بحر المذهب للرويانيصفحات 43-82

والثامن: أن ذات الزوج إذا أصيبت بشبهة فلها دون الزوج بخلاف قول من جعله للزوج.
والتاسع: أن الموطوءة بشبهة يكون لها المهر لا بيت المال بخلاف قول من جعله لبيت المال.
والعاشر: أتكرار الوطء في النكاح الفاسد لا يجب به إلا المهر مرة واحدة ما لم تغرم عما تقدم به.
والحادي عشر: أن الإصابة دون الفرج لا توجب المهر.
والثاني عشر: أن الغارة للزوج يسقط عنه مهره بالغرور.
والثالث عشر: أن الموطوءة في العدة بشبهة أو نكاح فاسد كالموطوءة في نكاح صحيح في لحومة النسب, ووجوب العدة تحريم المصاهرة لاستوائهما في وجوب المهر, ولحوق النسب والعدة وتحريم المصاهرة.
والخامس عشر: أن المهر إذا استحق بالإصابة في نكاح فاسد فهم مهر المثل دون المسمى, سواء كان أقل منه أو كثر, بخلاف قول أبي حنيفة: أنه يوجب أقل الأمرين من مهر المثل أو المسمى.
وأما قوله "فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له" خمسة دلائل: أحدها: أن العصبة أحق بالولاية عليها من السلطان.
والثانية: أنهم إذا عدموا انتقلت الولاية عليها إلى السلطان.
والثالث: أن الأقرب من عصبتها أولى من الأبعد, كما أن العصبة لقربهم أولى من السلطان.
والرابع: أن الأولياء إذا كانوا في درجة واحدة لم يكن أحدهم إذا اشتجروا أحق من الباقين إلا بقرعة أو تسليم.
والخامس: أنهم إذا اشتركوا في نكاحها عضلاً لها لا تنازعًا فيها زوجها السلطان, والاشتجار عضلاً؛ أن يقول كل واحد منهما: زوجها أنت ليصبروا جميعًا عضلة فزوجها السلطان, والاشتجار إن تنازعا أن يقول كل واحد منهم: أنا زوجها فلا تنقل الولاية إلى السلطان؛ لأنهم غيرة عضلة بل يقرع بينهم وبزوجها من فرع منهم.
مسألة: قال الشافعي: "وجمعت الطريق رفقة فيهم امرأة ثيب فولت أمرها رجلا منهم فزوجها فجلد عمر بن الخطاب رضي الله عنه الناكح والمنكح ورد نكاحهما".

قال في الحاوي: وهذا الأمر المروي عن عمر وإن كان دليلاً على إبطال النكاح بغير ولي, فالمقصود به على المتناكحين بغير ولي من الأحكام, فإذا تناكح الزوجان بغير ولي فلا يخلو حالهما من أن يترافعا فيه إلى الحاكم لم يخل حال من أحد الأمرين: إما أن يكون شافعيًا يرى إبطال النكاح بغير ولي, أو يكون حنفيًا يرى جواز النكاح بغير ولي, فإن كان شافعيًا يرى إبطال النكاح بغير ولي, حكم بإبطاله وفرق بينهما, فإن اجتمعا حكم فيه بمذهبه وقضى بينهما على الإصابة بعد تفريق الحاكم بينهما كانا زانيين عليهما الحد؛ لأن شيهة العقد قد ارتفعت بحكم الحاكم بينهما بالفرقة, فلو ترافعا بعد إبطال الحاكم الشافعي إلى حاكم حنفي لم يكن له أن يحكم بجوازه لنفوذ الحكم بإبطاله, وإن كانا في الابتداء قد ترافعا إلى حاكم حنفي يرى صحة النكاح بغير ولي, فحكم بينهما بصحته, وأذن لهما بالاجتماع فيه, فلم يكن عليهما في الإصابة حدّ لنفوذ الحكم بالإباحة, فلو ترافعا بعد الحكم الحنفي بصحة إلى حاكم شافعي فهل له أن يحكم بإبطاله وينقص الحكم الحنفي بصحته وإمضائه أم لا؟ على وجهين: أحدهما: له الحكم بإبطاله ونقص حكم الحنفي بإمضائه, لما فيه من مخالفة النص في قوله: "فنكاحها باطل" ثلاثًا.
الثاني: أنه ليس له أن ينقص حكمًا قد نفذ باجتهاد والنص فيه من أخبار الآحاد.
فرع: وإذا لم يترافعا فيه إلى الحاكم ولا حكم فيه بأحد الأمرين من صحة أو إبطال, فإن لم يجتمعا فيه على الإصابة حتى افترقا فلا عدة عليهما؛ ولا مهر لها, وإن مات أحدهما لم يتوارثا, وإن اجتمعا فيه على الإصابة لم تخل حالهما من ثلاثة أقسام: أحدهما: أن يعتقد الإباحة.
والثاني: أن يعتقدا تحريمه.
والثالث: أن يجهلا حكمه.
فإن اعتقدا الإباحة لاعتقادهما مذهب أبي حنيفة فيه فلا حدّ عليهما.
لاستباحتهما له من اجتهاد مسوغ فإن قيل: أفليس لو شرب النبيذ من اعتقد مذهب أبي حنيفة في إباحته حددتموه فهلا حددتم هذا مع اعتقاده إباحته؟ قيل: الفرق بينهما في وجهين: أحدهما: أن الشبهة في النكاح بغير ولي أقوى لتردده بين أصلي حظر من زنا وإباحة من نكاح, وإباحة الشبهة في النبيذ الذي لا يرجع إلا أصل واحد في الحظر والتحريم وهو الخمر.
والثاني: أن النكاح الذي عقده ولي جعل له سبيل بولي, فاقتصر في الزجر عنه مجرد النهي, وليس كالنبيذ الذي لا سبيل إلى استباحته فلم يقتصر في الزجر

عنه على مجرد النهي حتى يضم إليه حكم هو أبلغ في الزجر, ليكون أمنع من الإقدام عليه.
فرع: وإذا كانا جاهلين بتحريم النكاح بغير ولي فلا حدّ عليهما؛ لأن الجهل بالتحريم أقوى شبهة, وفال النبي صلى الله عليه وسلم: "ادرأوا الحدود بالشبهات" ولأن من جهل تحريم الزنا لحدوث إسلامه لم يحد فكان هذا بدرء الحدّ أولى, ألا ترى أن قول عثمان رضي الله عنه في أمة أقرت الزنا إقرار جاهل بتحريمه: أراها تشهد به كأنها لم تعلم وإنما الحد على من علم.
ثم يتعلق على هذه الإصابة من الأحكام ما يتعلق على النكاح الصحيح إلا في المقام عليه, فيوجب العدة ويلحق النسب, ويثبت به تحريم المصاهرة, ولكن في ثبوت المحرمية بها وجهان: أحدهما: تثبت بها المحرم كما تثبت بها تحريم المصاهرة فلا تحجب عن أبيه وابنه, ولا تحجب عنه أمها وبنتها.
والثاني: أن يثبت المحرم وإن ثبت به تحريم المصاهرة لأننا أثبتنا تحريم المصاهرة تغليظًا, فاقتضى أن ينتفي عنه الثبوت المحرم تغليظًا.
فرع: وإن كانا معتقدين لتحريمه يريان فيه مذهب الشافعي من إبطال النكاح بغير ولي محظور عليهما الإصابة, فإن اجتمعا عليها ووطئها فمذهب الشافعي وجمهور الفقهاء: أنه لا حد عليهما, وقال أبو بكر الصيرفي -من أصحاب الشافعي- وهو مذهب الزهري وأبي ثور.
الحدّ عليهما واجب لرواية ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "البغي من نكحت بغير ولي".
والأثر المروي عن عمر في المرأة والرجل جمعتهما رفقة فولت أمرها رجلاً منهم فزوجها فجلد الناكح والمنكح والدليل على سقوط الحدّ قوله صلى الله عليه وسلم في الخبر الماضي: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل" فأبطل النكاح وأوجب المهر دون الحد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ادرأوا الحدود بالشبهات", وأقوى الشبهات عقد اختلف الفقهاء في إباحته, فكان بإدراء الحد أولى, فأما قوله: "البغي من نكحت بغير ولي" فهي لا تكون بغيًا بالنكاح إجماعًا, وإنما بقول من يوجب الحدّ, إنها تكون بالوطء

بغيًا فلم يكن في التعلق به دليل, ثم يحمى على أنه يتعلق عليها بعض أحكام البغي وهو تحريم الوطء, ولا يمتنع أن يسمى بعض أحكام البغي بغيًا, كما قال صلى الله عليه وسلم: "من ترك الصلاة فقد كفر" فسماه ببعض أحكام الكفر كافرًا, وأما الأثر عن عنر فالجلد فيه عبارة عن التعزير, ألا تراه جلد الناكح والمنكح والحدّ لا يجب على المنكح فدل على أنه عزرهما.
فرع: وإذا تناكح الزوجان بغير ولي ثم طلقها ثلاثًا ففي حكم طلاقه وحكم تحريمها عليه حتى تنكح زوجًا غيره وجهان لأصحابنا: أحدهما: يجز عليه حكم الطلاق حتى تنكح زوجًا غيره وهذا قول أبي إسحاق المروزي وأبي علي بن هريرة وأبي سعيد الإصطخري وأبي حامد المروزي اعتبارًا بأغلظ الأمرين: والثاني: وهو قول أبي حامد الإسفراييني ومن عاضده من المتأخرين.
وربما كان لهم فيه سلف أن حكم الطلاق لا يجري عليه للحكم بإبطاله وإنما تحل له قبل زوج لأن الطلاق لا يقع إلا في النكاح.
وقد بطل أن يكون نكاحًا.
فإذا تقرر هذان الوجهان, فإن قيل بهذا الوجه إنه إذا طلقها ثلاثًا لم تحرم عليه أن ينكحها قبل زوج فإنه إذا أصابها لم تحل بإصابته لها للزوج إن كان طلقها قبله ثلاثًا.
وإن قيل إنها قد حرمت عليه بطلاقه لها ثلاثًا حتى تنكح غيره فهل تحل إصابته لها الزوج إن كان قد طلقها قبله ثلاثًا أم فيه وجهان: أحدهما: تحل له لإجرائنا على طلاقه حكم الطلاق في النكاح الصحيح.
الثاني: أنها لا تحل له لأننا ألزمناه حكم طلاقه تغليظًا عليهما فكان من التغليظ أن لا تحل لغيره بإصابته.
فرع: وإذا عدمت المرأة وليًا مناسبًا وكانت في بلد لا حاكم فيه وأرادت نكاح زوج ففيه وجهان: أحدهما: ليس لها نكاح حتى تجد وليًا بحكم أو بنسب كما عدمت الشهود لم يجز أن تتزوج حتى تجد الشهود.
والثاني: أن يجوز للضرورة أن تتزوج؛ لأن الولي يراد لنفي العار عنه بتزويج غير الكفء, فإذا عدم زال معناه وخالف الشهود المعقود بهم الاشتياق لحفظ الأنساب, فعلى

هذا إذا جوز لها الترويج ففيه وجهان: أحدهما: أنها تتولاه بنفسها؛ لأن فقد أسقط الولي قد أسقط حكمه.
والثاني: أنها تولي أمرها رجلاً يكون بدلاً من وليها حتى لا يخلو العقد من عدده, ويحتمل تخريج هذين الوجهين من اختلاف قولين في الخصمين إذا حكمنا رجلاً هل يلزمهما حكمه كلزوم الحاكم, والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي: "وَلَا وِلايَةَ لِوَصِيِّ لأنَّ عَارَهَا لاَ يَلحَقُهُ".
وهذا كما قال: إذا وصى الأب بتزويج بنته لم يكن لوصيه أن يزوجها صغيرة كانت أم كبيرة, عين له على الزوج أو لم يعين, ولا يزوجها إن كانت صغيرة إلا أن يعين له على الزوج.
وقال أبو ثور: يزوجها الوصي بكل حالٍ استدلالاً على ذلك بأمرين: أحدهما: أن للأب ولاية على مالها ونكاحها فلما جاز أن يوصي للولاية على مالها جاز أن يوصي بالولاية على نكاحها.
والثاني: أنه لما جاز للأب أن يستنيب في حياته وكيلاً جاز له أن يستنيب بعد موته وصيًا كالمال, وهذا غير صحيح لقوله عليه السلام: "لا نكاح إلا بولي" وليس الوصي وليًا, ولرواية عبد الله بن عمر قال: زوجني خالي قدامة بن مظغون بابنة أخيه عثمان بن مظغون, فمضى المغيرة إلى أمها وأرغبها في المال فمالت إليه وزهدت, فأتى قدامة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أنا عمها ووصي أبيها وما نقموا من ابن عمر إلا أنه لا مال له, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنها يتيمة وإنها لا تنكح إلا بإذنها" فرد نكاحه مع كونه وصيًا من غبر أن يستبرئ حال صغرها وكبرها, ولا هل عين الأب على الزوج أم لا؟ فدل على أن النكاح إنما يجاز له؛ لأنه الوصي لا ولاية له, ولأن ولاية النكاح قد انتقلت بموت الأب إلى من يستحقها بنفسه من العصبيات, فصار موصيًا فيما غيره أحق به فكان مردود الوصية كما وصى بالولاية على مال أطفاله ولهم جد إلى غيره بطلت وصيته, كذلك هذا.
وتحريره قياسًا: أنها ولاية قد انتقلت من غير تولية فلم يجز نقلها بالوصية كالولاية على المال مع وجود الجد, وفي هذا انفصال عما ذكره من الوصية بالمال ولأن العصبة إنما اختصوا بالولاية في نكاحها لما يلحقهم من عارها بنكاحها غير كفء فصار حق الولاية بينهم مشتركًا لرفع العار عنهم وعنها.
وهذا المعنى معدوم في الوصي الذي لا

يلحقه عارها فلم نثبت ولايته لفقد معناها وليس كالوكيل الذي هو نائب غير مستحق لها وهو من ورائه مراعٍ لنفي العار عنه وعنها.
مسألة: قال الشافعي: "وَفِي قَولِ النَبِيّ صلى الله عليه وسلم: "الأَيِّمُ أَحَقُ بِنَفسِهَا مِن وَلِيّهَا وَالبِكرُ تُستَأذَنُ فِي نَفسِهَا وَإذنُهَا صَمَاتُهَا" دَلَالَةٌ عَلَى الفَرق بَينَ الثَّيبِ وَالبِكرِ في أَمرَينِ أحدهما أنَ إذنِ البِكرِ الصَمتُ والَّتي تُخَالِفُهَا الكَلاَمُ وَالأخِر أنَّ أَمرَهُمَا في وِلاَيَةِ أَنفُسِهِمَا مُختَلَفٌ فَوِلايَةُ الثَّيِبِ أنَّها أحَقُّ مِنَ الوَليِّ هَهُنَا الأَبُ, واللهِ أعلَمُ دُونَ الأَولِيَاءِ".
وهذا كما قال: قد ذكرنا المراد بالأيم هاهنا الثيب لما قدمنا, وإذا كان كذلك فقد استدل الشافعي بهذا الخبر على الفرق بين البكر والثيب في كلمتين: إحداهما: الفرق بينهما في صفة الإذن.
والثاني: الفرق بينهما في الإجبار على العقد ونحن نقدم الكلام في الإجبار على العقد, لأنه أصل لم يعقبه بصفة الإذن في موضعه, فتقول: النساء ضربان: أبكار, وثيب, فأما الثيب فيأتي حكمهن.
وأما الأبكار فلهن حالتان؛ حالة مع الآباء, وحالة مع غيرهم من الأولياء, فأما حالهن مع الآباء فهن ضربان؛ صغار وكبار, فأما صغار الأبكار فللآباء إجبارهن على النكاح, فيزوج ابنته البكر الصغيرة من غير أن يراعى في اختيارها, ويكون العقد لازمًا لها في صغرها وبعد كبرها.
وكذلك الجد وإن علا يقوم في تزويج البكر الصغيرة مقام الأب إذا فقد الأب, والدليل عليه وإن كان وفاقًا قوله تعالى: ﴿واللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ واللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4] يعني الصغار, والصغيرة تجب العدة عليها من طلاق الزوج, فدل على جواز العقد عليها في الصغر.
وروي عن عائشة أنها قالت: "تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابنة سبع ودخل بي وأنا ابنة تسع ومات عني وأما ابنة ثماني عشر".
فرع: وأما البكر فللأب أو للجد عند فقد الأب أن يزوجها جبرًا كالصغيرة, وإنما يستأذنها على استطابة النفس من غير أن يكون شرطًا في جواز العقد, وبه قال ابن أبي ليلى, وأحمد, وإسحاق.
وقال أبو حنيفة: ليس للأب إجبار البكر البالغ على العقد إلا عن إذن, وبه قال الأوزاعي, والثوري, فجعل الإجبار معتبرًا بالصغيرة دون البكارة, وجعل الشافعي الإجبار معتبرًا بالبكارة دون الصغر.
واستدل من نص قول أبي حنيفة برواية عطاء عن جابر أن رجلاً زوج ابنته وهي بكر فمات, ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما.

