حكم الصفة.
مسألة: قال: «ولوأدوا فقال: من قلت قيمته أدينا على العدد».
الفصل
معنى هذه المسألة أنه كاتبهم على مائة دينار، وقلنا: يصح وكانت قيمة أحدهم خمسين وقيمة الآخر ثلاثين، وقيمة الآخر عشرين، فأحضروا ستين دينار ووزنوها، فقال من قيمته عشرون أنا عتقت لأني قد أديت عشرين وهي حصتي لأن الستين التي أدينا هي بيننا أثلاثًا، وقال الآخران: إنما أدينا على قيمنا فلم يعتق واحد منا، قال الشافعي، فالقول قول من قال: أدينا بالسوية لأن الظاهر أنه في أيديهم أثلاثًا حتى وزنوه وسلموه، فإن قيل: إذا كان المال الذي حملوه سبعين دينارًا يجب أن لا يقبلوا قول من قلت قيمته أنه على عدد الرؤوس لأنه حصته أكثر مما عليه، قلنا: قال أبو
إسحاق: يجوز أن يكون حمله ليؤدي الزيادة على أصحابه، وقال الماسرجسي يجوز أن يكون حمل أكثر مما عليه حتى إن زيف شيء منها بدله، [55/ أ] ولا ينصرف إلا حرا.
ومن أصحابنا من قال: صورة المسألة أنه كاتبهم على مائة وقيمة أحدهم مائة وقيمة كل واحد من الآخرين خمسون فأدوا مائة، ثم اختلفوا، فقال من كثرت قيمته أديناها على قدر ما علينا فأديت أنا النصف وأنتما النصف فعتقنا، وقال: من قلت قيمته بل أديناها أثلاثًا فأديناها بأكثر مما علينا لنرجع بها عليك أو وديعة عند سيدنا، قال الشافعي: ههنا القول قول من قلت قيمته، وقال في موضع آخر القول من كثرت قيمته، واختلف أصحابنا فيه على طريقتين، أحدهما: المسألة على قولين: أحدهما: القول قول من كثرت قيمته لأن الظاهر معه لأن من عليه قدر من المال لا يؤدي إلى سيده أكثر منه فرجحت بذلك دعواه، والثاني: القول قول من قلت قيمته لأن يد كل واحد منهم على ثلثه فكان القول قوله فيه.
قال أبو إسحاق: وهذا كما أن ثلاثة اشتروا من رجل عبدًا بمائة دينار، اشترى أحدهما نصفه والآخران نصفه وسلموا إليه مائة دينار، وقالوا: هذه وديعة عندك لتدفع إليك الثمن منها، ثم اختلفوا فقال: من قال ما عليه هي بيننا أثلاثًا كان القول قوله.
وقال الشيخ أبو حامد: هذا ضعيف لأن هذه وديعة وههنا دفعوه بما عليهم.
قال: وأما ما احتج به القائل الأول، فلا يصح لأن اليد أقوى من هذا الظاهر، ألا ترى أنه لو اختلف العطار والدباغ في آلة العطر وهي في يد الدباغ كان القول قوله [55/ ب].
والطريق الثاني: المسألتان على اختلاف حالين، فالموضع الذي قال القول قول من قلت قيمته إذا كان المدفوع دون ما عليهم يشتركون في أدائه لأن الشافعي فرضها في «الأم» إذا أدوا ستين دينارًا.
والموضع الذي قال القول قول من كثرت قيمته أراد إذا كان المدفوع جميع ما عليهم لأن الظاهر أنهم أدوا ما عليهم، قال أبو حامد: هذا تخريج مليح إلا أنه مخالف لنص الشافعي لأنه نص على أن القول قول من قلت قيمته إذا أدوا مائة دينار أو ستين، قال أصحابنا: وهكذا الحكم في كل شريكين اشتريا جميعًا وثبت الثمن عليهما على الاختلاف فأديا ما عليهما، ثم اختلفا، فقال أحدهما: أدينا على التفاضل، وقال الآخر: أدينا على العدد، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان الاختلاف في نجم سوى النجم الأخير، فالقول قول من يقول: أدينا على العدد فإنه قد يؤدي زيادة ليحتسب به في النجم الثاني، وكذا في النجم الأخير إذا أدى الذي قال: أدينا على العدد قدرًا يتم به نجمه، ولا يبقى زيادة، والآخر يقول: أدينا على القيمة، فالقول قول من يقول: أدينا على العدد وإن أدوا في النجم الأخير، وقال الذي قال: أدينا على العدد، إني أديت أكثر مما علي لا يسترد البعض، وقال الآخرون: بل أدينا على القيمة
وكل واحد منا أدى القدر الذي عليه، فالظاهر مع هؤلاء الذين يقولون: أدينا على القيمة، فالقول قولهم.
مسألة: قال: «ولو أدى أحدهم عن غيره [56/ أ] كان له الرجوع».
الفصل
جملة هذا أنه إذا أدى مكاتب عن مكاتب فلا يخلو، إما أن يكونا مكاتبي رجل أو مكاتبي رجلين، فإن كانا لرجل واحد لم يخل إما أن يؤدي عنه قبل العتق أو بعده، فإن كان قبل العتق، فإن كان ذلك بغير علم السيد لم يصح الأداء لأنه إن فعل ذلك بغير إذن المؤدى عنه فهو هبة وإن كان فعله بإذنه، فهو قرض، والمكاتب لا يملك هبة المال ولا الإقراض بغير إذن السيد، وإن أدى بعلم السيد فعلمه يجري مجرى إذنه ففيه قولان، كما لو ذهب شيئا بإذن سيده إذا أقرضه بإذنه، فإن قلنا: لا يصح، قال الشافعي كان له الرجوع وأراد به أن له أن يرجع على السيد بذلك فيسترجع.
قال أبو إسحاق: ولو سأل السيد أن يحتسب له من نجومه كان عليه أن يفعله ثم يطالب السيد المؤدي عنه، وإن لم يسأل السيد ذلك، ولكن عليه النجم احتسب السيد منه.
وإن لم يسترجع ذلك حتى أدى ما عليه وعتق فهل له أن يسترجع؟ ظاهر كلام الشافعي أنه لا يسترجع لأنه لم تصح هبته وإقراضه لنقصانه، فلما عتق وصار حرًا كاملاً صح ذلك منه، وقال أبو إسحاق: العلة فيه أنه إذا عتق وهو كاف عن المطالبة فقد صح الأداء ن من أدى عنه من الآن، وكانت الاستدامة في ذلك بمنزلة ابتداء الأداء، ومن أصحابنا من قال: له الاسترجاع أيضا لأن ذلك وقع فاسدًا في الأًل فلا يصح بعد ذلك.
وقال القفال: فيه وجان، أصلهما: أن تصرف المحجور عليه لحق الغير [56/ ب] باطل أو موقوف كتصرف المفلس حتى إذا أطلق الحجر ينفذ؟ فيه قولان.
وقيل: نص الشافعي ههنا أنه لا يسترجع ونص إذا عفا المكاتب سيده عن أرش الجناية عليه لا يصح وله الرجوع عليه وإن عتق نفذ، ولا فرق بينهما على قولين، فإذا قلنا: بالأول ينظر فيه، فإن كان أدى عنهم على أن يرجع عليهم كان له الرجوع بما أدى عنهم، فإن كانوا قد عتقوا طالبهم كما يطالب الأحرار بما عليهم من الديون، وإن كانوا لم يعتقوا، فهو بمنزلة الدين الذي يجب على المكاتب، فيقال له: إن عليك دينًا كهذا ونجوم الكتابة للسيد فإن أمكنك أداءهما جميعًا، فأد كليهما، وإن لم يمكنك ذلك، فالدين مقدم على النجوم لأن الدين لازم والكتابة ليست بلازمة، ويمكن السيد الرجوع إلى رقبته من حقه بخلاف صاحب الدين، فيقال للسيد: إن رضيت أن تصبر حتى يقضي الدين ثم يكتسب لك، وإلا عجزناه لصاحب الدين، فإذا عجز دفع إلى من أدى عنه ما وجد في يده ثم يباع من رقبته بقدر ما بقي، هكذا ذكره القاضي الطبري وربما أراد به إذا كان الدين دين الجناية ولا يحتمل غيره.
وإن كان الأداء عنهم بعد عتقه فالأداء يصح لأنه حر يصح منه قضاء دين الغير، ثم ينظر فإن كان أدى بغير إذنه لم يرجع وإن كان بإذنه، فالحكم على ما ذكرنا.
وإن كان المكاتبان رجلين فأدى أحدهما عن الآخر فإن كان ذلك بعد العتق صح الأداء والحكم فيه على ما مضى، وإن كان قبل العتق لم يصح سواء كان بإذن المكاتب الآخر، أو بغير إذنه لأنه يكون هبة وقرضًا [57/ أ] إلا بإذن السيد، فلم يصح، ولا فرق بين أن يكون بعلم السيد أو بغير علمه، ويفارق هذا إذا كانا لواحدٍ لأن المال إذا حصل في يد السيد وعلم به قام ذلك مقام إذنه وههنا يحصل المال في يد غير السيد فيكون هبة وقرضًا بغير إذنه، وإن كان ذلك الأداء بإذن سيده ففيه قولان، وقال القفال: إن أدى بإذن السيد والمؤدى عنه فجائز لأن إقراضه بإذن السيد جائز قولاً واحدًا، وإن كان بإذن السيد لا بإذن المؤدى عنه، ففيه قولان، لأنه هبة بإذن السيد، وهذا أحسن، ولكن ما تقدم أصح عندي، وقال في «الحاوي»: الصورة الأولى إذا أدى أحدهم عن صاحبه بإذنه ليرجع به كالقرض، وجوزنا لم يخل حال المؤدي، والمؤدى عنه من أربعة أحوال، أحدها: أن يعجزا فيرقا فلا رجوع للمؤدي بما أدى لا على سيده، ولا على المؤدى عنه لأنه لا يثبت للسيد على عبده مال، ولا لعبده على سيده، والثانية: أ، يؤديا فيعتقا فللمؤدي أن يرجع على المؤدى عنه بعد عتقه بما أداه.
