مسألة 1
قال الشافعي رحمه الله: "أصل ما يقوم به الولاة من جمل المال ثلاثة وجوه أحدها ما أخذ من مال مسلم تطهيراً له فذلك لأهل الصقات لا لأهل الفيء والوجهان الآخران ما أخذ من مال مشرك كلاهما مبين في كتاب الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وفعله فأحدهما الغنيمة قال تبارك وتعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال:41] الآية: والوجه الثاني هو الفيء قال الله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر:7] الآية.
قال الشافعي رحمه الله: "فالغنمة والفيء يجتمعان في أن فيهما معا الخمس من جميعها لمن سماه الله تعالى له في الآيتين معاً سواء ئم تفترق الأحكام في الأربعة أخماس الغنيمة بما بين الله تبارك وتعالى على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - وفي فعله فإنه قسم أربعة أخماس الغنيمة على ما وصفت من قسم الغنيمة وهي الموجف عليها بالخيل والركات لمن حضر من غني وفقير والفيء هو ما لم يوجف عليه بخيل وركاب فكانت سنة رسول الله في قرى عربية أفاءها الله عليه أربعة أخماسها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاصة دون المسلمين يضعه حيث أراه الله تعالى قال: عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حيث اختصم إليه العباسي وعلي - رضي الله عنه - في أموال النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب فكانت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاصة دون المسلمين فكان ينفق منها على أهله نفقة سنة فما فضل جعله في الكراع والسلاح عده في سبيل الله ثم توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوليها أبو بكر بمثل ما وليها به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم وليها عمر بمثل ما وليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر فوليتكماها على أن تعملا فيها بمثل ذلك فإن عجزتما عنها فادفعاها إلي أكفيكماها.
قال الشافعي: وفي ذلك دلالة على أن عمر - رضي الله عنه - حكي أن أبا بكر وهو أمضيا ما بقي من هذه الأموال التي كانت بيد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ها رأيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعمل به فيها وأنه لم يكن لهما مما لم يوجف عليه من الفيء ما للنبي - صلى الله عليه وسلم - أنهما فيه أسوة المسلمين وكذلك سيرتهما وسيرة من بعدهما وقد مضي من كان ينفق عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم أعلم أحداً من أهل العلم.
قال: إن ذلك لورثتهم ولا خالف
في أن تجعل تلك النفقات حيث كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجعل فضول غلات ملك الأموال فيما فيه صلاح للإسلام وأهله مال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يقتسمن ورثتي ديناراً ما تركت بعد نفقة أهلي ومؤنة عاملي فهو صدقة" قال: فما صار في أيدي المسلمين من فيء، لم يوجف عليه فخمسه حيث قسمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأربعة أخماسه على ما سأبينه وكذلك ما أخذ من مشرك من جزية وصلح عن أرضهم أو أخذ من أموالهم إذا اختلفوا في بلاد المسلمين أو مات منهم ميت لا وارث له أو ما أشبه هذا مما أخذه الولاة من المشركين فالخمس فيه ثابت على من قسمه الله له من أهل الخمس الموجف عليه من الغنيمة وهذا هو المسمى في كتاب الله تبارك وتعالى الفيء وفتح في زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتوح من قرى عربية وعدها الله ورسوله قبل فتحها فأمضاها النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن سماها الله له ولم يحبس منها ما حبس من القرى التي كانت له - صلى الله عليه وسلم - ومعنى قول عمر لرسول الله خاصة يريد ما كان يكون للموجفين وذلك أربعة اخماس فاستدللنا بذلك أن خمس ذلك كخمس ما أوجف عليه لأهله وجملة الفيء ما رده الله على أهل دينه من مال من خالف دينه".
قال في الحاوي: أما الغنيمة من الغنم، والغنم مستفاد بغير بدل، قال امرؤ القيس 1:
وقد طوفت في الأفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب
وأما الفيء: فهو الرجوع ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّه﴾ [الحجرات:9] أي ترجح، ولذلك قيل لما بعد الزوال من الظل فيء لرجوعه والأنفال لما قبل الزوال فيء، إلا على وجه المجاز، قال امرؤ القيس 2:
تيممت العين التي عند ضارج يفيء عليها الطلح عرمضها طامي
والغنيمة كل مال أخذ من المشركين قهراً- بقتال - بإيقاف خيل أو ركاب سمي غنيمة، لاستفتاحه بغير بدل.
والفيء: كل ما أخذ من المشركين عفواً بغير قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب.
سمي فيئاً لرجوعه إلى أولياء الله تعالى وأهل طاعته بعد خروجه عنهم إلى أعدائه وأهل معصيته.
وقال عطاء بن السائب: الغنيمة ما ظهر عليه من أموال المشركين، والفيء، ما ظهر عليه من الأرضين، وهذا قول شذ به عن الكافة فكان مطرحاً معمل في الفيء من قول الله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر:7]، ولم يقل من القرى.
والأصل في الغنيمة قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: 41].
والأصل في الفيء قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر:7] الآية.
فصل
وقد كانت الغنيمة محرمة على من تقدم من الأنبياء، وكانت تجمع فتنزل نار من السماء فتحرقها إلى أن أحلها الله تعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم - لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أعطيت خمساً لم يعطهن نبي قبلي" إلى أن قال: "وأحلت لي الغنائم" 1 الحديث.
فجعلها الله تعالى في صدر الإسلام ملكاً لرسوله - صلى الله عليه وسلم - خالصاً دون غيره بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الأنفال: 1] والأنفال: هي: الغنائم؛ لأن النفل في كلامهم هو الزيادة من الخير، ومنه صلاة النافلة، وقال لبيد بن ربيعة 2.
إن تقوى ربنا حير نفل وبإذن الله ريثي والعجل
فسميت الغنائم أنفالاً، لأنها زيادة مال مستفاد، وفي السبب الذي نزلت هذه الآية من أجله ثلاثة أقاويل:
أحدهما: أن أهل بدر شكوا في غنائمها فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَال﴾ [الأنفال:1].
ولم يعلموا حكم إباحتها وحظرها حتى سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنها فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: 1].
والثاني: أن شبان المقاتلة يوم بدر تسارعوا إلى القتال، وثبت الشيوخ تحت الرايات، فلما فتح الله عليهم مال الشبان: نحن أحق بالغنائم لقتالنا، وقال الشيوخ: لا تستأثروا علينا فإنا كنا ردا، لكم، فانزل الله تعالى هذه الآية فيهم 3.
والثالث: أن من شهد بدراً من المهاجرين والأنصار اختلفوا وكانوا أثلاثاً في الغنائم أيهم أحق بها فنزلت هذه الآية فيهم، وجعلها الله ولرسوله دونهم حسماً لتنازعهم، فقسمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيهم على رأيه واجتهاده وأدخل منهم ثمانية لم يشهدوا بدراً، منهم عثمان بن عفان، وطلحة - رضي الله عنهم - أما عثمان فلتشاغله بتمريض زوجته رقية بنت
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأما طلحة فلأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد كان أنفذه ليتعرف خبر العير وأبي سفيان، ثم أن الله تعالى نسخ هذه الآية بقوله سبحانه: أضاف إنه تعالى مال الغنيمة في الغانمين ثم استثنى من خمسه لرسوله س ومن سمى معه أهل الخمس بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: 41].
الآية، فلما أضاف الله تعالى مال الغنيمة في الغانمين ثم استثنى من خمسة لرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن سمى معه أهل الخمس بقوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: 41] دل على أن الباقي من أربعة أخماسه مالك للغانمين كما قال تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُث﴾ [النساء:11].
فدل إضافة المال إليهما على استثناء الثلث منه لللأم يوجب أن يكون الباقي للأب، ثم يدل على ذلك ما روي عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - تارة موقوفاً 1 عليه وتارة مسنداً عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الغنيمة لمن شهد الوقعة" فصار مال الغنيمة مقسوماً على خمسة وعشرين سهماً، خمسة منها لأهل الخمس وهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذوي القربى، واليتامى، والمساكين وابن السبيل، وفيه خلاف يذكر من بعد وأربعة أخماسه وهو عشرون سهماً تقسم بين الغانمين لا يجوز أن يشاركهم فيه غيرهم، ولا يفضل ذو غنى على غيره، فهذا حكم مال الغنيمة.
فصل
وأمال مال الفيء، وهي الأموال الواصلة من المشركين بغير قتال ولا إيجاف ولا ركاب، كالذي انجلى عنه المشركون خوفاً ورعباً، كالأموال التي صالحونا بها عن أنفسهم وديارهم، وأموالهم استكفافاَ وتورعاً، والمأخوذة من عشور أموالهم إذا دخلوا علينا فجاراً والجزية التي نقرهم بها في دارنا، وقال: الخراج المضروب على أراضيهم، والأرضين المأخوذة عفواً منهم، وقال: من مات في دارنا ولا وارث له منهم، كل ذلك فيء، لأنه واصل بغير قتال ولا إيجاف ولا ركاب، هذا هو المنصوص عليه من مذهب الشافعي في الجديد، وله في القديم قول آخر: أن الفيء في جميع ذلك ما انجلى عنه المشركون من ذلك خوفاً ورعباً، لقوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الحشر:7] وما سواه من الجزية والخراج وعشور تجارتهم وميراث من مات منهم لا يكون فيئاً، ويكون مصروفاً في المصالح ولا يخمس، والقول الأول من قوله أصح، لاستواء جميعها في الوصول إلينا بغير قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب، وإذا كان جميع ذلك فيئاً فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صدر الإسلام يملك جميع الفيء كما ملك جميع الغنيمة، ولذلك ملك أموال بني النضير، فكانت مما أفاء الله عز وجل عليه لم يشاركه فيها أحد وصارت من صدقاته التي تصدق بها إلى أن أنزل الله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ [الحشر:7] الاية،
فاختلف الناس حينئذ، فيما استقر حكم الفيء، عليه على ثلاثة مذاهب:
أحدهما: وهو قول أبي حنيفة: أن مال الفيء مصروف في وجوه المصالح ولا يخمس استدلالاً بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصرفه فيها.
والثاني: وهو قول مالك: أن مال الفيء مقسوم على خمسة أسهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كأحد أهل الخمس، ولا يختص بأربعة أخماسه، واستدلالاً بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم" 1.
والثالث: وهو مذهب الشافعي - رضي الله عنه -: أن خمسه مقسوم على خمسة، منها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأربعة أخماسه له خاصةء فيكون جميع مال الفيء مقسوماً على خمسة وعشرين سهماً، منها أحد وعشرين سهماً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأربعة أسهم هي لأربعة أصناف هم: ذوو القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل.
والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ [الحشر:7] فأضاف الله تعالى الفيء إلى رسوله كما أضاف الغنيمة إلى الغانمين، ثم استثنى من استثناء في سهم الغانمين فوجب أن يكون إطلاق ما جعل له من الفيء محمولاً على المقدار المجهول لهم من الغنيمة وهو الخمس، ويكون الباقي بعده، لمن أضاف المال إليه وهو الرسول - صلى الله عليه وسلم - كما كان الباقي من الغنيمة لمن أضافها إليه وهم الغانمون.
وروى الشافعي قال: سمعت ابن عيينة يحدث عن الزهري أنه سمع مالك بن أوس بن الحدثان يقول: سمعت عمر بن الخطاب، والعباس بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب يختصمان إليه في أموال النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال عمر: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليها بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خالصاً دون المسلمين، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينفق منها على أهله نفقة سنة فما فضل منها جعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله 2، ثم توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوليها أبو بكر - رضي الله عنه - بمثل ما وليها به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم وليتها بمثل ما وليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر الصديق - رضي الله عنه - ثم سألتماني أن أوليكماها فوليتكماها على أن لا تعملا فيها إلا بمثل ما وليها به رسول - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر الصديق - رضي الله عنه - ثم وليتماها ثم جئتماني تختصمان، أتريدان أن أدفع إلى كل واحل منكما نصفاً أتريدان مني قضاء غير ما قضيت بينكما، أو لا؟ فلا والذي بإذنه تقوم السماوات والأرض، لا أقضي بينكما قضا، غير هذا فإن عجزتما عنها فادفعاها إلي اكفيكماها فوجه الدلالة أن هذا الخبر يقتضي كل مرة بأن جميع الفيء، ملك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وظاهر الآية تال على أن كل الفيء مقسوم على خمسة فاقتضى الجمع بينهما أن يكون معنى
الخبر أن أربعة أخماسه خالص لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعنى الآية أن خمسه مقسوم على خمسة حتى يستعمل على وجه لا يتنافيا ولا يسقط واحد منهما بالآخر، ثم يدل على أبي حنيفة أن ما يملك من المشركين لم يكن جميعه خمساً كالغنيمة، ثم يدل عليها أنه لما كان أربعة أخماس الغنيمة ملكاً للغانمين للوصول إليها بالرعب من المقاتلة وجب أن يكون أربعة أخماس الفيء ملكاً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - للوصول إليه بالرعب منه، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "نصرت بالرعب فالعدو يرهبني مسيرة شهر أو شهرين" 1.
فأما الجواب عن استدلال أبي حنيفة بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصرف ذلك في المصالح، فهو أن أمواله كان يصرفها في طاعة الله، ولا يدل لقربه إلى الله تعالى بها على أنه غير مالك لها.
وأما الجواب عن استدلال مالك بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مالي فيما أفاء الله عليكم إلا الخمس" فهو أنه محمول على الغنيمة دون الفيء؛ لأنه أضاف ذلك إلينا، والغنيمة هي المضافة إلينا، فأما الفيء، فهو مضاف إليه لا إلينا.
