بحر المذهب للرويانيصفحات 306-330

كتاب مختصر الرهن من كتابين جديد وقديم

صفحات 306-330

الوديعة في أحد الوجهين, وأما ولدت قبل موت الموصي لا يدخل في الوصية, وإن ولدت بعد موت الموصي وقبول الوصية فهو للموصي له, وإن ولدت قبل قبوله فهو مبني على القولين فإن قلنا: يملك بالقبول فهو للوراثة, وإن قلنا: مراعى فإن قيل كان له وإن رد كان للورثة, وأما ولد الوديعة فالصحيح أنه لا يكون وديعة لأنه لم يوجد منه قبول في استحفاظه, وقد حصل في يده, من غير اختيار صاحبه فهو في معنى الثوب تلقيه الريح في داره لا يجوز له إمساكه مع القدرة على رده؛ فإن أمكنه رده فأمسكه مع القدرة على رده فعليه ضمانه, وفيه وجه آخر يكون وديعة كالأصل, وأما ولد الأضحية يدخل في حكمها قولاً واحدًا, وأما ولد المكاتبة فيه قولان: أحدهما: [ق 269 أ] مملوك للسيد يتصرف فيه.
والثاني: موقوف يعتق بعتقها, ولا نقول على هذا القول إنه داخل في عقد الكتابة ويكون مكاتبًا كالأم, بل يكون موقوفًا مع الأم لا يجوز للسيد التصرف فيه, فإن أردت مال الكتابة عتقت وعتق الولد تبعًا, وإن عجزت وفسخت الكتابة عادت رقيقة كما كانت والولد يصير رقيقًا له يتصرف فيه كيف يشاء, وفي ولد المدبرة قولان, وفي ولد المعتقة بصفة قولان: أحدهما: هو لسيدها.
والثاني: يتبع الأم في الصفة وفي واد أم الولد لا خلاف أنه يتبعها في حرمة الولادة يعتق بموت الأم.
مسألة: قال: "وكذلك سكنى الدار وزرع الأرض".
الفصل: قد ذكرنا أنه لا يجوز للراهن الانتفاع بالمرهون ومنافعه له, والآن نتكلم على التفصيل, فإذا رهن دارًا فسكناها الراهن, فإن أراد أن يكريها كان له ذلك ولا يجوز أن يزيد مدة الإجارة على محل الحق سواء قلنا بيع المؤاجر لا يجوز أو قلنا يجوز؛ لأنا وإن جوزنا فالإجارة تنقص الثمن فيكون ضررًا على المرتهن, ولو كان الرهن إلى سنة فأجر أكثر من سنة فيه قولان بناء على جواز بيع المؤاجر.
فإذا قلنا: لا يجوز فهي باطلة فيما زاد على السنة وفي السنة قولان بناء على تفريق الصفقة, وإذا قلنا: يجوز صحت الإجارة [ق 269 ب] ثم ينظر, فإن لم يكن يوكس في ثمن الرهن فهي لازمة في جميع مدتها وليس للمرتهن الاعتراض فيها, وإن كانت توكس بطلت فيما زاد على السنة, وهل يعطل في السنة؟ قولان لأن ما فعله الراهن مما يوكس في ثمن المرهون مردود كتزويج الأمة سواء رضي بذلك المرتهن فيما بعد أم لا, وإن أراد

إعادتها فله ذلك قولاً واحدًا, وإن أراد أن يسكنها بنفسه أو كان عبدًا فأراد أن يستخدمه بنفسه, قد ذكرنا فيه طريقين, ومن أصحابنا من قال: ليس للراهن استخدام العبد بنفسه إذا لم يكن ثقة قولاً واحدًا بخلاف سكنى الدار على أحد القولين لأنه يقدر على إخفاء العبد دون الدار, وإذا جوزنا ذلك فالحكم في الدار والعبد سواء في فصل واحد وهو أن العبد يكون عند من يستخدمه نهارًا ويأوي بالليل إلى من يمسكه رهن, والبهيمة كالعبد سواء بعد أن يركبها أو يكريها بحيث لا يزول سلطان المرتهن عنها في جوف البلد ونحوه, ولا يجوز له إخراجها من البلد إلا بإذن المرتهن, وأما رهن الأمة فكالعبد سواء إلا في فصلين: أحدهما: لا يكون إلا عند امرأة ثقة جاز تركها في يده باتفاقهما, فإذا كانت عنده امرأة ثقة يمنعه ذلك من الخلوة بها, فإن لم يكن عنده امرأة ثقة أو لم يكن عند العدل [ق 270 أ] ذلك لا يجوز وضعها على يده لأنه يحصل بها الخلوة, وإذا اتفقا على ذلك لا يجوز أيضًا, ولا فرق بين أن تكون جميلة أو لا, ولو رهن جارية ولم يشرط في عقد الرهن من تكون عنده الجارية.
قال بعض أصحابنا: يجوز وجهًا واحدًا وفيما عدا الجارية وجهان, والفرق أن ما عداها يجوز أن يكون عقد المرتهن ويجوز أن يكون عند غيره, والجارية لا يجوز إلا أن تكون ثقة من النساء أو عند من عنده امرأة فلا يضر ترك الشرط وحمل مطلق العقد على وضعها في يد امرأة ثقة.
والثاني: أنه إذا أراد السيد أن يستخدمها نظر, فإن كانت لها صنعة أراد استعمالها في الصنعة في بيت المرأة الموضوعة على يدها جاز, وإن أراد أن يستخدمها في بيته, ثم ترد إلى المرأة الثقة التي وضعت على يدها نظر, فإن كانت بكرًا لم تدفع إليه؛ لأنا لا نأمل من أن يطأها فيذهب بكارتها فيكون ذلك نقصان في ثمنها, وإن كانت ثيبًا, فإن كانت ممن تحبل فكذلك لا يجوز له أن يخلو بها؛ لأنا لا نأمن أن يطأها فيحبلها فيؤدي إلى نقصان ثمنها وتلفها, وإن كانت ممن لا تحبل لصغرها أو كبرها, فإن قلنا: يجوز وطئها يجوز أن يخلو بها ويستخدمها, وإن قلنا: لا يجوز ذلك لا يجوز هذا مخافة الوطء ولا يجوز له تزويجها لأنه [ق 270 ب] ينقص من ثمنها خلافًا لأبي حنيفة, ويجوز له أن يكريها امرأة ثقة تخدمها, وكذلك لا يجوز له تزويج العبد المرهون؛ لأن فيه ضررًا, وإن كان ثوبًا لم يكن له لبسه لأنه يضر به ويترك في يد المرتهن ليلاً ونهارًا.
وكذلك ما ينتفع به مع بقاء عينه كالحنطة ونحوها تترك في يد المرتهن, وإن كان الرهن أرضًا بيضاء فمنافعها للراهن, فإن أراد البناء والغراس لم يكن له, وإن خالف وفعل فقد أساء, ولا يقلع حتى يعلم ما يكون عند محل الحق على ما بيناه, ولو قال: اقلعه وانقضه إذا حل الحق لا يمنع منه إلا أن تنقص قيمته بذلك فيمنع, قال الشافعي: ولو أراد الراهن أن

يحدث فيها عينًا أو يحفر بئرًا, فإن كانا يزيدان ولا ينقصان لا يمنع, وإن كانا ينقصان يمنع ولو أراد أن يزرعها نظر, فإن كان زرعًا يضر بالأرض منع منه, فإن زرع لم يقلع لجواز أن يقضي الحق, وإذا حل الحق والزرع باق في الأرض فالحكم فيه كالحكم إذا رهن أرضًا, ثم غرسها على ما ذكرنا, وإن أراد أن يزرعها لا يضر بها فله ذلك إذا كان مما يحصد قبل محل الحق, وإذا كان الزرع فيما يتأخر, قال الشافعي: "ليس له ذلك" قال الربيع: فيه قول آخر إن له ذلك لإمكان قلعه إذا حل الحق ولم يحصده, قال بعض أصحابنا: فيه قولان, فإن قلنا: [ق 271 أ] لا يجوز يمنع, وإن قلنا: يجوز بيعها دون الزرع لا يمنع, ثم إذا زرع, وحل الحق فإن قضاه الحق ترك زرعه, وإن لم يقضه بيعت الأرض, فإن كان بيعها مع بقاء الزرع فيها وفاء لم يقلع وبيعت من مون الزرع, وإن لم يكن وفاء أخذ بقلعه إلا أن يجد من يشتريها منه بحقه على أنه يقلع الزرع ثم يقر المشتري الزرع في أرضه إن شاء متطوعًا, وإن كان بهيمة فأراد جز صوفها, ينبغي أن يجز في وقت لا يضر بالماشية ويستبقي ما يكون حفظًا.
ولو رهنه نخلاً كان للراهن تأثيرها وتصريف جريتها وما يتساقط خارج من الرهن كالجريد والليف والعراجين؛ لأن كل هذا كالنماء الذي لا يتميز, وإن قيل: هذه الأشياء كانت حال العقد ولم تحدث بعد الرهن قيل: ما حدث منها قام مقامها وصار بمنزلة المنفعة خارجًا عن الأصول فكان للراهن, وإن كانت النخيل مزدحمة فأراد الراهن نقلها وتحويلها من ذلك المكان إلى مكان آخر من الأرض التي هي رهن معها لم يكن له سواء قبل التحويل أو لم يقبل.
ولو أراد تحويل البعض ليزول الازدحام وكان فيه نفع لما يبقى يجوز ذلك له, والفرق أن في تحويل البعض مصلحة متيقنة بخلاف تحويل الكل حتى لو تيقنا هناك أنه أحمد للعاقبة وثبتت [ق 271 ب] حقيقته له ذلك في غير أرض الرهن لا يجوز بحال, فإن ثبت الذي حوله فلا كلام وإن لم يثبت فهو جذع مرهون مع الأصل لو كان قائمًا كالجذوع أو الجمار والقلوب فهو رهن معها, وكلما كان قائمًا كالليف والكرانيف لم يكن رهنًا فكذلك إذا قطع لم يكن رهنًا, فكذلك إذا قطع لم يكن رهنًا, وكذلك التفت نخلة وقالوا: إن حولت إلى محل آخر من الأرض المرهونة انغرست للراهن ذلك, وإن قيل: لا تنغرس أو أراد نقلها إلى أرض غير مرهونة ليس له ذلك إلا برضي المرتهن.
مسألة: قال: "وعليه مؤنة رهونه".
إذا كان الرهن عبد أو أمة أو بهيمة فالنفقة من الطعام والشراب والعلب ونحوها على الراهن, قال صلى الله عليه وسلم: "له غنمه وعليه غرمه".

وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لبن الدر يحلب بنفقته إذا كان مرهونًا, والظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونًا, وعلى الذي يركب ويحلب النفقة".
وروى نحو قلنا عن الشعبي, وابن سيرين, فإن قيل: أليس قلتم في الأمة المزوجة نفقتها على زوجها وملكها ومنفعتها للسيد فناقضتم الاستماع للزوج, وإذا سلمنا إلى الزوج.... معه فعلى [ذلك فإن] الاستماع من منفعتها تبطل على سيدها فلهذا أوجب النفقة على زوجها, ولو مرض المرهون واحتاج إلى الدواء وجب على الراهن ذلك.
وقال أبو حنيفة: نفقة المطعم والمشرب على الراهن ونفقة المراعاة والحفظ على المرتهن, ونفقة الدواء [ق 272 أ] معتبرة بقيمة الرهن, فإن كانت بقدر الحق أو الحق أو أقل فهو للمرتهن, وإن كانت قيمة الرهن أكثر من الحق فهي على الراهن والمرتهن بالقسط, مثاله أن يكون الحق بقيمة نصف الرهن فالنفقة بينهما نصفان وهكذا قال في أجرة راد الآبق من الإباق, وهذا مبني على أصله أن يد المرتهن يد ضمان, وهذا غلط للخبر الذي ذكرنا, ولأنه من مؤنة الرهن فكان على الراهن كالنفقة.
فرع لو امتنع الراهن من علاجه لا يجبر عليه لأنه قد يبرأ بغير علاج, وإن احتاج إلى فصد أو حجامة فللراهن ذلك لأنها غير مخوفةٍ في العادة.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص لأبي كعب رضي الله عنه في الفصد.
وقيل: الفصد أخوف من الحجامة ولكن من العادة كلاهما غير مخوف, وقد قال صلى الله عليه وسلم: "قطع العروق مسقمة" والحجامة خير منه, فإن لم يكن حاجة يمنع من الفصد ولا يمنع من الحجامة لاستبقاء الصحة.
فرع آخر لو قال المرتهن: أنا أتولى المعالجة بعد امتناع الراهن عنها, فإن قال بشرط أن على الراهن ما أنفقه لم يكن له, وإنه قال: أتطوع به فإن كان فيه مصالحة ولا يخشى منه التلف لا يمنع منه.
فرع آخر لو مات فكفنه وتجهيزه على الراهن؛ لأن المؤن بعد الموت يجب على من تجب النفقة في حياته.
مسألة: قال: "والفرق بين الأمة تعتق أو تباع ولدها وبين [ق 272 ب] الرهن أنه

إذا أعتق أو باع زال ملكه, وحدث الولد في غير ملكه, وإذا رهن فلم يزل ملكه وحدث الولد في ملكه".
الفصل: قصد به الرد على أبو حنيفة حيث قال: ولد المرهون يدخل في العتق: ففرق الشافعي بينهما بما ذكر, وهو فرق صحيح وقاس على ولد المؤاجرة لا يتبعها في الضمان.
مسألة: قال: "وأكره رهن الأمة إلا أن توضع عبى يدي امرأة تقةٍ".
الفصل: رهن الإماء في الجملة لما يخشى عليها لما يخشى عليها إلا أن يوضع على يدي امرأة ثقة فيؤمن ما يخشى عليها, وهذا لقوله صلى الله عليه وسلم: لا يخلون رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهما" فإن خالف وشرط أن تكون عند المرتهن فالشرط باطل على ما ذكرنا, ولكن لا يبطل الرهن لأنه لا يعود إلى ضرر في حق أحد المتعاقدين.
مسألة: قال: "ولو كان الرهن ماشيةً فأراد الراهن أن ينزي عليها".
الفصل: إذا رهن ماشية فحولة, ثم أراد أن ينزيها على إناث ليست بمرهونة كان له؛ لأن ذلك نماء الفحولة, وإن كانت الماشية المرهونة إناثًا فأراد أن ينزي عليها فحولة..... وإن قلنا للحمل حكم ولا يباع حتى تضع نظر, فإن كان الوضع يتقدن على حلول الحق كان له ذلك, وإن كان يتأخر فليس له ذلك, لأنه يمنع المرتهن من بيعها, فإن خالف فأنزي عليها فحملت فإنها لا تباع حتى تضع, ثم تباع الأم مع الولد فيعطى المرتهن قيمة [ق 273 أ] الأم حائلاً كما قلنا في الأرض إذا رهنها بيضاء فعرس فيها نخيلاً.
وقال بعض أصحابنا: هذا على قول من قال من أصحابنا إن الحمل في البهائم زيادة من كل وجه, فإذا قلنا: الحمل نقص في البهائم لأنه يهزل اللحم يجب أن لا يكون للراهن أن ينزي عليها بحالٍ إلا بإذن المرتهن, وإن كان ظهور الحمل بعد محل الحق

يجوز أيضًا؛ لأنا لا ندري عند حلول الحق أنها حملت أن لا.
فرع إذا أراد الراهن أن يرعى ماشيته لم يكن للمرتهن منعه من ذلك إلا أنها تأوي بالليل إلى يد الموضوعة على يده, وأما المرتهن أو العدل ولو أراد أحدهما أن ينتجع نظر, فإن الموضع مخصبًا لا حاجة بها إلى الانتجاع لم يجز نقل الماشية إلا برضاهما, وإن كان الموضع مجدبًا فأيهما أراد أن ينتجع كان له؛ لأن في مقامهما فيه إضرارًا بها, فإن كان المستنجع الراهن كان المرتهن بالخيار بين أن يسلمها إليه ويرضى بأمانته وبين أن يسلمها إلى ثقة غير الراهن, وإن انتجعا إلى جهة واحدة ترك الرهن في يد المرتهن كما كان, وإن انتجعا إلى جهتين مختلفتين, قال الشافعي: يكون في الجهة التي يكون الراهن فيها؛ لأن منافعه له ويكون على يد عدلٍ إن لم يرض المرتهن أن يكون في يد الراهن.
فرع آخر لو رهن عبدًا ثم أراد أن يختنه, قال الشافعي: كان له وبيس للمرتهن [ق 273 ب] منعه؛ لأن ذلك سنة وزيادة وليس فيه نقص وكذلك الجارية.
وقال في "الأم": لو رهن عبدًا أو أمة صغيرين لم يمنع أن يعذرهما لأن ذلك سنة فيهما.
وأراد أنه ثابت بطريق السنة لا أنه غير واجب, ويحتمل أنه أراد سنه في هذا السن واجب على البالغ, وقال أصحابنا: هذا إذا كان يبرأ قبل محل الحق فيستكمل برؤه ويعود لونه, وإن كان لا يبرأ لا يجوز له أن يفعله بغير إذن المرتهن؛ لأن ذلك يغير اللون وينقص الثمن.
وكذلك إذا كان الحق حالاً ليس له, وإذا جوزنا له ذلك فإنما يجوز في هواء معتدل لا حر شديد ولا برد مفرط؛ لأنه مخوف في الحر والبرد.
فرع آخر لو أراد أن يقطع منه شيئًا مثل السلعة أو قطع الطرق للأكلة, فإن خشي من تركه التلف ويرجى من قطعة السلامة كان له قطعه ولم يكن للمرتهن منعه, وإن كان من تركه ومن قطعه التلف من يكن لواحد منهما قطعه, وإن اتفقا على قطعه جاز لهما, وإن كان لا يخشى من تركه ويخشى من قطعه ولكن الغالب السلامة فيه وجهان, وقال أبو إسحاق: ليس له ذلك, واختاره القاضي الطبري؛ لأنه الغالب فيه المنفعة والصلاح, فصار كالمتيقن صلاحه ومنفعته, وإن كان إذا قطعه يزيد في قيمته كالأصبع الزائدة التي إذا قطعها يزيد في قيمته ويخاف من قطعها التلف ولا يخاف من تركها الضرر لا يجوز لواحد منها قطعه [ق 274 أ] لأنه تعريض للتلف من غير حاجة, فإن كان الغالب السلامة فعلى ما ذكرنا من الخلاف.

