بحر المذهب للرويانيصفحات 186-225

كتاب مختصر الرهن من كتابين جديد وقديم

صفحات 186-225

أعلم أن الرهن في اللغة دوام مال من عليه الحق ويبقيه بما عليه من الحق وهو مشتق من الثبوت والدوام تقول العرب: رهن الشيء إذا ثبت والنعمة الرهنة هي الثابتة الدائمة.
ويقال: رهن رهناً ورهنت الشيء فهو مرهون ولا يقال: أرهنت إلا في شاذ اللغة.
ولا يجوز أن يقال: أرهنته بمعنى ارتهنته، ولا يقال: أرهن إذا غل في السلعة، وأرهن ابنه إذا جعله رهينة وخاطر به.
وقال ابن فارس: أهل الرهن حبس الثمن على حق، يقال: فلان رهن بكذا.
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: 38] أي محبوس حتى يخرج من حقوق الله تعالى، ويجمع الرهن على رهون ورهان [ق 159 أ] والأصل في جواز الرهن الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿إذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: 282] فأمر بالكتابة في الدين، ثم قال: ﴿وأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: 282] فأمر بالإشهاد، ثم قال: ﴿وإن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ ولَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] فأمر بالرهن في الدين وأخيراً من صفته أن يكون مقبوضاً.
وقيل: معناه فارهنوا كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] أي فحرروا، وقرئ هذا بقرائتين فرهن، فرهان، والرهان جمع وقوله رُهُن جمع الجمع.
وقال الزجاج: يحتمل أن يكون ذلك جمع رهان أيضاً كما يقال: سقف وسقف وقيل: قوله: "فرهان" مستعمل في السبق والنضال، وفي قوله: "فرهن" مستعمل في المعاملات.
والرهينة ليست من هذين بل هي مستعملة في أرهان النفوس.
وأما السنة فروى جعفر بن محمد عن أبيه النبي صلى الله عليه وسلم رهن درعه عند أبي الشحم اليهودي.
وهذا مرسل رواه الشافعي - رحمه الله -. وروى مسنداً عن عكرمة، عن ابن عباس - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم رهن درعه عند يهودي وأخذ منه شعيراً لأهله، وقيل: عدل النبي صلى الله عليه وسلم في هذا عن أصحابه إلى اليهودي خوفاً أن يحابوه، واختلفوا هل مات قبل فكاكه أم لا؟ [ق 159 ب] قيل: مات

قبل (فكاكه).
وقيل: فكه قبل موته، لأنه صلى الله عليه وسلم قال: "نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضي عنه" والصحيح أنه مات قبل فكاكه لما روى عكرمة، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند رجل من اليهود بثلاثين صاعاً من شعير.
وأما الخبر الذي ذكرنا فمحمول على من مات ولم يترك وفاءه.
وأما الإجماع: فلا خلاف بين المسلمين فيه.
ثم أعلم أن أصل الوثائق بالحقوق ثلاث، رهن، وضمين، وشهادة لا تختلف باختلاف المكان، وكل وثيقة جازت سفراً، وكل ما جاز سفراً جاز حضراً.
والإشهاد خوف التجاحد، والرهن، والضمين خوف الإفلاس والمنع.
وقال مجاهد، وداود - رحمها الله -: لا يجوز الرهن إلا في السفر عند عدم الكاتب.
واحتج بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وإن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ ولَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] فشرط في السفر وعدم الكاتب، وهذا غلط لخبر اليهودي فكان ذلك الرهن بالمدينة، ولأن كل وثيقة تجوز في السفر تجوز في الحضر كالضمين، وأما الآية الكريمة التي ذكرناها قلنا: ذكر فيها السفر، لأن الغالب أن الكاتب والشهود لا تنعدم إلا في السفر لأشرط.
مسألة: قال "أذن الله سبحانه وتعالى بالرهن في الدين، والدين حق فكذلك كل حق لزم [ق 160 أ] في حين الرهن".
الفصل وهذا كما قال: الأمر بالكتابة والإشهاد والرهن أمر ندب لا وجوب، لأنه تعالى قال: ﴿َإنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: 283] ولهذا قال الشافعي - رحمة الله عليه - أذن الله تعالى في الرهن ولم يقل أمر بالرهن.
وأعلم أن هذه الإشارة إلى أن الآية وردت في دين مخصوص وهو دين السلم ولكن لا يختص جواز الرهن بذلك والكلام الآن في فصلين: أحدهما: فيما يجوز أخذ الرهن: والثاني: في الوقت الذي يجوز أخذ الرهن فيه.
أما الأول فكل حق لازم في الذمة يجوز أخذ الرهن به، وقيل: كل حق ثابت في الذمة يصح استيفاءه من الرهن، وهذا الحد أولى وذلك مثل الأثمان في المبيعات والقرض.
وأما الصلح، ومال الحوالة، وما الضمان، والأجرة في الإجازة، والمهر في

النكاح، والعوض في الخلع، وقيم المتلفات وأرش الجنايات إذا كان محمداً واستقرت في ذمة الجاني، فإن أخل الشرطان أو أحدهما فكان الحق غير لازم لا يجوز أخذ الرهن به، فمن ذلك البيع لو قال المشتري للبائع: أعطني به وهذا لا يجوز، لأن عين البيع لا تثبت بنفي الذمة وكذلك سائر الأعيان في المغصوب والعارية، ويجوز ذلك، لا يجوز أخذ الرهن، وقال مالك - رحمه الله: [ق 160 أ] كل عين مضمونة بالتلف يجوز أخذ الرهن عليها قبل التلف كالمغصوب ولا يجوز ذلك في الأمانة.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: كل عين كانت مضمونة بنفسها جاز أخذ الرهن بها ولا يجوز أخذ الرهن بالبيع، لأنه مضمون بفساد العقد.
وهذا غلط، لأن قبل هلاك العين في يده لم يثبت الدين في الذمة ولا يصح أخذ الرهن به كالبيع، وإنما اشترطنا اللزوم لأن الله تعالى ذكر الرهن في الدين، والدين اسم للحق اللازم فرع لا يجوز أخذ الرهن بمال الكتابة، وقال أبو حنيفة: يجوز وهذا غلط، لأنه غير ثابت، لأن للعبد إسقاطه بتعجيز نفسه، لأنه إذا تعذر مال الكتابة لا يستوفي من الرهن فلا معنى له.
وقيل: فيه وجهان لأصحابنا وليس بشيء.
فإن قيل: الثمن قبل التفوق ليس بلازم وكذلك مدة الخيار الثلاث فيجب أن لا يجوز أخذ الرهن به كمال الكتابة.
قلنا: الفرق أن الثمن قبل التفرق يؤول إلى اللزوم، فيكون في معنى اللازم خلاف مال الكتابة حق أيضاً، ولا يجوز أخذ الرهن به، وكيف عطف قوله فكذلك كل حق لازم على قوله: "والدين حق" قلنا: اللفظ الشافعي - رحمة الله عليه - ما ذكر في الأم: "والدين حق لازم" فكذلك حق لزم والمزني - رحمه الله تعالى - أخل [ق 161 أ] بالنقل فحسن العطف وسقط السؤال.
فرع آخر لا يجوز أخذ الرهن في الأمانات من الودائع ومال القراض والشركة ونحوها.
وأما الجعل في الجعالة فإن كان بعد عمل العامل يجوز أخذ الرهن به لأنه لازم في الذمة، وإن كان قبل عمل العامل مثل إن قال: من جاء بعبدي الآبق فله دينار.
فقال له رجل: أعطني به رهناً وأنا آتيك به، فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لأنه غير لازم كمال الكتابة.
والثاني: يجوز لأنه يؤول إلى اللزوم كالثمن في مدة الخيار، لأنه يلزم بالعمل دون العقد خلاف الثمن فيصير لازماً بالعقد فافترقا، ولهذا لا يوصف الحق بالوجوب قبل العمل خلاف الثمن وهذا أصح وهو اختيار صاحب "الإفصاح" والقاضي الطبري.

فرع آخر وفي عقد السبق والرمي ينظر، فإن لم يكن محلل فهو جعالة، وإن كان هناك محلل ففيه قولان: أحدهما: أنه جعالة.
والثاني: أنه إجازة وقد مضى حكم الجعالة في الجعالة، والأوجه في الإجازة.
فرع آخر الدية على العاقلة لا يجوز أخذ الرهن بها قبل الحلول، لأنا لا نعلم هل يجب عليه ذلك عند الحول أم يجوز أن يموت أو يفتقر.
وأما الحول فقد استقر على الموسر عند حلول الحول فيجوز أخذ الرهن به.
فرع آخر المنافع على ضربين معينة وفي [ق 161 ب] الذمة فالمعينة ما كانت مؤقتة بمدة، مثل أن يقول: أجرتك عبدي هذا شهراً للخياطة فلا يجوز أخذ الرهن بها، لأنه لا يمكن استيفاؤها من ثمن الرهن إذ لا يجوز استبدال الأجير كالعين المبيعة، وأما التي في الذمة مثل أن يقول: استأجرتك لتحصل لي خياطة ثوب كذا أو بناء كذا فيجوز أخذ الرهن فيه لأنه حق مستقر في الذمة له قيمة فيمكن استيفاؤها العمل من الرهن غير ممكن.
فرع آخر كل حق يجوز أخذ الرهن به يجوز أخذ الضامن به، وفي الجعل الجعالة قبل العمل وجهان كما في الرهن وجهان، وكل حق لا يجوز أخذ الرهن به لا يجوز أخذ الضامن به إلا في مسألة واحدة وهي عهدة المبيع لا يجوز أخذ الرهن بها، وهو أن يقول المشتري للبائع: لا آمن أن يكون المبيع مستحقاً، فأعطني رهناً بالثمن الذي قبضته مني لا يجوز.
وهل يجوز أخذ الضامن بها؟ نص الشافعي - رحمة الله عليه - أنه يجوز، وقال ابن سريج: فيه قول مخرج لا يجوز، لأنه ضمان ما لم يجب، والمذهب الأول وليس بضمان ما لم يجب، لأنه لم يكن المبيع مستحقاً فلا ضمان، وإن كان مستحقاً فهو ضمان مال واجب.
والفرق بين جواز أخذ الضمان به وبين الرهن [ق 162 أ] أن البائع إنما باع المبيع لينتفع بالثمن، فإذا دفع رهناً بالعهدة تعطل عليه الرهن بإزاء الثمن فلا يحصل له منفعة البيع، وإذا أقام ضميناً لا يلحقه ضرر في ذلك، لأنه لا يتعطل شيء من منافع ماله فجاز.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز ضمان الدرك حتى يقبض الثمن، ثم يضمن بعد ذلك

ويكون ضمان الأعيان يصح في أحد الوجهين وفي هذا نظر، وأما الوقت الذي يجوز أخذ الرهن فيه فله ثلاثة أحوال: حالة بعد لزوم الحق وهو بعد وجود المبيع والقرض ونحو ذلك فيجوز أخذ الرهن فيها بلا خلاف.
وحالة عند لزوم الحق وهو أن يقول: بعينه بألف وعندي هذا رهن به عندك، فيقول البائع: بعتكة بألف على أن ترهني عبدك هذا، فقال: اشتريت ورهنت يجوز لا يحتاج إلى أن يقول بعد ذلك ارتهنت، لأن الاستدعاء في الرهن قد وجد من البائع، ثم وجد الجواب، ثم لا يلزم هذا الرهن قبل القبض، فإن لم يقبض كان له فسخ البيع، وهذا إنما جوزناه للحاجة بأنه لم يعقده مع ثبوت الحق كان لمن عليه الحق بالخيار يبين أن يرهن وبين أن لا يرهن، وإذا شرطه في العقد صار من حقوقه إلا أنه لا يجبر عليه، ولكن متى امتنع ثبت له الخيار على ما ذكرنا، وقد قال أبو إسحاق العباس: يقتضي أنه لا يجوز [ق 162 ب] هذا الرهن، لأنه قبل لزوم الحق ولكن الشافعي - رحمة الله عليه - أجاره لوقوع الحاجة.
فإن قيل: لم قال: "فكذلك كل حق لزم في حين الرهن" وما تقدم الرهن ومقتضى هذا اللفظ أن الرهن لا ينعقد حتى يكون الدين واجباً قبل عقد الرهن وفي حين عقد الرهن.
قلنا: لا يشترط هذا لما بينا أن العقدين لو وقعا معاً كان جائزاً.
ومعنى اللفظ في حين الرهن أو ما تقدم الرهن بإثبات الألف، وقيل: إن الشافعي قال بالألف، فغلظ المزني في النقل.
وحالة قبل العقد عقد الرهن مثل أن يقول: خذ عبدي هذا رهناً عندك على أن تقرضني غداً، ثم أقرضه في وقته أو غداً لا يجوز الرهن، لأنه ما سبق الحق لا يكون وثيقة به حين لزومه كالشهادة، فإذا لم يكن رهناً يكون أمانة في يده، لأنه مأخوذ يسوم الرهن والمأخوذ رهناً أمانة، فكذلك المأخوذ يستوفيه، وقال مالك وأبو حنيفة - رحمهما الله -: يصح ذلك رهناً إذا قبض الحق، ووافقنا مالك في أن الضمان قبل الحق لا يجوز فنستدل به ونقيس عليه.
فرع آخر لو قال: ألق متاعك في البحر وعلي ضمانه يصح، وليس ذلك بوثيقة، بل هو بدل مال على عوض صحيح، كما يقول: طلق امرأتك وعلى ألف درهم، أو اعتق عبدك وعلى كذا، لأنا جوزنا هناك قبله لأنه لا يمكنه [ق 163 أ] ضمانه بعد إلقائه في البحر ولا مع إلقائه بخلاف الرهن.
ولو أراد الرهن به أو الضمين قبل الإلقاء لا يجوز وبعد الإلقاء يجوز كلاهما لأنه استقر الضمان عليه.
فرع آخر إذا جوزنا نفقة الزوجة في قوله القديم فهل يجوز أخذ الرهن به وجهان: أحدهما: يجوز كالضمان.

