بحر المذهب للرويانيصفحات 316-355

مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى المُنْبَعِثِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلَهُ عَنْ اللُّقَطَةِ فَقَالَ: اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَانُكَ بِهَا».
وَعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ نَحْوَ ذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِي: فَبِهَذَا أَقُول.
قال في الحاوي: وهذا كما قال وهذا الحديث هو الأصل في اللقطة وقد رواه الشافعي في «الأم» بتمامه وأنه سأله بعد قوله فشأنك بها عن ضالة الغنم فقال: «لك أو لأخيك أو للذئب» فقال: فضالة الإبل؟ قال: «مالك ولها معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها» أما قوله في ضالة الغنم: «هي لك» يعني إن أخذتها أو لأخيك إن أخذها غيرك» أو للذئب يعني إن لم تؤخذ أكلها الذئب فأما قوله في ضالة الإبل: «مالك ولها» أي لا تأخذها وقوله: «معها سقاؤها» يعني أعناقها التي تتوصل بها إلى الماء فلا تحتاج إلى تقريب الراعي ومعونته وقوله: حذاؤها يعني خفاف أرجلها التي تقدر بها على السير وطلب المرعى وتمتنع من صغار السبع فخالفت الغنم من هذه الوجوه الثلاثة.
وروى مطرب بن عبد الله عن ابيه أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إنا نصيب هوامي الإبل فقال: «ضالة المؤمن حرق النار» وهو من الإبل: هي المهملة التي لا راعي لها، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه قال: «لا يأوي الضالة إلا ضال».

وروى الشافعي يحيى بن سعيد عن الثوري عن سلمة بن كهيل عن سويد بن غفلة أنه سأل أبيّ بن كعب رضي الله عنه عن سوط وجده فقال: إني وجدت صرة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها مائة دينار فذكرتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: «عرفها حولًا فإن وجدت من يعرفها فادفعها إليه وإلا فاستمتع بها» وروى الشافعي عن عبد العزيز عن شريك عن عطاء بن يسار عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه وجد دينارًا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره له فأمره أن يعرفه فلم يعرف فأمره بأكله ثم جاء صاحبه فأمره أن يغرمه.
فصل: فإذا ثبت ما روينا فاللقطة والضوال مختلفان في الجنس والحكم.
فالضوال الحيوان لأنه يضل بنفسه وسنذكر حكمه، واللقطة غير الحيوان سميت بذلك لالتقاط واجدها لها ولها حالتان.
إحداهما: أن توجد في أرض مملوكة فلا يجوز لواجدها التعرض لأخذها وهي في الظاهر لمالك الأرض إذا دعاها.
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن اللقطة فقال: «ما كان منها في طريق ميتاء فعرفها حولًا فإن جاء صاحبها وإلا فهي لك وما كان منها من خراب ففيها وفي الركاز الخمس».
وقوله في طريق ميتاء يعني مملوكة قديمة سميت بذلك لإتيان الناس إليها وروي في طريق مأتى سميت بذلك لإتيان الناس إليها.
والثانية: أن توجد في أرض غير مملوكة من مسجد أو طريق أو موت فلا يخلو ذلك من أحد أمرين أما أن تكون بمكة أو بغير مكة فإن كانت بغير مكة من سائر البلاد فعلى ضربين ظاهر ومدفون فإن كان ظاهرًا فعلى ضربين: أحدهما: ما لا يبقى كالطعام الرطب فله حكم نذكره من بعد.
والثاني: أن يكون مما يبقى كالدراهم والدنانير والثياب والحلي والقماش فهذه هي اللقطة التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم «اعرف عفاصها ووكاءها وعرفها حولًا فإن جاء صاحبها وإلا فشانك بها».فعليه أن يقيم لشروط تعريفها ثم له بعد الحول إن لم يأت صاحبها أن يتملكها، وإن كان مدفونًا فضربان: جاهلي وإسلامي فإن كان إسلاميًا فلقطة أيضًا وهي على ما ذكرنا وإن كان جاهليًا فهو ركاز يملكه واجده وعليه إخراج خمسه في

مصارف الزكوات لقوله صلى الله عليه وسلم وفي الركاز الخمس.
وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «وفي السيوب الخمس» يعني الركاز.
قال أبو عبيد ولا أراه أخذ إلا من السيب وهو العطية.
فصل: وإن كانت اللقطة بمكة فذهب الشافعي رحمه الله أنه ليس لواجدها أن يتملكها وعليه أن أخذها إن يقيم بتعريفها أبدًا بخلاف سائر البلاد.
وقال بعض أصحابنا: مكة وغيرها سواء في اللقطة استدلالًا بعموم الخبر وهذا خطأ، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن إبراهيم حرم مكة فلا يختلي خلاءها ولا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها ولا تحل لقطتها إلا لمنشد» وفي المنشد تأويلان: أحدهما: وهو قول أبي عبيد أنه صاحبها الطالب والناشد وهو المعرف الواجد لها قاله الشاعر: يَصِيحُ لِلنَّبْأَةِ أَسْمَاعَهُ إِصَاحَةَ النَّاشِدِ لِلْمُنْشِدِ فكأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لأحد أن يتملكها إلا صاحبها التي هي له دون الواجد»، والتأويل الثاني وهو قول الشافعي أن المنشد الواجد المعرف الناشد هو المالك الطالب.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلًا ينشد ضالة في المسجد فقال: «أيها الناشد غيرك الواجد».معناه لا وجدت كأنه دعا عليه فعلى هذا التأويل معنى قوله لا تحل لقطتها إلا لمنشد أي لمعرف يقيم على تعريفها ولا يتملكها فكان في كلا التأويلين دليل على تحريم تملكها ولأن مكة لما باينت غيرها في تحريم صيدها وشجرها تغليظًا لحرمتها باينت غيرها في ملك اللقطة ولأن مكة لا يعود الخارج منها غالبًا إلا بعد حول إن عاد فلم ينتشر إنشادها في البلاد كلها فلذلك وجب عليه إدامة تعريفها ولا فرق بين مكة وبين سائر الحرم لاستواء جميع ذلك في الحرمة فأما عرفه ومصلى إبراهيم صلى الله عليه وسلم ففيه وجهان: أحدهما: أنه حل تحل لقطته قياسًا على جميع الحل، والوجه الثاني: أنه كالحرم لا تحل لقطته إلا لمنشد لأن ذلك مجمع الحاج وينصرف النفار منه في سائر البلاد كالحرم ثم اختلفوا في جواز إنشادها في المسجد الحرام مع اتفاقهم على تحريم إنشادها في غيره من المساجد على وجهين: أصحهما جوازه اعتبارًا بالعرف وأنه مجمع الناس.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: وَبِهَذَا أَقُولُ وَالْبَقَرُ كَالإِبِلِ لأَنَّهُمَا يَرِدَانِ المِيَاهَ وَإِنْ

تَبَاعَدَتْ وَيَعِيشَانِ أَكْثَرَ عَيْشِهِمَا بِلَا رَاعٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْرِضَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَالمَالُ وَالشَّاةُ لَا يَدْفَعَانِ عَنْ أَنْفُسِهِمَا فَإِنْ وَجَدَهُمَا فِي مَهْلَكَةٍ فَلَهُ أَكْلُهُمَا وَغُرْمُهُمَا إِذَا جَاءَ صَاحِبُهُمَا وَقَالَ فِيمَا وَضَعَهُ بِخَطِّهِ لَا أَعْلَمُهُ بِسَمْع مِنْهُ وَالخَيْلُ وَالبِغَالُ وَالحَمِيرُ كَالبَعِيرِ لأَنَّ كُلَّها قَوِيٌّ مُمْتَنِعٌ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ بَعِيدُ الأَثَرِ فِي الأَرْضِ وَمِثْلُهَا الظَّبْيُ لِلرَّجُلِ وَالأَرْنَبِ وَالطَّائرِ لِبُعْدِهِ فِي الأَرْضِ وَامْتِنَاعِهِ فِي السُّرْعِةِ».
قال في الحاوي: اعلم أن ضوال الحيوان إذا وجدت لم يخل حالها من أحد أمرين: إما أن توجد في مصر أو في صحراء فإن وجدت في مصر فيأتي وإن وجدت في صحراء فعلى ضربين: أحدهما: أن تكون مما يصل بنفسه إلى الماء والرعي ويدفع عن نفسه صغار السباع.
أما لقوة جسمه كالإبل والبقر والخيل والبغال والحمير وأما البعد أثره كالغزال والأرنب والطير فبهذا النوع لا يجوز لواجده أن يتعرض لأخذه إذا لم يعرف مالكه لقوله صلى الله عليه وسلم في ضوال الإبل: «ما لك ولها معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وتأكل الشجر ذرها حتى تلقى ربها» ولأنها تحفظ أنفسها فلم يكن لصاحبها حظ في أخذها، فإن أخذها لم يخل من أحد أمرين: إما أن يأخذها لقطة ليمتلكها إن لم يأت صاحبها فهذا متعد وعليه ضمانها فإن أرسلها لم يسقط الضمان.
وقال أبو حنيفة ومالك قد سقط الضمان عنه بالإرسال بناء على من تعدى في وديعة ثم كف عن التعدي فعندهما يسقط الضمان عنه وعندنا لا يسقط فإن لم يرسلها ولكن دفعها إلى مالكها فقد سقط عنه ضمانها بأدائها إلى مستحقها وإن دفعها إلى الحاكم عند تعذر المالك ففي سقوط الضمان وجهان: أحدهما: قد سقط لأن الحاكم نائب عمن غاب.
والثاني: لا يسقط لأنها قد تكون لحاضر لا يولى عليه.
والثانية: ألا يأخذها لقطة ولكن يأخذها حفظًا على مالكها فإن كان عارفًا بمالكها لم يضمن ويده يد أمانة حتى تصل إلى المالك وإن كان غير عارف للمالك ففي وجوب الضمان وجهان: أحدهما: لا ضمان لأنه من التعاون على البر والتقوى.
والثاني: عليه الضمان لأنه ولاية له على غائب فإن كان واليًا كالإمام أو الحاكم فلا ضمان عليه فقد روي أن عمر رضي الله عنه كانت له حظيرة يحضر فيها ضوال الإبل فهذا حكم أحد الضربين.
فصل: والضرب الثاني: ما لا يدفع عن نفسه ويعجز عن الوصول إلى الماء والرعي كالغنم والدجاج فلو أخذه فأكله في الحال من غير تعريف غنيًا كان أو فقيرًا فعليه غرمه لمالكه إن وجده وبه قال أبو حنيفة وقال مالك وداود هو غير مضمون ويأكله أكل إباحة