فصل
فإذا تقرر ما وصفنا من حكم الغنيمة والفيء فالذي ملك الله تعالى رسوله منهما مما يبين.
أحدهما: خمس الخمس من الفيء والغنيمة.
والثاني: أربعة أخماس الفيء، فأما الصغر من الغنيمة فقد كان مخصوصاً به، فيصطفي من الغنيمة ما شاء من جارية وثوب وعبد وفرس، وما جرى مجرى ذلك، وكانت صفية بنت حيي مما اصطفاها لنفسه بخيبر، ثم أعتقها وتزوجها وقيل: إنها سميت صفية لأنه اصطفاها لنفسه، وكانت الصفايا مما يختص بها ملوك العرب من جاهلية، ومنه قول الشاعر 2:
لك المرباع فيها والصفايا... وحكمك والنشيطة والفضول
فصار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مالكاً لربعة أموال، مالين من الغنيمة، وهو خمس الخمس، والصغى، ومالين من الفيء وهو خمس، وأربعة أخماسه.
فأما حكم ذلك بعد وفاته فهو أن ما كان قد ملكه من ذلك في حياته كأموال بني
النضير، والنصف من فدك، والثلث من وادي القرى، وثلثه حصون من خيبر الكتيبة، والوطيح، والسلالم فهذه صدقة تصدق بها في حياته لا تورث عنه، وما ملك من ذلك بعد وفاته فسهمه من خمس الخمس من الفيء والغنيمة مصروف بعده في المصالح من الكراع والسلاح، وأرزاق المقاتلة والقضاة والأئمة، وعمارات المساجد، وقناطر السائلة، وأما سهمه من أربعة أخماس الفيء ففي مصرفه قولان:
أحدهما: في المقاتلة من الجيش الذي يذبون عن البيضة ويمنعون عن الحرفة ويجاهدون العدو، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ملكه في حياته لرعب العدو منه ورعب العدو بعده من الجيش المقاتلة، فملكوه بعده ما ملكه، فعلى هذا يصرف جميعه فيهم وإن فضل عن كفايتهم ولا يصرف منه شي، في غير ذلك من وجوه المصالح.
والثاني: أنه يصرف جميعه في المصالح كلها، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يملك ذلك ويصرفه فيها، فمن المصالح إعطاء الجيشء وأرزاق المقاتلة، وما قدمناه ذكر مما فيه إعزاز الإسلام وصلاح المسلمين، فعلى هذا لا تزداد جيوش المقاتلة على قدر كفاياتهم، لخروج الزيادة عن المصالحة، وأما الصفى فقد سقط حكمه وبطل أن يستحقه أحد بعده.
فصل
فإذا تقرر أن سهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بعده من الفيء والغنيمة مصروف فيما وصغنا فالإمام الناظر فيه كأحد أهل الجيش فيما يستحق منهء وهو قدر كفايته، يأخذه رزقاً كأرزاق الجيش.
وقال: لا يملك الإمام بعد الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الفيء والغنيمة ما كان يملكه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيصير مالكاً لخمس الخمس من الفيء والغنيمة، ولأربعة أخماس الفيء استدلالاً برواية أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما أطعم الله نبياً طعمة ثم قبضه إلا جعلها للذي أتى بعده 1.
وهذا القول خطأ، والدليل على فساده قوله - صلى الله عليه وسلم -: "مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود فيكم" 2 فصار مردوداً عليها بعد موته لا على الخليفة من بعده، ولأن الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم من بعده لم يتملكوا من ذلك ما كان يملكه، فانعقد به الإجماع على رد ما خالفه.
فأما الخبر المستدل به فمعناه: ما أطعم الله نبياً طعمة إلا جعل النظر فيها لمن يأتي بده لا ملكاً له.
فصل
فإذا ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يورث، وأن الخليفة بعده لا يملكه ثبت من التعليل الذي
ذكرناه أن مصرفه فيما وصفناه، فإذا كان كذلك فالفيء والغنيمة يجتمعان من وجهين، ويفترقان من وجهين، فأما وجها الاجتماع.
فأحدهما: أن كل واحد منهما مأخوذ من مشرك.
والثاني: أن كل واحد منهما بخمس.
وقال أبو حنيفة: مال الفيء لا يخمس، وفي نص الآية ما يدفع قوله.
وأما وجه الافتراق:
فأحدهما: في الاسم، فإن كل واحد منهما يختص باسم والثاني: في حكم أربعة أخماسها فإن مصرفهما مختلف.
فصل
فأما قول الشافعي في صدر هذا الباب "أصل ما يقوم به الولاة من جعل المال ثلاثة وجوه:
أحدها: ما أخذ من مال مسلم تطهيراً له فذلك لأهل الصدقات لا لأهل الفيء، والوجهان الآخران ما أخذ من مال مشرك، وكلاهما مبين في كتاب الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وفعله" فجعله نظر الإمام في الأموال مختص بثلاثة أموال:
أحدها: ما أخذ من المسلمين من صدقات أموالهم تطهيراً لهم وهي الزكاة.
والثاني: ما أخذ من المشركين عنوه وهو الغنيمة.
والثالث: ما أخذ من المشركين عفواً وهو الفيء، وكل واحد من هذه الأموال الثلاثة منصوص في كتاب الله عز وجل على وجوبه وجهة مصرفه، وليس قيام الإمام به إلا قيام نيابة إلا أنه في الزكاة ينوب عن معطيها ومستحقها معاً، وفي الفيء والغنيمة ينوب عن مستحقها دون معطيها، لأن نيابته عن المسلمين لا عن المشركين، ثم إن أصحابنا اعترضوا على هذا الفصل، من كلام الشافعي من وجهين:
أحدهما: قالوا: قد جعل الشافعي نظر الإمام مقصوراً على النظر في ثلاثة أموال، وقد ينظر الإمام في الموات وفي المعادن الباطنة، والجواب عنه أنه إنما قد خص الأموال الثلاثة بنظره لاختصاص وجوبها لكتاب الله وتعين مستحقها في كتاب الله وليس غيرها مساوياً لها في هذين الحكمين فتميزت في نظره.
والثاني: أن قالوا: قد جعل الإمام مختصاً بالولاية على الصدقات ولو أخرجها أربابها أجزاء فلم يكن يختص بالولاية عليها، والجواب عنه أن يقال لهم أما الأموال الباطنة، وإن جاز لأربابها أن ينفردوا بإخراجها فولايته فيها على من امتنع من أدائها أن يأخذها منه جبراً فلو لم يكن له ولاية عليها لما اعترض عليهم في أخذها جبراً منهم، وأما الأموال الظاهرة قولان:
أحدهما: أنه لا يصح من أربابها أن ينفردوا بإخراجها، فعلى هذا تكون ولايته عامة
على المعطي والممتنع.
والثاني: أن يصح منهم أن ينفردواً بإخراجها، فعلى هذا تكون ولايته خاصة على الممتنع دون المعطي، والله أعلم.
باب الأنفال
مسألة 1
قال الشافعي رحمه الله: "ولا يخرج من رأس الغنيمة قبل الخمس شيء غير السلب للقاتل، قال أبو قتادة - رضي الله عنه -: خرجنا مع رسول الله عام حنين.
قال: فلما التقنيا كانت المسلمين جولة فرأيت رجلاً من المشركين قد علا رجلاً من المسلمين.
قال: فاستدرت له حتى أتيته من ورائه فضربته على حبل عاتقه ضربة فأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها رمح الموت ثم أدركه الموت فأرسلني فلحقت عمر.
فقال: ما بال الناس؟ قلت: أمر الله ثم إن الناس رجعوا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ومن قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه" فقمت من يشهد لي؟ ثم جلست يقول وأقول ثلاث مرات.
فقال - صلى الله عليه وسلم - "ومالك يا أبا قتادة؟ فاقتصصت عليه القصة فعال رجل من القوم: صدق يا رسول الله وسلب ذلك القتيل عندي فأرضه منه.
فقال أبو بكر - رضي الله عنه - لاها الله إذا لا يعمد إلى أسد من أسد الله تعالى يقاتل عن الله وعن رسوله فيعطيك سلبه.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "صدق فأعطه إياه" فأعطانيه فبعت الدرع واتبعت به مخرفاً في بني سلمة فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام 2. وروي أن شبر بن علقمة قال: بارزت رجلاً يوم القادسية فبلغ سلبه اثني عشر ألفاً فنفلنيه سعد".
قال في الحاوي: وهذا كما قال من قتل من المسلمين مشركاً في معركة الحرب فله سلبه، سواء شرطه الإمام له أو لم يشترطه، ولا يخمسه.
وقال أبو حنيفة: ليس له سلبه إلا أن يشترطه الإمام له فيعطيه للشرط من جملة الخمس استدلالاً بعموم قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: 41].
ورواية معاذ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ليس للمرء إلا ما طابت به نفى إمامه" وبرواية عوف بن مالك الأشجعي قال: خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة ورافقني رجل من أهل اليمن فقتل رومياً فأخذ سلبه، فلما فتح الله على المسلمين بعث إليه خالد بن الوليد فأخذ منه السلب فأتيته فقلت: يا خالد، أما علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلي، لكن استكثرته، قلت: لتردنه عليه أو لأعرفنكم عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن
يرده، فاجتمعنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقصمت عليه قصة اليمنى، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا خالد اردده عليه قال عوف: فقلت يا خالد ألم أقل لك؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: وما ذاك" فأخبرته فغضب وقال: "يا خالد لا ترده عليه، هل أنتم تاركون لي أمراي؟ لكم صفوة أمرهم وعليهم كدره" 1. قال أصحاب أبي حنيفة: فلو استحقه القاتل لما استجاز أن يمنعه منه لغضب ولا غيره، قالوا: وتد روي أن معاذ بن عوف ومعاذ بن عمرو قتلا أبا جهل يوم بدر فأعطى النبي - صلى الله عليه وسلم - سلبه معاذ بن عمرو، فلو كان للقاتل من خص به أحدهما.
واستدلوا من طريق القياس بأن قالوا: كل مال يستحق بالتحريض على القتال يجب أن يتعلق استحقاقه بشرط الإمام كالنفل، ولأن السلب لو استحق بالقتل لوجب إذا قتل مولياً أو رماه من صفة بسهم فقتله أن يستحق سلبه، فلما ثبت أنه لا يستحقه مع وجود القتل ثبت أنه لا يستحق بالقتل، ولأن السلب لو صار بالقتل ملكاً للقاتل لوجب إذا وجد قتيلاً عليه سلب لا يعرف قاتله أن لا يغم به؛ لأنه قد صار ملكاً لمسلم لا يعرف، وفي إجماعهم على قسمة في الغنيمة دليل ملى أنه غير مستحق بالقتل.
ودليلنا ما رواه أبو مالك الأشجعي عن نعيم بن أبي هد عن سمرة بن جندب قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من قتل قتيلاً نله سلبه" وروى أنس بن مالك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يوم خيبر: "من قتل كافراً فله سلبه" 2 فقتل أبو طلحة الأنصاري يومئذ عشرين كافراً فأخذ أسلابهم.
ووجه الدليل من هذا الخبر: أنه ابتداء شرع بين فيه فاستحق به السلب وهو القتل، واعتمد الشافعي على ما رواه عن مالك عن يحيى بن سعيد عن عمر بن كير عن أبي محمد مولى أبي قتادة قال: خرجا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام حنين، فلما التقينا كان للمسلمين جولة قال: فرأيت رجلاً من المشركين قد علا رجلاً من المسلمين، فاستدرت له حتى أتيته من ورائه، قال: فضربته على حبل عاتقه ضربة، فأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت، فأرسلني فلحقت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقلت له: ما بال الناس؟ فقال أمر الله، ثم إن الناس رجعوا فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من قتل قتيلاً فله سلبه" فقمت فقلت: من يشهد لي؟ فجلست ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه" فقمت ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: مالك يا أبا قتادة فاقتصصت عليه القصة، فقال رجل من القوم: صدق يا رسول الله وسلب ذلك القتيل عندي فارضه عني، فقال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - لا هلم الله إذن لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله وعن رسوله فيعطيك سلبه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "فأعطه إياه" قال أبو قتادة
فأعطانيه فبعث الدرع فابتعت به مخرقاً في بني سلمة فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام، ووجه الدلالة منه أن وسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ذلك بعد الوقعة، وإجازة الغنيمة وبعد قتل أبي قتادة للكافر، فعلم أنه يستحق بالقتل لا بالشرط، فإن حملوا على شرط تقدم منه لم يصح من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه إثبات ما لم ينقل.
والثاني: أنه بيان شرع وإن تقام كما يكون بيانه، لأنه نقل سبب علق عليه حكم.
والثالث: أنه لو تقدم شرط لأخذه أبو قتادة ولم يدعيه أو لا يشهد لنفسه على قتله،
فإن قيل: فالنبي - صلى الله عليه وسلم - جعل السلب للقاتل بالبينة، وقد أعطاه أبا قتادة بغير بينة فدل على أنه أعطاه نفلاً لاحقاً، فعن ذلك جوابان:
أحدهما: أن من كان يده على السلب فقد صدقه فلم يحتج إلي بينة.
والثاني: روى أنه شهد لأبي قتادة اثنان عبد الله بن أنيس والأسود بن خزاعي، ويدل عليه من القياس أنه مال مغنوم، يستحق بسبب لا يفتقر تقديره إلى اجتهاد الإمام، فوجب أن لا يعتبر فيه شرط الإمام لسهم الغانمين طرداً أو النقل عكساً؛ ولأنه ذو سهم تحرر بنفسه في قتل كافر فقاتل فوجب أن يستحق سلبه قياساً عليه إذا شرطه الإمام له، وأما الجواب عن الآية فمن وجهين:
أحدهما: أن السلب خارج فيها؛ لأنه قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: 41] وليس السلب ما غنموه وإنما غنمه أحدهم.