والثاني: لا يجوز كالدرك.
مسألة: قال: "وَلاَ مَعْنَىِ للرَّهْنِ حَتَّى يَكُونَ مَقْبُوضًا ". الفصل وهذا كما قال، الرهن قبل القبض لا يلزم وإذا قبضه يلزم به جهة الراهن ولا يلزم من جهة المرتهن، فمتى قال: أبطلت الرهن أو فسخته زال الرهن.
نص عليه الشافعي- رحمه الله- وقال مالك: يلزم بنفس العقد ويجبر على القبض كما قال في الهبة.
وهذا غلط؛ لأن الله تعالى لم يحكم بصحة الرهن إلا بصفة وهي أن يكون مقبوضًا، ولأنه عقد إرفاق من شرطه القبول فلا يلزم إلا بالقبض كالقرض، ولأنه قال، لو مات الراهن لا يجبر وارثه على الإقباض.
فدل أنه يلزم قبل القبض.
وقال أحمد- رحمه الله: إن لم يكن مكيلًا ولا موزونًا يلزم من غير قبض بنفس العقد فنفس على المكيل حجة عليه.
فإذا تقرر هذا قال الشافعي: من جائز الأمر حين رهن وحين أقبض، وفيه أربع مسائل: أحدها: أن يكونا [ق 163 ب] جائزي الأمر حين الرهن إلى حين القبض فيصح بلا إشكال.
والثانية: أن يكونا جائزي الأمر حين القبض ولم يكونا جائزي الأمر وقت الرهن، أو أحدهما لم يكن جائز الأمر في تلك الحالة بأن كان ميتًا أو مجنونًا أو محجورًا عليه لسفه أو فلس لا يصح؛ لأن العقد لم يصح فلا يصح الإقباض من غير عقد.
الثالثة: أن يكونا جائزي الأمر حين العقد ولم يوكنا جائزي الأمر أو أحدهما وقت القبض لا يصح ولا يلزم الرهن، لأن القبض شرط في صحة الرهن فافتقر إلى الرشد كالعقد.
والرابعة: أن يكونا جائزي الأمر وقت الرهن والإقباض، ويمكن تخلل بينهما جنون أو حجر، فظاهر المذهب أن ذلك لا يؤثر ويصح وهو ظاهر النص ههنا؛ لأنه قال: "من جائز الأمر حين رهن وحين قبض "فاعتبر الطرفين دون الوسط، وقد قال بعد هذا: "لو مات المرتهن قبل القبض فللراهن تسليم الرهن إلى وارثه وبيعه ولم يبطل بالموت "فالجنون أولى أن لا يبطله.
وقال أبو إسحاق: يبطل الرهن بالجنون قبل القبض لأنه عقد جاز فبطل بالجنون كالوكالة والشركة، وهذا اختيار جماعة من أصحابنا بخراسان، وقالوا: ذا هو المذهب ومراد الشافعي بما ذكر بقاء صفة جواز الأمر من وقت العقد إلى وقت [ق 164 أ] الإقباض

فجعل قولان مخرجان.
وقال الماسرجسي: كان أبو إسحاق- رحمه الله- يقول ذلك، ثم رجع عنه وقال: لا يبطل الرهن؛ لأن الراهن يؤول إلى اللزوم بخلاف الشركة فهي كالبيع في مدة الخيار، ولأن الوكالة تبطل بموت الوكيل والموكل والرهن لا يبطل بموت المرتهن بالإجماع فافترقا.
فرع لو رهن السكران شيئًا.
قال بعض أصحابنا بخراسان: صح رهنه في أصح القولين؛ لأن حكمه حكم الصاحي وحكمه يأتي مشروحًا إن شاء الله.
فرع آخر إذا قلنا: لا يبطل الرهن بالجنون فرهن وهو جائز الأمر ثم زال عقله ثم أقبضه وهو مجنون لا حكم لإقباضه ثم ينظر فيه، فإن كان له فيه غبطة حتى يجوز له ابتداء عقد الرهن في مثلها جاز له تسليمه إليه، وهذا بأنه كان له مشروطًا في بيع فيه قبل أن يسلم الرهن فسخه البائع، وإن لم يكن غبطة بأن لم يكن مشروطًا في عقد بيع لا يجوز له تسليمه هكذا ذكره جماعة أصحابنا، وقال بعضهم في موضع الغبطة وجهان: أحدهما: لا يجوز له تسليمه، لأنه ليس للولي أن يخرج من ماله ما ليس بلازم له.
وهذا ضعيف عندي.
فرع آخر لو كان له غرماء سواه وقد حجر عليه لا يجوز له تسليمه إلى واحد [ق 164 ب] منهم؛ لأن حق جماعتهم عنهم تعلق به وبيع في حقوقهم، ولا فرق بين أن يكون الراهن قد أذن للمرتهن في قبضه قبل الحجر أو لم يكن قد أذن لم يكن قبضه.
فرع آخر لو خرس الراهن، قال في "الأم": إذا خرس أو زال عقله قبل قبض الرهن لم يكن للمرتهن القبض، قال أصحابنا: أراد إذا صار بحيث لا يفهم إشارته ولا تعقل إرادته فهو كالحجر عليه، فأما إذا عقلت إشارته فهو كالناطق، فإن قيل قال في "الأم": "متى زال عقل الراهن قبل قبضه لم يكن للران القبض لأنه لم يسلطه على قبضه "وهذا يدل على أنه لو سلطه على قبضه ثم زال عقله يجوز له قبضه، قلنا: له تأويلان: أحدهما: فرض المسألة فيه إذا رهنه عينًا في يد المرتهن وديعة أو غيرها وأذن بقبضها وأتت مدة يمكنه القبض فيها، ثم زال عقل الراهن فلا يقدح في (الرهن) لأنه

زال بعد لزوم الرهن.
والثاني: فائدة هذا أنه إذا أذن به، ثم زال عقله، ثم اختلف وليه والمرتهن فقال المرتهن: قبضت قبل زوال عقله، وقال الولي بعد ذلك فالقول قول المرتهن؛ لأن العين في يده.
ولو كان هذا الإختلاف قبل الإذن في القبض لم يكن القول قول المرتهن.
مسألة قَالَ: "وَمَا جَازَ بَيْعُهً جَازَ رَهْنُهُ " [ق 165 أ].
الفصل وهذا كما قال.
كل عين يجوز بيعها يجوز رهنها من مشاع وغيره لا يفترقان في الجواز بحالِ، وإنما يفترق في الأموال، وبه قال مالك، والأوزاعي وابن أبي ليلى، وعثمان البتي، وسوار القاضي، وعبيد الله العنبري، وأبو ثور، وداود، وأحمد- رحمهم الله، وقال أبو حنيفة- رحمه الله-: لا يصح رهن المشاع ولو طرأت الإشاعة هل يبطل الرهن؟ روايتان.
وهذا غلط؛ لأن كل عين جاز بيعها جاز رهنها كما تقرر.
وهذه المسألة مبينة على أن استدامة القبض شرط عنده في صحة الرهن، وبه قال مالك- رحمه الله- وعندنا ليست بشرط لأنه عقد من شروطه القبض، ولا يعتبر استدامته كالهبة مع أبي حنيفة، والقرض مع مالك، ثم إذا رهن المشاع لا يلزم إلا بالقبض وبقبضه المرتهن كما يقبضه المشتري، فإن اتفق المسترهن والشرك على أن يكون في يد أحدهما كان في يده، وإن تنازعا وقال كل واحد منهما: يكون في يدي فالحاكم ينتزعه من أيديهما ويكري عليهما أو يضعه على يدي عدِل.
وقال ابن القاص: الأساء على أربعة أضرب؛ منها ما يجوز بيعه ورهنه وما لا يجوز بيعه ولا رهنه كالوقف والمكاتب وأم الولد والكلب ونحوها، ومنها ما يجوز بيعه ولا يجوز رهنه وبيعه كجارية [ق 165 ب] لها ولد صغير يجوز رهنها على الإنفراد ولا يجوز بيعها على الإنفراد، ومنها ما اختلف القول في وهو الطعام الرطب، والمدبر، والثمرة قبل بدو الصلاح يجوز بيعها وفي رهنها قولان، وهذا غير صحيح لأنه ليس على قولنا ما يجوز بيعه ولا يجوز رهنه، والأمة غذا كان لها ولد صغير يجوز رهنها وبيعها أبيضًا لأنها تباع مع ولدها، وإن لم يجز بيعها وحدها في أحد القولين ويجوز رهنها وحدها؛ لأن البيع يفرق بينهما والراهن لا يفرق، فكذلك اختلفت الأحوال في الحقيقة وكذلك الطعام الربك يجوز رهنه بحق حاِل، وفي المؤجل كلام نُنبه عليه في موضعه إن شاء الله تعالى، فإن قال قائل: علة الشافعي على هذا الإطلاق تنتقص بالدين، فإنه إذا كان له في ذمة غريمه دين مستقر يجوز بيع ذلك منه بعين على معنى الاستبدال، ولا يجوز رهنه.
قلنا: قصد الشافعي- رحمه الله- به إبطال مذهب من منع رهن المشاع ولم يقصد تحرير

الاعتدال والثاني العلة محورة عن هذا؛ لأن ما جاز بيعه جاز رهنه وقبضه فقيد الرهن بقبضه، والدين إذا رهن كان رهنًا لا يتأتي قبضه، والعلة والحكم يعترض كل واحد منهما على الآخر ثم يشتغل بالمناقضة [ق 166 أ] فربما يدفع بالحكم وربما يدفع بطلب الاعتلال، ومن أصحابنا من قال: يجوز رهن ما في الذمة عند الغير كما يجوز الهبة في أحد الوجهين، وهذا خلاف النص.
وهكذا الجواب إن قيل ينتقض بالمنافع يجوز بيعها بعقد الإجارة ولا يجوز رهنها مع أن الإجارة ليست ببيع على الإطلاق.
فرع آخر لو كانت دار بين رجلين فرهن أحدهما بينهما ماعًا من بيت منها.
قال ابن سريج- رحمه الله-: إن كان بإذن شريكه يجوز، وإن كان من غير إذنه فيه وجهان: أحدهما: يجوز كما لو رهن جميع حقه منها.
والثاني: لا يجوز لأنه قد يقاسمه شريكه فيقع هذا البيت في نصيب غير الراهن فيستضر بذلك.
مسألة: قَاَلَ: "وَلَوْ مَاتَ الْمُرْتَهِنُ قَبْلَ الْقَيْضِ فَلِلرَّاهِنِ تَسْلِيمُ الرَّهْنِ إِلَى وَارِثِهِ وَمَنْعُهُ ". وهذا كما قال.
نص الشافعي- رحمه الله- ههنا على أن الرهن لا يبطل بموت المرتهن.
وقال في موضع آخر: "إن مات الراهن قبل القبض لم يكن للمرتهن أن يقبض الرهن وكان أسوة الغرماء، فقال جماعة من أصحابنا: معناه أنه الفسخ بموت الراهن، واختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: ينقل جواب إحدى المسألتين إلى الأخرى [ق 166 ب] وفيهما قولان: أحدهما: يبطل بموت كل واحد منهما.
والثاني: لا يبطل أصلًا.
ومنهم من قال: يبطل بموت الراهن دون المرتهن، والفرق أن الحق يحل بموت الراهن فلا معنى للرهن بعد الحلول ولا يحل بموت المرتهن فيحتاج وارثه إلى قبض المرتهن.
وقال أبو حامد- رحمه الله-: قول واحد لا يبطل بالموت أصلًا.
ونص في غير موضع على أنه لا يبطل بموت واحد منهما.
وقوله في موت الراهن المرتهن أسوة الغرماء لا يقتضي بطلان الرهن، ولكن معناه لا يجوز تخصيصه به لأجل الغرماء، فإن رضوا به

جاز.
وقيل: قال أبو إسحاق- رحمه الله-: يبطل بالموت كما يبطل بالجنون وقد بينا فساده.
وإذا تقرر هذا نظر، فإن مات المرتهن قام وارثه مقامه في الدين، والدين بحاله والراهن بالخيار إن شاء قبض، وإن شاء منع فإن أقبض فلا كلام، وإن منع نظر، فإن كان في دين فلا خيار لوارث المرتهن، وإن كان في بيع له الخيار في إمضاء البيع وصحته، وإن مات الراهن حلّ عليه الحق إن كان مؤجلًا وتعلق بتركته وهذا الرهن من تركته، فإن لم يكن عليه دين سواه والوارث بالخيار بين أن يقبضه من عين هذا الرهن أو من غيره إلا أن يتراضيا بتأخير الحق وقبض هذا الرهن به بالعقد الأول فيصح، وإن كان عليه دبن [ق 167 أ] سواء فالمرتهن أسوة الغرماء ولا يكون أحق بالرهن من غيره إلا أن يتطوعوا بإفراده، فإذا أقبضه الوارث كان أحق به من غيره.
وقال أبو حنيفه- رحمه الله-: إذا شرط الرهن في البيع يجبر الراهن على إقباضه لأنه بالشرط صار صفة العقد لازم.
وهذا غلط لما ذكرنا.
فرع لو مات البائع قبل إقباض المشتري الرهن وورث ممن لا يجوز أمرهم لصغرهم، فإن لم يكن لهم حظ في إمضاء البيع بلا رهن يجب على وليم أن يفسخ البيع، وإن كان لهم في إمضائه حظ لوفور الثمن، فإن كان الراهن والمشتري معسرًا أو غير أمين فعلى الولي أن يفسخ أيضًا، وإن كان أمينًا موسرًا في وجهان: أحدهما: يفسخ أيضًا لجواز تغير حاله.
والثاني: لا يفسخ لما فيه من وفور الحظ، وإن كان العقد تم بغيره، وهذان الوجهان مخرجان من الوجهين في ولي ورثة الراهن هل يجوز له إقباض الرهن إذا كان في إقباضه حظ لهم أم لا؟ فرع آخر قال في "الأم ": ولو رهن عبدًا ثم باعه أو كاتبه أو أعتقه أو أصدقه زوجة أو رهنه ثانيًا وأقبضه بطل الرهن الأول، لأنه أزال ملكه ومات بالعقد الأول وإن أجاره لا يبطل؛ لأن الإجارة لا تنافي عقد الرهن فإنه لو أرهنه ثم [ق 167 ب] أجره صح وكان رهنًا بحاله.
وهكذا لو رهن جارية ثم زوجها لا يبطل الرهن لأنه عقد على المنفعة فلا ينافي عقد الرهن على الرقبة، وقال بعض أصحابنا في الإجارة: إذا قلنا لا يجوز بيع المستأحر ينظر، فإن كانت مدة الإجارة تنقضي قبل حلول الحق لم يكن ذلك فسخًا، وإن كانت لا تنقذي إلا بعد حلوله بزمان كانت فسخًا للرهن.

فرع آخر قال الشافعي- رحمه الله-: "لو دبره كان رجوعًا عن الرهن ذكره في "الأم "، وفيه قول آخر لا يكون رجوعًا على الرهن، حكاه الربيع والقاضي أبو حامد، لأن تدبيره لا يمنع بيعه والأول المشهور؛ لأن موجب التدبير بالعتق وهو ينافي الرهن بدليل أنه لو رهنه ولم يقبضه كان رجوعًا، وإن كان ذلك لا يمنع من بيعه لأن موجبه ينافي الرهن الأول.
فرع آخر لو قال: فسخت الرهن انفسخ، ولو أقر بأنها ملك لغيره بطل الرهن أيضًا، ولو رهنها وأقبضها بطل أيضًا، ولو وهبها ولم يقبضها نص الشافعي أنه يبطل ولا يختلف في هذا أصحابنا.
وحكي عن الربيع أنه قال: يبطل تخريجًا لأنه لم يزل ملكه وهو غلط لما ذكرنا.
فرع آخر لو وطئها فالرهن بحاله، ولو أذن للمرتهن في القبض، ثم جن [ق 168 أ] أو أغمى عليه وحجر عليه بطل إذنه ولم يكن للمرتهن قبضه، وإن أذن له ثم رجع عن إذنه قبل أن يقبض صح الرجوع، كما لو أذن له في بيع أو نكاح، ثم رجع وإن رجع بعد القبض لم ينفعه لأنه لزم بالقبض.
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ قَالَ: أَرْهَنُكَ دَارِي عَلَى أَنْ تُدَايِنَنِي فَدَايَنَهُ لَمْ يَكُنْ رَهْنًا حَتَّى يَعْقِدَ الرَّهْنَ مَعَ الحَقِّ أَوْ بَعْدَهُ ". وهذا كما قال: ههنا إبهام يوهم أن الرهن والمداينة لو كانا معًا لا يجوز، وهو في قوله "أرهنك داري على أن تداينني فداينه، وإزالة هذا الإبهام معناه تدايني غدًا أو بعد غد لا في حال المعاقدة، والدليل على أن هذا مراده أنه قال في آخره: "لم يكن رهنًا حتى يعقد مع الحق أو بعده "ولما أثبت الألف ههنا حيث قال: "أو بعده "ظهر غلط المزني- رحمه الله- حيث قال في حين الرهن وما تقدم الرهن من غير الألف فدل هذا على إثبات الحق والألف هناك أيضًا.
مسألة: قَالَ: "وَيَجُوزُ ارْتِهَانُ الحَاكِمِ وَوَليِّ المَحْجُورِ عَلَيْهِ وَرَهْنُنُمَا عَلَيْهِ فِي النَّظَرِ لَهُ ".