ولا غرم عليه في استهلاكه استدلالًا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هي لك أو لأخيك أو للذئب» ومعلوم أن ما استهلكه الذئب هدر لا يضمن وإنما أراد بيان حكم الأخذ في سقوط الضمان ولأن ما استباح أخذه من غير ضرورة إذا لم يلزمه تعريفه لم يلزمه غرمه كالدراهم.
ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» ولأنها لقطة يلزمه ردها مع بقائها فوجب أن يلزمه غرمها عند استهلاكها قياسًا على اللقطة في الأموال ولأنها ضالة فوجب أن تضمن بالاستهلاك كالإبل فأما الجواب عن قوله صلى الله عليه وسلم: «هي لك أو لأخيك أو للذئب» فهو أنه نبه بذلك على إباحة الأخذ وجواز الأكل دون الغرم وأما الركاز لا يلزم رده فلذلك سقط فرمه وليس كذلك الشاة لأن ردها واجب فصار غرمها واجبًا.
فصل: فإذا ثبت جواز أخذ الشاة وما لا يدفع عن نفسه وإباحة أكله ووجوب غرمه فكذلك صغار الإبل والبقر لأنها لا تمنع عن أنفسها كالغنم ثم لا يخلو حال واحد الشاة وما في معناها من أربعة أحوال: إحداها: أن يأكلها فيلزمه غرم ثمنها قبل الذبح عند الأخذ في استهلاكها ويكون ذلك مباحًا لا يأثم به وإن غرم.
والثانية: أن يتملكها ليستبقيها حية لدر أو نسل فلذلك له لأنه لما استباح تملكها مع استهلاكها فأولى أن يستبيح تملكها مع استبقائها ثم في صحة ضمانها وجهان كالعارية مخرجًا وفي اختلاف قوليه في ضمان الصداق أحدهما أنه ضامن لقيمتها في الوقت الذي يملكها فيه.
والثاني: أنه ضامن لقيمتها أكثر ما كانت من حين وقت التملك إلى وقت التلف فإن جاء صاحبها وهي باقية وقد أخذ الواجد درها ونسلها كان الدر والنسل للواحد لحدوثه على ملكه وللمالك أن يرجع بها دون قيمتها فإن بذل له الواجد قيمتها لم يجبر على أخذها مع بقاء عينها إلا أن يتراضيا على ذلك فيجوز فلو كانت الشاة حين رجع المالك بها زائدة في بدنها أو قيمتها لم يكن للواجد حق في الزيادة وكانت للمالك تبعًا للأصل ولو كانت ناقصة رجع المالك بنقصها على الواجد، لأنها مضمونة بالتلف فكانت مضمونة بالنقص.
فصل: والثالثة: أن يستبقيها في يده أمانة لصاحبها فلذلك له لأنه لما أجاز أن يتملكها على صاحبها فأولى أن يحفظها لصاحبها ولا يلزمه تعريفها لأن ما جاز تملكه سقط تعريفه ولا يلزمه إخبار الحاكم بها ولا الإشهاد عليها بل إذا وجد صاحبها سلمها إليه ولا ضمان عليه مدة إمساكها لصاحبها لو تلفت أو نقصت لأن يده يد أمانة كالمعرف.

وقال بعض أصحابنا وجهًا آخر إنه يضمنها لأن إباحة أخذها مقصور على الأكل الموجب للضمان دون الائتمان وهكذا القول فيما حدث من درها ولبنها على المذهب لا يضمنه، وعلى هذا الوجه يضمنه، فإن اتفق عليها أكثر من مؤنة علوفتها فإن كان ذلك منه مع وجود حمى للمسلمين ترى فيه فهو متطوع بالنفقة وليس له الرجوع بها، وإن كان مع عدم الحمى فإن كان عن إذن الحاكم رجع بما أنفق، وإن كان عن غير إذنه فإن كان قادرًا على استئذانه لم يرجع بها، وإن لم يقدر على استئذانه فإن لم يشهد لم يرجع وإن أشهد ففي رجوعه بها وجهان: أحدهما: يرجع للضرورة.
والثاني: لا يرجع لئلا يكون حاكم نفسه.
فلو أراد بعد إمساكها أمانة أن يتملكها ففي جوازه وجهان: أحدهما: له ذلك كالابتداء.
والثاني: ليبس له ذلك لاستقرار حكمها فأما إن أراد أن يتملك درها ونسلها من غير أن يتملك أصلها لم يكن له ذلك وجهًا واحدًا لأنه فرع يتبع أصله فلو أرسلها بعد إمساكها أمانة لزمه الضمان إلا أن يدفعها إلى حاكم فلا يضمن ولو نوى تملكها ثم أراد أن يرفع ملكه عنها لتكون أمانة لصاحبها، لم يسقط عنه ضمانها وفي ارتفاع ملكه عنها وجهان: أحدهما: لا يرتفع ملكه لأن الملك لا يزول إلا بقبول المتملك فعلى هذا يكون مالكًا لما حدث من درها ولبنها لبقائها على ملكه.
والثاني: يرتفع ملكه عنها مع بقاء ضمانها وذلك أحوط لمالكها فوجه ذلك أنه لما جاز أن يتملكها من غير بذل مالكها جاز أن يزول ملكه عنها من غير قبول متملكها.
فعلى هذا يكون الحادث من درها ونسلها ملكًا لربها تبعًا لأصلها وعليه ضمانه كالأصل.
فصل: والرابعة: أن يريد بيعها فلا يخلو ذلك من أحد أمرين: إما أن يبيعها بعد أن يتملكها، فلذلك له كما لو أكلها ويكون ضامنًا لقيمتها دون ثمنها؛ لأنه باعها في حق نفسه.
فلو جاء صاحبها بعد البيع لم يكن له في رقبتها حق لنفوذ البيع ورجع بالقيمة على الواجد.
فلو كان الخيار المجلس أو خيار الشرط في البيع باقيًا فأراد المالك أن يفسخ وأراد البائع الإمضاء ففيه وجهان حكاهما أبو القاسم بن كج: أحدهما: أن القول قول المالك في الفسخ لاستحقاقه الرجوع بعين ماله مع بقائه.
والثاني: أن القول قول البائع في الإمضاء لأن خيار العقد يستحقه العاقد دون غيره فإذا أمضى غرم القيمة دون الثمن وإن أراد بيعها لمالكها جاز إن كان البيع أحظ من الاستبقاء لما يلزم من الإنفاق عليها.
وجاز أن يكون الواجد هو المتولي لبيعها من غير استئذان حاكم بخلاف من أراد بيع مال غريم جاحد فيستوفي منه قدر دينه في أحد الوجهين لأن صاحب الدين يبيعه في حق نفسه فمنع من تفرده به في أحد الوجهين وهذا يبيعه في حق المالك فجاز كالوكيل فإن أراد المالك الفسخ في خيار العقد استحقه وجهًا

واحدًا لبيعها في حقه.
فلو أراد بعد بيعها لمالكها أن يتملك ثمنها لم يكن له ذلك وجهًا واحدًا: بخلاف ما لو أراد أن يتملكها بعينها بعد إمساكها أمانة في أحد الوجهين لأن الثمن قد خرج عن حكم الضوال ولم تخرج هي مع بقائها عن أن تكون ضالة.
فلو كانت الضالة عبدًا فإن كان كبيرًا فكالبعير لا يتعرض لأخذه وإن كان صغيرًا كالشاة يأخذه ويملكه إن شاء لو كانت أمة صغيرة ففي جواز تملكه لها وجهان: أحدهما: يجوز كالعبد الصغير.
والثاني: لا يجوز كما لا يجوز قرض الإماء وإن جاز قرض العبد لأنها ذات فرج فكان حكمها أغلظ فعلى هذا إتباع على مالكها إن كان البيع أحظ.
ثم هل يجوز للواجد أن يتملك ثمنها أم لا؟ على وجهين: أحدهما: لا يجوز كالأصل.
والثاني: يجوز لأن معنى الأصل مفقود في الثمن.
فلو كان عبدًا فباعه الواجد له ثم حضر المالك فذكر أنه كان قد أعتقه قبل البيع.
قال الشافعي القول قوله وعليه اليمين إن طلبها المشتري لأنه مقر في ملك لم يزل قال الربيع وفيه قول آخر إن قوله غير مقبول لأن بيع الواجد كبيعه في اللزوم: فعلى ما نص عليه الشافعي من قبول قوله يكون البيع باطلًا ويصير العبد حرًا ويلزم بائعه الواحد أن يرد ثمنه على المشتري سواء باعه في حق المالك أو في حق نفسه، ولو كان الواجد قد باعه في حق المالك وضاع الثمن من يده بغير تفريط رجع المشتري به على الواجد القابض له فلم يكن للواجد أن يرجع على المالك بثمن ما قد حكم بنفوذ عتقه، فأما على القول الذي خرجه الربيع أن قول المالك فيه غير مقبول فيكون البيع نافذًا إن حلف المشتري عليه والعبد على رقه للمشتري ثم ينظر فإن كان الواحد قد باعه في حق نفسه فله أن يتملك الثمن ما لم يصدق المالك ولا يلزمه غرم القيمة لادعاء المالك حريته التي يسقط معها استحقاق قيمته.
وإن كان الواجد قد باعه في حق المالك كان الثمن موقوفًا في يديه بين المشتري والمالك فإن عاد المشتري فأكذب نفسه وأقر بالعتق فله استرجاع الثمن ويحكم بحرية العبد، وإن عاد المالك فأكذب نفسه وأقر ببقاء الرق ففي قبول قوله في تملك الثمن وجهان: أحدهما: لا يقبل قوله في ملك الثمن كما لا يقبل قوله في استرقاق ما أقر بحريته.
والثاني: أن يقبل قوله في تملك الثمن وإن لم يقبل قوله في استرقاق ما أقر بحريته لبقاء الملك على الثمن وزواله عن الحر والله أعلم.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «وَيَاكُلُ اللُّقَطَةَ الغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ وَمَنْ تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ

وَتَحْرُمُ عَلَيْهِ قَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أُبَيُّ بْنَ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَهُوَ مِنْ أَيْسَرِ أَهْلِ المَدِينَةِ أَوْ كَأَيْسَرِهِمْ وَجَدَ صُرَّةً فِيهَا ثَمَانُونَ دِينَارًا أَنْ يَاكُلَهَا وَأَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أّنَّهُ وَجَدَ دِينَارًا فَأَمَرَهُ أَنْ يُعَرِّفَهُ فَلَمْ يَعْرِفْ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ بِأَكْلِهِ فَلَمَّا جَاءَ صَاحِبُهُ أَمَرَهُ بِدَفْعِهِ إِلَيْهِ وَعَلَيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مِمَّنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ لأَنَّهُ مِنْ صُلْبِيَّةُ بَنِي هَاشِمْ».
قال في الحاوي: وهذا كما قال يجوز لواجد اللقطة بعد تعريفها حولًا أن يتملكها ويأكلها غنيًا كان أو فقيرًا وقال أبو حنيفة يجوز له ذلك إن كان فقيرًا ولا يجوز له ذلك إن كان غنيًا أن يتملكها ويكون مخيرًا فيها بين أمرين: إما أن تكون في يده أمانة لصاحبها أبدًا كالوديعة وإما أن يتصدق بها فإن جاء صاحبها وأمضى صدقته فله ثوابها ولا غرم على الواجد وإن لم يمض الصدقة فثوابها للواجد عليه غرمها استدلالًا بما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «فإن جاء صاحبها وإلا تصدق بها» وهذا نص، قال: ولأنه مال يعتبر فيه الحول فوجب أن يختلف فيه حار الغني والفقير كالزكاة ولأنه مال مسلم فوجب ألا يحل إلا للمضطر قياسًا على غير اللقطة ودليلنا عموم قوله صلى الله عليه وسلم لواجد اللقطة: «فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك» بها يقتضي التسوية بين الغني والفقير.
وروي عن أبيّ بن كعب وجد صرة فيها ثمانون دينارًا وروى مائة دينار فأخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «عرفها حولًا فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها» قال الشافعي: وأبي من أيسر أهل المدينة أو كان أيسرهم ولو لم يكن موسرًا لصار بعشرين دينارًا منها موسرًا على قول أبي حنيفة فدل ذلك على أن الفقر غير معتبر فيها، وإن الغني لا يمنع منها.
وروى عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وجد دينارًا فأتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله وجدت هذا الدينار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عرفة ثلاثًا» فعرفه ثلاثًا فلم يجد من يعرفه فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: «كله أو سائل به» فابتاع منه بثلاثة دراهم شعيرًا وبثلاثة دراهم تمرًا وقضى عنه ثلاثة دراهم وابتاع بدرهم لحمًا وبدرهم زيتًا وكان الصرف على أحد عشر درهمًا بدينار حتى إذا أكله جاء صاحب الدينار يتعرفه فقال علي عليه السلام: قد أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بأكله، فانطلق صاحبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا جاء ناشئ أديناه إليك» وكان صاحب الدينار يهوديًا.
قال الشافعي: وعلى ممن تحرم عليه الصدقة لأنه من طينة بني هاشم ولو كانت اللقطة تستباح بالفقر دون الغنى لحظرها عليه ولأن كل من كان من أهل الالتقاط جاز أن يرتفق بالأكل والتملك كالفقير ولأن ما ثبت للفقير في اللقطة ثبت للغني كالنسك والصدقة، ولأن كل ما استباح الفقير إتلافه بشرط الضمان استباح الغني إتلافه بشرط الضمان كالقرض ولا يدخل عليه طعام المضطر لاستوائهما فيه وقد جعل المضطر أصلًا فيقول كل ارتفاق بمال الغير إذا كان مضمونًا استوى فيه الغني والفقير كأكل مال الغير

للمضطر، ولأنه استباح إتلاف مال الغير لمعنى في المال فوجب أن يستوي فيه حكم الغني والفقير كالنحل الصائل، ولأن كل ما استباح تناوله عند الإياس في الأغلب من مالكه استوى فيه حكم الغني والفقير كالركاز ولأنه لا يخلو حال اللقطة في يد واجدها من أن تكون في حكم المغصوب فيجب انتزاعها قبل الحول وبعده من الغني والفقير أو في حكم الودائع فلا يجوز أن يتملكها فقير ولا أن يتصدق بها غني أو حكم الكسب فيجوز أن يتملكها الغني والفقير.
ومذهب أبي حنيفة فيها مخالف لأصول هذه الأحكام الثلاثة فكان فاسدًا.
ثم يقال لأبي حنيفة: الثواب إنما يستحق على المقاصد بالأعمال لا على أعيان الأفعال لأن صورها في الطاعة والمعصية على سواء كالمرائي بصلاته ثم لا يصح أن يكون ثواب العمل موقوفًا على غير العامل في استحقاقه وإحباطه فأما الجواب عن قوله صلى الله عليه وسلم: «تصدق بها» فمحمول على أن الواجد سأله عن ذلك فأذن له فيه.
وأما الزكاة فلا معنى للجمع بينها وبين اللقطة لأن الزكاة تملك غير مضمون ببدل واللقطة تأخذ مضمونة ببدل فكان الغني أحق بتملكها لأنه أوفى ذمة وأما ما ذكروه من المضطر فقد جعلناه أصلًا وبالله التوفيق.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «وَلَا أُحِبُّ لأَحِدٍ تَرْكَ لُقَطَةٍ وَجَدَهَا إِذَا كَانَ أَمِينًا عَلَيْهَا».
قال في الحاوي: وهذا صحيح.
وظاهر قوله ها هنا ولا أحب ترك اللقطة يقتضي استحباب أخذها دون إيجابه وقال في كتاب الأم ولا يجوز لأحد ترك اللقطة إذا وجدها فكان ظاهر هذا القول يدل على إيجاب أخذها فاختلف أصحابنا لاختلاف هذين الظاهرين وكان أبو الحسن بن القطان وطائفة يخرجون ذلك على اختلاف قولين: أحدهما: أن أخذها استحباب وليس بواجب عليه حراسة نفس أخيه المسلم وجب عليه حراسة مال أخيه المسلم.
والثاني: أن أخذها واجب وتركها مأثم لأنه كما وجب عليه حراسة نفس أخيه المسلم وجب عليه حراسة مال أخيه المسلم.
وقال جمهور أصحابنا: ليس ذلك على قولين إنما هو على اختلاف حالين فالموضع الذي لا يأخذها إذا كانت تؤمن عليها ويأخذها غيره ممن يؤدي الأمانة فيها والموضع الذي أوجب عليه أخذها إذا كانت في موضع لا يؤمن عليها ويأخذها غيره ممكن لا يؤدي الأمانة فيها لما في ذلك من التهاون وعلى كلا الحالتين لا يكره له أخذها إذا كان أمينًا عليها وحكي عن ابن عباس وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنهما كرها أخذها.
وروي أن شريح مرّ بدرهم فلم يعرض له، وفي هذا القول إبطال التعاون وقطع

المعروف، وقد أخذ أبيّ بن كعب الصرة التي وجدها وأخذ علي عليه السلام الدينار، وأخبرا به النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكر ذلك عليهما ولا كرهه لهما ويجوز أن يكون المحكي عن ابن عباس وابن عمر فيمن كان غير مأمون عليها أو ضعيفًا عن القيام بها ونحن نكره لغير الأمين عليها وللضعيف عن القيام بها أن يتعرض لأخذها وإنما نأمر به من كان أمينًا قويًا فلو تركها القوي الأمين حتى هلكت فلا ضمان عليه وإن أساء فإن أخذها لزمه القيام بها وإن تركها بعد الأخذ لزمه الضمان ولو ردها على الحاكم فلا ضمان عليه بخلاف الضوال في أحد الوجهين؛ لأنه ممنوع من أخذ الضوال فضمنها وغير ممنوع من أخذ اللقطة فلم يضمنها.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «فَعَرَّفَهَا سَنَةً عَلَى أَبْوَابِ المَسَاجِدِ وَالأَسْوَاقِ وَمَوَاضِعِ العَامَّةِ وَيَكُونُ أَكْثَرُ تَعْرِيفِهِ فِي الجُمُعَةِ الَّتي أَصَابَهَا فِيهَا فَيَعْرِفُ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا وَعَدَدَهَا وَوَزْنَهَا وَحِليَتَهَا وَيَكْتُبُهَا وَيَشْهَدُ عَلَيْهَا».
قال في الحاوي: وهذا كما قال: واجد اللقطة وإن كان مخيرًا في أخذها فعليه بعد الأخذ القيام بها والتزام الشروط في حفظها على مالكها والشروط التي يؤمر بها أخذ اللقطة سبعة أشياء جاء النص ببعضها والتنبيه على باقيها.
أحدها: معرفة عفاصها وهو ظرفها الذي هي فيه عند التقاطها.
والشرط الثاني: معرفة وكاءها وهو الخيط المشدودة به وبهذين الشرطين جاء النص ولأنها تتميز بمعرفة هذين عن جميع أمواله فيأمن اختلاطها بها.
والشرط الثالث: معرفة عددها تنبيهًا بالنص لأنه معرفة عددها أحوط من تميزها عن الظرف لأن الظرف قد يشتبه.
والشرط الرابع: معرفة وزنها ليصير به معلومًا يمكن الحكم به أن وجب غرمها.
والشرط الخامس: أن يكتب بما وصفناه من أوصافها كتابًا وأنه التقطها من موضع كذا في وقت كذا لأنه ربما كان ذكر المكان والزمان مما يذكره الطالب من أوصافها.
والشرط السادس: أن يشهد على نفسه بها شاهدين أو شاهدًا وامرأتين ليكون وثيقة عليه خوفًا من حدوث طمعه فيها ولأنه ربما مات ولم يعلم وارثه بها أو غرماؤه ولئلا يحدث من الورثة الطمع.
وقد روي في بعض الأخبار أنه قال لواجد اللقطة وأشهد ذوي عدل.
والشرط السابع: أن يعرفها لأمر النبي صلى الله عليه وسلم به لواجدها ولأنه طريق إلى علم مالكها إلا بالتعريف لها فإذا أكمل حال هذه الشروط السبعة على ما سنذكره من صفة التعريف

