كتاب المساقاة
مسألة: قال الشافعي ساقى رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر الخبر الفصل.
وهذا كما قال: المساقاة عقد صحيح وهو أن يكون للرجل نخيل فيدفعها إلى رجل على أن يسقيها ويلحقها ويصرف جريدها مدةً معلومةً ويكون ما يخرج من الثمرة بينهما على ما يتشارطان والمساقاة مشتقة من السقي فكأن العقد لما كان واقعًا على السقي سمي [138/ أ] باسمه، فإن قيل: لم خصَّ باسم السقي وه يقع على غير السقي من التلقيح وغيره قلنا: لأن هذه العبارة أخف من أن يقال: ملاقحة أو مساعفة أو مجاردة ونحو ذلك ولأن المقصود ليبقى والباقي تابع له بساقٍ وقيل: لأن موضع النخل والشجر يسمى سقيًا والأصل في جوازها ما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما افتتح خيبر وأجلى أهلها أتوه وقالوا: نحن أعلم بأمر النخيل منكم فأعطونا نكفيكم فساقاهم على ذلك وقال: "أقركم ما أقركم الله على التمر بيننا نصفين" وإنما قال هذا لأنهم لا يرون الفسخ فخاف أن يظنوا أنه أمر لازم لا يجوز رده فشرط ذلك عليهم ولا يجوز لأحدنا هذا الشرط لأنا لا ندري كم يقرهم الله تعالى وجاز ذلك لرسول الله إذ كان يوحى إليه بأمر الله تعالى فيهم، ثم بعث عبد الله بن رواحة ليخرص عليهم فاستقبلوه بحليّ نسائهم رشوةً له ليخفف لهم في الخرص فقال: هذا سحت في ديني فأرادوا أن يستدرجوه بالكلام فقالوا: أنت أحب من تقدم علينا من هذه الجهة أنت ابن أختنا وكانت أمه خيبرية فقال عبد الله: أما أنا فقد قدمت من عند رجل هو أحب إلى من نفسي التي بين جنبّي، وقدمت على قومٍ أبغض إلى من القردة والخنازير، فقالوا: إذًا لا يمكنك أن تعدل بيننا فقال: حبي إياه لا يحملني على الميل إليه، وبغضي إياكم لا يحملني على الحيف بكم ثم خرص عليهم مائة ألف وسقٍ فقالوا: أجحفت بنا فقال: إن شئتم فلكم، وإن شئتم فلي يعني إن شئت خليت بينكم وبينها وتردون عليّ النصف بهذا الخرص، وإن شئتم خليتم بيني وبينها وأرد عليكم النصف فقالوا: هذا هو العدل وبه قامت السموات والأرض فأخذوا ذلك وضمنوا له التمر بخرصه فروي أنه لم ينقص علما قال بعشرة أوسقٍ، وروى جابرٌ: "خرصها أربعين ألف وسقٍ"، وروى ابن عمر رضي الله [138/ ب] عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر على شطر ما يخرج منها من ثمرٍ وزرعٍ.
واعلم أنه لابد فيها من شرطين أحدهما: أن تكون مدتها معلومة، والثاني: أن
الجزء: 7 - الصفحة: 117
يكون نصيب العامل معلومًا بجزءٍ مثل النصف أو الثلث ونحو ذلك وهو لنا قال جماعة الفقهاء مالك والثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو يوسف ومحمد، وروي ذلك عن أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وسعيد بن المسيب وسالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم، وقال أبو حنيفة وحدة: المساقاة باطلة ووافقة زفر.
وحكي عن النخعي أنها مكروهة واحتجوا بالقياس على المزارعة وهذا غلط للخبر الذي ذكرنا.