وبرواية عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "استأمروا النساء في أبضاعهن" فكان على عمومه؛ ولأنها متصرفة في مالها فلا يجوز إجبارها على النكاح كالثيب, ولأن كل من زال عنه الحجر في ماله زال عنه الحجر في نكاحه كالرجال.
ودليلنا رواية الشافعي عن مالك عن عبد الله بن الفضل عن نافع بن جبير عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الثيب أحق بنفسها من وليها" والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها" فلما جعل الثيب أحق بنفسه من وليها علم أن ولي البكر أحق بها من نفسها, ويكون قوله: "والبكر تستأذن في نفسه" محمولاً على الاستحباب دون الوجوب استطابة للنفس؛ لأنه لو كان محمولاً على الوجوب لصارت أحق بنفسها من وليها كالثيب.
ومن القياس: أن كل من جاز له قبض صداقتها بعد رضاها جاز له عقد نكاحها بغير رضاها, كالأمة وكالبكر, والصغيرة؛ ولأن ما استحق بالولاية في نكاح الصغيرة استحق بالولاية في نكاح الكبيرة قياسًا على طلب الكفاءة, ولما ذكر الشافعي من أنه: لو لم يكن له تزويجها جبرًا في الكبر لما كان له تفويت بضعها في الصغر, كالطفل يقتل أبوه لما لم يكن لوليه تفويت خياره عليه, وفي القود والدية بعد البلوغ لم يكن له تفويته عليه قبل البلوغ, وكان القاتل محبوسًا حتى يبلغ فيختار أحد الأمرين.
فإن قيل: فهذا يبطل بالصبي فإن للأب أن يجبره على النكاح قبل البلوغ وليس له أن يجبره بعد البلوغ.
قلنا: ليس في تزويج الابن تفويت لما يقدر على استدراكه؛ لأنه يقدر على الطلاق إن شاء, وله أن يتزوج غيرها من النساء, والثيب لا تقدر على خلاص نفسها من عقد الأب إن لم يشاء.
وأما خبر عائشة فهو محمول على الثيب دون البكر تخصيصًا بما ذكرناه, وأما قياسهم على الثيب فالمعنى فيها أنه لما لم يجز للأب قبض صداقها إلا بإذنها لم يجز له عقد نكاحها إلا بإذنها ولما جاز للأب قبض صداق البكر بغير رضاها عند أبي حنيفة وهو أحد قولي الشافعي جاز له أن يعقد نكاحها بغير رضاها؛ لأن التصرف في المبدل معتبرًا بالتصرف في البدل.
وأما قياسهم على الرجل, فالمعنى فيه أنه لما لم يكن للأب أن يعترض عليه في نكاحه لم يكن له أن يجبره عليه وليس كذلك البكر.
فرع: فإذا ثبت أن للأب إجبار على النكاح صغيرة أو كبيرة, وكذلك الجد وإن علا.
وقال ابن أبي ليلى, وأحمد بن حنبل: ليس الإجبار إلا للأب دون الجد.
وقال مالك: للجد إجبار الصغيرة كالأب وليس له إجبار الكبيرة بخلاف الأب, وفرقا بين الأب والجد بأن الجد يملك الولاية بوسيط كالإخوة وهذا خطأ لقوله تعالى: ﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: 78] فسماه أبًا إجراء لحكم الأب عليه وإن خالفه في الاسم, ولأنه لما

ثبت ولاية الحد على الأب فأولى أن يثبت على من يلي عليه الأب, ولأنه لما ساوى الجد الأب في الولاية على مالها ساواه في الولاية على نكاحها, ولهذا فرق بينه وبين سائر العصبات.
فرع: فأما حال البكر من غير الأب والجد من الأولياء كالإخوة والأعمام, فلا تخلو حالها معهم من أن تكون صغيرة أو كبيرة, فإن كانت كبيرة لم يكن لهم إجبارها إجماعًا, وليس لهم تزويجها إلا بإذنها.
والفرق بين الآباء والعصبات, أن الآباء بعضية ليست في العصبات فقويت بها ولايتهم حتى تجاوزت ولاية النكاح إلى ولاية المال فصاروا بذلك أعجز ولأنه من العصبات وإن كانت البكر صغيرة فليس لأحد من العصبات تزويجها بحال.
وقال أبو حنيفة: بجميع العصبات تزويجها صغيرة كالأب ولها الخيار إذا بلغت بخلافها مع الأب.
وقال أبو يوسف: لهم تزويجها ولا خيار لها كهي مع الأب استدلالاً بقوله تعالى: ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿وتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: 127] قال: واليتيمة من لا أب لها من الصغار والذي كتب لها صداقها فدل على جواز نكاح غير الأب لها, ولأن كل من جاز له تزويجها في الكبر جاز له أن ينفرد بتزويجها في الصغر كالأب, ولأنه لما استوي الآباء والعصبات في إنكاح الثيب وجب أن يستووا في إنكاح البكر, ودليلنا حديث قدامة بن مظعون أنه زوج ابنة أخيه بعبد الله بن عمر فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم نكاحه, فقال: إنني عمها ووصي أبيها, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنها يتيمة وإنها لا تتزوج إلا بإذنها" فلم يجعل له تزويجها إلا بعد البلوغ.
ومن القياس: أن كل من لم يملك قبض صداقها لم يملك عقد نكاحها كالعم مع الثيب طردًا أو كالسيد مع أمته عكسًا؛ ولأنها ثبتت للأب في الصغيرة من غير تولية فوجب أن يختص بها من بين العصابات كولاية المال؛ ولأن النكاح إذا لم ينعقد لأن ما كان فاسدًا كالمنكوحة في العدة, ولأن النكاح لا ينعقد بخيار التحكم والاقتراع قياسًا على خيار الثيب, فأما الآية فتحمل على إنكاحها قبل اليتم, أو على إنكاح الجد, لأن اليتم يكون بموت الأب وإن كان الجد باقيًا.
وأما قياسهم على الأب فالفرق بينهما في الولاية ما قدمناه في الأخبار وأما جمعهم بين البكر والثيب مردود بافتراقهما في قبض الصداق, والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي: "وَمِثلُ هَذَاَ حَدِيثُ خَنسَاءَ زَوَّجَهَا أبوهَا وَهِيَ ثَيِبٌ فَكَرِهَت ذَلِكَ

فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم نكاحه وفي تركه أن يقول لخنساء "إلا أن تشائين أن تحيزي ما فعل أبوك" دلالة على أنها لو أجازته ما جاز والبكر مخالفة لها لاختلافهما في لفظ النبي صلى الله عليه وسلم ولو كانا سواء كان لفظ النبي صلى الله عليه وسلم أنهما أحق بأنفسهما.
وقالت عائشة رضي الله عنها: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابنة سبع سنين ودخل بي وأنا ابنة تسع وهي لا أمر لها وكذلك إذا بلغت ولو كانت أحق بنفسها أشبه أن لا يجوز ذلك عليها قبل بلوغها كما قلت في المولود يقتل أبوه ويحبس قاتله حتى يبلغ فيقتل أو يعفو".
قال في الحاوي: وهذا كما قال, النكاح الموقوف لا يصح ولا يقع إلا على إحدى حالتين من صحة أو فساد, سواء كان موقوفًا على إجازة الزوجة أو الزوج أو الولي, وكذلك البيع لا يصح أن يعقد موقوفًا على إجازة البائع أو المشتري, وقال أبو حنيفة: يصح النكاح الموقوف على إجازة الزوجة أو الزوج أو الولي ويصح البيع الموقوف على إجازة البائع دون المشتري, واستدل بما روي أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله: إن أبي - ونعم الأب- هو زوجني بابن أخ له أراد أن يرفع بي خسيسته, فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: قد اخترت ما فعل أبي, وإنما أردت لتعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء, فلما خيرها والخيار لا يثبت في اللازم ولا في الفاسد دل على أنه كان موقوفًا على خيارها وإصابتها, قال: لأنه لما جاز أن تكون الوصية, بما زاد على الثلث موقوفة على إجازة الوارث, واللقطة إذا تصدق بها الواحد موقوفة على إجازة المالك, لكون المجيز لهما موجودًا, جاز أن يكون النكاح, موقوفًا على إجازة من يكون في حالة الوقف موجودًا, وتحريره قياسًا أن كل ما كان محيزه موجودًا جاز أن يكون على إجازته موقوفًا كاللقطة, والوصية.
قال: ولأنه لما جاز أن يكون موقوفًا على الفسخ جاز أن يكون موقوفًا على الإجازة, وتحريره قياسًا: أنه أحد نوعي الاختيار فجاز أن يكون العقد موقوفًا عليه كالفسخ.
قال: ولأن حال العقد بعد كماله أقوى من حاله قبل كماله, فلما جاز أن يكون قبل كماله موقوفًا بعد البذل على إجازة القبول, فأولى أن يكون بعد كماله موقوفًا على الإجازة.
وتحريره: أنه أحد حالتي العقد فجاز أن يكون موقوفًا على الإجازة كالحال الأولى.
ودليلنا: حديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أيما امرأة نكحت بعد إذن وليها فنكاحها باطل" فلو صح بالإجازة لوقفه على إجازة الولي, ولما حكم بإبطاله.
وحديث خنساء بنت خدام أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت فرد رسول الله عليه الصلاة والسلام نكاحها, ولم يقل إلا أن تشاء أن تجيزي ما فعل أبوك مع حثه على طاعة الآباء, فدل على أنها لو أجازته لم يجز, ولأن عقد المنكوحة إذا لم تصر المرأة به فراشًا كان

فاسدًا كالمنكوحة في ردة أو عدة.
وقال أبو حنيفة: إنها لو جاءت في النكاح الموقوف بولد لستة أشهر لم يلحق به؛ ولأن ما انتفت عنه أحكام النكاح والظهار والتوارث لم يكن نكاحًا كالمتعة.
وقد قال أبو حنيفة: إنه لا يلحقها في زمان الوقف طلاق ولا ظهار ولا توارث, ولأن ما افتقر إليه النكاح كان تأخره عن العقد مبطلًا للنكاح كالشهادة, ولأن اشتراط لزوم النكاح إلى مدة أقوى من اشتراط لزومه بعد مدة؛ لأن من العقود ما ينعقد إلى مدة كالإجارة, وليس منها ما ينعقد بعد مدة, فلما بطل باشتراط لزومه بعد مدة كقوله: تزوجتها شهرًا, كان أولى أن يبطل باشتراط لزومه, كقوله تزوجتها على إجازتها؛ لأنه إذا بطل بما له في الصحة نظير فأولى أن يبطل بما ليس له في الصحة نظير؛ لأن النكاح إذا اعتبر لزومه بشرط متيقن بعد العقد كان أقوى وأوكد من اعتبار لزومه بشرط مجوز بعد العقد, وقد ثبت أنه لو قال: قد تزوجتك الآن إذا أهل شهر رمضان كان العقد فاسدًا فأولى إذا تزوجها على مدة إجازتها أن يكون فاسدًا إلا أنه بطل في أقوى الحالين كان بطلانه في أضعفهما أولى, فأما الخبر الذي استدلوا به فضعيف والمشهور من الرواية أنه رد نكاحها ولم يخيرها, لو سلمنا أنه خيرها لكان محمولًا على وقت الفسخ لا وقت الإمضاء لأن أباها قد كان زوجها بغير كفء.
وأما استدلالهم بوقف الوصية والتصدق باللقطة, فالوصية يجوز وقفها لجواز بالمجهول والمعدوم وليس كالنكاح والبيع الباطلين على المجهول والمعدوم, وأما التصدق باللقطة فلا يجوز وقفه, بل إن لم يتملك اللقطة كانت في يده أمانة لا يجوز أن يتصدق بها, وإن تملكها فتصدق بها كانت عن نفسه, وإذا لم يعلم الأجل بطل القياس.
وأما استدلالهم بجواز وقف النكاح على الفسخ فكذلك على الإجازة باطل؛ لأن الموقوف على الفسخ فقد تعلقه عليه أحكام النكاح فصح الموقوف على الإجازة وقد انتفت عنه أحكام النكاح فبطل, وأما استدلالهم بوقفه بعد البذل وقبل القبول فغير صحيح؛ لأنا نمنع من وقف العقد وهو قبل تمامه بالبذل والقبول ليس بعقد فلم يجز أن يستدل بوقف ما ليس يلزم على وقف عقد يلزم والله أعلم مسألة: قال الشافعي: "والاستثمار للبكر على استطابة النفس قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ﴿وَشَاوٍرْهُم فيِ الَأمْرِ﴾ [آل عمران:159] لا على أن لأحد رد ما رأى صلى الله عليه وسلم ولكن لاستطابة أنفسهم وليقتدي بسنته فيهم وقد أمر نعيمًا أن يؤمر أم بنته".
قال في الحاوي: أما الثيب فاستئذانها واجب؛ لأنها أحق بنفسها من وليها, وإذنها يكون بالقول الصريح, وأما البكر فيلزم غير الأب والجد أن يستأذنها, سواء كانت صغيرة أو كبيرة؛ لأنه يجوز له إجبارها, وقال أبو حنيفة وداود: يلزمه استئذانها استدلالًا