فقد أقام بحقوقها.
وربما استغنى عن بعض هذه الشروط في بعض اللقطة لأنه ربما وجد دينارًا أو درهمًا فلا يكون له عفاص ولا وكاء فلا يحتاج إلى معرفتها، والواجب من ذلك كله شرطان متفق عليهما وثالث مختلف فيه أحد الشرطين المتفق عليهما تميزها عن أمواله كلها بأي وجه تميزت به سواء احتاج معه إلى معرفة عفاص ووكاء أو لم يحتج والثاني التعريف الذي به يصل إلى معرفة المالك وإعلامه.
وأما المختلف فيه فالإشهاد عليها ولأصحابنا في وجوب الإشهاد على اللقطة والملقوط ثلاثة أوجه: أحدها: أن الإشهاد فيهما واجب لما فيه من الوثيقة وفي تركه من التغرير.
والثاني: أن الإشهاد فيهما مستحب لأن الواجد مؤتمن فلم يجب عليه الإشهاد كالوصي والمودع.
والثالث: أن الإشهاد على التقاط المنبوذ واجب والإشهاد على أخذ اللقطة ليس بواجب والفرق بينهما أن اللقطة كسب مال فكان أمرها أخف واللقيط يتعلق به نسب وإثبات حرية فكان أمره أغلظ.
ألا ترى أن البيع لما كان اكتساب مال لم يجب فيه الشهادة ولما كان النكاح مفضي إلى إثبات نسب وجبت فيه الشهادة.
فصل: فإذا تقرر ما وصفنا من شروطها فنشرح حال المقصود منها وهو التعريف والكلام فيه يشتمل على ثلاثة فصول: أحدها: في مدة التعريف.
والثاني: في مكان التعريف.
والثالث: في صفة التعريف.
فأما مدة التعريف فمذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك وجمهور الفقهاء أنه يعرفها حولاً كاملًا ولا يلزمه الزيادة عليه ولا يجز به النقصان عنه وقال شاذ من الفقهاء يلزمه أن يعرفها ثلاثة أحوال لا يجزيه أقل منها استدلالًا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر واجد اللقطة أن يعرفها حولًا وروى في ذلك خبرًا.
وقال آخر: يعرفها ثلاثة أيام استدلالًا بحديث علي عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بتعريفها ثلاثًا.
والدليل على وجوب تعريفها حولًا حديث زيد بن خالد الجهني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة فإن جاء صاحبها وإلا فشانك بها».وحدثنا أبيّ بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بتعريفها حولًا.
ولأن الحول في الشرع أصل معتبر في الزكاة والحرية فكان أولى أن يكون معتبرًا في اللقطة ولأن الحول جميع فصول الأزمنة الأربعة وينتهي إلى مثل زمان وجودها فكان الاقتصار على ما دونه تقصيرًا والزيادة عليه مشقة.
فأما الاستدلال الأول بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يعرفها حولًا ثم حولًا فعنه جوابان: أحدهما: أنه محمول على من اختار ذلك فسأله عن الجواز دون الوجوب.
والثاني: يحصل على أنه أمره ثلاث مرات أن يعرفها حولًا فكان الحول واحدًا والأمر به ثلاثًا.

وأما الاستدلال أحمد على الشهر بالخبر الذي رواه عنه فمحمول على من بقي من حوله شهر.
وأما من استدل بأنه أمر عليًا عليه السلام بأن يعرفه ثلاثًا فعنه جوابان: أحدهما: حمله على الأمر ثلاثًا بالتعريف على ما تقدم.
والثاني: أنه أمره بتعريفه بنفسه ثلاثًا ليستكمل غيره مدة التعريف.
والثالث: أنه يجوز أن يكون علم من ضرورته ما أباح له ذلك قبل بلوغ أجله فإن للمضطر أن يستبيح من مال غيره ما يدفع به ضرورة وقته وذلك ظاهر من قول بعض الشعراء حيث قال: إِذَا صَادَفَ الْمَلِكَ دِينَارٌ وَقَدْ حَلَّتْ لَهُ عِنْدَ الضَّرُورَاتِ اللُّقَطْ دِينَارُكَ اللهُ تَوَلَّى نَقْشَهُ كَذَلِكَ الْحِنْطَةُ مِنْ خَيْر الحِنطْ فإذا وجب تعريفها حولًا بما ذكرنا فأول وقت الحول من ابتداء التعريف لا من وقت الوجود وليس عليه أن يستديم تعريفها في جميع نهاره ولكن عليه أن يشيع أمرها في كل يوم بالنداء عليها مرتين أو ثلاثًا لا سيما في ابتداء الأمر وأوله ثم يصير التعريف في كل أسبوع مرتين أو ثلاثًا حتى يصير في الأسبوع مرة لا يقصر عنها فلو عرفها سنة أشهر ثم أمسك عن تعريفها ستة أشهر فهو غير مستوف لمدة التعريف وعليه أن يعرفها ستة أشهر أخرى ليستكمل الحول في تعريفها ثم ينظر حاله عند إمساكه لها بعد ستة أشهر من تعريفها فإن كان قد نوى تملكها فقد ضمنها ولا يصير مالكًا لها وإن لم ينو تملكها فهل يصير ضامنًا لها أم لا؟ على وجهين: أحدهما: قد ضمنها لأن إمساكه عن التعريف تقصير.
والثاني: لا يضمنها لأن إتيانه بالتعريف يوجب عليه استيفاء جميعه ولا يكون ذلك تقصيرًا وهذا قول المزني.
فصل: فأما مكان التعريف ففي مجامع الناس ومحافلهم من البلد الذي وجدها فيه وإن وجدها واجدها في صحراء قفرًا أو على حادتها من البلاد المقاربة لها، وليكن تعريفها على أبواب المساجد فقد سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا ينشد ضالته في المسجد فقال: «أيها الناشد غيرك الواجد» وليكثر من تعريفها في محاط الرجال ومناخ الأسفار وفي الأسواق فأما الضواحي الخالية فلا يكون إنشادها فيه تعريفًا.
وروى المزني عن الشافعي أنه قال: ويكون أكثر تعريفها في الجمعة التي أصابها فيه.
وروى الربيع عن أنه قال: في الجماعة التي أصابها فيها، فكان بعض أصحابنا ينسب المزني إلى الغلط في روايته وأن الأصح رواية الربيع؛ لأن الجمعة وغيرها من الأيام في التعريف سواء، وإنما يؤمر بتعريفها في الجماعة التي أصابها فيه؛ لأن من ضاع منه شيء في جماعة والأغلب أنه يلازم طلبه في تلك الجماعة.
وقال سائر أصحابنا: إن كلا الروايتين صحيحة، ولهم في استعمال رواية المزني جوابان: أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي أنه إنما خص يوم الجمعة بكثرة التعريف

فيه على سائر الأيام لاجتماع الأباعد فيه وإشهار ما يكون فيه.
والثاني: أن رواية المزني محمولة على أن الواجد أصابها يوم الجمعة فيكون أكثر تعريفه لها يوم الجمعة لأنها ربما سقطت ممن كان خارج المصر الذي لا يأتيه إلا في كل جمعة ورواية الربيع محمولة على أنه وجدها في جماعة فيكون أكثر تعريفه لها في تلك الجماعة لأنها الأغلب من بقاع طالبها.
فصل: فأما صفة التعريف فهو مخير بين أحد أمرين: إما أن يقول من ضاع منه شيء ولا يذكر جنسه وهذا أولى الأمرين وإما أن يذكر الجنس فيقول من ضاعت منه دراهم أو من ضاعت منه دنانير ولا يصفها بجميع أوصافها فينازع فيها فإن وصفها بجميع أوصافها من العدد والوزن وذكر العفاص والوكاء ففيه وجهان: أحدهما: أنه لا ضمان عليه لأنها لا تدفع إلى الطالب بمجرد الصفة حتى يقيم البينة عليها.
والوجه الثاني: عليه الضمان لأنه ربما كان الحاكم ممن يرى دفعها بالصفة فإذا سمعها بالتعريف من تقل أمانته أسرع إلى ادعائها وينبغي أن يكون المعرف لها مأمونًا غير مشهور بالخلاعة والمزاح حتى لا ينسب عند التعريف إلى الكذب والمجون فإذا وجه متطوعًا بالتعريف فهو أولى وإن لم يجد إلا مستعجلًا فإن تطوع الواجد ببدل جعله من ماله كان محسنًا وإن دفعه دينًا على صاحبها استأذن فيه حاكمًا ليصح له الرجوع به فإن لم يستأذن وهو قادر على استئذانه وأشهد بالرجوع ففيه وجهان: أحدهما: يرجع.
والثاني: لا يرجع.
فصل: فلو ضاعت اللقطة من الواجد لها فالتقطها آخر ثم علم الواجد الأول بها فإن كان ذلك بعد أن تملكها الأول عند استكمال تعريفها حولًا فالملتقط الأول أحق بها من الثاني لاستقرار ملكه عليها وإن كان ذلك قبل استكمال الأول لتعريفها حولًا ففي أحقها بها وجهان حكاهما ابن كج: أحدهما: الأول لتقدم يده.
والثاني: أن الثاني أحق بها لثبوت يده.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فِهِيَ لَهُ بَعْدَ سَنَةٍ عَلَى أَنَّهُ مَتَى جَاءَ صَاحِبُهَا فِي حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ فَهُوَ غِرِيمٌ إِنْ كَانَ اسْتَهْلَكَهَا».
قال في الحاوي: إذا استكمل تعريفها حولًا كان بعده بالخيار بين أن يتملكها وبين