فرع آخر لو كان الرهن دابة فاحتاج إلى توديج أو تبزيغ أو تعريب, قال الشافعي: للراهن فعله وليس للمرتهن منعه منه والتوديج للدابة مثل الفصد للآدمي والودجان: عرقان غليظان عريضان عن يمين نقرة النحر ويساره والوريدان بجنب الودجين لا يجري فيهما الدم.
وأما التبزيغ: فهو فتح الرهصة وهو الماء يجتمع في الحافز.
يقال: بزغ البيطار الرهصة وذلك من الشق, ولهذا يقال: بزغت الشمس إذا طلعت.
وأما التعريب: أن يشرط البيطار إشعار الدابة شرًا خفيفًا لا يضر بالعصب ثم يعالجها والأشاعر فوق الحافر, وهذا كله جائز للراهن لأن فيها مصلحة لملكه من غير ضرر.
فرع آخر لو جني على العبد المرهون, فأخذ الأرش حيوانًا له أن ينتفع به ويكون رهنًا, ولو أراد مصالحة الجاني من....... على عرص لم يكن له إلا برضي المرتهن.
فرع آخر لو كان الرهن ثمرة فاحتاجت إلى إصلاح وتسوية وسقي وجداد كان على الراهن كعلف الدابة, وأن تشميتها قال في "الأم": "عليه التشميس وقال في موضع آخر: ليس عليه ذلك وهما في حالين فالذي قال عليه ذلك إذا كان الحق مؤجلاً, والذي قال ليس عليه ذلك إذا كان الحق حالاً, ولو أراد أن يحمل على [ق 274 ب] الدابة المرهونة ما يكدهما أو يكري الدار المرهونة من القصارين والحدادين ليس له ذلك لأنه يضر بالمرتهن.

باب رهن الرجلين الشيء الواحد من الرجل

والرجل يرهن الشيء الواحد من رجلين مسألة: قال: " وإذا رهناه عبدًا بمائةٍ وقبض المرتهن فجائز".
إذا كان بين رجلين عبد فرهناه بمائة درهم عند رجل له عليهما جاز الرهن كما يجوز البيع, ويحتاج إلى قبض وتسليم كما نقول في رهن الواحد, وكذلك لو راهناه على التعاقب صح الرهن بعد الرهن.
ووافقنا أبو حنيفة في المسألة الأولى, وخالفنا في الثانية؛ لأنه يمنع رهن المتاع ويقول في المسألة الأولى: ليس برهن مشاع, وإذا رهنا هكذا يكون بمنزلة عقدين؛ لأن في أحد طرفيه عاقدين, فإذا وفاه أحدهما دينه أو بريء منه أنفك نصيبه من الرهن, ثم

ينظر, فإن كان مما ينقسم ويتساوى أجزاؤه كالحبوب وما يكال ويوزن يجبر شريكه على مقاسمته, وإن كان عبدًا أو مواشي لا يجاب إلى القسمة؛ لأنها أعيان مختلفة والقسمة فيها مناقلة الملك للمرتهن منعهما منه, وكذلك إذا كان حجرتان فأراد أن ينقسما على أن يتعين حق كل واحد منهما في حجرة منفردة فللمرتهن منعهما, فإن كان الرهن براحًا أجزاؤه متساوية في القيمة كان بمنزلة الحبوب, وإن كان دارًا فطالب أحدهما بالقسمة [ق 275 أ] أجبر الآخر عليها إذا لم يكن رهنًا, وإن كان رهنً فيها وجهان: أحدهما: لا يجبر لأن ثمن نصفهما مشاعًا أكثر من ثمن نصفها مقسومًا.
والثاني: يجبر ولا يعتبر رضي المرتهن؛ لأن هذا الضرر لا يتبين فيها, فإذا قيل: قيد الشافعي كلامه بقوله معًا فقال: "إذا رهناه معًا عبدًا بمائةً".
فما فائدة هذا التقييد إذا كان يصح الرهن سواء رهناه معًا أو أحدهما بعد الآخر على التعاقب؟ قيل: إنما قيد هكذا ليوافق مسائل الباب ترجمة الباب؛ لأنه ترجم الباب برهن الرجلين الشيء الواحد من الرجل الواحد, وأيضًا فائدته التنبيه على موضع الإجماع لأنهما إذا رهناه معًا كانت مسألة إجماع, وإذا ترتب العقد إن كانت مسألة خلاف على ما ذكرنا.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان مما يقسم بالأجزاء فعلى قولين بناء على أن القسمة بيع أو إقرار حق, فإن قلنا بيع لا يجوز لأنه بيع المرهون بغير المرهون, فإن يبيع نصف هذا بنصف ذاك, وإن كان مما يقسم بالقيمة لا يجوز قولاً واحدًا [3/ 151] نص عليها لأنها بيع.
قال الشيخ أبو بكر الصيدلاني, ذكره القفال, والذي في حفظي عنه أنه متى ما لم يكون في القسمة رد شيء فهو على القولين, وإن احتاجت إلى رد شيء يكون بيعًا قولاً واحدًا, وقول الشافعي ههنا: كان الذي افتك نصفه أن يقاسم المرتهن بإذن شريكه على قولنا إنه إفراز حق [ق 275 ب] غير أن الشافعي شرط إذن الشريك.
وقال بعض أصحابنا: لا يشترط ذلك بل هو استحباب لا يجبر عليها عند الامتناع, والصحيح أنه لابد من الإذن غير أنه إن امتنع من الإذن يرفعه إلى الحاكم حتى يجبر شريكه على القسمة والأصح ما ذكرنا فيما تقدم.
مسألة: قال: " ولو رهنه من رجلين بمائةٍ وقبضاه فنصفه مرهون لكل واحدٍ منهما".
صورته: أن يكون لرجلين على رجلين ألف درهم لكل واحد منهما ألف فرهن عندهما شيئًا بألف فالرهن صحيح كالبيع وكان بمنزلة الصفقتين, فإن اتفقا على أن يكون

في يد عدل فقبضه العدل صح قبضه لهما, وإن وكلا رجلاً بقبضه لهما صح, وإن وكل أحدهما صاحبه بقبضه صح قبضه لهما, ثم إذا صار مقبوضًا فقضى دين أحد المرتهنين وأبرأه منه خرج نصفه من الرهن لم ذكرنا, وعند أبي حنيفة: يجوز هذا الرهن ولكنه موهون عند كل واحد منهما بتمامه, وإذا قضى دين أحدهما لا ينفك منه شيء, وهذا خطأ لأنه يقول: على كل واحد منهما ضمان نصفه, فإن الرهن عنده مضمون فلو كان كما قال لكان على كل واحد منهما ضمان كله.
مسألة: قال: "ولا يجوز أن يأذن رجل لرجلٍ في أن يرهن عبده إلا بشيءٍ معلومٍ".
الفصل: قد ذكرنا هذه المسألة وهذا جواب على أن يجري مجرى الضمان, ثم إن لم يكن المرتهن عالمًا بأن العبد [ق 276 أ] مستعار فله الخيار في فسخ البيع المشروط فيه هذا الرهن.
إذا قلنا إنه عارية واسترده ولا يبطل خياره بأن يأتي الراهن أو المعير بعبد آخر يجعله مكانه إلا أنه يقضي الدين في الحال فيبطل به الخيار, ولو حل الحق والراهن معسر فقال المرتهن: أنا أنظر ولا أطالب الراهن بحقي.
قال له: إما أن تقبض حقك, وإما أن ترضى بدين لا رهن به وترد الرهن علي, كالمضمون عنه إذا مات والدين مؤجل فقد حل عليه بموته ولم يحل على الضامن, فإن لم يطالب صاحب الدين بحقه من ورثة الميت يقول: إما أن تطلب حقك فتأخذه, وإما أن تبريني من الضمان إذ لا آمن أن يحل الحق علي فيطالبني به وقد تلفت التركة فلا يمكنني الرجوع بشيء, ذكره أصحابنا بخراسان, وقال الشيخ أبو محمد الجويني في المنهاج: ولو طالب المستعير الراهن السيد المستعير بانفكاك ذلك الرهن كان له مطالبته به, لأن ذلك من توابع إذنه, قال: وهذا معنى قول الشافعي ههنا ثم أراد أخذه بافتكاكه وكان الحق حالاً كان له ذلك" ويحتمل غير هذا المعنى واللفظ مشكل والأولى به ما ذكرت.
قال: وإذا طالب المعير بالانفكاك كان بالخيار بين أن يقضي ذلك الدين من مال نفسه وافتك عبده, ثم رجع بما قضى على المستعير, وبين أن يسلم العبد للبيع [ق 276 ب] حتى يرقى للغريم حقه من ثمنه, ولو امتنع الغريم عن قبض الحق من مال العين له ذلك لأنه ليس بغريم له, ومن يتبرع بقضاء دين على رجل لم يجب على ري الدين قبوله ولا يقال له: إما أن تقبض أو تبرئ بخلاف المديون إذا أراد القضاء أجبر رب الدين على القبض أو الإبراء, وإذا امتنع من قبض الدين من سيد والراهن معسر بيع العبد, وإن كان حالاً لهذا السيد العبد الذي له الامتناع من ماله؛ لأن حق الرهن متعلق برقبته, والرقبة محل الضمان, وليست ذمة السيد محل