الفصل وهذا كما قال: جملة هذا أن الرهن ضربان: ضرب برهن في حق نفسه يكون مطلق التصرف فيما له في الحظ، وفيما لاحظ له فيه، وضرب برهن في حق غيره فنقول: [ق 168 ب] الناظر في حق الغير خمسة؛ الأب، والجد، والوصي من قبل أحدهما، والحاكم، وأمين الحاكم، وكلهم ولي أسباب الولاية تختلف فالأب والجد يليان أنفسهما، والوصي يلي من قبل أحدهما، والحاكم يلي من قبل الإمام، والأمين يلي عن الحاكم.
وكذلك جهات التصرف تختلف فالأب والجد يختصان بأنه يجوز: لكل واحد منهما أن يرهن له من نفسه ويرتهن لنفسه منه، كما يجوز لهما ذلك في البيع والشراء، وليس ذلك لمن عداهما من الأولياء؛ لأن التهمة منتفية عنهما لكونهما كاملي الشفقة بخلاف غيرهما.
فإذا تقرر هذا فالكلام في فصلين.
أحدهما: في الإرتهان، والثاني: في الرهن.
فأما الإرتهان فلا يخلو إما أن يكون في بيع أو قرض، فإن كان في بيع.
قال الشافعي- رحمة الله تعالى-: "لا يجوز إلا أن يبيع فيفصل "وفيه مسائل: أحدها: إذا كان له عبد يساوي مائة نقدًا فباعه إلى سنة، فإن باعه بمائة إلى سنةٍ فالبيع باطل سواء كان برهن أو بغير رهن؛ لأنه باعه بأقل من ثمنه، وإن باعه بمائة وعشرين بشرط أن تكون المائة نقدًا والعشرون إلى سنة جاز، لأنه فضل بغير غرر، وإن باعه بمائة وعشرين إلى سنة بغير رهن فالبيع باطل؛ لأن فيه غررًا.
وإن باع برهن [ق 169 أ] ولا يسوي مؤجلًا أكثر من ذلك، فنص الشافعي أنه يجوز، وهو اختيار أبي إسحاق وجماعة، لأنه لا يمكنه أن يبيع فيفصل هكذا في غالب العادة، وقد أمرناه بالتجارة وطلب الربح.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز لأنه تغرير بماله معناه يأخذ رأس المال نقدًا والزيادة إلى سنة، فإذا جوزنا ذلك وأخذ رهنًا لم يجز حتى يشهد بالحق مع أخذ الرهن، ويكون المشتري ثقة مليًا يؤمن من جهته الجحود والعجز عن إبقاء الثمن في الظاهر.
وقيل: يجوز للولي أن يبيع مال اليتيم ثمنًا بخمس شرائط؛ أن يكون في الثمن فضل، وأن يكون المشتري ثقة موسرًا، وأن يكون الأجل مقتصدًا غير بعيد؛ لأن في بعده تغريرًا بالدين.
وحده بعض أصحابنا بالسنة حتى إن كان الأجل زائدًا على السنة لا يجوز؛ وأكثر أصحابنا على أنه لا يتقدر بل يعتبر فيه عرف الناس، وشاهد الحال لأنه يختلف باختلاف السلعة والعادات.
وأن يأخذ منه رهنًا، والخامس: أن يشهد عليه على ما ذكرنا فلو أدخل بهذه الشهادة فوجهان: أحدهما: يبطل البيع والرهن كما لو أخل بأحد الشروط الأربعة.
والثاني: لا يبطل لأنه تأكيد والرهن أقوى استئنافًا من [ق 169 ب] الشهادة ذكره في "الحاوي "وعندي لا يلزمه أخذ الرهن لأنه بخلاف عرف التجارة في زماننا، وإن كان

الارتهان في ذي نظر، فإن كان يدين ل قبل ل أرش من جناية أو دين عن أبيه إلى أجل جاز وهو احتياط، وإن كان في قرض فالقرض لا يجوز إلا بشرطين: أحدهما: أن يخاف هلاك ماله لنهب أو غرق.
والثاني: أن يكون المقترض ثقة يودع ماله عنده، وإذا وجد الشرطان فأقرض وأخذ الرهن به يجوز؛ لأن الرهن وثيقة لا تضر وأمانة، وإن هلكت لا شيء عليه، وإن سلمت استوفي من ثمنها، فإن عدم الشرطان أو أحدهما لا يجوز إقراض ماله، فإن أقرض صار ضامنًا، ومن أصحابنا من قال: لا يجوز قرضه بحاٍل لأن ترك المال، وإن كان مخوفًا فالقرض مخوف أيضًا، فلم يجز أن يتعجل أحد الخوفين.
ذكره في "الحاوي ". وهو ضعيف لأن القرض أقل عذرًا فجاز.
فرع إذا ارتهن في حال النهب والفتنة لا ينبغي أن يرتهن منقولًا لأنه يخاف الهلاك على الرهن كما يخاف على ماله، ولكن يرتهن على ما لا يخاف عليه من أرض أو غيرها.
فرع آخر لو رأى الحظ في أن لا يرتهن شيئًا لا يرتهن، وذلك بأن لا يأمن أن يرفع إلى [ق 170 أ] حاكم حنفي سقوط الدين بتلفه.
وقال في "الحاوي ": يعتبر في صحة القرض ثلاثة شروط؛ أن يقرض لرجلِ ثقة ملئ، وأن يأخذ منه رهنًا فيه وفاء بالمال.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز أن يأخذ رهنًا على القرض بخلاف البيع؛ لأن القرض إنما يجوز عند الخوف على المال فجوز أن لا يأخذ الرهن خوفًا عليه وهذا لا يصح؛ لأن المال إن تلف كان من ضمان المولى عليه، ولو تلف الرهن: لا يكون من ضمانه، فلم يجز له أن يخرجه من يده مع الإمكان.
والثالث: أن يشهد عليه، وإن لم يشهد فيه وجهان على ما ذكرنا، وما تقدم أصح عندي.
فرع آخر له أن يبيع ماله عند وجود شرطي جواز القرض نساء، ويكون أولى.
ذكر أصحابنا.
فرع آخر لو أقرض في غير موضع الجواز وتلف ذلك في يد المستقرض يجوز الإرتهان به، وهو في الحقيقة غرامة يتلف لا قرض، وما دامت العين باقية فهي واجبة الرد، والإرتهان بالعين لا يجوز.

فرع آخر الأم تلي مال الولد بغير توليةِ في أحد الوجهين، وظاهر المذهب أنها لا تلي من غير تولية.
فإذا قلنا: إنها تلي ذلك قامت أم الأم مثلها عند عدم الأم، وفي أب الأم وجهان على هذا الوجه [ق 170 ب]: أحدهما: له ذلك؛ لأن الأم إذا استحقت هذه الولاية فهو أولى.
والثاني: ليس له ذلك كما لا حضانة له ولا إرث.
فرع آخر إذا أراد الأب أن يبتاع مال ولده فيه وجهان: أحدهما: يعقد لفظًا فيقول: بعت كذا من مال ابني على نفسي بكذا وقبلت ذلك لنفسي.
والثاني: يعقد بنيته دون لفظه؛ لأن الإنسان لا يخاطب نفسه، والأول أصح؛ لأنه لا يكون مخاطبًا نفسه؛ لأنَّا نجعل أحد اللفظين عن نفسه والآخر عن ابنه، فيصير كأنه مخاطب.
ذكره في "الحاوي ". فرع آخر المكاتب هل يجوز له أن يرهن شيئًا؟ قال الشافعي رحمة الله عليه ههنا: ومن قال إنه لا يجوز ارتهانه إلا فيما يفضل من ولي أو أب لابن طفل، أو عبد مأذون له في التجارة فلا يجوز له أن يرهن شيئًا؛ لأن الرهن أمانة والدين لازم، فالرهن نقص عليهم وظاهر هذا أنه يجوز للمكاتب والمأذون أن يبيعا نساء بالفضل ويأخذ رهنًا.
وقال الشافعي في "الكتابة ": غير أن المكاتب لا يبيع بدين ". واختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من قال: هما لولي اليتيم فيما ذكرنا من المسائل، وقول الشافعي: "لا يبيع المكاتب بدين "معناه: بغير رهن، وهذا اختيار القفال.
أو أراد إذا لم يكن [ق 171 أ] فيه حظ.
ومنهم من قال: لا يجوز لهما أن يبيعا بالدين إلا بإذن السيد لهما في ذلك صريحًا، وهو المراد ههنا، لأنه يأخذ رهنًا لا يتصرف فيه، ويخرج ما لا يتصرف فيه فلا يجوز.
وتأويل ما قال ههنا: أن يبيع بمائة نقدًا وأخذ الرهن بالثمن حتى يحمله من البيت فيجوز ذلك في حقهما.
وهذا اختيار القاضي الطبري رحمه الله.
فرع آخر لو لم يدفع السيد إلى العبد المأذون مالًا وقال له: تصرف، هل له أن يتصرف بثمن

مؤجل ومعجل؟ لأنه لا ضرر للسيد في ذلك حتى يحصل في يده فضل فيكون ذلك للسيد، ثم يكون حكمه حكم المكاتب والمأذون الذي دفع السيد إليه مالًا.
وأما رهن مالِ من اليتيم، والمجنون، والمحجور بدين مؤجل في قرض أو ابتياع فلا يجوز إلا بشرطين: أحدهما: أن يكون الإقراض له أصلح من بيع ماله في نفقته، مثل أن يتوقع له عليه عقارًا ونماء ماشية أو ثمار أو زرع، أو دين يحل ل، أو يقدم مال غائب أو يكون له سلعة كاسدة يتوقع لها موسم.
والثاني: أن يكون المرتهن لذلك ثقة يودع ماله عنده فههنا يجوز.
وكذلك لو اشترى له ما يسوي ألفًا بخمسنائة ويرهن ما يسوي خمسمائة به فلا بأس؛ لأنه إن تلف حصل له ربح [ق 171 ب] خمسمائة، والظاهر أنه لا يتلف، وهذا إذا كان لا يباع إلا برهن.
وكذلك لو وقع نهب أو حريق يخاف على ماله، أو وجد أمينًا يشتري به شيئًا لا يرد عليه التلف من العقار ولا يتبعه إلا بشرط الرهن فرهن، ولا يتصور أن يستقرض منه شيئًا فيرهن في هذه الحالة ماله؛ لأنه يخاف على القرض الذي يأخذه ما يخاف على ارهن الذي تسلمه، فإن لم يوجد الشرطان أو أحدهما فيبيع ماله أصلح من رهنه والإقتراض له فلا يجوز رهنه، وهذا لأن الدين لازم والرهن أمانة، فيكون تلف الرهن عند المرتهن بغير ضمان ويبقى الدين عليه بحاله.
وأما المكاتب والمأذون فليس لهما أن يرهنا من مالهما شيئًا إلا بإذن السيد، أو في الحال التي يجوز لولي اليتيم أن يرهن من ماله على ما بيناه.
ولو قال للمأذون له تاجر تصرف كيف شاء حتى يفضل معه شئ فيكون كما لو دفع إليه مالًا، فإن قال قائل: ما معنى قول الشافعي- رحمه الله-: "ورهنهما عليه في النظر له "في المسألة الأولى؟ قلنا: يحتمل معنيين: أحداهما: أراد بالرهن الإرتهان: فكأنه قال: يجوز ارتهان الحاكم وولي المحجور عليه إذا كان له ارتهانهما في النظر له.
قالوا: وفي قول: "ورهنهما "واو الحال لا واو العطف، ولا بعد العبارة عن الإرتهان بالرهن [ق 172 أ] وعن الرهن بالإرتهان.
والثاني: وهو الأصح أراد بالرهن حقيقة الرن لا إرتهان، وهما مسألتان اثنتان.
قالوا: (و) حرف العطف لا واو الحال بدليل أنه قال: "ورهنهما له "ولو كان المراد به الإرتهان: "ورهنهما له في النظر له "ألا ترى أنه ذكر الإرتهان بهذه العبارة فقال: "ويجوز ارتهان الحاكم وولي المحجور عليه له "راجع إلى المحجور لا إلى الإرتهان.
فإن قيل: التفسير يدل على أنه أراد به الإرتهان لا الرهن؛ لأنه قال: "وذلك أن يبيعا فيفضلا ويرتهنا "فاشتغل ببيان الإرتهان دون الرهن.
قلنا: يجوز أن يجمع بين المسألتين ثم يعطف على إحداهما يفسرها ويعرض عن تفسير الأخرى، أو يؤخر تفسير الأخرى.

فإن قيل: لو كان المراد بالرهن حقيقة الرهن كما ذكرت مسألة الرهن بعد هذه المسألة وقد كررها حيث قال: "ومن قلت لا يجوز ارتهانه... " إلى أن قال: فلا يجوز أن يرهن شيئًا ". قلنا: يحتمل أن يكون هذا التكرير لكمال التقرير، فإنه جمع في أول الفصل بين مسألة الرهن ومسألة الإرتهان، ثم بدأ بنفس الإرتهان ثم رجع إلى مسألة الرهن لتفصيل القول فيها، فبين فيه معنى النظر الذي أطلقه في أول الفصل وهو ظاهر [ق 172 ب].
فرع آخر لو رهن الوصي عبد اليتيم ثم استعاره الوصي من المرتهن بعد القبض نظر، فإن استعاره لليتيم فلا ضمان؛ لأن له الانتفاع به، وإن كان مرهونًا، وإن استعاره لنفس لم يجز وضمن، وإن استعار مطلقًا ضمن؛ لأن الظاهر أنه استعاره لنفسه.
فإن قال: استعرته لليتيم لم يقبل قوله فيه وضمن.
فرع آخر لو خلف تركة وعليه ديون فأوصى إلى رجل بقضاء دينه من تركته فرهن الوصي شيئًا من تركته عند بعض غرمائه لم يجز، وإن كان الغريم واحدًا فرهنه عنده لا يجوز أيضًا؛ لأنه جعل إليه قضاء الدين فقط فلا ينصرف إلى غيره.
فرع آخر لا يجوز للعامل في القراض أن يرهن أو يرتهن إلا بإذن رب المال، وإذا أذن له في الرهن لا يجوز إلا أن يحد له الدين الذي يقع الرهن به.
نص عليه الشافعي رحمه الله.
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ كَانَ لابْنِهِ الطَّفْلِ عَلَيْهِ حَقَّ أَنْ يَرْتَهِنَ لَهُ شَيْئًا مِنْ نَفْسِهِ ". الفصل: وهذا كما قال.
قد ذكرنا هذه المسألة، وظاهر كلام الشافعي رحمة الله عليه ههنا أنه رهن ماله عند نفسه أو رهن مال نفسه عنده يقتصر على أحد شطريه، فيقول: ارتهنت له من نفسي كذا وكذا، أو رهنت عبدًا من ماله على كذا وكذا، لأن الشافعي [ق 173 أ] اقتصر في تصوير المسألة على ذكر أحد السطرين، وفيه وجه أنه يفتقر إلى التلفظ بالشرطين كما في الشخصين المتعاقدين، وهذان الوجهان في البيع والشراء، وقد ذكرنا.