أن تكون في يده أمانة وبين أن يدفعها إلى الحاكم ليحفظها على مالكها بأن يضعها في بيت المال أو على يد أمين.
وقال عبد الله بن عمر: لا يجوز للواجد بعد تعريف الحول أن يتملكها بل عليه أن يضعها في بيت المالك وقال مالك إن كان غنيًا جاز له أن يتملكها وإن كان فقيرًا لم يجز لعجز الفقير عن الغرم وقدرة الغني عليه.
وقال أبو حنيفة: يجوز للفقير أن يتملكها دون الغني وقد مضى الكلام معه والدليل على جميعهم قوله صلى الله عليه وسلم: «فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها».وروي في بعض الأخبار أنه قال: «فإن جاء صاحبها وإلا فهي لك» وقد أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي عليه السلام أن يتملك الدينار وهو لا يجد غرمه حتى غرمه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فبطل به قول مالك وأذن لأبيّ بن كعب أن يتملك الصرة وهو غني فبطل به قول أبي حنيفة، ولأن الواجد لو منع بعد الحول من تملكها أدى ذلك إلى أحد أمرين: إما أن لا يرغب الواجد في أخذها وإما أن تدخل المشقة عليه في استدامة إمساكها فكان إباحة التمليك لها بعد التعريف أحث على أخذها وأحفظ على مالكها لثبوت غرمها في ذمته فلا تكون معرضة للتلف وليكون ارتفاق الواجد بمنفعتها في مقابلة ما عاناه في حفظها وتعريفها وهذه كلها معان استوى فيها الغني والفقير.
ثم مذهب الشافعي لا فرق بين المسلم والذمي في أخذها للتعريف وتملكها بعد الحول لأنها كسب يستوي فيها المسلم والذمي.
وقال بعض أصحابنا لا حق للذمي فيها فهو ممنوع من أخذها وتملكها لأنه ليس من أهل التعريف لعدم ولايته على مسلم ولا ممن يملك مرافق دار الإسلام كإحياء الموات.
فصل: فإذا ثبت جواز تملكها بعد الحول لكل واحد من غني أو فرق فقد اختلف أصحابنا بماذا يصير مالكًا على ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يصير مالكًا لها بمضي الحول وحده إلا أن يختار أن تكون أمانة فلا تدخل في ملكه، وهذا قول أبي حفص بن الوكيل؛ لأنه كسب على غير بدل فأشبه الركاز والاصطياد.
والثاني: أنه يملكها بعض مضي الحول باختيار التملك، فإن لم يختر للتملك لم يملك، وهذا قول أبي إسحاق المروزي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها».فرد أمرها إلى اختياره، ولأنه أبيح له التملك بعد الحول بعد أن كان مؤتمنًا فاقتضى ألا ينتقل عن ما كان عليه إلا باختيار ما أبيح له.
والثالث: أنه لا يملكها بعد مضي الحول إلا باختيار والتصرف وهو ما لم يتصرف غير مالك لأن التصرف منه كالقبض فأشبه الهبة.
فصل: فإذا صار مالكها كما ذكرنا فقد ضمنها لصاحبها، فمن جاء طالبًا لها رجع بها إن كانت باقية وليس للمتملك أن يعدل به من بقائها إلى بدلها وإن كانت تالفة رجع ببدلها فإن كانت ذا مثل رجع بمثلها وإن كانت غير ذي مثل رجع بقيمتها حين يتملكها؛ لأنه إذ ذاك صار ضامنًا لها، فإن اختلفا في القيمة فالقول قول ممتلكها؛ لأنه غارم، فلو

كانت عند مجيء صاحبها باقية بعينها لكن قد حدث فيها نماء منفصل رجع بالأصل دون النماء لحدوث النماء على ملك الواجد، فلو عرف الواجد صاحبها وجب عليه إعلامه بها، ثم ينظر فإن كان ذلك قبل تملكها فمؤنة ردها على صاحبها دون الواجد كالوديعة، فإن كان قصد أن يتملكها الواجد فمؤنة ردها عليه دون صاحبها لبقائها على ملكه ما لم تصل إلى يد صاحبها، وقال الكرابيسي إذا تملك الواجد اللقطة فلا غرم عليه لصاحبها ولكن له الرجوع بها بعد التملك وإن كانت باقية بعينها.
استدلالًا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها».وروى: «وإلا فهي لك» فلم يجعل عليه بدلًا، ولأنه تملك كالركاز، فلما ملك الركاز بغير بدل ملك اللقطة أيضًا بغير دبل.
وهذا قول خالف فيه نص الشافعي وجمهور الفقهاء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عليًا عليه السلام بالغرم، فلما أعسر غرمه عنه؛ ولأن مقصود اللقطة حفظها على مالكها، وفي إسقاط الغرم استهلاك لها.
ولأن ملك المسلم لا يستباح من غير اختياره إلا ببدل كأكل مال الغير، فأما الركاز فليس المقصود به حفظه على مالكه ولذلك سقط تعريفه وصار كسبًا محضًا لذلك وجب خمسة فافترقا.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «وَسَواءٌ قَلِيلُ اللُّقَطَةِ وَكَثِيرُهَا فَيَقُولُ مَنْ ذَهَبَتَ لَهُ دَنَانِيرُ إِنْ كَانَتْ دَنَانِيرَ وَمَنْ ذَهَبَتْ لَهُ دَرَاهِمُ إِنْ كَانَتْ دَرَاهِمَ وَمَنْ ذَهَبَ لَهُ كَذَا وَلَا يَصِفُهَا فَيُنَازِعُ فِي صَفَتِهَا أَوْ يَقُولُ جُمُلَةً إِنَّ فِي يَدَيَّ لُقَطَةً».
قال في الحاوي: وجملة ذلك أن اللقطة على ثلاثة أقسام: أحدها: ما كان له قيمة وإذا ضاع من مالكه طلبه كالدينار والدرهم فهذا يجب تعريفه على واجده.
والثاني: ما كان تافهًا حقيرًا لا قيمة له كالتمرة والجوزة فهذا لا يجب تعريفه، فقد روى أن عمر رضي الله عنه سمع رجلًا يعرف في الطواف زبيبة فقال: إن من الورع ما يمقته الله.
وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم من الحسن تمرة وجدها وقال: «لولا أني أخاف أن تكون من تمر الصدقة لتركتها».
والثالث: ما كان له قيمة إلا أنه لا تتبعه نفس صاحبه ولا يطلبه إن ضاع منه كالرغيف والدانق من الفضة فقد اختلف أصحابنا في وجوب تعريفه على وجهين: أحدهما: يجب لكونه ذا قيمة.
والثاني: لا يجب لكونه غير مطلوب ثم ما وجب تعريف من قليل ذلك أو كثيره عرفه حولًا كاملًا لا يجزيه أقل من ذلك في القليل ولا يلزمه أكثر منه في الكثير.
وقال الحسن بن صالح: تعريف الحول يلزم في عشرة دراهم فصاعدًا وما دون العشرة يعرفه

ثلاثة أيام.
قال إسحاق بن راهويه: ما دون الدينار يعرفه جمعة.
وقال سفيان الثوري في الدرهم: يعرفه أربعة أيام، وهذا غير صحيح لقوله صلى الله عليه وسلم: «عرفها حولًا» ولم يفرق بين القليل والكثير.
وأمر النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا وجد سوطًا أن يعرفه حولًا، فأما صفة التعريف فقد مضى الكلام فيها والله أعلم بالصواب.
مسألة: قَالَ الشَّافِعَيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «فَإِنْ كَانَ مَوْليًا عَلَيْهِ أَوْ لِسَفَهٍ أَوْ صِغَرٍ ضَمَّهَا القَاضِي إِلَى وَليِّهِ وَفَعَلَ فِيهَا مَا يَفْعَلُ المُلْتَقِطُ».
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا وجد اللقطة محجور عليه بسفه أو صغر أو جنون لم يجز إقرارها في يده؛ لأنه منعه الحجر من التصرف في مال نفسه، فأولى أن يمنعه من التصرف في مال غيره.
وعلى الولي أن يأخذها من يده ليقوم بتعريفها حولًا، فإن جاء صاحبها دفعها الولي إليه وإن لم يجئ صاحبها، فللولي أن يفعل بها أحظ الأمرين للمولى عليه من تملكها له أو تركها أمانة لصاحبها، فإن رأى أن يتملكها له جاز؛ لأنها كسب له بوجوده لها، وليست كسبًا لوليه، فإن كان المولى عليه صغيرًا أو مجنونًا كان الولي هو الذي يتملكها له؛ لأن الصبي والمجنون لا يصح منهما قبول تملك، ولذلك لم يصح منهما قبول وصية ولا هبة، وإن كان سفيهًا كان هو المتملك لها عن إذن الولي بعد اجتهاده في أحظ الأمرين هو التملك؛ لأن السفيه لا يمنع من قبول الوصية والهبة بخلاف الصبي والمجنون.
ثم إذا جاء صاحبها فعرفها في مال المولى عليه لدخولها في ملك المولى عليه دون الولي، وإن رأى الولي أن أحظ الأمرين للمولى عليه أن تكون أمانة لصاحبها لا يكون غرمها مستحقًا في مال المولى عليه وكانت على حالها أمانة مقره في يد الولي، فلو بلغ الصبي أو أفاق المجنون أو فك الحجر عن السفيه فأراد أن يتملكها وينزعها من وليه بعد أن نوى الأمانة فيها كان ذلك للمولى عليه؛ لأنها من اكتسابه، وهو الآن أقوم بمصالحه فهذا حكمها إن أخذها الولي من المولى عليه.
فصل: فأما أن يأخذ الولي من يده فلا يخلو من أن يكون قد علم بها أو لم يعلم بها فقد ضمنها لمالكها، وإن لم يعلم بها لا يلزمه ضمانها، فإن تلفت في يد المولى عليه لم يخل تلفها من أن يكون بجانابة منه وجب غرمها في ماله كما يؤخذ من ماله غرم سائر جناياته، وإن كان تلفها بغير جناية منه ففي وجوب غرمها في ماله وجهان: أحدهما: يجب ويكون أخذه لها عدوانًا منه.
والثاني: لا يجب الغرم؛ لأن الولي لو أخذها منه لما وجب في ماله غرمها فلو لم تتلف وكانت باقية في يده حتى انفك الحجر عنه وصار رشيدًا فله تعريفها وهل يكون