الضمان, هذا معنى قوله: "وإن لم يرد ذلك الغريم أسلم عبده".
أي لم يرد الغريم قبض الدين من المعير أسلم المعير عبده المرهون ليباع في الدين, وهذا في الإشكال كالأول.
ويحتمل أن يقال: معنى قوله: " وإن لم يرد ذلك الغريم أسلم عبده المرهون".
أي علم المرتهن في الانتماء أن ذلك العبد المرهون لم يكن ملك الراهن, وإنما كان مستعارًا ولم تطب نفسه بقبض حقه من ثمن ذلك الرهن أسلم العبد المرهون, أي فكه وطلب حقه من الرهن المستعير, والذي يؤيد الاحتمال أن الشافعي قال: وتبع في ماله حتى يوفي الغريم حقه, وإن لم يرد ذلك الغريم أسلم عبده المرهون".
فظاهر هذا الكلام أن الغريم إن لم يرد بيع ذلك العبد بشبهه وكراهة في ثمنه رده على [ق 277 أ] سيده وطلب حقه من محله, ويحتمل أن يكون معنى قوله: ثم أراد أخذه بافتكاكه وكان الحق حالاً كان ذلك له".
أي أراد مرتهن العبد أخذ الراهن بالافتكاك وقضى الدين كان ذلك له إذا كان الدين حالاً, وإن لم يقبضه بيع في ماله أي بيع في دينه حتى يوفي الغريم حقه, ثم قال: "وإن لم يرد ذلك الغريم أسلم عبده المرهون".
إذا حل الحق ورضي مرتهن العبد بترك المطالبة وتأخير حقه فليرد العبد على سيده على ما ذكرنا من قبل, وهذا أولى عند جماعة أصحابنا بالعراق.
مسألة: قال: "ولو رهن عبده من رجلين وأقر لكل واحدٍ منهما بقبضه".
إذا رهن عبده عند رجلين وأقر لكل واحد منهما بالرهن والقبض, فادعى كل واحد منهما أن رهنه وقبضه كان قبل صاحبه لا يخلو من أربعة أحوال: إما أن يكون في يد الراهن, أو في يد العدل, أو في يد المرتهن, أو في يدهم فإن كان في يد الراهن فأقر به لأحدهما دفع الرهن إليه, فإن طلب الآخر يمينه هل يحلف أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: لا يحلف لأن اليمين تعرض على الإنسان ليرتدع فيرجع عما قوله إلى الحق, وإن رجع ههنا عن أقواله لم يقبل منه فلم يكن لعرض اليمين عليه فائدة وهو الصحيح.
والثاني: يحلف لأنه ربما ينكل عن اليمين [ق 277 ب] فترد اليمين عليه فيصير

مساويًا لصاحبه, فإذا قلنا: يحلف فحلف فالمقر له أولى بالرهن, وإن نكل عن اليمين رددنا اليمين عليه, فإن نكل فالحكم على ما بيناه, وإن حلف فيه ثلاث أوجه: أحدهما: الرهن ينفسخ لأنهما قد تساويا فحصل أحدهما اليمين بالنكول والرد وللآخر الإقرار, ولا نعلم أيهما الأول فانفسخ الرهن إذ لا يمكن أن يجعل كله مرهونًا عند كل واحد منهما.
والثاني: يكون بينهما نصفين لتساويهما فيه.
والثالث: يكون المقر له أولى بالرهن, ويجب على الراهن الآخر قيمة الرهن تكون رهنًا عنده بحقه قصاصًا منه؛ لأن رد اليمين بعد النكول بمنزلة الإقرار, كما لو أقر للثاني ههنا بعدما أقر للأول, وكما لو رهنه ثم أقر أنه كان قد جني على رجل ادعاها المجني عليه لم يقبل قوله وألزماه قيمته له في أحد القولين, وكذلك في مسألة الغصب إذا قال: غصبت هذه الدار من فلان لا بل من فلان, وفيه قول مخرجٍ أنه لا يغرم للثاني شيئًا, وكذلك لو أقر لواحد, ثم أقر للثاني لا يقبل ولا يغرم الثاني شيئًا وهو الصحيح, لأنه أقر للثاني بما لزمه ويجوز أن يخفي عليه في الأول ولم يتلف مالاً فلا يلزمه الغرم, وإن كان الرهن في يد العدل فهو بمنزلة ما لو كان في يد الراهن لا فرق بينهما [ق 278 أ] وإن كان الرهن في يد أحد المرتهنين فإن أقر به للذي هو في يده فإنه أولى به لأنه قد اجتمع إليه وإقرار الراهن وهل يحلف الراهن للآخر قولان على ما ذكرنا, وإن أقر للذي في يده فيه قولان: أحدهما: إقرار الراهن أولى من اليد فينزع من يد من هو في يده ويسلم إلى الآخر؛ لأن اليد في الرهن لا تفيد شيئًا, فإن يد المرتهن يد الراهن فلا تقوى بيده دعواه, ولأن تحت قوله: إن الآخر هو الذي رهنته وأقبضته, أو لأن الذي في يد الراهن غاصب للرهن, وأن قبضه ليس بصحيح, ولو اختلفا فقال الراهن: غصبتنيه, وقال المرتهن: بل قبضه منك كان القول قول الراهن, وإن لم يكن لهذه حكم فدل على ما قلناه.
والثاني: أن صاحب اليد أولى, كما إذا باع رجلين وسلمه إلى كل واحد منهما والمبيع في يد أحدهما فأقر به لمن ليس في يده, فإن صاحب اليد أولى من المقر له والأول أصح.
قال المزني: أولاً أصح القولين أن المصدق أولى من صاحب اليد لأنه حق من الحقوق اجتمع فيه إقرار المرتهن ورب الرهن.
وأراد دعوى المرتهن وإقرار الراهن فاستجاز تسمية الدعوى إقرارًا وليس بالعبارة المستحسنة, ثم اختار الثاني وهو أن الرهن عند [ق 278 ب] من هو في يده؛ لأن الراهن قد أقر له بالقبض كما لو أقر لصاحبه وله فضل يد على صاحبه فلا يقبل عليه دعوى الراهن من بعد, ثم قال: إلا أن يقر الذي في يديه أن كل واحدٍ منهما قد قبضه فيعلم بذلك أن قبض صاحبه قبله".

ومعناه: أن الذي في يده الرهن من هذين الخصمين المتداعمين إن أقر بأن كل واحد منهما قد قبضه أبطل بهذا الإقرار دعواه ولزمه دفع الرهن إلى صاحبه ليكون رهنًا عنده, وذلك أن الرهن إذا كان الآن في يده وهو مقر أن صاحبه قد قبض استقينا أن قبض صاحبه قبل قبضه والمتقدم من القبضين هو الصحيح والمتأخر منهما غصب, قال أصحابنا: الذي رجع عنه المزني أصح لما بينا أن يد المرتهن لا تفيد شيئًا, وإن كان الرهن في أيديهم جميعًا, فإن نصف الرهن يكون للمقر له أولى به, لأنه قد اجتمع له في يده وإقرار الراهن, وهل حلف الراهن للآخر؟ قولان على ما ذكرنا.
والصحيح أنه لا يحلف على ما ذكرنا, وفي النصف الآخر الذي صاحبه قد حصل له إقراره وحصل لصاحبه به فهل يكون الإقرار أولى أم اليد؟ قولان على ما بيناه فيكون الحكم في هذا القسم مرتبًا على ما ذكرنا قبله.
ومن أصحابنا من قال: نص الشافعي ههنا أن القول قول الراهن في جميع العبد [ق 279 أ] وقال ابن أبي هريرة في النصف الذي في يد المرتهن الآخر على قولين, وهذا لا يصح لأنهما استويا في اليد وفضل أحدهما بالإقرار فكان الحكم له وهذه الطريقة أصح.
وقال أبو حامد: وفي المسألة التي قبلها إذا قلنا يحلف فنكل وحلف الآخر وقلنا: النكول مع رد اليمين يجري مجرى البينة على المدعى عليه يقتضي هذا القول أن يؤخذ الرهن من يد الأول وينقل إلى يد الحالف لو قامت له البينة بما يدعيه, وأصحابنا لم يذكروا هذا وعندي لا يصح هذا التخريج؛ لأن هذا يجري مجرى البينة في أحد القولين في حق الدعاء عليه إذا لم يكن هناك حق ثالث وههنا حق ثالث وهو المرتهن الآخر, فإن قيل: قلتم في المسألة الأولى: أصح القولين أنه لا يحلف وقد أقر الراهن لكل واحد من المرتهنين بقبضه كله, وهذا الإقرار إثبات حق لكل واحد منهما بلا تعيين فكيف تتوجه عليه اليمين إذا أبطل ما أثبت؟ قلنا: هذا الإقرار مطلق وليس الرهن في يد كل واحد منهما يترجح أحدهما على صاحبه باليد, ولا يبعد أن يرهنه عند واحد منهما ويسلمه إليه, ثم يرجع إليه للاستخدام فيرهنه عند الثاني ظانًا أن هذا الرهن يرد على الرهن ويسلمه إليه ثم يعود إليه للاستخدام فيعتبر لكل واحد منهما بقبضه كله [ق 279 ب] فيكون صادقًا في إقراره على الظاهر صادقًا في تفسيره عند الاستفسار وحق الرهن والقبض للأول منهما دون الثاني إذ يستحيل أن يكون كل واحد منهما مرتهن كله بعقد صحيح فهذا في التفسير كالمؤتمن, ومعلوم أن المستودع إذا أضاف ملك الوديعة إلى مالك لم تتوجه عليه اليمين في تلك الإضافة كذلك ههنا, هذا كله إذا أقر الراهن لأحدهما فأما إذا قال: لا أعلم أنهما أول, فإن لم يدعيا علمه انفسخ الرهن, وإن ادعيا على حلف الراهن أنه لا يعلم أيهما أول قولاً واحدًا, لأنه لو رجع وبين.... قبل, فإن حلف انفسخ الرهن لأنهما عقدان أحدهما باطل لا بعينه فبطلا, كما لو زوج المرأة وليان ولم يعلم وعين السابق, ومن أصحابنا من قال: لا ينفسخ الرهن لأنه يمينه لم تكن لنفي الرهن بل كانت لنفي العلم فيكون الحكم كما لو نكل عن اليمين ينفسخ, وإن حلف أحدهما دون الآخر

يقضي الذي حلف, وإن حلفا معًا فيه وجهان: أحدهما: ينفسخ التعارض.
والثاني: يكون رهنًا بينهما نصفين لتساويهما ولا يجيء ههنا الوجه الثالث وهو إيجاب القيمة على الراهن؛ لأن الراهن لم يكن منه إقرار حصلت به حيلولة بوجه من الوجوه.
فرع لو أقاما البينة على أنه رهنه عبده وأقبضه فقد تعارضتا [ق 280 أ] وفي البينتين المتعارضتين أربعة أقوال: التساقط, والإقرار والقسمة, والوقف, وهل تستعمل القسمة هنا فيجعل بينهما نصفين وجهان.

