أحدهما: أن يكون ذلك لعذر ظاهر من خوف طرأ، أو فتنة حدثت، فلا يكون ذلك رجوعًا.
والثاني: أن يكون ذلك لغير عذر ففي كونه رجوعًا وجهان:
أحدهما: يكون رجوعًا اعتبارًا بظاهر فعله.
والثاني: لا يكون رجوعًا اعتبارًا ببقائها على صفتها على ملكه، والله أعلم.
فصل: فالمسألة الثانية: أن لو أوصي له بحنطة فيطحنها: فيكون ذلك رجوعًا لعلتين إحداهما: زوال الاسم عنها بالطحن.
والثانية: القصد إلى استهلاكها بالأكل.
وهكذا: لو قالاها سويقًا فإن طحنها كان رجوعًا لعلتين، وغن لم يطحنها بعد القلي كان رجوعًا لإحدى العلتين وهو قصد استهلاكها.
وهكذا لو بذرها: كان رجوعًا، وكذلك لو عملها نشًا أو بلها بالماء كان رجوعًا.
فصل: والمسألة الثالثة: أن يوصي له بدقيق فيصيره عجينًا فهذا رجوع، لأنه حصد به الاستهلاك وهكذا لو أوصي له بعجين فخبزه خبزًا، كان رجوعًا لزوال الاسم دون الاستهلاك، ولو أوصي له بخبز فدقه فتوتًا ففي كونه رجوعًا وجهان:
أحدهما: أن يكون رجوعًا لزوال عن صفته.
والثاني: لا يكون رجوعًا لبقاء اسم الخبز عليه؛ ولأن دقه إبقاء له.
ولكن لو جعل ثريدًا كان رجوعًا.
فصل: ولو أوصي بقطن فعزله: كان رجوعًا لزوال الاسم عنه.
ولو حشاه في مخدة أو مضربه ففي كونه رجوعًا وجهان:
أحدهما: هو قول أبي علي بن خيران أنه يكون رجوعًا كما لو عزله.
والثاني: لا يكون رجوعًا، لأنه ما أزال عنه الاسم، ولا قصد به الاستهلاك ولو أوصي له بعزل فنسجه ثوبًأ كان رجوعًا، لزوال اسم الغزل عنه.
ولو أوصي له بثوب فقطعه قميصًا كان رجوعًا لانتقال الاسم وقصد الاستعمال ولو غسله لم يكن رجوعًا، ولو صبغه كان رجوعًا، ولو قصره ففي كونه رجوعًا وجهان:
أحدهما: لا يكون رجوعًا كالغسل.
والثاني: يكون رجوعًا كالصبغ.
فصل: فلو أوصي بشاة فذبحها: كان رجوعًا لزوال الاسم وقصد الاستهلاك وقال أبو حنيفة: لا يكون رجوعًا ولو أوصي له بلحم فقدده لم يكن رجوعًا؛ لأنه بالتقديد يستبقي ولو طحنه: كان رجوعًا، لأنه صار مستهلكًا.
وإذا شوي كان أبقي له.
فصل: ولو أوصي له بنقرة فضة، فطبعها دراهم، أو صاغها حليًا كان رجوعًا، لانتقال الاسم وهكذا: لو أوصي له بحلي، أو دراهم فسبكها نقرة، كان رجوعًا.
ولو
(أوصى) له بتمر فكذا: لم يكن رجوعًا، لأنه يستبقي به.
ولو جعله دبسًا: كان رجوعًا لزوال الاسم.
وهكذا: لو أوصي له بعنب، فجعله عصيرًا، أو زيتون فجعله زيتًا، أم بسمسم فجعله شيرجًا، كان رجوعًا.
ولو أوصي برطب فجففه تمرًا أو بعنب فجففه زبيبًا، لم يكن رجوعًا، لأنه بذلك يدخر وهو على صفته فصار كما لو أوصي له بجدي، فصار تيسًا، أو ببصل فصار خلًا.
فصل: وإذا أوصي له دار فهدمها: كان رجوعًا.
وقال أبو حنيفة: لا يكون هدم الدار رجوعًا، وهذا خطأ، لأنه لما كان طحن الحنطة رجوعًا، كان هدم الدار فأولى أن يكون رجوعًا.
ولو جعل الدار حمامًا: كان رجوعًا، كان هدم الدار فأولى أن يكون رجوعًا.
ولو جعل الدار حمامًا: كان رجوعًا بوفاق مع أبي حنيفة، وهو حجة عليه في هدمها.
ولكن لو عمرها، لم يكن رجوعًا، ولو جعل عليها سباطًا لم يكن داخلًا في الوصية.
وهل يكون وضع السباط عليه من حيطانها على وجهين كما قلنا في قرار الغرس وأساس البناء.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: «ولو أوصي له بمكيلة حنطة مما في بيته ثم خلطها بمثلها لم يكن رجوعًا وكانت له المكيلة بحالها».
قال في الحاوي: قد مضي الكلام فيمن أوصي بصبرة مميزة وأنه متى خلطها بغيرها كان رجوعًا.
فأما مسألتنا هذه مصورة في رجل أوصي لزيد بقفيز من صبرة حنطة في بيته، ثم خلطها، فهذا على ثلاثة أقسام:
أحدها: ان يخلطها بمثلها، فهذا لا يكون رجوعًا، لأن القدر الموصي به كان مختلطًا بغيره، وحالف الحنطة المتميزة التي يصير خلطها رجوعًا.
والثاني: أن يخلطها بأجود منها: فهذا يكون رجوعًا، لأنه قد أحدث فيها بالخلط زيادة لا يملكها الموصي له فصار كالذهب إذا صاغه.
والثالث: أن يخلطها بأردأ منها، ففي كونه رجوعًا وجهان:
أحدهما: وهو قول علي بن أبي هريرة لا يكون رجوعًا، لأنه نقص أحدثه فيها، فصار كما لو أخذ بعضها: لم يكن رجوعًا فيما بقي عنها.
والثاني: يكون رجوعًا، لأن الحنطة تتغير بالأردأ كما تتغير بالأجود وجملة ما
يكون رجوعًا في الوصية مع بقائها على ملك الموصي أن يقصد إلى استهلاكها أو يحدث فيها بفعله زيادة لا يمكن تميزها.
فصل: ولو حجر الموصي الوصية كان رجوعًا.
وحكي عن محمد بن الحسن أن الحجور لا يكون رجوعًا، وهذا فاسد، لأن الحجور أغلظ من الرجوع.
ولو قال: هذا علي حرام كان رجوعًا؛ لأن الوصية لا تكون عليه حرامًا.
وقال محمد بن الحسن لا يكون ذلك رجوعًا.
ولو قال: هي لورثني كان رجوعًا.
ولو قال: هي من تركتي ففي كونه رجوعًا وجهان:
أحدهما: يكون رجوعًا، لأن التركة للورثة.
والثاني: لا يكون رجوعًا؛ لأن الوصايا من حملة التركة والله أعلم.
باب المرض الذي تجوز فيه العطية ولا تجوز والمخوف غير المرض
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: «كل مرض كان الأغلب فيه أن الموت مخوف عليه فعطيته إن مات في حكم الوصايا وإلا فهو كالصحيح».
قال في الحاوي: أعلم أن ما يخرجه الإنسان من ماله ضربان:
أحدهما: وصاياه بعد موته.
والثاني: عطاياه المنجزة في حياته.
فأما الوصايا: فهي من الثلث، سواء أوصي بها في صحة أو مرض، فإن اتسع الثلث لجميعها أمضيت، ولم يكن للوارث فيها اعتراض، وإن ضاق الثلث عنها: رد الفاضل على الثلث إن لم يجزه الورثة ويحاص أهل الوصايا الورثة بالثلث.
وسواء من تقدمت الوصية له أو تأخرت، إلا أن يكون فيه عتق، فيكون في تقديمه على الوصايا قولان:
وأما العطايا المنجزة في الحياة: فكالهبة، والصدقة، والمحاباة، والعتق، والوقف فضربان:
أحدهما: ما كان في الصحة.
والثاني: ما كان في المرض.
فأما عطايا الصحة فمن رأس المال، سواء قرب عهدها بالموت أو بعد.
وأما عطايا المرض فالمرض، ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
قسم يكون غير مخوف: كوجع الضرس، ورمد العين، ونفور الطحال، وحمي يوم.
فالعطايا فيه: من رأس المال، لأن الإنسان مطبوع على أحوال متغايرة ولا يبقي معها على حالة واحدة ولا يخلو في تغييره واستحالته، فإن أعطي في هذه الحالة كانت عطيته من رأس ماله، مثاله كالصحيح، وإن مات عقيب عطيته، لأن حدوث الموت بغيره فهذا هو قسم.
والثاني: حال المعاينة وحشرجة النفس، وبلوغ الروح التراقي، فلا يجري عليه فيها حكم قلم، ولا يكون لقوله حكم، لأنه في حكم الموتى وإن كان يتحرك حركة المذبوح، وكذلك من شق بطنه وأخرجت حشوته لا يحكم بقوله ووصيته في هذه الحالة، وإن كان يتحرك أو يتكلم؛ لأن الباقي منه كحركة المذبوح بعد الذبح.
والثالث: المرض المخوف الذي الحياة فيه باقية والإياس من صاحبه واقع كالطواعين، والجراح النافذة، فعطاياه كلها من ثلثه، سواء كان هبة أو محاباة أو عتقًا.
وقال داود بن علي: العتق كله من الثلث، للخبر فيه وما سواه من رأس المال.
وقال طاوس: العتق وغيره من رأس المال استدلالًا بعموم قوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الخَيْرَ﴾ [الحج: 77]، ولأنه لما كان ما أنفقه من ماله في ملاذه وشهواته من رأس ماله.
كان ما يتقرب به من عتقه وهباته ومحاباته أولى أن تكون من رأس ماله.
والدليل على فساد هذا القول قوله تعالى: ﴿ولَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وأَنتُمْ تَنظُرُونَ (143)﴾ [آل عمران: 143]. يعني به خوف القتل وأٍباب التلف وسماه باسمه لقربه منه، واتصال حكمه بحكمه، وقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ إن تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ والأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: 180].
يعني بحضور الموت ظهور دلائله ووجود أسبابه.
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله تعالى أعطاكم ثلث أموالكم في آخر أعماركم زيادة في أعمالكم».
فأما استدلاله بنفقات ملذاته، وشهواته، فالجواب عنه: أن ما اختص به المريض من مصالحه، هو أحق به من ورثته، وما عاد إلى غيره من هبته ومحاباته، فورثته أحق به.
فلذلك أمضت نفقاته من رأس ماله لتعلقها بمصالحة في حال حياته، وجعلت هباته من ثلثه لتعلقها بمصلحة غير ثم بنفسه بعد مماته فلم يكن له إلا ما جعلت له الشريعة والله أعلم بالصواب.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: «ومن المخوف منه إذا كانت حمي بدأت بصاحبها ثم إذا تطاولت فهو مخوف غلا الربع فإنها إذا استمرت بصاحبها ربعًا فغير مخوفة وإن
كان معها وجع كان مخوفًا وذلك مثل البرسام أو الرعاف الدائم أو ذات الجنب أو الخاصرة أو القولنج ونحوه فهو مخوف».
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن عطايا المرض المخوف من الثلث كالوصايا، وإن تقدمت عليها فالمرض المخوف، هو الذي لا تتطاوله بصاحبه معه الحياة.
وقال أهل العراق: المخوف هو من المضني، المضعف عن الحركة الذي يصير به الإنسان صاحب فراش، وإن تطاول به أجله، وهذا خطأ عندنا، لأن ما تطاول بالإنسان فهو مهلته، وبقية أجله، لأن الموت طارئ على كل حي وإن صح، وإنما يختلف حاله فيما تعجل به الموت وجاء.
وقد قال تعالى: ﴿إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ [البقرة: 180]. والحاضر ما كان قريبًا منه لا ما بعد.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله تعالى أعطاكم ثلث أموالكم في آخر أعماركم زيادة في أعمالكم».
فصل: فإذا تقرر أن المخوف ما جاء وعجل، فالأمراض كلها على أربعة أقسام:
أحدها: ما كان غير مخوف في الابتداء والانتهاء كوجع الضرس ورمد العين، وحرب اليد، فعطاياه من رأس ماله، فإن مات فبحدوث غيره.
والثاني: ما كان مخوفًا في الابتداء والانتهاء كالبرسام، وذات الجنب، والحاضرة، فعطاياه فيه من ثلثه، فإن صح فيه أو قتل أو مات تحت هدم، بان أنه كان غير مخوف فيكون عطاياه فيه من رأس ماله.