بقوله صلى الله عليه وسلم: "والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها".
والدليل على استئذان الأب لها لا يجب وإنما يستحب ما قدمناه من جواز إجبارها على النكاح صغيرة وكبيرة, وما رواه صالح بن كيسان عن ابن جبير ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس للولي مع الثيب أمر" واليتيمة وصمتها إقرارها فلما خص اليتيمة بالاستثمار وهي التي لا أب لها دل على أن ذات الأب لا يلزم استثمارها.
فأما قوله: "والبكر تستأمر في نفسها" فيحمل مع غير الأب على الإيجاب ومع الأب على الاستحباب كما أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بمشاورة أمته فقال تعالى: ﴿وشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْر﴾ [آل عمران: 159] لا على أن لأحد رد ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الشافعي: "ولكن على استطابة أنفسهم وليقتدوا بسنته فيهم" واختلف فيما أمر بمشاورتهم فيه, فقال قوم: في الحرب ومكائد العدو خاصة, وقال آخرون: في أمور الدنيا دون الدين, وقال آخرون: في أمور الدين تنبيهًا لها على علل الأحكام وطريق الاجتهاد, وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم: "أمر نعيمًا أن يؤامر أم ابنته".
وقال: "وأمروا الأمهات في بناتهن" وإنما ذلك على استطابة أنفسهن لا على وجوب استثمارهن, وكذلك استثمار الأب للبكر على استطابة النفس لا على الوجوب.
فرع: فإذا ثبت أن استثمار الأب لابنته البكر استحبابًا فإذنها يكون بالصمت دون النطق, بخلاف الثيب لقوله صلى الله عليه وسلم: "وصمتها إقرارها" وروى ثابت البناني عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خطب إليه إحدى بناته دنا من الخدور وقال: "إن فلانًا خطب فلانة" فإن هي رضيت سكتت فكان سكوتها رضاها, وإن هي أنكرت طعنت في الخدر فكان ذلك منها إنكارًا فلا يزوجها, ولأن البكر أكثر خفرًا وتخدرًا من الثيب فهي تستحي مما لا تستحي منه الثيب من التصريح بالرغبة في الأزواج, فجعل سكوتها إذنًا ورضًا, ولم يجعل إذن الثيب إلا نطقًا, فأما من عدا الآباء من الأولياء مع البكر فعليهم استثمارها؛ لأنه لا يجوز لهم إجبارها وإذنها معهم الصمت كإذنها مع الأب.
وقال بعض أصحابنا: إذنها معهم بالنطق الصريح كالثيب بخلافها مع الأب؛ لأنها لما كانت معهم في وجوب الاستثمار كالثيب وجب أن يكون إذنها نطقًا صريحًا كالثيب, وهذا خطأ لما قدمناه من عموم الأخبار, ولما ذكرناه من كثرة الاستحياء, ولعل حياءها من غير الأب أكثر لقلة مخالطته, فكان إذنها معهم بأن يكون صمتها أولى, وهكذا السلطان مع البكر كالعصابات إذا فقدوا لا يزوجوها إلا بعد بلوغها بإذنها وإذنها معه

الصمت, وسواء كانت البكر ممن قد تزوجت مرة وطلقت قبل الدخول, أو لم تتزوج قط إذا كانت البكارة باقية في أن حكمها ما ذكرناه مع الأب والعصبات.
مسألة: قال المزني رحمه الله: وروى عن الشافعي عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" ورواه غير الشافعي عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم".
قال في الحاوي: وهذا صحيح الشهادة في النكاح واجبة, وقال داود: غير واجبة, وبه قال من الصحابة عن علي بن أبي طالب, وعبد الله بن الزبير, وعمر, وعبد الله بن عباس, ومن التابعين: سعيد بن المسيب, والحسن البصري, والنخعي, ومن الفقهاء: أبو حنيفة, والثوري, وأحمد بن حنبل, ومال, وأبو ثور, غير أن مالكًا جعل الإشهاد به وترك التراخي يكتمه شرطًا في صحته, واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:3] فكان على عمومه وكما رواه عباد بن سنان أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ألا أنكحك آمنة بنت ربيعة بن الحارث؟ قال: بلى قد أنكحتها ولم يشهد, ولما روي أن عليًا زوج بنته أم كلثوم من عمر ولم يشهد, قالوا: ولأن العقود نوعان: عقد على عين كالبيع, وعقد على منفعة كالإجارة وليست الشهادة شرطًا في واحد منهما مكان النكاح ملحقًا بأحدهما.
واستدل مالك خصوصًا في وجوب الإشهار بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أعلنوا هذا النكاح واضربوا عليه بالدف" وبما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن نكاح السر.
ودليلنا ما رواه الحسن عن عمران بن الحصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا نكاح إلا بولي وشاهدين", وروي عن ابن مسعود عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا نكاح إلا بولي وشاهدين".
وروى هشام بن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لابد من النكاح من أربعة: زوج وولي وشاهدي عدل" ولأن النكاح لما خالف سائر العقود في تجاوزه عن المتعاقدين إلى ثالث وهو الولد الذي يلزم حفظ نسبه خالفها في وجود الشهادة عليه حفظًا لنسب الولد الغائب لئلا يبطل نسبه فيجاهد الزوجين وفي هذا انفصال لما ذكروه من الاستدلال في إلحاقه إما بعقود الأعيان أو بعقود المنافع.
فأما الجواب عن الأول: فهو أن المقصود بها من يستباح من المنكوحات ولم يرد في صفات النكاح, وأما الجواب عن تزويج النبي صلى الله عليه وسلم آمنة بنت ربيعة ولم يشهد وتزويج

علي بنته أم كلثوم بعمر بن الخطاب ولم يشهد هذا فجواب واحد وهو أنه حضر العقد شهود لم يقل لهم: اشهدوا إذ يبعد أن يخلو من مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في حال بروزه من حضور نفسين فصاعدًا وكذلك حال عمر مع علي عليهما السلام لا يخلو أن يحضره نفسان وإذا حضر العقد شاهدين بقصد أو اتفاق صح العقد بهما وإن لم يقل لهما اشهدا فكم يكن في الخبر دليل لأن قول الراوي: لم يشهد أي لم يقل لمن حضر اشهدوا وكيف يصح ذلك عن عمر وقد روي عنه أنا رد نكاحًا حضره رجل وامرأة فقال: هذا نكاح السر ولا أجيزه ولو تقدمت فيه لرجمت فيه تأويلان: أحدهما: يعني لو تقدمت فيه فخولفت.
والثاني: يعني لو تقدمت بالواجب وتعديت إما ليس بجائز لرجمت, وأما استدلال مالك بقوله عليه السلام: "وأعلنوا هذا النكاح واضربوا عليه بالدف" ففيه جوابان: أحدهما: أن إعلانه يكون بالشهادة وكيف يكون مكتومًا ما شهده الشهود أم كيف يكون معلنًا ما خلا من بينة وشهود.
والجواب الثاني: أن يحمل إعلانه على الاستحباب كما حصل ضرب الدف على الاستحباب دون الإيجاب لمن كان في ذلك العصر, وإن كان في عصرنا غير محمول على الاستحباب ولا على الإيجاب وأما نهيه عن نكاح السر فهو النكاح الذي لم يشهده الشهود ألا ترى أن عمر رد نكاحًا حضره رجل وامرأة وقال: هذا نكاح السر ولا أجيزه.
وقال الشاعر: وسرك ما كان عند أمري وسر الثلاثة غير الخفي فصل: فإذا ثبت وجوب الشهادة في النكاح وأنها شرط في صحته فلا ينعقد إلا بشاهدين ولا ينعقد بشاهد وامرأتين.
وقال أبو حنيفة: ينعقد بشاهد وامرأتين استدلالًا بقول الله تعالى: ﴿فَإن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة:282] فكان على عمومه ولأنه عقد معاوضة فصح بشاهد وامرأتين كسائر العقود.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق:2] فلما بالمرجعة بشاهدين وهي أخف حالًا من عقد النكاح كان ذلك في النكاح أولى, وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا نكاح إلا بولي وشاهدين" فإن قيل: فإذا جمع بين المذكر والمؤنث غلب في اللفظ المذكر على المؤنث فلم يمنع جمع الشاهدين من أن يكون شاهدًا وامرأتين, قيل: وهذا وإن صح في الجمع؛ لأن المذكر والمؤنث بلفظ التثنية يمنع من

حمله على الجمع؛ لأن من أهل اللغة من يحمل الجمع على التثنية وليس فيهم ولا في الفقهاء من يحمل التثنية على الجمع فإن حمله على شاهد وامرأة خالف مذهبه وقول الأمة وإن حمله على شاهد وامرأتين خالف لفظ التثنية إلى الجمع, ولو أن رجلًا قال: رأيت رجلين وقد رأى رجلًا وامرأتين لم يصدق في خبره فبطل ما ناولوه, من القياس: أن الفروج يا يسوغ فيها البذل والإباحة فلم يستبح بشهادة النساء كالقصاص؛ ولأن ما خص من بين جنسه بشاهدين لم يجز أن يكون ولا أحدهما امرأة كالشهادة على الزنا ولأن من لم يكونوا من شهود النكاح بانفرادهم لم يكونوا شهوده مع غيرهم كالعبيد والكفار, فأما الآية فمحمولة على الأموال لتقدم ذكرها ولتخصيص عمومها بما ذكرناه فأما القياس على سائر العقود فمردودة بما فرق الشرع بينهما في وجوب الشهادة, والله أعلم.
فصل: فإذا تقرر أن النكاح لا يصح إلا بشاهدين من الرجال دون النساء فلا يصح حتى يكونا عدلين, وقال أبو حنيفة: يصح بفاسقين استدلالًا بأن حضورهما للعقد إنما هو حال فحمل الشهادة وعدالة الشهود إنما يراعى وقت الأداء لا وقت التحمل, ألا ترى لو تحمل بشهادة صبي ثم بلغ أو عبد ثم أعتق أو كافرًا ثم أسلم قبلت شهادتهم اعتبارًا بحالهم وقت الأداء لا وقت التحمل, كذلك شهادة الفاسقين في النكاح, وتحريره: أنه تحمل شهادة على عقد فجاز أن يصح من الفاسقين قياسًا على سائر العقود؛ ولأن من كان شرطًا في عقد النكاح لم يراع فيه العدالة كالزوجين, ولأنه لم يصح النكاح بشهادة عدوين لا تقبل شهادتهما على الزوجين صح أن تنعقد بشهادة فاسقين.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ﴾ [الطلاق:2] فلما شرط العدالة على الرجعة وهي أخف كان اشتراطها في النكاح المغلط أولى, وروى الحسن عن عمران بن الحصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" ورواه ابن عباس وعائشة؛ ولأن موضع وجبت فيه الشهادة اعتبرت فيه العدالة كالحقوق ولأن كل نقص يمنع من الشهادة في الأداء وجب أن يمنع انعقاد النكاح بها كالرق والكفر, ولأن كل ما لم يثبت بشهادة العدوين لم يثبت بشهادة الفاسقين كالأداء, فأما استدلاله بأن حضور العقد حال تحمل لا يراعى فيه العدالة فخطأ؛ لأن الشهادة في عقد النكاح إن كانت تحملًا فهي تجري بجري الأداء من وجهين: أحدهما: وجوبها في العقد كوجوبها في الأداء.
والثاني: أن يراعى فيه حرية الشهود وإسلامهم وبلوغهم كما يراعى في الأداء وإن لم تراع في تحمل غيره من الشهادات, فكذلك الفسق, وأما الجواب عن قياسه على فسق الزوجين, فهو أن العدالة تراعى في الشاهدين وإن لم تراع في العاقدين؛ ولأنه لما روعي

حرية الشاهدين وإن لم يراع حرية الزوجين كذلك فسق الشاهدين, وأما قياس على شهادة العدوين فمذهبنا في انعقاد النكاح بهما ما نذكره من اعتداد حالهما, فإن كانا عدوين لأحد الزوجين دون الآخر انعقد النكاح بهما؛ لأن شهادتهما في الأداء قد تقبل على من ليس له عدوين, خالفًا الفاسقين إذ لا تقبل شهادتهما لأحد الزوجين بحال, وإن كانا عدوين للزوجين معًا ففي انعقاد النكاح بهما وجهان لأصحابنا: أحدهما: لا تنعقد كالفاسقين؛ لأن الأداء لا يصح منهما على أحد الزوجين بحال.
والوجه الثاني: هو ظاهر ما تنص عليه الشافعي في "كتاب الأم" أن النكاح بهما منعقد وإن لم يصح منهما أداؤه بخلاف الفاسقين, والفرق بينهما: أن الفاسقين لا يصح منهما أداء هذه الشهادة صح منهما أداء غيرها من الشهادات وهذا لو كان الشاهدين ابني الزوجين كانا كالعدوين, لأن الولد لوالده مردودة كما أن شهادة العدو على عدوه مردودة, فإن كانا ابني أحد الزوجين انعقد النكاح بهما لإمكان أداء الشهادة لأحدهما, وإن كان أحدهما ابن الزوج والآخر ابن الزوجة ففي انعقاد النكاح بهما الوجهان الماضيان.
ومن أصحابنا من منع من انعقاد النكاح بكل حال, وفرق بينهما وبين العدوين بأن فيهما بغضيه لا تزول وليست كالعداوة التي قد تزول, والله أعلم بالصواب.
مسألة: واحتج الشافعي بابن عباس أنه قال: "لا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدي عدل" وأن عمر رد نكاحًا لم يشهد عليه إلا رجل وامرأة فقال: "هذا نكاح السر ولا أجيزه ولو تقدمت فيه لرجمت" وقال عمر رضي الله عنه: "لا تنكح المرأة بإذن وليها أو ذي الرأي من أهلها أو السلطان قال الشافعي: والنساء محرمات الفروج فلا يحللن إلا بما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم فبين "وليا وشهودًا وإقرار المنكوحة الثيب وصمت البكر".
قال في الحاوي: وهذا كما قال رشد الولي في النكاح شرط في صحة عقده فإن كان الولي فاسقًا بطل عقده على الظاهر من مذهب الشافعي والمشهور من قوله سواء كان الولي ممن يجبر على النكاح كالأب أو ممن لا يجبر كالعصبات, وقال أبو إسحاق المروزي: إن كان الولي ممن يجبر كالأب بطل عقده بالفسق وإن كان ممن لا يجبر كالعصبات لم يبطل عقده بالفسق لأنه يكون مأمورًا كالوكيل, وقال أبو حنيفة: فسق الوالي لا يبطل عقده وبه قال بعض أصحاب الشافعي وحكاه قولًا عنه استدلالًا بعموم قوله تعالى: ﴿وأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ والصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وإمَائِكُمْ﴾ [النور: 32]؛ ولأن من تعين في عقد النكاح لم يعتبر فيه العدالة كالزوج, ولأن كل من جاز أن يقبل النكاح لنفسه جاز