باب بيع الشيئين المختلفين من نبات الأرض وغيره

قال: "وإذا رهن أرضًا ولم يقل ببنائها وشجرها".
إذا رهن أرضًا ولم يقل ببنائها وشجرها هل يدخل البناء والشجر فيه؟ قد بيناه في "كتاب البيع".
وقال أبو حنيفة: هل يدخل الغراس والبناء في الرهن بالإطلاق لكن الرهن لا يصح, لأنه سلم أنه لا يدخل في البيع فكذلك في الرهن.
مسألة: قال: "ولو رهن شجرًا وبين الشجر بياضٍ رهن دون البياض".
إذا رهن شجرًا أو نخلاً لم يدخل البياض الذي في تضاعيفهما في الرهن قولاً واحدًا؛ لأنه لا يدخل في البيع, فلأن لا يدخل في الرهن أولى.
وأما الأرض التي هي نغرس الشجر لا تدخل الرهن قولاً واحدًا, وهل يدخل في البيع؟ وجهان: أحدهما: يدخل فيه؛ لأن بقاءها به فهو بمنزلة عروقها.
والثاني: لا تدخل لأنه لا تدخل في اسم الشجر فلا يدخل في البيع وهو الأصح.
وكذلك الخلاف في قرار البناء وفائدة الوجهين إذا استقلع الشجر بعد البيع هل يلزمه رد الغرس إلى البائع؟ وجهان.
والفرق بين الرهن والبيع ما تقدم أنه البيع عقد قوي يزيد [ق 280 ب] الملك فاستتبع الغرس بخلاف الرهن.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: في الرهن أيضًا وجهان, وفيه نظر.
وقال أبو حنيفة: رهن البناء والغراس دون مواضعها لا يجوز, ولا رهن الأرض واستثنى البناء والغراس لم يصح الرهن.
وروى الحسن بن زياد عنه أنه يصح في الغراس؛

لأن الغراس عبارة عنه وعن موضعه.
وهذا غلط؛ لأنه يصح بيعه على هذا الوجه فصح رهنه.
مسألة: قال: "وإذا رهن ثمرًا قد خرج من نخله قبل يحل بيعه ومعه النخل فهما رهن".
ذكر الشافعي ههنا ثلاث مسائل: إحداهما: إذا رهن الأصل مطلقًا ولم يذكر الثمرة, فإن كانت مؤبرة لم يدخل في الرهن, وإن لم تكن مؤبرة فقد ذكرنا حكمها, ونص ههنا أنها لا تدخل في الرهن وهو الصحيح.
وقال أبو حنيفة: يدخل في الرهن بكل حالٍ بخلاف البيع على أصله أنه لا يجوز الرهن على الأصل دون الثمرة, والعقد ينبني على الصحة.
وهذا غلط؛ لأن المؤبر إذا لم يدخل البيع بالإجماع مع قوته فلأن لا يدخل في الرهن أولى.
والثانية: يرهن الأصل والثمرة فيصح الرهن فيها إن كان بدين حال, وإن كان بدين مؤجل يدرك الثمرة عند حلول الدين أو بعده يصح أيضًا, وإن كانت تدرك قبل حلوله ولا تجف إلى حلوله, فإن كانت مما تجف يحص الرهن أيضًا ولزمه الراهن [ق 281 أ] تجفيفها؛ لأن ذلك من مصلحتها وإن كانت مما لا تجف ولا تتلف فمن أصحابنا من قال: في صحة رهنها قولان, كما لو رهن طعامًا يفسد قبل المحل.
ومنهم من قال: يصح ههنا قولاً واحدًا؛ لأن الثمار لو تلفت بقي الأصل, وفي الطعام لا يبقى شيء وقد تقدم ذكر هذا.
فإذا قلنا: يبطل في الثمرة هل يبطل في الأصل؟ قولان بناء على تفريق الصفقة.
والثالثة: أن يرهن الثمرة منفردة, فإن كان قد بدأ صلاحها فرهنها بحق حال يجوز, سواء كانت بشرط القطع أو مطلقًا.
وإن كانت بحق مؤجل فإن كان بجامع الإدراك أو قبله جاز, وإن كان يتأخر حلوله عن الإدراك, فإن كانت الثمرة مما يمكن تجفيفها جاز فتجفف وقت الصرام, وإن كانت مما لا يمكن تجفيفها هل يصح الرهن؟ قولان.
وإن لم يكن بدا صلاحها فإن كان بحق حال وشرط القطع جاز؛ لأن البيع هكذا يجوز, وإن رهنها مطلقًا فيه قولان؛ أحدهما: يبطل كالبيع.
والثاني: يجوز؛ لأن مقتضى الرهن بيعه بالحق, فإذا كان الحق حالاً اقتضى العقد قطعه في الحال لجري الشرط, وإن رهنها بحقٍ مؤجل بشرط القطع عند الحلول أو بلا شرط مطلقًا هل يجوز؟ قولان منصوصان: أحدهما: لا يجوز كما لو باع مطلقًا أو بشرط القطع بعد مدة.
قال أبو إسحاق: وهذا أصح نص عليه في "كتاب التفليس".
والثاني: يجوز [ق 281 ب] بخلاف البيع؛ لأن في مقابلته عوضًا هناك, فإذا أطلق يحصل الغرز بخلاف الرهن.

وقيل: فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يلزم شرط القطع مع حلول الدين لا في العقد قبل حلول الدين.
والثاني: يلزم شرط القطع مع العقد شرط في صحة الرهن.
والثالث: أن اشتراط قطعها ليس بواجب, لا حال العقد, ولا عند حلول الدين.
وهذه الأقوال إذا علم أن حلوله قبل بدو الصلاح.
وعلى هذا لو قال الراهن: أقطعها عند حلول الدين وأبيعها.
وقال المرتهن: بعها على الرؤوس النخل بشرط القطع, فالقول قول المرتهن؛ لأن قطعها تصرف لم يوجبه العقد ولا الشرط إذا جرت العادة ببيعها على رؤوس النخل.
فأما إذا كانت العادة الجارية ببيعها مقطوعة فالقول قول الراهن.
فإن قلنا بالقول الأول كان حكمها حكم الطعام الرطب؛ لأن قطعها واجب, وإن كانت مما لا يبقى فقولان.
وإذا قلنا بالثاني فرهنها جائز سواء كانت مما تجف أو لا, وأما الزرع إذا رهنه أخضر فهو بمنزلة رهن الثمرة قبل بدو صلاحها, وقد ذكرنا حكمها.
مسألة: قال: وإن كان من ثمر شيء فرهنه وكان يخرج يعده غيره منه فلا يتميز الخارج".
الفصل: إذا رهن ثمر شجرة تحمل حملاً بعد حمل في سنة كالتين والباذنجان نظر فيه, فإن كان بعد بدو الصلاح فيه يجوز بحق حالٍ, وإن رهنه بحق مؤجل نظر, فإذا كان لا يحل إلا بعد حدوث حمل آخر واختلاطه به بحيث لا يتميز عنه فالرهن بالطل؛ لأنه لا يمكن بيعه عند حلول الحق والحاجة إلى بيعه داعية.
وقال [ق 282 أ] أبو إسحاق: إلا أن يتفقا في الابتداء, وأنهما يقطعان الخارجة قبل ظهور الحادثة, وخوف الاختلاط فيجوز, وإن كان الحق يحل قبل الاختلاط جاز الرهن, فإذا حل الحق فطالب المرتهن ببيعه بيع ووفي حق المرتهن من ثمنه, فإن دافعه الراهن به حتى حدث حمل آخر واختلط به نظر, فإن كان الحادث يتميز به الأول فالرهن بحاله ويباع المرهون, وإن كان لا يتميز ففيه قولان: أحدهما: الرهن يبطل في الحال, لأنه لا يقدر على تسليمه ولا يمكن بيعه في الحق.
والثاني: لا يبطل؛ لأن العقد وقع صحيحًا والجهالة الطارئة لا تبطل العقد كإباق العبد للمبيع, ولأنه يمكن في حقه بأن يتطوع الراهن بتسليم الكل, وهذا أظهر.
فإذا قلنا بهذا القول قلنا للراهن: أتسمح بأن يكون الكل رهنًا؟ فإن سمح صار رهنًا