والثالث: ما كان في ابتدائه غير مخوف، وفي انتهائه مخوفًا كالحمي، والسل، فعطيته في ابتدائه من رأس المال وفي انتهائه من ثلثه.
والرابع: ما كان في ابتدائه مخوفًا وفي انتهائه غير مخوف كالفالج يكون في ابتدائه عند غلبة البلغم عليه مخوفًا فإذا انتهي بصاحبه حتى صار فالجًا فهو غير مخوف؛ لأنه قد يدون بصاحبه شهرًا والله أعلم.
فصل: وإذا تقرر ما مهدناه من أصول الأمراض فسنذكر من تفصيلها ما يكون مثالًا لنظائره فمن ذلك الحمي، فهي يوم أو يومان أو ثلاثة أيام غير مخوف، لأنها قد تكون من تعب الإغماء وظهور الحمي وقد قال بعض أهل العلم في قوله تعالى: ﴿وإن مِّنكُمْ إلاَّ وارِدُهَا﴾ [مريم: 71] إنها الحمي.
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الفيح الحمي من فيح جهنم فأبردوها بالماء».
فإن استمرت بصاحبها فهي مخوفة، لأنها تدفن القوة التي هي قوام الحياة، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: الحمي دابر الموات، وهي هجرة الله تعالى في أرضه، يحبس عبده بها
إذا شاء فيرسله إذا شاء».
وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «حمي يوم كفارة سنة» وقد قيل إنه يضرب بها عروق البدن كلها وهي ثلاثمائة وستون عرقًا فجعل كل عرق لكل يوم من أيام السنة التي هي ثلاثمائة وستون يومًا فإن صارت الحمي عند استمرارها رفعًا فهي غير مخوفة، لأن ما يحدث من القوة في أيام الاستراحة يكون خلفًا مما ذهب بها في يوم النوبة فصارت القوة محفوظة فزال الخوف.
فأما إذا اقترن بما لا يكون مخوفًا من حمي يوم أو يومين ببرسام أو ذات الجنب أو وجع الخاصرة، أو القولنج، فقد صار مخوفًا.
فإن قيل: هذه الأمراض بانفرادها مخوفة فيكف جعلها الشافعي مع حمي يوم أو يومين مخوفة، فلأصحابنا عنه جوابان:
أحدهما: أنه أراد من هذه الأمراض ما كان منها لا يكون بانفراده مخوفًا.
فإذا اقترن بحمي يوم أو يومين صار مخوفًا.
والثاني: أن من حمي حمي يوم فهو كالصحيح ولا يكون مخوفًا عليه إلا أن تحدث به هذه الأمراض التي يصير حدوثها بالصحيح مخوفًا.
وهكذا حمي الربع إذا اقترن بها هذه الأمراض صارت مخوفة فأما الرعاف فإن قل ولم يستقر فهو غير مخوف؛ لأنه قد يكون من غلبة الدم زيادته فبطلت من منافذ الجسد ما يخرج منه وإن كثر واستمر فهو مخوف، لأنه قد ينزف دمه، والدم هو قوام الروح ومادة الحياة.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: «وإن سهل بطنه يومًا أو اثنين وتأتي منه الدم عند الخلاء لم يكن مخوفًا فإن استمر به بعد يومين حتى يعجله أو يمنعه النوم أو يكون البطن متحرقًا فهو مخوفٌ فإن لم يكن متحرقًا ومعه زخير أو تقطيع فهو مخوف».
قال في الحاوي: أما سهل البطن، يوم أو يومين، إذا لم يكن البطن متحرقًا ولا وجد معه وجعًا، لم يكن مخوفًا، لأنه قد يكون من فضله في غذاء أو خلط في بدن، ولأن الصحيح، قد يققصد إسهال بطنه بشرب الدواء المطبوخ، لإخراج الخلط الفاسد، فما أجاب به الطبع من ذلك، فهو أدل على الصحة.
فأما إن استدام به الإسهال صار مخوفًا، لأنه تضعف معه القوة ولا يثبت معه الغذاء.
ولم لم يتطاول وكان يومًا أو يومين لكن كان البطن متخرقًا بعجلة، فلا يقدر على حبسه كان مخوفًا، وهكذا لم يكن متخرقًا لكن كان معه زخير وتقطيع دم، أو ألم يمنعه من النوم فهو مخوف.
وأما إن كان معه في اليوم أو اليومين دم فقد نقل المزني في مختصره هذا: «ويأتي معه الدم عند الخلاء لم يكن مخوفًا».
وقال الشافي في «الأم»: «لا يأتي فيه دم لا شيء غير ما يخرج الخلاء لم يكن مخوفًا فاختلف أصحابنا فكان بعضهم ينسب إلى المزني الخطأ في نقله وجعل خروج الدم مع الإسهال مخوفًا على ما دل عليه كلامه في الأم وحكي الداركي عن أبي إسحاق المروزي، أن النقل صحيح، وأن الجواب مختلف على اختلف حالين، وحملوا نقل المزني على أنه لا يكون مخوفًا إذا كان خروج الدم من بواسير أو بواصير، وما دل عليه كلام الشافعي من أن يكون مخوفًا إذا كان خروج الدم من المخوف والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: «وإذا أشكل سئل عنه أهل البصر».
قال في الحاوي: اعلم أن الأمراض ضربان: ضرب يكون العلم به جليًا يشترك في معرفته الخاص والعام، فهذا لا يحتاج في معرفته إلى سؤال أهل العلم به.
وضرب يكون العلم به خفيًا يختص به أهل العلم فيسألوا أو يرجع إلى قولهم فيه.
كما أن علم الشريعة ضربان: ضرب جلي يشترك فيه الخاص والعام كالصلوات الخمس وأعداد ركعاتها، وصوم شهر رمضان ووجوبه، فلا يحتاج فيه إلى سؤال العلماء إلا فيما يتفرع من أحكامه وضرب يكون خفيًا فيلزمهم سؤال العلماء عنه إذا ابتلوا به.
ثم إذا لزم سؤال أهل الطب فيما أشكل من الأمراض، لم يقتنع فيه بأقل من عدلين من طب المسلمين، لأنها شهادة.
فإن قالوا غالبه التلف جعلت العطايا من الثلث لكونه مخوفًا.
وإن قالوا غالبه السلامة فهو غير مخوف.
وهكذا لو قالوا: غالبه الموت بعد زمان طويل فهو غير مخوف.
والعطايا فيه من رأس المال.
فلو مات فقال: من شهد بسلامته من الطب أخطأنا قد كنا ظنناه أنه غير موح فبان موحيًا: قبل قولهم، لأن ما رجعوا إليه من هذا القول أمارة دالة وهو الموت، فلو اختلفوا في المرض فحكم بعض بأنه مخوف موح.
وقال بعضهم غير مخوف: رجع إلى قول الأعلم منهم فإن استووا في العلم، وأشكل على الأعلم: رجع إلى قول الأكثر منهم عددًا، فإن استووا في العدد رجع إلى قول من حكم بالمخوف، لأنه قد علم من غامض المرض ما خفي على غيره.
فلو اختلف المعطي والوارث في المرض عند اعوزاز البينة، فادعي الوارث أنه كان مخوفًا، وقال المعطي غير مخوف: فالقول فيه قول المعطي مع يمينه دون الوارث لأمرين:
أحدهما: أننا على يقين من تقدم السلامة، وفي شك من حدوث الخوف.
والثاني: أنه مالك لما أعطي فلا ينزعه بعضه بالدعوى.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: «ومن ساوره الدم حتى تغير عقله أو المرار أو البلغم كان مخوفًا فإن استمر به فالج فالأغلب إذا تطاول به أنه غير مخوف».
قال في الحاوي: أما مساورة الدم يعني به ملازمة الدم وغلبته.
ومنه قول الشاعر:
فبت كأني ساورتني ضئيلة من الرقش في أنيابها السم ناقع
ومساورة الدم هو ما يسميه الطب: الحمرة وهو أن يغلب الدم بزيادته فلا يسكن بالفصد، وربما حدث منه الخناق والذبحة فيوصي صاحبه فهو مخوف.
وأما المراد إذا غلب عليه فهو مخوف، فإن انقلب المرار إلى السوداء فهو غير مخوف، لأن السوداء قد تفضي بصاحبها إلى أحد أمرين، إما تغير العقل، وإما ظهور حكة وبثور، وذلك في الأغلب غير مخوف.
وأما البلغم إذا غلب فمخوف، فإن استمر فصار فالجًا فهو غير مخوف، لأن المفلوج قد تسترخي بعض أعضائه فيعيش دهرًا.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: «والسل غير مخوف».
قال في الحاوي: وهذا صحيح؛ لأن السل قد يطول بصاحبه فيعيش المسلول دهرًا لاسيما إذا كان شيخًا، وقد ذكرنا أن المخوف ما كان موحيًا، فإن استدام بصاحبه حتى استسقي وسقط فهو مخوف، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: «والطاعون مخوف حتى يذهب».
(قال) في الحاوي: وإنما قال ذلك، لأنه إذا حدث في الإنسان وخاف لم يتطاول.
وقد جاء في الحديث أنه وخز من وخز الشيطان فإن ظهر الطاعون في بلد حتى لا يتدارك الناس بعضهم بعضًا، وكفي الله حسن الكفاية فما لم يقع الإنسان فليس بمخوف وإن وقع به صار مخوفًا.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: «ومن أنفذته الجراح فمخوف فإن لم تصل إلى مقتل ولم تكن في موضع لحم ولم يغلبه لها وجع ولا ضربان، ولم يأتكل ويرم فغير مخوف».
قال في الحاوي: والجراح ضربان:
أحدهما: أن تصل إلى جوفه في صدر أو ظهر أو خصر أو إلى الدماغ فهذا مخوف، لأنه ربما دخل منها إلى الجوف ريح تصل إلى القلب، أو تماس الكبد فيقتل، أو ربما خرج بها من الجوف ما يقتل، وهكذا كانت حال عمر رضي الله عنه حين جرح.
والثاني: أن لا تصل إلى الجوف ولا إلى الدماغ فينظر.
فإن ورمت، أو اتكلت أو اقترن بها وجع، أو ضربان فمخوف، لأن ألم وجعها إذا وصل إلى القلب قتل وورمها، وأكلتها تسري إلى ما يليها، فتقتل، وإن لم يكن معها من ذلك شيء فهي غير مخوفة؛ لأن السلامة منها أغلب، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: «وإذا التحمت الحرب فمخوف فإن كان في أيدي مشركين يقتلون الأسرى فمخوف.
وقال في الإملاء إذا قدم من عليه قصاص غير مخوف ما لم يجرحوا لأنه يمكن أن يتركوا فيحيوا.
قال المزني: الأول أشبه بقوله وقد يمكن أن يسلم من التحام الحرب ومن كل مرض مخوف».
قال في الحاوي: ذكر الشافعي ها هنا ثلاث مسائل: فيمن التحم في الحرب فهذا ينظر فإن تكافأ الفريقان فمخوف عليهما، وإن كان أحدهما أكثر عددًا من الآخر فليس بمخوف على الأكثرين وهو مخوف على الأقلين.
وسواء كان القتل بين المسلمين أو مع المشركين فجعل الشافعي التحام القتال مخوفًا.
والثانية: إذا حمل المسلم أسيرًا في أيدي المشركين، فإن كانوا لا يقتلون الأسرى على عادة قد عرفت لهم في استيفائهم لمن رق أو فدي فغير مخوف، وإن عرفوا بقتل الأسرى.
قال الشافعي: هو مخوف، فجعل الأسر خوفًا كالتحام القتال.
والثالثة: من قدم للقصاص وجب عليه قال الشافعي: هو غير مخوف ما لم يجرح، فلم يجعل التقديم للقصاص مخوفًا بخلاف التحام القتال والأسير.
واختلف أصحابنا فكان أبو إسحاق المروزي، وأبو علي بن أبي هريرة، وأبو حامد المروزي، وطائفة كبيرة يجمعون بين الجوابين في المسائل الثلاث، ويخرجونها على قولين:
أحدهما: أن يكون مخوفًا، الحال في المسائل الثلاث لقوله تعالى: ﴿ولَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وأَنتُمْ تَنظُرُونَ (143)﴾ [آل عمران: 143] فجعل خوف القتل كخوف المرض في رؤية الموت فيهما فدل على استوائهما ولأن نفس المريض أسكن من هؤلاء لما يرجو من صلاح الدواء فكان ذلك بالخوف أحق.