أن يلي على النكاح غيره كالعدل؛ ولأنه لما جاز للفاسق تزويج أمته جاز له تزويج وليته, ولأنه لما جاز أن يكون الكافر وليًا في نكاح ابنته فأولى أن يكون الفاسق وليًا في نكاح ابنته.
ودليلنا: ما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدي عدل, وأيما امرأة أنكحها ولي مسخوط عليه فنكاحها باطل".
ورواه عن ابن عباس موقوفًا عليه, فإن قيل: فقوله "مرشد" ولم يقل رشد يقتضي أن يوجد منه فعل الرشد في غيره وإن كان غير موجود في نفسه, وهو إذا زوجها بكفء كان مرشدًا وإن لم يكن رشيدًا.
قيل: هذا تأويل من يفسد من وجهين: أحدهما: أنها صفة مدح تتعدى عنه إلى غيره ومن ليس برشيد لا يتوجه إليه مذمة ولا يتعدى عنه رشد.
والثاني: أن في الخبر الآخر في قوله: "وأيما امرأة ولي مسخوط عليه فنكاحها باطل" ما يبطل هذا التأويل, ولأنه نقص يمنع من الشهادة فوجب أن يمنع من الولاية, كالرق, ولأنها ولاية تمنع منها الرق فوجب أن يمنع منها الفسقة كالولاية على المال, ولأن من تولى عقد النكاح في حق غيره منع الفسق من عقده كالحاكم, فأما الجواب على الآية فهو: أنها خطاب إما للأزواج فلا يكون فيها دليل أو للأولياء وليس الفاسق بولي.
وأما قياسه على الزوج فالمعنى في الزوج: أنه يتولى في حق نفسه فلم يعتبر رشده كما لم تعتبر حريته وإسلامه والولي يتولاه في حق غيره, فاعتبر رشده كما اعتبرت حريته وإسلامه, وأما قياسه على العدل فالمعنى في العدل: أنه لما صحت ولايته على المال صحت ولايته على النكاح والفاسق بما بطلت ولايته على المال بطلت ولايته على النكاح وأما استدلالهم بعقد الفاسق على أمته فالمعنى فيه أنه يعقده في حق نفسه ألا تراه يملك المهر دونها فلم تعتبر فيه العدالة كالزوجين والولي يعقده في حق غيره فاعتبرت فيه العدالة كالحاكم, وأما ولاية الكافر فلأنه عدل في دينه ولو كان فاسقًا في دينه وبين أهل ملة أبطلنا ولايته وكذا كالفاسق في ديننا.
فرع: فإذا ثبت أن ولاية الفاسق في النكاح باطلة, فالولاية, تنقل عنه إلى من هو أبعد منه فإن زال فسقه عادت الولاية إليه, وانتقلت عمن هو أبعد منه فلو زوجها الأبعد بعد عدالة الأقرب, فإن كان عالمًا بعدالة الأقرب أو علمت الزوجة بها أو الزوج كان [الزوج] باطلًا,

وإن لم يعلم واحد منهم بعدالة الآخر حتى عقد العقد وجهان: أحدهما: باطل.
والثاني: جائز بناء على اختلاف الوجهين في الوكيل إذا عقد بعد عزل موكله قبل علمه.
فصل: فلو أن هذا الولي الفاسق وكل وكيلًا عدلًا كانت وكالته باطله؛ لأن الفسق قد زالت عنه الولاية فلم يصح منه الوكالة ولكن لو كان الولي عدلًا فوكل وكيلًا فاسقًا ففيه ثلاثة أوجه: أحدهما: لا يجوز لأنه أبطل الفسقه ولاية الولي مع قوتها كانت أولى أن يبطل ولاية الوكيل مع ضعفها.
والثاني: يجوز ويصح عقده لأنه مأمور والولي من ورائه لاستدراك ذلك.
والثالث: أنه إن كان وكيلًا لولي غيرها على النكاح كالأب بطلت وكالته بفسقه لأنه لا يلزمه استئذانه فصارت ولاية تفويض, وإن كان وكيلًا لمن لا يجبرها على النكاح صحت وكالته لأنه لا يعقد إلا عن استئذانها.
فرع: فلو كان الولي أعمى ففي صحة ولايته وجواز عقده وجهان: أحدهما: وهو قول ابن أبي هريرة لا تصح ولايته؛ لأن العمى يمنعه من طلب الحظ لوليته.
والثاني: أن ولايته ثابتة وعقده صحيح؛ لأن شعيب زوج موسى بابنته وكان ضريرًا, ولأنه قد يصل إلى معرفة الحظ بالبحث والسؤال, لأن معرفة الحظ لا توصل إليه بالمشاهدة والعيان, فإن قيل بهذا الوجه صح عقده وتوكيله, وإن قيل بالوجه الأول: إنه لا يصح عقده فهل يصح توكيله فيه أم لا؟ على وجهين: أحدهما: لا يصح توكيله لأنه لما لم تصح منه مباشرته كان بأن لا تصح عنه الاستنابة أولى.
الثاني: يصح منه التوكيل فيه وإن لم تصح منه المباشرة له بنفسه كبيعه وشرائه لا يصح منه أن يتولاه بنفسه ويصح أن يوكل فيه.
فرع: فلو كان الولي أخرسًا ففي صحة ولايته وجواز عقده وجهان: أحدهما: أن ولايته باقية وعقده صحيح لأنه قد يصل إلى معرفة الخط وقد تقوم إشارته فيه مقام النطق كما يقوم مقامه في حق نفسه فعلى هذا يصح منه أن يتولاه بنفسه وأن يوكل.

والثاني: لا يصح منه العقد لأن إشارته محتمله وإذا أقيمت في حق نفسه لضرورة مقام نطق لم تدع الضرورة إلى ذلك في حق غيره فعلى هذا لا يصح منه التوكيل وجهًا واحدًا لأن المعنى في احتمال الإشارة موجودة في توكيله لوجوده في عقده فلم يصحا منه والله أعلم.
فرع: فأما إن كان الولي عدوًا للزوجة أو الزوج أو لهما فهو على ولايته وعقده صحيح بخلاف الشهود في أحد الوجهين لأن المقصود من الولي مباشرة العقد ومن الشهود الأداء, والعداوة تمنع من الأداء ولا تمنع من العقد, فإن قيل: فإذا كان عدوًا لهما وضعهما في غير كفء قيل: رشده وما يخافه من لحوق العار به يمنع هذا التوهم.
فرع: فإن كان الولي محجورًا عليه بالفلس, فإن قيل: إن حجره جاري مجرى المرض كان على ولايته, وإن قيل: إنه يجري مجرى حجر السفه ففي ولايته وجهان: أحدهما: لا ولاية له كالسفيه.
الثاني: وهو الأصح أنه على ولايته؛ لأن حجره وإن جرى مجرى السفه في ماله لم يجر مجراه في عدالته, والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي: "والشهود على العدل حتى يعلم الجرح يوم وقع النكاح".
قال في الحاوي: والعدالة المعتبرة في شهود النكاح عند عقده هي عدالة الظاهر, بخلاف الشهادة في إثبات الحقوق عند الحاكم التي يراعى فيها الظاهر والباطن, والفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن في إثبات الحقوق عند الحكام خصمًا جاحدًا فاستكشف لأجله عن عدالة الباطن وليس في عقد النكاح هذا المعنى فلم تعتبر إلا عدالة الظاهر.
والثاني: أن الحاكم يقدر من استبرأ العدالة في الباطن ما لا يقدر عليه الزوجان فسقط اعتبار ذلك عنهما وإن لم يسقط عن الحاكم, وإذا كان ذلك فعدالة الظاهر اجتناب الكبائر والإقلال من الصغائر فإذا عقد الزوجان نكاحًا بشاهدين لم يخل حالهما من أربعة أقسام: أحدهما: أن يكونا عدلين في الظاهر والباطن معقد النكاح بهما صحيح لعدالة ظاهرهما وإثباته عند الحكام جائز لعدالة باطنهما.

والثاني: أن يكونا عدلين في الظاهر دون الباطن معقد النكاح بهما صحيح لعدالة ظاهرهما لكن إثباته عند الحكام لا يصح إلا باستبراء عدالة باطنهما فيكشف عن عدالة الباطن وقت الأداء لا وقت العقد, فإن صحت للحاكم حكم بشهادتهما في الأداء, وإن لم تصح لم يحكم بشهادتهما في الأداء.
والنكاح على حاله من الصحة ما لم يظهر منهما تقدم الفسق.
والثالث: أن يكونا فاسقين فالعقد باطل فلو ظهرت عدالتهما بعد العقد مع تقدم الفسق وقت العقد كان العقد على فساده.
والرابع: أن يكونا مجهولي الحال لا يعرف فيهما عدالة ولا فسق فهما على ظاهر العدالة والنكاح بهما جائز, لأن الأصل العدالة والفسق طارئ وهو معنى قول الشافعي: والشهود على العدل حتى يعلم الحرج يوم وقع النكاح وإذا صح العقد بهما مع الجهالة بحالهما لم يحكم الحاكم بهما من إثبات العقد عنده إلا بعد استبراء حالهما في الظاهر والباطن, فإذا استبرأهما لم يخل حالهما بعد الاستبراء من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يتبين له عدالة ظاهرهما وباطنهما فيحكم بها في صحة العقد وفي ثبوته.
والثاني: أن يتبين له عدالة ظاهرهما دون باطنهما فلا يحكم بهما في ثبوت العقد فإن شهد بعقد النكاح بهما شاهدًا عدل حكم حينئذ بثبوت العقد وصحته فيكون صحة العقد بهما بعدالة ظاهرهما وثبوته بشهادة غيرهما.
والثالث: أن يتبين له فسقهما فلا يخلو حال الفسق من ثلاثة أقسام: أحدهما: أن يتبين له وجود الفسق وقت العقد فالنكاح باطل.
والثاني: أن يتبين له حدوث الفسق بعد العقد فالعقد على الصحة ولا يفسد بحدوث فسقهما لكن لا يحكم بثبوته عنده إلا أن يشهد به عدلان أنه عقد بهما فيحكم حينئذ بثبوته, فإن قيل: فكيف يشهد بعقد النكاح بهما عدلان غيرهما؟ ولو حضره عدلان غيرهما لاستغنى بهما عن غيرهما, قيل: قد يجوز أن يقر الزوجان عند عدلين أنهما عقدا النكاح بهذين.
والثالث: أن يتبين له فسقهما في الحال ولا يعلم تقدمه ولا حدوثه والنكاح على الصحة لا يحكم بفساده لجواز حدوث الفسق مع سلامة الظاهر وقت العقد وهو معنى قول الشافعي: " حتى يعلم الجرح وقت العقد" وإذا لم يحكم بفساده لم يحكم بإثباته إلا بشهادة غيرهما.
فرع: فإذا أقر الزوجان عند الحاكم أنهما عقد النكاح بولي مرشد وشاهدي عدل حكم

عليهما بصحة النكاح على إقرارهما ولم يسأل عن عدالة الشاهدين ورشد الولي فلو تناكر الزوجان من بعد أو ادعى أحدهما سفه الولي وفسق الشاهدين ألزمه صحة النكاح بسابق إقراره ولم يؤثر فيه حدوث إنكاره فلو قال: أنا أقيم البينة بما ادعيت من سفه الولي وفسق الشاهدين لم يسمعهما منه, لأن إقراره على أولى من بدنه أكذبها به.
فرع: وإذا تصادق الزوجان أنهما عقداه بولي وشاهدي عدل, وقال الشاهدان: بل كنا وقت العقد فاسقين حكم بصحة النكاح بإقرار الزوجين ولم يلتفت إلى قول الشاهدين فلو اختلف الزوجان فقالت الزوجة: عقدناه بشاهدين فاسقين, وقال الزوج: عقدناه بشاهدين عدلين فقد اختلف أصحابنا على وجهين: أحدهما: وهو قول البغداديين أن القول قول الزوج أنهما عدلان والنكاح صحيح, لأنه مستصحب لظاهر العدالة.
والثاني: أن القول قول الزوجة إنهما فاسقان والنكاح باطل, لأنها مستصحبة أن لا نكاح بينهما, ولو قال الزوج: كان الشاهدان فاسقين وقالت الزوجة: كانا عدلين, فالنكاح قد ارتفع بينهما بإقرار الزوج ولكن في سقوط المهر وجهان: أحدهما: أن المهر لا يسقط تغليبًا لقول الزوجة لاستصحابها ظاهر العدالة.
والثاني: قد ظهر المهر تغليبًا لقول الزوج لاستصحابه أن لا عقد بينهما, والله أعلم.
فرع: فإذا تصادق الزوجان أنهما تناكحا بولاية الأب وأن الأب زوجها منه وأنكر الأب أن يكون زوجها فالنكاح ثابت بتصادقهما ولا يؤثر إنكار الأب أنه ما عقد بينهما, لأن الحق لهما لا للأب فلم يؤثر فيه إنكار الأب, وهكذا لو تصادقا أنهما عقداه بشاهدين هما زيد وعمرو فأنكر زيد وعمرو أن يكونا حضراه فالنكاح ثابت بتصادق الزوجين ولا يؤثر فيه إنكار الشاهدين لأن الحق فيه للزوجين دون الشاهدين.
فرع: لا يصح النكاح بحضور الشاهدين حتى يسمعا لفظ الولي بالبذل ولفظ الزوج بالقبول فيصح العقد فإن سمعا مع البذل والقبول ذكر الصداق شهدا به وبالعقد وإن لم يسمعا ذكر الصدق شهدا بالعقد دون الصداق ولا يجوز أن يشهدا بالصداق بظاهر الأخيار في مجلس العقد.