ولم يكن للبائع الخيار في البيع الذي يشترط فيه الرهن.
وإن قال: لا أسمح قلنا لهما: اتفقا على قدر الرهن، فإن اتفقا فلا كلام، وإن اختلفا فالقول قول الراهن مع يمينه سواء كانت الثمرة في يده أو في يد المرتهن.
وقال المزني: "القول قول من الثمرة في يده منهما".
وهذا غلط؛ لأن يد المرتهن لا اعتبار بها، لأن يده يد الراهن فلا تقوى بها دعواه على الراهن.
وقال بعض أصحابنا: ظاهر كلام الشافعي ههنا [ق 282 ب] دليل على أن هذين القولين في البيع؛ لأنه قال: وفيه قَوْلاَنِ: أَحَدُهُمَا: [يَفْسَدُ الرَّهْنُ كَمَا يَفْسَدُ الْبَيْعُ]، فأجاب في البيع مع الرهن، أن يقال: إذا صححنا البيع فالرهن أولى، وإن لم نصحح البيع ففي الرهن قولان.
والفرق أن الرهن نوع وبيعه ليس بمعاوضة كالبيع، وتأثير الجهالة في عقود المعاوضات أكثر من تأثيرها في غير المعاوضات.
ثم قال: "وَالْقَولُ قَوْلُ الرَّاهِنُ فِي الثَّمَرّةِ المُخْتَلَطَةِ مِنَ الْمَرْهُونَةِ".
كما لو رهنه حنطة فاختلطت بحنطة للراهن فكان القول قويه فاحتمل هذا التشبيه أن تكون مسألة الحنطتين إذا اختلطتا على قولٍ واحد في صحة العقد، وهذا أظهر الاحتمالين لأنه قاس عليه.
ويحتمل أن تكون مسألة الحنطة كمسألة الثمرة في حكم القولين.
فإن سوينا فلا فرق، وإن رتبنا فكيفية الترتيب أن يقال: إذا صححنا في الحنطة مع الاختلاط فالثمرة أولى، وإن لم نصحح في الحنطة ففي الثمرة قولان.
والفرق أن الاختلاط في الحنطة فوق الاختلاط في الثمرة، والتمييز بغير القسمة ممتنع ميؤوس في جميع الأحوال، وفي الثمار ربما شاهدها شاهدان قبل الاختلاط فيقدران على التمييز بما عندهما من العلامة السابقة، فإن كانت صورة المسألة الثمار مثل صورة مسألة الحنطة حتى يكون التمييز ميؤوسًا على الإطلاق فالمسألتان سواء، ويتعذر [283 أ] الفرق.
فإن قال قائل: قد قال الشافعي في المسألة السابقة: "إِذَا رَهَنَهَا قَبْلَ بُدُوِّ صَلاَحِهَا لَمْ يَجُز الرَّهْنُ إِلاَّ أَنْ يَتَشَارَطَا أَنَّ المُرْتَهِنَ إِذَا حَلَّ حَقُّهُ قَطَعَهَا وَبَاعَهَا فَيَجُوزُ الرَّهْنُ"، وهذا يقتضي أن اشتراط القطع يجوز أن يكون على نوع من التأخير وإن كان مؤخراً كانت الآفات غير مأمونة مدة التأخير.
قلنا: كان الشافعي صوَّر المسألة في حض رجل لم يبق من أجله إلا زمان قليل ينقضي عن قريب والثمرة لم تدرك، والغالب من ذلك الزمان القريب الأمن من الآفات، فإذا اشترط قطعها عند المحل كان صحيحاً، وإن كان بخلاف ذلك لا يجوز.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: في البيع قولان؛ قبل القبض، وفي الرهن لا فرق أن يكون قبل القبض أو بعده، والفرق أن القبض في البيع بقطع العلائق فيكون القول قول

(المشتري) في قدر المختلط؛ لأن الثمرة في يده وفي الرهن العلائق بعد القبض تثبت بين الرهن والمرتهن فلا فرق فيه بين أن يكون قبل القبض أو بعده.
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ رَهَنَهُ ثَمرةً فَعَلَى الرَّاهِنِ سَقْيُهَا".
الفصل: قد ذكرنا هذه المسألة، وقوله: "فَعَلَى الرَّاهِنِ سَقْيُهَا"، أراد ليس على المرتهن ذلك، ولم يرد أن الراهن يجبر عليه إذ لا يجبر أحد على تنمية ماله وإن كان مرهوناً بخلاف نفقة الحيوان؛ لأن له حرمة.
هكذا ذكره بعض [ق 283 ب] أصحابنا بخراسان.
وظاهر ما قال أصحابنا بعراق أنه يجبر عليه، وفينا يؤدي إلى نقصانها وهلاكها وهذا أصح.
وإذا جاء أوان الجداد على الرهن لأن في تركه إتلافه فهو كمؤنة موضع الحفظ يلزمه.
وقيل: أوان الجداد لم يكن له؛ لأن في ذلك نقصاً لها وإبطالًا لثمنها إلا أن يصيبها عطش أو يكون الحمل ثقيلًا يخاف منها على الأصل فيجوز للراهن قطعها؛ لأن ذلك موضع الضرر.
وإن تراضيا من غير ضرورة على قطعها كان لهما؛ لأن الحق في ذلك لهما.
فإذا اتفقا على إسقاطه جاز، وإن حل الحق فطالب المرتهن الراهن بتشميسها لم يكن له؛ لأن حقه في بيعها دون تنقيتها فلم يكن له المطالبة بتشميسها.
مسألة: قَالَ: "فَإِنْ أَبَى المَوْضُعَةَ عَلَى يَدَيْهِ أَنْ يَتَطَوَّعَ بِأَنْ يَضَعَهَا فِي مَنْزِلِهِ إِلاَّ بِكِرَاءٍ قِيلَ لِلرَّاهِنِ: عَلَيْكَ مَنْزِلٌ تُحَرَّزُ فِيهِ".
إذا كانت الثمرة مما تجف واحتاجت إلى موضع تكون فيه، فإن تطوع من هو على يده بذلك فلا كلام، وإن امتنع فالأجرة على الراهن، فإن امتنع منه اكترى الحاكم من ماله إن كان له مال ظاهر وإلا باع من المرهون بقدر الكراء.
ولو قال المرتهن: أنا أدفع الأجرة وتكون دينًا عليه بغير رهن جاز.
وإن قال: يكون الرهن رهنًا بها، فيه طريقان كأرش الجناية إذا [ق 284 أ] فداه المرتهن على أن يكون رهناً به، وبالأصل إن كان الراهن غائباً واحتيج إلى كراء الموضع الذي فيه يعرف الحاكم ذلك، وإن أنفق هو في الكراء من غير إذن الحاكم، فإن كان بقدر على الحاكم فلا يرجع عليه، وإن كان لا يقدر على الحاكم فهل يرجع فهل يرجع عليه؟ وجهان بناء على مسألة الحمال إذا هرب.

باب ما يفسد الرهن من الشرط وما لا يفسد

قَالَ: "وَإِن اشْتَرَطَ المُرْتَهِنُ مِنْ مَنَافِعِ الرَّهْنِ شَيْئاً فَالشَّرْطُ بَاطِلُ".

إذا رهنه رهنًا وشرط فيه شرطًا لم يخل من أحد أمرين؛ إما أن يكون شرطًا لا ينافي مقتضى العقد أو ينافي مقتضاه، فإن كان شرطاً لا ينافي مقتضاه مثل أن يقول: بشرط أن تقبضه، أو بشرط أن يباع الحق متى حل للإيفاء، أو بشرط أن يكون على يدي ثقةٍ أو نحو ذلك، فالرهن صحيح والشرط تأكيد، وإن كان شرطًا ينافي مقتضاه لم يخل من أحد أمرين؛ إما أن يكون نقصانًا في حق المرتهن أو زيادة فيه، فإن كان نقصانًا مثل أن يقول: بشرط أن لا يقبضه أو لا يباع بالدين ونحو ذلك فالرهن باطل قولًا واحدًا، وإن كان زيادة في حقه مثل أن يقول: يباع قبل محل الحق بأي ثمن كان، أو الزوائد تكون رهنًا هل يبطل الرهن قولان.
والفرق أن الشرط الذي يزيد في حق المرتهن [ق 284 ب] إذا سقط بقي الرهن تاماً، فالشرط الذي ينقص في حق المرتهن إذا سقط بقي الرهن ناقصاً غير تام فلم يصح، وأما في البيع لا فرق بين شرط يزيد في الثمن أو ينقص منه في أنه يبطل، لأنه يأخذ قسطاً من الثمن فيؤدي إلى جهالة الثمن.
فإذا تقرر هذا، واشترط المرتهن على الراهن منافع الرهن لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يشترط أن ملكها له، أو يشترط أن ملكها له، أو يشترط أنها تدخل في الرهن، فإن اشترط أن ملكها له فالشرط والرهن والبيع باطل قولًا واحدًا؛ لأنه لم يرض بالثمن المذكور في البيع إلا بأن يكون معه ملك المنافع وذلك مجهول، وإن لم يكن شرط هذا شرط هذا البيع هل يبطل الرهن به؟ فيه قولان لأنه زيادة في حق المرتهن، وإن اشترط أن منافعه تدخل في الرهن فالشرط باطل، وهل يبطل الرهن؟ قولان: أحدهما: يبطل وهو الأصح لأنه يعتبر موجب العقد.
والثاني: لا يبطل.
فإذا أبطلنا الرهن هل يبطل البيع؟ قولان: وعند أبي حنيفة لا يبطل الرهن بالشروط الفاسدة كالهبة عنده يبطل البيع، وقيل: قال الشافعي في القديم، و"مختصر الرهن" يصح الشرط وما يتجدد يكون رهناً مع الأصل، وهو قول عطاء.
ووجه هذا أنه يدخل في العقد تبعاً إذا اشترط فيجوز أن يكون مجهولًا، وذكر القاضي أبو علي الزجاجي أن الشافعي قال في "القديم" [285 أ] في الشرط: ولولا حديث معاذ ما رأيته جائزًا.
فإذا قلنا: يجوز الرهن ولا يصح هذا الشرط فلأنه جمع بين معلوم ومجهول فيخرج على قولي تفريق الصفقة، وأصح القولين أنه يجوز في المعلوم بخلاف البيع؛ لأن هناك يبطل في المعلوم قولًا واحدًا؛ لأنه لا حاجة في الرهن إلى توزيع الحق بخلاف البيع.
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ كَانَتْ لَهُ أَلْفُ دِرْهَمٌ فَقَالَ: زِدْنِي أَلْفاً عَلَى أَنْ أَرْهَنَكَ بِهِمَا مَعاً".