فإن قيل: هذا الخبر صار منسوخًا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه نهى عن المخابرة" هي معاملة أهل خيبر قلنا: المخابرة هي المزارعة واشتقاقها من الخبّار وهو الأرض اللنية، والخبّير الأكار وقال: قال الشافعي في "المختصر": المخابرة باطلة لما روى رافع بن خديج أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المخابرة ولم تردّ إحدى سنَّتيه بالأخرى وقصد به الرد على أهل العراق فإن منهم من قال: تجوز المخابرة قياسًا على المساقاة وبه قال محمد، ومنهم من أبطل المساقاة قياسًا على المخابرة وبه قال أبو حنيفة ونحن لا نرد سنَّة بسنَّةٍ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز المساقاة فأجزناها وأبطل المخابرة فأبطلناها.
واعلم أن المزارعة والمخابرة باطلتان وصورة المزارعة أن يقول صاحب الأرض لرجل: ازرع هذه الأرض ببذري وآلتي والزرع بيننا.
والمخابرة أن يقول: ازرع ببذرٍ وآلةٍ من عندك.
وتمام خبر رافع بن خديج ما روي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: كنا نخابر أربعين سنةً ولا نرى بذلك بأسًا حتى أخبرنا رافع بن خديج أن النبي صلى الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها فتركناها لقول رافع وهذا دليل على أن العمل بالمنسوخ [139/ أ] جائز ما لم يبلغ النسخ المأمور واعلم أن الخبر الذي ذكرنا يدل على أن المساقاة إذا صحت بينهما يجوز الخرص فيها.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان أحدهما: هذا، والثاني: لا يجوز لأن تلك كانت معاملة بين الكفار والمسلمين فاحتمل نوعًا من الغرر بخلاف ما إذا كان بين المسلمين وفيه دليل على أن الثمرة إذا حرصت جاز تسليمها إلى العامل بعد أن يضمن لمالك النخيل حصته من الثمن وكما ضمنت اليهود حصة المسلمين ويجوز تسلميها إلى المالك أيضًا إذا ضمن حصة العامل وفيه دليل على أنها إذا سلمت إلى العامل بعد الضمان يتبسط العامل في جميعها بيعًا وأكلًا وانتفاعًا وأن الخرص تضمين وهو أحد القولين، ثم اعلم أن المساقاة جائزة في الكرم أيضًا كما تجوز في النخل.
واختلف أصحابنا في الكرم هل قال به الشافعي نصًا أو قياسًا؟ فمنهم من قال: قاله نصًا وهو ما روى ابن عمر رضي الله عنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر على الشطر مما يخرج من النخل والكرم"، وري أنه ساقي في النخل والكرم ومنهم من قال وهو
الجزء: 7 - الصفحة: 118
الأشبه: أنه قال به قياسًا على النخل لاشتراكهما في وجوب الزكاة فيهما وبدون ثمرتهما وإمكان خرصهما، وقال داود: لا يجوز الخرص في الكرم اعتبارًا بالنص وهذا غلط لما ذكرنا ولأنه لو كان الاعتبار بعين النص لما جازت المساقاة بالثلث والربع لأن النص ورد في المساقاة بالنصف فدل أن الاعتبار بالمعنى وهو ما قلنا، وقال الليث بن سعد: تجوز المساقاة فيهما إذا لم يكن بعلًا ولا يجوز فيما كان بعلًا، وأما ما عدا النخل والكرم على ضربين قولًا واحدًا، وحكي عن مالك أنه قال: تجوز في المقاتي والمطابخ والباذنجان وفي كل ما لم يبدُ صلاحه لحدوث ثمرها مرةً بعد مرةً وهذا خطأ لأن ما لم يكن [139/ ب] شجرًا يابسًا فهو بالزرع أشبه والمخابرة على الزرع باطلة بالاتفاق، والثاني: ما له أصل ثابت كالزيتون والتفاح والتين والسفرجل ونحو ذلك ففيه قولان قال في القديم: يجوز، وبه قال مالك وأبو يوسف ومحمد لما روى الدارقطني بإسناده "أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بالشطر مما يخرج من النخل والشجر" ولأنها تثمر في كل حولٍ فهي كالنخل والكرم، وحكي عن مالك أنه قال: لو كان له زرع فاشتد جاز أن يدفعه إلى من يقوم بعمله من السقي وغيره ويكون بينهما، وقال في الجديد: لا يجوز وهذا ظاهر المذهب لأن ما لا تجب الزكاة في نمائه لا تجوز المساقاة عليه كالتوت ونحوه، وأما النخل والكرم ينميان بالعمل فالنخل يفتقر إلى اللقاح والكرم إلى الكساح ولا يحصل نماؤهما إلا بالعمل بخلاف سائر الأشجار لأنه يثمر من غير عمل عليه فافترقا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذان القولان مبنيان على أن الخرص هل يدخل فيما عدا النخل والكرم؟ وفيه قولان والأصح أنه يجوز فيها.