مسألة: قال الشافعي: "ولو كانت صغيرةً ثيبًا أصيبت بنكاح أو غير فلا تزوج إلا بإذنها".
قال في الحاوي: وهذا صحيح, والنساء ضربان: أبكار وثيب, فأما الأبكار فقد مضى حكمهن وسنذكره من بعد, وأما الثيب فضربان: عاقلة ومجنونة, فأما العاقلة فضربان: صغيرة وكبيرة فأما الكبيرة فلا يجوز إجبارها ولا تزويجها إلا باختيارها.
وعن إذنها سواء كان وليها أبًا أو عصبة, وإذنها النطق الصريح, وهذا متفق عليه, وأما الثيب الصغيرة فليس لأحد من أوليائها أبًا كان أو غيره أو يزوجها إلا بعد بلوغها وإذنها, فإن زوجها قبل البلوغ بإذن أو بغير إذن كان النكاح باطلًا, وقال أبو حنيفة: يجوز أن يزوجهاٍ أوليائها قبل البلوغ فإن زوجها أبوها فلا خيار لها إذا بلغت وإن زوجها غير أبيها من العصبات كانت بالخيار إذا بلغت بين المقام والفسخ, وقال أبو يوسف: لا خيار لها في تزويج العصبات كما لم يكن لها الخيار في تزويج الأب واستدلوا على جواز تزويجها قبل البلوغ بعموم قوله تعالى: ﴿وأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: 32] ولأن كل من ثبتت عليه الولاية في ماله جاز إجباره على النكاح كالبكر الصغيرة وكالغلام ولأن لها منفعتين استخدام واستمتاع فلما كان لولي العقد على استخدام منفعتها بالإجازة جاز له العقد على منفعة الاستمتاع بها كالنكاح.
وتحريره: أنها إحدى منفعتيها فجاز العقد عليها قبل بلوغها كالإجازة, ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: الثيب أحق بنفسها من وليها, فلم يكن له إجبارها لأنه يصير أحق بها من نفسه.
وقال صلى الله عليه وسلم: "ليس للولي مع الثيب أمر" فكان على عمومه في الصغيرة والكبيرة ولأن كل صفة خرج بها الولي عن كمال الولاية قبل البلوغ قياسًا على عتق الأمة لما كان حدوثه بعد البلوغ مانعًا من إجبارها على النكاح كان حدوثه قبل البلوغ مانعًا من إجبارها على النكاح كان حدوثه قبل البلوغ مانعًا من إجبارها وعليه ولأنه حرة سليمة ذهبت عدتها بجماع فلم يجز إجبارها على النكاح كالكبيرة, فأما الآية إن حملت على الأولياء فمخصوصة بما ذكرنا, وأما قياسهم على البكر والغلام اعتبارًا بالولاية على المال فلا يجوز اعتبار الولاية بالولاية على النكاح, لأن ولاية المال أوسع ثبوتها للوصي الذي لا ولاية له على النكاح ثم المعنى في البكر والغلام أنه لما لم يثبت لهما خيار جاز إجبارهم وليس كالثيب لثبوت الخيار لها عندهم وأما استدلالهم بمنفعة الاستخدام فالفرق بينهما وبين الاستمتاع أن مدة الاستخدام مقررة بأمر ينقضي يصل إلى مثل ذلك العقد بعد بلوغها ومدة الاستمتاع مؤيدة وهي لا تصل إلى مثل ذلك العقد بعد بلوغها فافترقا.

فرع: فأما الثيب المجنونة فلها حالتان: صغيرة وكبيرة فإن كانت كبيرة جاز لأبيها إجبارها على النكاح للإياس من صحة إذنها إلا أن يكون ممن تجن في زمان وتفيق في زمان فلا يجوز إجبارها لإمكان استئذانها في زمان إفاقتها وإنما يجوز إجبارها إذا طبق الجنون بها فإن لم يكن لهذه أب زوجها الحاكم ولا يكون لأحد من عصبتها تزويجها لأنها ملحقة بولاية المال الثابتة بعد الأب والجد والحاكم دون العصبة فإن كانت الثيب المجنونة صغيرة لم يجز لغير الأب والجد إجبارها من حاكم ولا عصبة, وهل للأب والجد إجبارها إذا كان ما يؤس البرء؟ على وجهين: أحدهما: له إجبارها قياسًا على ما بعد البلوغ وإنه ربما كان لها الزوج عفاف وشفاء.
والثاني: ليس له إجبارها قبل البلوغ وإن جاز له إجبارها بعد البلوغ لأنه برئها قبل البلوغ إرجاء والإياس منه بعد البلوغ أقوى فمنع من إجبارها ليقع الإياس من برئها.
فرع: فإذا ثبت ما ذكرنا من حكم الثيب وإنها مفارقة للبكر من وجهين: أحدهما: أن البكر تجبر والثيب لا تجبر.
والثاني: أن إذن البكر الصمت وإذن الثيب النطق وجب أن تصف الثيب بما تمتاز به عن البكر.
والثيب هي التي زالت عذرتها, وزوال العذرة على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يزول بوطء.
والثاني: أن تزول بطفرة أو جناية.
والثالث: أن تزول خلقة وهي أن تخلق لا عذرة لها, فأما القسم الأول وهو أو تزول عذرتها بوطء, فالوطء على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون حلالًا إما في عقد النكاح أو بملك يمين.
والثاني: أن يكون شبهة.
والثالث: أن يكون زنى حرامًا وجميع ذلك يزول به البكارة سواء كان الوطء نكاح أو سفاح ويجري عليها حكم الثيب.
وقال أبو حنيفة: إذا زالت عذرتها بزنا كان في حكم البكر إلا أن يتكرر منها استدلالًا بأن الزانية إذا تذكرت ما فعلت من الزنا خجلت واستحييت من التصريح بطلب الأزواج فكان حالها أسوأ حالًا من البكر, ولأن كل وطء لا يبيح الرجعة للزوج الأول لم يزل به حكم البكارة كالوطء في غير القبل, ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: " ليس للولي مع الثيب أمر"

فكان على عمومه, ولأن بكارتها زالت بوطء أن تكون في حكم الثيب كالموطوءة في نكاح, ولأن كل وطء زالت به البكارة إذا كان حلالًا زالت به البكارة, وإن كان محظورًا كوطء الشبهة, ولأن كل وطء زالت به البكارة إذا تكرر زالت به البكارة وإن لم يتكرر كالمنكوحة, وقد قال: إنه لو تكرر منها الزنا صارت ثيبًا, وكذلك إذا لم يتكرر, ولأن صمت البكر إنما صار إذنًا لاستحيائها بدوام الخفر وقلة اختيارها للرجال فتميزت عن الثيب التي قد ظهر خفرها وخبرت الرجال فصارت أقل حياء من البكر, والزانية لم تقدم على الزنا إلا لزوال الحياء وارتفاع الخفر فصارت أجرأ على القول وأخبر بالرجال من ذات الزوج, وفي هذا الاستدلال انفصال عما أورده, فأما قياسه مع انتفاضه بتكرار الزنا فالمعنى في الوطء في غير القبل بقاء العذرة مفارق الزنا الذي زالت به العذرة في الوطء من غير القبل.
فرع: وأما زوال العذرة بإصبع أو طفرة أو جناية غير الوطء فقد ذهب أبو على بن خيران من أصحابنا إلى أنه رفع حكم البكارة استدلالًا بمذهب وحجاج, فالمذهب أن الشافعي قال: "أصيبت بنكاح أو غيره" وأما الحجاج فهو: أن الحكم تابع للاسم فلما زال بذلك اسم البكارة وجب أن يزول به حكم البكارة جار عليها, لأن صمت البكر إنما كان نطقًا لما هي عليه من الحياء وعدم الخبرة بالرجال, وهذا المعنى موجود في هذه التي زالت عذرتها بغير وطء, فلما وجد معنى البكر فيها وجب أن يعلق بها حكم البكر وتعليق أحكام البكر بمعاني الأسماء أولى من تعليقها بمجرد الأسماء, وفيه انفصال وما ادعاه من المذهب فقد زال فيه, ولأن قول الشافعي: "أصيبت بنكاح أو غيره" يعني أو غير نكاح من شبهة أو زنا وقد صرح بذلك في كتاب "الأم", وأما التي زالت عنها عذرتها خلقة فلا خلاف أنها في حكم البكر وهذا مما يوضح فساد قول ابن خيران حيث اعتبر الحكم بمجرد الاسم, فإذا تقرر ما وصفنا أراد الولي نكاح المرأة فذكرت أنها بكر قبل قولها ما لم يعلم خلافه وأجرى عليها حكم البكر, فإن قالت: أنا ثيب قبل قولها, وإن لم يعلم لها زوج تقدم ولم يسأل عن الوطء الذي صارت به ثيبًا وأجرى عليها حكم الثيب, فلو زوجها الأب بغير إذن لاعتقاده أنها بكر فادعت بعد عقده أنها ثيب لم يقبل قولها في إبطال النكاح بعد وقوعه على ظاهر الصحة, لأن الأصل فيها البكارة, فإن أقامت أربع نسوة شهدن لها أنهن شاهدنها قبل النكاح ثيبًا لم يبطل العقد إمضاء لجواز أن تكون عذرتها بظفره, أو أصبع أو حلق.

مسألة: قال الشافعي رحمه الله: "ولا يزوج البكر بغير إذنها ولا يزوج الصغيرة إلا أبوها أو جدها بعد موت أبيها".
قال في الحاوي: اعلم أن نكاح البكر معتبرًا بأوليائها ونكاح الثيب معتبر بنفسها, لأن الثيب لا تزوج مع الأولياء إلا بإذنها والبكر يجبرها عليه بعض أوليائها, وإن كانت كذلك لم يخل ولي البكر من أن يكون أبًا أو عصبة فإن كان وليها أبًا وزوجها جبرًا سواء كانت صغيرة أو كبيرة عاقلة أو مجنونة وهكذا الجد بعد موت الأب يقوم في إجبارها مقام الأب لكن اختلف أصحابنا هل قام مقام الأب, لأنه مشارك له في اسم الأب, أو لأنه في معنى الأب على وجهين: أحدهما: لأنه مشارك له في الاسم لأنهما يسميان أبًا قال الله تعالى: ﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج:78].
والثاني: لأنه في معنى الأب وإن لم يشاركه في الاسم لما فيه من صفتي الأب التي تميز بها عن سائر الأولياء, وهما الولادة, والتعصب.
فبالولادة تميز عن الإخوة وبالتعصب تميز عن الجد للأم, وإن كان ولي البكر عصبة روعي حالها حينئذ, فإن كانت صغيرة لم يكن لأحد من عصابتها تزويجها, سواء كانت عاقلة أو مجنونة, وإن كانت كبيرة زوجها أقرب عصبتها إن كانت عاقلة باختيارها وعن إذنها, وإن كانت مجنونة لم يزوجوها, لأن تزويجها في الجنون معتبر بالنظر في مصالحها ولا نظر للعصبات في مصالحها, ولذلك لم يكن لهم ولاية في حالها, وإن كان ولي البكر الحاكم, فإن كانت صغيرة لم يكن له تزويجها عاقلة كانت أو مجنونة, لأنها ليست من أهل المناكح فتزوج ولا من أهل الاختيار فتستأذن, وإن كانت كبيرة نظر, فإن كانت عاقلة لم يكن للحاكم تزويجها إلا بإذنها وإن كانت مجنونة زوجها إذا رأى ذلك صلاحًا لها, وإن لم يكن للعصبة تزويجها في حال جنونها, والفرق بينهما: أن للحاكم نظر في مصالحها شارك به الأب وفارق به العصبة, ولذلك ولي على مالها وإن لم يلي عليه العصبة.
فرع: وإذا كان لرجل ابن وله بنت ابن آخر, فأراد أن يزوج ابن ابنه بنت ابنه, فإن كان أبواهما باقيين لم يكن له تزويجهما, لأنه لا ولاية للجد مع بقاء الأب, وإن كان أبواها ميتين فإن كان ابن ابنة بالغًا فليس له إجبار على النكاح, فإن كانت بنت ابنه ثيبًا فليس له إجبارها على النكاح, وإن كان ابنه صغيرًا أو بنت ابنه بكرًا فله إجبار كل

واحد منهما على الانفراد, فإن أراد تزويج أحدهما بالآخر ففي جوازه جبرًا وجهان: أحدهما: لا يجوز تزويج أحدهما حتى يبلغ الابن فيكون هو القابل لنفسه, لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل نكاح لم يحضره أربع فهو سفاح" ولأن لا يتولى العقد من طرفيه كما لا يجوز لابن العم أن يزوج موليته لأن لا يصير متوليًا للعقد من طرفيه وهذا قول أبي العباس بن القاص وطائفة.
والثاني: يجوز للجد أن يفعل ذلك ويتولى العقد من طرفيه كما يجوز له فيما ينفق من مال على ابن ابنه إذا كان وليًا عليه أن يتولى العقد من طرفيه, وخالف ابن العم في تزويجه ابنة عمه إذا كان واليًا عليها من وجهين: أحدهما: أن ولاية الجد توجب الإجبار لقوتها, وولاية ابن العم, تمتع من الإجبار لضعفها.
والثاني: أن الجد في الطرفين عاقد لغيره وابن العم أحد الطرفين عاقد لنفسه, وهذا قول أبي بكر بن الحداد المصري وطائفه, فعلى هذا لا بد للجد من أن يتلفظ في عقد نكاحها بالإيجاب, فيقول: قد زوجت ابن ابن ببنت ابني وهل يحتاج فيه القبول أم لا؟ على وجهين: أحدهما: لا بد من أن يتلفظ فيه القبول فيقول: وقبلت نكاحها له, وهذا قول أبي بكر بن الحداد, ولأنه ذلك بولايتين فقام فيه مقام وليين فلم يكن بد فيه من لفظتين: أحدهما: إيجاب والآخر قبول.
والثاني: لا يحتاج أن يتلفظ فيه بالقبول, وهذا قول أبي بكر القفال, لأن الجد يقوم مقام وليين فقام لفظه مقام لفظين.
مسالة: قال الشافعي رحمه الله: "ولو كان المولى عليه يحتاج إلى النكاح زوجه وليه فإن أذن له فجاور مهر رد الفضل".
قال في الحاوي: المولى عليه بالسفه ممنوع من التزويج إلا بإذن وليه, لأن الحجر يمنع من التصرف في العقود, فإن لم يكن به إلى النكاح حاجة لم يجز له أن يتزوج, ولا لوليه أن يزوجه لما فيه من التزام المهر والنفقة لغير حاجه, وإن كان به إلى النكاح حاجه, إما بأن يرى يتوثب على النساء لفرط الشهوة, وأما بأن يحتاج إلى خادم وخدمة النساء له أرفق به فيجوز لوليه أن يزوجه, لأنه مندوب إلى القيام بمصالحه التي هذا منها وليصده بذلك عن واقعة الزنا الموجب للحد والمأثم, وإذا كان كذلك فوليه بالخيار بين أن يزوجه بنفسه وبين أن يأذن له في التزويج, فإن زوجه الولي جاز أن يعقد له النكاح على