والثاني: أنه بيان لما فيه من الإجمال، وأما الجواب عن قوله: ليس لأحد إلا ما طابت به نفس إمام فمن وجهين:
أحدهما: أن نفس الإمام إمام الأئمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد طابت به فكانت أوكد من أن تطيب به نفس إمام من بعده.
والثاني: أنه عام يحمل على النفل، ويخص منه السلب، وأما حديث عوف بن مالك فهو دلل لنا من ثلاثة أوجه:
أحدهما: أن عوفاً وخالد اتفقا على أن السلب للقاتل، ولكن استكثره خالد، واستحقاق السلب لا يسقط بالكثرة.
والثاني: أن عوفاً حين أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يسأل عن الشرط.
والثالث: أنه أمر خالداً برده على القاتل، فأما قوله لخالد حين غضب: "لا ترده" فتأديب منه لعوف حتى لا ينبسط الرعايا على الأمراء، ويحتمل أن يكون قد رده من بعد.
وأما الجواب عن إعطائه سلب أبي جعل لأحد قاتليه فالمروي أن ابني عفراء اثخنا أبا جهل جراحاً، وخر صريعاً فأتاه ابن مسعود ليجز رأسه، فقال له أبو جهل: من أنت؟ فقال ابن مسعود، فقال له أبو جهل: ابن أم عبد رويعينا بالأمس فمكن يديك وجز الرقبة مع الرأس إذا لقيت أمك فأخبرها أنك قتلت أبا الحكم ففعل ذلك، وأخذ رأسه مع
الرقبة، وكان قصد أبي جهل أن يكون ذلك أبهى لرأسه، ثم أخبر أمه بذلك فقالت: والله أعتق تسعين رجلاً من قومك، ودفع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ابني عفراء أو إلى أحدهما 1 بحسب اختلاف الرواية؛ لأنه قد كان أثخنه بالجراح وبإثخان المقتول يستحق السلب لا بإماتة نفسه وروحه وأما الجواب عن قياسهم على النفل فالمعنى فيه افتقار النفل إلى تقدير الإمام، وليس كذلك السلب.
وأما الجواب عن قولهم: لو كان مستحقاً بالقتل لاستحقه إذا قتله مولياً أو رماه بسهم، فهو أنه مستحق بقتل على صفة وهو أن يكون للقاتل مغراراً بنفسه ويكف شر المقتول بقتله، وهو إذا رماه لم يغرر، وإذا قتله مولياً فقد كف المولى شر نفسه، ألا تراه لو استحقه بشرط الإمام لم يستحقه، إلا على علي هذه الصفة، وأما الجواب عن قولهم: لو كان السلب مستحقاً بالقتل لوجب أن لا يغنم سلب مقتول لا يعرف قاتله فهو أنه قد يستحق بقتل على صفة لم يغنم بغنيمة فيمنع من قسمه، فلذلك قسم، ألا ترى لو شرطه الإمام لكان مغنوماً إذا لم يتيقن مستحقه؛ لجواز أن يكون القتل على صفة لا يستحق بها.
فصل
وأما مالك فاستدل على تخميس السلب بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41] ولأنه مال مغنوم فأشبه الغنائم، ودليلنا ما قدمناه من الأخبار من إعطاء النبي - صلى الله عليه وسلم - السلب من غير تخميس.
وروي أن سلمة بن الأكوع قتل رجلاً فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - من قتله؟ قالوا: سلمة بن الأكوع قال: له سلبه" 2. وهذا نص.
وروى سفيان عن الأسود بن قيس عن شبر بن علقمة قال: قتلت رجلاً يوم القادسية فبلغ سلبه اثني عشر ألفاً فنفلنيه سعد" 3؛ ولأن أهل الغنيمة أقوى من أهل الخمس لأمرين:
أحدهما: كثر سهمهم.
والثاني: حضورهم الوقعة مع القتل، ثم كانوا مع قربهم لا يشاركون القاتل في السلب، فلأن لا يشاركه أهل الخمس الذين هو أضعف أولى، والجواب عن الآية قد مضى وقياسهم على الغنيمة مدفوع بهذا الاستدلال.
فصل
فإذا ثبت أن السلب للقاتل من غير تخميس فهو له من أصل الغنيمة قليلاً، كان أو
كثيراً وقال بعض أهل العراق: هو له في الخمس سهم النبي - صلى الله عليه وسلم - المعد لوجوه المصالح، فإن زاد السلب عليه ردت الزيادة إلى القسمة اعتباراً بالنفل المستحق من الخمس، وهذا غير صحيح؛ لأن قتيل سلمة بن الأكوع جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سلبه له أجمع، وكان جميع الغنيمة - لأنه لم يغنم سواه، ولأن ما استحق من غير اجتهاد ولا شرط كان من أصل الغنيمة دون الخمس كالسهام، وخالف النفل الذي لا يستحق إلا باجتهاد أو شرط.
فصل
فإذا صح ما وصفنا من استحقاق السلب من أصل الغنيمة من غير تخميس، فقد اختلف أصحاب الشافعي فيه: هل هو ابتداء عطية من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ أو بيان لمجمل الآية من قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41] على قولين:
أحدهما: أنه ابتداء عطية.
والثاني: أنه بيان لمجمل الآية، ولهذا القولين بيان نذكره من بعد، والله أعلم
مسألة 1
قال الشافعي رحمه الله: "فالذي لا أشك فيه أن يعطى السلب من قتل مشركاً مقبلاً مقاتلا من أي جهة قتله مبارزاً أو غير مبارز وقد أعطى النبي - صلى الله عليه وسلم - سلب مرحب من قتله مبارزاً وأبو قتادة غير مبارز ولكن المقتولين مقبلان ولقتلهما مقبلين والحرب قائمة مؤنه ليست له إذا انهزموا أو انهزم المقتول وفي حديث أبي قتادة - رضي الله عنه - دل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من قتل قتيلا له عليه بينه" يوم حنين بعدما قتل أبو قتادة الرجل فأعطاه النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك حكم عندنا.
قال الشافعي: ولو ضربه ضربة فقد يديه أو رجليه ثم قتله آخر فمان سلبه للأول وإن ضربة وهو ممتنع فقتله آخر كان سلباً للآخر ولو قتله اثنان كان سلبه بينهما نصفين وهذا صحيح".
قال في الحاوي: إذا ثبت أن السلب للقاتل من أصل الغنيمة من غير تخميس فاستحقاق القاتل معتبر بأربعة شروط:
أحدها: أن تكون الحرب قائمة والقتال مستمراً، فإن قتله بعد انقضاء الحرب وانجلاء الواقعة فلا سلب له.
والثاني: أن يكون المقتول مقبلاً على الحرب، سواء كان يقاتل أو لا يقاتل: لأنه وإن لم يقاتل فهو رد لمن تقاتل، فأما إن قتله وهو مولي عن الحرب تاركاً لها فلا سلب له إلا أن يكون قد فر فيكون له سلبه؛ لأن الحرب كر وفر، ولكن فرق بين أن يقتله من أمامه أو من وارثه في استحقاق سلبه؛ لأن أبا قتادة قتل المشرك الذي أخذ سلبه من ورائه.
والثالث: أن يكون القاتل في قتله مغرراً بنفسه إما بأن يقتله مبارزة أو غير مبارزة، وإذا خرج القاتل عن صفة فغرر، فأما إذا قتله من الصف بسهم رماه فلا سلب له.
والرابع: أن يكون المقتول ممتنعاً بسلامة خمسه حتى قتل ليكون في القتل كف لشره وأما أن كان قد صار بجراح قد تقدمت غير ممتنع فسلبه لمن كفه ومعه دون من قتله؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى سلب أبي جهل ابن عفراء دون ابن مسعود وإن كان هو القاتل؛ لأنهما صرعاه فجرحاه وكفاه عن القتال، وصفة الكف الذي يتعلق به استحقاق السلب أن يجتمع شرطان:
أحدهما: أن يناله من الجراح ما يعجز معه عن القتال فيصير به مكفوف الشر، وسواء قطع أطرافه الأربعة أو بعضها أو كان الجراح في غير أطرافه، وقد روى المزني:
ولو ضربه فقد يديه أو رجليه ثم قتله آخر فإن سلبه الأول" وروى الربيع: "ولو ضربه فقطع يديه ورجليه" وليس ذلك على اختلاف قولين فيما يصير به مكفوفاً كما وهم فيه بعض أصحابنا، وإنما الاعتبار فيه بأن يصير بالجراح عاجزاً عن القتال صريعاً.
والثاني: أن لا تطول به مدة الحياة بعد الجراح، فيكفي شر رأيه وتدبيره فيصير باجتماع هذين الشرطين سلبه للجارح الأول دون الثاني القاتل.
وأما إن جرحه لا تطول مدة الحياة بعدها لكنه قد يقاتل معه فلا سلب لجارحه؛ لأن ما كفى شر قتاله والسلب لقاتله ولو ناله بالجراح ما كفه عن القتال وأعجزه عنه أبداً، لكن طالب به مدة الحياة بعدة ففي سلبه قولان من قتل الشيوخ:
أحدهما: السلب لجارحه دون قاتله إذا قيل إن الشيوخ والرهبان لا يقتلون.
والثاني: لقاتله دون جارحه إذا قيل يقتلون، فهذه الشروط التي ذكرنا يستحق السلب بها، وقال أبو داود وأبو ثور: "من قتل قتيلاً فله سلبه" وهذا خطأ: لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى سلب أبي جهل لابن عفراء دون ابن مسعود، وان كان قاتلاً، وقيل: إنه تقلد منه سيفه وحده.
مسألة 1
قال الشافعي: رحمه الله: "والسلب الذي يكون للقاتل كل ثوب يكون عليه وسلاحاً ومنطقته وفرسه إن كان راكبه أو ممسكه وكل ما أخذ من يده".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا كان السلب مستحقاً بالقتل الذي وصفناه انتقل الكلام فيه إلى ثلاثة فصول:
أحدها: فيمن يستحق السلب من القاتلين.
والثاني: فيمن يستحق سلبه عن المقتولين.
والثالث: فيما يكون سلباً مستحقاً بالقتل.
فأما الفصل الأول وهو: القاتل الذي يستحق السلب فهو كل ذي سهم في الغنيمة من فارس وراجل فله سلب قتيله.
فأما من لا سهم له في الغنيمة فضربان:
حدهما: من لا سهم له لكفره.
والثاني: لنقصه.
فأما م سهم له بكفره كالمشرك إذا قتل مشركاً فلا سلب له إن قتل؛ لأن السلب غنيمة نقلها الله تعالى عن المشركين إلى المسلمين فلم يجز أن ينقل عنهم إلى المشركين وإنما يعطون إذا قاتلوا أجراً من سهم المصالح لا سهماً من الغنيمة.
فأما ما لا سهم له لنقصه كالعبيد والصبيان، والنسا، ففي استحقاقهم في السلب قولان مبينان على اختلاف قوليه في السلب، هل هو ابتداء عطية من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ أو بيان لمجمل الآية؟ فإن قيل إنه ابتداء عطية منه - صلى الله عليه وسلم - أعطيه القاتل عبداً كان أو صبياً أو امرأة؛ لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من قتل قتيلاً له سلبه" وإن قيل إنه بيان لمجمل الآية لم يعط العبد والصبي والمرأة وإن كانوا قاتلين؛ لأن تملك السهم من الغنيمة مستحق لمجرد الحضور؛ فلما ضعفوا عن تملكه كانوا عن تملك السلب أضعف، والله أعلم.
فصل
وأما ما يستحق سلبه من المقتولين فهم من جاز قتله من المشركين، والمشركون على ثلاثة أقسام: مقاتلة ومن دونهم، من الذرية، ومن فوقهم من الشيوخ والرهبان.
فأما المقاتلة فسلب من قتل سهم لقاتله، لأن قتلهم مباح له، سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا.
وأما الذرية وهم النساء والصبيان فإن قاتلوا كان قتلهم مباحاً وللقاتل سلب ما قتله منهم، وإن لم يقاتلوا حرم قتلهم؛ لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قتل النساء والولدان، ولا سلب لقاتلهم؛ لحظر قتلهم عليه لكنه يكون مغنوماً؛ لأنه مال مشرك.
وأما الشيوخ والرهبان فإن قاتلوا جاز قتلهم، وكان للقاتل سلب من قتله منهم وإن لم يقاتلوا ففي جواز قتلهم قولان:
أحدهما: يجوز قتلهم، فعلى هذا يكون سلبهم للقاتل.
والثاني: لا يجوز قتلهم، فعلى هذا الأسلوب لقاتلهم ويكون مغنوماً.
فصل
وأما ما يستحق سلباً فما ظهر عليه في الوقعة من مال المقتول وهو على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما يكون سلباً، وهو ما كان راكبه من فرسه أو بغير، ومستجناً به من درع
ومغفر ومتق به من ترس ودرقه ومقاتل به من سيف أو رمح، فهذا كله مع ما على الفرس من سرج ولجام، وما على المقتول من حلي ولباس سلب يستحقه القاتل.
والثاني: ما لا يكون سلباً ويكون غنيمة، وهو ما في رحله من مال ورحل وسلاح وخيل، فهذا كله غنيمة يشترك فيها جميع الجيش، ولا يختص القاتل بشيء منه.
والثالث: ما اختلف قوله فيه وهو كلما كانت يده عليه من المعركة قوة على القتال، وإن كان غير مقاتل به في الحال كالفرس الذي بجنبه عدة لقتاله أو هميان النفقة الذي في وسطه قوة ليستعين بها على قتاله ففيه قولان:
أحدهما: يكون سلباً؛ لأنه قوة له على قتالنا فصار كالذي يقاتل به.