مسألة: قَالَ: "وَإِذَا قَبضَ الرَّهْنُ لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِهِ إِخْرَاجه مِنَ الرَّهْنِ حَتَّى يَبْرَأَ مِمَّا فِيهِ مِنَ الحَقِّ ". وهذا كما قال.
قد ذكرنا أن الرهن لا يلزم إلا بالقبض، وإذا قبض لزم من جهته؛ لأنه وثيقة، فلو لم يلزم لم تحصل الوثيقة، ثم ما دام جزء من الدين عليه وإن كان يسيرًا لا يخرج شئ من الرهون من الرهن، وكل جزء منه مرهون بكل الحق وبكل جزء منه، فإن كان الرهن كرا من طعام فذهب كله إلا قفيزًا كان القفيز رهنًا بالدين كله، ولو قضى الدين كله إلا حبة كان الكل رهنًا بالحبة.
فرع لو رهنه مائة شاة بمائة درهم على أن كل شاة في مقابلة درم فدفع درهمًا، قيل له: أدفعت عن شاة بعينها؟ فإن قال نعم أخذها، وإن قال: بل دفعت عن الجملة خرج عشر كل شاةِ من الرهن.
وقيل: متى تفاوتت القيم ليس له أخذ شيء من الرهن، وإن تساوت أخذ منها شاة.
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ أَكْرَى الرَّهْنَ مِنْ صَاحِبِهِ أَوْ أَعَارَهُ إِيَّاهُ لَمْ يَنْفَسِخ الرَّهْنُ ". وهذا كما قال.
قد قيل: أراد به إذا أكرى الراهن [ق 173 ب] الشيء المرهون من المرتهن أو أعاره إياه لينتفع به لم يبطل الرهن.
ولو تلف تحت يده عند الاستعارة ضمن؛ لأنه مستعير.
وقال أبو حنيفة: إذا اكترى وارتهن فأخرهما يبطل أولهما.
وقيل: إن الشافعي فسره بهذا في الرهن الصغير.
وقيل: أراد به أن المرتهن لو أكرى من الراهن لا معنى للكري، إذا المنافع ليست ل حتى يكري، ولكن مع هذا لا ينفسح الرهن.
وأما الإعارة يجوز أن يطلق هذا اللفظ ويراد به تمكين الراهن مع الانتفاع ولا يبطل به الرهين أيضًا.
وقيل: وهو الصحيح أراد إذا أكري الراهن المرهون من المرتهن، ثم المرتهن أكرى منه أو إعارة ينفسخ الرهن، وتجوز الإجازة الثانية في أحد الوجهين، وإن كان الراهن مالك الرقبة فهو كالوجهين في جواز إجازة المستأجر من المالك: أحدهما: يجوز كما يجوز من غيره.
والثاني: لا يجوز لأن المنافع من ضمان المالك فلا يجوز أن يضمن له بعد الإجارة وهي مضمونة عليه، وكيفما قلنا فالرهن به لا يبطل.
وكذلك إذا كانت المنفعة

للمرتهن بوصية فأجرها من الراهن وقصد به الرد على أبي حنيفة حيث قال: استدامة القبض شرط في صحة الرهن، وإذا استحق على المرتهن قبضه بطل الرهن.
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ رَهَنَهُ [ق 174 أ] وَدِيعَةِّ لَهُ فِي يَدِهِ ". وهذا كما قال.
إذا رهنه شيئًا في يد المرتهن كالوديعة، والغصب، والعارية، والمأخوذ سومًا، أو تحوز ذلك صح؛ لأن ذلك أقرب إلى قبضه، ولابد من قبض بعد العقد، وهل يفتقر إلى الإذن بالقبض؟ قال ههنا: لابد من الإذن فيه ومضى مدةِ يتأتى فيه القبض.
وقال في "الإقرار والمواهب ": إذا وهب عينًا في يد الموهوب به له فقلبها تمت؛ لأنه قابض لها بعد الهبة، ولو كانت في يد غيره فقبضها بغير إذن الواهب لم يكن له ذلك.
واختلف أصحابنا في المسألتين على طريقين: قال أبو إسحاق رحمه الله: لا فرق بينهما فينقل بجوابه من كل واحدة من المسألتين إلى الأخرى ويجعل على قولين: أحداهما: لابد من اعتبار الإذن فيهما؛ لأن الشيء في يده على غير قبض الرهن والهبة، فلا يصير قبض هبةٍ ورهن إلا بإذن.
والثاني: لا يعتبر الإذن فيهما؛ لأن إقراره على العقد إذن منه بالقبض، ولأنه لما لم يفتقر إلى الإذن في القبض.
وقال بعض أصحابنا: المسألتان على ظاهرهما، والفرق أن الهبة تنقل الملك هي أكد من الرهن، كما لو باع لا يفتقر إلى الإذن في القبض، ويصير مقبوضًا له عقيب العقد.
وهذا ضعيف.
ومن أصحابنا من قال قولًا واحدًا يعتبر الإذن فيهما، وأراد بها ذكر في [ق 174 ب] الهبة إذا أذن في القبض، ولكنه أضمر هناك، وفي الرهن صرح وهذا أصح.
والفرق بين الرهن والهبة والبيع أن البيع يوجب القبض فلا حاجة فيه إلى الإذن من البائع إذا كان الشيء في يده، والرهن والهبة لا يوجبان القبض؛ لأنهما تبرع فيحتاج فيما إلى إذنِ.
وإذا تقرر هذا وأذن له بقبضه، فإن كانت الوديعة حاضرة في المجلس فأتى من الزمان ما يمكنه تناولها ورفعها من موضعها فقد صارت مقبوضة عن الرهن، وإن كانت غائبة عنهما.
فإذا أتى من الزمان ما يمكنه الوصول إليها وتناولها فقد صارت مقبوضه؛ لأن قبض الشيء حصوله في يده من غير مانع إلا أن تكون الوديعة مما يزول بنفسه كالعبد والحيوان الذي هو غير مُوثق في موضع ببيعه، فلا يتحقق كونه في الموضع الذي تركه فلا

يصح القبض حتى يصير إليه، أو يصير وكيله إليه مشاهدة نص عليه في "الأم "، وهو اختيار أبي إسحاق.
ومن أصحابنا من قال: لابد أن يحضره ويشاهده، وإن كان عنده أنه لم يخرج من يده؛ لأن الشافعي رحمه الله قال: "ولو كان في المسجد والوديعة في بيته لم يكن قبضًا حتى يصير إلى منزل وهو فيه" وهذا غلط وتأويل هذا اللفظ ما ذكرنا.
وقال أبو حامد: المنصوص في "الأم "هذا وهو المذهب، وغلط أبو إسحاق [ق 175 أ] حيث حمل هذا على الحيوان دون العقار والثياب، ولفظه في "الأم "أنه لا فرق بين الحيوان وغيره، والعلة فيه أن يجوز حدوث حادث من سرقة أو حريق أو غصب ونحو ذلك في الكل.
ثم قال: ومن أصحابنا من قال: لو أخبر مخبر أنه شاهده اقتصر على خبره، ويحصل القبض بمضي المدة.
وقال: وهذا ليس بشيء، وما ذكرنا أولى، ذكره القاضي الطبري رحمه الله وهو الظاهر، وقول الشيخ أبي حامد أقيس.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان، فإن قيل: دعوى القولين محال لأن الشافعي قال أولًا: "فجاءت مدة يمكنه فيها القبض فهو قبض "، ولم يشترط الرجوع إلى منزله، ثم عطف على هذا أنه لا يصير قبضًا حتى يصبر إلى منزله وهما عطفان متقاربان؛ وأعرض الشافعي عن ذكر القولين في.
قلنا: يحتمل أنهما مسطوران للشافعي في موضعين متباعدين فجمعهما المزني متعطفًا أحدهما على الآخر، وقد فعل مثل هذا كثيرًا.
وقال حرملة من عنده: يلزم الرهن بنفس العقد ههنا ولا يحتاج إلى مضي المدة، ولم يساعده غيره من أصحابنا.
وهذا غلط؛ لأن الرهن لا يلزم إلا بالقبض، وجملة ما ذكرنا أنه لا يحتاج فيه إلى النقل والتحويل لكونه في يده قولًا واحدًا، وهل يحتاج إلى الإذن في القبض؟ [ق 175 ب] على الاختلاف الذي بيناه.
وهل يحتاج إلى المصير إليه ومشاهدته؟ على التفصيل الذي ذكرناه.
فإذا تقرر هذا، لو تلف هذا الرهن بعد الحكم بالقبض انفسخ ولا خيار للمرتهن سواء كان في دين أو بيع، وإن كان التلف قبل الحكم بالقبض بطل الرهن.
فإن كان في دين فلا خيار للمرتهن، وإن كان في بيع له الخيار، وحكم الوالد في مال الولد إذا رهنه من نفسه مثل هذا في هذه المسائل.
مسألة: قَالَ: "وَلاَ يَكُونُ القَبْضُ إِلَّ مَا حَضَرَهُ المُرْتَهِنُ أَوْ وَكِيلُهُ ".

وهذا كما قال.
يحتمل أن يكون هذا ابتداء مسألة والرهن عين في يد الراهن فلا يكون قبضًا إلا أن يكون القبض من المرتهن أو وكيله ومشاهده، فإن اقتصر على القبض بالقول لم يكن قبضًا كما لا يكون قبضًا في المبيع، ولو وكل الراهن أن يقبض له من نفسه لا يجوز؛ وإنه لا يجوز أن يقبض من نفسه شيئًا لغيره.
وعلى هذا لو أذن لعبد الراهن أو أم ولده بالقبض لا يلزم؛ لأن يده يد الراهن.
ولو أذن لامرأة الراهن ومكاتبه بالقبض يلزم؛ لأن يده ليست يد الراهن.
وقوله: "لاَ حَائل دُونَهُ": معناه لا يتم قبض الراهن إذا كان بينه وبين الرهن حائل يجول بينه وبين القبض يتنوع أنوعًا كثيرة يستغني عن ذكرها.
ويحتمل أن يكون هذا [ق 176 أ] عطفًا على المسألة قبلها، وهي إذا كانت العين في يد المرتهن وهي غائبة عنهما لا يكون قبضًا إلا أن يحضره المرتهن أو وكيله، ويشاهده حال القبض، وهذا أشبه.
لا أعتبر الحضور المجرد، وإنما يكفي ذلك فيما كان وديعة عند المرتهن، فأما ما كان في يد الراهن فيحتاج فيه إلى النقل والتحويل.
مسألة: قَالَ: "وَالإِقْرَارُ بِقَبْضِ الرَّهْنِ جَائِزٌ إِلاَّ فِيمَا لاَ يُمْكِنُ فِي مِثْلِه ". وهذا كما قال.
إذا رهن رجل عند رجل شيئًا يحضره شاهدين ثم رهنًا ليقبضه المرتهن ورجعا، وأقر الراهن بأن المرتهن قبضه وأمكنه ذلك يصح إقراره، ويجوز للشاهدين أن يشهدا عليه عند الحاكم لو تنازعا، وإن لم يمكن ذلك إلا نادرًا ولا غالبًا، مثل أن يرهنه دارًا بمكة وهما بمصر فأقر في يومه أن المرتهن قبضه لم يصح إقراره، ولم يجز للشاهدين أن يهدا عليه بذلك لعلمهما بكذبه واستحالة كون ما أقرّ به، وهذا أصل في الإقرار متى أمكن صدقه لزمه، وإلا فلا يلزم.
ولهذا لو قال لزوجته: أمي من الرضاع وهي أكبر سنًا منه بحيث يختمل ذلك لزمه.
وإن كانت في سنه أو أصغر سقط إقراره.
فرع لو اختلفا بعدها رهن وأذن في قبضه فقال المرتهن: قبضه وأنكر الراهن.
قال في "الأم ": "القول [ق 176 ب] قول المرتهن ". وقال في مسألة قبلها: "القول قول الراهن "وليست المسألة على قولين، بل على اختلاف حالين، والذي قال: "القول قول الراهن "إذا وجد في يد الراهن فقال المرتهن قبضته ورددته إليك.
والذي قال: "القول قول المرتهن "؛ لأن الظاهر من حصوله في يده بعد إقراره بالإذن في القبض أنه باستحقاق، ولا يقبل قول الراهن: رجعت عن الإذن بالقبض ثم قبض من غير إذني.