والثالثة: أن يعتق المؤدى عنه ويبقى المؤدي على الرق، فينظر في عتق المؤدى عنه فغن كان بغير ما اقترضه المؤدي نفذ عتقه، وكان المال المؤدى عنه دينًا للسيد عليه وإن كان عتقه بما اقترضه المؤدي فيه وجهان خرجهما صاحب «الإفصاح» أحدهما: أن عتق المؤدى عنه قد نفذ ورق المؤدي قد استقر ويكون الأداء دينًا للسيد يرجع به على المعتق اعتبارًا بحكم الأداء والعجز، والثاني: [57/ ب] لا يعتق المؤدى عنه بذلك ويحتسب به للمؤدي فإن كان بقدر الباقي عليه من كتابته عتق به وأعيد المؤدى عنه إلى رقه وإن كان أهلاً أعيدا معًا إلى الرق اعتبارًا بحال الكسب، والرابعة: أن يعتق المؤدى عنه وهو على رقه فللمؤدى عنه ثلاثة أحوال، أحدها: أن يكون في يده ما يفي بمال الكتابة وبدل ما اقترض فيؤديهما ويتحرر، والثاني: أن يعجز عن باقي الكتابة وعن القرض جميعًا فللسيد أن يعيده إلى رقه ويكون قرض المؤدي في ذمة العبد إذا عتق وأيسر رجع به عليه، والثالثة: أن يكون في يده ما يصرف في أحدهما: إما في عتقه أو في قريضه فيقال للمؤدي انتظره بقرضك حتى يؤدي ما بيده في قرضه فإن أجاب فعل ذلك وإن امتنع قيل للسيد: انتظره بنفسه حتى يؤدي ما بيده في قرضه فإن أجاب فعل ذلك، وإن امتنع وتنازعا فالمؤدي للقرض أولى به على ما ذكرنا وهذا ترتيب حسن.
مسألة: قال: «لا يجوز أن يتحمل بعضهم عن بعض».
يعني إذا كاتب ثلاثة أعبد على ما ذكرنا لا يصير بعضهم ضامنًا عن بعض خلافًا
لمالك وأبي حنيفة، فانفرد مالك بأن قال: إذا قعد بعض العبيد عن الاكتساب والأداء كان للثاني: إجباره على ذلك وإلزامه للاكتساب والأداء وقال أيضا: إذا أعتق السيد واحدا منهم نظر فإن أعتق من لا كسب له جاز لأنه لا يضر على الباقين وإن أعتق من له كسب لم يجز لأن على الباقين ضررًا فيه وهذا غلط لأنها معاوضة مطلقة، فلم يلزم كل واحد منهم إلا قدر ما يخصه من العوض كما في البيع، ولو شرط عليهم في العقد [58/ أي أن كل واحد منهم ضامن عن الباقين كانت الكتابة فاسدة خلافًا لمالك وأبي حنيفة، وهذا ليس بلازم ولا إلى اللزوم، فلا يصح ضمانه وأيضًا لا يجوز لضمان من المكاتب لأنه لا يصح أن يضمن عن حر ولا عن مكاتب ليس معه في عقد كتابته، فلا يصح هذا الضمان أيضًا، ثم قال الشافعي رضي الله عنه ولا يجوز أن يتحمل مال عن نفسه، أي وقت شاء ولو شرط ذلك في عقد الكتابة فسد لأن الكتابة تفسد إذا شرط فيهها شرط فاسد، قال أبو إسحاق: وكذلك لو كاتب عبده على أن يضمن عنه رجل بعينه حر كانت الكتابة فاسدة.
مسألة: قال: «ولو كاتب عبدًا كتابة فاسدة».
الفصل
اعلم أن العتق المعلق بالصفات على ثلاثة أضرب عتق معلق بصفة محضة لا مدخل للغوض فيها، كقوله: إن دخلت الدار فأنت حر، وإن كلمت زيدًا فأنت حر ونحو ذلك.
وفي هذا المعنى إذا قال: إن أعطيتني فأنت حر فإن هذا وإن دخله عوض إلا أن المغلب فيه حكم الصفة فلهذه الصفة ستة أحكام، أحدها: أن تقع لازمة لا سبيل للعبد ولا للسيد إلى فسخها بحال ولا أن يتفقا على فسخها لأنها عقدت وعلق بها العتق، وهو حق الله تعالى فلزمت.
والثاني: أن السيد لو أبرأه عن المال الذي علق عتقه به لم يعتق لأنه علق بأداء المال، وفي الإبراء لم يوجد المال.
والثالث: [58/ ب] إذا مات السيد بطلت الصفة لأن إطلاق الصفات يقتضي وجودها في حال الحياة.
والرابع: إن كسب العبد قبل أداء المال يكون لسيده لأنه باق على ملكه، ولم يوجد ما يقطع تصرفه.
والخامس: أنه إذا أدى المال عتق لوجود الصفة وما في يده من فضل الكسب لسيده كما أن فضل الكسب كان لسيده.
والسادس: لا يثبت بين سيده وبينه تراجع لأنه لم يثبت جهته يثبت بينهما التراجع.
والضرب الثاني: عتق معلق بصفة وعوض والمغلب فيه حكم العوض وهو الكتابة الصحيحة، فالمعاوضة لا بد من ذكرها، وهو قوله: كاتبتك على كذا أو الصفة لا بد من ذكرها باللسان أو ينويها بقلبه على ما ذكرنا.
وإنما علينا حكم العوض ههنا لأنه لو كان المغلب للصفة لاحتيج إلى ذكرها كما في القسم قبله ولا يعتبر ذلك بل تكفي النية بالقلب، ويتعلق بهذا أيضًا ستة أحكام، أحدها: أنها تقع لازمة من جهة السيد لا سبيل له إلا فسخها لأنها معاوضة كالبيع، فأما العبد فليس له فسخ العقد ولكن له أن يمتنع من الأداء متى شاء ثم يكون للسيد الفسخ، وإن اتفق السيد والعبد على فسخ الكتابة جاز، ويكون ذلك بمنزلة الإقالة في البيع ويلزم ذلك.
والثاتني: أن السيد لو أبرأ من مال الكتابة عتق كالبائع إذا أبرأ المشتري عن الثمن صح وبرئت ذمته وملك المبيع تامًا.
والثالث: إذا مات السيد لا تبطل بل يؤدي المال إلى ورثته ويعتق كالبيع.
والرابع: إن كسب العبد قبل الأداء يكون له لا لسيده لأنه عقد مع سيده عن التصرفات فيه وأخذ كسبه فهو كما لو باع العبد، كان الكسب للمشتري [59/ أ].
والخامس: أن المكاتب إذا أدى المال عتق ولا تراجع.
والسادس: إذا أدى ما عليه وعتق وبقي فضل الكسب في يده فهو له ملكًا تامًا.
والضرب الثالث: عتق معلق بصفة وعوض والمغلب فيه حكم الصفة، وهو الكتابة الفاسدة ولهذه الصفة أحكام ستة، أحدها: أنها تقع غير لازمة من جهة السيد، وله أن يرجع فيها متى شاء لأنه التزمها بشرط أن يحصل له العوض المشروط، فإذا لم يحصل كان له الرجوع ويفارق الصفة الأولى لأنها صفة محضة التزمها بمجردها فلزمته، ثم إذا ثبت أن الصفة لا تلزم له أن يفسخها بنفسه وله أن يرفعها إلى الحاكم حتى يفسخ الحاكم كما لو وجد عيبًا بما اشترى له الفسخ بنفسه وله المرافعة إلى الحاكم حتى يفسخ.
قال الشافعي: وأشهد على ذلك ولم يرد به أن الشهادة شرط وإنما أراد أنه يشهد عليه حتى يثبت أنه قد ردع فعلا يمكن العبد جحود ذلك لأنهما لو اختلفا في الرجوع، ولم يكن مع السيد بينة كان القول قول العبد لأن الأصل أن لا رجوع.
فرع
إذا قال أبطلت كتابة عبدي أو فسختها يجوز بمشهد العبد وعيبته ولو نوى إبطالها لا تبطل، وإذا رفعها إلى الحاكم لم يكن له إبطالها إلا بعد ثبوت فسادها ومسألة السيد، فإذا سأل له إبطالها عليه، ولو سأل المكاتب من الحاكم الإبطال لم يكن للحاكم إجابته إليه لأنه حق مختص بالسيد لا يملكه المكاتب وإنما يملك هو الامتناع من الأداء على ما ذكرنا [59/ ب].
والثاني: أن السيد إذا أبرأه لم يعتق.
والثالث: إذا مات السيد بطلت هذه الكتابة على ما ذكرنا خلافًا لأبي حنيفة وأحمد.
والرابع: أن الكسب للمكاتب لأن الكتابة الفاسدة كالصحيحة في وقوع العتق فيها
بالأداء، فحصل له المعقود عليه وهو العتق فتبعه ملك الكسب.
والخامس: أن العبد إذا أدى المشروط عتق لوجود الصفة وإن فضل في يديه كسب كان له لأن الأصل الكسب له ولا فرق بين أن يكون فساد الكتابة بشرط مجهول أو بعضو فاسد من الخمر والخنزير والميتة والدم.
وقال أبو حنيفة: إن كانت بالميتة أو الدم لا يحصل العتق بالأداء لأنهما ليسا بمال بخلاف الخمر والخنزير فإنهما مالا لأهل الذمة.
وهذا على أصله أن البيع بالميتة والدم باطل وبالخمر والخنزير فاسد يحصل الملك فيه عند القبض.
والسادس: أنه يثبت التراجع فيها بين العبد وبين السيد فيستحق السيد على عبده قيمة رقبته وتجب القيمة من غالب نقد البلد ويستحق العبد على السيد ما دفعه إليه الكسب، ثم إن كان أحد الحقين من غير جنس الآخر لم يتقاصا بل يقبض كل واحد منهما من صاحبه ما له عليه لأن التقاص لا يثبت في الجنسين كالحوالة لا تكون في الجنسين وإن كان أحدهما من جنس الآخر، فإن كان غير الدراهم والدنانير لم يحصل فيه التقاص وإن كان من الدراهم أو الدنانير فهل يتقاصان فيه؟ أربعة أقوال، وهكذا الحكم في دينين من جنس واحد هل يحصل بينهما التقاص فيه هذه الأقوال؟ أحدها: يتقاصان [60/ أ] من غير تراض.
والثاني: لا يتقاصان إلا بالتراضي.
والثالث: يتقاصان إذا رضي أحدهما.
والرابع: لا يحصل التقاص بذلك وإن تراضيا لأنه يكون بيع دين بدين، ولأنه لما لم يصح ذلك في غير النقود من العروض كذلك في النقود، فإذا قلنا: يحصل التقاص لهما بالتراضي أو غير التراضي فإن تساوي الحقان سقط أحدهما بالآخر وإن تفاضلا سقط بقدر ما يتساويان فيه، ويرجع صاحب الفضل بالفضل، وإن قلنا: لا يحصل التقاص فلا يحتاج إلى القبض من الجانبين معا بل يكفي أن يقبض أحدهما، ثم يرد قبضه إلى صاحبه، فإن قيل: ما الفرق بين الحقين من جنس الأثمان وغير الأثمان في حكم التقاص؟ قلنا: قال أبو حامد: الفرق أن ما عدا الأثمان يطلب فيه المعاينة لوجود الاختلاف فيها وقل ما يتساويا والأثمان متساوية يطلب فيها المعاينة.