ضامنًا لها في مدة التعريف أم لا على ما ذكرنا من الوجهين في غرمها قبل فك الحجر لو تلفت ثم له بعد الحول أن يتملكها إن شاء.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «فّإِنْ كَانَ عَبْدًا أُمِرَ بِضَمِّهَا إِلىَ سَيِّدِهِ فَإِنْ عَلِمَ بِهَا السَّيِّدُ فَأَقَرَّهَا فِي يَدَيْهِ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهَا فِي رَقَبَةِ عَبْدِهِ، قَالَ فِيمَا وَضَعَ بِخَطِّهِ: لَا أَعْلَمُهُ سُمِعَ مِنْهُ لَا غُرْمَ عَلَى العَبْدِ حَتَّى يُعْتَقَ مِنْ قِبَلِ أَنَّ لَهُ أَخْذَهَا.
قَالَ المُزَنِيُّ: الأَوَّل أَقْيَسُ إِذَا كَانَتْ فِي الذِّمَّةِ وَالعَبْدُ عِنْدِي لَيْسَ بِذِي ذِمَّةٍ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بهَا السَّيِّدُ فَهيَ فِي رَقَبَتِهِ إِنْ اسْتَهْلَكَهَا قَبْلَ السَّنَةِ وَبَعْدَهَا دُونَ مَالِ السَّيِّدِ لأَنَّ أَخْذَهُ اللَّقَطَةَ عُدْوَانٌ إِنَّمَا يَاخُذُ اللُّقَطَةَ مَنْ لَهُ ذِمَّةٌ.
قَالَ المُزَنِيُّ: هَذاَ أَشْبَهُ بِأَصْلِهِ وَلَا يَخْلُو سَيِّدُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَلِمَهُ فَإِقْرَارُهُ إِيَّاهَا فِي يَدِهِ يَكُونُ تَعَدِّيًا فَكَيْفَ لَا يَضْمَنُهَا فِي جَمِيعِ مَالِهِ أَوْ لَا يَكُونُ تَعَدِّيًا فَلَا تَعْدُو رَقَبَةَ عَبْدِهِ».
قال في الحاوي: وصورتها في عبد أخذ لقطة، فلا يخلو حاله في أخذها من أحد أمرين: إما أن يأخذها لسيده، أو لنفسه، فإن أخذها لسيده جاز ولم يتعلق بأخذه لها ضمان لأنه مكتسب لسيده ويده يد سيده، وعليه أن يُعلِم بها سيده ليضمنها إليه، فإذا علم بها أخذها السيد من يده وعرفها حولًا، فإن جاء صاحبها وإلا فللسيد أن يتملكها.
وإن أقرها السيد بعد علمه في يد عبده ليقوم بها وبتعريفها نظر حال العبد، فإن كان ثقة عليها بحيث يجوز أن يكون مؤتمنًا عليها جاز ولا ضمان، وإن غير ثقة فالسيد متعد بتركها في يده وعليه ضمانها في ماله، وإن كان العبد حين أخذها لنفسه لم يعلمه بها حتى تلفت، فإن كان تلفها بجناية منه ضمنها العبد في رقبته كسائر جناياته، وإن كان تلفها بغير جناية نظر، فإن لم يقدر على إعلام سيده حتى تلفت فلا ضمان عليه وغرمها هدر، وإن قدر على إعلامه ضمنها العبد في رقبته؛ لأنه صار بترك إعلام سيده بها متعديًا.
فصل: فأما أخذها العبد لنفسه لا لسيده ففيه قولان: أحدهما: أن ذلك جائز له ولا يصير به متعديًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ذلك مال الله يؤتيه من يشاء».فجعلها كسبًا فلم يمنع العبد منه كما لا يمنع من الاصطياد والإحشاش وعلى هذا يعرفها العبد حولًا فإن جاء صاحبها وإلا فلكل واحد من العبد والسيد أن يتملكها، فإن تملكها العبد وجب غرمها في ذمته كالقرض وللسيد أخذها منه؛ لأنها من اكتسابه، فلو كان على كسبه بعد عتقه، وإن تملكها السيد كان ضامنًا لغرمها في ذمته دون العبد، وإن اتفقا أن تكون أمانة لصاحبها فللسيد الخيار في أن ينتزعها من يد عبده ليحفظها، فلو تلفت في يد العبد قبل أن يتملكها واحد منهما لم يضمن أمانة، وإن

استهلكها العبد لنفسه نظر في استهلاكه لها، فإن كان قبل الحول ضمنها في رقبته؛ لأن ذلك عدوان منه، وإن كان بعد الحول ضمنها في ذمته؛ لأن ذلك مباح له فهذا حكم أحد القولين.
فصل: والثاني: أنه لا يجوز للعبد أن يأخذ اللقطة لنفسه ويكون بأخذها متعديًا لأمرين: أحدهما: أن في أخذ اللقطة ولاية على صاحبها وليس العبد من أهل الولاية.
والثاني: أن المقصود اللقطة حفظها على مالكها بالتعريف في الحول وبالذمة المرضية أن تملكت بعد الحول وليس العبد من هذين؛ لأنه مقصوع لخدمة السيد عن ملازمته التعريف وليس بذي ذمة في استحقاق الغرم لتأخيره إلى ما بعد العتق فلأجل ذلك صار من غير أهلها؛ فعلى هذا للسيد حالتان؛ حالة يعلم بها وحالة لا يعلم بها، فإن لم يعلم السيد بها فالعبد ضامن للقطة في رقبته دون ذمته؛ لأن أخذه لها جناية منه، وسواء كان تلفها قبل الحول أو بعده بفعله أو بغير فعله، وإن علم بها السيد فله حالتان: إحداهما: أن ينتزعها من يده، فإذا فعل ذلك سقط ضمانها عن العبد وكانت أمانة في يد السيد فإن قيل قلم سقط ضمانها عن العبد يدفعها إلى السيد وليس السيد مالكًا لها وضمان الأموال بالعدوان لا يسقط إلا بردها على المالك قيل لأن السيد مستحق لأخذها ألا ترى أن العبد لو أخذها لسيده لم يلزمه الضمان فإذا دفعها إلى السيد سقط عنه الضمان فإذا صح أن ضمانها قد سقط عن العبد بأخذ السيد لها ففي يد السيد حينئذٍ وجهان: أحدهما: أنه يد مؤتمن لا يد ملتقط وليس له أن يتملكها بعد التعريف لنه غير الواجد لها فأشبه الحاكم الذي لا يجوز له بعد التعريف أن يتملكها.
والثاني: أن يده ملتقط فيجوز له بعد التعريف أن يتملكها لأن يد عبده كيده والحال الثانية أن لا يأخذها السيد من يد عبده بعد علمه بها فهذا على ضربين: أحدهما: أن يأمره السيد بإقرارها في يده فيستبقيها عن إذن سيده فإن كان كذا نظر في العبد فإن كان ثقة أمينًا سقط ضمانها عن العبد بإذن السيد له في الترك؛ لأن يد العبد كيد سيده وصار كأخذ السيد فيكون على ما مضى من الوجهين، وإن كان العبد غير مأمون ضمنها السيد وهل يسقط ضمانها عن رقبة العبد أم لا على وجهين: أحدهما: سقط لتصرفه عن إذن السيد وصار ذلك تفريطًا من السيد.
والثاني: أن ضمانها باقٍ في رقبة العبد لأنها لم تخرج عن اليد المتقدمة.
والضرب الثاني: أن يقرها السيد في يده من غير أن يأمره فيها بل يمسك عنها عند علمه، فالذي نقله المزني عن الشافعي ها هنا أن السيد يكون ضامنًا لها في رقبة عبده، ونقل الربيع في «الأم» أن السيد يكون ضامنًا لها في رقبته عبده وسائر ماله، فاختلف أصحابنا لاختلاف هذين النقلين، فكان أبو إسحاق المروزي حمل ذلك على سهو المزني وغلطه وجعلها مضمونة على السيد في رقبة عبده وسائر ماله على ما رواه الربيع، وزعم

أن المزني قد ذكر ذلك في «جامعه الكبير» وإن كنت قد قرأته فلم أجد ذلك فيه.
وقال آخرون من أصحابنا: إن اختلاف هذا النقل بعض اختلاف قول الشافعي فيكون على قولين: أحدهما: إن ذلك مضمون في رقبة العبد وحده؛ لأن رؤية السيد لجناية عبده وتركه لمنعه لا يوجب عليه ضمان جنايته، ألا ترى أن السيد لو شاهد عبده يقتل رجلًا أو يستهلك مالًا وقدر على منعه فلم يمنعه لم يضمن السيد قاتلًا، ولا مستهلكًا، ولا يجب عليه إن لم يمنعه غرم، ولا ضمان كذلك في اللقطة.
والثاني: أن ذلك مضمون على السيد في رقبة عبده وسائر أمواله لأن يد السيد لو عادت اللقطة إليها مستحقة لها فصار تركه في يده عدوانًا منه وليس كالذي يجني عليه عبده أو يستهلك فلذلك ضمن اللقطة في رقبة عبده وسائر ماله ولم يضمن جناية العبد وإن علم بها وإلا فمضمونة في رقبته دون سيده.
فإن قيل: فإن كانت مضمونة على السيد في سائر ماله فلم خصصتم رقبة العبد بها وهي من جملة ماله قلنا لأن تعلقها برقبة العبد معين كالجناية حتى لو كان السيد دين كان مالك اللقطة أحق برقبة العبد من سائر غرمائه كما لو جني وليس كذلك سائر أمواله.
لأن ملك اللقطة وغيرها في الغرم فيها سواء وقال آخرون من أصحابنا: ليس اختلاف هذا النقل على اختلاف قولين وإنما هو اختلاف حاليه فرواية المزني: أنها مضمونة في رقبة عبده محمولة على أن العبد كان بالغًا عاقلًا فلم يتعلق ضمانها إلا برقبته ورواية الربيع أنها مضمونة في رقبة عبده وسائر ماله محمولة على أن العبد كان صبيًا أو عجميًا فصار فعله منسوبًا إلى سيده بعد العلم به وهذا حكاه أبو علي بن أبي هريرة فأما المزني فغنه تكلم على ذلك واختار منه ما أخذه.
فصل: فأما إذا أمر السيد عبده بأخذ اللقطة فأخذها عن أمر سيده فذلك جائز لا يتعلق برقبة العبد ضمانها قولًا واحدًا ثم إن كان العبد من أهل الأمانات لم يضمنها السيد بإقرارها في يد العبد، وإن كان من غير أهلها ضمنها فأما إذا نهاه عن أخذها فأخذها بعد نهي السيد له فقد كان أبو سعيد الاصطخري يقول يضمنها العبد في رقبته قولًا واحدًا لأن نهي السيد قد قطع اجتهاده في أخذها وقال سائر أصحابنا بل يكون على ما مضى من القولين كما لم ينهه كالقرض الذي لو منع السيد عبده منه لما كان مضمونًا عليه لو فعله إلا في ذمته فلو كان العبد مأذونًا له في الجنازة والكسب فقد اختلف أصحابنا عل يكون أخذ اللقطة داخلًا في عموم إذنه أم لا على وجهين: أحدهما: أنه يكون داخلًا فيه فعلى هذا يضمنها العبد إن أخذها قولًا واحدًا.
والثاني: لا يكون داخلًا في فعلى هذا في ضمانه لها إن أخذها قولان.
فصل: فلو التقط العبد لقطة ثم عتق قبل الحول أنها تكون كسبًا لسيده وله أن يتملكها دونه لأن أخذه لها كان وهو عبد وهي تملك بالأخذ وإنما تعريف الحول شرط