والثاني: أنه لا يكون مخوف الحال في هذه المسائل الثلاث، لأن خوف المرض حال من جسمه، ومماس لجسده، فصار حكمه فيه مستقرًا وليست حاله في هذه المسائل الثلاث كذلك، لأنه يخاف من قرب أجله بحلول ما يحدث في جسده ويناله في يده وذلك غير حال ولا مستقر، وإنما هو بمنزلة الشيخ الهرم الذي هو لعلو السن منتظر الموت في يوم بعد يوم وعطاياه من رأس ماله فكذلك هؤلاء.
وقال آخرون من أصحابنا: بل جواب الشافعي على ظاهره في المسائل الثلاث فيكون الأسر، والتحام القتال خوفًا، ولا يكون التقديم للقصاص خوفًا.
والفرق بينهما أن المشتركين يرون قتل الأسرى دينًا ونحلة فالعفو منهم غير موجود وليس كذلك ولي القصاص، لأن ما وصف الله تعالى به المسلمين من الرأفة والرحمة وندبهم إليه من الأخذ بالعفو هو الأغلب من أحوالهم والأشبه بأحوالهم فكان ذلك فرقًا بين الفريقين.
وقال ابن سريج: المسائل الثلاث كلها على سواء في اعتبار ما يدل عليه الحال وتشهد به الصورة من أن ينظر: فإن كان ولي القصاص قاسيًا جنفًا فالأغلب من حال التشفي، وأنه ممن لا يمن ولا يعفو فتكون حال المقتص منه مخوفة كالأسير إذا كان في يد من لا يعفو عن أسير.
وإن كان ولي القصاص رحيمًا ومن الخنق والقوة بعيدًا فالأغلب من حاله العفو، وأن يمن عن قدرة، فتكون حال المقتص منه غير مخوفة، كالأسير إذا كان في يد من يعفو عن الأسرى.
فصل: فإذا تقرر ما وصفنا فالأمور المخوفة ضربان:
أحدهما: ما دخل في الحسن وماس البدن كالأمراض فهي مخوفة إذا كان عليها التوحية.
والثاني: ما فارق الجسم واختص بحاله كالأسير والملتحم في القتال، فإن تردت
حاله بين خوف ورجاء فغير مخوف، وإن كان الخوف أغلب على ما ذكرنا من القولين فمن ذلك أن يقترضه الأسد فلا يجد محيصًا، فإن كانوا جماعة لم تكن حالهم مخوفة، لأن الأسد لا يفترس في الحال غلا أحدهم، فلم يكن الأغلب من حال كل واحد التلف، وإن جاز أن يكون الهالك.
وإن كان واحدًا فإن باشره الأسد فحاله مخوفة.
فأما قبل المباشرة فعلى ما ذكرنا من القولين.
ومن ذلك من غشية سيل، أو غشيته نار، فإن وجد منها نجاة فحاله غير مخوفة وإن لم يجد منها نجاة فإن أدركه السيل ولحقته النار، فحاله مخوفة لأجل المحاسة.
وفيما قبل إدراك السيل ولفح النار قولان: وكذلك من طوقته أفعى فإن نهشته مخوفة وقبل نهشته على قولين، إلا أن تكون من حيات الماء التي قد يقتل سمها وقيل: لا يقتل فلا تكون مخوفة قولًا واحدًا.
ومن ذلك: أن يقيه في مغارة لا يجد فيهما طعامًا ولا شرابًا فإن جوز أن يجد الماء إلى أقصى مدة يتماسك فيها رمقه طعامًا أو شرابًا أو ما يمسك رمقه من حشيش أو ميته إما بالوصول إلى عمارة أو بالحصول على جارة، أو بأن يدركه سائر فحاله غير مخوفة لترددها بين الأمرين.
وإن يئس من ذلك كله واشتد جوعه وعطشه فعلي قولين.
وكذلك راكب البحر لإإن كانت الريح ساكنة والأمواج هادئة فهو غير مخوف وهكذا لو اشتدت بهم ريح معهودة وأمواج مألوفة فغير مخوفة، وإن عصفت بهم الريح وتلاطمت بهم الأمواج حتى خرجوا عن معهود السلامة فإن كسر بهم المركب حتى صاروا على الماء فمخوف، لأن الأغلب منه سرعة الهلكة فأما قبل حمولهم على الماء فعلي قولين ومن ذلك من وجب عليه الرجم في الزني أو القتل في الحرابة فإن كان بإقراره فحاله غير مخوفة، لأنه لو رجع عن إقراره لم يرجم ولم يتحتم قتل الحرابة عليه وصار إلى خيار ولي الدم وإن كان بمشاهدة الإمام له فمخوف، لأنه لا سبيل إلى سلامته وإن كان بنية عادلة قامت عليه قد يجوز في النادر رجوعها، فعلى قولين، لأن الغالب تمام الشهادة ووجوب القتل.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: «وإذا ضرب الحامل الطلق فهو الخوف، لأنه كالتلف وأشد وجعًا، والله تعالى أعلم».
قال في الحاوي: حكي عن مالك: أن الحامل إذا أثقلت بمعني ستة أشهر من حملها فهو مخوف لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ [الأعراف: 189].
وعندنا أنه ما لم يضربها الطلق فغير مخوف، لأن الغالب من حالها السلامة، ولو
جاز أن يكون حالها عند ثقلها مخوفة، لأنها قد تؤول إلى الخوف أن يكون حال الخوف من أول الحمل.
لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراب: 189].
فأما إذا ضربها الطلق عند حضور الولادة فحالها مخوفة سواء كانت بكرًا أو ثيبًا.
وقال بعض أصحابنا: إننا نخاف من ذلك على الأبكار والأحداث، فأما من توالت ولادتها من كبار نساء غير مخوف، لسهولة لك عليهم لاعتيادهن وأن الأغلب سلامتهن.
فأما بعد وضع الحمل فما لم تنفصل المشيمة ويسكن ألم الولادة فمخوف فإذا أثقلت المشيمة وسكن ألم الولادة فغير مخوف.
فأما إلقاء السقط فإن كان لأكثر من ستة أشهر فمخوف، وإن كان لأقل من ستة أشهر وقبل حركته فغير مخوف، وإن كان بعد حركته فعلي وجهين:
أحدهما: وهو الأظهر أنه مخوف.
والثاني: وهو قول أبي حامد الإسفراييني أنه غير مخوف إلحاقًا بما قبل الحركة وليس كذلك، لأن إلحاق المتحرك بما بعد ستة أشهر أشبه، والله أعلم بالصواب.
باب الأوصياء
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: «ولا تجوز الوصية إلا إلى بالغ مسلم حر عدل أو امرأة كذلك».
قال في الحاوي: الأصل في قبول الوصايا، والتعاون عليها، قوله تعالى: ﴿وتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ والتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2].
وقوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الخَيْرَ﴾ [الحج: 77].
وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أمتي كالبنيان يشد بعضه بعضًا» وقد أوصي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى علي رضوان الله عليه وأوصي أبو بكر إلى عمر رضي الله عنهما».
وإذا كان ذلك مندوبًا إليه ومأمورًا به، فيختار لمن علم في نفسه القدرة، والأمانة أن يقبلها ولمن علم في نفسه العجز والخيانة أن يردها.
ثم الكلام فيها يشتمل على ثلاثة فصول:
أحدهما: في الوصي.
والثاني: في الموصي.
والثالث: في الموصي به.
فأما الوصي، فيعتبر فيه استكمال خمسة شروط ولا تصح الوصية إليه إلا بها وسواء كانت الوصية بالولاية على أطفال أو بتفريق مال.
وهي: البلوغ، والعقل، والحرية والإسلام، والعدالة.
وهي الشروط المعتبرة في جواز الشهادة.
فأما الشرط الأول: وهو البلوغ فلأن القلم عن غير البالغ مرفوع، ولأن تصرفه في حق نفسه مردود، فأولى أن يكون في حق غيره مردودًا.
فلو جعل الصبي وصيًا بعد بلوغه، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون لهما في الحال قابل لها.
والثاني: أن لا يكون.
فإن لم يكن في الحال من يقبلها، بل قال: قد اوصيت إلى هذا الصبي إذا بلغ، فالوصية إليه باطلة في الحال وبعد بلوغه؛ لأنه ليس في الحال بأهل لو مات الصبي قام بها، فلذلك بطلت.
فإن كان لها في الحال من يقبلها، مثل أن يقول: قد أوصيت إلى فلان حتى يبلغ ولدي، فإذا بلغ فهو وصي: جاز، ولا يجوز مثل ذلك في الوكالة.
والفرق بينهما: أن عقد الوكالة معجل، فلم يصح بحدوث شرط مؤجل، وعقد الوصية مؤجل فجاز أن يصح بحدوث شرط مؤجل.
فصل: وأما الشرط الثاني: وهو العقل، فلأن الجنون يرفع القلم، ويمنع من جواز التصرف.
فإن كان ممن يجن في زمان ويفيق في زمان: فالوصية إليه باطلة، وسواء قل زمان جنونه أو كثر.
فلو أوصي إلى عاقل حتى إذا أفاق هذا المجنون كان وصيًا له، ففيه وجهان:
أحدهما: يجوز كالصبي إذا بلغ.
والثاني: لا يجوز، لأن بلوغ الصبي لازم، وإفاقة المجنون مجوزة فلو أوصي إلى عاقل، وطرأ عليه جنون فهذا على ضربين:
أحدهما: ان يستديم به، فالوصية إليه باطلة.
والثاني: أن يفيق منه، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يطرأ الجنون بعد موت الموصي، فالوصية إليه قد بطلت كالوكالة، والوكالة تبطل بحدوث الجنون فكذلك الوصية.
والثاني: أن يكون حدوث الجنون والإفاقة في حياة الموصي ففي بطلان الوصية إليه وجهان:
أحدهما: أن يطرأ الجنون بعد موت الموصي، فالوصية إليه قد بطلت كالوكالة، والوكالة تبطل بحدوث الجنون فكذلك الوصية.
والثاني: أن يكون حدوث الجنون والإفاقة في حياة الموصي ففي بطلان الوصية إليه وجهان:
أحدهما: قد بطلت كما تبطل بحدوث ذلك بعد موت الموصي.
والثاني: لا تبطل؛ لأنه ممنوع من التصرف في حياة الموصي فلم يجز أن يكون ممنوعًا بحدوث الجنون، وليس كذلك حاله بعد الموت.
فصل: وأما الشرط الثالث: وهو الحرية، فلأن العبد مولى عليه الرق، فلم يصح أن يكون واليًا، ولأنه ممنوع لحق السيد، فلم يقدر على التصرف، وسواء كان عبد نفسه، أو عبد غيره.
وقال مالك: تجوز الوصية إلى عبد نفسه وعبد غيره.
وقال أبو حنيفة: تجوز إلى عبد نفسه إذا كان ولده أصاغر، ولا تجوز إلى عبد غيره، ولا إذا كان ولده أكابر تعليلًا بأن عبده مع أصاغر ولده محتبس الرقبة ممنوع من بيعه، فصح نظره عليهم، ودامت ولايته إلى بلوغهم.
وهذا التعليل فاسد من وجهين:
أحدهما: أن احتباس رقبته عليهم والمنع من بيعه في حقهم: لا يصح، لأنهم لو احتاجوا إلى نفقة لا يجدونها إلا من ثمنه جاز للحاكم بيعه في نفقاتهم.
والثاني: أن احتباس الرقبة لا يجيز من التصرف ما كان ممنوعًا منه، كالمجنون ولما ذكرناه من المعنيين المتقدمين.
فأما المكاتب: فلا تجوز الوصية إليه، لأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم وجوزها أبو حنيفة.
وأما الوصية إلى المدبر، وأم الولد: ففي جوازها وجهان:
أحدهما: تصح، لأنهما يعتقان بالموت الذي يكون تصرفها بعده.
والثاني: لا يصح اعتبارًا بحالها عند الوصية.
فصل: وأما الشرط الرابع: وهو الإسلام لقوله تعالى: ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إلاًّ ولا ذِمَّةً﴾ [التوبة: 10].
ولقوله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لا يَالُونَكُمْ خَبَالاً ودُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: 118].
وهذا الآية كتب بها عمر إلى أبي موسي رضي الله عنهما حين اتخذ كاتبًا نصرانيًا، وقال أبو حنيفة: الوصية إليه موقوفة على فسخ الحاكم، فإن تصرف قبل أن يفسخها الحاكم عليه: كان تصرفه نافذًا.
وهذا فاسد؛ لأنه لا يخلو أن تكون الوصية إليه جائزة، فلا يجوز للحاكم أن يفسخها عليه، أو تكون باطلة فلا يجوز فيها تصرفه.