مسألة: قَالَ: فَإِنْ أَرَادَ الرَّاهِنُ أَنْ يُحَلِّفَ لَهُ المُرْتَهِنَ أَنَّهُ قَبَضَ مَا كَانَ أَقَرَّ لَهُ بِقَبْضِِ أَحْلَفْتَهُ ". وهذا كما قال.
إذا أقر الراهن بأن المرتهن قد قبض الرهن ثم اختلفنا فقال الراهن: أقررت له بالقبض ولم يكن قبض لا يقبل قوله.
فلو قال: أحلفوا المرتهن أنه قبض، قال الشافعي رحمة الله عليه: "أَحْلَفْتُهُ ". واختلف أصحابنا في هذا، قال ابن خيران وجمهور أصحابنا: يحلف، وهو ظاهر المذهب؛ لأنه دعوى لو صدقه فيها بطل إقراره، فإذا كذبه له استحلافه، ولا فرق بين أن يقول: إنما أشهد على نفسي وأقررت بقول وكيلي وقد بان لي أنه كذب فيه.
أو قال: إنما توليت بنفسي عقد الرهن، وإنما قبضته بالقول، وإقراري مستند إلى قبض من جهة الفعل، وهذا لأنه عذر موهوم يحتمل ذلك، وجرت العادة [ق 177 أ] أن يقر بذلك قبل فعله ليفعله، وهكذا في البيع جرت العادة أن يقر البائع بقبض الثمن وإن لك يكن قبض ليقبض، فحلف المرتهن بالله لقد كان القبض قبضًا كاملًا وكذلك يحلف المتري ولم يكن على التأويل الذي ذكره الراهن أو البائع.
وقال أبو إسحاق: المسألة على رهن غائب في بلد آخر فقال: أقررت بالقبض بكتاب لم يكن صحيحًا، أو كان وكيل كاذبًا فيحلف عليه له، فأما إذا كان الراهن حاضرًا فأقرَّ بقبضه لا يحلف المرتهن؛ لأنه لا عذر له فيما كان حاضرًا فلا يسمع دعواه بالقبض بعد إقراره به، وهذا لا يصح.
ونص في "الأم "أنه يحلف بكل حاٍل.
ذكره أبو حامد رحمه الله.
فرع لو أقر هكذا ثم قال: أقررت وكذبت ولم يكن على حسب على ذكرنا، لا يحلف ولا يقبل قوله في ذلك.
ونظير هذه المسألة لو أقر لرجل بماٍل وأشهد على إقراره ثم قال: كذبت ما له عليَّ حق، ولكن وعدته لم يقبل ولا يلتفت إلى قوله، فلو قال: أحلفوه حلف على قبول أكثر أصحابنا؛ لأنه قد يقر له على وعٍد يعده.
وعلى قول أبي إسحاق لا يحلف إلا أن يضيفه إلى وكيله وأنه بان له كذبه.
ولو قال: ما أقررت فحلفوه لا يحلف.
وقال قال: هو ثمن خمر أو نحوها يحلف وحملته أنه لابد من تأويل يذكره حتى [ق 177 ب] يستحق الاستحلاف.
فرع آخر لو قامت البينة على فعل القبض وما هدتهم فقال: ما أقبضه فاحلفوه لا يحلف؛ لأن فيه

تكذيب الشاهدين.
وهكذا لو قامت عليه البينة بالحق لا يحلف لئلا يؤدي إلى تكذيب البينة.
مسألة: قَالَ: "وَالقَبْضُ فِي العَبْدِ وَالثَّوْبِ وَمَا يَحُولُ أَنْ يَأُخُذَهُ مُرْتَهِنُهُ ". الفصل: وهذا كما قال.
قد بيَّنا في "كتاب البيع "أن القبض يختلف باختلاف المقبوضات.
وجملته أن كل قبض يدخل به البيع في ضمان المشتري يلزم به الرهن.
وإن كان سهمًا من عقار قبضه كما يقبض المشاع.
ولا تفتقر صحة القبض إلى حضور الشريك ولا يتم القبض إلا بالتخلية بينه وبين كلها؛ لأن الشقص الشائع يتعذر قبضه ممتازًا ولا يتميز قبل القسمة فلابد من تسليم كلها حتى يصير النصف مُسلمًا.
وإن كان المشاع فيما ينقل ويحول كالثياب والجواهر والحيوان لا يصح الإقباض إلا يحضور الشريك؛ لأن الشيء لا ينقل من مكان إلى مكان إلا يحضره مالكه؛ فإذا وقع القبض فإن اتفقوا أن يكون عند واحٍد من الثلاثة عند المرتهن بعضها رهنًا وبعضها وديعة، أو عند الرهن، أو عند الشريك بعضها رهنًا وبعضها وديعة وإلا وضع على يدي عدل أو يؤاجره الحاكم إن كان لا يضره الاستعمال.
فإن قيل: إذا كان العدل وكيلًا لما كيف يتكامل قبض [ق 178 أ] الجوهرة ويده يد الراهن كما كانت يد المرتهن.
قلنا: العدل يقبض للمرتهن ويحفظ للراهن فإذا قبض العدل الجوهرة استخلص القبض للمرتهن، وهو مشروع من جهة مالك الرهن، وإن اتفقوا على أن يكون مهايأة من الشريك والمرتهن فيكون عند الشريك أيامًا وعند المرتهن أيامًا جاز أيضًا.
فرع لو خلى بينه وبين الدار وفيها قماش للراهن صح التسليم في الدار.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا يصح التسليم؛ لأنها مشغولة بملك الرهن.
قال: وكذلك إذا رهن دابة عليها حمل للراهن وسلم الكل إليه لم يصح قبض الدابة.
وهذا لا يصح؛ لأن كل ما كان قبضًا في البيع كان قبضًا في الرهن.
فرع آخر إذا رهن عنده دارًا فخلى بينه وبينها وهما فيها، ثم خرج الراهن صح القبض.
وقال أبو حنيفة: لا يصح حتى يخلي بينه وبينها بعد خروجه؛ لأنه إذا كان في الدار يده عليها فلا تصح التخلية.......... تحصل بقوله ورفع يده عنها، ألا ترى أن بخروجه من

الدار لا تزول يده، وبدخوله إلى دار غيره لا تثبت يده عليها، وههنا بخروجه منها حقق قوله فلا معنى لإعادة التخلية.
فرع آخر إذا رهن رجل عند آخر شيئًا بدين إلى أجل على أنه لم يقبضه إلى محله كان مبيعًا منه بالدين، فالرهن [ق 178 ب] والبيع فاسدان.
أما الرهن فلأنه مؤقت بمحل الدين، ومن شأن الرهن أن يكون مطلقًا.
وأما البيع فمعلق بزمان مستقبل، فيكون هذا الرهن في يد القابض في المدة غير مضمون؛ لأنه مضمون بحكم بيع فاسد وحكم الفاسد من العقد حكم الصحيح في الضمان.
فرع آخر لو قال: رهنتك هذا إلى سنة، فإن قضيتك فالعبد لي، وإن لم أقضك فالعبد لك بيعًا به فالرهن جائز والبيع باطل.
والفرق بينه وبين المسألة الأولى أن ههنا أخرج مخرج الخبر فلم يقدح في صحة الرهن وبطل البيع لتعلقه بالصفة، وهناك أخرج مخرج الشرط بقوله: علىَّ وكلاهما بطل؛ لأنه شرط في الرهن ما ينافيه.
فرع آخر لو كان الرهن أرضًا في هذه المسألة التي ذكرناها فغرس فيها، فإن كان قبل انقضاء المدة فقد غرس بإذن الراهن، وإن كان فاسدًا فقد تضمن الإذن في التصرف فيكون الراهن مخيرًا بين ثلاثة أشياء إما أن يقر غرسه، أو يدفع إليه قيمته، أو يجبره على تلفه ويضمن له ما نقص.
فرع آخر لو تزوج العبد امرأة بألف بإذن سيده، ثم إن السيد ضمن هذا الألف عن عبده وأعطاه العبد نفسه رهنًا بالألف لا يجوز؛ لأن أصل الدين مضمون عن العبد فلم يجز أن [179 أ] يجعله رهنًا في الدين؛ لأن ثبوت الوثيقة غير الموثق فيه، ونظيره من الضمان أن يضمن زيد عن عمرو ألفًا ثم يعود عمرو يضمنه عن زيد فيكون ضمان زيد باطلًا.
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ كَانَ فِي يَدَيَّ المْرُتَهِنِ بِغَضْبِ ". الفصل: وهذا كما قال.
إذا غصب من رجل شيئًا ثم رهنه المالك عند الغاصب قبل أن

يقبضه منه فعقد الرهن يصح، ويحتاج إلى قبض الرهن، وذلك بمضي المدة والإذن في القبض على ما ذكرنا، وهذا العقد لا يزيل ضمان الغصب.
وقال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد، والمزني رحمهم الله: يزيل ضمان الغصب، وعند أبي حنيفة يصبر مضمونًا ضمان الراهن؛ لأن عنده الرهن مضمون.
وذا غلط؛ لأن استدامة الرهن لا تنافي ضمان الغصب.
وأعلم أن الشافعي رحمه الله عليه احتج في "الأم "على هذه المسألة بأن قبضه من نفسه لا يبرئه من الضمان، ألا ترى أنه لو أذن المشتري للبائع في قبضه المبيع بثمن من نفسه فقبضه لا يبرأ من الضمان.
قال أصحابنا: يمكن أن يفرق بينهما فبقال في المبيع: لم يصح القبض وههنا صح القبض، وإنما صح ههنا لأنه قبض بنفسه بإذن غيره، والبائع قبض لغيره من نفسه، ويصح أن يقبض لنفسه؛ لأن الشيء في يده فلا يقبض لغيره؛ لأنه لا يصل إلى يد غيره.
وهكذا [ق 179 ب] الحكم لو رهن عنده المأخوذ سومًا أو ببيع فاسد.
فرع آخر لو رهن عنده ثم دفعه الغاصب إلى المالك ثم أقبضه منه المالك برئ من ضمان الغاصب؛ لأنه رجع إلى يد صاحبه.
ولو أبرأه من ضمان الغصب ثم رهنه إياه لم يكن مضمونًا أيضًا؛ لأن الضمان حق للمغصوب منه، فإذا أبرأ منه سقط.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز هذا الإبراء؛ لأن الإبراء من ضمان العين لا يجوز، وضمان القيمة يجب بعد.
وهذا لا يصح؛ لأن سبب الضمان قد وجد فصح الإبراء منه، ألا ترى أنه لو حفر بئرًا فمات ووقع فيها إنسان كان مضمونًا في تركته كما لو كان حيًا؛ لأن سبب الجناية كان منه في حال الحياة، كذلك ههنا.
فرع آخر لو شرط وضعه على يدي عدل فوضعه الغاصب برئ من الضمان؛ لأن العدل وكيل الراهن.
فرع آخر لو جعله وديعة عنده فيه وجهان: أحدهما: لا يزول الضمان كالرهن؛ لأن الراهن أمانة كالوديعة.
والثاني: يزول الضمان وهو الصحيح؛ لأن الوديعة تنافي الضمان لكونها أمانة محضة يرجع نفعها إلى الغير خاصة بخلاف الوهن.
ولهذا لو تعدى المودع في الوديعة خرج من كونها وديعة، ولو تعدى المرتهن في الرهن لا يخرج من الرهن.

فرع آخر لو أجبر المغصوب [ق 180 أ] من الغاصب لا يزول الضمان بلا خلاف على المذهب؛ وهكذا ذكره جمهور أصحابنا.
وقال في "الحاوي ": إن قلنا بالوديعة يزول الضمان، فالإجارة أولى.
وإن قلنا بالوديعة لا يزول الضمان ففي الإجارة وجهان: أحدهما: لا يبرأ لأنها أمانة كالوديعة.
والثاني: يبرأ لأن الإجازة صنف من النوع يستحق فيها عوضًا.
فرع آخر لو جعله مضاربة في يده في وجهان كما في الوديعة.
وقال في "الحاوي "فيه وجه ثالث هو صحيح عندي أنه ما لم يتصرف في العامل بحق المضار؛ فالضمان باق، وإن تصرف فيه بإتباع شيء، فإن ابتاع في ذمته ونقل المال لم يسقط الضمان، وإن ابتاع بعين المال سقط الضمان.
والفرق أنه إذا اشترى بعين المال كان دافعًا للمال إلى مستحقه عن إذن المالك فيبتدئ من حصته، وإذا اشترى في ذمته كان قاضيًا لدين تعلق بذمته لم يبرأ من ضمانه.
فرع آخر لو أعاره شيئًا ثم رهنه عند المستعير، فإن لم يكن منعه من الانتفاع لا يزول الضمان، وإن منعه من الانتفاع به اختلف أصحابنا فيه.
قال الداركي: كان أبو إسحاق يقول: يزول ضمان العارية؛ لأن ضمان الغصب أكد من ضمان العارية.
ومن أصحابنا من قال: لا يزول الضمان كما لا يزول [ق 180 ب] ضمان الغصب، وهو الصحيح.
وقيل: هما مبنيان على أن العارية هل تبطل بهذا الرهن؟ وفيه وجهان: أحدهما: لا تبطل العارية بحدوث الرهن، وله أن ينتفع بها كما قبل الرهن، فعلى هذا ضمانها باق.
والثاني: تبطل العارية.
فعلى هذا يرتفع ضمانها ويفارق المغصوب؛ لأنه لم يرتفع الغضب بالرهن فلم يرتفع حكمه.
فإذا تقرر هذا، قال المزني رحمه الله: يشبه أصل قوله إذا جعل قبض الغصب في الرهن جائزًا كما جعل قبضه في البيع جائزًا، أم لا يجعل الغاصب في الرهن ضامنًا، إذ الرهن عنده غير مضمون لكن الغصب مضمون.
وإنما يلزم هذا الضمان بسبب الغصب

السابق، ولا يشبه الرهن المبيع؛ لأن البيع يزيل الملك فلا يستحيل اقتران الضمان به كالجناية والرهن.
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ رَهَنَهُ دَارَيْن فَقَبَضَ إِحْدَاهُمَا وَلَمْ يَقْبِضِ الأثخْرَى".
الفصل وهذا كما قال.
إذا رهنه عينين لا يخلو إما أن يكون مما ينقل أو مما لا ينقل، فإن كانت مما ينتقل فنقلت إحداهما كما كان قبل القبض انفسخ العقد فيه، وهل ينفسخ في الأخرى؟ مبني على ذكرناه في البيع وفي طريقان: أحدهما: لا ينفسخ في الباقي قولاً واحدًا؛ لأن الفسخ طرأ على العقد.
والثاني: فيه قولان؛ فإذا قلنا ينفسخ في الباقي اختلف [ق 181 أ] أصحابنا في العلة، فقيل لجهالة العوض، فعلى هذا لا ينفسخ الرهن، لأنه لا عوض فيه........ اجتمع الحلال والحرام، فعلى هذا في الرهن الباقي قولان: فإذا قلنا ينفسخ أو لا ينفسخ في الباقي، فإن كان مشروطًا في بيع ثبت الخيار للبائع في فسخ البيع لتعذر ما شرطه في العقد عليه، وإن رضي بالبيع ما لم يكن له المطالبة بالرهن إلا أن تكون إحدى العينين باقية.
وإن قلنا: لا ينفسخ العقد فله إمساكها، وهذا لجميع الثمن، وبكل جزء منه، وإن لم يكن مشروطًا في بيع فليس له المطالبة؛ لأن العقد تعلق بعينه.
فإن قيل: هلا قلتم أنه ينفسخ لأن الرهن في يده أمانة كما قلتم في العين المستأجرة إذا تلفت في يد المستأجر كانت من ضمان الأجير؟ قلنا: الرهن وإن كان أمانة فالوثيقة منه من ضمان المرتهن؛ لأن ذلك حصل في يده على ما يستحقه بالعقد فكان من ضمانه.
وأما العين المستأجرة فالذي استحقه بالعقد المنفعة والعين غير معقود عليها، وإذا تلفت العين انفسخ العقد في المنفعة التي لم تحصل في يده؛ لأنها تتحدد فلها افترقا.
وإن كان مما لا ينتقل ولا يحول، من أن يرهن داريين فإن احترقت إحداهما قبل القبض فقد تلف خشبها وذلك يأخذ قسطًا من الثمن في البيع، ويكون بمنزلة المنقول، وقد [ق 181 ب] مضى حكمه.
وإن انهدمت ولم يتلف منها إلا التالف فذلك لا يقابله الثمن، إلا أنها تنقض بالانهدام فيثبت المرتهن الخيار إن كان الرهن مشروطًا في بيع ولا يبطل الرهن.
فإن قيل: أليس قلتم إذا انهدمت الدار المستأجرة انفسخت الإجارة، فقولوا في الرهن مثله؟ قلنا: الإجارة عقد على المنفعة، والمنفعة تعذرت به، وههنا استئناف بالعين وهي باقية.