ومن أحكام الكتابة الفاسدة أن تسقط بها نفقته عن السيد وتكون الجناية مضمونة على السيد في كسبه.
والتقويم فيه يكون حين وقوع العتق بخلاف التقويم في الكتابة الصحيحة إذا احتجنا إلى قسم العوض بين العبيد فإنا نقومهم حين العقد لأنه وقت الحيلولة بينهم وبين السيد، وههنا الحيلولة حصلت بالعتق، وقيل: لهذه الصفة ثمانية أحكام وعد هذه الأحكام فيها.
فرع آخر
لو أخذ المكاتب في الكتابة الفاسدة من سهم الزكاة وأدى عتق، وقال في
«الأم»: استرجع من السيد ولم يعتق به لأن فسادها [60/ ب] يخرجه من حكم الرقاب، قال صاحب «الحاوي»: والذي أراه أنه لا يسترجع منه لأنه يجري على حكم الرقاب، قال صاحب «الحاوي»: والذي أراه أنه لا يسترجع منه لأنه يجري على حكم فاسدها في ملك الاكتساب ووقوع العتق به حكم الصحة فكذلك في سهم الرقاب.
مسألة: قال: «ولو لم يمت السيد، ولكنه حجر عليه أو غلب على عقله فأداها منه قبلت ولم يعتق».
وقد ذكرنا أن الكتابة الفاسدة تبطل بموت السيد ولو لم يمت ولكنه جن أو حجر عليه بطلت الكتابة أيضًا لأنه عقد جائز في حقه والعقود الجائزة تبطل بالجنون والحجر كالوكالة وغيرها، ومعنى قولنا: عقد جائز أن له أن يفسخه.
ولن قبضه ليس بصحيح، فلا يحصل الوصف، ولو جن العبد لا تبطل هذه الكتابة لأن الجنون كالحجر فإن كل ما يبطل بالجنون يبطل بالحجر وما لا يبطل الجنون لا يبطل بالحجر وما لا يبطل الجنون لا يبطل بالحجر والعبد محجور عليه أبدًا، فلو بطلت الكتابة بالجنون لوجب أن لا تصح كتابة العبد أبدًا، وهذا ضعيف لأن قوله صحيح قبل الجنون والعلة الصحيحة فيه أن العبد لا يملك إبطال الصفة وإنما له أن يعجز نفسه، فيفسخ السيد إن اختار كما في الكتابة الصحيحة، وإذا كان لا يملك الفسخ لا يفسخ بجنونه، وقيل: لا تبطل بالحجر فإذا أدى إلى وليه عتق.
مسألة: قال: «ولو كان العبد مخبولا عتق بأداء مال الكتابة، ولا يرجع أحدهما على الآخر بشيء».
في هذا الفصل مسائل، إحداها: أن يكاتبه كتابة صحيحة، وهو عاقل ثم جن المكاتب فلم تبطل الكتابة، فإذا أدى المال إلى سيده عتق لا لأن الأداء يصح منه ولكن لأن السيد لم يستحق المال، فإذا حصل في يده ما يستحقه كان له أخذه بحقه، فإذا أخذه برئت ذمة العبد من المال [61/ أ] وعتق، ولا تراجع لأن الكتابة الصحيحة لا تقتضي ثبوت التراجع.
والثانية: أن يكاتب عبدًا عاقلا كتابة فاسدة ثم جن العبد فلم تبطل بجنونه أيضًا، فإذا أدى المال عتق بوجود الصفة ويثبت لهما التراجع لأن عقد الكتابة اقتضى لزوم الضمان للعبد وثبوت التراجع بينه وبين السيد فلم يبطل ذلك بالجنون كما لو أدى المال في حال إفاقته.
والثالثة: إذا كاتب عبدًا مجنونًا، فالكتابة فاسدة فإن أدى المال عتق بوجود الصفة وهل يثبت بينهما التراجع؟ نقل المزني أنه لا يثبت ونقل الربيع عن «الأم» أنهما
يتراجعان.
واختلف أصحابنا في المسألة على طرق، أحدها: قال ابن سريج: الصحيح ما نقله الربيع لأنه يعتق بكتابة فاسدة، فلا بد من التراجع، وما نقله المزني كان في الأصل ويرجع أحدهما على الآخر فزاد الناقل لا بالغلط، وقال أبو إسحاق: الصحيح ما نقله المزني أنه لا تراجع لأن التراجع إنما يكون في عقد فاسد يقتضي الضمان والعقد مع المجنون ليس بعقد، ولا هو من أهل الضمان فصار كما لو كاتب صبيا فأدى المال وعتق لا يثبت التراجع وأما التأويل الذي ذكره ابن سريج، فلا يصح لمعنيين، أحدهما: أنه لو أراد التراجع لقال، ولا يتراجعان ولا يحتاج إلى أن يقول ويرجع كل واحد منهما، والثاني: أنه قال بشيء ولا يصح أن يقول ويرجع كل واحد منهما على صاحبه بشيء، وقيل: قال أبو إسحاق: ما نقل الربيع أراد إذا عقد معه وهو عاقل ثم جن ولفظه في «الأم»، ولو خبل المكاتب فأداها إلى سيده عتق ونصب الحاكم أمينا، [61/ ب] ويتراجعان كما لو كان العقد صحيحا يرجع لأن كتابة المخبول كتابة فاسدة، ولم يرد به أنه يثبت له أحكام الفاسد مع العاقل في التراجع إذا كاتبه وهو مجنون، والذي نقل المزني أراد أنه إذا كاتبه وهو مجنون.
والفرق ما ذكرنا، وهذه الطريقة أصح، وقال القاضي أبو حامد من أصحابنا من قال: فيه قولان.
قال القفال: والفرق بينه وبين الصبي أن المجنون عارض فهو كعارض شرط فاسد بخلاف الصبي، ومن أصحابنا من سوى بين الصبي والمجنون في التراجع.
فرع
لو دفع المال إلى سيده في حال جنون السيد في الكتابة الصحيحة لا يعتق به لأنه لا حكم لقبضه، ثم إذا دفع مرة أخرى إلى الولي عتق ثم إن وجدن عين ماله في يد السيد استرد، وإن كان قد أتلف لا يرجع عليه بضمانه أبدًا، ذكره القفال.
مسألة: قال: «ولو كاتبه كتابة صحيحة، فمات السيد وله وارثان».
الفصل
قال أصحابنا: قال الشافعي: ولو كاتبه صحيحة إذ لو عرفنا ذلك ما قبلنا قول من يقول لم يكاتب، وإنما قال لو مات رجل وخلف ابنين وعبدًا فادعى العبد أن أباهما كاتبه فصدقه أحد الابنين.
واعلم أن الشافعي ذكر في «الأم» مسألتين، نقل المزني الثانية، وترك الأولى لسهولتها فالأولى ما ذكرنا من الصورة، ولكن الاثنان كلاهما، فالقول قولهما لأن الأصل عدم الكتابة ويكون يمينهما على نفي العلم لأنه يمين على فعل الغير فإن حلفا برءا وإن نكلا عن اليمين ردت اليمين على العبد، فإذا حلف يحكم بصحة الكتابة [62/ أ].
والثانية: أن يصدقه أحدهما وينكر الآخر فإقرار المقر مقبول ويصير نيبه مكاتبًا لأنه أقر بما يضره فقبل إقراره فيه ثم ينظر فإن كان عدلا وشهد مع شاهد آخر عدل حكم بشهادتهما وثبتت الكتابة، وإن لم يكن عدلا ولم يشهد شاهد آخر لا يجوز أن يحلف العبد معه لأنه لا يدخل فيها الشاهد واليمين لأن المقصود العتق دون المال ويكون القول قول الابن المنكر، فيحلف أنه لم يعلم ذلك فإن حلف برئ وإن نكل عن اليمين ردت اليمين، فإن حلف العبد ثبتت الكتابة، فإن نكل بطلت الكتابة في حقه وثبتت في حق المقر.
فإن قيل: جعلتم نصفه مكاتبًا بغير إذن شريكه وذلك خلاف قول الشافعي رضي الله عنه، قلنا: ههنا لم تقع الكتابة في الأصل محضة بل أقر أن أباه كاتبه جملة، ولكن بطلت في نصفه لإنكار الابن الآخر، فلم يوجب ذلك بطلانها في الباقي، فهو بخلاف ما لو كاتب نصفه ابتداء قصدًا إلى الإضرار بشريكه.
وأيضًا فإن ههنا ضرورة فهو كما لو أوصى أن يكاتب عبده عنه فلم يخرج من الثلث كاتبنا بعضه للضرورة.
فإذا تقرر هذا نظير فيه فإن اتفقا على المهأيأة خدمة يومًا، واكتسب لنفسه يومًا، وإن لم يتفقا على المهايأة لا يجبر عندنا عليها خلافًا لأبي حنيفة.
ثم ينظر فإن عجز نفسه استرقه السيد وما في يده من الكسب يكون له لأن السيد الآخر كان يأخذ كسبه في كل يوم فهذا الباقي حق لهذا الشريك.
وفرع الشافعي على هذا، فقال: إذا وجد في يد المكاتب كسب فاختلف السيدان فيه، [62/ ب] فقال المكذب: كان اكتسابه قبل عقد الكتابة فهو بيننا، وقال الآخر: بل اكتسبه بعد عقد الكتابة، فهو لي، فالقول قول المصدق لأنهما يختلفان في حدوث الكسب قبل الكتابة والأصل أن لا حدوث حتى يعلم ذلك وإن أدى المكاتب ذلك عتق بالأداء وما فضل من الكسب، فهو له ولا يقوم باقية على الابن المصدق ولا على الميت.
أما الابن فلأن التقويم إنما يكون على من باشر العتق أو تسبب إليه وهذا أخبر أن أباه كاتبه وأنه تسبب إلى عتقه، وأما الميت فقد زال ملكه بالموت فهو بمنزلة المعسر وهذا كما نقول إذا ترك ابنين وعبدًا فادعى العبد أن أباهما عتقه فأقر أحد الابنين وأنكر الآخر عتق نصيب أحدهما، وكان ولاءه لأبيه، ولا يقوم عليه.