والثاني: يكون غنيمة ولا يكون سلباً؛ لأنه غير مقاتل به وان كان قوة له كالذي في رحله.
فصل
وإذا أسر المسلم مشركاً غرر بنفسه بين الصفين في أسره ولم يقتله ففي استحقاق سلبه قولان:
أحدهما: لا يستحقه لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من قتل قتيلاً فله سلبه" وهذا لم يقتله ولا كفى المسلمين شره، فعلى هذا إن قتله بعد أسره فإن كان والحرب قائمة فله سلبه، وإن قتله بعد انقضاء الحرب فعلى وجهين:
أحدهما: يستحقه؛ لأنه قتله بسبب كان منه في وقت الحرب.
والثاني: لا سلب له؛ لأن الحرب قد انقطع حكمها بانقضائها.
والثاني: أنه يستحق سلب أسره، وإن لم يقتله؟ لأن تغريره لنفسه في الأسر أعظم، ولأن من قدر على الأسر فهو على القتل أقدر، فإن سلمه إلى الإمام حياً أعطاه الإمام سلبه، وكان مخيراً فيه بين أربعة أقسام: بين أن يقتل، أو يمن عليه، أو يسترقه، أو يفادي، فإن قتله أو من عليه فليس للذي أسره غير سلبه، وإن استرقه أو فادى به على مال كان حكم استرقاقه ومال فدائه كحكم السلب فيكون على قولين:
أحدهما: غنيمة إذا قلنا إن السلب مغنوم.
والثاني: لمن أسره إذا قلنا: إن السلب لمن أسره.
مسألة 1
قال الشافعي رحمه الله: "والنقل من وجه آخر نفل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غنيمة قبل نجد بعيراً.
وقال سعيد بن المسيب: كانوا يعطون النفل من الخمس.
قال الشافعي رحمه الله: "نفلهم النبي - صلى الله عليه وسلم - من خمسه كما كان يصنع بسائر ماله فيما فيه صلاح
المسلمين وما سوى سهم النبي - صلى الله عليه وسلم - من جميع الخمس لمن سماه الله تعالى فينبغي للإمام أن يجتهد إذا كثر العدو واشتدت شوكته وقل من بإزائه من المسلمين فينقل منه إتباعاً لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإلا لم يفعل وقد روي النفل في البداءة والرجعة الثلث في واحدة والربع في الأخرى.
وروى ابن عمر أنه نفل نصف السدس وهذا يدل على أنه ليس للنفل قد لا يجاوزه الإمام ولكن على الاجتهاد".
قال في الحاوي: وهذا صحيح.
قد ذكرنا في أول الباب أن النفل في كلامهم هو زيادة من الخير، وهو هاهنا الزيادة من الغنيمة يختص بها بعض الغانمين دون بعض.
وقد تكون من أربعة أوجه:
أحدهما: السلب، يستحقه القتل من أصل الغنيمة من غير شرط على ما قدمناه.
والثاني: ما ادعى إلى التحريض على القتال والاجتهاد في الظفر، مثل: أن يقول الإمام أو أمير الجيش من يقدم في السرايا إلى دار الحرب فله كذا وكذا، ومن فتح هذه القلعة فله كذا وكذا، أو من قتل فلاناً فله كذا، أو من أقام كميناً فله كذا، فهذا جائز، سواء جعل ما بذله مقدراً في الغنيمة كقوله: فله ألف دينار أو جعله شائعاً في الغنيمة كقوله: فله ربع الغنيمة أو ثلثها، أو جعله مقدار بالسهم فيها كقوله: فله نصف مثل سهم، كل ذلك سواء، والدليل على جوازه إذا دعت الحاجة إليه ما رواه الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث سرية قبل نجد فغنموا إبلاً كثيرة فكانت سهامهم اثني عشر بعيراً او أحد عشر بعيراً ثم نفلوا بعيراً 1.
وروى زيد بن حارثة عن حبيب بن مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نفل الثلث بعد الخمس في بدائه 2.
وروى مكحول عن أبي أمامة عن عبادة بن الصامت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينفل في البداءة الربع وفي الرجعة الثلث 3.
وفيه لأصحابنا ثلاثة تأويلات:
أحدهما: أن البداءة أن يبتديء بإنفاذ سرية إلى دار الحرب فجعل لها الربع، والرجعة أن ينفذ بعدها سرية ثانية فيجعل لها الثلث فيزيد الثانية، لأنها تدخل بعد علم أهل الحرب بالأولى.
والثاني: أن البداءة أن ينفذ سرية في ابتداء دخوله دار الحرب فيجعل لها الربع، وللرجعة أن ينفذها بعد رجوعه عن دار الحرب، فيجعل لها الثلث؛ لأنها برجوع الجيش
أكثر تغريراً من الأولى؟
والثالث: أن البداءة أن يبتدئ بالقول فيقول من يفتح هذا الحصن وله الربع إما من غنائمه وإما مثل من ربع سهمه فلا يجيبه أحد فيرجع فيقول ثانية من يفتحه وله الثلث فيجاب إليه فيكون القول الأول بداءة والثاني رجعة، وإذا كان كذلك، فليس يتحدد الأقل في البداءة بالربع: لأن ابن عمر روى أنه نفل نصف السدس بعيراً من اثني عشر ولا يتحدد الأكثر في الرجعة بالثلث؛ لأنه معتبر بالحاجة الداعية وكان تقديره في الأقل والأكثر موكلاُ إلى اجتهاد الإمامء ولو أداه اجتهاده إلى أن يبذل في البداءة بدخول الحرب أكثر مما كان ببذله في الرجعة منهما؛ لأن أهل الحرب في البداءة متوفرون وفي الرجعة مهزمون جاز ثم يكون هذا النفل الذي جعل لهم في البداءة والرجعة من سهم المصالح وهو خمس الخمس سهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المصروف بعده في وجوه المصالح لرواية أبي الزناد عن سعيد بن المسيب قال: كان الناس يعطون النفل من الخمس يعني خمس الخمس؛ ولأنه مبذول في المصالح فأشبه سائر المصالح؛ ولأنه لما تقدر بشرط الإمام واجتهاده بخلاف السلب كان مأخوذاً من سهم المصالح لأمن أصل الغنيمة بخلاف السلب، وحكى ابن أبي هريرة قولاً ثانياً أنه كالرضخ المستحق من الغنيمة على ما سنذكره: لأن الربع في البدا، ة والثلث في الرجعة أكثر من خمس الخمس: لأن الثلث سهم من ثلاثة، وخمس الخمس سهم من خمسة وعشرين وسهماً وهذا ليس بصحيح، وفيما ذكرناه تأويلان، وهما له جوابان:
أحدهما: أنه جعل الربع في البداءة والثلث في الرجعة، مما اختصت تلك السرية بغنيمة وقد يجوز أن يكون ذلك خمس خمس جميع الغنائم ثم التي أجازها جميع الخمس وأقل منه.
والثاني: أنه يجوز أن تكون الزيادة على خمس الخمس تممها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غير ذلك من أمواله التي خص بها وهي أربعة أخماس الفيء وخمس وخمسه وما يصطفيه لنفسه.
فصل
والوجه الثالث: من النفل وهو الرضخ والرضح من وجهين:
أحدهما: ما يرضخ به الإمام لمن لا سهم له من العبيد والصبيان الذين يشهدون الوقيعة
والثاني: ما يرضخ به لمن اشتد بلاؤه في الحرب من فارس وراجل زيادة على سهمه لحسن أثره ولا يبلغ بالرضخ الزائد سهم فارس ولا راجل فقد فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك ونفل ابن مسعود سيف أبي جهل ونفل سعد بن أبي وقاص يوم بدر سيف سعيد بن العاص وكان يسمى ذا الكاشفة وفي الرضخ قولان:
أحدهما: من أصل الغنيمة.
والثاني: من أربعة أخماس على ما سنذكره.
فصل
والوجه الرابع: من النفل أن يقول الإمام أو أمير الجيش قبل اللقاء: من غنم شيئاً فهو له تحريضاً للمسلمين؛ لما يخاف من كثرة العدو وقوة شوكتهم، فالذي نص عليه الشافعي وهو المشهور من مذهبه، والمعول عليه من قوله أن هذا القول لا يوجب اختصاص كل إنسان بما أخذه، الواجب رد جميعه إلى المغنم، وإخراج خمسه، وقسمة أربعة أخماسه في جميع من شهد الوقعة.
وقال أبو حنيفة: وهذا شرط لازم، ومن أخذ شيئاً فهو له، ولا يخمس؛ لأنهم على ذلك غزواً وبه رضوا.
وقال الشافعي: ولو قاله قائل كان مذهباً، فمن أصحابنا من خرجه قولاً له ثانياً استدلالاً بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يوم بدر: من أخذ شيئاً فهو له ودليل القول الأصح في أن هذا الشرط لا حكم له عموم قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41] وقول أبي بكر - رضي الله عنه - موقوفاً عليه ومسنداً عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الغنيمة لمن شهد الوقعة" فلم يجز أن يختص بها بعضهم؛ ولأن من استحق الغنيمة من غير شرط الإمام لم يسقط حقه لشرط الإمام كما لو شرطها لغير القائمين.
فأما قوله - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر: "من أخذ شيئاً فهو له" فليس بثابت، ولو ثبت لم يكن فيه دليل؛ لأن غنائم بدر كانت خالصة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويضعها حيث شاء حتى جعلها الله تعالى بعد بدر لمن شهدها بعد إخراج خمسها، والله أعلم.
باب تفريق الغنيمة
مسألة 1
قال الشافعي رحمه الله: "كل ما حصل مما غنم من أهل دار الحرب من شيء قل أو كثر من دار أو أرض أو غير ذلك قسم إلا الرجال البالغين فالإمام فيهم مخير بين أن يمن أو يقتل أو يفادي أو يسبي وسبيل ما سبي أو أخذ منهم من شيء على إطلاقهم سبيل الغنيمة وفادى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلاً برجلين".
قال في الحاوي: اعلم أن جميع ما ظهر عليه المسلمون عنوة من المشركين على ثلاثة أقسام:
قسم هي أموال منقولة، وقسم هي أرض ثابتة، وقسم هم آدميون مقهورون، فأما الأموال المنقولة، كالفضة، والذهب، والسلاح، والآلة، والعروض، والأمتعة، والخيل، والرقيق فالواجب إخراج خمسها لأهل الخمس على ما يأتي بيانه ثم يقسم أربعة أخمساها
بين جميع من شهد الواقعة بالسوية من غير تفضيل إلا ما استحقه بفرسه ولا يفضل ذا شجاعة على غيره، ولا من قاتل على من لم يقاتل، ولا يعطى من الغنيمة من لم يشهد الواقعة.
وقال أبو حنيفة للإمام أن يفاضل بينهم في القسم، وليس له أن يعطي من لم يحضر الواقعة استدلالاً بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فاضل بين الناس في غنائم حنين.
وقال مالك: يجوز أن يفاضل بينهم، ويعطي منها من لم يحضر معهم استدلالاً بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قسم من غنائم بدر لثمانية لم يشهدوا بدرا منهم: عثمان وطلحة.
والدليل عليهما عموم قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال:41] فاقتضى أن يكون الباقي بعد الخمس لمن غنم كمل قال: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُث﴾ [النساء:11] فدل على أن الباقي للأب إذا اقتضت الآية أن يكون أربعة أخماس الغنيمة للغانمين أوجب بذلك التسوية ما لم يرد نص بالتفضيل وأن لا يشاركهم غيرهم لظاهر التنزيل.
وروى عبد الله بن عمرو أن رجلاً أخذ من المغنم جبة غزل من شعر فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: أخذت هذه لأصلح بها بردعة بعيري، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أما ما كان له ولبني عبد المطلب فهو لك" فقال الرجل: أما إذا بلغت ما أرى فلا أرب لي بها 1، فلو جاز التفضيل لفضل بهذا القدر اليسير ولأن ما اشتركوا في سبب تملكه أوجب تساويهم في ملكه كالاشتراك في صيد واحتشاش، فأما تفضيل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الناس في غنائم حنين، فإنما فعل ذلك بالمؤلفة قلوبهم، فألف عدداً منهم كل واحد منهم بمائة بعير منهم: أبو سفيان بن حرب وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، واستعتب العباس بن مرداس فقال 2:
أتجعل نهبي ونهب العبيد... بين عيينه والأقرع
وما كان حصن ولا حابس... يفوق مرداس في مجمع
وما كنت دون أمري منهما... ومن تضع البوم لا يرفع
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اقطعوا لسانه عني" 3.
وأمر له بخمسين بعيراً، وكان ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - من إعطاء المؤلفة قلوبهم إما من سهمه من الخمس، وإما لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثبت بحنين مع ثمانية من أصحابنا وانهزم جميع الناس؛ فصارت جميع الغنائم له فصنع بها ما شاء وتألف بها من شاء، ولذلك قالت الأنصار حين رأوه قد تألف قريشاً أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد عزم أن يرجع إلى قومه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا معشر الأنصار إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع، ولو سلك الناس شعباً ويسلك الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار أما ترضون أن ينصرف الناس بالشاة والبعير، وتنصرفون برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: رضينا 1، فكان ما فعله من التفضيل بحنين محمولاً على ما ذكرنا، وأما غنائم بدر فكانت خالصة له فوضعها فيمن شاء من حاضر وغائب على تساوي وتفضيل.
فصل
وأما ما لا ينقل من الدور والأرضين فحكمه عندنا حكم الأموال المنقولة، يكون خمسه لأخل الخمس، وتقسم أربعة أخماسه بين الغانمين.