فإن قيل: قلتم لو أوصى بدا ثم انهدمت لا يدخل النقد في الوصية، وقلتم يدخل في الرهن فما الفرق؟ قلنا: الاعتبار بحالة الموت، ولهذا أوصى بثلث ماله اعتبر قدره حال الموت، فإذا انهدمت الدار فاسم الدار قد زال عن الأعيان المنفصلة عند الموت فلا يدخل في الوصية، والاعتبار في الرهن بالعقد، وما دخل في العقد استقر بالقبض، فإن كان الانهدام بعض القبض لا خيار على ما بيننا.
وعلى هذا الذي ذكرنا لو كانتا باقيتين فأقبض أحدهما وامتنع من إقباض الأخرى فالمقبوض مرهون لجميع الحق؛ لأن الرهن وثيقة بكل الحق وبكل جزء من أجزائه على ما ذكرنا.
وحكي عن أبي حنيفة رواية أنه كان المقبوض رهن بحصته من الحق، ثم امتناعه من تسليم الثانية لا يبطل الرهن في الذمة أقبض........ ولا يبطل أيضًا في التي امتنع من إقباضها حتى يغير عن البطلان بعبارة صالحة، فإن بدا له بعد ذلك تسليمه إليه مسلمة كان رهنًا لازمًا بالعقد السابق، وإن أصر [ق 182 أ] على الامتناع فللبائع فسخ البيع عند الشرط؛ لأنه لم يسلم جميع الشرط.
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ أَصَابَهَا هَدْمٌ بَعْدَ القَبْضِ كَانَتْ رَهْنًا بِحَالِهَا وَمَا سَقَط مِنْ خَشَبِهَا".
وهذا كما قال، إذا رهن دارًا فانهدمت بعد القبض فالرهن صحيح على ما ذكرنا وتكون الدار بطوبها وخشبها وجميع أنقاضها رهنًا؛ لأن كل ذلك أخذ في عقد الرهن على ما ذكرنا.
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ رَهَنَهُ جَارِيَةً قَدْ وَطِئَهَا قَبْلَ الْقَبْضِ".
الفصل: وهذا كما قال.
إذا رهن جارية ثم ظهر بها حما فأقر به المرتهن لا يخلو إما أن يكون أقر بالوطء قبل الإقباض أو بعده، فإن أقر به قبله يؤثر الإقرار فيه؛ لأنه يجوز من ذلك الوطء، ويجوز أن تحبل من غيره، والأصل جواز العقد وعدم الحبل، ولا فرق بين أن يكون هذا الإقرار منه بعد عقد الرهن أو قبله؛ لأن الرهن غير لازم في الحالين، ثم ينظر، فإن لم يظهر الحمل فلا كلام، وإن ظهر بها حمل نظر، فإن كان الوقت لا يمكن أن يكون من ذلك الوطء بأن يكون لأكثر من أربع سنين أو لدون ستة أشهر من الوطء لم يلحق بالراهن ولم تصر أم ولده ويحكم بأنها أتت به من زنا أو وطء شبهة فيكون مملوكًا للراهن والجارية رهن بحالها، وإن كان الوقت يمكن أن تكون منه بأن كان لستة أشهر فصاعدًا

[ق 182 ب] أو دون أربع سنين تلحق بالراهن وصارت أم ولد له وخرجت من الراهن.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن وضعت لأكثر من ستة أشهر ودون أربع سنين هل يبطل الرهن؟ وجهان: أحدهما: لا يبطل الر هن؛ لأن الرهن لا يبطل بالإمكان وإن كان النسب يثبت بالإمكان.
والثاني: يبطل الرهن لأنا حكمنا بالعلو وقبل القبض يلحق النسب به.
وقال أبو الفياض في شرحه: لا يخرج من الرهن بلا خلاف؛ لان الولد لحق به بالفراش لا بالاعتراف بالولد.
وهذا غير صحيح؛ لأن خروجها من الرهن إنما يكون لماذا صارت أم ولده وهي تصير أم ولده بالفراش ما تصير أم ولده بالاعتراف بالولد، فوجب أن تخرج من الرهن إذا لحق ولدها بالفراش كما تخرج إذا لحق ولدها بالاعتراف، ثم ليس للمرتهن فسخ البيع إن كان البيع على هذا الرهن؛ لأنه دخل على بصيرة يوطئه، فإن الإقرار كان قبل العقد أو قبل القبض بعد العقد فهو بمنزلة العلم بالعيب.
هكذا ذكره القاضي الطبري.
وقال بعض أصحابنا: إن كان هذا الإقرار وقت العقد لا خيار، وإن كان بعد العقد قبل التسليم فله الخيار بكل حال؛ لأنه رضي بالوطء ولم يرض بالحمل الذي لا يؤول إليه الوطء، فإن الظاهر عدمه، ولهذا جوزنا الرهن حق للبائع من الفسخ بذاك، وإن أقر [ق 183 أ] بالوطء بعد الإقباض، فالولد يلحقه ولكنه متهم في هذا القول، لأنه يريد أن ينزع الرهن من يده فهل يقبل قوله في بطلان الرهن؟ قولان مخرجان بناء على القولين فيه إذا رهن عبدًا ثم قال: كنت أعتقه أو جني جناية:؛ أحدهما: يقبل؛ لان الضرر الذي يلحقه ببطلان ملكه أكثر مما يلحق المرتهن فلا يتهم انه قصد الإضرار بالمرتهن.
والثاني: لا يقبل؛ لأنه يبطل حق الغير.
فإن قلنا: لا يقبل فالقول قول المرتهن مع اليمين، فإن نكل ردت اليمين على الراهن، فإن نكل فهل يحلف الجارية؟ قولان.
وإن قلنا: القول قول الراهن فهل تلزم اليمين؟ فيه وجهان مخرجان من القولين في الرهن إذا أقر بالجناية عنده قبل رهنه وقلنا يقبل هل عليه اليمين أم لا؟.
وإذا قلنا: لا يقبل قوله في حق المرتهن فتخلصت من الرهن صارت أم ولدٍ ولا يجوز له التصرف فيها بما لا يجوز في أم الولد للإقرار السابق، وإن أنكر الرهن أن يكون الحمل فيه من كلتا المسألتين كانت الجارية رهنًا، وهذا بأن يدعى الاستبراء، وإنما يشترط دعوى الاستبراء؛ لأن الاعتراف بالوطء يوجب لحوق الولد ما لم يدع الاستبراء.

مسألة: قَالَ: "وِإِنْ اغْتَصَبَهَا بَعْدَ القَبْضِ فَوَطِئَهَا فَهِيَ بِحَالِهَا".
وهذا كما قال.
إذا رهن جارية ثم أراد وطئها لا يخلو إما إن كانت مما يحبل مثلها أو لا يحبل [ق 183 ب] مثلها، فإن كانت ممن يحبل مثلها لا يحل له وطئها.
فإن قيل: لم لا تبيحون وطئها كما تبيحون سكنى الدار وركوب الدابة.
قلنا: لأن الوطء فاتحة الاستهلاك بالاستيلاد فنظيره أن يجمل على الدابة ما يخشى به عطبها فلا يجوز ذلك له، وإن كانت ممن لا يحبل مثلها لصغر أو كبر فالمذهب أن لا يحل وطئها؛ لأن الفرق بين من يحبل ولا يحبل يتعذر فحسم الباب كما حرم الخمر للسكر وحرم مثلها لمثل هذا المعنى.
وهذا اختيار ابن أبي هريرة -رحمه الله-.
وقال أبو إسحاق: يحل وطئها لأنه لا ضرر فيه.
وهذا أقيس.
وإذا منعنا الوطء لا يجوز أن يطأها دون الفرج وجهًا واحدًا؛ لأن ذلك يدعو إلى وطأها في الفرج فيمنع الإمساك...... وقيل الأجنبية.
ذكره في "الحاوي" فإن خالف ووطء لا حد عليه ولا مهر؛ لأنه صادف ملكه، ولو وجب المهر كان له فلا يجب له على نفسه شيء.
ويفارق هذا إذا وطء أمة مكاتبة يلزمه المهر؛ لأن الرهن باقيه للراهن وله الانتفاع به مع استبقاء الرهن وهذا من المنافع، ومنافع مال المكاتب والمكاتبة يحول بينها وبين السيد وهي لهما بحكم عقد الكتابة، ولهذا يلزم المهر.
ثم لا يخلو إما أن تحبل أو لا تحبل، فإن لم تحبل لا يخلو [ق 184 أ] إما أن تكون ثيبًا فلا شيء، وإن كانت بكرًا يلزمه أرش نقص بذهاب البكارة، لأنه إتلاف جزء منها كأطرافها، وهو بالخيار بين أن يجعل ذلك رهنًا معها أو قصاصًا من الحق.
قال الشافعي رحمة الله عليه: "ولا أظن أحدًا يجعل ذلك رهنًا معها ولا يجعله قصاصًا عن الحق".
واعلم أن الشافعي رحمه الله تعالى أطلق لفظ القصاص في هذه المسألة ولم يرد به حقيقة القصاص؛ لأن حقيقته أن يكون لكل واحد من الغريمين في ذمة صاحبه دين فيتقاضيان إذا كان الدينان متجانسين، وليس في ذمة المرتهن هنا دين، وإنما الدينان جميعًا في ذمة الراهن، فمراد الشافعي بذكر لفظ القصاص إذا بعض الدين؛ لأن أرش الاقتصاص موجه على السيد والخيار إليه، فإن شاء أعطاه على جهة الرهن، وإن شاء أعطاه على جهة قضاء الدين إذا كان الدين حالاً، وإن كان مؤجلاً فالمرتهن مخير بين.............. على قبول المعجل على القول المشهور، وإن أحبلها بحقه نسبه والولد حر، وصارت أم ولد في حقه، وهل ينفذ إحياله في حق المرتهن فيخرج من الرهن الحكم فيه؟

وفي ابتداء العتق واحد.
قال في "الأم": وإن كان سرًا نفذ إحياله وإعتاقه ويؤخذ منه القيمة، وإن كان معسر ًا فيه قولان: أحدهما: ينفذ [ق 184] وتكون القيمة في ذمته تؤخذ منه متى وجد مالاً.
والثاني: لا ينفذ ويكون رهنًا بحالها.
ونقل المزني رحمه الله أنه إذا كان موسرًا ينفذ وإن كان معسرًا لا ينفذ.
وقال في "القديم": والرهن اللطيف إذا أعتق وأجل.
قال عطاء: لا ينفذ ولهذا وجه.
ثم قال: وقال بعض أصحابنا: ينفذ إن كان موسرًا وإن كان معسرًا لم ينفذ، واختار هذا ونظيره.
ثم قال: فإن قال قائل: لم تركت قول عطاء؟ قلنا: لأنه لا ضرر على المرتهن في العتق، لأنا لا نأخذ قيمته، فحصل من هذا أنه كان معسرًا لا ينفذ، وإن [كان] موسرًا فيه قولان، واختار الفصل بين الموسر والمعسر، والفرق ما ذكره الشافعي رحمة الله عليه أنه إن كان موسرًا يمكن أخذ القيمة منه ووضعها رهنًا مكانه فلا يؤدي إلى الإضرار بالمرتهن، وإن كان معسرًا لا يمكن ذلك.
وهذا كما تقول في أحد الشريكين إذا أعتق نصيبه إن كان موسرًا ويؤخذ منه القيمة، وإن كان معسرًا لا ينفذ.
وكذلك لو أعتق السيد عبد العبد المأذون إن كان عليه دين لا ينفذ، فكذلك لو أعتق السيد.
وغن لم يكن عليه دين اختلف أصحابنا في المسألة على المرق؛ قال صاحب "الإفصاح" وجماعة: في الإعتاق والإحبال ثلاثة أقوال: أحدهما: لا ينفذ موسرًا كان أو معسرًا، وبه قال عطاء رحمه الله [ق 185 أ] لأنه لما أعلق رقبتها بعقد الرهن أوثقها بحق المرتهن فلا يجوز مناقضة فعله بفعله عند الإحبال والإعتاق.
والثاني: ينفذ موسرًا كان أو معسرًا، وبه قال أبو حنيفة وأحمد رحمهما الله؛ لأن الإعتاق والإحبال صادفا الملك الكامل، وإذا كان معسرًا عند أبي حنيفة يستسعيى العبد في قيمته، ويخالفه أحمد في ذلك، وهذا غلط؛ لأن فيه إيجاد الكسب على العبد ولا وجه له.
والثالث: الفصل بين الموسر والمعسر، وبه قال مالك رحمه الله، وهو الصحيح على المذهب، ووجه ما ذكرنا.
ولم يصرح الشافعي رحمه الله بان المسألة ثلاثة أقوال، ولكن حصل ثلاثة أقوال على وجه التخريج.
وقال أبو إسحاق: إن كان موسرًا ففي نفوذ إحباله وإعتاقه قولان، وإن كان معسرًا فحكمه مبني على الموسر، فإن قلنا هناك فههنا أولى.
وإن قلنا هناك ينفذ فههنا

قولان، أحدهما هذا وهو الأصح؛ لأن الشافعي لم يبين حكم المعسر على الموسر في شيء من كتبه.
ويحكى عن أبي إسحاق انه قال في العتق ثلاثة أقوال، والإحبال مرتب عليه، فإن قلنا العتق ينفذ فالإحبال أولى؛ لأنه فعل فهو أولى من القول؛؛ لأن الأب يستولد جارية ابنه فتصير أم ولده ولا ينفذ عتقه فيها.
وكذلك المريض [ق 185 ب] ينفذ استيلاده في الجارية المستفرغة بالدين ولا ينفذ إعتاقه فيها.
وينفذ الاستيلاد من المجنون والمحجور عليه ولا ينفذ عتقهما.
وإن قلنا العتق لا ينفذ ففي الإحبال قولان لهذا المعنى الذي ذكرنا وفي هذا أيضًا نظر؛ لأن العتق أقوى من الإحبال من وجه، فإن يتنجز في المال بخلاف الاستيلاد، ولأن قول المجنون والمحجور فيما يؤدي إلى اتلاف ماله فلا ينفذ عتقهما وتعلقهما صادف الملك ووجد حقيقة فنفذ، وعند صحة القول فالإحبال والعتق سواء.
ومن أصحابنا من قال: إن كانت معسرًا لا ينفذ الإحبال والعتق قولاً واحدًا، وإن كان موسرًا فيهما قولان.
فرع قال أصحابنا: على ما ذكرنا أنه لو رهن نصف عبده وأقبضه ثم أعتق النصف الذي لم يرهن عتق وسرى إلى الباقي قولاً واحدًا.
واختلاف المذهب في ابتداء العتق لا في السراية، وهو كما لا يجوز ابتداء العتق في نصيب الشريك ويسري إليه يختلف باليسار والإعسار كما قلنا في الشريك.
وذكر شيخنا ناصر العمري رحمه الله عن بعض أصحابنا أنه لا يسرى إلى المرهون؛ لأنه يؤدي إلى إبطال حق المرتهن، وهذا ضعيف جدًا.
فإذا تقرر هذا فالكلام الآن في التفريع على القولين، فأولاً نذكر حكم المعتق ثم نذكر حكم الإحبال.
فإذا أعتق وقلنا نظر، فإن كان [ق 186 أ] موسرًا يؤخذ منه قيمته في الحال كما لو قتله، ويعتبر قيمته حين الإعتاق لأنته وقت التلف.
ثم إن الحق حالاً طولب بها حتى يقضي الدين، وإن كان مؤجلاً رهنًا مكان ذلك وبرئت ذمته من قيمته وكان الدين باقيًا في ذمته، ولا يحتاج إلى تجديد الر هن في القيمة لأنها بدل العين المرهونة.
وإن كان معسرًا يكون في ذمته وقيمة الرهن معًا، وإذا أيسر نظر، فإن كان الحق قد حل طولب به، فإذا قضاه برئت ذمته من الحقين، وإن لم يكن حل طولب بالقيمة، وإذا اختار أن يجعل رهنًا مكان الرهن تعلق الحق بالرهن وبرئت ذمته من قيمته وكان الدين باقيصا في ذمته على ما ذكرنا.
والمنصوص أنه يحكم بنفوذ عتقه بنفس اللفظ.
ومن أصحابنا من قال: فيه ثلاثة أقوال كما في شرائه العتق إلى نصيب الشريك: ينفذ باللفظ.
والثاني........... والثالث: انه يراعى، فإن دفع القيمة تبينا أنه عتق باللفظ، وإن لم يدفع تبينًا أنه لم يعتق أصلاً.
وهذا غلط مذهبًا وحجاجًا.
أما المذهب: فنص الشافعي عليه ههنا انه يعتق بنفس اللفظ، وأما الحجاج: أنه لو كان هذا بمنزلة عتق