الفصل.
وإذا كان لرجل على رجل ألف درهم بلا رهن، فقال الذي عليه الألف: أقرضني ألفًا آخر على أن أعطيك بها هذا الشيء رهنًا لم يصح؛ لأن ذلك قرض جر منفعة، ولو قال: بعني عبدك بألف على أن أعطيك به وبالألف الذي لك عليَّ من غير رهن داري هذه رهنًا بهما جميعًا كان البيع باطلاً قولاً واحداً؛ لأنه باع العبد بشرط أن يرهن بالألف الذي بلا رهن، فكان ذلك في معين يتعين في بيعه لأنه لا فرق بين أن يقول: بعتك بكذا على أن تبيعني دارك بكذا، أو على أن تؤاجرني دارك بكذا، أو على أن ترهنني دارك بدين ولا يتعلق بهذا البيع.
ويخالف هذا إذا قال: بعتك هذا العبد بألف على أن ترهنني دارك به لا يجوز؛ لأن هذا يتعلق بمصلحة هذا البيع، فإنه شرط فيه وثيقة العوض الذي ملك [ق 285 ب] به، وليس كذلك شرط الرهن بدين آخر فإنه مما يتعلق بمصلحة هذا العقد فاقترقا.
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ أَسْلَفَهُ عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُ بِهَا رَهْناًوَشَرَطَ المُرْتَهِنُ لِنَفْسِهِ مَنْفَعَةَ الرَّهْنِ فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ".
وههنا مسألتان: إحداها: أن تكون المنفعة للمرتهن ملكًا.
والثانية: أن تكون له رهنًا، ففي المسألة الأولى ثلاث مسائل: إحداها: لو كان له عليه ألف درهم مستقر فقال: رهنتك داري بالألف الذي لك عليَّ وتكون منفعتها لك، فهذا شرط فاسد لمنافاته مقتضى الرهن، وهل يبطل الرهن؟ قولان، وقد ذكرنا.
والثانية: أن يقول: أقرضني ألفًا على أن أرهنك داري ومنفعتها لك فهذا قرض فاسد؛ لأنه قرض جر منفعة، وإذا أبطل القرض بطل الرهن.
والثالثة: أن يقول: بعني هذا العبد على أن أرهنك داري ويكون منفعتها لك فإن قدر المدة يكون بيعاً وإجارة وفيه قولان، وإن لم يقدر المدة فالإجارة باطلة للجهالة والبيع باطل لأنه يؤدي إلى جهالة الثمن، هكذا ذكره القاضي الطبري.
وقال أبو حامد: الشرط فاسد.
وهل يفسد الرهن؟ قولان، ثم إذا قلنا: يبطل ففي بطلان البيع قولان، وهذا ظاهر كلام الشافعي لأنه جعل له الخيار في الرهن والبيع على ما ذكره القاضي لا يجيء هذا ووجهه [ق 286 أ] أنه لم يجعل المنفعة عوضًا، وإنما شرطها له بحكم الوثيقة والمسألة الثانية منصوصة في الأم وفيها ثلاث مسائل: إحداها: أن يكون عليه ألف مستقر فقال: رهنتك داري بالألف الذي عليَّ أو

منفعتها رهن عندك، فهذا شرط فاسد، وقد ذكرنا.
والثانية: أن يقول: أقرضنى ألفًا على أن أراهنك داري ومنفعتها قرض عندك، فهذا قرض صحيح لأنه لم يجر به منفعة، وأكثر ما فيه أنه استرط رهنًا فاسدًا وذلك لا يبطل فإذا ثبت هذا فالشرط فاسد، وهل يبطل الرهن؟ قولان.
والثالثة: أن يقول: بعني عبدك بألف على أن أرهنك داري فتكون منفعة الدار ههنا معها فهو شرط باطل، وهل يبطل الرهن والبيع؟ قَالَ المُزَنِيُّ: "أَصْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ كُلَّ بَيْعٍ فَاسِدٍ بِشَرْطٍ وَغَيْرِهِ لاَ يَجُوزُ وِإِنْ أُجِيزَ حَتَّى يُبْتَدَأَ بِمَا يَجُوزُ".
وهذا الذي قاله المزني غير صحيح، لأنه قدر أن الشافعي لما قال: "وَلَوْ كَانَ اشْتَرَى مِنْهُ عَلَى هَذا الشَّرْطِ فَالبَائِعُ بِالْخَيَارِ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ".
أنه أثبت له الخيار على القول الذي يقول البيع صحيح؛ لأنه لم يسلم له ما شرط من الرهن وقيل: الصحيح أن البيع باطل والشافعي نص عليه، وغلط المزني فيما نقل أن البائع بالخيار.
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ اشَتَرَطَ عَلَى المُرْتَهَنِ أَنْ لاَ يُبَاعَ الرَّهْنُ عِنْدَ مَحَلِّ الحَقِّ إِلاِّ بِمَا يُرْضِي الرَّاهِنَ".
الفصل: وهذا من الشرط [ق 286 ب] الذي ينقص حق المرتهن، وقد ذكرنا حكمه، ثم قال: "وَلَوْ رَهَنَهُ نَخْلاً عَلَى أَنَّ مَا أَثْمَرَتْ دَاخِل فِي الرَّهْنُ".
وقد ذكرنا هذه المسألة أيضاَ، ثم قال المزني: "مَا قَطَعَ بِهِ وَأَثْبَتَهُ أَوْلَى".
فأراد به أن البيع يصح، وإن بطل الشرط وهذا اختياره في نظائرها، ثم احتج على ذلك بما قال الشافعي: "لَوْ تَبَايَعَا عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُ العَصِيرَ فَرَهَنَهُ إِيِّاهُ هُوَ مِنْ سَاعَتِهِ خَمْرٌ فَلَهُ الخَيَارُ فِي البَيْع لأَنَّنُ لَمْ يُتِمَّ لَهُ الرَّهْنُ".
فصحيح البيع مع فساد الرهن، قلنا: في مسألة العصير قولان أيضًا، وقد ذكرنا ذلك.
وقيل في مسألة العصير كان الرهن صحيحاً وإنما فسد بعده فلا تشبه مسألتنا.
وقال صاحب التقريب: إنما قال إلى غير المبيع إن وقع على هذا الرهن فسخ أو

كان البائع بالخيار فهو تعليق قول منه في صحة البيع، وأشار إلى القولين، وإنَّا لم نصرح به لأن مقصوده أن الشرط باطل خلاف ما قال في القديم أن الشرط صحيح، ثم ذكرنا قولين في صحة الرهن بعد بطلان هذا الشرط سواء كان الرهن مشروطاً في بيع أو لم يكن، وإن كان كلام الشافعي كالمفضل بين الحالين إلا أن يقول بفساد البيع حينئذٍ يفسد الرهن لا محالة، وقيل: في هذه المسألة يحصل [ق 287 أ] أربع أقاويل على قول أبي إسحاق، وعلى مذهبه أبي علي ثلاثة أقاويل: أحدها: يصح الشرط والرهن ويصح البيع.
والثاني: يفسد الشرط والرهن ويصح البيع.
والثالث: يفسد الشرط والرهن والبيع وهو الذي نص عليه.
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ حَقَّا فَقَالَ: أَرْهَنْتُكَهُ بِمَا فِيهِ".
الفصل: إذا رفع إليه حقاً، وقال: أرهنتكه بما فيه لم يجز الرهن فيما فيه؛ لأنه مجهول وهل يبطل في الحق؟ قولان بناء على تفريق الصفقة.
ولو قال: رهنتك هذه الخريطة بما فيها لم يجز الرهن في الجميع؛ لأن الخريطة لا قيمة لها وإنما يقصد ما فيها فإذا كان المقصود مجهولاً بطل الرهن في الجميع، وهذا الذي قاله الشافعي من الفرق بين الحق خرج على خريطة لا قيمة لها، فإن كان الحق لا قيمة له والخريطة من ديباج لها قيمة كان الجواب كالضد مما ذكرناه فيكون في الخريطة جائزًا على أحد القولين، وفي الحق باطلًا قولًا واحدًا، ولو قال: رهنتك هذا الحق ولم يقل بما فيه كان الحق رهنًا؛ لأن ما فيه لم يرهنه، ولو قال: رهنتك هذه الخريطة ولم يقل بما فيها.
قال بعض أصحابنا: كان الرهن باطلًا؛ لأن الخريطة على ما قال الشافعي لا قيمة لها مقصودة ظن وإنما المقصود ما فيها فكأنه رهن ما فيها، وإن لم يشرطه وليس كذلك الحق فإن له قيمة مقصودة، ولو قال [ق 287 ب]: رهنتك هذه الخريطة دون ما فيها كان الرهن في الخريطة جائزًا؛ لأنَّا علمنا أنه رهن الخريطة وحدها ورضيا بقيمتها، وإن كانت القيمة يسيرة فجاز ولو لم يكن لها قيمة أصلاً لا يجوز.
ومن أصحابنا من قال: نقل المزني في الحق أنه يجوز، وفي الخريطة أنه لا يجوز فالمسألتان على قولين وهذا ليس بشيء، وإنما أشكل على هذا القائل هذا لأنه لم يعرف أصول الشافعي.