من يختارها له من الأكفاء, ولا يلزمه استئذانه فيه, لأن ذلك من جملة مصالحه التي لا تقف على إذنه كما لا تقف على إذن ما عقده من بيع وشراء, ولا يزيد المنكوحة على مهر مثلها كما لا يزيد في عقود أمواله على أعواض أمثالها, فإن زوجه بأكثر من مهر المثل كانت الزيادة مردودة ولا تجب في مال السفيه ولا على وليه, وإن أذن له الولي في التزويج ليتولاه السفيه بنفسه جاز, فإن قيل: فهلا منع من مباشرة العقد بنفسه ولم يصح منه مع إذن وليه كما لم يصح منه عقد البيع وإن أذن فيه وليه؟ قيل: الفرق بين النكاح حيث صح منه أن يعقده بإذن الولي وبين البيع حيث يصح منه أن يعقده, وإن أذن فيه الولي من وجهين: أحدهما: أن المقصود بالحجر عليه حفظ المال دون النكاح فذلك لم يصح منه العقد في النكاح.
والثاني: أنه لما صح منه رفع النكاح بالخلع والطلاق من غير إذن فأولى أن يصح منه عقد النكاح بإذن ولما لم يصح منه إنزاله ملكه عن الأموال بالعتق والهبة بإذن ولا غير إذن لم يصح منه عقود الأموال كلها بإذن ولا غير إذن.
فرع: فإذا ثبت أنه يجوز أن يتولى عقد النكاح بنفسه بإذن وليه فقد اختلف أصحابنا, هل على وليه عند إذنه له في النكاح أن يعين له على المنكوحة أم لا؟ على ثلاثة أوجه: أحدهما: يلزمه أن يعين له غلى المنكوحة ليقطع اجتهاده في العقد حتى لا ينكح من يعظم مهرها.
والثاني: عليه أن يعين له على القبيلة أو العشيرة حتى لا ينكح من ذوي الأنساب الذي يعظم مهور نسائهم, وليس عليه أن يعين على المرأة من نساء القبيلة, لأن يقف على اختيار النفوس.
والثالث: أنه لا يلزمه أن يعين المنكوحة ولا على قبيلتها, لأنه ليس بأسوأ حالًا من العبد الذي يجوز إذا أذن السيد له في النكاح أن لا يعين له على المنكوحة ولا على قومها, فأولى أن يكون السفيه مثله في الإذن, فإذا نكح السفيه بمقتضى الإذن بمهر المثل فما دون لزمه المهر والنفقة في ماله أن ينكح بأكثر من مهر المثل صح النكاح بمهر المثل وكانت الزيادة مردودة لا تلزمه في وقت الحجر ولا بعد فكه عنه وخالف العبد الذي إذا نكح بإذن السيد وزاد على مهر المثل كانت الزيادة في ذمته يؤديها بعد عتقه والرفقة بينهما أن الحجر على السفيه حفظ ماله عليه فلو لزمته الزيادة بعد فك الحجر عنه لم يكن ماله محفوظًا عليه والعبد إنما حجر عليه لأجل سيده وحفظ ما يستحقه السيد من كسبه فإذا لزمته الزيادة بعد عتقه سلم حق السيد وصار ماله محفوظًا عليه.

فرع: فأما إذا نكح السفيه بغير إذن وليه فهذا على ضربين: أحدهما: أن لا يكون قد أعلمه وليه ولا استأذنه فمنعه فنكاحه باطل, لأن ثبوت الحجر يمنع من جواز التصرف في العقد, فعلى هذا إن لم يدخل بها فرق بينهما ولا شيء عليه, وإن دخل بها فرق بينهما, ثم ينظر فإن كانت عالمة بحجره فلا مهر عليه في حال الحجر ولا بعد فك الحجر, وتصير كالمبرئة منه لعلمها بحجره, وإن لم تكن عالمة بحجره فليس عليه في حال الحجر دفع المهر, لأنه تصرف منع الحجر منه وفي لزومه له بعد فك الحجر عنه وجهان: أحدهما: يلزمه دفعه بعد فك حجره لئلا يصير ممتنعًا ببعضها من غير بدل.
والوجه الثاني: لا يلزمه دفعه بعد فكاك الحجر عنه كما لم يلزمه قبل فكه عنه ليكون ماله بالحجر محفوظًا عليه, كما لم تلزمه الزيادة على مهر المثل لهذا المعنى, وليس جهلها بحاله عذرًا, لأنه قد كان يمكنها أن تستعلم فتعلم.
والضرب الثاني: أن يكون السفيه قد سأل وليه النكاح فمنعه واستأذنه فلم يأذن له ففي نكاحه وجهان: أحدهما: باطل لتأثير الحجر في عقوده, فعلى هذا يكون الكلام في المهر على ما مضى.
والوجه الثاني: أن النكاح جائز لأنه حق على الولي, فإذا منعه منه جاز أن يستوفيه بنفسه كالدين إذا منع صاحبه منه جاز إن يستوفيه بنفسه, فعلى هذا يكون النكاح كالمأذون فيه ويدفع مهر المثل والنفقة من ماله.
فرع: فأما المجنون فعلى ضربين: أحدهما: أن يكون مستدام الجنون لا يفيق في شيء من زمانه, فهذا ينظر في حاله, وإن لم يكن به إلى النكاح حاجة لم يكن لوليه أن يزوجه, ولا أن يوجب في ماله عزم النفقة والمهر في غير حاجة, وإن كان به إلى النكاح حاجة وذلك في أحد الحالين: إما أن يرى يتوثب على النساء لفرك شهوة, وإما أن يحتاج إلى خدمة النساء, والزوجة أرفق به فيجوز لوليه أن يزوجه بنفسه, ولا يجوز للولي أن يرد العقد إليه ليتزوج بنفسه بخلاف السفيه, لأن السفيه مكلف يتعلق بقوله حكم, والمجنون غير مكلف لا يتعلق بكلامه حكم.
والضرب الثاني: أن يكون المجنون ممن يجن في زمان ويفيق في زمان فهذا على أضرب: أحدهما: أن يكون زمان جنونه أكثر من زمان إفاقته فيجوز لوليه إذا رآه محتاجًا إلى

النكاح أن يزوجه في زمان جنونه, ولا يرد العقد إليه الذي طبق به الجنون, ويجوز له أن يزوجه في زمان إفاقته وأن يرد العقد إليه كالسفيه, لأن الحجر عليه قبل زمان إفاقته لا يرتفع لكن يكون حكمه في زمان الجنون حكم الحجر بالجنون وفي زمان الإفاقة حكم بالحجر بالسفه.
والثاني: أن يكون زمان إفاقته أكثر من زمن جنونه فالحجر يرتفع في زمان الإفاقة ولا يجوز لوليه أن يزوجه في حال جنونه لما يرجى إفاقته ويجوز له أن يزوج بنفسه في زمان إفاقته من غير إذن وليه ولا يجوز لوليه أن يزوجه في إفاقته لارتفاع حجزه.
والثالث: أن يتساوى زمان جنونه وزمان إفاقته, ففي أغلبها حكمًا وجهان: أحدهما: أن حكم الجنون اغلب تغليبًا لحكم ثبوت الحجر, فعلى هذا يكون حكمه كالضرب الأول: فيمن كثر زمان جنونه وقل زمان إفاقته.
والثاني: أن حك الإفاقة أغلب تغليبًا لأصل السلامة, فعلى هذا يكون حكمه كالضرب الثاني فيمن كثر زمان إفاقته وقل زمان جنون.
مسألة: قال الشافعي: "ولو أذن لعبده فتزوج كان لها الفضل متى عتق".
قال في الحاوي: وهذا كما قال, ليس للعبد أن يتزوج بغير إذن سيده لرواية عطاء عن جابر, أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أيما عبد نكح بغير إذن مواليه فهو عاهر", والعاهر: الزاني, فشبه بالزاني لتحريم عقده, وإن لم يكن زانيًا في الحكم, ولأن السيد مالك لمنافعه وأكسابه فلم يكن له تفويتها بتزويجه, فإن تزوج بإذن سيده كان النكاح جائزًا, لأن مستحق الحجر قد رفعه بإذنه فعاد إلى جواز تصدقه, وإن تزوج بغير إذن سيده كان نكاحه باطلًا, وقال أبو حنيفة: يكون موقوفًا على إجازة السيد.
وقال مالك: نكاحه جائز وللسيد فسخه عليه, والدليل عليها رواية نافع عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا نكح العبد بغير إذن سيده فنكاحه باطل ". وقد روي هذا الخبر موقوفًا على ابن عمر.
ولأن الحجر المانع من جواز المناكح يمنع من صحتها كالجنون, فإذا تقرر أن نكاح العبد بغير إذن سيده باطل وبإذنه جائز, فللسيد إذا أذن لعبده في النكاح حالتان: إحداهما: أن يعين له على المنكوحة فلا يجوز له أن يتجاوزها, فإن نكح غيرها

كان نكاحًا بغير إذن.
والحال الثانية: أن لا يعين على المنكوحة ويكون إذنه مطلقًا فيجوز, بخلاف السفيه الذي يلزم الوطء, أن يعين على المنكوحة, والفرق بينهما: أن العبد من أهل الاختيار والتصدق في العقود وليس السفيه من أهل الاختيار والتصرف أن العبد من أهل الاختيار والعبد بإذن سيده نظر في المهر فإن كان قدر مهر المثل كان في كسبه على ما سنذكره وإن كان أكثر من مهر المثل لزم قدر مهر المثل في كسبه ونالت الزيادة في ذمته حتى يعتق فيؤدي وفارق السفيه في إبطال الزيادة على مهر المثل بالمعنى الذي قدمناه, والله أعلم فصل: فأما إذا سأل العبد سيده أن يزوجه فعضله ومنعه نظر في العبد, فإن كان غير بالغ لم يجبر السيد على تزويجه؛ لأنه قبل البلوغ غير محتاج إلى النكاح, وإن كان بالغًا فعل يجبر السيد على تزويجه إن أقام على عضله ومنعه زوجه الحاكم أم لا؟ على قولين: أحدهما: أشار إليه في كتاب العرض بالخطبة أن السيد يجبر على تزويج العبد لما يدعو إليه من حاجته وكمال مصلحته وسكون نفسه فشابه ما يحتاج إليه من تمام قوته وكمال كسوته.
والقول الثاني: نص عليه في القديم والجديد وهو الصحيح أن السيد لا يجبر على تزويج عبده لأنه يجري مجرى الملاذ والشهوات ولا يلزم السيد تمكين عبده من ملاذه وشهواته.
فعلى تقدير القولين لو كان السيد مولى عليه لصغر أو سفه أو جنون, فإن قيل بالقول الأول: أن السيد يجبر على نكاح عبده لزم ولي السيد المولى عليه أن يزوج عبده إذا طلب النكاح وإن قيل بالقول الثاني أن السيد لا يجبر على تزويجه لم يكن لوليه أن يزوجه.
فصل: فأما إذا أراد السيد أن يجبر عبده على التزويج فإن كان العبد صغيرًا كان لسيده إجباره على النكاح ولأنه لما كان له إجبار ولده في صغره الذي لا ولاية له عليه بعد بلوغه فإجبار عبده في صغره أولى, وإن كان العبد بالغًا فهل للسيد إجباره على النكاح أم لا؟ على قولين: أحدهما: وهو قوله في القديم له إجبار عبده على النكاح لأنه لما ملك العقد على منافعه ورقبته جبرًا كان النكاح ملحقًا بأحدهما في عقده عليه جبرًا.
والقول الثاني: وهو قوله في الجديد أنه ليس للسيد إجبار عبده على النكاح لأنه يجري مجرى الملاذ والشهوات التي ليس للسيد إجبار عبده عليها, ولأن معقود الوطء الذي لا يجوز للسيد إجبار عبده عليه فكان النكاح بمثابه, وعلى القولين معًا لو كان

السيد مولى عليه لصغر أو سفه لم يكن لوليه إجبار عبده على النكاح قولًا لما في إجباره من إخراج المهر والنفقة من كسبه.
فصل: فأما المدبر فهو كالعبد في إجبار السيد له على النكاح, وفي إجبار السيد على تزويجه إذا أدعى إلى النكاح, وأما المكاتب فليس لسيده إجباره على النكاح, لما فيه من إلزامه المهر والنفقة في كسبه, وأما إذا دعي سيده إلى النكاح فهل يجبر السيد عليه؟ إن قيل: إنه يجبر على تزويج عبده فأولى أن يجبر على تزويج مكاتبه, وإن قلنا: إنه لا يجبر على تزويج عبده ففي إجباره على تزويج مكاتبه وجهان: أحدهما: لا يجبر عليه كما لا يجبر على تزويج عبده.
والوجه الثاني: أنه يجبر على تزويج مكاتبه وإن لم يجبر على تزويج عبده, والفرق بينهما أن اكتساب العبد لسيده فلم يجبر على تزويجه لما يلحقه من التزام المهر والنفقة واكتساب المكاتب لنفسه فأجبر السيد على تزويجه, لأنه لا يؤول إلى التزام المهر والنفقة.
فصل: فأما العبد إذا كان بين شريكين وليس له أن يتزوج بإذن أحدهما حتى يأذنا له جميعًا, فإن اتفقنا على تزويجه فهل لهما إجباره عليه أم لا؟ على قولين, وإن دعاهما إلى النكاح فهل يجبران على تزويجه أم لا؟ على قولين وأما إن كان نصف العبد حرًا ونصفه مملوكًا فليس لسيده أن يجبره على النكاح؛ لأن فيه حرية ولا ولاية عليه فيها, وإن دعا سيده إلى النكاح ففي إجباره قولان.
مسألة: قال الشافعي: "وفي إذنه لعبده باكتساب المهر والنفقة إذا وجبت عليه".
قال في الحاوي: إذا أذن السيد لعبده في النكاح فنكح, فقد وجب المهر بالعقد والنفقة بالتمكين, ولوجوبها محل معتبر بحال العبد, وللعبد ثلاثة أحوال: أحدهما: أن يكون مكتسبًا.
والثاني: أن يكون مأذونًا له في التجارة.
والثالث: أن يكون غير مكتسب ولا مأذونًا في التجارة, فإن كان مكتسبًا فالمهر والنفقة في كسبه؛ لأن الإذن بالنكاح إذن به وبموجبه, وأولى ما تعلق ذلك بكسبه؛ لأن منه وإليه, فإن قيل: أفليس لو أذن لعبده في التجارة فلزمه فيها دين زاد على ما بيده كان في ذمة العبد يؤديه بعد عتقه فهلا استويا؟ قيل: الفرق بينهما: أن الإذن بالتجارة معقود

بالاكتساب والدين ضد الاكتساب فصار غير مأذون فيه فلذلك تعلق بذمته بعد عتقه والإذن بالنكاح معقودة الاستمتاع الموجب للمهر والنفقة فصار المهر والنفقة من موجبات إذنه فلذلك تعلق بكسبه دون ذمته.
فرع: فإذا ثبت وجوب المهر والنفقة في كسبه فالمهر يستحق في كسبه بعد عتقه, والنفقة تستحق من كسبه بعد تمكنه من الاستمتاع؛ لأنهما يستحقان في الكسب الحادث بعد وجوبها, ولا يستحقان في كسب تقدمها؛ لأن الكسب لم يتعلق به إذن فصار خالصًا لسببه فلو كان العقد بمهر مؤجل استحق ذلك في الكسب الحادث بعد حلول الأجل, وإذا كان كذلك قيل للسيد: عليك أن تخلي سبيل عبدك وترفع عنه يدك ليلًا ونهارًا, أما النهار فللاكتساب الكسب والنفقة, وأما الليل فللاستمتاع بالزوجة, ثم لا سبيل لك إلى إبطال حقه في تمكين ليلًا من نفسه, ولك السبيل إلى منعه نهارًا من نفسه بالتزام المهر والنفقة؛ لأن حقه في استمتاعه ليلًا لا بدل له له فلم يسقط, ولحقه من اكتساب النهار بدل يلتزمه السيد فقط, ثم لا يخلو حال كسبه إذا مكن منه من ثلاث أقسام: أحدهما: أن يكون بقد المهر والنفقة من غير زيادة ولا نقصان فلا حق للسيد فيه ولا عليه وقد خلص جميع كسبه له في نفقته ونفقة زوجته وكسوتها ومهرها.
والقسم الثاني: أن يكون كسبه أكثر من المهر والنفقة فللسيد الفاضل منهما.
والقسم الثالث: أن يكون المهر والنفقة أكثر من كسبه فعليه أن يخلي عليه جميع كسبه ليصرفه في المهر والنفقة ويكون حاله في الباقي عليه من المهر والنفقة كحال من لا كسب له ولا هو مأذون له في التجارة على ما سنذكره بعد.
فرع: فلو أن سيد هذا العبد المكتسب إذا استخدمه نهارًا لزمه جميع المهر والنفقة له ولزوجته, سواء كان كسبه مساويًا لهما أو مقصورًا عنهما؛ لأنه بالاستخدام كالضامن لهما, ولو أن سيده لم يستخدمه ولكن حبسه في زمان كسبه لزم غرم المهر والنفقة, ولو حبسه غير سيده لزمه أجره مثله, والفرق بينهما أن السيد يلتزم ذلك في حق عبده فلزمه ما يستحق العبد من مهر زوجته ونفقتها, والأجنبي يضمن ذلك في حق عبده فلزمه ما يستحق العبد من مهر زوجته ونفقته, والأجنبي ذلك في حق السيد نلزمه قيمة ما استهلكه من منافعه.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وإن كان مأذنًا له في التجارة أعطى مما في يديه".