وإذا كان هكذا وجب أن يكون تصرفه فيما يتعلق بعقد أو اجتهاد مردودًا فأما ما تعين من دين قضاه، أو وصية بمعين لمعين دفعها فلا يضمنها، لوصول ذلك إلى مستحقه، ولأن لو أخذه مستحقه من غير نائب أو وسيط صار إلى حقه، وليس كالذي يعقده من بيع، أو يجتهد فيه من تفريق ثلث بل ذلك كله مردود وهو لما دفعه من ذلك ضامن.
فأما وصية الكافر إلى المسلم فجائزة لظهور أمانته فيها.
وأما وصية الكافر إلى الكافر ففيها وجهان:
أحدهما: وهو قول ابن أبي هريرة تجوز كما يجوز أن يكون الكافر وليًا لكافر.
والثاني: لا تجوز، كما لا يجوز أن تقبل شهادة الكافر لكافر ولا مسلم، فهكذا لا يجوز أن يكون الكافر وصيًا لكافر ولا مسلم.
فصل: وأما الشرط الخامس: وهو العدالة: فلقوله تعالى: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُونَ (18)﴾ [السجدة: 18].
فكان منع المساواة بينهم، موصيًا لمنع المساواة في أحكامهم، ولأنه لما منعه الفسق من الولاية على أولاده، كان أولى أن يمنعه من الولاية على أولاد غيره.
وقال أبو حنيفة: الوصية إليه موقوفة على فسخ الحاكم، يمضي فيها تصرفه قبل فسخها عليه، كما قال في الكافر، وفيما مضي من الكافر دليل عليه في الفاسق.
فإن قيل: فهلا جازت الوصية إليه كما جازت الوكالة له؟ قيل له:، لأن الوكالة تصرف في حق الأذن، والوصية تصرف في حق غيره فعلى هذا: لو أن رجلًا أذن لوكيله في التوكيل، فوكل الوكيل فاسقًا.
ففي جواز وكالته وجهان:
أحدهما: لا يجوز، لأنه تصرف في حق الغير، فأشبه الوصية.
والثاني: يجوز، لأنه يقوم مقام الوكيل الأول الذي ليس من شرطه العدالة.
فإذا ثبت أن العدالة شرط في صحة الوصية، فقد اختلف أصحابنا في الوقت الذي يراعي فيه عدالة الوصي على ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يراعي عدالته عند موت الموصي، ولا يضر أن يكون فاسقًا عند عقد الوصية كما رتراعي عدالة الشاهد عند الآداء دون التحمل.
وهذا قول أبي إسحاق المروزي.
والثاني: أنه يراعي عدالة الموصي في الطرفين عند الوصية وعند الموت، ولا يضر أن يكون بين الوصية والموت غير عدل، لأن وقت الوصية هو حال التقليد، ووقت الموت هو حال التصرف، فاعتبر فيهما العدالة، ولم يعتبر في غيرهما، وهذا قول أبي سعيد الإصطخري.
والثالث: وهو أصحهما أنه تعتبر عدالته من حين الوصية إلى ما بعد، لأن كل زمان منه قد يستحق فيه التصرف لو حدث فيه الموت، فإن طرأ عليه في شيء منه فسق، بطلت الوصية إليه.
فصل: فإذا تكاملت هذه الشروط الخمسة في شخص، كان موضعًا للوصية إليه، فجاز أن يكون وصيًا في مال أو على أطفال، سواء كان رجلًا أو امرأة.
وحكي عن عطاء: أن الوصية إلى المرأة لا تصح، لأن فيها ولاية يعجز النساء عنها.
وهذا فاسد:، لأنها وإن كانت ولاية فالمغلب فيها الأمانة وجواز الشهادة وقد تجوز شهادة المرأة، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لهند: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف».
فجعلها القيمة على أولادها في النفقة عليهم، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج في بعض المغازي، فأودع أموالًا كانت عند أم أيمن رضي الله عنها فدل ذلك على جواز استنابة المرأة في المال وعلى الأطفال، فكان لها الحضانة عليهم، وإن كان فيها معني الولاية.
فإذا ثبت أن لا فرق بين الرجل والمرأة، فلا فرق بين الصحيح والمريض إذا لم يغيره المرض عن فضل النظر.
ولكن اختلف أصحابنا في جواز الوصية إلى الأعمي على وجهين:
أحدهما: تجوز، لأنه من أهل الشهادة.
والوجه الثاني: لا تجوز لأنه قد يفتقر في الوصايا إلى عقود لا يصح من الأعمى، وفضل نظر لا يدرك إلا بالمعاينة.
فهذا حكم الوصي.
فصل: فأما الموصي: فلا يخلو ماله من أحد أمرين: إما أن يكون مالًا، أو ولاية على أطفال.
فإن كان الموصي به مالًا يفرق في أهل الوصايا، فالمعتبر في الموصي شرطان متفق عليهما.
وشرطان مختلف فيهما، فأحد الشرطين المتفق عليهما: التمييز.
فإن كان ممن لا يميز لصغر أو جنون، لم تصح وصيته.
والثاني: الحرية، فإن كان عبدًا لم تصح وصيته.
وأما الشرطان المختلف فيهما: فأحدهما البلوغ.
والثاني: الرشد وفيهما قولان:
أحدهما: أنهما شرطان، فلا تصح وصية غير بالغ ولا سفيه.
والثاني: ليسا بشرط في جواز الوصية وتصح من غير البالغ والسفيه، ولكن لا فرق بين وصية المسلم والكافر، والعدل والفاسق، والرجل والمرأة.
فصل: وإن كانت الوصية بالولاية على أطفال اعتبر في الموصي بها ستة شروط، ولا تصح الوصية منه إلا بها:
أحدهما: جريان القلم عليه وصحة التكليف له، لأن من لا يجري عليه قلم بجنون أو صغر، لا تكون له ولاية، ولا يصح منه توليه.
والثاني: الحرية، لأن الولاية تنافي الرق.
والثالث: الإسلام في الطفل إذا كان مسلمًا، وفي اعتباره في الطفل إذا كان مشتركًا وجهان.
والرابع: العدالة، لأن الفاسق ليس له ولاية، فكان أولى أن لا تصح منه تولية.
والخامس: ان يكون ممن يلي على الطفل في حياته بنفسه، ولأنه يقيم الوصية مقام نفسه، فلم تصح إلا ممن قد استحق الولاية بنفسه، وذلك في الوالدين دون
غيرهم من الأخوة والأعمام.
وقال أبو حنيفة: تصح الوصية بالولاية على الأطفال من غير الآباء، كما تصح من الآباء.
وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أن في الوالد بعضية باين بها غيره.
والثاني: أن للوالد في حياته ولاية لا يستحقها غيره، فمن هذين الوجهين اختصت الوصية بالآباء دون غيرهم.
وإذا كان هكذا، فالذي يستحق الولاية في حياته، ويوصي بها عند وفاته هو الأب وآباؤه، فأما الأم ففي ولايتها على صغار ولدها وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي سعيد الاصطخري أنه لها عليهم ولاية كالأب، لما فيها من البعضية، وأنها برأفة الأنوثة، أحن عليهم وأشفق.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي، لا ولايه، لأنها لما قصرت بنقص الأنوثة عن ولاية النكاح التي تسري في جميع العصبات، كان أولى أن تقصر عما يختص من الولاية بالآباء دون سائر العصبات.
فعلي هذا: إن قيل إنه لا ولاية لها: لم تصح منها الوصية بالولاية على أطفالها.
وإذا قيل: إن لها الولاية بنفسها، فكذلك أمهاتها وأمهات الأب.
وهل يتحقها أبو الأم؟ على وجهين:
أحدهما: يستحقها كأم الأم لما فيه من الولادة أنه أحق بالولاية على الأم من أمها.
والثاني: لا ولاية له، لأن سقوط ميراثه قد حطه من منزلة أم الأم.
فعلى هذا يكون بعد الآباء للأم.
فإذا اجتمع بعد الأم، أم أب وأم أم ففي أحقيتهما بالولاية وجهان:
أحدهما: أم الأب، لأن الأب بالولاية أحق.
والثاني: أم الأم، لأنها بالحضانة أحق.
فإذا أوصيت مستحقه الولاية من الأمهات، بالولاية على الأطفال: صحت الوصية.
والسادس: أن لا يكون للطفل من يستحق الولاية بنفسه، لأن مستحق الولاية بنفسه، أولى من مستحقها بغيره، فعلى هذا لو أوصي الأب بالولاية على أطفال وهناك جد: كانت الوصية باطلة.
وقال أبو حنيفة: لا اعتبار بهذا الشرط، ويجوز للأب أن يوصي بالولاية على أطفاله إلى أجنبي وهناك جد، كما يجوز في إنفاذ الوصايا.
وهذا غير صحيح، لأن الوصايا لا يستحقها الجد بنفسه وليس كالولاية على الأطفال، لأن الجد يستحقها بنفسه، فكان أحق من الموصي.
فلو أوصي الأب بها وهناك أم، فإن قيل: إنه لا ولاية للأم: صحت الوصية إلى
غيرها.
وإن قيل لها: تصح ولكن يجوز أن يوصي بتفريق ثلثه إلى من شاء مع وجود الآباء، فهذا حكم الموصي.
فصل: وأما الموصي به، فإن كان مالًا، فقد تقدم ذكره، واستقصينا شرحه.
وإن كان ولاية: فلا تصح إلا على صغير لم يبلغ، أو مجنون لا يفيق، وأما إن كان الابن بالغًا عاقلًا: لم تصح الوصية بالنظر في ماله، سواء كان حاضرًا أو غائبًا.
وقال أبو حنيفة: تصح الوصية بالولاية على مال البالغ إذا كان غائبًا، وهكذا إذا كان حاضرًا وشريكه في الميراث طفل.
ويجوز للوصي أني بيع على الكبير ماله إذا رأي بيع مال الطفل.
وقال أبو سعيد الإصطخري: هذا قول لا يسوغ فيه الاجتهاد ولو أن حاكمًا حكم به، نقض حكمه؛ لأنه لما لم يكن للموصي ولاية على البالغ في حياته، فكيف يجوز لوصية بعد وفاته.
وأما إذا كان الابن بالغًا عاقلًا لكن قد حجر عليه بسفه، فلا يصح من الأب أن يوصي بالولاية عليه بخلاف المجنون، لأن ولايته على المجنون بنفسه، لأنها لا تقتصر إلى حكم حاكم، وولايته على صغير لا تكون بنفسه، لأنها تفتقر إلى حكم حاكم، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: «فإن تغيرت حاله أخرجت الوصية من يده وضم إليه إذا كان ضعيفًا أمين معه فإن أوصي إلى غير ثقة فقد أخطأ على غيره فلا يجوز ذلك».
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا تغير حال الوصي بعد استكمال الشروط فيه، فذلك ضربان:
أحدهما: ما خرج به من الوصية.
والثاني: ما عجز به عنها.
فأما الذي يخرج به من الوصية: فالطارئ عليه من جنون أو فسق أم مرض يؤثر في صحة تدبيره وفضل نظره، فهذه أمور يخرج به من الوصية.
وقال أبو حنيفة: طرؤ الفسق لا يخرجه من الوصية، كما أن فسق من حكم بشهادته لا يوجب نقص الحكم بها، ولكن يضم إليه بعد فسقه عدل.
وهذا القول لا وجه له؛ لأنه لما كان الفسق مانعًا من ابتداء الوصية كان مانعًا من استدامتها، كالكفر، وإذا كان كذا صار طرؤ الفسق كغيره من الأسباب المانعة فيلزم الحاكم معها إخراجها عن يده، واختيار من يقوم بها من أمنائه.
فإن تصرف الوصي في المال بعد خروجه منها بأحد هذه الأسباب نظر، فإن كان عقدًا، أو ما يفتقر إلى اجتهاد، رد وكان له ضامنًا إن مات.
وإن كان معينًا من وصية أو دين لا يفتقر إلى اجتهاد: أمضي، ولم يضمنه.
وأما العجز عنها، فالضعف الذي يقدر معه على القيام بها، فهذا مقر على حاله، ولكن على الحاكم أن يضم إليه من أمنائه، من يعنيه على إنفاذ الوصايا، والولاية على الأطفال.
فلو تفرد هذا الوصي قبل أن يضم الحاكم إليه أمينًا، فتصرف في الوصية: أمضي، ولم يضمنه، لأنه ما انفرد به إلا وهو قادر عليه.