فرع
المساقاة عقد لازم يفتقر إلى مدةٍ معلومةٍ كالإجارة ولا يلزم على هذا الكتابة لأنها تفتقر إلى مدتين، والفرق بينهما وبين القراض أن المقارض يتصرف في رقبة المال بإذن صاحبه كالوكيل والمساقي لا يتصرف في رقبة المال بل يعمل بعوضٍ يحصل له فهو كالأجير والإجارة من العقود اللازمة.
فرع آخر
هل يدخل العرجون في المساقاة؟ وجهان: أحدهما: يدخل لأنه يصرم مع الرطب، والثاني: لا يدخل لأنه لا يدّخر عليه وينتفع به دونه فإن الأغداق يقطف عنها الرطب ويرمى بها فلم يدخل فيها.
فرع آخر
سواقط النخل من السعف والليف لرب النخل، فلو شرطا أن يكون بينهما فيه
الجزء: 7 - الصفحة: 119
وجهان أحدهما: يجوز لأنها نماء كالثمرة، والثاني: لا يجوز لأنها ليست من معهود النماء ولا [140/ أ] مقصوده.
فرع آخر
لا يجوز فيما لا ثمرة له بلا خلافٍ كالخلاّف والتوت الذكر والقص الفارسي ونحو ذلك.
فرع آخر
هل يجوزن على نخلٍ غائبٍ بشرط خيار الرؤية؟ قد قيل: فيه قولان والأصح أنها لا تجوز قولًا واحدًا، والفرق أن البيع تعدى على الغرر، فإذا دخل عليه غرر العين الغائبة بخيار الرؤية قوي على احتماله وعقد المساقاة غرر فيضعف عن احتمال غررٍ آخر.
فرع آخر
يلزم أن يعقداه بلفظ المساقاة فإن عقداه بلفظ الإجارة فقال: استأجرتك للعمل فيها كان باطلًا لأن الإجارة فيها لا تصح، فإذا عقد بلفظ الإجارة الصرف إليها فبطل.
فرع آخر
لو قال: عاملتك عليها بالعمل فيها على الشطر من ثمرها فيها وجهان أحدهما: يجوز لأن عقد المساقاة هكذا، والثاني: لا يجوز لأن هذا من أحكام العقد فلم يعقد به العقد وهذا كاختلاف أصحابنا في البيع بلفظ التمليك هل يجوز أم لا؟
فرع آخر
لو أراد العامل أن يساقي غيره عليها مدة مساقاته جاز بمثل نصيبه فما دونه كالإجارة ولا يجوز بأكثر من نصيبه لأنه لا يملك الزيادة ويخالف العمل لا يقارض لأنه يتصرف في حق رب المال لأنه لا يلزم، وهذا تصرف في حق نفسه للزوم العقد فملك الاستنابة في تصرفه.
مسألة: قال: "وتجوزُ المساقاةُ سنينَ".
وهذا كما قال: المدة في المساقاة كالإجارة تجوز سنةً وفي الزيادة قولان أحدهما: لا تجوز الزيادة، والثاني: وهو الصحيح المنصوص ها هنا أنه تجوز الزيادة عليها فإذا قلنا: تجوز نص الشافعي في الإجارة أنها تجوز ثلاثين سنة والمساقاة في حكمها، واختلف أصحابنا في هذا فمنهم من قال: ذكره تحديدًا فلا تجوز الزيادة، وقال بعضهم: تجوز الزيادة وإنما ذكره على سبيل التكثير دون التحديد فتجوز الإجارة إلى الوقت الذي يبقى ذلك الشيء إليه غالبًا والمساقاة مثلها، وقال بعض أصحاب الحديث [140/ ب] تجوز المساقاة من غير تقدير بمدة لأن النبي صلى الله عليه وسلم "ما قدر لأهل خيبر مدةً"، وقال أبو ثور: إن قدرت بمدةٍ لزمت إلى انقضائها وإن لن تقدر بمدة صحت وكانت على سنة واحدة وهذا غلط قياسًا على عقد الإجارة.