وقال بعض أصحابنا تكون كسبًا للعبد لأنها قبل التعريف أمانة وبعد التعريف كسب والله أعلم.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «وَإِنْ كَانَ حُرًّا غَيْرَ مَامُونٍ في دِينِهِ فَفِيهَا قَوْلَانِ أحدهما أَنْ يَامُرَ بِضَمِّهَا إِلَى مَامُونٍ وَيَامُرَ المَامُونَ وَالْمُلْتَقِطَ بِالإِنْشَادِ بِهَا.
وَالقَوْلُ الآخَرُ لَا يَنْزَعُها مِنْ يَدَيْهِ وَإِنَّمَا مَنَعْنَا مِنْ هّذَا القَوْلِ لأَنَّ صَاحِبَهَا لَمْ يَرْضَهُ.
قَالَ المُزَنِيُّ: فَإِذَا امْتَنَعَ هَذَا القَوْلِ لِهَذِهِ العِلَّةِ فَلَا حَوْلَ لَهُ إِلَّا الأَوَّلُ وَهُوَ أَوْلَى بِالحَقِّ عِنْدِي وَباللهِ التَّوْفِيقُ.
قَالَ المُزَنِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: وَقَدْ قَطَعَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِأَنَّ عَلَى الإِمَامِ إِخْرَاجَهَا مِنْ يَدِهِ لَا يَجُوز فِيهَا غَيْرُه وَهَذَا أَوْلَى بِهِ عِنْدِي».
قال في الحاوي: وهذا كما قال إذا كان واجد اللقطة غير مأمون عليها ففيه قولان منصوصان: أحدهما: أنها كسب لواجدها وإن كان غير مأمون كالركاز فتقر في يده ولا تنتزع منه فعلى هذا اختلف أصحابنا هل يضم إليه أمين يراعيها معه حفظًا لها أم لا على وجهين: أحدهما: وهو قول أبي على بن هريرة أنه لا اعتراض عليه فيها بحال ويكون هو المقيم بحفظها وتعريفها من غير أن يكون لغيره نظر فيها، والوجه الثاني وهو قول أبي علي الطبري في «الإفصاح» أن الحاكم يضم إليه أمينًا يراعي حفظها في يد الواجد استظهارًا للمالك وإن لم تنتزع لما تعلق بها من حق الواجد.
والثاني: وهو الأصح واختاره المزني: أن الحاكم ينتزعها من يد الواجد إذا كان غير مأمون عليها، ويدفعها إلى من يوثق به من أمنائه؛ لأن الحاكم مندوب إلى حفظ أموال من غاب، ولأن مالكها لم يرض بذمة من هذه حالة، ولأن الوصي لما وجب انتزاع الوصية من يده لفسقه مع اختيار المالك له فلأن يخرج يد الواجد الذي لم يختره أولى.
فعلى هذا القول إذا أخرجها الحاكم من يده إلى أمين يقوم بحفضها ففي الذي يقوم بتعريفها قولان: أحدهما: رواه المزني أن الأمين هو الذي يقوم بتعريفها خوفًا من جناية الواجد في تعريفها.
والثاني: في «الأم»: أن الواجد هو المعرف دون الأمين؛ لأن التعريف من حقوق التمليك وليس فيه تقرير، لأنها لا تدفع بالصفة فإذا عرفها حولًا ولم يأت صاحبها، فإن أراد الواجد أن يتملكها سلمت إليه وأشهد الحاكم عليه بغرمها إذا جاء صاحبها وإن لم يختر أن يتملكها كانت في يد الأمين.

فصل: فأما إذا كان الواجد لها مأمونًا لكنه ضعيف لا يقدر على القيام بها فإنها لا تنتزع من يده، ولكن يضم الحاكم إليه أمينًا يجتمع معه على القيام بها ليقوى به على الحفظ والتعريف.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «وَالمُكَاتِبُ فِي اللُّقَطَةِ كَالحُرِّ لأَنَّ مَالَهُ يُسَلمُ لَهُ».
قال في الحاوي: وهذا هو الذي نص عليه الشافعي في هذا الموضوع، أن المكاتب في اللقطة كالحر في جواز أخذها وتملكها، وقال في «الإملاء»: إنه كالعبد في أنه إن أخذها لسيده جاز، وإن أخذها لنفسه فعلى قولين.
فاختلف أصحابنا لاختلاف هذين النصين، فبعضهم يخرج ذلك على قولين: أحدهما: أنه كالحر في جواز أخذها وصحة تملكها لنفوذ عقوده وتملك هباته.
والثاني: أنه كالعبد؛ لأن مالك اللقطة لم يرض بذمة من له استرقاق في نفسه بالتعجيز وإبطال ذمته بالفسخ.
وهذه الطريقة هي اختيار أبي إسحاق المروزي.
وقال آخرون من أصحابنا: إن ذلك على اختلاف حالين، فالموضوع الذي قال فيه كالحر إذا كانت كتابته صحيحة.
والموضوع الذي قال هو كالعبد إذا كانت كتابته فاسدة، وهذا اختيار أبي علي الطبري؛ لأن في الكتابة الصحيحة كالحر في رفع يد سيده عنه، وفي الكتابة الفاسدة كالعبد القن في تصرف سيده.
فصل: فأما المدبر فهو كالعبد القن في اللقطة، وأما أم الوالد فكالعبد في اللقطة إن أخذتها للسيد جاز وإن أخذتها لنفسها فعلى قولين: أحدهما: يجوز فعلى هذا يتعلق غرم اللقطة بذمتها إذا أعتقت.
والقول الثاني: لا يجوز فعلى هذا إن لم يعلم السيد بها فهل يتعلق غرمها بذمة أم الوالد أم برقبتها على وجهين: أحدهما: بذمتها ولا يلزم السيد غرمها.
والثاني: برقبتها وعلى السيد غرمها وافتكاك رقبتها كما يفعل في جنايتها وإن علم السيد بها فعلى ثلاثة أوجه: أحدها: في ذمتها بعد العتق.
والثاني: في رقبتها وعلى السيد فكاكها بأقل الأمرين من قيمة اللقطة أو قيمتها.
والثالث: أنها في ذمة السيد يغرمها بجميع قيمتها.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «وَالعَبْدُ نِصْفُهُ حُرٌّ وَنِصْفُهُ عَبْدٌ، فَإِنْ التَقَطَ فِي اليَوْمِ

الَّذِي يَكُونِ فِيهِ مُخَلَّى لِنَفْسِهِ أُقِرَّتْ فِي يَدِهِ وَكَانَتْ بَعْدَ السَّنَةِ لَهُ كَمَا لَوْ كَسَبَ فِيهِ مَالًا كَانَ لَهُ وَإِنْ كَانَ فِي اليَوْمِ الَّذِي لسَيَّدِهِ أَخَذَهَا مِنْهُ لأَنَّ كَسْبَهُ فِهِ لِسَيِّدِهِ».
قال في الحاوي: وصورتها في عبد نصفه حر ونصفه مملوك وجد لقطة فلا يخلو حاله من أن يكون مهايأة أو غير مهايأة فإن كان غير مهايأة فنصف أكسابه له بحق حريته وعليه نصف نفقته ونصف أكسابه لسيده وعليه نصف نفقته وإذا كان هكذا فنصف اللقطة له بما فيه من الحرية يقيم على تعريفه ويتملكه بعد حوله وأما النصف الآخر فهو فيه كالعبد فإن اخذه لسيده جاز ولم يضمنه ويتملكه بعد حوله وأما النصف الآخر فهو فيه كالعبد فإن أخذه لسيده جاز ولم يضمنه، وإن أخذه لنفسه فعلى ما مضى من القولين.
وللسيد أخذ ذلك النصف منه دون النصف الذي أخذه بحريته ثم يصيران شريكين فيها يقيمان على تعريفها ويتملكانها بعد حولها، وإن كان مهايأة والمهايأة أن يكتسب لنفسه يومًا وعليه نفقته ولسيده يومًا مثله وعليه نفقته فيدخل في المهايأة الأكساب المألوف وهل يدخل فيها ما ليس بمألوف من الكساب كاللقطة والركاز على قولين.
أحدهما: يدخل فيها وهو أظهرهما لأنه نوع من الكسب فعلى هذا إن وجدها في يوم نفسه فهو فيه كالحر يجب عليه تعريفها ويجوز له تملكها وإن وجدها في يوم سيده فهو فيها كالعبد المملوك جميعه فإن أخذها لسيده جاز وإن أخذها لنفسه فعلى ما مضى من القولين فهذا حكم دخولها في المهايأة.
والثاني: أنها لا تدخل في المهايأة ولا المكاسب النادرة لنها قد توجد في أحد الزمانين دون الأخر فيصير أحدهما مختصًا في زمانه بما لا يساويه الآخر في زمانه فعلى هذا يكون في اللقطة كغير المهايأة على ما مضى وهكذا حكمه لو كان أقله الحر أو أكثر مملوكًا فأما المملوك بين شريكين فإن لم يكن بينهما فيه مهايأة اشتركا في قيمة اللقطة وإن كان بينهما فيه مهايأة ففي دخول اللقطة في مهايأتهما قولان على ما مضى.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «وَيُفْتِي المُلْتَقِطْ إِذَا عَرَفَ الرَّجُلُ العِفَاصَ وَالْوِكَاءَ وَالعَدَدَ وَالوَزْنَ وَوَقَعَ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ صَادِقٌ أَنْ يُعْطِيَهُ وَلَا أُجْبِرُهُ عَلَيْهِ إِلَّا بِبَيَّنَة لأَنَّهُ قّدْ يُصِيبُ الصِّفَةَ بِأَنْ يَسْمَعَ المُلْتَقِطَ وَمَعْنَى قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «اعِرفَ عِفَاصَهَا وَوَكَاءَهَا» وَاللهُ أَعْلَم لأَنَّ يُؤَدِّي عِفَاصَهَا وَوَكَاءَهَا مَعَهَا وَلْيَعْلَمَ إِذَا وَضَعَهَا فِي مَالِهِ أَنَّهَا لُقَطَةٌ وَقَدْ يَكُونُ لِيَسْتَدِلَّ عَلَى صِدْقِ المُعَرَّفِ أَرَأَيْتَ لَوْ وَصَفَهَا عشرة أَيُعْطُونَهَا وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّهُمْ كَاذِبٌ إِلاَّ وَاحِدًا بِغَيْرِ عَيْنِهِ فَيٌمْكِنُ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا».
قال في الحاوي: وصورتها في رجل ادعى لقطة في يد واجدها فإن أقام البينة العادلة على ملكها وجب تسليمها له وإن لم يقم بينة لكن وصفها فإن أخطأ في وصفها لم يجز دفعها إليه وإن أصاب في جميع صفاتها من العفاص والوكاء والجنس والنعت والعدد