وهكذا: لو ابتدئ بالوصية إلى غير أمين: أخرجها الحاكم من يده ولو أوصي إلى ضعيف: ضم إليه غيره من أبنائه، فإن قيل، فهل يلزم الحاكم أن يستكشف عن الأوصياء، وولاة الأيتام أم لا؟
قلنا هذا على ضربين:
أحدهما: يكون فيمن يلي بنفسه من أب، أو جد، فليس للحاكم أن يستكشف عن حاله، وعليه إقراره على ولايته ونظره حتى يثبت عنده، ما يوجب زوال نظره، من فسق أو خيانة، فيعزله حينئذ ويولى غيره، لأن الوالي بنفسه أقوى نظرًا من الحاكم.
والثاني: أن تكون ولايته بغيره، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون أمين حاكم.
والثاني: أن يكون وصي أب.
فإنكان أمين الحاكم، لم يجب أن يستكشف عن حاله، إلا أن يثبت عنده خيانته، أو فسقه؛ لأن ما ولاه الحاكم، قد اعتبر من حاله ما صحت به ولايته.
وإن كان وصي اب، ففيه وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي: لا يجوز استكشاف حاله، إلا بعد ثبوت فسقه، كالأب وأمين الحاكم.
والثاني: وهو الأصح عندي، أن على الحاكم استكشاف حاله؛ لأنه لم ينفذ بولايته حكم، ولا هو مما تنتفي عنه التهمة، كالأب، وقد يجوز أن يكون بوصف من لا يستحق النظر، فافتقر إلى الكشف.
فصل: وإذا دفع الوصي من ماله للفقراء وصاياهم ليرجع به في التركة، وكان متطوعًا بما دفعه إليهم، وليس له الرجوع به في التركة ما لم يحكم بذلك قبل الدفع حاكم.
وقال أبو حنيفة: إذا عجل ذلك من ماله، ناويًا به الرجوع رجع به.
وهذا قول ينكسر عليه، بقضاء دين الحي إذا عجله الوكيل من ماله، لم يرجع به في ماله موكله، فكذلك الوصي.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: «ولو أوصي إلى رجلين فمات أحدهما أو تغير أبدل مكانه آخر».
قال في الحاوي: وهذا صحيح: يجوز للرجل أن يوصي إلى واحد أو إلى جماعة على الاجتماع والانفراد.
ويجوز أن يوصي إلى زيد ويجعل عمرًا عليه مشرفًا، فيختص الوصي بالعقد والتنفيذ، ويختص عمرو بالإشراف عليه.
فإذا أراد الوصي أن ينفرد بالعقد والتنفيذ من غير مطالعة المشرف: لم يجز وإن أراد المشرف أن يتولى العقد والتنفيذ لم يجز.
وقال أبو حنيفة: المشرف وصي يجوز أن يفعل ما يفعله الوصي، لأنها ولاية، فلم تقف على شيء دون غيره.
وهذا خطأ، لأن الوصية نيابة عن إذن فكانت مقصورة على ما تضمنه الإذن كالوكالة، وهو لم يجعل إلى المشرف مباشرة عقد أو تنفيذ أمر، وإنما جعله مشرفًا على الوصي في العقد والتنفيذ.
فصل: فأما إذا أوصي إلى رجلين جعلهما جميعًا وصيين فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يخص كل واحد منهما بشيء من وصيته، دون صاحبه.
والثاني: أن يشرك بينهما.
فأما إن خص كل واحد منهما بشيء منهما، مثل أن يجعل إلى أحدهما إنفاذ وصاياه، وإلى الآخر الولاية على أطفاله، أو يجعل إلى أحدهما إخراج الثلث، وغلى الآخر قضاء الديون: فولاية كل واحد منهما مقصورة على ما جعل إليه، وليس له التصرف فيما جعل إلى الآخر، فللموصي له بإنفاذ الوصايا لا ولاية له على الأطفال، والموصي له بالولاية على الأطفال، لا ولاية له في إنفاذ الوصايا.
وقال أبو حنيفة: النظر في الوصية، لا يتميز، ولكل واحد منهما النظر في الجميع بما جعل إليه وإلى الآخر، فالوالي على الأطفال إليه إنفاذ الوصايا والوالي على إنفاذ الوصايا، إليه الولاية استدلالًا، بأنها ولاية فلم تقف على شيء دون غيره، كولاية الحاكم.
وهذا فاسد، لأن الوصية ولاية عن عقد فوجب أن تكون مقصورة على ما تضمنه ذلك العقد كالوكالة، ولأنه لو جمع بينهما في الكل لما جاز أن ينفرد أحدهما بالنظر في الكل، فإذا خص أحدهما بالبعض، فأولى لا يجوز له النظر في الكل، ولأن من أؤتمن على بعض المال، لم يملك بذلك ثبوت اليد على جميعه، كالمودع والمضارب.
فصل: فإذا جمع بينهما في الوصية، ولم يخص أحدهما بشيء منها دون صاحبه
فهذا على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يوصي إليهما مجتمعين، ومنفردين، فكل واحد منهما وصي كامل النظر، فأيهما انفرد بإنفاذ الوصايا، والنظر في أمور الأطفال جاز.
وإن اجتمعا عليه كان أولى، وإن مات أحدهما، أو فسق، فالباقي منهما هو الوصي، وليس للحاكم أن يجعل معه بدل الميت أو الفاسق أحدًا إلا أن يظهر منه ضعف فيقويه بغيره.
فصل: والقسم الثاني: أن يوصي إليهما مجتمعين على أن لا ينفرد أحدهما: بالنظر دون صاحبه، فعليهما الاجتماع في إنفاذ الوصايا والنظر في أموال الأطفال.
فإن انفرد أحدهما بشيء منهما، لم يجز وكان لما أمضاه من ذلك ضامنًا إن تعلق بعقد، أو اجتهاد، وإن كان معينًا من قضاء دين أو إنفاذ وصية عينت لمعين: لم يضمن.
ولو مات أحدهما منع الباقي منهما من النظر حتى يقيم الحاكم مقام الميت غيره.
فلو أذن الحاكم أن ينفرد بالوصية: لم يجز، لأن الموصي لم يرض بنظره وحده.
ولو ماتا جميعًا رد الحاكم الوصية إلى اثنين، فإن ردها إلى واحد ارتضاه لها ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز، لأنه لو نظر فيها الحاكم بنفسه، جاز وإن كان واحدًا فكذلك إذا استناب فيها واحدًا.
والثاني: أنه لا يجوز، لأن الموصي لم يرض في وصاياه إلا بنظر اثنين مجتمعين استظهارًا لنفسه في وصيته فلم يكن للحاكم أني حالفه في إرادته ويمنعه فضل استظهاره، وليس كالحاكم الناظر بنفسه.
فصل: والقسم الثالث: أن يوصي إليهما، فلا يأمرهما بالاجتماع، ولا يأذن لهما في الانفراد، فمذهب الشافعي: عليهما أن يجتمعا على الوصية إذا أطلقت وليس لواحد منهما التفرد بها، كما لو أمرهما بالاجتماع عليهما.
وقال أبو يوسف: يجوز لكل واحد منهما أن ينفرد بها.
وقال أبو حنيفة: يجوز انفراد كل واحد بما يخاف فواته، أو ضرره، وذلك سته أشياء: الكفن، ورد الودائع، وقضاء الديون، وإنفاذ الوصايا المعينة، والنفقة على الأطفال، وكسوتهم، وعليها الاجتماع فيما سوى هذه الستة، فإن انفرد بها أحدهما لم يجز.
وكلا المذهبين فاسد، لأن الوصايا موضوعة لفضل الاحتياط، وهي أغلظ حالًا من الوكالات، فلما كان توكيل اثنين على الإطلاق من تفرد أحدهما بالوكالة، كانت الوصية إلى اثنين على الإطلاق أولى أن يمنع من تفرد أحدهما بالوصية، ولأن تخصيص أبي حنيفة للستة من بين الجميع خوف الضرر، قول يفسد، لأنه لو ترك طعامًا رطبًا يخاف تلفه إن ترك لم يكن لأحدهما أن ينفرد ببيعه وإن خيف ضرره، فكذلك غيره، فعلى هذا:
يكون حكم إطلاق الوصية إليهما، كالحكم في اجتماعهما عليها، فإن مات أحدهما أو فسق، أبدل الحاكم مكانه غيره، فإن تفرد الباقي منهما بالنظر: ضمن متعلق بعقد أو اجتهاد، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: «فإن اختلفا قسم بينهما ما كان ينقسم وجعل في أيديهما نصفين وأمر بالاحتفاظ بما لا ينقسم».
قال في الحاوي: أعلم ان الوصية إلى مقصودها، فضل النظر، فإذا دعي الوصيان إلى قسم المال بينهما، نظر، فإن كان الموصي قد صرح بمنعها منه، منعًا.
وإن كان قد صرح لهما بالإذن فيه، مكنا.
وإن أطلق نظر في القسمة، فإن أضرت بالمال أو كان مما لا تتأتي فيه القسمة، منعا منها، ولم يجز إذا كانا مجتمعين إن ينفرد أحدهما يحفظ المال دون صاحبه، كما لا يجوز أن ينفرد بإنفاذ الوصايا.
وقال أبو حنيفة: تقع بينهم المهايأة، فيحفظ هذا يومًا، وهذا يومًا.
وهذا فاسد؛ لأن المهايأة تقتضي انفراد أحدهما بالحفظ في زمانه ولو جاز هذا، لجاز تفرده به في كل الزمان، لأن من لا يرتضي بانفراده في جميع الزمان، لا يرتضي بانفراده في بعضه.
فصل: فأما إذا لم يكن في القسمة ضرر، ولا كان بين الموصي فيها نهي نظر: فإن كانا منفردين، قد جعل إلى كل واحد منهما مثل ما إلى الآخر: جاز أن يقتسما المال إلا أنها قسمة حفظ، وليست قسمة مناقلة، فيقتسمان على القيم، لا على الأجزاء؛ لأن قسمه المناقلة تكون بين الورثة على الأجزاء، وقسمة الحفاظ تختص بالأوصياء، وتكون على القيمة، فياخذ أحدهما دارًا، والآخر متاعًا، ثم لكل واحد منهما بعد القسمة أن ينصرف فيما بيده، وفيما بيد صاحبه، لأن لكل واحد منهما أن ينفرد بالنظر في الجميع.
وإن كانت الوصية إليهما مجتمعين وليس لأحدهما التفرد بالنظر، ففي جواز اقتسام المال حفاظًا له، وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي، والأظهر عندي، ليس لهما ذلك كما ليس لهما التفرد بالإنفاذ.
والثاني: وهو قول أبي سعيد الإصطخري، وأبي علي بن أبي هريرة، لهما القسمة، لأن اقتسامهما المال أعون لهما على حفظه، وإنما الاجتماع على التنفيذ فإذا اقتسما: لم يكن لواحد منهما أن يصرف فيما بيده إلا مع اجتماع صاحبه.
فصل: وإذا أوصى الرجل بوصية أسندها إلى رجل ثم أوصي بعدها بوصية أخرى، أسندها إلى رجل آخر، فإن صرح في الثانية بالرجوع عن الأولى، فالوصية الثانية هي المعمول عليها، وإن لم يصرح في الثانية بالرجوع عن الأولى، عمل عليهما معًا، فما كان
في الوصية الأولى من زيادة تفرد بها الوصي الأول، وما كان في الوصية الثانية من زيادة، تفرد بها الوصي الثاني وما اتفقت فيه الوصيتان اجتمعا عليه الوصيان، ولم يكن لأحدهما التفرد به، كما لو أوصي إليهما معًا وصية مطلقة.
ولو أوصي إلى رجل بوصية ثم صح بعدها من مرضه ذلك وعاش دهرًا، ثم مات، أمضيت وصيته المتقدمة، ما لم يعلم منه الرجوع في شيء منها.
ولكن لو قال: قد أوصيت إلى فلان بكذا إن مت من مرضي هذا، فصح منه: بطلت وصيته، لأنه جعلها مشروطة بموته من هذا المرض.
وقال مالك: الوصية بحالها، ما لم يخرق الموصي كتاب وصيته.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: «وليس للوصي أن يوصي بما أوصي به إليه لأن الميت لم يرص الموصي إليه الآخر».
قال في الحاوي: وهذا كما قال.
إذا أوصي إلى رجل بإنفاذ وصاياه، والولاية على الأطفال، ثم حضرت الوصي الوفاة، لم يكن له أن يوصي بتلك الوصية إلى غيره.
وقال أبو حنيفة: «إن أوصي بها إلى غيره جاز، ولو أوصي بإخراج ثلثه كان لوصيه القيام بتلك الوصية، وغن لم يأمره بها استدلالًا بأمرين:
أحدهما: أن الوصي قد ملك من النظر بالوصية مثل ما ملك الجد من النظر بنفسه، فلما جاز للجد أن يوصي بما إليه من النظر، جاز للموصي أن يوصي إليه بما إليه من النظر.