ولو بادر المصدق فأعتق نصيبه أو أبرأه ثمن نجومه فعتق فهل يقوم عليه نصيب أخيه فيه وجهان، أحدهما: لا يقوم لأنه يعتق على أبيه دونه ولهذا نقول الولاء يثبت له، والثاني: يقوم عليه لأنه يضر بشريكه بتقديمه العتق، والأول أصح فإذا عتق هذا النصف بالأداء وثبت عليه الولاء ولمن يكون هذا الولاء فيه وجهان، أحدهما: يثبت للميت وينتقل إلى ابنيه لأنه عتقد بسبب كان منه وهو عقد الكتابة.
والثاني: يثبت للابن المصدق لأن المنكر أسقط حق نفسه من العتق والولاء، فإذا قلنا: الولاء بينهما فمات دفع إلى الابن المصدق نصف المال ويوقف نصيب المكذب إلى أن يقر به، [63/ أ]
فيدفع إليه، ولو شهد مع المصدق شاهد آخر وهما عدلان وحكمان بكتابة جميعه خلينا كبه فيؤدي إلى الابن المقر نصف مال الكتابة وفي النصف الآخر وجهان، أحدهما: يدفع إلى الابن المنكر، والثاني: يكون بمنزلة ما لو أقر لإنسان وهو يجحد.
مسألة: قال: «ولو ورثا مكاتبا، فأعتق أحدهما نصيبه فهو بريء من نصيبه من الكتابة».
الفصل
جملة هذا إذا كاتب عبدًا ثم مات السيد وترك ابنين لا تنفسخ الكتابة بموته لأنها لازمة من جهة السيد ويقوم ابناه مقامه كما يقومان في سائر حقوقه فإذا أدى المكاتب المال إليهما عتق، وكذلك إذا أعتقاه أو أبرأه معًا يعتق ويثبت الولاء عليه للسيد ينتقل إلى عصبته وهما ابناه وإن عجز نفسه استرقاه وما أخذاه من الكسب وما يجدانه في يده يكون لهما، فإن أدى فهل يعتق فعلى ما سنبين إن شاء الله تعالى، وإن أعتقه أحدهما عتق نصيبه بلا خلاف وكذلك لو أبرأه أحدهما عن نفسه من المال عتق نصيبه عندنا.
وقال أبو حنيفة لا يعتق حتى يبرئة الآخر، أو يستوفي نصيبه، واحتج بما لو أبرأه السيد عن نصف النجوم لا يعتق منه شيء، وهذا لا يصح لأنه أبرأه من جميع ما استحقه عليه من مال الكتابة فوجب أن يلحقه العتق كما لو أبرأه سيده من كل النجوم وبهذا فارق ما احتجوا به.
وأيضًا فإعتاقه إياه إبراء عن المال الذي له في ذمته، فإنه لا يستحق عليه غير ذلك والحرية تقع من جهة الأب، ولو أعتق نصيبه عتق فكذلك إذا أبرأه عن قدر نصيبه [63 /ب].
فإذا تقرر هذا وعتق نصيبه فهل يقوم عليه نصيب شريكه؟ فيه قولان، أحدهما: لا يقوم نقله المزني في «جامعه الكبير» واختباره، ونقله إلى «المختصر» في آخر الباب الذي بعد هذا الباب ونصره بأن قال: العتق عن أبيه بدليل أن الولاء له.
قال أبو إسحاق لا يختلف قول الشافعي في الولاء لأنه لأبيهما فوجب أن لا يقوم عليه، والقول الثاني يقوم عليه إن كان موسرًا، قال أبو حامد: وهذا أصح لأنه كان يمكنه أن لا يبرئ ولا يعتق حتى يعتق الجميع أو يعجز الجميع، فلما عجل العتق قبل الأداء إلى شريكه كان ذلك منه جناية أدت إلى تبعيض حريته فوجب التقويم عليه.
وأما فصل الولاء فلا يدل على عدم التقويم لأنه قد يقع العتق والولاء لشخص ويكون التقويم على غيره لأن أحد الشريكين لو قال لصاحبه أعتق نصيبك عني على ألف، فأعتقه فإنه يسري إلى نصيب شريكه ويكون العتق عن السائل والولاء له والتقويم على المباشر للعتق، وكذلك لو قال أجنبي لأحدهما: اعتق نصيبك عني على ألف، فأعتقه فإنه يكون ولاءه للأجنبي، ويقوم على الشريك المعتق لأنه أعتقه.
وقال بعض أصحابنا: في الولاء وجهان ذكره القفال وغيره.
وقال ابن أبي أحمد في «المفتاح» فيه قولان، أحدهما: ما ذكرنا، والثاني: أنه لمن أعتق على حكم الكتابة وما ذكره أبو إسحاق أصح، فإذا قلنا: يقوم.
قال في «المختصر»: يقوم عليه إن عجز إذا كان موسرًا، أو هذا يقتضي أن لا يقوم في الحال.
وهذا اختيار أبي إسحاق لأن عقد الكتابة تقدم [64/ أ] على السراية وفي التقويم فسخ العقد وإسقاط حق الأب من الولاء فلم يقوم ما دام العبد مقيمًا على عقده، فإذا عجز نفسه ورجع إلى ملك صاحبه سرت الحرية حينئذ ويقوم على المعتق، ومن أصحابنا من قال: فيه قول آخر يقوم في الحال عليه ولا ينتظر عجزه لأنه إذا اجتمع للعبد الحرية من جهتين بدئ بأعجلهما، والأول أشبه بالمذهب وهذان القولان مبنيان على أصل، وهو أن العبد بين شريكين إذا كاتباه، ثم أعتق أحدهما نصيبه، أو أبرأه يقوم عليه نصيب شريكه قولا واحدًا لأن الذي أعتق هو المعتق لا محالة إما بعقد كتابته، أو بإعتاقه بخلاف أحد الوارثين في أحد القولين، ولكن متى يقوم؟ فيه قولان، أحدهما: يقوم في الحال، والثاني: ينتظر تقويمه إلى حال الأداء فإن استغنى عن التقويم بأن أدى وإلا قوم حينئذ، ومن أصحابنا من قال: يقوم ههنا عاجلاً قولاً واحدًا، ومن أصحابنا من قال: يقوم ههنا بعد العجز قولا واحدًا بخلاف مسألة الشريكين لن أحد الوارثين ليس بمعتق فلا يبطل عقد الكتابة وأحد الشريكين معتق فحصل ثلاثة طرق.
والصحيح الطريقة الأولى، والطريقة الثالثة أقرب من الطريقة الثانية، وكلاهما لا يصح، فإذا قلنا: لا يقوم عليه أصلا ينطر فإن أدى ما عليه من مال الكتابة عتق والولاء بينهما، وكذلك إن أعتقه الآخر أو أبرأه أيضًا، وإن عجز نفسه استرقه وأعاده إلى ملكه فيكون نصفه مملوكًا لهذا الابن الآخر والنصف الآخر قد عتق بإعتاق الابن الآخر فلمن يكون الولاء وجهان على ما ذكرنا، [64/ ب] وإذا قلنا: يقوم عليه في الحال قوم وتنفسخ الكتابة بالتقويم، ويعود هذا النصف مملوكًا له لأنه عتق في ملكه ومتى يحكم بنفوذ العتق فيه ثلاثة أقوال على ما ذكرنا في أحد الشريكين إذا أعتق متى يسيري إلى نصيب الشريك وولاء هذا النصف له وولاء النصف الأول على ما ذكرنا من الخلاف، فمن قال: الولاء للمعتق احتج بظاهر لفظ الشافعي وعتق إن كان موسرًا، وولاؤه له ومن قال: إنه للميت، قال: أراد به ولاء ذلك النصف الذي قوم عليه.
وفي مسألة الشريكين في المكاتب إذا أعتقه أحدهما وقومنا عليه الولاء كله للمقوم عليه بلا إشكال، وهكذا إذا قلنا: يقوم بعد العجز في مسألتنا ولاء النصف الذي قومنا عليه له بلا إشكال.
مسألة: قال: «والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم».
اعلم أنه إذا كاتب عبدًا لا يعتق بأداء بعض مال الكتابة حتى يؤدي جمعيه، قال بعض «الأم»، وهو عبد في شهادته وميراثه وحدوده والجناية عليه وجنايته بأن لا يعقلها
عاقلة مولاه ولا قرابة العبد وبه قال عمر وابن عمر وزيد وعائشة وأم سلمة رضي الله عنهم وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والحسن البصري والزهري ومالك والثوري وأبو حنيفة.
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: إذا أدى قدر قيمته عتق ويؤدي الباقي في حال الحرية، فالخلاف بيننا وبينه إذا كوتب على أكثر من قيمته، وعن علي رضي الله عنه روايتان، أحدهما: أنه إذا أدى نصف مال الكتابة عتق، ويؤدي الباقي في حال الحرية وبه قال عروة [65/ أ] بن الزبير، والثانية: أنه كلما أدى جزءًا عتق بأدائه جزء منه وهو قول داود، وروي عن شريح أنه قال: إذا أدى ثلث كتابته عتق، وكان غريمًا بما فضل عنها.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إذا كتبت صحيفة المكاتب عتق بها، وكان غريمًا بما عليه، وقد روى عكرمة عن علي وابن عباس رضي الله عنهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يؤدي المكاتب بقدر ما أدى ديةن حر ما بقي دية عبد».
وروي عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: «إذا أصاب المكاتب حدًا أو ميراثًا ورث بحساب ما عتق منه»، وأقيم عليه الحد بحساب ما عتق منه ودليلنا ما ذكرنا من الخبر الصحيح المكاتب عبد ما بقي عليه درهم وما ذكروه، قال أصحابنا: الحديث لا يصح مرفوعًا، وإنما روي مرسلا أو موقوفًا على علي رضي الله عنه ولأنه جعل ديته بقدر ما عتق منه، ولم يقل إنه يعتق بقدر ما أدى ولا حجة لهم فيه أو نحمله على أحد الروايتين إذا أعتقه بعد موت السيد.
وقد روى يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لا يقاوم على المكاتب إلا حد العبد، وأيضًا فهذا لا يخلو، إما أن يجري مجرى المعاوضات فلا يجب على البائع تسليم شيء من المثمن إلا بعد تسليم تمام الثمن أو يجري مجرى العتق المعلق بالصفات فلا يعتق حتى توجد جميع الصفة، فإن قيل: أليس قلتم لو أن أحد الابنين أبرأه عن نصيبه عتق نصيبه.