وقال أبو حنيفة: الإمام في الأرضين مخير بين ثلاثة أشياء بين أن يقسمها على الغانمين، أو يقسمها على المسلمين، أو يقرها في أيدي أهلها المشركين بخراج يضربه عليها، وجزية على رقاب أهلها، تصير خراجاً بعد إسلامهم لا تسقط عن رقابهم.
وقال مالك: قد صارت بالغلبة وفقاً على المسلمين، فأما أبو حنيفة فاستدل بما روي عن عمر بن الخطاب لما فتح أرض السواد، أراد أن يقسمه بين الغانمين، فشاور علي بن أبي طالب رضوان الله عليهما، فقال دعها تكون عدة للمسلمين، فتركها ولم يقسمها وضرب عليها خراجاً، وروي أنه لما فتحت مصر، كان الأمير عمرو بن العاص، قال له الزبير أقسمها بين الغانمين، فقال: لا حتى أكتب إلى عمر فكتب إليه فأجابه عمر حتى يغدو فيهما حبل الحبلة 2، ولأنه لما جاز أن يصالحهم على خارجها قبل القدرة جاز أن يكون مخيراً فيها بعد القدرة كالرقاب.
وأما مالك فاستدل بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر:10] فكان هذا الدعاء منهم لأجل ما انتقل إليهم من فتوح بلادهم التي استبقوها وفقاً عليهم، وبما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فتح مكة عنوة فلم يقسمها وقسم غنائم هوازن ولم يقسم أرضهم؛ فدل على أن الأرض تصير وفقاً لا يجوز أن تقسم؛ ولأن الغنائم كانت على عهد من سلف من الأنبياء تنزل ناراً من السماء تأكلها فأحلها الله تعالى بعدهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولأمته والنار إنما تختص بأكل المنقول دون الأرضين فدل على اختصاص المنقول بالغنيمة المستباحة دون الأرضين والدلالة عليها
عموم قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال:41] وروى مجمع بن جارية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قسم خيبر بين الغانمين على ثمانية عشر سهماً، وذلك أن الغانمين كانوا ألفاً وأربعمائة، منهم مائتا فارس أعطى كل فارس ثلاثة أسهم، فكان لهم ستمائة سهم ولألف ومائتي رجل ألف ومائتا سهم؛ صارت جميع السهام ألفاً وثمانمائة سهم فقسمها على ثمانية عشرة منهم، وأعطى كل مائة سهماً 1، ولذلك روى أن عمر - رضي الله عنه - مالك مائة سهم من خيبر ابتاعها، وقال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أني قد أصبت ما لم أصب قط مثله، وقد أحببت أن أتقرب إلى الله تعالى فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "حبس الأصل وسبل الثمرة 2؛ فدلت قسمتها وابتياع عمر لها المائة سهم منها على أنها طلق مملوك ومال مقسوم.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ظهر على بني قريظة، فقسم عقارهم من الأرضين والنخيل قسمة الأموال.
وروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "عصبة الله ورسوله فخمسها لله ورسوله ثم هي لكم مني 3 إنما قربه؛ ولأنه مال مغنوم فوجب أن يقسم كالمنفول، ولأن ما استحق به قسمة المنفول استحق به قسمة غير المنقول كالميراث.
وأما الجواب عن استدلال أبي حنيفة أن عمر - رضي الله عنه - شاور علياً عليه السلام في قسم السواد، فأشار عليه بالترك، فهو أن عمر - رضي الله عنه - قسم أرض السواد بين الغانمين، واشغلوه أربع سنين ثم رأى أن الغانمين قد تشاغلوا به عن الجهاد، فاستنزلهم عنه فنزلوا؛ وترك جرير بن عبد الجبلي، وأكثر قومه وكانت نخيلة ربع الناس، فأبت طائفة منهم أن ينزلوا فعاوضهم عنه وجاءته أم كرز، فقالت: إن أبي شهد القادسية، وأنه مات ولا أنزل عن حقي إلا أن تركبني ناقة زلولاً، عليها قطيفة حمراء، وتملأ كفي ذهباً، ففعل حتى نزلت عن حقها، وكان قدر ما ملئ به كفها ذهباً نيفاً وثمانين مثقالاً، فلولا أن قسمة ذلك واجبة، وأن أملاك الغانمين عليها مستقرة، لما استنزلهم عنها بطيب نفس ومعاوضة، فلما صارت للمسلمين شاور عليها فيها فقال: دعها تكون عدة لهم، فوقفها عليهم، وضرب عليها خراجاً هو عند الشافعي أجرة وعنا أبي العباس بن سريج ثمن، وأما أرض مصر فبعض فتوحها عنوة وبعضها صلح، ولم يتعين نزاع عمرو والزبير في أحدهما فلم يكن فيه دليل.
وأما الجواب عن قياسه عن الرقاب فهو أنه منتقض بالمنقول، فإن عمر صالح نصارى العرب على مضاعفة الصدقة على مواشيهم وزروعهم وسائر أموالهم وكان ذلك
خراجاً باسم الصدقة ثم لا يمنع ذلك من وجوب قسمة في الغنيمة كذلك الأرضون؛ ثم سلم من هذا النقص لكان المعنى في الرقاب أنها ليست في وقت خيار الإمام فيها مالاً، وإنما يصير بالاسترقاق مالاً، وليس للإمام بعد الاسترقاق خيار.
وأما الجواب عن استدلال مالك بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر:10] فهو أن هذا منهم لم يتعين أنه للمعنى الذي ادعاه، وقد يكون ذلك منهم لتمهيد الأرض لهم، وإزالة المشركين عنهم، ونصرة الدين بجهادهم ثم بما صار إليهم من بلاد الفيء ومواريث العنوة.
وأما الجواب عن فتح مكة فتحت عندنا صلحاً، فالكلام في فتحها يأتي، وأما أرض هوازن فلم تغنم؛ لأن قتالهم لم يكن فيها، ونما قوتلوا بعد خروجهم منها إلى حنين، وأحرزوا أموالهم في أوطاس فلما أظفر الله تعالى بهم، وغنمت أموالهم، وسبيت ذراريهم، أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدلون إليه بحرمة الرضاع؛ ن حليمة مرضعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت من هوازن، وقالوا: لو كنا ملحنا للحارث بن أبي شمر ونزلنا معه منزلنا منك لوعى ذاك، وأنت خير الكفيلين
وقولهم ملحنا: أي وضعنا وأنشد شاعرهم:
أمنن علينا رسول الله في كرم فإنك المرء نرجوه وننتظر
أمنن على نسوة قد كنت ترضعها إذ فوك تملؤه من محضها الدرر
فقال: اختاروا أموالكم، أو ذراريكم، فقالوا: خيرتنا بين أموالنا وأحسابنا فنختار أحسابنا على أموالنا، فقال أما ما كان لي ولبني هاشم فلله ولكم، وقال المهاجرون والأنصار: وأما مالنا فلله ولرسوله، ولكم فانكفوا إلى ديارهم التي لا تملك عليهم آمنين، وقد أسلموا.
وأما الجواب عن استدلالهم بأكل النار المنقول دون الأرضين فكان هو المغنوم، فهو أنه استدلال ركيك وضعه إسماعيل بن إسحاق القاضي ثم فيه دليل على أن الأرض لم تكن تحل للأنبياء من قبل فوجب أن تحل لنبينا - صلى الله عليه وسلم - لقوله أعطيب ما لم يعط نبي من قبلي أحلت لي الغنائم على أن النار لا تأكل الفضة والذهب، ولا يمنع ذلك من أن تكون غنيمة مقسومة كذلك الأرض.
فصل
وأما الآدميون المقدور عليهم، والمظفور بهم من المشركين فضربان: عبيد وأحرار.
وأما الأحرار فضربان: ذرية ومقاتلة.
فأما الذرية فهم النساء والصبيان ومنهم لا يصيرون بالقهر والغلبة، مرقوقين وليس للإمام فيهم خيار وعليه أن يقسمهم بين الغانمين بعد إخراج خمسهم وقد نهي رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - عن قتل النساء والصبيان لكونهم مالاً مغنوماً وقسم سبي بني المصطلق بين الغانمين، واصطفى صفية بنت حيي من سبي خبير وقسم سبي هوازن بين الناس حتى استنزله هوازن فنزل واستنزل.
وأما المقاتلة فللإمام فيهم بالخيار اجتهاداً ونظراً بين أربعة أشياء ومنها ما رآه صالحاً:
أحدهما: القتل.
والثاني: الاسترقاق.
والثالث: الفداء بمال أو رجال.
والرابع: المن، فإن كان ذا قوة يخاف شره أو ذا رأي يخاف مكره قتله، وإن كان مهيناً ذا كد وعمل استرقه، وإن كان ذا مال فأداه بمال، وإن كان ذا جاء فأداه بمن في أيديهم من الأسرى، وإن كان ذا خير ورغبة في الإسلام من عليه وأطلقه من غير فداء، فيكون خيار للإمام أو أمير الجيش، فمن أسر من المشركين بين هذه الأربعة الأشياء بين القتل أو الاسترقاق أو الفداء بمال، أو رجال، أو المن.
وقال أبو حنيفة: هو بالخيار بين شيئين: القتل، أو الاسترقاق، وليس له الفداء والمن.
وقال صاحباه أبو يوسف ومحمد: هم بالخيار بين ثلاثة أشياء: بين القتل أو الاسترقاق أو الفداء برجال وليس له الفداء بماء ولا المن، ونحن ندل على كل واحد من ذلك على انفراده.
وأما القتل فالدليل على جوازه قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة:5] الآية وقتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الأسرى أربعة أنفس صبراً، ومنهم: أبو عزة الجمحي وعقبة بن أبي معيط وابن خطل وابن النضر بن الحارث، فأما أبو عزة الجمحي فإنه أسر يوم بدر فقال: يا محمد من علي، فمن عليه، فلما عاد إلى مكة ط قال: "سخرت بمحمد، وعاد لقتاله يوم أحد فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم أوقع أبا عزة" فما أسر غيره، فأتي به فقال: يا محمد من علي فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أمن عليك حتى تأتي مكة فتقول في نادي قريش: سخرت من محمد مرتين، لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، اقتلوه" 1 فقتل.
وأما عقبة بن أبي معيط فلما أسر أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتله، فقال: من المصيبة فقال: النار، وأما أبا خطل فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما دخل مكة عام الفتح أباح دم ستة هو منهم، فتغلق بأستار الكعبة فهو آمن" وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - استثنى الستة وقال: "اقتلوهم وإن تعلقوا بأستار الكعبة" فلما أقر بذلك قال: "اقتلوه" 2 فقتل.
وأما النضر بن الحارث فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بقتله حين أسر فقتل فلما دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة عام الفتح استقبلته قتيلة بنت النضر بن الحارث وأنشدته 1:
أَمُحَمَّدٌ وَلَدْتُكَ خَيْرُ نَجِيبَةٍ مِنْ قَوْمِهَا وَالفَحْلُ فَحْلٌ مُعْرِقُ
مَا كَانَ ضَرّك لَوْ مَنِنْتَ وَرُبَّمَا مَنَّ الفَتى وَهُوَ المَغِيطُ المُخْنِقُ
فَالنضْرِ أَقْرَبُ مَنْ تَرَكْتَ قَرَابَةً وَأَحَقَّهُمْ إِنْ كَانَ عَتِقَ يَعْتِقُ
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر رضي الله عنه لو سمعت شعرها ما قتلته.
فهذا دليل على جواز قتل الأسرى من المشركين.
وأما الدليل على جواز استرقاقهم، فقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد: 4] وفي الآية تأويلان:
أحدها: إذا أثخنتموهم بالظفر فشدوا الوثاق بالأسر.
والثاني: إذا أثخنتموهم بالأسر فشدوا الوثاق بالاسترقاق وقد استرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بني قريظة وهوزان ورجلًا من بني عقيل، فقال له قد أسلمت، فقال: لو أسلمت قبل هذا لكنت قد أفلحت كل الفلاح.
فصل
وأما الفداء والمن فالاستدلال أبي حنيفة على المنع منهما بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال: 67] ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: 68] يعني من أموال الفداء في أسرى بدر وإذا منعت الآية من الفداء بمال كانت من الفداء بالمن لمن بغير مال أمنع، وقال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: 5] فأمر بقتلهم ونهى عن تخليتهم بعد أخذهم وحصرهم إلا بإسلامهم فدل على تحريم المن والفداء ولأنه لما لم يجز المن عليهم بسلاحهم وعبيدهم ولا منع السلاح والعبيد عليهم، وذلك تبع يقل ضرورة قصدًا لإضعافهم، فكان بأن لا يمن عليهم بأنفسهم ولا يفادوا بمال عن رقابهم أولى؛ لأن الضرر بهم أعظم، وإضعافهم بالقتل والاسترقاق أبلغ ولأن المصلحة في حظر المن والفداء ظاهرة؛ لأنهم إذا تصوروا جوازها عندنا أقدموا على الحرب تعويلًا على الفداء بعد الأسر ورجاء المن، وإذا تصوروا أنه لا خلاص لهم من القتل إذا أصروا كان ذلك أحجم لهم عن الأقدام وأمنع من القتال، وإن كانت المصلحة فيه ظاهرة كان ما دعى إليها لازمًا.
والدليل على جواز المن والفداء، قوله تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [محمد: 4] ﴿فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: 4] وقال مجاهد: حتى لا يبقى في الأرض دين غير الإسلام، فكان المن والفداء صريحًا في هذه الآية وليس لهم نسخ ذلك بقوله تعالى ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] لأمرين:
أحدهما: أنه إذا أمكن استعمال الآيتين لم يجز أن تنسخ إحداهما الأخرى، واستعمالهما ممكن في جواز الكل، ويعتبر كل واحد منهما باجتهاد الإمام ورأيه.