والثاني: أن ولاية الوصي عامة في حق الموصي، كما أن ولاية الإمام عامة في حقوق الأمة، فلما كان للإمام أن يستخلف بعده من يقوم مقامه: جاز للوصي أن يستخلف بعده من يقوم مقامه.
ودليلنا شيئان:
أحدهما: أن من كانت نيابته عن عقد بطل بالموت كالوكيل.
والثاني: أن استنابته حيًا، أقوى من استنابته ميتًا، فلما لم يصح منه إبدال نفسه بغيره في الحياة، فأولى أن لا يصح منه إبدال نفسه بغير الوفاة.
فأما الجد: فولايته بنفسه فجاز أن يوصي، كالأب، وليس كذلك الوصي، لأن ولايته بغيره فلم يجز أن يوصي كالحاكم، على أن نظر الحاكم أقوى لعمومه.
وأما الإمام: فيجوز أن يستخلف بعده إمامًا ينظر فيما كان إليه من أمور المسلمين، كما فعل أبو بكر في استخلاف عمر رضوان الله عليهما، لأنه عام بالولاية، وليس لغيره معه ما إليه، فجاز أن يختص لفضل نظره
بالاستخلاف كما لم يبطل بموته ولاية خلفائه من القضاة والولاة.
ومن كان خاص النظر بطل موته ولاية خلفائه كالقضاة والولاة.
على أن من أصحابنا من جعل صحة استخلاف الإمام بعده لإمام، معتبرصا برضي أهل الحل والعقد ورضاهم أن يعلموا به فلا ينكروه، كما علمت الصحابة باستخلاف عمر رضي الله عنه فجعل إمساكهم عن الإنكار، رضا به انعقدت به الإمامة له.
فعلي هذا الوجه: لو استخلف إمامًا بعده، ولم يعلم به أحد من أهل الحل والعقد: لم يصح استخلافه، ولم تنعقد إمامته، إلا أن يجمع عليه ويرضي بعد موت الأول ممن يصح اختياره من أهل الحل والعقد.
وعلى الوجه الأول: قد انعقدت إمامته، وإن لم يعلموا به عند العهد، ولم يتفق عليه أهل الاختيار بعد الموت إذا كان ممن يصح أن يكون إمامًا، وإذا كان كذلك، فالولايات تنقسم ثلاثة أقسام:
ولاية حكم، وولاية عقد، وولاية نسب.
فأما ولاية الحكم فضربان: عامة، وخاصة، فالعامة: الإمامة، ولا تبطل بموت من يقلدها، ولاية مستخلف ولا نظر مستناب.
وأما الخاصة: فالقضاء، ويبطل بموت من يقلده ولاية، لمستخلف ونظر كل مستناب.
وأما ولاية العقد: فضربان: عقد يتضمن نيابة عن حي، وعقد يتضمن نيابة عن ميت.
فالذي يتضمن النيابة عن الحي هو: الوكالة، فإن مات الموكل؛ بطلت وإن مات الوكيل: لو تكن له الوصية.
والذي يتضمن النيابة عن الميت هو: الوصية، فإذا مات الموصي، استقرت ولاية الوصي، وإن مات الوصي: لم يكن له أن يوصي.
وأما ولاية النسب: فضربان: عامة وخاصة.
فالعامة: ولاية الأب والجد على صغار ولده، وتصح منه عند الموت الوصية.
والخاصة: ولاية العصبات في الأبضاع، ولا تصح فيه عند الموت الوصية.
فصل: فإذا ثبت أنه لا يجوز للوصي أن يوصي لم يخل ما تولاه من أمرين:
أحدهما: أن يتمكن من تعجيل إنفاذه، فواجب عليه أن يتولاه بنفسه إن لم يكن راجعًا عن الوصية، لأن إمكان تنفيذها مع ضيق وقتها، والمقام على النظر فيها، يمنع من تأخيرها.
والثاني: أن لا يمكن تعجيل إنفاذه، لما تتضمنها من الولاية على يتيم يلزمه حفظ ماله، أو قضاء دين لغائب، فلا يخلو حال المال من أحد أمرين:
إما أن يكون ممن يحفظ نفسه، كالعقار، فليس عليه في مثله عند حضور الموت حق؛ لأن الموت يرفع يده عن النظر، لا عن الحفظ.
والثاني: أن يكون ممن لا يحفظ نفسه، كالأموال المنقولة، فعليه حقان: الحفظ، والنظر، فيلزمه عند زوال نظره بالموت أن يستديم حفظه، بتسليمه إلى من يعم نظره، وهو الحاكم، فإن لم يفعل مع المكنة كان ضامنًا.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: «ولو قال فإن حدث بوصي حدث فقد أوصيت إلى من أوصي إليه لم يجز لأنه إنما أوصي بمال غيره، وقال في كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلي: إن ذلك جائز إذا قال قد أوصيت إليك بتركه فلان.
قال المرني رحمه الله: وقوله هذا يوافق قول الكويين والمدنيين والذي قبله أشبه بقوله».
قال في الحاوي: قد ذكرنا أنه لا يجوز للموصي أن يوصي، إذا لم يجعل له الموصي أن يوصي.
فأما إذا جعل إليه أن يوصي، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يعين إليه من يوصي.
والثاني: أن لا يعين.
فإن عين له من يوصي إليه، فهو أن يقول: قد أوصيت إليك وجعلت لك أن توصي إلى عمرو، وسواء قال: فإذا أوصيت فهو وصي أو لم يقل، فهذا جائز؛ لأنه قد أذن له في الوصية، وقطع اجتهاده في الاختيار، فجري ذلك مجري قوله: قد أوصيت إليك، فإن مت: فقد أوصيت إلى عمرو.
ولا يقع الفرق بينهما إلا من وجه واحد، وهو أنه إذا قال: إن مت فقد أوصيت إلى عمرو، فإنه يصير عمرو بموت الوصي وصيًا لا يحتاج إلى وصية من جهة الوصي.
ولو قال: وقد جعلت إليك أن توصي إلى عمرو: لم يصر عمرو وصيًا إلا بوصية الوصي، فإذا أوصي إليه صار عمرو وصيًا للميت الأول لا للوصي.
فلو مات الوصي قبل ان يوصي إلى عمرو: لم تثبت وصية عمرو إلا أن يردها الحاكم إليه.
فلو أراد الحاكم رد الوصية إلى غيره ففيه وجهان:
أحدهما: ليس له ذلك، لأن الموصي قد قطع الاجتهاد في تعيينه، كما لا يجوز للوصي أن يوصي إلى غيره.
والثاني: أنه يجوز له ذلك، لأن تعيين الوصية إليه إنما جعل إلى الوصي، فإذا مات قبل أن يوصي، بطل حكم تلك الوصية، فصار نظر الحاكم فيها، نظر حكم، لا نظر وصي، فجاز أن يختار من يراه للنظر أوفق.
وهكذا لو قال الموصي، قد أوصيت إلى زيد، فإن مات فقد أوصيت إلى عمرو، فإن مات فقد أوصيت إلى بكر: جاز وكان كل واحد من الثلاثة وصيًا بعد موت من
تقدمه، فقد جهز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جيش مؤتة، وقال لهم: «أميركم زيد بن حارثة، فإن أصيب: فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب: فعبد الله بن رواحة، فإن أصيب: فليرتض المسلمون رجلًا».
فأصيب زيد فقام بهم جعفر، ثم أصيب جعفر، فقام بهم عبد الله بن رواحة، ثم أصيب عبد الله فارتضي المسلمون خالد بن الوليد.
فلو قال: قد أوصيت إلى زيد سنة، ثم بعد السنة إلى عمرو: كان هذا جائزًا، وقيل: إن الشافعي رضي الله عنه هكذا أوصي.
فصل: فأما إذا جعل إلى وصية أن يوصي، ولم يعين له من يوصي إليه، فهو أن يقول: جعلت إليك أن توصي، أو يقول: من أوصيت إليه فهو وصي، فالحكم فيه على سواء وفي جوازه قولان:
أحدهما: وهو قول أبي حنيفة، ومالك، يجوز لأمرين:
أحدهما: أن نظر الوصي، أقوى من نظر الوكيل، فلما جاز للوكيل إذا أذن له في التوكيل أن يوكل عنه معينًا، وغير معين، كان أولى في الوصي إذا أذن له في الوصية أن يوصي عنه إلى معين، وغير معين.
والثاني: أن الوصي بالإذن قد صار كالأب، فلما جاز للأب أن يوصي جاز للموصي مع الإذن أن يوصي.
والقول الثاني: وهو اختيار المزني أنه لا يجوز للوصي مع عدم التعيين أن يوصي وإن أذن له، لأمرين:
أحدهما: ان الوصي لا يملك الاختيار بالوصية المطلقة، فكذلك لا يملك بالوصية المقيدة.
والثاني: أن اختيار الحاكم، أقوى من اختيار الموصي، لأن له الاختيار بإذن وغير إذن، فكذلك كان اختيار الحاكم أولى من اختيار الوصي، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: «ولا ولاية للوصي في إنكاح بنات الميت».
قال في الحاوي: اعلم أن ولاية الوصي على اليتيم كولاية الأب عليه، إلا في ثلاثة أشياء:
أحدها: أن للأب أن يشتري من مال ولده لنفسه، ويبيع عليه من مال نفسه وليس ذلك للوصي.
والثاني: أن للأب أن يوصي بالولاية على ولده، وليس للوصي أن يوصي.
والثالث: أن للأب أن يزوجهم، وليس ذلك للوصي.
ثم الوصي فيما سوى هذه الثلاثة، كالأب سواء، فلو جعل الأب إلى الوصي ما كان مختصًا به من هذه الثلاثة، ليكون مساويًا له فيها، نظر فإن جعل له أن يشتري من مال الصبي لنفسه، أو يبيع عليه من مال نفسه، لم يجز؛ لأنه إذن بعقد في مال لا يملكه وإن أذن له أن يوصي، فهو على ما مضي من التفصيل.
وإن أذن له في التزويج، فقد أجازه مالك وجعل الوصي أحق من الأولياء، كما كان أحق بالولاية على المال.
ومنع منه الشافعي وأبو حنيفة، وجمهور النفقهاء، لأنها وصية في حق غيره من الأولياء، وستأتي هذه المسألة في كتاب النكاح مستقصاة إن شاء الله تعالى وبالله التوفيق.
باب ما يجوز للوصي أن يصنعه في أموال اليتامي
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: «ويخرج الوصي مال اليتيم كل ما لزمه من زكاة ماله وجنايته وما لا عناء به عنه من نفقته وكسوته بالمعروف».
قال في الحاوي: اعلم أن ولي اليتيم مندوب إلى القيام بمصالحة، قال تعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: 152].
والذي يلزمه في حق اليتيم، أربعة أشياء:
أحدها: حفظ أصول أمواله.
والثاني: تميز فروعها.
والثالث: الإنفاق عليه منها بالمعروف.
والرابع: إخراج ما تعلق بماله من الحقوق.
فأما حفظ الأصول: فيكون من وجهين:
أحدهما: حفظ الرقاب عن أن تمتد إليها يد، فإن فرط، كان لما تلف منها ضامنًا.
والثاني: استيفاء العمارة لئلا يسرع إليها خراب، فإن أهمل عمارتها حتى عطل ضياعه، وتهدم عقاره، نظر: فإن كان لإعوان ما ينفق عليها، فلا ضمان عليه، وإن كان مع وجود النفقة، فقد أثم وفي الضمان وجهان:
أحدهما: يضمن ويصير بهذا العدوان كالغاصب.
والثاني: لا ضمان عليه، لأن خرابها، لم يكن من فعله، فيضمن به، ولا يده غاصبة فيجب بها عليه ضمان.
فصل: وأما تميز فروعه، فلأن النماء مال مقصود، فلم يجز أن يفوته على اليتيم كالأصول، وهو نوعان:
أحدهما: ما كان نماؤه أعيانًا من ذاته، كالثمار، والنتاج، فعليه في ذلك ما عاد يحفظه وزيادته، كتلقيح النخل، وعلوفه الماشية فإن أخل بعلوفة الماشية: ضمنها وجهًا واحدًا، وإن أخل بتلقيح الثمرة: فلا ضمان عليه وجهًا واحدًا؛ لأنها إن لم تتميز، فلا يجوز أن يضمن، ما لم يخلق، ولم يستقر عليه لليتيم ملك، وإن خلقت ناقصة: فالنقصان أيضًا مما لم يخلق.
والنوع الثاني: ما كان نماؤه بالعمل.
وذلك نوعان:
أحدهما: تجارة بمال.
والثاني: استغلال العقار.