أحد الشريكين لوجب أن لا ينفذ عند الاعتبار قولاً واحدًا؛ لأنه لا يسري إلى نصيب الشريك عند الإعسار قولاً واحدًا.
وأيضًا [ق 186 ب] إعتاق الراهن صادف ملكًا وغنما يدفع القيمة إلى المرتهن على وجه الاستئناف للمرتهن لا غرمًا للتلف، ولا يتوقف نفوذ العتق على آدابها بخلاف قيمة نصيب الشريك.
وإذا قلنا: لا ينفذ عتقه كان وجود هذا القول منه وعدمه سواء.
فإن زال حق المرتهن عن العين مثل إن قضى الحق وفك الرهن، وبيع العبد في الرهن ثم ملكه بعد ذلك بإرث أو شراء لم يؤثر ذلك العتق فيه.
ومن أصحابنا من قال: يحكم بعتقه كما لو كانت امة فأحبلها ثم زال حق المرتهن عنها تصير أم ولده، وبه قال مالك رحمه، وهذا غلط.
والفرق أن الإحبال فعل مؤثر ولا يمكن دفعه بعد حصوله، والعتق قول إذا لم يصح يصير لغوًا.
ولهذا ينفذ الإحبال بشبهة الملك دون العتق، وينفذ من المجنون دون العتق.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن بيع في الدين ثم ملكه لا يعتق؛ لأنه قول رد وأبطل فلا ينفذ في وقت آخر، وإن قبله بأداء أو إبراء فيه قولان: أحدهما: لا يعتق.
والثاني: يعتق؛ لانه كان موقوفًا عن الافتكاك من الرهن، وهما كالقولين في إعتاق المفلس وتصرفاته فيه لا تكون موقوفة إلا على قولنا القديم أنه يقف العقود على الإجارة، والصحيح ما ذكرنا.
وأما حكم الإحبال: فإن قلنا ينفذ صارت أم ولده في حقه وحق المرتهن [ق 187 ب] بعقد يتوهم صحته مثل أن يجمع بين الحر والعبد والحمل في البطن لا يفرد بالعقد في البيوع.
فإن قيل: فاجعل الولد في البطن كالمعدوم، ووجه العقد على الأم حتى يصححه.
قلنا: لا سبيل إلى ذلك؛ لأن الولد انفرد عن الأم في العقود لا انفرد عنها في التقويم عند الاستهلاك.
فإن قيل: هذا جوزتم بيعها على القول الذي يقول الحمل لا يعين.
قلنا: للحمل أمارات لا تكاد تخفي على القوابل، وصورة هذه المسألة أنها تحقق تلك الأمارات فإن باعها قبل ظهورها، ثم بان الحمل المستند إلى وقت العقد أبطلنا العقد.
فإن قيل: هلا وقفت العتق بعد ظهور الأمارات على القول بوقف العقود؟ قلنا: لم نفعل ذلك؛ لأن بيعها لا يستغنى عن تعينها، فالإشارة في العقد، ومعقول أنك إذا أشرت إلى الحبلى كانت إشارة غير مقصودة عليها دون حملها؛ لأن الحمل كصفة من صفاتها ما دامت حبلى، وغن حل الحق كانت قد وض 1 عت نظر، فإن ماتت من الولادة يلزمه قيمتها؛ لأنها تلفت في سبب كان منه.
فإن قيل: أليس لو أكره أمه أو حرة على الوطء وأحبلها فماتت بالطلق لم يلزمه ضمانها، كذلك ههنا، قيل: فيه قولان:

أحدهما: يلزمه دية الحرة على قيمته وقيمة الأمة في ماله ولا نسلم، وإن سلمنا فالفرق أن الولد [ق 188 أ] فههنا غير ملحق به فلم يكن سبب تلفها منسوبًا إليه ويلزمه ضمانه.
فإن قيل: أليس لو تزوج أمه بنكاح فاسد ووطئها وأحبلها فماتت من الولادة لا يلزم الضمان، وإن كان الولد لاحقًا به؟ قلنا: قد ذكرنا قولين والفرق بعد التسليم قد سبق، وهو أن الوطء مقصود بعقد النكاح، فإذنها في النكاح إذًا في الوطء الذي هو سبب الاتلاف وههنا المرتهن لم يأذن فافترقا.
وقال بعض أصحابنا في المسألة أيضًا: في وجوب القيمة قولان كما في هذه المسألة، والأظهر ما ذكرنا.
فإذا تقرر هذا متى يعتبر قيمتها؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: يصير حين وطء العلوق وهو المذهب؛ لأن سبب التلف وجد في هذه الحالة.
والثاني: يصير حين التلف، وهو حالة الوضع، لأنها حالة استقرار التلف، وفي هذه الحالة تجب القيمة، وهو اختيار ابن أبي هريرة.
والثالث: يعتبر قيمتها أكثر ما كانت من حين الوطء إلى حين الوضع والتلف كالمغصوبة، وإذا وجبت القيمة فالحكم في قيمتها كالحكم في قيمة العبد إذا أعتقه.
وإن لم تمت لا يخلو إما أن تنقص أو لا تنقص، فإن نقصت فعليه ما نقص يكون رهنًا معها، فإن جعله قصاصًا بالحق كان أولى، وإن لم تنقص بحالٍ فإنها لا تباع في الدين حتى ترضع اللبأ؛ لأن الولد [ق 188 ب] لا يعيش من دونه، ثم يوجد مرضعة تسقيه اللبن.
ثم إن الشافعي قال: "فإن كانت تسوي ألفًا والحق مائة بيع منها بقدر المائة والباقي لسيدها رقيقًا".
فإن كانت قيمتها مثل الدين بيع جميعها، وإن كانت أقل من الدين فكذلك، وما يبقى من الدين في ذمة الراهن يضرب به مع سائر الغرماء بقسطه، وإن كانت أكثر من الدين بيع منها بقدر الدين، فإن لم يكن هناك من يشتري بعضها باع جميعها للضرورة.
ذكر أبو إسحاق.
وإذا بعنا بعضها وقضى حقه كان بعضها ملكًا للمشتري وبعضها ملكًا للراهن والكسب لهما والنفقة عليهما، ولا يجوز منهما وطئها؛ لأنه لا يملكها ملكًا تامًا، فإن مات الراهن عتق نصيبه بموته وكان الباقي رقيقًا، ولا يقوم على الوارث لا ما أعتق ولا على الراهن الميت؛ لأن ملكه زال بوفاته فصار كالمعسر وإن لم يمت ولكنه اشترى الباقي من المشتري صارت كلها أم ولد قولاً واحدًا.
وهكذا إن باع جميعها ثم ملكها صارت أم ولده أيضًا، لأن الاستيلاد كان في الملك الكامل ولكنا أخرناه لمراعاة المرتهن وبعناها

في دينه، فإذا قضى حقه وتملكها سيرناها أم ولده لمتحض حقه فيها.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن بيعت ثم ملكها هل تصير أم ولد؟ قولان.
وإن أفتكها [ق 189 أ] من الرهن بأداء أو إبراء من غير أن يباع فيه تصير أم ولده؛ لأن العقد إذا لم يجر في وقته لم يجر بعده حتى يبتدأ بما يجوز، وهذا الاستيلاد بطل في الأصل فلا يصح في ثاني الحال.
قال: ولا يكون إحباله لها أكثر من عتقها، ولو أعتقها بطلت عتقها حتى لو ملكها لا يعتق كذلك ههنا.
وقال في معنى من أعتقها: من لا يجوز عتقه فيها من المجنون والمحجور عليه فلا ينفذ من بعد إطلاق الحجر والإفاقة، وكذلك ههنا لا ينعقد بالملك بعد قضاء حق المرتهن؛ لأن زمان الرهن كزمان الحجر في العين المرهونة.
قلنا: الأول الذي قاله لا يصح، لأنا نقول الاستيلاد بطل في الأصل بل نفذ في حقه في الحال على ما بيناه.
أما مسألة العتق فقد ذكرنا المذهب والفرق.
وأما عتق المحجور لا يسلم؛ لأنه على أحد القولين على ما ذكرنا، فإن فصلت تلك الرقبة عن ديون غرمائه، عتق بسابق لفظه.
وقيل: استدل المزني بمسألة القولين على مسألة الوجهين وهو محال.
وقيل: هذا الاختيار من جهة المزني إنما هو اختيار الشافعي على معاني أصوله وليس يختاره المزني لنفسه، فإن ثبتت حرمة الاستيلاد بأدنى من هذا السبب، وهو إذا استولدها بالنكاح ثم ملكها، قال: تصير أم ولده كما قال أبو حنيفة، فكيف لا يجعلها أم [189 ب] ولده ههنا وقد استولدها بالملك فتحقق ذلك من لا يغلظ عليه، ولو وجدنا من يشتري بعضها ولكن بالتبعيض يقع النقص في قيمتها ببيع بعضها ولا ببيع كلها بمكان ثبوت حق الاستيلاد في الباقي ويفارق هذا إذا باع الحاكم على الغائب جارية مرهونة وفي التبعيض نقصان القيمة لا يجوز ذلك؛ لأنه ليس ذاك من النظر، بل النظر أن يبيع كلها، فإن بيع نصفها على الانفراد بما يشتري بأربعمائة، ولو بيعت صفقة واحدة بيعت بألف ثم يحفظ الحاكم على الغائب فضل الثمن بنفسه أو غيره، ولو بيعت صفقة واحدة بيعت بألف ثم يحفظ الحاكم على الغائب فضل الثمن بنفسه أو غيره، وهذا الأجل أنه لا ضرورة ههنا إلى التبعيض بخلاف ذاك.
فإن قال قائل: لم قال الشافعي في تعليل المسألة المتقدمة، ولا يكون إحباله لها أكثر من عتقها والإحبال أقوى من الإعتاق على ما ذكرنا، وكلام الشافعي يدل على أن الإعتاق أقوى.
قلنا: العتق المنجز يغلب على الاستيلاد بمعنى التعجيل والتأجيل، فإن حرية الاستيلاد تقع مؤجلة أبدًا وحرية التنجيز معجلة، فيحتمل أن الشافعي قال لهذا المعنى: "وَلَا يَكُونُ إِحْبَالُهُ لَهَا أَكْبَرَ مِنْ عِتْقِهَا" ثم عطف المزني عل تعليل الشافعي تفسيرًا من عنده فقال: "يَعْنِي إِذَا كَانَ مُعْسِرًا".
فإن قال قائل: أليس قد ذكر الشافعي في أول المسألة الإعسار حيث قال: "فَإنْ

[190 ب] أَحْبَلَهَا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهَا لَمْ تُبَعٍْ" فما فائدة كلام المزني وتكريره.
قلنا: كلام المزني منعطف على مسألة العتق التي أوردها الشافعي للتعليل، وهو أنه قال: "وَلاَ يَكُونُ إِحْبَالُهُ لَهَا أَكْبَرَ مِنْ عِتْقِهَا".
فأبطل العتق وتباع.
قال المزني: "يَعْنِي بإِبْطالِ العِتْقِ حَالَة إِعْسَارِ الرَّاهِنِ".
ثم قال بعد هذا: "تُعْتَقُ بِمَوْتِهِ فِي قَوْلِ مَنْ يُعْتِقُهَا" قال المزني: "قَدْ قَطَعَ بِعِتْقِهَا فِي كِتَابِ عِتْقِ أُمَّهَاتِ الأَوْلاَدِ".
واعلم أن الشافعي غير مختلف في هذه المسألة أن أم الولد تعتقه بموت السيد، ولا يجوز بيعها بعد ثبوت حرمة الاستيلاد، وقد قطع بذلك في خمسة عشر كتابًا.
وقوله: "فِي قَوْلِ مضنْ يَعْتِقُهَا" ليس بتعليق قول، بل هو تلويح بذكر خلاف ضعيف بين الصحابة، وذلك ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: "لما اجتمع رأيي ورأي عثمان على أن لا تباع أمهات الأولاد، وأما الآن أرى أن يبعن".
وفد روي عن علي رضي الله عنه أنه راجع رأيه السابق وحرَّم البيع، وقد قال صلى الله عليه وسلم في مارية لما حبلت: "أعتقها ولدها".
وقيل: إنما قال هذا ليعلم أن في المسألة خلافًا بين الصحابة وليست إجماعًا كما يقول مالك إنها إجماع بناء على أصله في أن من خالف من الصحابة [ق 190 ب] خارج المدينة لم يكن خلافه خلافًا.
فرع لو وقف الراهن المرهون، فإن قلنا: ينفذ العتق ففيه وجهان: أحدهما: لا بنفذ لأنه إزالة ملك لا يقبل الإبطال كالعتق.
والثاني: لا ينفذ لأنه لا يسري إلى ملك الغير بخلاف العتق فله مزية.
فرع آخر لو قال الراهن للمرهون: أنت حر إن دخلت الدار بعد ذلك الرهن فيه وجها: أحدهما: لا يصح؛ لأنه إذا لم يملك الإعتاق في الحال على ما ذكرنا لم يملك تعليقه بالصفة كما في عبد الغير وهو القياس.
والثاني: يصح؛ لأنه لا يمنع من التصرف الذي لا يضر بالمرتهن.
ألا ترى أنه لا يمنع من الإجارة والاستخدام، وإنما لا يصح إعتاقه لأنه يبطل حق المرتهن، وهذا لا يوجد ههنا، فكذلك لو قال: إن دخلت الدار فأنت حر فدخل بعد حلول الدين وإخراجه من الرهن، فعلي الوجهين.
ولو دخل في الحال الرهن فهو كالعتق المنجز.
فرع أخر لو رهن عبدًا عند رجلين فأذن أحدهما للراهن في إعتاق نصفه فأعتق صحَّ، ويعتق الباقي إن كان موسرًا، وإن كان معسرًا لا يعتق على القول الذي يقول: لا ينفذ عتق الراهن.