وأما ما ذكره لا يصح لأنه يحتمل
الجزء: 7 - الصفحة: 120
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر المدة ولم ينقل.
فرع
إذا جوزناها سنين هل يلزم ذكر نصيب كل سنة؟ ففي الإجارة قولان وفي المساقاة طريقان أحدهما: فيه قولان، والثاني: قاله أبو إسحاق يلزم قولًا واحدًا لأن ثمار النخل تختلف باختلاف السنين ومنافع الإجارة لا تختلف.
فرع آخر
لو ساقاه ثلاث سنين على أن الثمر في السنة الأولى بينهما نصفين، وفي السنة الثانية أثلاثًا وفي السنة الثالثة أرباعًا جاز، ذكره أكثر أصحابنا كما في الإجارة، ومن أصحابنا من قال: لا يجوز حتى يتساوى نصيبه في جميع السنين لأنها عقود مختلفة في عقدٍ كما لو أسلم في قفيز حنطة وقفيز شعير في عقد واحد لا يجوز وهو ضعيف.
فرع آخر
يلزم أن تقدر بالشهور التي قد أجرى الله تعالى العادة بأن الثمار تطلع فيها إطلاعًا متناهيًا فإن تأخر اطلاع الثمرة فيها بحادثٍ ثم اطلعت بعد تقضيها فالصحيح من المذهب أن العامل شريط فتكون الثمرة بينهما، وإن انقضت مدة المساقاة قبل اطلاعها لأن ثمرة هذا العام حادثة على ملكها ولا يلزمه العمل بعد انقضاء المدة، وإن استحق الثمرة إلا فيها يختص بالثمرة من التأبير والتلقيح، ومن أصحابنا من قال: العامل أجير فعلى هذا لا حق له في الثمرة الحادثة بعد انقضاء المدة ولا يستهلك عمله غير بدلٍ فيحكم له حينئذ بأجرة المثل.
فرع آخر
لو ساقاه عشر سنين على أن له نصف الثمرة في سنةٍ منها فإن لم يعينها لا يجوز، وإن عينها فإن كانت غير السنة الأخيرة لا يجوز لأنه شرط عليه بعد حقه من الثمرة عملًا لا يستحق عليه [141/ أ] عوضًا، وإن كانت السنة الأخيرة فيها وجهان أحدهما: يجوز كما يجوز أن العمل في جميع السنة، وإن كانت الثمرة في بعضها، والثاني: لا يجوز لأنه يعمل مدةً يثمر فيها ولا يستحق شيئًا من ثمرها وبهذا خالف السنة الواحدة.
فرع آخر
لو ساقاه عشر سنين فاطلعت ثمرة السنة العاشرة بعد تقضيها لم يكن للعامل فيها نصيب لتقضي مدته وزوال عقده، ولو اطلعت قبل تقضي تلك السنة ثم تقضت ولم يبد صلاحها وهي طلع أو بلح بعد كان له حقه منها لحدوثها في المدة ثم إن قلنا: إنه أجير فعليه أن يأخذ حقه منها طلعًا أو بلحًا وليس له استبقاء حقه إلى بدء الصلاح، وإن قلنا: إنه شريك كان له استبقاؤها على النخل إلى بدء الصلاح وتناهي الثمرة.