مسألة: قَالَ: "وَلَوْ شُرِطَ عَلَى الْمُرْتَهَنِ أَنَّهُ ضَامِنٌ لِلرَّهْنِ وَدَفَعَهُ فَالرَّهْنُ فَاسِدٌ".
هذا الشرط باطل لأنه ينافي مقتضي الرهن، ثم اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: هذا من الشرط الذي ينقص حق المرتهن فيبطل قولاً واحداً.
قال صاحب "الإفصاح": هل يبطل الرهن بهذا الشرط؟ قولان؛ لأن شرط الضمان لا ينقص بحق المرتهن؛ لأنه لا يمنعه ذلك من استيفاء حقه منه عند محله، ويخالف هذا إذا قال: لا تبعه إلا باختياري أو باختيار فلان؛ لأن كل هذا يمنع من استيفاء الحق منه فلم يكن الرهن تامًا، ثم إذا بطل الرهن لا يضمن؛ لأن ما لا يضمن صحيحه لا يضمن فاسده كما نقول في الإجارة والقراض وما يضمن صحيحه يضمن فاسده كالبيع.

باب الرهن غير مضمون

[ث 288] أخبرنا محمد بن إسماعيل.
الخبر.
اختلف أصحابنا في الرهن على خمسة مذاهب؛ فذهبت طائفة إلى أنه أمانة في يد المرتهن لا يسقط الحق بتلفه ولا شيء منه كالوديعة، وبه قال الشافعي وعطاء بن أبي رباح، وسعيد بن المسيب، والأوزاعي، وأحمد، وأبو ثور وهو إحدى الروايتين عن علي رضي الله عنه وبه قال النخعي والثوري، الرهن مضمون بأقل الأمرين من القيمة أو الحق، فإن كانت قيمته ألفاً ورهن بخمسمائة فنصفه مضمون، نصفه أمانة، وإن كانت قيمته خمسمائة والدين ألف فتلف سقط نصف الدين وبقي النصف.
وروي ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال إسحاق: هو مضمون لجميع قيمته وإن زادت على الحق يترادان الفضل وهو الرواية المشهورة عن علي رضي الله عنه وقال الحسن، وشريح، والنخعي، والشعبي هو مضمون بالحق الذي هو مرهون به بالغاً ما بلغ.
وقال مالك: إن تلف بسبب ظاهر كالحريق والغرق والنهب الظاهر فالقول قوله ولا ضمان عليه.
وإن كان بسبب باطن كالسرقة فالقول قول الراهن فيضمنه المرتهن؛ لأنه متهم فيه، وهذا غلط لما احتج به الشافعي من الخبر المعروف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه أدلة: أحدها: أنه قال: "لا يغلق الرهن" قال أبو عبيدة: معناه لا يسقط [ق 288] الدين بتلفه.
والثاني: قال: "الرهن من صاحبه"، ومعناه من ضمان صاحبه.
والثالث: وهو الأقوى وعليه غرمه.
والغرم: النقص وقيل: معنى قوله: "لا يغلق الرهن" أي لا يتعلق ولا ينعقد حتى ينفك.
وقوله: "الرهن من صاحبه" معناه لصاحبه والعرب تضع (من) موضع (اللام) وإذا كان ملكه كان تلفه من ملكه.

واحتج أيضًا بأن الله تعالى: جعل الرهن وثيقة للمرتهن كما جعل الشهود وثيقة له فلو كان دينه يسقط بتلفه لكان الارتهان مهاطرًا لا مستوثقًا، وكان ترك الارتهان خيرًا له لئلا يسقط عن ذمة غريمه إلا باستيفاء أو إبراء، وليس المرتهن بمعتدي حين قبض ولا حين تلف ولا بين ذلك ولا الرهن ثمن ولا بثمن فالضمان محال.
واحتجوا بما روى أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الرهن بما فيه" وروى أبو حنيفة أن رجلاً رهن فرساً عند رجل فنفق عند المرتهن، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك فقال: "ذهب حقك" قلنا: أما الأول: أراد محبوس بما فيه.
وأما الثاني: رواه مصعب بن ثابت، عن عطاء، عن النبي صلى الله عليه وسلم ومصعب ضعيف، وعطاء، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل.
ثم نحمله على أنه أراد به ذهب حقك من الوثيقة.
مسألة: قَالَ: "وَمَا ظَهَرَ هَلاَكُهُ وَخَفِيَ سَوَاءٌ" [ق 289 أ] قصد به الرد على مالك على ما ذكرنا، ولا وجه لما قال من التهمة، لأنه أمين ويتعذر عليه إقامة البينة على السرقة، ثم قال: "وَلاَ يَضْمَنُ المُرْتَهَنُ وَلاَ المَوْضُوعُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الرَّهْن شَيْئاً إِلاَّ فِيمَا يَضْمَنَا فِيهِ من الْوَدِيعَةِ بِالتَّعَدِّي".
وقد ذكرنا هذا.
والتعدي إما بالاستعمال أو التفريط في حفظه، ثم قال: "قَضَاهُ مَا فِي الرَّهْنِ، ثُمَّ سَأَلَهُ الرَّهْنُ فَحَبَسَهُ عَنْهُ وَهُوَ يُمْكِنُهُ فَهُوَ ضَامِنٌ".
وجملته أنه إذا قضاه الدين واستحق رد الرهن عليه فطالبه برده فأخر الرد نظر، فإن كان بعذر بأن كان الطريق محفوفًا أو كان الباب مغلقًا وكان يخاف فوق الجمعة أو الجماعة أو الصلاة أو كان.......... شديد فأخر الرد لذلك فلا ضمان عليه، وإن لم يكن عذر فأخره فتلف يلزمه الضمان وهو قيمته أكثر ما كانت من حين منع إلى حين تلف.
فرع مؤنة رد الرهن بعد الفكاك على من تلزم؟ ظاهر المذهبه أناه تلزم الراهن، وقيل: فيه وجهان: أحدهما: على المرتهن لأنه يجب رده عليه.
والثاني: لا تلزم المرتهن لأنه كالمودع.

فرع آخر إذا استعار المرتهن رهن بين الراهن لينتفع به ضمنه بذلك، لأنه صار في يده لمنفعته نفسه منفردًا، وعند أبي حنيفة: لا يضمن في حالة لأنه خرج من قبض الرهن إلى قبض العارية، وعند العارية غير مضمونة [ق 289 ب].
فرع آخر لو أسلم في طعام وأخذ به رهنًا، ثم تقابلا في عقد السلم برئت ذمة المسلم إليه من الطعام ووجب عليه رد رأس المال وبطل الرهن؛ لأن الدين به سقط، ولم يكن له حبسه على رأس المال لأنه لم يرهنه به.
فرع آخر لو أقرضه ألفًا برهن، ثم أخذ الرهن عيناً سقط القرض عن ذمته وبطل الرهن، فلو تلفت العين في يد المقترض انفسخ العقد في العين وعاد القرض والرهن، لأنه متعلق به كما لو صار العصير خمراً، ثم عاد خلاَّ يعود الرهن به.
فرع آخر لو باع من رجل شيئًا بثمن مؤجل عن أن يرهنه عبده وسلم المبيع إلى المشتري فتلف المبيع والعبد في يد المشتري كان للبائع فسخ البيع، لأنه لم يسلم إليه العبد الذي شرط عليه رهنه، وقد بيَّنا أنه تلف المبيع عندنا لا يمنع من فسخ العقد فيه كما تجوز الإقالة فيه، ثم إذا فسخه يرجع عليه بقيمة المبيع دون الثمن.
فرع آخر لو رهنه عبدًا لمورثه وهو لا يعلم أنه قد ورثه، ثم علم أنه كان ورثه لم يصح عقد الرهن.
نص عليه في "الأم".
وكذلك لو وكل وكيلاً في شراء عبد ثم رهنه، وهو لا يعلم أنه اشتراه، ثم علم أنه كان قد اشتراه لم يصح الرهن، لأنه عقد وهو شاك في ملكه، وفيه قول مخرج أنه يجوز لأنه صادف ملكه.
فرع آخر لو رأى عبدًا من بعيد فقال [ق 290 أ] إن كان هذا عبدي فقد رهنتكه لم يصح الرهن.
وكذلك لو قال: إن كانت الثياب التي في خزانتي أو صندوقي باقية، فقد رهنتك لم يصح الرهن.
فرع آخر لو أصدق امرأته صداقًا فأعطاها به رهناً، ثم طلقها قبل الدخول بها سقط نصف الصداق ولم يفتك من الرهن شيء.

فرع آخر قال أصحابنا في هذا الموضع: وليس هذا موضعه، قال ابن سريج: الوصي في بيع التركة بالخيار إن شاء باعها بنفسه، وإن شاء وكل في بيعها سواء كان مما يتولى مثله أو لا يتولى؛ لأن الميت أقامه مقام نفسه ولا يمكن الرجوع إليه فلم يجز أن يوكل فيه غيره.
ومن أصحابنا من قال: لا فرق بينهما، فإن كان مثله لا يتولى بيع مثله كان لهما التوكيل، وإن كان مثله يتولى في بيع مثله فلا يجوز لهما التوكيل.
فرع آخر إذا قال لعبده: أنت ابني تقع الحرية، وهل يعتق المرهون بهذه اللفظة؟ فإن قلنا: يصح عتقه يعتق، وإن قلنا: لا يصح عتقه بني على الإقرار بالحرية في المرهون، وفيه قولان كإقرار الراهن بالغضب، فإن جوزنا الإقرار وقعت الحرية وإلا فلا.

جارٍ التحميل