فأما التجارة بالمال فيعتبر فيها، أربعة شروط، يؤخذ الولي بها في التجارة:
أحدهما: أن يكون ماله ناضًا، فإن كان عقارًا لم يجز بيعه للتجارة.
والثاني: أن يكون الزمان آمنًا، فإن كان مخوفًا لم يجز.
والثالث: أن يكون السلطان عادلًا، فإن كان جائزًا، لم يجز.
والرابع: أن تكون المتاجر مربحة، فإن كانت مخسرة: لم يجز.
فإن استكمل هذه الشروط: كان مندوبًا إلى التجارة له بالمال، فلو لم يتجر بها: لم يضمن لأمرين:
أحدهما: أنه لم يستقر له ملك على ربح معلوم فيصح ضمانه.
والثاني: أن ربح التجارة بالعقد والمال، تبع، ولذلك جعلنا ربح الغاصب في المال المغصوب له، دون المغصوب منه.
فإن أتجر الولي بالمال مع إخلاله ببعض هذه الشروط: كان ضامنًا لما تلف من أصل المال.
وأما استغلال العقار: فإنما يكون بإجارته، فإن تركه عاطلًا لم يؤجره، فقد أثم، في ضمانه لأجرة مثله إذا كان غير معذور في تعطيله، وجهان، لأن منافعه تملك كالأعيان.
فصل: وأما النفقة عليه بالمعروف فلأن في الزيادة سرفًا، وفي التقصير ضررًا، فلزم أن ينفق عليه قصدًا بالمعروف من غير سرف، ولا تقصير، وكذلك ينفق على كل من تجب نفقته في ماله من والدين، ومملوكين، ثم يكسوه وإياهم في فصل الصيف، والشتاء، كسوة مثلهم في اليسار والإعسار، ومن أصحابنا من قال: يعتبر بسكوة أبيه، فيكسوه مثلها.
وهذا غير صحيح؛ لأن أباه قد ربما كان مسرفًا، أو مقصرًا، فكان اعتبار ذلك في الكسوة في يساره وإعساره عادة وعرفًا، أولى من اعتباره عادة أبيه.
وإنما تعتبر عادة أبيه في صفة الملبوس إن كان تاجرًا، كسي كسوة التجار، وإن كان جنديًا، كسي كسوة الأجناد، ولا يعدل به عن عادة أبيه حتى يبلغ، ويلي أمر نسه فيغيرها إن شاء فإن أسرف الولي في الإنفاق عليه: ضمن زيادة السرف وإن قصر به عن العقد: أساء ولم يضمن.
فإن اختلف هو والولي بعد بلوغه في قدر النفقة، فذلك ضربان:
أحدهما: أن يختلفا في قدر النفقة مع اتفاقهما على المدة، كأنه قال: أنفقت عليك عشر سنين في كل سنة مائة دينار، فقال: أنفقت على عشر سنين في كل سنة خمسين دينارًا.
فالقول فيه قول الولي، إذا لم يكن ما ادعاه سرفًا، فإن كان الولي وصيًا، أو أمين حاكم: فله إحلافه على ما ادعاه.
وإن كان أبًا، أو جدًا، ففي إحلافه له وجهان:
أحدهما: يحلف، كالأجنبي، لأنهما يستويان في حقوق الأموال.
والثاني: لا يحلف، لأنه يفارق الأجنبي في نفي التهمة عنه.
وكثرة الإشفاق عليه.
والضرب الثاني: أن يتفقا على قدر النفقة، ويختلفا في قدر المدة، كأنه قال: أنفقت عليك عشر سنين، في كل سنة مائة دينار، فقال: بل أنفقت على خمس سنين، في كل سنة مائة دينار.
فعند أبي سعيد الإصطخري: أن القول قول الولي، كاختلافهم في القدر مع اتفاقهما في المدة.
وقال جمهور أصحابنا: بل القول قول اليتيم مع يمينه.
والفرق بين اختلافهما في القدر، وبين اختلافهما في المدة: أنهما في القدر مختلفان في المال، فقبل منه قول الولي، لأنه مؤتمن عليه وفي المدة مختلفان في الموت الذي يعقبه نظر الولي، فلم يقبل قولي الولي، لأنه غير مؤتمن عليه، مع أننا على يقين من حدوث الموت، في شك من تقدمه، فلذلك افترق الحكم فيهما.
فصل: وأما إخراج ما تعلق بماله من الحقوق، فضربان: حقوق الله تعالى: وحقوق الآدميين.
فأما حقوق الله تعالى فالزكوات، والكفارات.
أما الزكوات: فزكاة الفطر، وأعشار الزروع والثمار، واجبة إجماعًا.
وأما زكاة الأموال: فقد أسقطها أبو حنيفة، ولم يوجبها إلا على بالغ عاقل.
وعندنا: تجب بالحرية والإسلام، على كل صغير وكبير، عاقل ومجنون.
وقد مضي الكلام معه في كتاب الزكاة.
وإذا وجبت: لزم إخراجها، ولم يجز تأخيرها عن مستحقها، وقال عبد الله بن
مسعود رضي الله عنه: «ليس للولي إخراج الزكاة عنه ويتركها في ماله حتى يبلغ الصبي، فيخرجها عن نفسه.
ودليلنا: ما روي أن علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، ولي مال يتيم، فلما بلغ، سلم إليه المال، فنقص كثيرًا: فقالوا له: نقص المال، فقال: احبسوا قدر الزكاة والنقصان، فحبسوا فوافق، فقال: أتراني ألي مالًا ولا أخرج زكاته.
فلو لم يخرجها الولي، لزم اليتيم إذا بلغ أن يخرجها بنفسه، وأما حقوق الآدميين فنوعان:
أحدهما: حق وجب باختيار كالديون، فعلى الولي قضاؤها إذا ثبت وطالب بها أربابها، فإن أبرئوا منها: سقطت وإن أمسكوا عن المطالبة من غير إبراء، نظر في مال اليتيم، فإن كان ناضًا، ألزمهم الولي قبض ديونهم، أو الإبراء منها، خوفًا من أن يتلف المال ويبقي الدين.
وإن كان أرضًا وعقارًا، تركهم على خيارهم في المطالبة بديونهم إذا شاؤوا.
والثاني: ما وجب بغير اختيار، والجنايات وهي ضربان:
أحدهما: على مال، فيكون غرم ذلك في ماله، كالديون.
والثاني: على نفس، وذلك ضربان، عمد وخطأ، فإن كان خطأ فديته على عاقلته، لا في ماله.
وإن كان عمدًا، ففيه قولان: من اختلاف قوليه في عمد الصبي هل يجري مجري العمد، أو مجري الخطأ:
أحدهما: انه جاري مجري العمد، فعلى هذا تكون الدية في ماله.
والثاني: أنه جار مجري الخطأ، فعلى هذا تكون الدية على عاقلته.
فأما الكفارة: ففي ماله على القولين معًا.
وقال مالك وأبو حنيفة: «لا كفارة على الصبي».
فهذا ما يجب على الولي في حق اليتيم.
فصل: فأما شهادة الوصي فيما يتعلق بالوصية فضربان:
أحدهما: أن يشهد على الموصي، فشهادته مقبولة.
والثاني: أن يشهد للموصي، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون له نظر فيما شهد به، وكأن شهد له بمال، أو ملك هو وصي في تفريق ثلثه، أو ولاية على أطفال، فشهادته مردودة.
والثاني: أن لا يكون له نظر فيما شهد به، كأنه وصي في تفريق مال معين من تركته، فشهد للموصي بملك لا يدخل في وصيته، وليس وارث، مثلًا، فيكون في ولايته: فشهادته مقبولة، لأنه لا يجربها نفعًا.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: «وإذا بلغ الحلم ولم يرشد زوجه وإن احتاج إلى خادم».
قال في الحاوي: ولا يزوجه بأكثر من واحدة.
أما إذا كان اليتيم على حال صغره، فلا يجوز لوصيه أن يزوجه وقال أبو ثور: يجوز له أن يزوجه في صغره، كالأب.
وهذا فاسد، لأن الوصي لما منع من تزويج الصغيرة، وإن كان للأب تزويجاه مع ما فيه من اكتساب المهر، كان أولى أن يمنع من تزويج الصغير وغن كان للأب تزويجه، لما فيه من التزام المهر، ولأن الموصي ممنوع أن يخرج من مال الصغير ما لا حاجة به إليه، وهو غير محتاج إلى النكاح.
فإذا بلغ اليتيم: زال اسم اليتيم عنه، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يتم بعد حلم».
ثم لا يخلو حاله بعد بلوغه من أن يبلغ رشيدًا، أو غير رشيد، فإن بلغ رشيدًا: وجب فله حجره، وإمضاء تصرفه.
ثم لا يخلو حال وليه من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون أبًا، فينفك حجره بظهور الرشد بعد البلوغ من غير حكم حاكم، لأن ثبوت الولاية للأب كانت من غير حكم به، فارتفعت بالرشد من غير حكم.
والحالة الثانية: أن يكون الولي أمين الحاكم، فلا ينفك حجره عنه بظهور الرشد إلا أن يحكم الحاكم بفك حجره، لأن الولاية عليه، تثبت بحكم فلم يرتفع إلا بحكمه.
والحالة الثالثة: ان يكون الولي عليه وصيًا لأب، أو وجد، ففي فك الحجر عنه بظهور رشده من غير حكم وجهان:
أحدهما: ينفك حجره بغير حكم، لأنه يقوم مقام الأب.
والثاني: لا ينفك عنه إلا بحكم، لأنها ولاية من جهة غيره، كالأمين.
فصل: وإن بلغ غير رشيد: كان حجره باقيًا، لأن فكه مقيد بشرطين: البلوغ والرشد، فلم ينفك بالبلوغ دون الرشد، كما لا ينفك بالرشد دون البلوغ.
وإذا كان الحجر عليه باقيًا، كانت ولاية الوالي عليه بحالها، سواء كان الوالي عليه أبًا، أو وصيًا أو أمينًا.
وإن كان حجره بعد البلوغ.
حجر سفه، لا يتولاه إلا حاكم، تقديم حجر مستديم، فحجر متقدم، فدامت الولاية عليه لوليه المتقدم، ولا يحتاج إلى استئناف توليه، كما لا
يحتاج إلى استئناف حجر.
فإن كانت جارية: لم يجز للوصي تزويجها.
وإن كان غلامًا: فإن لم يكن به حاجة إلى النساء، لم يزوج.
وإن كانت به إلى النساء حاجة لما يري من فورته عليهن، وميله إليهن، زوجه الوصي، لما فيه من المصلحة له، وتحصين فرجه، ولا يزيده على واحدة، ولا يزوجه إلا بمن اختارها من أكفائه.
فإذا أذن له الوصي في تولى العقد بنفسه، جاز بمهر المثل فما دون وإن نكح بأكثر من مهر المثل، ردت الزيادة على وليه، ودفع المهر عند طلبه، والإنفاق على زوجته وعليه بالمعروف لمثلها من غير سرف ولا تقصير.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: «ومثله يخدم اشترى له ولا يجمع له امرأتين ولا جاريتين للوطء وإن اتسع ماله لأنه لا ضيق في جارية للوطء».
قال في الحاوي: فإن كان له مال ومثله يخدم اشترى له خادمًا.
أما إذا لم يحتج إلى خادم: تركه وخدم نفسه، وإن احتاج إلى خادم فإن اكتفي بخدمة زوجته: اقتصر عليها.
وإن لم يكتف بخدمة زوجته نظر: فإن ضاق ماله اكترى له خادمًا وإن اتسع اشترى له خادمًا.
فإن كانت خدمته، تقوم بها الجواري، وأمكن أن تقوم الجارية بخدمته واستمتاعه:
اقتصر على جارية الخدمة والاستمتاع بزوجه.
وغن لم تكن الجارية لاستمتاع مثله: اشترى له مع التزويج جارية لخدمته.
وإن كانت خدمته مما لا يقوم بها إلا الغلمان: اشترى له غلامًا لخدمته.
فإن احتاج في خدمته إلى خدمة جارية لخدمة منزله وغلام لخدمته في تصرفه، اشتراهما له إذا اتسع ماله، وفي الجملة أنه يراعي في ذلك ما دعت الحاجة إليه، وجرت العادة بمثله.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: «فإن أكثر الطلاق لم يزوج وسري والعتق مردود عليه».
قال في الحاوي: وهذا كما قال: طلاق السفيه واقع، وهو قول الجمهور.
وقال أبو يوسف: طلاق السفيه لا يقع استدلالًا بأن الطلاق استهلاك مال؛ لأنه يجوز أخذ العوض عليه في الخلع فمنع منه السفيه، كالعتق.