فرع آخر إذا أذن المرتهن للراهن بإعتاق فرد الرهن إذنه وقال: لا اعتقه ثم أعتقه.
قال والدي رحمه الله: يحتمل وجهين؛ أحدهما:؛ لا يقع [ق 191 أ] والثاني: يقع.
فرع آخر قال: ولو قال بعد الإذن من غير رد اعتقه عن كفارته جاز، وإن كان الإذن مطلقًا.
وغن قال: أعتقته إن دخل الدال لم يكن إعتاقًا بالإذن.
ولو قال: أعتقه إن كان كذا وكان ذلك لم يكن إعتاقًا بالإذن أيضًا، ويحتمل جوازه ههنا؛ لان فائدة ذلك العتق المنجز.
فرع آخر قال: ولو قال الراهن للمرهون وعبدًا آخر: أحدهما حر عتق الذي ليس بمرهون.
قلو قال المرتهن له: أذنت لك تعرض الحرية في الآخر لم يصح اعتبارًا بعبد الغير.
وفيه وجه آخر أنه يقال له: عين الحرية وافرضها، فإن فرضها في المرهون لم يقع على واحد منهما، وإن فرضها في غير المرهون وقع العتق.
وهكذا لو قال لعبده وعبد غيره أحدهما حر على هذا القياس.
وعلى هذا الوجه أيضًا لا اعتبار بالرضا الحاصل بعد الإعتاق وقبل الفرض كما الاعتبار به فيما ذكرنا.
فرع آخر قال: ولو أذن المرتهن بإعتاق المرهون فقال الراهن له ولغير المرهون: أعتقت أحدهما ثم فرض الحرية في المرهون هل يصح؟ فيه وجهان، والصحيح أنه يصح.
فرع آخر لو كان عبد نصفه حر ونصفه مملوك فوجب له على مالك نصف دين فرهنه نصفه الذي هو مملوك عنده يصح، ولا سبيل للراهن إلى إعتاق نصفه إلا بإذن الراهن؛ لأن الراهن لا يعتق [ق 191 ب] المرهون إلا بإذن المرتهن.
فرع آخر لو قتال المرتهن: أعتقه إذا دخل الشهر الفلاني ثم قال: أعتقد اليوم هل يكون هذا رجوعًا عن الأول؟ يمكن أن يقال: لا يكون رجوعًا، فإن أعتقه في ذلك اليوم جاز، وإن أخر عتقه إلى دخول الشهر جاز أيضًا.
فإن عرف من قصده بالقول الثاني الرجوع عن

الإذن الأول كان رجوعًا، وكذلك القول في عبد غيره.
فر ع آخر لو رهن عبده ثم قبل الإقباض علق عتقه بصفة هل يكون رجوعًا من الرهن وجهان، ذكره والدي رحمه الله.
مسألة: قَاَلَ: "وَلَوْ أَحْبَلَهَا أَوْ أَعْتَقَهَا بِإِذْنِ المُرْتَهِنِ خَرَجَتْ مِنَ الرَّهْنِ".
إذا أذن المرتهن للراهن في وطء المرهونة فوطئها، فإن لم تحبل فلا كلام والرهن بحاله؛ لأنه لم يحصل به إتلافها، ولا إتلاف شيء منها، فهو كالاستخدام، ولأن مجرد الوطء لا ينافي الرهن، إذ يجوز رهن الموطوءة إذا لم تحبل، وإنما الإحبال هو المنافي له فلا يبطل الرهن، وهذا الوطء حلال له لإسقاط المرتهن حق نفسه، والمنع كان لحقه.
وإن أحبلها فالحكم فيه وفيما لو أذن له بعتقها فأعتقها واحد، وهو أنه ينفذ ذلك ويخرج من الرهن؛ لأن ذلك ينافي الرهن، فإذا فعله بإذنه بطل الرهن.
فإن قيل: لم يأذن بالإحبال وإنما أذن بالوطء وحده فلم ينفذ.
قلنا: الوطء أفضى [192 أ] إلى الإحبال وليس ذلك باختيار الوطئ، فكان الإذن فيه إذنًا في الإحبال، ثم إذا نفذ ليس له مطالبته ببدلها ليكون مرهونًا عنده؛ لأنه أذن مطلقًا كما لو أذن له فقتلها لا يلزم البدل.
وفرع الشافعي على هذا في "الأم" فقال: وإذا أذن في ضرب العبد فضربه فمات لم يضمنه؛ لأن الأمر بالضرب يقتضي كل ضرب، ثم يخالف ضرب الإمام للتعزيز؛ لأن الدليل على أن المراد بالتعزيز ما لا يتلف ولم يدل على مراد المرتهن، فكان الحكم لإطلاق لفظة أو لأن ذلك مشروط بالسلامة بخلاف هذا الضرب فإنه مطلق.
وقال بعض أصحابنا: إنه يضمن بإذنه للضرب للتأديب بشرط السلامة أيضًا كما في الضرب الشرعي.
فرع لو رجع المرتهن عن الإذن أو العتق لم يعتق برجوعه حكم.
فإن رجع قبله، فإن علم الراهن برجوعه ثم وطء أو أعتق كان بمنزلة ما لو فعله بغير إذنه وقد بيناه.
وإن لم يعلم به الراهن فهل يسقط الإذن؟ وجهان بناء على القولين في عزل الوكيل: فإن قلنا: يسقط الإذن يصير كما لو أحبل أو أعتق بغير إذن المرتهن وقد ذكرنا.
وإذا قلنا: لا يسقط الإذن فيصير كما لو فعل ذلك بالإذن وقد ذكرنا.
ولو أذن له بالهبة ثم رجع قبل الإقباض له ذلك؛ [ق 192 ب] وإنما يبطل الراهن عند

انضمام القبض إلى عقد الهبة.
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ اخْتَلَفَا الرَّاهِنُ: أَعْتَقْتُهَا بِإِذْنِكَ".
الفصل: إذا أعتق الراهن الجارية المرهونة أو أحلبها ثم اختلفا فقال الراهن: إنما فعلت بإذنك أيها المرتهن فالقول قول المرتهن مع يمينه واليمين على البت لأن الأصل بقاء الوثيقة وعدم الإذن في إبطالها عند الرقبة، فإن حلف صار كأنه أحلبها أو أعتقها بغير إذنه، وإن نكل عن اليمين ردت اليمين على الراهن، فإن حلف فقد ثبت ما ادعاه وبطل الرهن.
وإن نكل عن اليمين فطلبت الجارية ردت اليمين عليها.
نص في "الأم" أنها تحلف.
ونص الشافعي في الوارث أو المفلس إذا أقام شاهدًا واحدًا ونكل عن اليمين هل ترد اليمين على الغرماء؟ على قولين: أحدهما: ترد عليهم، قاله في "القديم".
والثاني: لا ترد عليهم، قاله في "الجديد".
فمن أصحابنا من خرج في أم الولد قولاً آخر من مسألة الغرماء.
ومن أصحابنا من لم يخرج وهو الصحيح، والفرق بينهما أن أم الولد تثبت حق نفسها فجاز استخلافها، والغريم يثبت مالك الغير بيمينه فلا يجوز ذلك.
ولو كانت المسألة بحالها فمات المرتهن ثم اختلف وارثه والراهن فالقول قول وارث المرتهن على العلم: لا نعلم أن أبانا أذن له في ذلك.
وإن مات الراهن دون المرتهن [ق 193 أ] فاختلف هو ووارث الراهن فالقول قول المرتهن مع يمينه على البت، فإن لم يحلف حلف وارث الراهن على البت لقد كان العتق بإذنك؛ لأنها يمين على الإثبات فتكون على البت وإن كان على فعل الغير.
وإن لم ينكل على المرتهن وحلف كان العتق والإحبال بغير إذن المرتهن وقد بينا.
وذكر الشافعي ههنا أنه إذا حلف هي رهن، وهذا على القول الذي نقول: عتق الراهن لا ينفذ بحال.
فأما إذا قلنا بتنفيذ عتق الراهن بكل حال حكمنا ههنا بالإعتاق لاعتراف الراهن.
وفيه قول ثالث وهو الفصل بين الموسر والمعسر على ما ذكرنا.
ولكن الشافعي لما كشف المذهب في الإذن عند الاختلاف فيه أعرض عن تفصيل القول من تنفيذ العتق.
فرع لو كان للراهن بينه على ما ادعاه بعد عتقه ففي البينة قولان: أحدهما: شاهدان عادلان، وهذا إذا قلنا عتق الراهن بغير إذن المرتهن باطل؛ لأنها بينة تثبت العتق، والعتق لا يثبت إلا بشاهدين.

والثاني: يقبل فيه شاهد وامرأتان أو شاهد ويمين، وهذا على القول الذي نقول: عتق الراهن بغير إذن المرتهن نافذ وأنه للقيمة ضامن؛ لأن هذا اختلاف في ضمان مالٍ، وهو أنه لايلزمه ضمان قيمته؛ لأن الإعتاق بالإذن.
مسألة: قال: "وَلَوْ أّقَرَّ المُرْتَهِنُ أَنَّهُ (ق 193 ب) أَذِنَ لَهُ بِوِطْئِهَا وَزَعَمَ أَنَّ هَذَا الْوَلَدَ مِنْ زَوْجٍ لَهَا".
الفصل إذا أقر المرتهن أنه أذن للراهن في الوطء ولكنه أنكر أن يكون الولد منه وادعى الراهن أنه ولده.
قال في "الأم": "القول قول الراهن بلا يمين".
قال أصحابنا: هذا إذا اجتمع فيه أربعة شروط: أحدهما: أن يثبت إذنه بإقراره.
والثاني: أن يقر بأنه قد وطء.
والثالث: أن تنقضي أقل مدة الحمل وهو ستة أشهر من حين الوطء.
والرابع: أن يقر المرتهن أو الولد منها.
فإذا حصلت هذه الشرائط ثم ادعى المرتهن أن الولد ليس منه فالقول قول الراهن بلا يمين، لأني ألحقه به شرعًا حتى لو جحد لم يقبل منه وكان لاحقًا به، فلا معنى لإحلافه على أنه ابنه، فأما إذا عدم شرط مما ذكرنا، مثل أن ينكر المرتهن الإذن أو الوطء، أو مضي المدة، أو كون الولد منها، وقال: التقطته أو استعارته فالقول قوله مع يمينه، وعلى الراهن إقامة البينة على ذلك، فإذا حلف كان الإحبال بغير إذنه ومضى حكمه.
وهذا لأن الأصل عدم الوثيقة وعد هذه الأشياء التي ادعاها الراهن.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا قال المرته: أذنت بالوطء ولكن ما وطئت، وقال الراهن: وطئت، إن سبق الراهن بهذا القول فالقول قوله، وإن [ق 194] سبق المرتهن به ففي قبول الراهن جوابان: أحدهما: القول قول الراهن أيضًا.
والثاني: لا يقبل قوله؛ لأنه يدعي أمرًا كان قبل الرجوع بعد رجوع المرتهن عن الإذن، فصار كما لو قال الوكيل بعد العزل: كنت بعت من فلان لا يقبل ذلك.
والأول أصح، لأن الراهن فيه حقًا ولا حق للوكيل، فجاز أن لا يقبل قوله، وهذا بمشهور والمشهور ما ذكرنا أولاً.

فإذا تقرر هذا قال المزني عقيب هذه المسألة: قال الشافعي: "وَهَذَا إِذَا كَانَ مُعْسِرًا، فَأَمَّا إذَا كَانَ مُوسِرًا يُؤْخَذُ مِنْهُ قِيمَةُ الجَارِيَة فِي العِتْقِ وَالوِلاَدَةِ تَكُونُ رَهْنًا مَكَانَهَا أَوْ قَصَاصًا".
فعطف المزني هذا التفصيل بين المعسر والموسر على مسألة اعتراف المرتهن بالإذن في الوطء، ثم اعترض على الشافعي فقال: "أَصْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيَّ أَنَّهُ أَعْتَقَهَا أَوْ أَحْبَلَهَا وَهِيَ رَهْنٌ فَسَوَاءٌ، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا أُخِذَتْ مِنْهُ القِيمَةُ فَكَانَتْ رَهْنًا مَكَانَهِا أَوْ قَصَاصًا، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا لَمْ يَكُنْ لَهُ إِبْطَالُ الرَّهْنِ بِالعِتْقِ وَلاَ بَالإِحْبَالِ وَبِيعَتْ فِي الرَّهْنِ، فَلَمَّا جَعَلَهَا الشَّافِعِيُّ أُمَّ وَلَدٍ لأَنَّهُ أَحْبَلَهَا بَإِذْنِ المُرْتَهِنِ فَلاَ تُبَاعِ كَأَنَّهَا أَحْبَلَهَا وَلَيْسَتْ رَهْنٌ فَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ مُوسِرًا لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ قِيمَةٌ لأَنَّهُ أَحْبَلَهَا بِإِذْنِ المُرْتَهِنِ فَلاَ تُبَاعُ كَأَنَّهُ أَحْبَلَهَا وَلَيْسَتْ بِرَهْنٍ فَتَفَهَّمْ".
ومعنى [ق 194 ب] هذا الاعتراض أنهما إذا كانا متصادقين على وجود الإذن في الوطء واستلحق الراهن الولد وجب الحكم بالاستيلاد من غير تفصيل من المعسر والموسر، وتصير كأنها لم تكن رهنًا حين أصابتها وإحبالها، فتوهم المزني أن الشافعي فصل في المسألة المصادقة على الإذن بين المعسر والموسر في مسألة اختلافهما في الإذن بعد استحلاف المرتهن.
وعطف هذا التفصيل في "المبسوط" على تلك المسألة، فترك المزني تصنيف الشافعي وعطف على مسألة الاتفاق في الإذن ما كان معطوفًا على مسألة الاختلاف في الإذن، فالنظم المستقيم في كتبه هذه المسائل أن يكتب أولاً: "ولو اختلفا فقال الراهن: أعتقتها بإذنك وأنكر المرتهن فالقول قول المرتهن مع يمينه وهي رهن، وهذا إذا كان الراهن معسرًا" الفصل.
ثم يعطف على ذلك: "ولو أقر المرتهن أنه أذن له بوطئها" الفصل.
فيسقط حينئذٍ اعتراض المزني.
ومن أصحابنا من يغير نسخة "المختصر" فيقدم ما أخر المزني ويؤخر ما قدمه لتكون المسائل على الترتيب، والصواب أن يترك تصنيف المزني على ما أملاه وصنفه.
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ وَطِئَهَا المُرْتَهَنُ حُدَّ".
الفصل: لا يجوز [ق 195 أ] للمرتهن وطء الجارية المرهونة، فإن خالف ووطء لا يخلو إما أن يكون بإذن الراهن أو بغير إذنه، فإن كان بغير إذنه لا يخلو إما أن يكون عالمًا بالتحريم أو جاهًلا به، فإن كان عالمًا به فعليه الحد؛ لأن وطئه صادف ملك غيره وليس له في

جارٍ التحميل