فرع آخر
لو ساقاه على النخل فاطلعت بعد قبض العامل لها وقبل عمله فيها استحق نصيبه من
الجزء: 7 - الصفحة: 121
تلك الثمرة لحدوثها في يده، ولو أطلعت قبل قبضه وتصرفه فيها فإن قلنا إنه أجير لكم يكن له في تلك الثمرة نصيب لارتفاع يده، وإن قلنا: إنه شريك استحق نصيبه من تلك الثمرة لأنها بعد العقد حادثة عن ملكهما وعلى العامل أجرة مثل ما استحق عليه من العمل فيها.
فرع آخر
لو قال: ساقيتك على هذه النخيل سنةً ولم يذكر قدر نصيبه قال ابن سريج: يجوز وتكون الثمرة بينهما نصفين حملًا على عرف الناس في المساقاة، ولو قال: عاملتك على هذه النخيل سنة ولم يذكر قدر نصيبه لم يجز لأنه ليس للمعاملة عرفٌ، والمشهور عند أصحابنا أنه يجوز فيها لأن نصيب العامل مجهول.
مسألة: قال: "وإذا ساقاهُ على نخلٍ وكانَ فيهِ بياضٌ لا يوصلُ إلى عملهِ إلا بالدخول إلى النخلِ".
الفصل
وهذا كما قال: إذا كان بين النخيل بياض لا يخلو إما أن يكون سيرًا أو كثيرًا، فإن كان يسيرًا يجوز أن يزارع فيه ولكن لا يدخل في عقد المساقاة إلا بالشرط [141/ ب] وقال مالك: له أن يزرع البياض بغير إذن مالكه إذا كان أقل من الثلث وهذا غلط لأن العقد لا يصح إلا بالتسمية كسائر العقود، فإذا تقرر هذا فلو قال: ساقيتك على النخل على كذا أو زارعتك في الأرض على كذا يجوز قولًا واحدًا وهذا روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دفع النخل إلى أهل خيبر دفع البياض إليهم على أن لهم نصف النخل والزرع ولرسول الله صلى الله عليه وسلم النصف وكان الزرع كما وصفنا بين ظهراني النخيل يسيرًا، ولولا الخبر لما جوّزناه ولا فرق بين أن يسوي بينهما في الحصة أو يخالف بينهما فيقول: ساقيتك على النخل بالنصف وخابرتك على الأرض بالدفع.
وقال في "الحاوي": إذا خالف فيه وجهان قال البغداديون: يجوز، وقال البصريون: لا يجوز لأنهما إذا تفاصلا تميزًا ولم يكن أحدهما: تبعًا ولا متبوعًا، ولا فرق بين أن يأتي بلفظٍ والصريح في كل واحدٍ منهما نحو ما ذكرنا من لفظ المساقاة والمخابرة وبين أن يأتي بلفظٍ يجمع الأمرين معًا فيقول: عاملتك على الأرض والنخل معًا بالنصف مما تخرجه من ثمرٍ وزرعٍ، ولو قال: ساقيتك في النخل على أن أزارعك في البياض لم يجز لأنه جعل عقد المزارعة شرطٍا في عقد المساقاة فلا يجوز كما لو قال: أساقيك على هذا البستان على أن أساقيك في بستانٍ آخر، ولو عقدا على النخل ولم يعقدا على البياض ثم عقدا على البياض عقدًا مستأنفًا لا يخلو إما أن يكون مع العامل في النخل أو مع غيره، فإن كان مع غيره لا يجوز قولًا واحدًا، وإن كان مع العامل هل يجوز؟ فيه وجهان:
الجزء: 7 - الصفحة: 122
أحدهما: يجوز للضرورة فإنه لا يمكن تعهد النخل إلا بتعهده ويؤدي إلى اشتراك الأيدي فيه.