قال [في] الحاوي: وهذا القسم الثاني من أحوال العبد أن يكون مأذونًا في التجارة فيكون ما لزمه من المهر والنفقة متعلقًا بمال التجارة؛ لأن هذا المال في حق المأذون في التجارة المال الكسب في حق المكتسب لكونهما ملكًا للسيد الآذن لكن اختلف أصحابنا في المال ها هنا يقول الشافعي: أعطى مما في يديه على ثلاث أوجه: أحدها: أن يعطيه من حال الربح المستفاد بعد وجوبه, فيعطي المهر من الربح المستفاد بعد العقد والنفقة من الربح المستفاد بعد التمكين, كما قلنا في المكتسب إنه يعطيها من كسب المستفاد بعد وجوبها.
والثاني: أنه يعطيهما من جميع ما بيده من الربح المستفاد قبل الوجوب وبعده, ولا يعطيهما من أصل المال؛ لأن جميعها نماء المال والفرق بين الكسب والربح أن كسب العمل حادث في كل يوم وليس كسب التجارة حادثًا في كل يوم.
والثالث: أنه يعطيهما من جميع ما بيده من مال التجارة من ربح وأصل؛ لأن جميع ذلك مالك للسيد وقد صار بالإذن كالمأمور يدفعهما, فتعلق الإذن لجميع ما بيده كالدين, فلو أن السيد دفع ذلك من غير مال التجارة خلص مال التجارة وربحه اليد.
فصل: وأما القسم الثالث: من أحوال العبد فهو أن يكون غير مكتسب ولا مأذون له في التجارة؛ إما لأنه زمن لا يقدر على عمل وإما لأنه محارف محروم لا يقدر شيئًا وإن عمل فهما سواء وعلى السيد التزام نفقته وليس عليه التزام نفقة زوجته, ويقال لها: زوجك معتبر بنفقتك وأنت بالخيار في الصبر معه على إعساره أو فسخ نكاحه, فأما المهر ففيه قولان: أحدهما: أنه في ذمة العبد يؤديه بعد عتقه ولا يؤخذ السيد به لأنه في مقابلة البضع الذي قد صار ملكًا للعبد دون السيد ومن ملك ذا بدل ملك عليه ذلك البدل وهذا أشهر القولين وأظهرهما.
والقول الثاني: أن يكون مضمونًا في ذمة سيده؛ لأن إذنه بالنكاح الذي لا ينفك من التزام المهر موجب الالتزام ذلك المهر كالديون.
فرع: فأما إذا تزوج العبد بغير إذن سيده فنكاحه باطل فإن لم يدخل بها فرق بينهما ولا مهر ولا نفقة؛ لأن فساد العقد قد أسقط ما تضمنه من العوض وإن دخل بها فرق بينهما وكان لها بالدخول مهر مثلها لوطء الشبهة لقوله صلى الله عليه وسلم: "فإن مسها فلها المهر بما استحل من فرجها" وأن يكون المهر فيه قولان: أحدهما: نص عليه في القديم والجديد أن يكون في ذمة العبد يؤديه بعد عتقه؛ لأنه

حق وجب برضي مستحق فأشبه الديون؟ والقول الثاني: خرجه أصحابنا من كلام أشار إليه الشافعي في القديم أنه يكون في رقبة عبده يباع فيه إلا أن يفديه سيده.
لأنه وجب الوطء الذي هو إتلاف فأشبه الجنابة, والله أعلم.
فرع: وإذا أذن السيد لعبده في نكاح, فنكح نكاحًا فاسدًا ففي دخوله في إذن السيد قولان: أحدهما: أن يكون داخلًا في حكم إذنه لانطلاق الاسم على فاسده كانطلاقه على صحيحه, ولوجوب المهر في فاسد كوجوبه في صحيحه, فعلى هذا يكون محل المهر كمحله في النكاح الصحيح إن كان مكتسبًا ففي كسبه وإن كان مأذونًا له في التجارة كان فيها بيده, وإن كان غير مكتسب ولا مأذونًا له في التجارة كان على ما مضى من القولين: أحدهما: في ذمة العبد.
والثاني: في ذمة سيده.
والقول الثاني: وهو الأصح أن النكاح الفاسد لا يكون داخلًا في جملة إذنه؛ لأن إطلاق الأمر يقتضي حمله على ما ورد به الشرع, ولأن هذا المهر ما وجب بالعقد, وإنما وجب بالوطء الذي لم يكن فيه إذن, فعلى هذا في محل هذا المهر القولان الماضيان: أحدهما: في ذمة العبد.
والثاني: في رقبته.
فرع: وإذا زوج الرجل عبده بأمته فليس على العبد مهر ولا نفقة؛ لأنهما لو وجبا لكانا للسيد, ولا يثبت للسيد على عبده مال, لكن اختلف أصحابنا في المهر, هل وجب بالعقد ثم سقط؟ على وجين: أحدهما: أنه وجب بالعقد ثم سقط لئلا يكون بالموهبة التي جعلت خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم من دون المؤمنين.
والوجه الثاني: أنه لم يجب أصلًا, لأنه لما كان ملك السيد مانعًا من استدامة استحقاقه كان مانعًا من ابتداء استحقاقه, ألا تراه لو أتلف مال سيده لم يلزمه غرمه لا في الابتداء ولا في الاستدامة كذلك المهر ولمن قال بالأول أن ينفصل عنه بأن الأقوال قد تجوز أن تملك بغير يدل والبضع لا يجوز أن يملك إلا ببدل, فلو أن السيد بعد تزويج عبده بأمته أعتقهما معًا لم يكن له مطالبة عبده بالمهر بعد عتقه؛ لأنه ما وجب عليه بالعقد ولا للأمة بعد عتقها مطالبة الزوج ولا السيد بمهرها؛ لأنه ما وجب لها بالعقد.

فرع: وإذا زوج السيد أمته بعبد غيره ولم تقبض مهرها منه حتى اشتراه فإذا كان بيد العبد من كسبه قبل الشراء وبعد النكاح شيء فهو للمشتري يأخذه من مهر أمته وليس للبائع فيه حق وإن لم يكن بيد العبد من كسبه قبل الشراء شيء فلا مطالبة لمشتريه بمهر أمته؛ لأنه قد صار عبده ولا حق للسيد على عبده, واختلف أصحابنا هل هذا الشراء أسقط المهر أو منع من المطالبة مع بقاء المهر؟ على وجهين: أحدهما: أنه قد أسقط المهر؛ لأنه كان الملك مانعًا من ابتداء استحقاقه كان مانعًا من بقاء استحقاقه.
والوجه الثاني: أنه قد منع من المطالبة بالمهر ولم يسقطه؛ ولأن الحقوق ثابتة في الذمم لا تسقط إلا بالأداء أو الإبراء وليس الشراء واحد منهما وتأثير هذين الوجهين يكون بعتق العبد أو بيعه, فإن قيل إن الشراء قد أسقط ما عليه من المهر لم يكن للسيد مطالبة العبد بعد عتقه أو بيعه فإن قيل: إنه منع من المطالبة ولم يسقطه كان للسيد مطالبته بعد عتقه أو بيعه.
فرع: وإذا زوج الرجل عبده بأمة غيره ثم اشتراها السيد كان النكاح بحاله ومهرها مستحق لبائعها لوجوبه في ملكه ولو كان السيد قد أمر عبده بشراء زوجته, فإن أمره يشتريها لسيده فالنكاح بحاله وأن أمره أن يشتريها لنفسه لتكون أمة لعبد لا للسيد ففيه قولان: أحدهما: بناء على اختلاف قوليه في العبد هل يملك إذا ملك أم لا؟ فعلى قوله في القديم أنه يملك إذا ملك فالشراء للعبد وقد بطل النكاح, لأن من ملكك زوجته بطل نكاحها وعلى القول الجديد: أن العبد لا يملك إذا ملك فيكون الشراء للسيد والنكاح بحاله, والله أعلم بالصواب.
مسألة: قال الشافعي: "ولو ضمن لها السيد مهرها وهو ألف عن العبد لزمه".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا أذن السيد لعبده أنه يتزوج حرة فتزوجها على صداق ألف ثم إن السيد ضمن لها ألف عن عبده صح الضمان لوجوبه كالديون ويكون الألف كسب عبده بالعقد, وفي ذمة سيده بالضمان هو بالخيار بين أن تطالب العبد بها من كسبه بحكم عقده أو تطالب السيد بها بحكم ضمانه فإن دفعها العبد من كسبه بريء السيد من ضمانها, وإن دفعها السيد من ماله بري العبد منها ولم يرجع السيد بها على عبده؛ لأن السيد لا يثبت له في ذمة عبده مال فلو طلق العبد زوجته نظر في طلاقه, فإن

كان بعد الدخول بها فقد استكملته وإن كان قبل الدخول بها ملك بالطلاق نصف الصداق.
فإن لم تكن الزوجة قبضت صداقها بريء الزوج من نصفه وبريء السيد من ضمان هذا النصف؛ لأن براءة المضمون عنه توجب المرأة الضامن وبقي للزوجة نصف الصداق على العبد وعلى السيد ضمانه.
وإن كانت هذه الزوجة المطلقة قبل الدخول قد قبضت صداقها رجع عليها نصفه, ثم لا يخلو حال المطلق من أحد أمرين, وإما أن يكون باقيًا على ملك سيده عند طلاقه أو قد زال ملكه عنه فإن كان باقيًا على ملكه فالسيد هو الراجع عليها بنصف الصداق؛ لأنه من كسب عبده بالطلاق واكتساب العبد لسيده وإن كان ملك السيد قد زال عنه بعتقه أو بيع ففي مستحق هذا النصف من الصداق وجهان: أحدهما: وهو قول أبي حامد الإسفراييني أنه يستحق العبد إن كان قد أعتق أو مشتريه إن كان قد بيع ولا حق فيه لسيده الدافع له, لأن نصف الصداق كسب ما ملك بالطلاق والطلاق لم يكن في ملك السيد فلم يستحق ما ملك به بعد زوال ملكه وجرى ذلك مجرى الأب يزوج ابنه الصغير على صداق يدفعه الأب من ماله ثم يطلق الابن عند البلوغ قبل الدخول بزوجته فيملك الابن نصف الصداق, ولا يعود إلى الأب وإن دفعه من ماله.
والثاني: قاله أبو بكر بن الحداد في "فروعه" أنه يكون للسيد؛ لأن الصداق ماله ما رجع منه بالطلاق عاد إليه وإن زال ملكه عن العبد, وذهب إلى هذا بعض المتأخرين من أصحابنا أيضًا, وفرق بين الأب إذا دفع الصداق عن ابنه وبين السيد إذا دفعه عن عبده, بأن الابن يملك فكان دفع الأب تمليك له, ثم قضاء للصداق عنه, فإذا أطلق الابن قبل الدخول عاد نصف الصداق إليه لسابق ملكه, وليس كالعبد؛ لأنه لا يملك فلم يمكن دفع الصداق عنه تمليكًا له فإذا طلق قبل الدخول لم يملك ما لم يجبر له عليه ملك وسواء دفع السيد الصداق من ماله أو دفعه العبد من كسبه؛ لأن كسبه مال لسيده والأول أصح الوجهين وأولاهما.
مسألة: قال الشافعي: "فإن باعها زوجها قبل الدخول بتلك الألف بعينها فالبيع باطل من قبل أن عقده البيع والفسخ وقعا معًا".
قال في الحاوي: وهذا كما قال إذا ضمن السيد عن عبده صداق زوجته وهو ألف, ثم ابتاعت زوجها من سيده بألف فهذا على ضربين: أحدهما: أن تبتاعه بألف في ذمتها.
والثاني: أن تبتاعه بالألف التي هي صداقها, فإن ابتاعته بألف في ذمتها فقد ذكره