وهذا فاسد، لأن الطلاق قاطع للاستدامة ومانع من الاستمتاع وليس بإتلاف مال، إنما يستفاد به إسقاط مال، لأنه إذا كان قبل الدخول: أسقط نصف الصداق، وإن كان بعده، أسقط النفقة والكسوة، وخالف العتق الذي هو استهلاك مال، ولذلك جاز للكاتب أن يطلق ولم يجز أن يعتق، وجاز طلاق العبد وإن لم يأخذن له فيه السيد، والعوض المأخوذ في الخلع إنما هو لرفع اليد عن التصرف في البضع بالاستمتاع، فصار العوض مأخوذًا على ترك الاستمتاع، لا على أنه في مقابلة مال، والله أعلم.
فصل: فإذا ثبت أن طلاق السفيه واقع: نظر، فإن كان مطلقًا يكثر الطلاق لم يزوجه لما يتوالى في ماله من استحقاق مهر بعد مهر، وسراه بجارية يستمتع بها، فإن أعتقها، لم ينفذ عتقه، وإنما عدل به عن التزويج إذا كان مطلقًا إلى التسري؛ لأن ذلك أحفظ لماله.
فإن قيل: فقد يحبل الجارية فيبطل ثمنها، فصار ذلك كالطلاق أو أسوأ حالًا؟ قيل: إحبالها لا يمنع من جواز الاستمتاع بها فكان مقصده فيها باقيًا، وليس كالطلاق الذي يمنع من الاستمتاع ويرفع الاستباحة، وبالله التوفيق.
فصل: فإذا استقر ما اشتمل عليه هذا الباب من أحوال الأوصياء، فلا يخلو حال الوصي من أحد أمرين إما أن يكون متطوعًا، أو مستعجلًا.
فإن تطوع فهي أمانة محضة، أو استعجل: فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون بعقد.
والثاني: بغير عقد.
فإن كان بعقد فهي إجازة لازمة يجب عليه القيام بما يضمنها، وليس له الرجوع بها، وإن ضعف عنها، استأجر عليه من ماله من يقوم مقامه فيما ضعف عنه، ولو الأجرة المسماة.
وإن كان بغير عقد فهي جعالة، ثم هي ضربان: معينة، وغير معينة.
فإن كانت معينة: كأنه قال: إن قام زيد بوصيتي له مائة درهم، فإن قام بها غير زيد، فلا شيء له، وإن قام بها زيد وعمرو، فلا شيء لعمرو، وإن عاون زيدًا فيها فلزيد جميع المائة، وإن عمل لنفسه، فليس لزيد إلا نصف المائة؛ لأن له نصف العمل.
وإن كانت غير معينة: كقوله من قام بوصيتي هذه فله مائة درهم: فأي الناس قام بها وهو من أهلها، فله المائة.
فإن قام بها جماعة: كانت المائة بينهم، وإذا قام بها واحد وكان كافيًا: منع غيره بعد العمل أن يشاركه فيها.
فإن رجع بعد شروعه في إنفاذ الوصايا والقيام بالوصية عن إتمامها: لم يجبر، لأن عقد الجعالة لا يلزم وجاز لغيره بعد رفع يده أن يتمم ما بقي، وللأول من الجعالة بقدر عمله.
وللثاني: بقدر عمله مقسطًا على أجور أمثالها.
فإذا ثبت ما وصفنا: لم يخل حال الوصي إذا كان مستعجلًا من أحد أمرين.
إما أن يكون وصيًا في كل المال، أو في بعضه.
فإن كان وصيًا في جميع ما وصي به: لم يخل حال ما جعله له من الأجرة من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يجعله من رأس ماله.
والثاني: من ثلثه.
والثالث: أن يطلق.
فإن جعله من رأس ماله، نظر: فإن لم يكن في الأجرة محاباة، كانت من رأس ماله، وإن كانت فيها محاباة: كانت أجرة المثل من رأس المال، وما زاد عليها من المحاباة، في الثلث، يضارب بها أهل الوصايا.
فإن جعل ذلك من ثلثه، كان في ثلثه.
فإن لم يكن في الأجرة محاباة، وعجز الثلث عنها: تمت له الأجرة من رأس المال.
فلو كان في الثلث مع الأجرة وصايا، ففي تقديم الوصي بأجرته على أهل الوصايا وجهان:
أحدهما: يقدم بأجرته، لأنها واجبة عن عمل، لا محاباة فيه، ثم يتمم ما عجز الثلث عنه من رأس المال.
والثاني: أن يكون مساويًا لهم في المضاربة بها معهم في الثلث، لأن لباقي أجرته محلًا يستوفيه منه، وهو رأس المال، وهذان الوجهان بنيا على اختلاف الوجهين فيمن جعل حجة الإسلام من ثلثه، وجعل دينه من ثلثه، هل يقدم ذلك على أهل الوصايا أم لا؟
فلو كان في أكرة هذا الوصي محاباة، كانت أجرة المثل إذا عجز الثلث عنها متمة من رأس المال، وكانت المحاباة وصية يضارب بها مع أهل الوصايا ويسقط منها ما عجز الثلث عنه.
وإن أطلق أجرة الوصي ولم يجعلها من رأس ماله ولا من ثلثه: فهي من رأس ماله، إن لم يكن فيها محاباة، إذا تعلقت بواجب من قضاء ديون، وتأدية حقوق وكان تعلق بها مما ليس بواجب تبعًا: فإن كان في الأجرة محاباة كان قدر أجرة المثل من رأس المال، وكانت المحاباة في الثلث يضارب بها أهل الوصايا.
فهذا حكم أجرة الوصي، إذا كان وصيًا في جميع المال.
فأما إذا كان وصيًا في شيء دون غيره، فهذا على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون وصيًا في قضاء ديون وتأدية حقوق فأجرته إن لم يكن فيها محاباة، تكون من رأس المال؛ لأنها بدل عن واجب عليه، وإن كان فيها محاباة، كانت في الثلث يضارب بها أهل الوصايا.
فإن جعل كل الأجرة في ثلث ولا محاباة فيها: تممت وعند عجز الثلث عنها من
رأس المال ودخلها دور، كالحج إذا أوصي به في الثلث فعجز الثلث عنه، فيكون على ما مضي.
والقسم الثاني: أن يكون وصيًا في تفريق الثلث، فأجرته تكون في الثلث فإن لم يكن فيها محاباة قدمتها على أهل الوصايا وجهًا واحدًا؛ لأنها مقابلة عمل يتعلق بإنفاذ وصاياها وليس لها محل غير الثلث، فلذلك يقدم بها.
وإن كان فيها محاباة: تقدمهم بأجرة المثل، وشاركهم في الثلث لمحاباته.
والقسم الثالث: أن يكون وصيًا على أيتام ولده: فإن أجرته عند إطلاق الموصي تكون في مال اليتيم إذا لم يكن فيها محاباة، ويكون الوصي وكيلًا مستأجرًا بعقد الأب الموصي.
فإن كان في الأجرة محاباة: كانت أجرة المثل في مال اليتيم، وكانت المحاباة وصية ثلث الموصي يضرب بها مع أهل الوصايا.
فإن جعل الموصي جميع الأجرة في ثلثه: كانت فيه، فإن احتملها الثلث فلا شيء في مال اليتيم، ولا خيار للوصي.
وإن عجز الثلث عنها: فإن لم يكن فيها محاباة، ضرب من أهل الوصايا بجميع الأجرة، وأخذ منها قدر ما احتمله الثلث، ثم قسط الباقي في المسمي له على أجرة المثل والمحاباة، فما بقي من أجرة المثل، رجع به في مال اليتيم، وما بقي من المحاباة، يكون باطلًا.
مثاله: أن يكون قد جعل له مائة درهم، وأجرة مثله خمسون درهمًا، وقدر ما احتمله الثلث من المائة خمسون درهمًا، فإذا أخذها فقد أخذ نصف المسمي من أجرة المثل والمحاباة، وبقي النصف خمسون درهمًا، منها نصفها خمسة وعشرون درهمًا بقية أجرة مثله يرجع بها في مال اليتيم ونصفها خمسة وعشرون درهمًا نصيب المحاباة، فتكون باطلة ويكون الوصي بالخيار في الفسخ لنقصان ما عاقد عليه، فإن فسخ أقام الحاكم من أمنائه من يقوم مقامه من غير أجرة، لأن الحاكم نصب للقيام بذلك، ورزقه، وأجور أمنائه من بيت المال.
فإن لم يكن بيت المال مال، يدفع أجرة أمين، ولا وجد متطوعًا: كانت أجرته في مال اليتيم.
وأكثر هذه المسائل يدخلها دور وطريق عمله ما ذكرنا في الحج، فصار محصول هذا الفصل في إطلاق أجرة الوصي إذا لم يكن فيها محاباة أن ينظر فإن كان وصيًا في البعض نظر: فإن كان وصيًا في تأدية حقوق، فأجرته من رأس المال.
وإن كان وصيًا في تفريق ثلث، فأجرته مقدمة في الثلث، وإن كان وصيًا على يتيم، فأجرته في مال اليتيم.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: «هذا آخر ما وصفت من هذا الكتاب أنه وضعه بخطه لا أعلم أحدًا سمعه منه وسمعته بقول لو قال أعطوه كذا وكذا من دنانيري أعطي دينارين ولو لم يقل من دنانيري أعطوه ما شاؤوا اثنين».
قال في الحاوي: وهذا الفصل مشتمل على أربع مسائل:
المسألة الأولى: أن يقول أعطوه كذا وكذا من دنانيري الذي نقله المزني ها هنا أنها وصية بدينارين، لأنه لما ذكر عددًا من دنانيره دل على دينارين وفيه قول آخر مخرج من الإقرار أنها وصية بدينار، لأنه قد يحتمل أن يكون كل واحد من الفردين أقل من دينار وهما معًا دينار فإذا كان ذلك وصية بما ذكرنا نظر فإن كانت له دنانير صحت الوصية بالقدر الذي ذكرناه على اختلاف القول فيه وإن لم يكن له دنانير كانت الوصية باطلة.
والمسألة الثانية: أن يقول كذا وكذا من الدنانير فيكون أيضًا على ما ذكرنا من القولين:
أحدهما: انها وصية بدينارين.
والثاني: بدينار لكن تصح الوصية بهذا القدر سواء ترك دنانير أو لم يترك.
والمسألة الثالثة: أن يقول كذا وكذا فهذه وصية بعد دين يرجع في بيانها إلى الوراث فإن ذكر شيئًا بينه قبلنا منه مع يمينه إن حلف فيه وسواء بين ذلك من جنس أو جنسين والله أعلم.
فصل: إذا قال: أعطوا ثلثي لأعقل الناس فقد حكي عبد الرحمن بن أبي حاتم عن الربيع عن الشافعي أنه قال: يعطي أزهد الناس وهذا صحيح؛ لأن العقل مانع من القبائح والزهاد هو أشد الناس منعًا لأنفسهم من الشبهات.
فصل: ولو قال: أعطوا ثلثي لأجمل الناس فقد قال أبو حامد الإسفراييني يعطاه أهل الذمة والذي أراه أن يعطاه أهل الكبار من المسلمين لأمرين.
أحدهما: أنهم قد أقاموا على فعل ما يعتقدون استحقاق العذاب عليه وليس كأهل الذمة الذين لا يعتقدون ذلك.
والثاني: أن الأغلب من قصد المسلم بوصيته المسلمين دون غيرهم.
فصل: ولو قال: أعطوا ثلثي لأحمق الناس قال إبراهيم الجريري: يعطاه من يقول بالتثليث من النصارى والذي أراه أن يعطاه أسفه الناس، لأن الحمق يرجع إلى الفعل دون الاعتقاد.
فصل: ولو قال: أعطوا ثلثي لأعم الناس كان مصروفًا في الفقهاء لاضطلاعهم
بعلوم الشريعة التي هي بأكثر العلوم متعلقة.
فصل: ولو أوصي بثلثه لسيد الناس كان للخليفة- رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه في المنام فجلست معه ثم قمت أماشيه فضاق الطريق بنا، فوقفت فقلت: تقدم يا أمير المؤمنين فإنك سيد الناس، قال: لا تقل هكذا قلت: بلي يا أمير المؤمنين ألا ترى لو أن رجلًا أوصي بثلث ماله لسيد الناس كان للخليفة أنا أفتيك بهذا فخذ حظي به ولم أكن سمعت هذه المسالة قبل هذا المنام وليس الجواب فيها إلا كذلك، لأن سيد الناس هو المتقدم عليهم والمطاع فيهم وهذه صفة الخليفة المتقدم على جميع الأمة، والله أعلم بالصواب.