والثاني: لا يجوز وهو اختيار البصريين من أصحابنا لأنه جوّز ذلك تابعًا للمساقاة فلا يجوز إفراد التابع بالعقد وعلى هذين الوجهين اختلفوا فيمن اشترى نخلًا ذات ثمرةٍ لم يبد صلاحها، ثم اشترى الثمرة [142/ أ] في عقدٍ آخر بغير شرط القطع فأحد الوجهين يجوز لأنه تبع لأصلٍ صار إلى مشترٍ واحد فصار كما لو جمعهما في عقدٍ واحد، والثاني: لا يجوز لتفرد كل عقد بحكمه وعلى هذا إذا بدا الصلاح في بعض ثمار النخيل فباع الكل مطلقًا ثم عقد معه على ما لم يبد فيه الصلاح مطلقًا هل يكون تابعًا للأول؟ وجهان فإن قال قائل: إذا جوزتم المخابرة على البياض تبعًا للمساقاة فهلا جوزتم إجارة النخل تبعًا لإجارة الأرض؟ قلنا: الفرق أن المساقاة والمخابرة تتجانسان لأن الثمار واجد يوجد من أصول باقية فجاز العقد عليهما تبعًا لتجانسهما، ومنافع الأرض في الإجارة آثار وفي النخل أعيان فلم يتجانسا ولم يجز العقد عليهما تبعًا لاختلافهما، ولو كان البياض كثيرًا والنخيل قليله قال أبو إسحاق: لا تجوز المزارعة فيه لأنه لا يجوز أن يكون الكثير تابعًا للقليل، ومن أصحابنا من قال: يجوز لأن الضرورة في اليسير والكثير واحدة وهي أنه لا يمكن سقيها إلا بسقي النخيل فإذا قلنا: لا يجوز يؤاجر الأرض ويساقي على النخل.
فرع
لو كان البياض في ناحية متميزًا عن النخيل لا يجوز أن يزارعه فيه بحالٍ لا منفردًا ولا مجموعًا لأنه لا ضرورة إلى تجويزها.
فرع آخر
إذا جوزنا وعقد عليهما عقدًا واحدًا هل يجب أن يكون البذر لرب المال أو للعامل؟ وجهان أحدهما: يجب أن يكون لرب المال لأنه أصل النماء كالنخيل، والثاني: يجب للعامل لأن الأصل هو الأرض والبذر يجري مجرى المؤن فيكون على العامل وقيل: البذر على من شرط منهما وكذلك البقر، ولو شرط البذر على العامل والبقر على رب المال وجهان لأن عمل البقر ينقطع قبل خروج الزرع وإدراكه.
فرع آخر
لو شرطا التبن لصاحب البذر والحب للثاني وجهان، ولو شرطا أن يكون التبن والحب لهما جاز.
فرع آخر
لو كان بين [142/ ب] النخل المساقاة زرع لرب النخل كالموز والبطيخ وقصب
الجزء: 7 - الصفحة: 123
السكر فساقاه على النخل والزرع معًا على أن يعمل فيها بالنصف منها فيه وجهان تجوز المساقاة في الزرع تبعًا للمساقاة في النخل كما تجوز المخابرة تبعًا للمساقاة، والثاني: لا تجوز، والفرق أن المساقاة على الزرع هي استحقاق بعض الأصل والمخابرة على الأرض لا يستحق فيها شيء من الأصل.
فرع آخر
لو كان في البياض بين النخيل زرع ثابت هل يجوز المزارعة عليه؟ وجهان مبنيان على القولين في الثمرة الخارجة هل تجوز المساقاة عليها أم لا.
فرع آخر
إذا زرع العامل البياض من غير إذن رب النخل قال الشافعي: هو كمن زرع أرض غيره لغير إذنه يعني أنه بمنزلة الغاصب، وقد ذكرنا، وقال أبو حنيفة: إذا زرع أرض غيره وقلعه مضر بالأرض أجبر الزارع على أخذ قيمته مقلوعًا إذا أراد صاحب الأرض، وعندنا لا يجبر عليه.
فرع آخر
لو قال: ساقيتك على النخل والأرض بالنصف لم يصح في الأرض لأن المساقاة لا يتناولها وصح في النخل ويجب أن يبنى هذا على تفريق الصفقة.