وكان يجب أن يعتق على مولاه بقدر ما نقص [65/ ب] ثلثا الابن أبرأه عن جميع حقه فعتق عليه والسيد لم يسقط جميع حقه فوازان الابن أن يستوفي السيد جميع حقه فيعتق عليه.
منسألة: قال: «وإن مات وله مال حاضر وولد مات عبدًا».
الفصل
هذه المسألة مبنية على أن عقد الكتابة جائز أم لازم فعندنا أنه لازم من جهة السيد
لا يفسخه ما لم يعجز المكاتب من الأداء وغير لازم من جهة العبد فله أن يعجز نفسه متى شاء.
وقال مالك وأبو حنيفة هو لازم من جهة العبد أيضا، فإذا كان له مال يفي بما عليه أجبر على أدائه وليس له الامتناع وإن لم يكن له مال قد ذكرنا أن عند أبي حنيفة لا يجبر على الاكتساب خلافًا لمالك وهذا لا يصح لأن ما لا يجبر العبد على فعله إذا لم يحصل شرطا لعتقه لم يجبر عليه، وإن جعل شرطا لعتقه، كدخول الدار إذا قال: إن دخلت الدار فأنت حر، فإذا تقرر هذا الكلام الآن في الموت هل تفسخ به الكتابة؟ ولا خلاف أنه لا يفسخ بموت السيد على ما ذكرنا، فإذا مات المكاتب فعندنا تنفسخ به الكتابة ويكون ما في يده لسيده، ومات رقيقًا وبه قال أحمد في رواية، وروى هذا عن عمر ورزيد رضي الله عنهما وعمر بن عبد العزيز والزهري وقتادة ولفظ ابن عمر: إذا مات المكاتب وقد أدى طائفة من كتابته وترك مالا كل ما ترك لسيده ليس لورثته من ماله شيء، وروي عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما أنهما قالا: إذا ترك المكاتب وفاء بما بقي عليه من الكتابة عتق، وإن ترك [65/ ب] زيادة كانت لولده الأحرار وبه قال عطاء وطاوس والنخعي والحسن وأبو حنيفة ومالك والثوري.
وقد قال أبو حنيفة: إن لم يخلف وفاء انفسخت الكتابة، ومات عبدًا وإن لم يخلف وفاء لم تنفسخ ويؤدي عنه ويحكم بأنه عتق في آخر جزء من أجزاء حياته، ويكون ماله لورثته المناسبين فإن لم يكن كان لمولاه.
وقال مالك: إن لم يخلف ولدًا أو خلف ولدًا حرًا أو مملوكًا ولد قبل عقد الكتابة لا تنفسخ بل يكلف الولد أن يؤدي المال الذي على أبيه، فيعتق ويتبعه الولد في الحرية، وإن لم يكن أجبر هذا الولد على الاكتساب والأداء، وقد ذكرنا عن مالك خلاف هذا على ما ذكره القفال، وهذا الذي ذكرناه أصح من مذهبه، ودليلنا ما روى عمر بن شعيب عن أبيه عن جده، أنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب يقول: «من كاتب عبد على مائة أوقية فبقي عليه عشر أواق أو عشرة دراهم فمات فهو رقيق»، ولأنه مات قبل أداء مال الكتابة فوجب أن تنفسخ الكتابة كما لم يخلف وفاء، وأيضًا فالعقد عقد العتق لأنه يقصد به العتق حقيقة، ومحل العتق قد فات فيستحيل بقاء عقد العقد مع فوت المحل.
فرع
قال في «الأم»: لو قال سيده بعد موته قد وضعت الكتابة عنه أو وهبتها له أو أعتقه لم يكن حرًا، وكان المال ماله بحاله لأنه إنما وهب لميت مال نفسه.
فرع آخر
قال: وإذا مات المكاتب فعلى سيده كفنه ومؤنة قبره لأنه عبد، وكذلك لو كان أحضر المال ليدفعه [66/ ب] إلى سيده، فلم يقبضه سيده حتى مات، مات عبدًا.
فرع آخر
لو قتله سيده قبل أن يقبضه كان ظالمًا ومات عبدًا، وللسيد ماله ويعزر سيده في قتله.
فرع آخر
قال: ولو وكل المكاتب من يدفع إلى سيده آخر نجومه ومات المكاتب، فقال: ولد المكاتب الحر قد دفعها إليك الوكيل وأبي حي، وقال السيد: ما دفعتها إلا بعد موت أبيك، فالقول قول السيد لأنه ماله.
فرع آخر
لو أقاموا بينة على أنه دفعها إليه يوم الاثنين ومات أبوهم يوم الاثنين كان القول قول السيد حتى تقطع البينة على أنه دفعها إليه قبل موت المكاتب، أو توقت؟، فتقول دفعها إليه قبل طلوع الشمس يوم الاثنين ويقر السيد بأن العبد مات يوم الاثنين بعد طلوع الشمس من يوم الاثنين أو تقوم بينة بذلك، فيكون قد عتق.
فرع آخر
لو شهد وكيل المكاتب بأنه دفع لك إلى سيده قبل موت المكاتب لم تقبل شهادته وكذلك لو وكل السيد رجلا يقبض من المكاتب آخر نجومه، فشهد وكيل سيد المكاتب عليه وحلف ورثة المكاتب مع شهادته وكان أبوهم حر وورثه ورثته الأحرار، ومن يعتق بعتقه هكذا نص عليه، ومعناه أن وكيل السيد شهد أنه قبضه من المكاتب، فتقبل شهادته لأنه يشهد على موكله فكان متهم فيه، ويخالف وكيل المكاتب إذا شهد أن المكاتب دفعه إلى سيده لأنه يشهد لموكله فكان متهمًا فيه، وإنما حلف الوارث مع الشاهد الواحد على قبضه لأن ذلك شهادة على قبض مال.
فرع آخر
قال في «الأم» [67/ أ]: وكل ما اكتسبه المكاتب بعد الكتابة أو ملكه بوجه من الوجوه فذلك له وكل ما كان في يده قبل عقد الكتابة فهو لسيده، ولو اختلف العبد والسيد في مال في يد العبد بعد الكتابة، فقال العبد: أفدته بعد الكتابة، وقال السيد: قبلها، فالقول قول الع 9 بد مع يمينه وعلى السيد البينة، فإن أقام شاهدين أو شاهدًا وامرأتين أو شاهدًا، وحلف معه أنه كان في يده قبل عقد الكتابة، فهو ليسده وكذلك ما أقر العبد أنه كان في يده قبل الكتابة، ولو شهد الشهود على شيء كان في يد العبد، ولم يجد واحدًا يد له على أن ذلك كان في يده قبل الكتابة كان القول قول العبد حتى يجدوا وقتًا يعلم به أن المال كان في يد العبد قبل الكتابة، وكذلك لو كان في يده يوم الاثنين لغرة شهر كذا والكتابة كانت في ذلك اليوم.
كان القول قول العبد حتى تحد
البينة حدًا يعلم أن المال كان في يده قبل الكتابة.
ولو شهدوا أنه إن كان في يده في رجب فشهدوا على الكتابة في شعبان من سنة واحدة، فقال العبد: كاتبني بلا بينة قبل رجب أو في رجب قبل الوقت الذي شهدت عليه البينة فيه كان القول قول السيد.
فرع آخر
لو قال السيد في كتابته كلما أدى منها نجمًا عتق بقدره كانت كتابة فاسدة ويعتق بقسطه لوجود الصفة ويسري العتق إلى باقية وبماذا يرجع السيد على ماكتبه وجهان، أحدهما: بجميع القيمة لأن الكتابة أفضت إلى عتق جميعه ورجع بما أداه إليه، والبثاني: يرجع عليه بقيمة البعض الذي عتق منه بالصفة ولا يرجع عليه [67/ ب] بقيمة ما عتق بالسراية لاختصاص العتق في الكتابة بالصفات دون السراية.
فرع آخر
إذا مات وبقي عليه شيء يسير من آخر النجوم بقدر ما يجب عليه إيتاؤه إليه لم يعتق فإن قيل: أليس هذا القدر واجبًا عليه أن يؤتيه، فينبغي أن يعتق ويتقاصا، قيل: الإيتاء غير معلوم، فلا يسقط عليه شيء معلوم ولا يقع به المقاصة لأن على السيد أن يفعله وما عليه أن يفعله لا يقع بنفسه كما لو أوصى بأن يعتق عنه عبد لم يعتق إلا بإعتاق الورثة.
فرع آخر
إذا قال لعبده: إن كنت ملكي فقد كاتبتك على كذا فإن كان بشك في ملكه لم يجز وإن علمه ملكًا، فهذا القول تأكيد لم يضره.
فرع آخر
إذا قال: إن ملكت عبدًا فلله علي أن أكاتبه وكان بالغًا عاقلاً فملكه يلزمه عرض الكتابة عليه.
فرع آخر
لو قال لعبده: إن كنت مأمونًا قادرًا على الكسب فقد كاتبتك بطلت الكتابة للتعليق.
فرع آخر
لو قال: كاتبوا أحد عبيدي ولم يكن له إلا واحد كوتب.
مسألة: قال: «ولو جاء بنجم، فقال السيد: هو حرام».
الفصل
ينظر في هذا فإن كان مع السيد بينة بذلك لم يجبر على أخذه، بل يقال للمكاتب:
إن جئت بمال آخر وإلا عجزت لأنه إنما كاتبه على شيء يسلم له أو يمكنه التصرف فيه ولا يحمك بهذه البينة لمن أقام له البينة أنه مغصوب منه لأن ذلك لا يدعيه، وإن لم يكن معه بينة يحلف المكاتب، فإن لم يحلف ردت اليمين على السيد فيحلف [68/ أ] ويحكم بأنه مغصوب أو حرام، ولا يجبر على أخذه، وإذا حلف المكاتب يقال لسيده: هذا مال محكوم له به فإما أن تقبضه منه أوتبرئه، فإن أبرأه سقط اليمين عنه وعتق، وإن لم يفعل يقبضه الحاكم وعتق المكاتب، ولو أخذه هو عتق المكاتب ثم ينظر فإن قال السيد: هو حرام، ولم يعين صاحبه يقال له: أمسكه في يدك إلى أن يتبين صاحبه ويمنع من التصرف فيه، وإن قال: هو مغصوب من فلان يلزمه تسليمه إليه، قال: القفال وشهادة السيد أنه مغصوب لفلان لا يقبل بعدما عرض عليه وأن تقبل شهادته ابتداء على مكاتبة بأنه غصب من فلان كذا، فإن قيل: أليس قال الشافعي في كتاب «التفليس» لو اختلف البائع والمفلس، فقال البائع: اخترت عين مالي قبل الإبار والثمرة لي، فقال المفلس: بل بعد الإبار فالثمرة للغرماء فصدق بعض الغرماء البائع في دعواه كان القول قول المفلس ويأخذ الثمرة من لم يصدق البائع دون من صدق، فما الفرق بين الموضعين؟، قلنا: قال أبو إسحاق: إنما أراد الشافعي إذا اختار المفلس ذلك لأن له أن يعين قضاء الدين من أي المال شاء، فأما إذا أراد أن يعطي من كذبه أجبر عليه، وقيل: فيهما قولان، والصحيح الفرق وهو أن ههنا إذا لم يجبر السيد على أخذه كان له مطالبته بمال آخر ثم يمكنه أن يقول في كل مال نحمله إليه مثل ذلك حتى يؤدي إلى عجزه ورقه، فأجبرناه عليه وليس [68/ ب] كذلك الغرماء، فإنهم إذا لم يجبروا على أخذ ما صدقوا البائع عليه لم يكن لهم مطالبة أخرى بمال آخر فلا يؤدي إلى الإضرار بأخذ فافترقا.