والثاني: أن الأمر بالقتل على وجه الإباحة دون الوجوب، وإباحته لا تمنع من العدول عنه إلى غيره ويدل على جواز المنّ خاصة ما رواه جبير بن مطعم: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأسارى بدر: "لو كان مطعم بن عدي حيًا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لأطلقتهم له" 1 وهو لا يقول ذلك إلا لجوازه عنده.
وروي سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث خيلًا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه إلى سارية من سواري المسجد، فخرج إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: "ما عندك يا ثمامة"؟ قال: عندي يا محمد خبر إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت فتركه، حتى إذا كان من الغد ذكر مثل هذا: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أطلقوا ثمامة" فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله"، وكتب إلى قومه فأتوه مسلمين 2. وقد منَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أبي عزة الجمحي يوم بدر على أن لا يعود لحربه أبدًا فعاد يوم أحد وأسره، ومنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أبي العباس بن الربيع وكان صهره على ابنته زينب.
ويدل على جواز الفداء رواية عمران بن الحصين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فادى رجل برجلين رواه الشافعي مفسرًا أن عمران بن الحصين قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سرية فأسروا رجلًا من بني عقيل، فاستوثق منه، وطرح في الحرة فمنّ به النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "فيما أخذت وفيم أخذت سالفة الحاج" يعني العضباء قال: أخذت بجريرة حلفائكم من ثقيف قد أسروا مسلمين فقال العقيلي: إني جائع فاطعمني وعطشان فاسقني، وأنا مسلم فخلني فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لو قلت هذا قبل هذا أفلحت كل الفلاح" يعني: قبل أن تسترق وفاده برجلين، وحبس العضباء وهي ناقته التي خطب عليها بمنى في حجّة الوداع 3.
فإن قيل: كيف يفادى به بعد إسلامه.
قيل: لأنه كان مسترقًا فصارات مفاداته عتقًا؛ ولأنه لما جاز الاعتياض عنه بالفداء مع خروجهم من دارنا بالجزية مع إقرار هو في دارنا جاز الاعتياض عنهم بالفداء مع خروجهم من دارنا أولى.
وتحريره أنه اعتياض رقبة مشركة فجاز كالحرية؛ ولأنه لما جاز تآلف المشركين بإعطائهم سهم المؤلفة كان تآلفهم بالمنّ أولى، وربما كان المن أبلغ في تآلفهم أثرًا أو أعم صلاحاء.
وحكي أن الحجاج أتى بأسير من الخوارج من أصحاب قطري بن الفجاءة، وكان يعرفه فلما رآاه منّ عليه فعاد إلى قطري، فقال له قطري: عد إلى قتال عدو الله الحجاج فقال: هيهات علا يدًا مطلقها واسترق رقبة معتقها، وأنشد يقول:
أُقَاتِلُ الحًجَّاجَ عَنْ سُلْطَانِهِ بِيَدٍ تُقِرُّ بِأَنَّهَا مُوْلَاتُه
إِنّي إِذَنْ لأّخُو الدَّنَاءةِ وَالَّذِي شَهدت بِأَقْبَح فِعْلِهِ غَدَرَاتُه
مَاذَا أَقُولُ إذَا وَقَفْتُ إِزَاءَه فِي الصَّفِّ وَاحْتَجَّتْ لَهُ فِعْلاتُه
لَا قَولَ جَاٍر عَلَى أَنَّي إِذنضلاَ حَقَّ مَنْ جَارَتْ عَلَيْهِ وَلَاتُه
وَتَحَدَّثَ الأَقْوَام أَنَّ ضَائِعًا... عَرَسَتْ لِذِي مِحّبْبنطَل نَحَلَاتُه
وإن كان المنّ بهذه المنزلة من التآلف والاستصلاح جاز إذا أدى الاجتهاد إليه أن يفعل.
فأما الجواب عن استدلالهم بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال: 67] فهو أن سبب نزول هذه الآية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - شاور أصحابه في أسرى بدر فقال أبو بكر: هو قومك وعشيرتك فاستبقهم لعل الله أن يهديهم، وقال عمر: هم أعداء الله ورسوله كذبوك وأخرجوك فاضرب أعناقهم، فمال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد انصرافه عنهم إلى قول أبي بكر وأخذ فداء الأسرى ليتقوا به المسلمون فقيل إنه فدى كل بأربعة آلاف درهم، وقيل: أربعمائة درهم، وقال للمهاجرين: أنتم عالة يعني فقراء، فنزلت هذه الآية إنكارًا على نبيّه في فداء أولئك الأسرى، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لو عذبنا في هذا الأمر يا عمر ما نجا غيرك في إنكار هذا الفداء فكان دليل على إباحة الفداء من ثلاثة أوجه:
أحدها: قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال: 67] وهو كثرة القتل فاقتضى إباحة ذلك بعد الإثخان في الأرض وقد أثخن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الأرض وكثرة القتل وكذلك المسلمون بعده.
والثاني: قوله تعالى: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: 68] وفيه تأويلان:
أحدهما: لولا كتاب من الله سبق في أنه سيحل لكم الغنائم لسهمكم في تعجلها من
أهل بدر عذاب عظيم قاله ابن عباس وأبو هريرة والحسن وعبيدة.
والثاني: لولا كتاب من الله سبق في أهل بدر أن يعذبهم لمسهم فيما أخذوا من فداء أسرى بدر عذاب عظيم قال مجاهد وسعيد بن جبير.
والثالث: قول الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً﴾ [الأنفال: 69] يعني به مال الغنيمة والفداء، والله أعلم.
وأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة:5] فهو أنه على طريق الإباحة وإن أخرج مخرج الأمر؛ لأنه بعد حظر، وإذا أباحت هذه الآية القتل لم تمنع من جواز المنّ والفداء.
وأما الجواب عن تحريم المنّ عليهم لسلاحهم وعبدهم؛ فمن وجهين:
أحدهما: أن السلاح والعبيد والمال لا يجوز للإمام إتلافه فلم يجز له المنّ به، وليس الرجال الأحرار مال لأنه يجوز له إتلافهم فجاز له المنّ بهم.
والثاني: أن السلاح والعبيد قد دخلا في ملك الغانمين فلم يكن للإمام في المنّ بهما اجتهاد.
ولم يدخل الرجال الأحرار في ملك الغانمين، فجاز أن يكون للإمام في المنّ عليهم اجتهاد.
وأما الجواب عن قولهم إنه لا مصلحة في المنّ والفداء فهو إننا نجوزه مع ظهور المصلحة فيمن يرجئ إسلامه أو تآلف قومه ويمنع عند عدم المصلحة وظهور الضرر، والله أعلم.
مسألة 1
قال الشافعي رحمه الله: "لا ينبغي للإمام أن يعزل خمس ما حصل بعدها وصفنا كاملًا ويقر أربعة أخماسه لأهلها ثم يحسب من حضر القتال من الرجال المسلمين البالغين ويرضخ من ذلك لمن حضر من أهل الذمة وغير البالغين من المسلمين والنساء فينفلهم شيئًا لحضورهم ويرضخ لمن قاتل أكثر من غيره وقد قيل: يرضخ لهم من الجميع".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، وجملة مال الغنيمة أنه لصنفين: لحاضر، وغائب فأما الغائبون فهم أهل الخمس يستحقونه بأوصافهم لا بحضورهم ولا يزاد منهم حاضر لحضوره على غائب لغيبته.
وأما الحاضرون فضربان:
أحدهما: من تفرد منهما بحق معين لا يشاركه فيه غيره وهو القاتل يستحق سلب قتيله لا يشارك فيه وقد مضى حكمه.
والثاني: ما كان حقه مشتركا غير معين وهم ضربان:
أحدهما: ما كان له سهم قدر.
والثاني: من عين له رضخ غير مقدر، فأما أصحاب السهام المقدرة فهم أهل القتال قد تعذرت سهامهم في الغنيمة بأعداد رؤوسهم لا يفضل فيها إلا الفارس بفرسه بما سنذكره من تفصيله على الراجل.
وأما أصحاب الرضخ فهم من لم يكن من أهل الجهاد، وهم خمسة أصناف: الصبيان، والمجانين، والنساء، والعبيد، وأهل الذمة، يرضخ لهم من الغنيمة لحضور الواقعة بسبب غيابهم، ويفضل من قاتل على من لم يقاتل، ولا يبلغ برضخ أحدهم سهم فارس ولا رجل وقال الأوزاعي، بسهم لجميع هؤلاء وهو في الغنيمة كغيرهم ن أهل الجهاد استدلالا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الغنيمة لمن شهد الواقعة" وتعليلا بأنهم شهدوا الواقعة فأسهم لهم كأهل الجهاد.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: 68] فلما كان الوعد فيما أخذوه متوجها إلى أهلها الجهاد كان السهم فيما غنموه مستحقاً لأهل الجهاد، ولأن سهم الغنيمة في مقابلة فرض الجهاد فلما خرج هؤلاء من الفرض خرجوا من السهم، ولأن كل هؤلاء قد حضروا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزواته فرضخ لهم ولم يسهم حتى أنه استعان بيهود بني قينقاع فرضخ لهم ولم يسهم، وفيما ذكرنا تخصيصا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الغنيمة لمن شهد الواقعة " على أننا نجعلها لجميعهم، وإنما نفاضل بين أهل الرضخ والجهاد.
فصل
فإذا ثبت أنه يرضخ لهؤلاء الخسمة ولا يسهم، فالرضخ يتقدر باجتهاد الإمام ورأيه أو من يتخلفه الإمام من أمير جيش أو قاسم يغنم؛ فيقع التفضيل بينهم بحسب تفاضلهم في القتال.
فإن قيل: فهلا سوى بينهم وان تفاضلوا كالغانمين.
قيل: لأن سهام الغانمين مقدرة، فلم يعتبر فيهم التفاضل كدية الحر، والرضخ غير مقدر فاعتبر فيه التفاضل كغنيمة العبد، ولا يبلغ بالرضخ سهم فارس ولا راجل؛ لأنه تبع للسهام فنقص عن قدرها كحكومات الجراح على الأعضاء لما كانت تبع للأعضاء لم تبلغ بأرشها ديات تلك الأعضاء.
فصل
فإذا ثبت هذا فمن أين يكون الرضخ فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: من أصل الغنيمة قبل إخراج خمسها كالسلب لأنهم أعوان، فصاروا كحافظي الغنيمة وحامليها الذين أعطون أجورهم من أصل الغنيمة، فعلى هذا يبدأ من
الغنيمة بإعطاء السلب وأجور الحفظة والحمالين ثم الرضخ ثم يخمس الباقي، فيعزل خمسه لأهل الخمس، وتقسم أربعة أخماسه في الغانمين.
والثاني: أن يرضخ لهم من أربعة أخماس الغنيمة؟ لأنهم أضعف من الغانمين حكماً فلم يجز أن يكونوا أقوى حقاً؛ فعلى هذا يبدأ بالسلب ثم بالأجوز ثم بالخمس ثم بالرضخ ثم يقسم الباقي بين الغانمين.
والثالث: أنه يرضخ لهم من سهم المصالح العامة: لأنهم من جملتها وهو أضعف الأقاويل ذكره الشافعي في بعض منصوصاته.
مسألة 1
قال الشافعي رحمه الله: " ثم يعرف عدد الفرسان والرجالة الذين حضروا والقتال فيضرب كما ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للفرس سهمين وللفارس سهماً وللراجل سهماً وليس يملك الفرس شيئاً إنما يملكه صاحبه لما تكلف من اتخاذه واحتمل من مؤنته وندب الله تعالى إلى اتخاذه لعدوه ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال:
إذا أفرد الإما خمس الغنيمة على أربعة أخماسها يبدأ بالغانمين، فقسم فيهم أربعة أخماس الغنيمة، وقدمهم، على أهل الخمس لثلاثة معاني:
أحدهما: لحضورهم وغيبة أهل الخمس.
والثاني: أنه في مقابلة اجتهادهم فصار معاوضة وحق أهل الخمس مواساة.
والثالث: أن يهم ملك أهل الخمس خمسهم؛ فكانوا أقوى في الغنيمة منهم فإذا شرع في قسمتها فيهم لم يخل حالهم من ثلاثة أقسام:
إما أن يكونوا رجاله لا فارس فيهم، أو فرساناً لا رجال فيهم أو يكونوا فرساناً ورجالاً.
فإن كانوا رجالة لا فارس فيهم أو فرساناً لا رجال فيهم سوى بينهم، وقسمها على أعداد رؤوسهم ولم يفضل شجاعاً على جبان، ولا محارباً على كاف، لأن جميعهم حاضر مكثر، ورد مهيب كما يسوي في المواريث بين البار والعاقء والمحسن والمسيء لتساويهم في النسب.
وان كانوا فرساناً ورجالة فضل الفارس على الراجل.
واختلفوا في قدر ما يفضل به، فذهب الشافعي: إلى أنه يعطي الفارس ثلاثة أسهم، سهماً له وسهمين لفرسه، ويعطي الراجل سهماً واحداً، وبه قال من الصحابة عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما ومن التابعين: عمر بن عبا العزيز والحسن البصري، وابن سيرين، ومن الفقهاء: مالك مع أهل المدينة، والأوزاعي مع أهل الشام،
والليث بن سعد مع أهل مصر، وأحمد وإسحاق مع أصحاب الحديث، والثوري أبو يوسف ومحمد مع أهل العراق، إلا أبا حنيفة وحده فإنه تفرد عنهم فأهب إلى أنه يعطي الفارس سهمين والراجل سهما استدلالاً برواية عبيد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى الفارس سهمين فبرواية المقداد قال: أعطاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سهماً لي وسهماً لفرس وبرواية مجمع بن حارثة الأنصاري قال: قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيبر على ثمانية عشر سهما وكان الجيش ألفا وخمسمائة فمنهم ثلاثمائة فارس فأعطى الفارس سهمين، والراجل سهماً؛ لأنه جعل لثلاثمائة فارس ستمائة سهم حتى صار لكل مائة منهم سهم واحد من خيبر 1.