مسألة: قال: "ولا تجوزُ المساقاةُ إلا على جزءٍ معلومٍ"
الفصل
وهذا كما قال: إذا ساقاه على جزء معلوم من الثمار يجوز كما قلنا في القراض، ولا فرق بين أن يشترط له الأقل ولرب المال الأكثر أو بالضد من هذا ولا يجوز حتى يكون السهم معلومًا من جميع ثمرة النخل، ولو ساقاه على أن لرب المال ثمرة نخلاتٍ بعينها وثمرة الباقي للعامل أو على أن للعامل ثمرة نخلاتٍ بعينها ولرب المال ما بقي أو على أن لرب المال صاعًا منها وما فضل للعامل أو على أن للعامل صاعًا منها ولرب المال ما بقي فالكل باطل لأنه يفضي إلى أن ينفرد أحدهما: بكل الثمار ولا شيء لصاحبه فيه، فإن عمل فله أجر مثله فيما عمل والثمرة كلها لرب النخل وهكذا الحكم في كل موضع حكمنا بفساد المساقاة.
مسألة: قال: " ولو دخلَ في النخلِ على الإجارة" [143/ أ].
الفصل
وهذا كما قال: هذه المسألة ليست من كتاب المساقاة وإنما هي من كتاب الإجارة، وإنما ذكرها الشافعي ها هنا ليبين الفرق بين المساقاة والإجارة فإن المساقاة جائزة على ثمرةٍ لم تخلق ولا تجوز الإجارة عليها إلا بعد وجودها، فإذا ثبت هذا نقول: إذا استأجر
الجزء: 7 - الصفحة: 124
رجلًا ليعمل له عملًا ثمرة النخل لا تخلوا الثمرة من أن يكون معدومة أو موجودة، فإن كانت معدومة لا يجوز أن يستأجر على بعضها، وإن كانت موجودة لا يخلو إما أن يكون قد بدأ فيها الصلاح أو لم يبد، فإن كان قد بدأ فيها الصلاح فالإجارة جائزة من غير شرط القطع سواء جعل جميع الثمرة له أو جزءًا معلومًا منها أو ثمرة نخلاتٍ بعينها، وإن لم يبد فيها الصلاح لا يجوز العقد عليها إلا بشرط القطع كما قلنا في البيع وإذا شرط القطع، فإن شرط له جميع الثمرة جاز لأنه إذا جاز أن يكون مبيعًا جاز أن يكون أجرةً، وإن شرط له جزءًا معلومًا لا يجوز لأنه لا يقدر على قطعه إلا بقطع جميعه ولا سبيل له إلى قطع نصيب صاحبه بوجهٍ من الوجوه فلم يصح العقد عليه بهذا الشرط، وإن كان بلفظ المساقاة لا يخلو إما أن تكون الثمرة موجودة أو معدومة، فإن كانت معدومة جاز، وإن كانت موجودة قال في "الأم" إذا ساق على ثمرةٍ حصلت جاز لأنه إذا جاز والثمرة معدومة كان جوازها والثمرة موجودة أولى لأن الغرر أقل وبه قال مالك.
وقال في "البويطي": إذا ساق عليها وقد خلقت لم تجز فالمسألة على قولين ووجه ما قال في البويطي أن الثمرة إذا ظهرت دخلت في ملكه فلا يجوز أن يشترط سهمًا من عين ملكه كما في القراض، ولأن علة جوازها أن يكون لعلمه تأثير في حصول الثمرة كما يكون في القراض لعمل العامل تأثير في حصول الربح وهذا أصح وهذا إذا كان بقي من العمل عليها ما فيه مستزاد في الثمار مثل السقي وتصريف الجريد وقطع الحشيش المضر [143/ ب] بالنخل، فأما إذا لم يبق من العمل عليها ما فيه مستزاد في الثمرة مثل إن بلغت أوان الجداد لا يجوز قولًا واحدًا.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: يجوز قبل بدو الصلاح قولًا واحدًا وبعد بدو الصلاح وجهان، وقال المزني: إن كان قبل بدو الصلاح يجوز وبعده لا يجوز، وقال أبو ثور: إن احتاجت إلى القيام بها حتى تطيب جاز وإلا فلا يجوز، وقال أبو يوسف ومحمد: إن كانت تزيد جاز وإلا فلا يجوز.