فرع
قال في «الأم»: ولا يجبر السيد إلا على أحد ما كاتبه عليه فغن كاتبه على دنانير لم يجبر على أخذ الدراهم وكذلك إن كاتبه على دراهم لم يجبر على أخذ الدنانير بدلها وإن كاتب على سلعة لم يجبر على أخذ قيمتها.
فرع آخر
قال: وإن جاءه بأجود من ذهبه أو ورقه أو سلعته كان عليه أخذه، بعد أن يجمع ذلك صفة واحدة ويؤيده جودة ولو أعطاه مكان عجوة من التمر صبحًا نيئًا لم يكن عليه أخذه وإن كان خيرًا من العجوة، فإن كاتبه على دنانير حدد جياد من ضرب سنة كذا فأدى إليه من ضرب غير تلك السنة كان عليه أخذه وإن كان الذي كاتبه عليها ينفق في بلد ولا ينفق بالذي أعطاه بذلك البلد لم يجبر على أخذه وإن كان خيرًا.
فرع آخر
لو كان السيد غائبًا فجاء بالنجم إلى الحاكم يوم المحل يقبله منه ليعتق، ولا يقبل قبل المحل إلا أن يعرف أنه لا ضرر من السيد في أخذه نص عليه، ولو كان على حر دين لرجل غائب، فأتى به الحاكم، فهل يقبله على الغائب؟ فيه وجهان، أحدهما: يقبله، والثاني: لا يقبله لأنه ليس للمؤدى فيه غرض إلا سقوط الدين عنه، والنظر للغائب ترك المال في ذمة الملي وربما يتلف في يد الحاكم أمانة بلا ضمان، ويفارق مال الكتابة لأنه يتعلق به العتق بخلاف ذلك.
مسألة: قال: «وليس له أن يتزوج [69/ أ] إلا بإذن سيده».
اعلم أنه إذا تزوج المكاتب فإن كان من غير إذن سيده لا يجوز، فإن تزوج كان باطلاً كالعبد، وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أيما عبد نكح بغير إذن سيده فنكاحه باطل» والمكاتب عبد.
ولأن في يده إتلاف ما في يده بالمهر والنفقة، ولا يجوز للمكاتب وإن أذن له السيد جاز قولاً واحدًا لا يختلف أصحابنا فيه لأن المكاتب أحسن حالا من العبد ولو أنه أذن للعبد في النكاح جاز، فالمكاتب أولى ولأن المكاتب حاجة إلى النكاح ليحصن فرجه ويحصل له الاستمتاع الذي جبل عليه الآدمي فلو منعناه بإذنه أضررنا به وبهذا يخالف العتق والهبة لا يجوزان من المكاتب مع الأذن في أحد القولين لأنه لا حاجة بالمكاتب إليهما، وأيضًا، فالهبة والعتق استهلاك مال عاجل والنكاح قد يفضي إلى الاستهلاك وقد لا يفضي، ومن أصحابنا من قال في نكاحه بإذن السيد قولان كما في تبرعاته لأنه إخراج مال لا بإزاء مال ذكره القفال، وهذا غير صحيح لما ذكرنا من الفرق، وقال ابن أبي ليلى أن شرط السيد على مكاتبه أن لا يتزوج إلا بأمره وجب أن يستأمره وإن لم يشترط جاز أن يتزوج بغير أمره وهذا غلط لما ذكرنا.
فرع
قال في «الأم»: وإن تزوج بإذن سيده لزمته نفقة زوجته وإن كان له ولد صغير أو كبير زمن محتاج لم تلزمه نفقته وأولاده من المنكوحة حكمهم حكم أمهم، فإن كانت أمهم حرة فهم أحرار، [69/ ب] وإن كانت مملوكة فهم مماليك لسيد أمهم وإن كانت مكاتبة لغير سيده، فليس للأب سبيل عليهم وكانوا مرقوقين على حكم أمهم، أو أرقاء لسيدها على أحد القولين، وإن كانت مكاتبة لسيده كانت معه في الكتابة، أو لم يكن فسواء فالأولاد مرقوقون على حكم أمهم أو أرقاء على ما ذكرنا.
مسألة: قال: «ولا يشتري بحال».
للمكاتب أن يشتري الإماء للفائدة والربح، ولكن لا يجوز أن يطأ أمةً بغير إذن سيده
لأنه ربما يحبلها فتموت في الأداء فيكون فيه تغرير بالمال، وإن أذن له السيد في الوطئ، فإن قلنا: العبد إذا ملك يملك فملكه، وأذن له في الوطء يحل له الوطء وإن قلنا: لا يملك لا يحل له الوطء وهو الصحيح، وقال ابن أبي هريرة يحتمل أن يجوز له ذلك قولاً واحدًا لأن إذن السيد للمكاتب لا يكمل ملكه.
وقال القفال: هل يحل الوطء بالإذن؟ قولان كما في الهبة بإذن السيد، وإن قلنا: إنه يملك بالتمليك، وهذا لا يصح على ما ذكرنا في النكاح، وإذا قلنا: لا يحل الوطء على قوله الجديد فخالف ووطء لم يجب الحد للشبهة فإن ولجت منه، قال الشافعي: فإن كان لستة أشهر بعد العتق صارت أم ولد له قولا واحدً، قال أبو إسحاق بجواز أن تكون علقت منه بعد العتق، وإن ولدت لأقل من ستة أشهر من حين العتق، قال الشافعي: لا تصير أم ولد له لأنها علقت به في ملك ناقص هذا هو المشهور من قول الشافعي.
وقال أبو إسحاق: على القول الذي نقول إذا وطئها بشبهة فأحبلها [70/ أ] ثم ملكها تصير أم ولدٍ له، فكذلك ههنا تصير أم ولد ونص على هذا في كتاب العدة، ذكر القاضي أبو حامد، أغني هذا النص، وهذا الذي ذكره أبو إسحاق فيه نظر لأن في تلك، المسألة علقت بحر وههنا علقت بممولك والنص الذي حكاه أبو حامد غير مشهور، وقيل في المسألة وجهان، لأن هذا الولد حرمه الحرية وإن كان مملوكًا لأنه لا يجوز بيعه، وقال القفال إن ولدت لستة أشهر، وكان وطئها بعد العتق صارت أم ولد، وإن لم يكن وطئنا واستبرائها، ثم جاءت بولد لستة أشهر لا تصير أم ولد له ولا يلحقه الولد، وإن لم يستبرئها وجاءت من يوم العتق لستة أشهر، فهو كما لو كان لأقل من ستة أشهر لأن العلوق كان قبل عتقه، ومن أصحابنا من قال: تصير أم ولد له ههنا كما لو أقر بوطئها بعد العتق ولا يستند علوق الولد إلى حالة الرق.
قال: ومتى حكمنا بالعلوق قبل العتق هل تصير الجالية أم ولد؟ فيه قولان، أحدهما: تصير أم ولده فلا يبيعها، وإذا عتق استقر أمر الاستيلاد فيها وإن رق رق لأنها ملكه وثبت لولده منها حكم نفسه كالحر يستولد، والثاني: لا تصير أم ولده في الحال لتعلق حق السيد بها، فإذا قلنا: بهذا فلو عتق هل تصير أم ولده فيه قولان كمن استولد جارية غيره فولد حر ثم ملكها إذ لا تكون جارية المكاتب بأبعد من أن تصير أم ولده من جارية الأجنبي، والصحيح الطريقة الأولى، وأما الولد فثابت النسب ولا مهر عليه لأن [70/ ب] الوطء صادف ملكه وإن كان ناقصًا ولا يعتق عليه الولد، ولكنه يتكاتب عليه ومعنى التكاتب أنه لا يبيعه ولا يتصرف فيه بما يؤدي إلى إزالة الملك، وهكذا لو وهب له ولده ولا يثبت للولد من أحكام الكتابة شيء إلا هذا الحكم الواحد الذي ذكرنا.
مسألة: قال: «ويجبر السيد على أن يضع من كتابته شيئًا».
الإيتاء في الكتابة واجب عندنا وهو أن يحط السيد من مكاتبه شيئًا من مال الكتابة
أورد عليه منه، وقال أبو حنيفة ومالك والثوري هو مستحب غير واجب ودليلنا قوله تعالى: ﴿وآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: 33]، الآية.
فأمر بالإيتاء وظاهره الوجوب، وروي عن علي رضي الله عنه موقوفًا ومرفوعًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في هذه الآية «ينزل للمكاتب ويحط به ربع الكتابة»، وروينا عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كاتب عبدًا لخمسة وثلاثين ألفا ووضع عنه خمسة آلاف.
قال الشافعي أحسبه قال: من آخر نجومه، وروي عن ابن عباس أن عمر رضي الله عنهم كاتب عبدًا فجاءه بنجمه، فقال: اذهب فاستعن به في كتابتك، فقال: لو تركت حتى يكون آخر نجم، قال: إني أخاف أن لا أدرك ذلك ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: 33]، وروي عن ابن عمر أنه قال في هذه الآية، يقول الله تعالى: «ضعوا عنهم من مكاتبتهم»، وروي عن فضالة، قال: كاتبني عمر رضي الله عنه فاستقرض من حفصة مائتي درهم فأعانني بها، فذكرت ذلك لعكرمة، فقال: هو قوله تعالى: ﴿وآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ [71/ أ] الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: 33]، فإذا ثبت هذا، فالكلام في الإيتاء في ثلاثة فصول في وقته وجنسه وقدره، فأما وقته فله وقتان وقت جواز ووقت وجوب، فأما وقت الجواز فهو بعد عقد الكتابة إلى وقت الأداء، وبعد الأداء والعتق لأن القصد منه منفعة العبد، وهذا يحصل في جميع هذه الأوقات.