ومن القياس: أنه حيوان يسهم له: فوجب أن لا يزاد على سهم كالراجل، ولأن الفرس تبع ألا تراه لو حضر بلا صاحبه لم يهم له، ولو حضر صاحبه بلا فرس أسهم له، ولا يجوز أن يكون سهم التابع أفضل من سهم المتبوع، ولأن عناء صاحبه أكثر تأثيرا وتأثيره أظهر لأنه هو المقاتل دون الفرس، وسهم الغنيمة إنما يستحق بحسب العناء وعلى قدر البلاء: فلم يجز أن يفضل ما قل تأثيره على ما كثر قال أبو حنيفة: لأن في إعطاء الفرس سهمين وصاحبه سهماً تفضيلاً للبهيمة على الآدمي وإني لأستحي أن أفضل بهيمة على آدمي.
قال أصحابه: ولأن القياس يقتضي أن لا يسهم للفرس: لأنه آلة كالسلاح: ولأنه بهيمة كالبغال، ولكن صرنا إلى إعطائه سهماً واحداً بالإجماع ومنع القياس من الزيادة عليه.
ودليلنا ما رواه عبيد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أسهم للراجل ولفرسه ثلاثة أسهم سهماً له، وسهمين لفرسه 2. وهذا حديث صحيح رواه أئمة الحديث، وقد روى جابر وأبو هريرة مثله عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وروى الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر بن الخطاب وطلحة والزبير قالوا: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يسهم للفارس ثلاثة أسهم: سهماً له وسهمين لفرسه 3. وهذا إخبار عن استدامة فعله، لكن الحديث الأول أشهر وأصح: لأن مدار هذا على بشر بن معاذ، وفيه لين.
وروى ابن عباس إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قسم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم 4.
وروى الشافعي أن الزبير بن العوام كان يضرب في المغنم بأربعة أسهم سهماً له؛ وسهمين لفرسه، وسهم لأمه صفية 5؛ لأنهما من ذوي القربى وكل هذه الأخبار نصوص
تمنع من الخلاف.
فإن قيل: فيحمل السهم الثالث في هذه الأخبار على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دفعه إلى الفارس نقلاً كما نقل الربع في البداءة والثلث في الرجعة فعل ذلك أربعة أجوبة:
أحدهما: أن السهم عبارة عن المستحق لا عن النفل.
والثاني: أن النفل يستحق بالشرط وليس في الفرس شرط.
والثالث: أن النفل لا يكون للفرس.
والرابع: أن حكم السهم الثالث كحكم الهمين المتقدمين، فلما لم يكونا نفلاً لم يكن الثالث نفلاً.
ثم الدليل من جهة القياس أنه مقدر يزيد على مقدر على وجه الرفق، فوجب أن يكون بالضعف قياساً على المسح على الخفين، لما مسخ المقيم يوماً وليلة أرفق المسافر بثلاثة أيام وليالهن؛ ولأن مؤنة الفرس أقصر لما يتكلف من علوفه وأجره خادمه وكثرة آلته فاقتضى أن يكون المستحق به أكثر، ولأنه في الحرب أهيب، وتأثيره في الكر والفر أظهر.
فاقتضى أن يكون سهمه أوفر.
فأما الجواب عن حديث عبيد الله بن عمرو العمري فمن ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنه عند أصحاب الحديث ضعيف وأخوه عبد الله أقوى عندهم منه وأصح حديثاً، وقد روينا عنه خلاف ما رواه.
والثاني: أن خبر عبد الله أزيد من خبره والأخذ بالزيادة أولى.
والثالث: أنه يحمل سهم الفارس على الزيادة استحقها بفرسه على السهم الراتب لنفسه فيصير ذلك ثلاثة أسهم كما روينا استعمالاً للروايتين فيكون أولى من إسقاط إحداهما بالأخرى كما روي في صلاة العيدين، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كبر في الأولى سبعا وفي الثانية خمساً فحملنا ذلك على التكبير الزائد على التكبيرة الراتبة في الإحرام والقيام.
وأما حديث المقداد فقد روت عنه بنته كريمة أنه قال: أعطاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أسهم: سهماً لي، وسهمين لفرس فتعارضت الروايتان عنه وسقطتا واستعملنا على ما وصفنا.
وأما حديث مجمع بن حارثة فعنه جوابان:
أحدهما: ما قاله أبو داود أن مجمعاً وهم في حديثه: أنهم كانوا ثلاث مائة فارس، وإنما كانوا مائتي فارس.
والثاني: أنه قد روي عنه أنهم كانوا ألفاً وأربعمائة فهم مائتا فارس وهذه الرواية أصح من وجهين:
أحدهما: أن رواية ابن عباس توافقهما.
والثاني: أن هذا الجيش هم أهل الحديبية، وقد اتفق أهل السير على أن عدتهم
ألف وأربعمائة وأما الجواب عن قياسهم على الراجل لعلة أنه حيوان يسهم له فهو أن الفرس لا يسهم له، وإنما يسهم لصاحبه لأجله؛ فكان الوصف غير سليم ثم المعنى في الفرس أن مؤنته أكثر وبلائه أظهر فجاز أن يكون ما يستحق به أكثر.
وأما قولهم أنه تابع فلا يجوز أن يكون سهمه أكثر من مهم المتبوع.
فالجواب عنه أن كلا السهمين للمتبوع ليس للتابع سهم وهو أكثر، على أن ذلك لو جاز أن يمنع من الزيادة لجاز أن يمنع من المساواة؛ لأنه إذا لم يجز أن يزيد على المتبوع لم يجز أن يساويه.
وأما قولهم أن عناء صاحبه أكثر لأنه هو المقاتل.
فالجواب عنه أن كلا العنائين مضاف إلى صاحبه إلا أن تأثيره لفرسه أكثر من تأثيره لنفسه؛ لأنه بالفرس يلحق إن طلب ولا يلحق إن هرب.
وأما قول أبي حنيفة: "إنني أستحي أن أفضل بهيمة على آدمي" فيقال له لئن استحييت أن تفضل بينهما فاستحي أن تساوي بينهما وأنت قد سويت ثم يقال له: ألست قد فضلت قيمة البهيمة إذا تلفت على ذمة الحر إذا قتل ولم يوجب ذلك الاستيحاء، فكذلك في السهم على أنه ليس السهم للبهيمة فيستحي من تفضيلها بهء وإنما هو لصاحبها والبهيمة لا تملك.
وأما قولهم: أن القياس يمنع من الهم للبهيمة فهذا قياس قد أبطله النص فبطل.
فصل
فإذا ثبت أن للفارس ثلاثة أسهمء فالفرسان هم أصحاب الخيل دون البغال والحمير والمطايا والفيلة، لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: 60] ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: "يا خيل الله اركبي" 1 وقال - صلى الله عليه وسلم -: "الخيل معقود بنواصيها الخير" 2 ولأنها هي المختصة بالكر والفر دون البغال والحمير وإذا كان كذلك فالخيل كلها سواء لا فرق بين عتيقها وبزاذينها ومقارفها وهجنها؛ والعتيق: ما كان أبواه عربيين والبرذون: وما كان أبواه أعجميين.
المقرف: ما كانت أمه عربية وأبوه أعجمي.
والهجين: ما كان أبوه عربياً وأمه أعجمية وبهذا قال أبو حنيفة ومالك وقال الأوزاعي: إن كان الفرس عتيقاً أسهم له سهمان وان كان برذوناً لم يسهم له، (وإن) كان
مقرفاً أو هجينا أسهم له سهم واحد.
وقال أحمد بن حنبل: يهم للعتيق سهمان ولغيره من الخيل سهم واحد استدلالا بأن المختصة بالكر والفر هي العتق فاختصت بالسهم الأوفى وكان ما سواهما بالنقص أولى وهذا خطأ لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: 60] ولأن العتيق وان كان أحد وأسرع فالبرذون أشد وأبهى وأصبر فصار اختصاص العتيق بالحدة في مقابلة اختصاص البرذون بالشدة فتقابلا واستويا، ولأن أصحاب الخيل لما يستوي عربيهم وعجميهم في السهم فالخيل أولى بأن يستوي عربيها وعجميها في السهم، وفيما ذكرناه دليل وانفصال والله أعلم.
مسألة 1
قال الشافعي رحمه الله: "ومن حضر بفرسين فأكثر لم يعط إلا لواحد لأنه لا يلقى إلا بواحد ولو أسهم لاثنين لأسهم لأكثر ولا يسهم لراكب دابةٍ غير دابة الخيل".
قال في الحاوي: وهذا صحيح.
إذا حضر الفارس الوقعة بأفراس لم يعه إلا أسهم فرس واحد، ولو حضرها بمائة فرس، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأكثر الفقهاء، وقال الأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق: يسهم لفرسين، ولا يهم لأكثر استدلالاً بما روى مكحول أن الزبير بن العوام حضر خيبر بفرسين فأعطاه النبي - صلى الله عليه وسلم - خمسة أسهم: سهم له، وأربعة أسهم لفرسيه 2؛ ولأن الثاني عدة مجيئها يراوح بينه وبين الأول إن أعيا أو زمن فكان تأثيرهما أكثر مع ما قد تكلفه لهما من زيادة المؤنة، وهذا خطأ.
ودليلنا ما رواه أبو عاصم عن نافع عن ابن عمر أن الزبير بن العوام حضر خيبر معه أفراس فلم يسهم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا لفرس واحد 3.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حضر خيبر ومعه ثلاثة أفراس: السكب والظرب والمرتجز فلم يأخذ الهم إلا لواحد؛ لأنه لا يقاتل إلا على واحد منهما ولو تحول عنه صار تاركاً له ويكون الثاني إن انتقل إليه كالثالث في أنه قد يجوز أن ينتقل إليه ولا يسهم له فكذلك الثاني، ويصير ما سوى الأول زينة واستظهار لا يتعلق به حكم الاستحقاق كخدم الزوجة لا تستحق إلا نفقة واحدة منهم لوقوع الكفاية به ويصير ما عداه زينة وزيادة واستظهاراً.
وأما حديث مكحول فقد روينا عن ابن عمر خلافه وهو صحابي خبره مسند وذاك تابعي خبره مرسل وأما استدلالهم أن الثاني وقد تكلف له زيادة مؤنة فهذا مال الثالث أيضا ولا يوجب لهم له فكذلك الثاني.
فرع
وإذا حضر الرجل الوقعة بفرس يقاتل عليه أسهم له، لأنه قد هيب به وقد يقاتل عليه إن احتاج إليه، وهكذا لو قاتل في الماء أسهم له؛ لأنه قد ربما انتقل إلى البئر وقاتل محليه، وهكذا لو قاتل على حصار حصن أسهم لفرسه، لأنه عدة يلحق به أهل الحصن إن هربوا أو يرهبهم به إن حوصروا.
فرع
وإذا غضب الرجل فرساً، فشهد به الوقعة، أسهم للغرس للحضور مع الغاضب، لظهور التأثير فيه، وحصول الإرهاب به، وليس ذلك معصية، وان كان الغصب معصية، وإذا كان سهم الفرس المغصوب مستحقاً، ففي مستحقه وجهان مخرجان من اختلاف قوليه في ربح المال المغصوب.
فإن قيل: إنه للغاصب بعمله، جعل سهم الفرس المغصوب للغاصب لقتاله.
وان قيل: إن ربح المال المغصوب لرب المال بحق ماله، جعل سهم الفرس المغصوب لماله بحق ملكه، ولكن لو كان صاحب ممن حضر الوقعة فغصب فرسه غاصب قاتل عليه كان سهم الفرس لمالكه دون غاصبه، وجهاً واحداً؛ لأنه قد استحقه بالحضور فلم يسقط بالغصب، ويكون على الغاصب أجرة المثل كان السهم لغيره لوجوبها بالغصب.
فرع
ولو استعار فرساً أو استأجره، فشهد به الوقعة نظر، فإن استعاره أو استأجره للقتال عليه ملك سهمه، لتملكه هذه المنفعة بالعارية والإجارة، وان استعاره، أو استأجره للركوب دون القتال، ممار كالغاصب فيكون في سهمه وجهان.
فرع
وإذا حضر رجل بفرس فضل منه الفرس نظر، فإن حضر لم يخرج عن الوقعة ومصاف القتال أسهم له، وان خرج عنها وتجاوز مصاف القتال لم يسهم له.
وقال بعض أصحابنا: يسهم له لبقائه وخروجه عنه بغير اختياره، وهذا خطأ، لأن الأعذار لا تؤثر في تملك الأموال لو ضل صاحبه من حضور الوقعة حتى فاتته، لم يسهم له، وان كان معذوراً.
فرع
وان خلف الرجل فرسه في معسكر الحرب، ولم يشهد به وقعة القتال، لم يهم له، لأن مالكه لو تأخر في المعسكر عن حضور الوقعة لم يسهم له، ففرسه أولى أن لا يسهم له ولكن لو استخلفه أمير الجيش بالمعسكر على حفظه وحراسته حظراً من هجوم العدو عليه أسهم له ولفرسه؛ لأنه قد يكون أنفع للجيش من حضوره معهم، وهكذا لو أن
أمير الجيش أفرد منهم كميناً ليظفر من العدو بغرة، أسهم لهم، وان لم يشهدوا الوقعة؛ لأنهم عون فيها يخافهم العدو ويقوى بهم الجيش.