مسألة: قال: "وكلُّ ما كانَ فيه مستزاد في الثمرةِ من إصلاحِ الماءِ".
الفصل
وهذا كما قال: الأعمال التي تعمل في النخل على ثلاثة أضرب أحدها ما كان مستزادًا في الثمرة ولا يزاد لأجل النخل مثل التلقيح والسقي وتصريف الجريد وإصلاح الآبار والأجاجين وهي المواضع التي يجتمع الماء فيها تحت النخيل وقطع الحشيش المضر بالنخل وإدارة ثور الدولاب واللقاط عند اللقاط والصرام عند الصرام ونحو ذلك يستحق على العامل من غير شرط، فإن شرطها في عقد المساقاة على رب النخل لم
الجزء: 7 - الصفحة: 125
يصح قال القفال: ومن جملة هذا تنقية البئر أو النهر من الحمأ الذي فيه لا من تراب آخر طرح فيه فطمت به.
وقال بعض أصحابنا: في اللقاط والجداد وجهان أحدهما: ما ذكرنا، والثاني: لا يلزم العامل إلا بشرط لتكامل الثمرة بغيره، وقال في "الحاوي": السقي وقطع الحشيش المضر بالنخل مما يعود نفعهما إلى النخل والثمرة معًا، فإن كان مما لا تصلح الثمرة إلا به كالسقي فيما لا يشرب بعروقه من النخل فهو على العامل يستحق من غير شرط، وإن كان مما يشرب بعروقه كنخيل البصرة فهو وغيره من الشروط التي تكون من هذا الجنس على ثلاثة أوجه أحدها أنها على العامل والشرط فيه تأكيد لما يه من صلاح النخل وزيادة الثمرة، [144/ أ] والثاني: أنها على رب النخل واشتراطها على العامل يبطل العقد لأنه بصلاح النخل أخص منه بصلاح الثمرة، والثالث: يجوز اشتراطها على العامل لما فيه من زيادة الثمرة، ويجوز اشتراطها على رب النخل لما فيه من صلاح النخل، وإن أغفل لم يلزم واحدًا منهما، أما العامل فلأنه لا يلزمه إلا ما كان من موجبات العقد أو من شروطه، وأما رب النخل فأنه لا يجبر على تثمير ماله.
وقال أبو إسحاق: إذا أهمل ذكر هذا العمل في العقد ولم يشترط على واحدٍ منهما لم يصح العقد لأنه ليس أحدهما: بالتزامه بأولى من الآخر حكاه القاضْي الطبري.
والثاني: ما يراد لأجل النخل وليس فيه مستزاد في الثمرة مثل سد الحظار وإصلاح الدولاب وحفر الأنهار لاستخراج الماء فهذا كله على رب المال، فإن شرط على العامل بطل عقد المساقاة.
وقال بعض أصحابنا: يبطل الشرط وتصح المساقاة بناءً على الشرط الزائد في الرهن يبطل ولا يبطل الرهن في أحد القولين، وقال مالك: يجوز أن يشترط على العامل كل ما يعود نفعه إلى رب النخل من عمارة الحائط ونحوها، والثالث: ما يراد للنخيل والثمرة كالثور الذي يدير الدولاب وكسح النهر لإجراء الماء فيه ونحو ذلك قال أكثر أصحابنا يجوز شرطها على العامل ويجوز شرطها على رب المال وإن أطلق بطل هكذا ذكره القاضي الطبري وقد ذكرنا في ثلاثة أوجه وقيل: ثور الدولاب كبناء الدولاب ولا يجوز شرطه على العامل قولًا واحدًا وهذا أقيس عندي، وكذلك كسح الأنهار لإجراء الماء إلا على ما وصفنا، وقال بعض أصحابنا: كل ما قلنا أنه على العامل إذا شرطه على رب المال يبطل العقد إلا السقي فإنه قال في البويطي: إذا شرط سقي الماء على رب المال يجوز لأن الشافعي قال: لو ساقاه على بعلٍ جاز والبعل لا يشرب بعروقه من غير سقي وبالله التوفيق.
الجزء: 7 - الصفحة: 126