وأما وقت الوجوب فقد اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: وقته بعد العتق كوقت المتعة في النكاح بعد الطلاق.
والمذهب وهو اختيار أبي إسحاق وجماعة أن وقته قبل العتق لأن الله تعالى فرض للمكاتب سهمًا من الصدقات، وليس للسيد دفع صدقته إلى مكاتبه فوجب عليه بإزائه الإيتاء قبل العتق أيضا، ويفارق المتعة في الطلاق لأن الغرب بها أن لا يخلو العقد من عوض، وذلك يحصل بالإيجاب بعد الطلاق، والغرب بالإيتاء المعونة حتى يحصل له العتق ولا يحتاج إليها بعد العتق ومن أصحابنا من قال: تجب بالعقد ويتضيق وجوبه عند آخر نجومه، قال أبو إسحاق: وإنما يتعين عليه إذا بقي عليه من مال الكتابة قد ما يلزمه أن يدفعه إليه، وقيل: ذلك لا يتعين عليه ومنهم من قال: يجب إذا استأدى منه شيئا بعد العقد وجوبًا موسعًا ويتضيق عند آخر نجومه لأن الله تعالى قال: ﴿وآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: 33]، فلا بد من أن يحصل من جهة المكاتب إيتاء شيء حتى يتناوله الأمر بذلك.
وحكى القفال عن بعض أصحابنا [71/ ب] أنه قال: إذا حط أو أتاه مالا قبل آخر النجوم لا يجوز بل أن يحصل العتق بحطه أو يؤتيه بعد العتق ليحصل فيه كمال التمليك.
وأما جنسه فاليسد بالخيار بين أن يحط بعض ما عليه وبين أن يدفع إليه من عنده، فأما الدفع من عنده ثابت بنص الكتاب والحط ثابت بالنسبة بدليل ما ذكرنا من الأخبار والحط أولى من الإيتاء لأنه ربما يصرفه في مال الكتابة، وربما لا يصرفه وإذا حط تحقق نفعه به فكان الحط أولى، وقال الشافعي رضي الله عنه في «الأم»: ويجبر سيد العبد على أن يضع عنه مما عقد عليه الكتابة شيئا ومهما وضع منه لم يجبر على أكثر منه وهذا يدل على أن الحط هو الواجب، وقال بعض أصحابنا الأصل هو الإيتاء أم الحط فيه وجهان، أحدهما: الأصل هو إيتاء، ومعناه إذا أدى جميع النجوم يؤتيه السيد مالا يتعيش به أيامًا ليهيئ أمر نفسه والحط يقوم مقام الإيتاء، والثاني: الحط هو الأصل، والإيتاء يقوم مقامه لأنه لا معنى للأخذ منه والرد عليه، وهذا خلاف النص الذي ذكرنا، فإذا تقرر هذا فالحط لا يتصور إلا من مال الكتابة وفي الإيتاء مسائل، أحدها: أن يدفع إليه من نفس المال الذي أعطاه فيجوز ذلك، والثانية: أن يعطيه من غير الجنس الذي كاتبه عليه لا يجوز بلا خلاف لأن الله تعالى أمر أن يعطى من مال الله يعني مما كوتب عليه، وليس هذا منه نص على هذا في «الأم»، وقال: إلا أن يشاء العبد أن يأخذه، والثالثة: أن يعطيه من غير المال الذي أعطاه، إلا أنه من جنسه، فالمذهب أن ذلك لا يجوز [72/ أ].
ومن أصحابنا من قال: يجوز لأنه ليس بآكد من الزكاة لو عدل عن العين إلى جنسه جاز، فهذا أولى وهذا غلط لظاهر الآية، وهي قوله تعالى: ﴿وآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ {النور: 33]، وهذا غير ذلك هذا ذكره بعض أصحابنا، وقال القاضي الطبري: المشهور أنه يجوز ذلك.
ومن أصحابنا من غلط، فقال: لا يجوز لأنه الشافعي قال: ويعطيه مما أخذه.
والجواب عنه أن الشافعي أراد من جنسه لا من عينه، وهذا أصح عندي ومعنى قوله: لا يجوز، أي لا يجبر على قبوله فإن وصى المكاتب فلا شك في جوازه.
وأما قدر الإيتاء فليس بمحدود بل للسيد أن يدفع إليه ما شاء مما يقع عليه اسم المال وإن كان حبة نص عليه في «الأم».
وقال أبو إسحاق: يعتبر بمال الكاتهابة فيضع على حسب قلته وكثرته، فإن تراضى العبد والسيد على شيء منه، وإلا رفع إلى الحاكم حتى يجتهد فيه فيضع عنه ما يؤدي إليه اجتهاده كما نقول في المتعة على الموسع قدره على المقتر قدره، وهذا له وجه، ولكن خلاف نص الشافعي رضي الله عنه.
والمستحب أن يضع ربع الكتابة للخبر الذي ذكرنا، ومن أصحابنا من قال: الثلث وليس بشيء.
فرع
لو أدى جميع مال الكتابة وامتنع السيد من الإيتاء، فللمكاتب أن يطالبه به متى شاء
فإن مات قبل (أن) يعطيه أو يضع عنه، قال في «الأم»: يجبر ورثته على ذلك ولا يسقط الدين بموته، بل يتعلق ذلك بتركته كدين الحر سواء.
مسألة: قال في «الأم»: فإن كان ورثته [72/ ب] صغارًا وضع الحاكم عنه أول ما يقع عليه اسم الشيء وما زاد سيد المكاتب أو ورثته إذا كانت أمورهم جائزة فهم متطوعون به، وإن كان هناك وصى الورثة فعل الوصي ذلك، ويجبر الحاكم أن يعطيه أقل الأشياء، فإن كان على الميت دين أو وصية جعل للمكاتب أدنى الأشياء يحاصصهم فإن مات السيد فأعطى وارثه المكاتب أكثر مما يقع عليه اسم الشيء كان لمن بقي من الورثة رده، وكذلك لأهل الدين والوصية، وهكذا سيده إذا أفلس كان للغرماء رد الفضل، والشيء كل ماله ثمن وإن قل وكان أقل من درهم فإن كاتب على دنانير فأعطاه حبة ذهب أو أقل ما له ثمن جاز، وهذا كله نص على أنه غير مقدر.
مسألة: قال: «فإن مات السيد بعد قبض جميع الكتابة حاص بالذي له أهل الدين والوصايا».
قال المزني: يلزمه أن يقدمه على الوصايا على أصل قوله، وهذا كما قال: قال أصحابنا: معنى قول الشافعي أن الذي للمكاتب مقدم على الميراث ولم يرد به أنه يساوي الوصية ولو جاز أن يحمل على ذلك لوجب أن يكون الدين مساويًا للوصايا لأن الشافعي سوى ها هنا بين الجميع وقيل: أراد الشافعي بقوله: حاص أهل الوصايا أي ساواهم في وجوب حقه لا في التقديم والتأخير، وقال القاضي الطبري هذا اللفظ نقله المزني على المعنى وليس هو من كلام الشافعي، وإنما قال الشافعي في «الأم»، فإن كان على الميت دين أو وصية يجعل للمكاتب أدنى الأشياء يخاصمهم به، [73/ أ] وإنما أراد به يحاص أهل الدين فنقل المزني هذا الكلام على المعنى، وجعله صريحًا فيه ليعترض عليه، وقيل: غلط الكاتب وإنما هو حاص أهل الدين دون الوصايا وفي هذا نظر، وقال أبو إسحاق من أصحابنا من قال: إنما أجراه الشافعي مجرى الوصايا لأنه ليس بشيء محدود، فيضرب به مع الغرماء وإنما يمكنه أن يضرب به مع الغرماء إذا كان له حد معلوم.
قال أبو إسحاق: والأول أشبه بمذهبه ومن أصحابنا من علل لهذا الوجه بأن هذا الدين ضعيف لأنه غير مقدر، فسوي بينه وبين الوصايا لضعفه، وهذا ليس بشيء لأنه لو كان كذلك لما جاز أن يسوي بينه وبين الديون الواجبة، ومن أصحابنا من قال: أراد بأهل الوصايا أهل الديون الذين تثبت ديونهم بالإقرار في حال المرض.
ومن أصحابنا من قال: أراد إذا كان السيد أوصى عند موته بأن يدفع إلى مكاتبة أكثر من القدر الذي يستحقه فيكون، القدر الذي يستحقه من الإيتاء دينارًا واجبًا يحاص به أهل الديون وما زاد على ذلك يحاص به أهل الوصايا.
أو أراد أن القاضي فرض له شيئًا باجتهاده ورضي به الوارث، فهو زيادة على ما
يلزمه ورضي به أهل الوصايا دون أهل الديون فبالأقل يحاص أهل الديون وبالزيادة يحاص أهل الوصايا وهذا ضعيف، وقيل: أراد ديونًا موصى بقضائها فيحاصها وسائر الديون بالقدر الذي قدر الحاكم له.
قال القفال: وهذا كله إذا كان قد استهلك السيد ما قبض، [73/ ب] فإن كان العين باقيًا أو بعضه باقيًا، فما قدره الحاكم يؤخذ من تلك العين من غير مزاحمة.
مسألة: قال: «وليس لولي أن يكاتب عبده».
كل من يلي مال الطفل أو المجنون من أب أو جد أو وصي أو حاكم أو قيم من جهة الحاكم لا يكاتب عبده، وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد: يجوز، وزاد أحمد، فقال: يجوز عتقه على المال أيضًا، وهذا لا يصح لما قال الشافعي: إنه لا نظر له فيه، وأراد أن الكتابة عتق العبد بكسبه وكسبه ليسده لو لم يكاتبه فلا يكون لليتيم فيه حظ ولا نظر، فإن قيل قد يكاتبه على أكثر من ثمنه أضعافًا ويدفع إليه من صدقات المسلمين ولو تركه وكسبه لم يره إلا شيء يسير، قلنا: قد يكسب ويتلف ثم يعود إلى الرق فلا يحصل في يد السيد إلا رقبته بعد تلف كسبه مدة كتابته فإذا تقرر هذا فإن كاتب واحد منهم، فالكتابة فاسدة فإن أدى العبد المال لم يعتق لأن المعاوضة باطلة والعتق بالصفة إنما يقع، فمن يملك إيقاعه والولي لا يقدر على إعتاق عبد الطفل بصفة ثم المال الذي أدى منه حلال لسيده، وإن أعطى من سهم الرقاب رجع الوالي عليه فأخذه ممن صار إليه، لأنه ليس من الرقاب.