مسألة 1
قال الشافعي رحمه الله: "وينبغي للإمام أن يتعاهد الخيل فلا يدخل إلا شديد أو لا يدخل حطماً ولا قمحاً ضعيفاً ولا ضرعاً.
مال المزني رحمه الله: القحم الكبير والضرع الصغير ولا أعجف رازحاً وإن أغفل فدخل رجل على واحدة منها فقد قيل: لا يشهد له لأنه لا يغني غناء الخيل التي يهم لها ولا أعلمه أسهم فيما مضى على مثل هذه"
قال في الحاوي: وهذا كما قال:
ينبغي للإمام أن يتعاهد خيل المجاهدين وتجهيزها، ولا يدخل فيها حطماً وهو الكبير ولا ضرعاً وهو الصغير، ولا أعجف رازحاً، وهو الهزيل الذي لا حراك به لأنها لا تفي غناء الخيل الشديدة وقد تضر من وجهين:
أحدهما: عجزهما عن النهضة وعجز راكبها عن المقاتلة.
والثاني: فيق الغنيمة بالإسهام لها على ذوي العناء والشدة، فلو دخل رجل بواحد من هذه الضعيفة العاجزة عن عناء الخيل السليمة نظر، فإن كان الإمام أو أمير الجيش قد نادى فيهم ألا يدخل أحد من الجيش بواحد، منها فلا سهم لمن دخل بها لأن في البغال التي لا سهم لها ما هو عناء منها، وان لم يناد فيهم بذلك، فقد قال الشافعي هاهنا وفي الأم قيل لا يسهم، وقيل: يسهم لها فاختلف أصحابنا فكان أبو علي بن خيران يخرج ذلك على قولين:
أحدهما: لا يسهم لما ذكرنا من التعليل، فعجزها عن العناء كالبغال والحمير.
والثاني: يسهم لها؛ لأن اختلاف القوة والضعف لا يوجب اختلافهما في السهم كالمقاتلة وقال أبو إسحاق المروزي: ليس ذلك على اختلاف قولين، وإنما هو على اختلاف حالين، فقوله يسهم لها إذا أمكن القتال عليها مع ضعفها، وقوله: لا يمهم لها إذا لم يمكن القتال عليها لضعفها.
مسألة 2
قال الشافعي رحمه الله: "وإنما يسهم للفرس إذا حضر صاحبه شيئاً من الحرب فارساً فأما إذا كان فارساً إذا دخل بلاد العدو ثم مات فرسه أو كان فارساً بعد انقطاع الحرب وجمع الغنيمة فلا يضرب له ولو جاز أن يسهم له لأنه ثبت في الديوان حين دخل لكان صاحبه إذا دخل ثبت في الديوان ثم مات قبل الغنيمة أحق أن يسهم له".
قال في الحاوي: وهذا صحيح.
وهذه المسألة تشتمل على فصلين:
أحدهما: فيمن دخل أرض العدو فارساً، ثم نفق فرسه أو باعه أو أجره قبل حضور الوقعة حتى حضرها راجلا، لم يسهم له.
وقال أبو حنيفة: يسهم له إذا زال عن ملكه بعد دخول الحرب وان لم يشهد الوقعة.
وقال محمد بن الحسن: إن زال ملكه عنه بغير اختياره كنفاقه أو سرقته أسهم له، وان زال باختياره كبيعه أو هبته، لم يسهم له، وقد روى عن أبي حنيفة مثله، وروى عنه مثل قولنا، فصار عن أبي حنيفة ثلاث روايات أشهرها الأولى.
والثاني: فيمن دخل أرض العدو راجلاً، ثم ملك قبل تقضي الحرب فرساً بابتياع أو هبة فحضر به الوقعة أسهم له.
وقال أبو حنيفة: لا يسهم له اعتباراً في استحقاق السهم بدخول دار الحرب فارساً في الفصلين معاً استدلالاً لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: 60] فكان المأمور به هو الإعداد، وقد أعده بدخول دار الحرب فاستحق سهمه.
وروي عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: "ما غزى قوم في عقر دارهم إلا ذلوا" فدل على أن دخول دار الحرب قد حصل الإذلال والقهر، فاستحق به السهم، قالوا: ولأن سهم فرسه في مقابلة ما تكلفه من مؤنته، وقد تكلفها فاستحق السهم بها، وربما حرروا هذا الاعتلال قياساً فقالوا: لأنه دخل دار الحرب فارساً مجاهداً، فاستحق سهم الفارس كالحاضر للواقعة والدليل على أن اعتبار استحقاق السهم في الفصلين معاً بحضور الوقعة لا بدخول دار الحرب قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: 41] فاعتبر بملك حال المغنم إجازته، فلم يجز أن يملك قبلها، لأن الفرس تابع والمالك متبوع، فلما كان موت المالك المتبوع بعد دخول دار الحرب وقبل الوقعة يمنح من استحقاق سهمه فالفرس التابع أولى أن يكون موته مانعاً من استحقاقه.
وتحريره قياساً أنه ذو سهم مات قبل حضور الوقعة، فلم يسهم له كالمالك ولأن يا المسلمين على ما دخل إلى دار الإسلام أثبت وأقوى منها على ما في دار الحرب، فلما استوي اعتبار سهم الغارس والفرس في دار الإسلام، كان أولى أن يعتبر في دار الحرب بحضور الوقعة.
ويتحرر من هذا الاعتلال قياسان:
أحدهما: أن كل حال منع ما قبلها من استحقاق سهم الفارس منع من استحقاق سهم الفرس قياساً على دار الإسلام.
والثاني: أن كل مغنم منع بدار الإسلام من استحقاقه منعت دار الحرب من
استحقاقه قياساً على موت الفارس.
فأما الجواب عن الآية، فهو أن المأمور به هو القتال بعد الاستعداد لا الاقتصار على الاستعداد ألا ترى أن لو استعد ولم يحضر لم يسهم له، ولو حضر ولم يستعد أسهم له، فإن قيل: فالرهبة قد وقعت بالفرس في دخول دار الحرب قبل الرهبة بالفارس لا بالفرس، ثم ليت الرهبة من الفارس بدخوله دار الحرب موجبة لهمهء فكذلك لفرسه.
وأما قول علي بن أبي طالب عليه السلام: "ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا"، فالجواب عنه أنه جعل الغزو في الدار هو الإذلال لا دخول الدار على أن الغنيمة لا تملك بالإذلال، وإنما تملك بالغلبة والإجازة وأما الجواب عن استدلالهم بما تكلفه من مؤنته، فهو أنه ليس تكلف المؤنة موجباً لملك السهم في المغنم، ألا تراه لو تكنها لفرسه فهلك قبل دخول دار الحرب، أو تكلفها لنفسه وهلك بعد دخول دار الحرب لم يسهم لواحد منها، فبطل التعليل بذلك.
مسألة 1
قال الشافعي رحمه الله: "ولو دخل يريد الجهاد فمرض ولم يقاتل أسهم له".
قال في الحاوي: أما الصحيح إذا حضر الواقعة فله سهمه، قاتل أو لم يقاتل لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث سرية من حنين إلى أوطاس فغنمتء فقسمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهم وبين من أقام بحنين، ولم يحضر معهمء فكان الحاضر معهم وان لم يقاتل أولى أن يشركهم ولأنه إذا حضر هيب وكثر وأرهب وخوف، فصار حضوره مؤثرا كالمقاتل؛ ولأنه ليس من عادة جميع الجيش أن يقاتل بعضهم، ويكون الباقون رداً لهم لتقوى نفى المقاتل بحضور من لا يقاتل.
وأما إذا أحضرها وهو مريض أو كان صحيحاً فمرض فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون مريضا يقدر على القتال كالصداع والسعال ونفور الطحال والحمى القرنية، فهذا يسهم له، لا يختلف فيه لعدم تأثيره، وقله خلو الأبدان من مثله.
والثاني: أن يكون مريضا لا يقدر على القتال معه ففي استحقاقه للسهم ثلاثة أوجه لأصحابنا:
أحدها: وهو ظاهر نص الشافعي هاهنا أنه يهم له لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الغنيمة لمن شهد الوقعة"، ولأنه مهيب ومكثر كالصحيح؛ ولأنه قد ينفع برأيه أكثر من نفعه بقتاله.
والثاني: أن لا يسهم له ويعطي رضخاً؛ لأنه مسلوب النهوض بالمرض فصار كالصبي والمجنون.
والثالث: أنه إن كان مريضا يخرج به، من أهل الجهاد كالعمى وقطع اليدين أو
الرجلين، أو الزمانة المقعدة فلا يسهم له.
وان كان مريضاً لا يخرج به أهل الجهاد فيرجى زواله بالعود إلى الصحة كالحمى الشديدة، ورمد العين، وانطلاق الجوف أسهم له؛ لأن الفرق بين الأمرين في فرض الجهاد فرق بينهما في استحقاق الهم، والله أعلم.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله: "ولو كان لرجل أجير يريد الجهاد فقد قيل يسهم وقيل يخير بين أن يسهم لأ وتطرح الإجارة ولا يسهم له وقيل يرضخ له".
قال في الحاوي: وجملة ذلك، أن الأجير إذا حضر الواقعة لم يخل حال إجارته من أحد أمرين:
إما أن تكون ثابتة في ذمته أو معينة في رقبته.
فإن كانت في الذمة أسهم له؛ لأن ثبوت الحقوق في الذمم، السهم في المغنم كالديون.
وان كانت معينة في رقبته وعلى يديه فعلى ضربين:
أحدهما: أن تكون مقدرة بالعمل.
والثاني: أن تكون مقدرة بالزمان.
فإن كانت المنفعة فيها مقدرة بالعمل كرجل استأجر لخياطة ثوب أو صناعة حلي فهذا على ضربين:
أحدهما: أن تكون إجازة لازمة لا يقدر على فسخها.
والثاني: أن تكون إجارة يقدر على فسخها فإن كانت لازمة لا يقدر على فسخها ففي استحقاقه للسهم قولان:
أحدهما: لا سهم له؛ لأن منفعته بالعقد مستحقة فأشبه العبد فعلى هذا يرضخ له وهو على إجارته مستحق لأجرته؛ لأنه لم يعتض عن منفعته فانصرفت إلى إجارته.
والثاني: أنه يسهم له؟ لأن استحقاق منافعه بالعقد لا يمنع من استيفاء أحكام قربه كالحج، ومن هذا الوجه خالف أحكام العبد فعلى هذا إن كان حضور الوقعة لا يمنع من منافع إجارته كأجير يخدم من حضر الوقعة فله الأجرة مع السهم كما يكون له الحج مع الأجرة وان كان حضور الوقعة يمنع من منافع إجارته فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يدعوه المستأجر إلى خدمته فيأبى ويغلبه على منافع نفسه.
فهذا يرد من الأجرة ما قابل مدة حضوره لئلا يجمع فيها بين بدلين وقد امتلكها في إحدى الجهتين.
والثاني: لا يدعوه المستأجر إلى خدمته ففي استحقاق الأجر وجهان:
أحدهما: لا يستحقها تعليلاً بما ذكرنا.
والثاني: يستحقها، لأن الأجرة في مقابلة التمكين من الخدمة، والتمكين موجود وان لم يقترن به الاستيفاء، وان كانت الإجارة تقدر على قسمها ففيه ثلاثة أقاويل:
أحدهما: لا يسهم له سواء أقام عليها من بعد أو فسخ.
والثاني: يسهم له سواء أقام عليها من بعد أو فسخ.
والثالث: أنه مخير بين أن يقيم على الإجارة فلا يسهم له ويعطي رضخاً وتكون له الأجرة، وبين أن يفسخ فيسهم له وتسقط الأجرة.
فإذا قيل: يسهم له فسواء قاتل أو لم يقاتل له سهمه كغيره من الجيش.
وإذا قيل: لا يسهم له كان ذلك حكمه ما لم يقاتل في حضوره، فأما إذا قاتل وأبى فإنه يستحق على هذا القول السلب إن قتل قتيلاً، وفي استحقاقه للسهم وجهان:
أحدهما: وهو قول أكثر البصريين منهم أبو الفياض يستحق الهم لبلائه وظهور عنائه.
والثاني: وهو الظاهر من قول أبي إسحاق المروزي، والأصح عندي أنه لا سهم له؛ لأن من لم يستحق السهم بالحضور إذا لم يقاتل لم يستحقه وان قاتل كأهل الرضخ طرداَ وأهل الجهاد عكساً.
مسألة 1
قال الشافعي رحمه الله: "ولو أفلت إليهم أسير قبل تحرز الغنيمة فمد قيل يسهم له وقيل لا يسهم له إلا أن يكون قتال، فيقاتل فأرى أن يسهم له".
قال في الحاوي: إذا كان في أيدي المشركين أسير أفلت منهم وقت القتال وصار إلى المسلمين، فلا يخلو حاله من أن يختلط بالجيش أو لا يختلط فإن لم يختلط وتوجه إلى وطنه فلا حق له في الغنيمة، وان اختلط في الجيش فلا يخلو حاله من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يحضر قبل تقضي الحرب فهذا يهم له قاتل أو لم يقاتل.
وقال أبو حنيفة: لا يسهم له إلا أن يقاتل؛ لأنه ما قصد الجهاد ولا تكلف له وهذا خطأ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الغنيمة لمن شهد الوقعة" ولأن من أسهم له إذا قاتل أسهم له، وان لم يقاتل كسائر الجيش؛ ولأن ما عاناه من شدة الأسر وذله لا يجوز أن يكون سبباً لحرمانه فأما نية القصد وتكلف المؤن فليس بشرط في سهم غيره فكذلك في سهمه.
والثاني: أن يحضر بعد الوقعة وقبل إجازة الغنيمة ففي استحقاقه للسهم قولان بناء