الشافعي من بعد وإن ابتاعه بالألف التي هي صداقها, كأنها قالت للسيد: بعني زوجي بالألف التي ضمنتها من صداقي, فللجواب عن هذه المسألة مقدمتان نذكرهما ثم نبني الجواب عليهما, إحدى المقدمتين: أن المرأة إذا ملكت زوجها بطل نكاحها, وإنما بطل؛ لأن أحكام النكاح وملك اليمين متضادة؛ لأنه كان مالكها لبعضها فصارت مالكة لرقبته, وصار مستحق الحجر عليها بالزوجية فصارت تستحق الحجر عليه بالرق, وكانت نفقتها عليه فصارت نفقته عليها وإذا تضادت أحكامها من هذه الوجوه ثبت أقوامها وانتفي أضعفها, وملك اليمين أقوى من عقد النكاح؛ لأن عقد النكاح يختص بملك البضع وملك اليمين يستوعب ملك الرقبة كلها, فلذلك ثبت ملك اليمين وبطل عقد النكاح.
والمقدمة الثانية: أن فسخ النكاح قبل الدخول إن كان من قبل الزوجة أسقط جميع صداقها, كما لو ارتدت, وإن كان من قبل الزوج لم يسقط الصداق إلا تصفه كما لو ارتد, وهو ها هنا من قبل الزوجة؛ لأنه وقع بابتياعها له, فإن قيل: الفسخ ها هنا إنما وقع بالابتياع الذي هو منهما, والفسخ إذا وقع بسبب من جهة الزوجين غلب فيه حكم الزوج دون الزوجة كالخلع, قيل: قد قال بعض أصحابنا هذا فأخطأ فيه, مذهبًا, وحجاجًا.
أما المذهب فهو أن الشافعي قد نص في هذا الموضوع على خلافه, وجعل الفسخ مضافًا إلى الزوجة في إسقاط جميع صداقها, وأما الحجاج فهو الفرق بين الواقع بين الابتياع والخلع من وجهين: أحدهما: أن الابتياع إنما كان بين السيد والزوجة من غير أن يكون للزوج فيه صنع ولا اختيار فلم يجز أن يضاف إليه الخلع, وإنما كان بين الزوجين فجاز لاختصاص الزوج بالفرقة أن يضاف الفسخ إليه.
والثاني: أن الزوج في الخلع أزال ملكه عن البضع إلى غير مالك كالعتق الذي يزيل به المعتق ملكه عن رقبة العبد إلى غير مالك, فغلب فيه حكم الزوج دون الزوجة, والابتياع قد زال به ملك البائع وانتقل إلى المشتري فغلب فيه حكم الزوجة لانتقال الملك إليها دون الزوج.
فرع: فإذا تقررت هاتان المقدمتان وابتاعت زوجها بالألف الذي ضمنه السيد من صداقها, لم يخل من أن يكون الزوج قد دخل بها قبل الابتياع أو لم يدخل, فإن ابتاعته بعد دخوله بها كان البيع جائزًا لابتياعها إياه من مالكه بثمن قد استحقته ذمته لاستكمالها للصداق بالدخول, فصار كابتياعها إياه بدين على سيده, وإذا صح البيع بطل النكاح؛ لما ذكرنا من أن الزوجة إذا ملكت زوجها بطل نكاحها وبرثت الزوجة من الثمن لكونه صداقًا, وبريء السيد من ضمان الصداق لكونه ثمنًا ولم يبق لها على زوجها صداق؛ لأنها قد استوفته من ضامنه, ولم يكن للسيد أن يرجع على عبده بما غرمه عنه من ضمانة؛ لأنه ضمنه في حال ملكه.

فرع: وإن ابتاعه بصداقها قبل دخوله بها في مسألة الكتاب, فالبيع يكون باطلًا وتعليل بطلانه قد أجمله الشافعي, فقال: "لأن عقد البيع والفسخ وقعا معًا".
وبيانه: أنه في إثبات البيع النكاح, وذلك أن البيع إذا صح بطل النكاح, وإذا بطل النكاح من قبل الزوجة قبل الدخول سقط صداقها, وإذا سقط الصداق بطل ضمانه؛ لأن بقاء الضمان يكون لبقاء الحق المضمون, وإذا بطل الضمان بطل الثمن؛ لأن الثمن هو الصداق المضمون, وإذا بطل الثمن بطل البيع؛ لأن البيع لا يصح إلا بثمن, فلما أدى إثبات البيع إلى إبطال النكاح والبيع حكم بإبطال البيع وبقاء النكاح على ثبوته؛ لأن ما أدى ثبوته إلى إسقاطه وإسقاط غيره من حكم في أول الأمر بإسقاطه وثبوت غيره ليدفع بأقل الضررين أكبرهما, ولذلك نظائر: فمنها: أن من مات وترك أخًا لا وارث له سواه, فأقر الأخ بابن للميت ثبت نسب الابن ولم يرث؛ لأنه لو ورث لحجب الأخ فلم يرث, وإذا لم يرث الأخ بطل إقراره بالنسب؛ لأنه لا يصح أن يقر بالنسب من ليس بوارث؛ وإذا بطل إقراره بالنسب لم يثبت النسب, فلما كان توريث هذا الابن مؤديًا إلى إبطال نسبه وميراثه ثبت نسبه ويطل ميراثه.
ومنها: أن من اشترى أباه في مرض موته عتق ولم يرث؛ لأن عتقه في المرض كالوصية له في اعتباره من الثلث, فلو ورث لمنع الوصية؛ لأن لا وصية لوارث وإذا منع الوصية بطل العتق, وإذا بطل العتق سقط الميراث, فلما كان توريثه مؤديًا إلى إبطال عتقه وميراثه ثبت عتقه وسقط ميراثه ومنها: أن يوصي لرجل بابن له مملوكه فمات قبل الوصية, وخلف أخًا وهو وارثه فيقبل الأخ الوصية لأخيه بابنه, فإن الابن يعتق ولا يرث؛ لأنه لو ورث لحجب الأخ, وإذا حجبه بطل قبوله للوصية, وإذا بطل قبوله عتق الابن, وإذا بطل عتقه سقط ميراثه, فلما أدى ميراثه إلى سقوط عتقه وبطلانه ثبت العتق وسقط الميراث.
ومنها: أن يدعي عبدان على سيدهما العتق, وهو منكر فيشهد لهما شاهدان بالعتق فيحكم بعتقهما, ثم يشهد المعتقان بجرح الشاهدين, فإن شهادتهما بالجرح مردودة؛ لأنها لو قبلت في الجرح ردت شهادة الشاهدين بالعتق, وصار المعتقان عبدين مردودي الشهادة, فلما أدى قبول شهادتهما إلى ردها وإبطال العتق ردت شهادتهما وثبت العتق, ولذلك من النظائر ما يطول ذكره, وإنما ذكرنا أمثلة يؤدي دورها إذا ثبت إلى سقوطها فلم يثبت, وبالله التوفيق.
مسألة: قال الشافعي: "ولو باعها إياه بألف لا بعينيها كان البيع جائزًا وعليها الثمن

والنكاح مفسوخ من قبلها وقبل السيد".
قال في الحاوي: وهذه المسألة الثانية من ابتياعها لزوجها إن ابتاعته بألف في ذمتها, فالبيع صحيح لانعقاده بثمن معلوم, والنكاح قد بطل, لما ذكرنا من أن النكاح وملك اليمين لا يجتمعان لتنافي أحكامها, فأثبت أقواها, وإذا كان كذلك فلا يخلو حاله من أحد أمرين: إما أن يكون الزوج قد دخل بها قبل ابتياعها له أو لم يدخل بها, فإن لم يكن دخل بها فصداقها قد سقط لانفساخ النكاح من جهتها قبل الدخول, وإذا سقط الصداق بطل ضمان السيد له؛ لأن الضمان فرع الأصل قد بريء منه المضمون فبريء الضامن منه وللسيد عليها الألف الذي اشترت به زوجها ولا مطالبة لها بصداقها.
فرع: وإن كان قد دخل بها قبل ابتياعها له, فقد استقر لها الصداق كاملًا بالدخول على الزوج قد ملكته, فصار عبدًا لها, قيل تبرأ الزوج منه بحدوث ملكها أم لا؟ على وجهين: أحدهما: قد بريء منه؛ لأن السيد لا يصح أن يثبت له في ذمة عبده ماله, فعلى هذا قد بريء السيد من ضمانه لبراءة المضمون عنه, وللسيد مطالبتها بالألف الذي هو ثمن.
والثاني: أن الزوج لا يبرأ من صداقها وإن صار عبدًا لها, لاستقراره عليه قبل ملكها له, فلم يسقط إلا بأداء أو إبراء, وإن صار بها عبدًا, وإنما لا يثبت لها ابتداء في ذمته مال بعد أن صار لها عبدًا, فإما أن يكون الحق ثابتًا فلا يمتنع أن يكون بعد الملك باقيًا فعلى هذا لها على السيد الألف الذي هو صداقها, وللسيد عليها الألف التي هي ثمن زوجها, فإن كانت الألفان من نقدين مختلفين لم يصر قصاصًا, وكان عليها أن يؤدي إلى السيد الألف التي هي ثمن زوجها, وعلى السيد أن يؤدي إليها الألف التي هي صداقها.
فإن قال كل واحد منهما: لا أدفع ما علي حتى أقبض مالي لم يكن ذلك له؛ لأنه لا تعلق لأحد المالين بالآخر, فأيهما بدأ بالمطالبة قضى له على صاحبه بالدفع, فإن تبرأ من الألفين صح الإبراء, فلو قال كل واحد منهما لصاحبه: قد أبرأتك إن أبرأتني لم يصح لما فيه من تقييد البراءة بشرط, ولو قال: قد أبرأتك فأبرئني فهو مبرئ من حق بغير شرط, فحصت براءته وطلب إلى الآخر أن يبرئه, وكان بالخيار بين أن يبرئه أو لا يبرئه, وإن كانت الألفان من نقد واحد لا يختلف فكانت الألف الثمن من جنس الألف الصداق وعلى صفتها, فهل يصير قصاصًا أم لا؟ على أربعة أقاويل: أحدهما: أن يصير قصاصًا اختارا أو لم يختارا هذا, قد بريء كل واحد منهما من حق صاحبه.
والقول الثاني: أنه يصير قصاصًا إن اختارا أو أحدهما ولا تصير قصاصًا إن لم

يختر واحدا منهما.
والثالث: أنه يصير قصاصاً إن اختاراه معاً، ولا يكون قصاصاً إن اختاره أحدهما.
الرابع: وهو مخرج أنه لا يصير قصاصاً بحال وان اختاراه، وعلى كل واحد منهما أن يؤدي إلى صاحبه ماله ويستوفي منه ما عليه.
ووجه هذه الأقاويل يذكر في موضعه من كتاب المكاتب إن شاء الله.
مسألة: قال الشافعي: "وله أن يسافر بعبده, ويمنعه من الخروج من بيته إلى امرأته وفي مصره إلا في الحين الذي لا خدمه له فيه".
قال في الحاوي: اعلم أن السيد إذا أذن لعبده في النكاح فعلى حالتين: أحداهما: أن يلتزم لزوجته المهر والنفقة.
والحال الثانية: أن لا يلتزم، فإن لم يلتزم لها المهر والنفقة، فعليه أن يمكن عباه من اكتساب المهر والنفقة نهاراً، ويخلي بينه وبين زوجته ليلا، فيكون تخليته نهاراً للاكتساب وليلا للاستمتاع، إلا أن تكون زوجته في منزل سيل هـ فلا يلزمه تخليته ليلاً لوصوله إلى الاستمتاع مع سيده، فلو أراد السيد أن يسافر بعبده هذا لم يكن له ذلك لما فيه من منعه من الاكتساب، فإن قهره على نفه، قال أبو حامد الإسفراييني: يضمن أقل الأمرين من أجرة مثله أو نفقة زوجته؟ لأن أجرته إن زادت كان له أخذ الزيادة وان نقصت لم يلزمه إتمام النفقة، وهذا الذي قاله عندي ليس بصحيح، بل يضمنه لها نفقة ولا يضمن أقل الأمرين لأمرين: أحدهما: أنه يضمن ذلك في حق الزوجة لا في حق العبد، فلزمنه نفقة الزوجة ولم تلزمه أجرة العبد.
والثاني: إن حال إجباره أعظم من حال خيارهء فلما لزمه في حال الاختيار ضمان النفقة فأولى أن يلزمه في حال الإجبار ضمان النفقة، فأما إذا قهره على نفسه ليلا وأرسله نهاراً فقد تعدى كتعدية ولو قهره نهارا غير أنه يضمن زمان نهاره ولا يضمن زمان ليله.
والفرق بينهما: أن زمان ليله مستحق الاستمتاع الذي لا يقابله عوض فلم يضمن، وزمان نهاره مستحق للكسب الذي يقابله عوض ضمن.
فرع: فإن التزم السيد لها المهر والنفقة فله أن يستخدمه في مصره، وله أن يسافر به لأمرين:

أحدهما: أن السيد إذا التزم له المهر والنفقة سقط عنه ما لزمه بالزوجية فعاد إلى ما كان عليه من قبل وقد كان له أن يستخدمه في الحضر والسفر فكذلك الآن.
والثاني: أن منزلة السيد مع عبده كمنزلة الحر في نفسه فكل ما جاز للحر أن يفعله مع زوجته من تصرف في الحضر وتقلب في السفر جاز للسيد أن يفعله مع عبده.
وإذا كان كذلك فللسيد حالتان: إحداهما: أن يستخدمه في مصره فله أن يستخدمه نهاراً وعليه أن يرسل للاستمتاع بزوجته ليلاً؟ لأن زمان الاستخدام هو النهار فيعلق حق السيد به دون الليل، وزمان الاستمتاع هو الليل فيعلق حق العبد به دون النهار.
والحالة الثانية: أن يسافر به فله أن يسافر به ويقطعه عن زوجته ليلاً ونهارا.
فإن قيل: أفليس الليل في الحضر مستثنى من حق السيد، فهلا كان في السفر كذلك "قيل: لأن السيد في الحضر قد يصل إلى حقه من استخدام النهار، وإذا أرسله ليلاً للاستمتاع ولا يصل في السفر إلى حق من استخدام النهار إذا أرسله ليلاً للاستمتاع، فكذلك مار زمان الليل مستثنى في حال السيد في الحضر وغير مستثنى من السفر، إلا أن تكون الزوجة مسافرة مع العبد فيستوي حكم الحضر والسفر في استثناء الليل منها.
فأما إن كان السيد ممن عمله واستخدامه في الليل دون النهار كالبزارين والرياحين والحدادين، صار الليل زمان استخدامه لعبده، والنهار زمان إرساله للاستمتاع بزوجته، ولا ينبغي للسيد أن يسافر بعبده عنا استغنائه عنه قصدا للإضرار به وبزوجته، وكذلك في مصره، فأما قول الشافعي: "له أن يسافر بعبده" فقد ذكرنا جوازه وقوله: "ويمنعه من الخروج من بيته إلى امرأته وفي مصره" ففيه تأويلان: أحدهما: قاله أبو حامد أنه يمنعه من الخروج من بيته إذا كانت امرأته فيه وان كانت خارجة منه لم يكن له منعه من الخروج إليها.
والثاني: وهو أشبه التأويلين عندي.
أنه يمنعه من الخروج من بيته نهارا؛ لأن زمان الاستخدام وليس له أن يمنعه من الخروج ليلاً في زمان الاستمتاع ألا ترى الشافعي قال بعد ذلك: "إلا في الحين الذي لا خدمة له فيه" يعني الليل.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله: "ولو قالت له أمته أعتقني على أن أنكحك وصداقي عتقي فأعتقها على ذلك فلها الخيار في أن تنكح أو، تدع ويرجع عليها بقيمتها فان نكحته ورضي بالقيمة التي عليها فلا بأس.
قال المزني: ينبغي في قياس قوله أن لا يجيز هذا المهر حتى يعرف قيمة الأمة حين اعتقها فيكون المهر معلوماً لأنه لا يجيز المهر غير

جارٍ التحميل