فرع
قال الشافعي رضي الله عنه: ولو كان العبد بين محجور عليه بائع أو صبي وبين رجل يلي نفسه لم تجز كتابته أذن فيها المحجور عليه ووليه أو لم يأذن فإن أدى عتق نصيب غير المحجور عليه وتراجع هو والعبد [74/ أي بنصف قيمة العبد وعتق كله عليه إن كان موسرًا وضمن المحجور عليه نصف قيمته مملوكًا، ولا يرجع على المحجور عليه بشيء أخذه منه لأنه أخذه من عبده، وأراد به ما أخذه في حال كتابته.
فرع آخر
قال في «الأم»: لو كاتب الصبي عبده لم تجز كتابته سواء أذن أبوه في ذلك القاضي أو نائبه وكذلك لو أعتقه على مال يأخذه منه لأن الصبي ممن لا يجوز عتقه وعند أبي حنيفة تجوز كتابته بإذن السيد.
فرع آخر
قال: ولو كاتب محجور عليه عبده لم يجز ولو أدى إليه لم يعتق سواء أدى إليه قبل أن يطلق الحجر عنه أو بعدما أطلق.
وهكذا لو قال له إن دخلت الدار فأنت حر، ثم
أطلق عنه الحجر، ثم دخل الدار لم يعتق يحدد يمينًا أو عتقًا بعد إطلاق الحجر.
فرع آخر
قال: لو ادعى عبد على سيده أنه كاتبه، فقال: كاتبتك، وأن محجور، وقال العبد: كاتبتني وأنت غير محجور عليك، ثم حجر عليك، فالقول قول العبد، وعلى السيد البينة.
قال القاضي أبو حامد وإن كان السيد في حجر أطلق عنه، أو كان به جنون، فالقول قوله مع يمينه، وما ادعى من الكتابة باطل.
فرع آخر
قال في «الأم»: ولو كاتب السيد عبده، وهو غير محجور عليه ثم حجر على السيد كانت الكتابة ثابتة ويستأدي وليه الكتابة، فإذا أدى العبد فهو حر، ولو دفع إلى المحجور عليه لا يعتق لأنه قبضه لا يصح ذكره أصحابنا وإن أطلق عنه الحجر بعد ذلك لا يعتق أيضًا.
وقال بعض أصحابنا بخراسان [74/ ب] إذا دفع إليه وقلنا: لا يعتق ثم أطلق الحجر عنه من بعد هل يعتق بالإيتاء السابق قد قيل: قولان، وقيل: قولا واحدًا لا يعتق لأن الحجر عليه لا لغيره.
مسألة: قال: ولو اختلف السيد والمكاتب تحالفا وترادا.
هكذا نقل المزني وقال في «الأم» إذا تصادق السيد والعبد على أن كاتبه كتابة صحيحة واختلفا في الكتابة، فقال السيد: كاتبتك على ألفين، وقال العبد: على ألف تحالفا كما يتحالف المتبايعان ويترادان فمن أصحابنا من قال: لفظ التراد غلط من الكاتب في هذه المسألة لأن العتق لا يرد إذا وقع وهذا يتبين من كلام الشافعي في «الأم» لأنه ذكر التراد فيما شبه الكتابة به من اختلاف المتبايعين لا في الكتابة ومن أصحابنا من قال: المراد به فسخ الكتابة وهو صحيح وجملته أنه إذا اختلفا في مقدار الكتابة أو في مقدار النجوم، أو في مقدار الأجل، أو في جنس مال الكتابة فإنهما يتحالفان، وبه قال أبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: القول قول المكاتب وعن أحمد ثلاث روايات: إحداها كقولنا، والثانية: كقول أبي حنيفة، والثالثة: القول قول السيد، ودليلنا أنهما اختلفا في عوض العقد القائم بينهما، وليس مع أحدهما بينة فيتحالفان كما في المتبايعين إذا اختلفا في الثمن.
فإن قيل: القياس أن لا تحالف، ولكن أثبتناه في البيع للخبر، قيل: القياس هو التحالف لأن كل واحد منهما مدعي ومدعى عليه ولأن في الإجارة يثبت التحالف، [75/ أ] ولم يرد فيها الخبر، فلم يصح ما قاله، فإذا تقرر هذا وتحالفا انفسخ عقد الكتابة فإن كان قبل العتق عاد العبد رقيقا كما كان وهذا إذا قلنا: ينفسخ البيع
بالتحالف من غير حكم الحاكم فأما إذا قلنا: في التحالف لا ينفسخ البيع ما لم يفسخ الحاكم بعد التحالف لا يعود العبد رقيقًا ههنا بنفس التحالف بل إذا تراضيا على شيء بعد التحالف أقرا عليه وعتق العبد بأدائه، وإن لم يتراضيا فسخها الحاكم ثم يعود العبد رقيقًا، وإن كان بعد الأداء ووقوع العتق لم يرد العتق ولكنهما يتراجعان بالقيمة لأن العقد ينفسخ ويسقط المسمى فيكون بمنزلة الأداء في الكتابة الفاسدة فيثبت التراجع، فإن قيل: كيف يتصور اختلافهما بعد عتقه، قيل: ذكر الشافعي في الإملاء وحرملة صورة ذلك، فقال: قال الشافعي: لو أن رجلا جاء إلى الحاكم ومعه عبد له، فقال: كاتبت عبدي هذا كتابة صحيحة على ألفي درهم وقبضها منه فعتق، وقال العبد: صدق في كل ما قال إلا في الألفين فإنه ما كاتبني إلا على ألف درهم وأعطيته ألفين على أن يكون لي عنده ألف، وليس لواحد منهما بينة تحالفا كما يتحالف المتبايعان الحران، وكان للسيد على العبد من الألفين قدر قيمته، فإن كانت قيمته أكثر من ألفين رجع السيد بالفضل عليه فإن أقاما جميعًا البينة، فقال بينة العبد كاتبه في شهر رمضان من سنة كذا على ألف، وقال: بينة السيد كاتبه في شوال من تلك السنة على ألفين، [75/ ب] واتفقا على أن الكتابة كانت واحدة، قال الشافعي: كان هذا كذابا من كل واحدة من البينتين للأخرى ويتحالفا وهو مملوك بحاله وإن لم يتفقا على أن الكتابة كانت واحدة.
قال الشافعي: البينة المتأخرة أولى لأنهما قد يكونان صادقين فتكون كتابته في شهر رمضان ثم انقضت الكتابة وأحدث له كتابة أخرى، قال الشافعي: إلا أن تكون البينة الأولى أنه أدى وعتق، فتكون البينتان متعارضتين لأنه لا يمكن أن يكون مكاتبًا بعد العتق.
فرع
قال في «الأم»: ولو شهدت بينة المكاتب أنه كاتبه على ألف وأداها السيد ألفا وشهدت بينة سيده أنه كاتبه على ألفين فأدى ألفا ولم يوقت البينتان لم يعتق المكاتب وتخالفا وتراد الكتابة من قبل أن كل واحدة من البينتين تكذب الأخرى فليست إحداهما بأولى أن تقبل من الأخرى، فجعل الشافعي البينتين المطلقتين في التعارض مثل البينتين المؤرختين.
وقول الشافعي: تحالفا وترادا دليل على صحة لفظ التراد في المسألة الأولى، وإن المراد به فسخ العقد.
فرع آخر
قال في «الأم»: ولو شهدا معًا بهذه الشهادة واجتمعا على أن السيد عجله العتق، وقالت: بينة السيد جعل الألف دينًا عليه وأخر ذلك أنفذت له العتق لاجتماعهما عليه،
وأحلفت كل واحد منهما لصاحبه ثم جعلت على المكاتب قيمته ليسده كانتأكثر من ألفين أو أقل من ألف.
ولو تصادقا على أن الكتابة بألف في كل سنة منها كذا فمرت سنون، فقال السيد: لم يؤد إلى شيئًا، وقال العبد: [76/ أ] أديت إليه جميع النجوم كان القول قول السيد مع يمينه، وعلى المكاتب البينة فإن لم يقم بينه وحلف السيد، قيل للمكاتب: إن أديت جميع ما مضى من نجومك الآن وإلا فلسيدك تعجيزك.
فرع آخر
قال: ولو قال السيد: قد عجزته وفسخت كتابته وأنكر المكاتب أن يكون فسخ كتابته كان القول قول المكاتب مع يمينه، ولا يصدق السيد على تعجيزه إلا ببينة تقوم على حلول نجم أو نحوم على المكاتب، فيقول: ليس عندي أداء ويشهد السيد أنه فسح كتابته، فيكون كتابة مفسوخة سواء كان هذا عند حاكم أو غير حاكم.
فرع آخر
قال: ولو ادعى على سيده أنه كاتبه وأقام بينة بكتابته ولم تقل البينة إلى وقت كذا لم تجز الشهادة وكذلك لو قال: كاتبه على مائة دينار، ولم يثبت في كم يؤديها وكذلك لو قال: مائة دينار منجمة في ثلاث سنين، ولم تقل في كل سنة ثلثها، أو أقل أو أكثر لا تجوز الشهادة حتى يؤقتا المال، والسنين وما يؤدى في كل سنة، فإذا انقضت البينة من هذا شيئا سقطت وحلف السيد وكان مملوكًا وإن نكل حلف العبد وكان مكاتبًا على ما حلف عليه.
فرع آخر
قال: ولو أقام بينة على أنه كاتبه وأدى إليه فعتق، أو أقام بينة على أن سيده أقر أنه كاتبه على أنه إذا أدى فهو حر، وأنه أدى إليه وجحد السيد وادعى أن الكتابة كانت فاسدة أعتقته عليه وأحلفت العبد على صحة الكتابة، فإن حلف برئ وإلا حلف السيد وترادا القيمة.
مسألة: قال: «ولو مات العبد المكاتب وكان له ولد من امرأة معتقة».
الفضل
صورة المسألة [76/ ب] أن يكاتب عبدًا فتزوج بحرة معتقة فأتت بولد يكون الولد حرا وولاءه إلى الأم لأنه عتق بعتقها، فإن أدى الأب مال الكتابة عتق وجر ولاء ولده عن موالي الأم إلى موالي نفسه.
ولو قال السيد في حال حياة المكاتب قد أدى إلى كتابته عتق بقوله وانجر الولاء إليه، وإن لم يكن صادقًا لأنه يجعل هذا الكلام نمه ابتداءً إعتاق وإبراء.