والوزن فإن لم يقع في نفسه صدقه لم يدفعها إليه وإن وقع في نفسه أنه صادق أفتيناه بدفعها إليه جوازًا لا واجبًا فإن امتنع عن الدفع لم يجبر عليه وبه قال أبو حنيفة، وقال مالك وأحمد: يجبر على دفعها إليه بالصفة استدلالًا بقوله صلى الله عليه وسلم: «اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة فإن جاء طالبها، أو قال باغيها، فادفعها إليه».فلما أخبر بمعرفة العفاص والوكاء دل على انه كالبينة في الاستحقاق.
وروى سويد بن غفلة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإن جاء باغيها فعرفك عفاصها ووكاءها فادفعها إليه».وهذا نص قالوا: ولأن كل أمارة غلب بها في الشرع صدق المدعي جاز أن يوجب قبول قوله كالقسامة قالوا: ولأن البينات في الأصول مختلفة وما تعذر منها في الغائب مخفف كالنساء المنفردات في الولادة وإقامة البينة على اللقطة متعذرة لاسيما على الدنانير والدراهم التي لا تضبط أعيانها فجاز أن تكون الصفة التي هي غاية الأحوال الممكنة أن تكون بينة فيها ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: «لو أعطى الناس بدعاويهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم لكن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه»، فلم يجعل الدعوى حجة ولا جعل مجرد القول حجة بينة ولأن صفة المطلوب لا تكون بينة للطالب كالمسروق والمغصوب ولأن صفة المطلوب من تمام الدعوى فلم يجز أن تكون بينة للطالب قياسًا على الطلب.
قال الشافعي رحمه الله محتجًا عليهم: أرأيت لو وصفها عشرة أيعطونها ونحن نعلم أن كلهم كذبة إلا واحدًا بعينه فرد عليه ابن داود فقال كما لو ادعاها عشرة وأقام كل واحد عليها بينة نقسمها بينهم وإن كان صدق جميعهم مستحيلًا، كذلك إذا وصفوها كلهم.
والجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: أن كذب المدعي أسقط للدعوى من كذب الشهود، ألا ترى أن إكذاب المدعي لنفسه مبطلًا للدعوى وإكذاب الشهود ولأنفسهم غير مبطل للدعوى.
والثاني: أن البينة هي أقصى ما يقدر عليه المدعي وأقوى ما يحكم به الحاكم فدعت ضرورة الحاكم في البينة إلى ما لم تدعه من الصفة.
وأما الجواب عن قولهم عفاصها ووكاءها فهو أن ذلك لدفعها بصفة العفاص والوكاء ووجوب رده معه ولكن لمعانٍ هي أخص بمقصود اللفظ منها أنه نبه بحفظ العفاص والوكاء ووجوب رده مع قلته وندارته على حفظ ما فيه ووجوب رده مع كثرته ومنها أن يتميز بذلك عن ماله ومنها جواز دفعها بالصفة وإن لم يجب وعلى هذا حمل حديث سويد بن غفلة الذي جعلوه نصًا وأما استدلالهم به فنحن ما جعلنا المارة على الصدق حجة في قبول الدعوى وإنما الأيمان بعدها حجة وهم لا يقولون بذلك في اللقطة بعد الصفة فدل على اختلافهما.

وأما استدلالهم بأن البينات في الأصول مختلفة فصحيح وليس من جميعها بينة تكون بمجرد الصفة ولا يكون تعذر البينة موجبًا أن تكون الصفة بينة ألا ترى أن السارق تتعذر إقامة البينة عليه ولا يكون صفة ما بيده لمدعي سرقته حجة.
فصل: فإذا ثبت أن دفعها بالصفة لا يجب فدفعها بالصفة وسعة ذلك إذا لم يقع في نفسه كذبه فإن أقام غيره البينة عليها بشاهدين أو شاهد وامرأتين أو شاهد ويمين كان مقيم البينة أحق بها من الآخذ لها بالصفة فإن كانت باقية في يد الواصف لها انتزعت منه لمقيم البينة وإن كان قد استهلكها نظر في الدافع لها فإن كان قد دفعها بحكم حاكم رأى ذلك مذهبًا فلا ضمان على الدافع ورجع مقيم البينة بغرمها على الآخذ لها بالصفة وإن كان قد دفعها بغير حكم حاكم فلصاحب البينة الخيار في الرجوع بغرمها على من شاء من الدافع الملتقط أو الآخذ الواصف فإن رجع بها على الآخذ لها بالصفة فله ذلك لضمانه لها باليد واستحقاق غرمها بالإتلاف وقد برئ الدافع لها من الضمان لوصول الغرم إلى مستحقه وليس للغارم أن يرجع بما غرمه على الدافع لأنه إن كان مستحقًا عليه فمن وجب عليه حتى لم يرجع به على أحد وإن كان مظلومًا به فالمظلوم بالشيء لا يجوز أن يرجع به على غير ظالمه وإن رجع مقيم البينة بغرمها على الدافع الملتقط نظر في الدافع فإن كان قد صدق الواصف لها على ملكها وأكذب الشهود لصاحب البينة عليها فليس له الرجوع بغرمها على الآخذ لها بالصفة لأنه مقر أنه مظلوم بالمأخوذ منه فلا يرجع به على غير من ظلمه وإن لم يكن قد صدق الواصف ولا أكذب الشهود فله الرجوع بالغرم على الأخذ لها بالصفة لضمانه لها بالاستهلاك فتكون البينة موجبة عليه وله.
المسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «وَإِنْ كَانَتْ اللَّقَطَةُ طَعَامًا رَطِبًا لَا يَبْقَى فَلَهُ أَنْ يَاكُلَهُ إِذَا خَافَ فَسَادَهُ وَيُغْرِمَهُ لِرَبِّهِ.
وَقَالَ فِيمَا وَصَفَهُ بِخَطِّهِ: لَا أَعْلَمُهُ سُمِعَ مِنْهُ إِذَا خَافَ فَسَادَهُ أَحْبَبْتُ أَنْ يَبِيعَهُ وَيُقِيمَ عَلَى تَعْرِيفِهِ.
قَالَ المُزَنِيُّ: هَذاَ أَوْلَى القَوْلَيْنِ بِهِ لأَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَقُلْ لِلْمُلْتَقِطِ شَانُكَ بِهَا إِلَّا بَعْدَ سَنَةٍ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ مَهْلَكَةً كَالشَّاةِ فَيَكُونُ لَهُ أَكْلُهُ وَيَغْرِمُهُ إِذا جَاءَ صَاحِبُهُ».
قال في الحاوية: أما الطعام الرطب فضربان: أحدهما: أن يكون مما ييبس فيبقى كالرطب الذي يصير خمرًا والعنب الذي يصير زبيبًا فهذا حكمه حكم غير الطعام في وجوب تعريفه واستبقائه فإن احتاج تجفيفه إلى مؤنة كانت على مالكه ويفعل الحاكم احظ المرين للمالك من بيعه أو الإنفاق عليه.
والثاني: أن يكون مما لا يبقى كالطعام الذي يفسد بالإمساك كالهريسة والفواكه والبقول التي لا تبقى على الأيام فقد حكي المزني عن الشافعي ها هنا انه قال في موضع

يأكله الواجد وقال في موضع آخر أحببت أن يبيعه فاختلف أصحابنا فكان أبو إسحاق المروزي وأبو علي بن أبي هريرة وطائفة من أصحابنا يخرجونه على قولين: أحدهما: لواجده أكله كالشاة التي لم تعذر استبقاؤها أبيح لواجدها أكلها.
والثاني: ليس لواجده أكله بخلاف الشاه لا يجب تعريفها فأبيح له أكلها والطعام وإن كان رطبًا يجب تعريفه فلم يستبح واجده أكله وحكي أبو علي بن أبي هريرة أن ذلك على اختلاف حالين إن كان الحاكم موجودًا يقدر على بيعه لم يكن لواجده أكله وإن كان معدومًا جاز أكله وكان أبو القاسم الصيمري رحمه الله يقول اختلاف حاليه في إباحة أكله معتبر بحال واجده فإن كان فقيرًا محتاجًا استباح أكله وإن كان غنيًا لم يستبحه.
فصل: فإذا قلنا بجواز أكله فأكله صار ضامنًا لقيمته وعليه تعريف الطعام حولًا وهل يلزمه عزل قيمته من ماله عند أكله أم لا على قولين: أحدهما: يلزمه عزل القيمة لئلا يصير متملكًا للقطة يجب تعريفها قبل حولها.
والثاني: لا يجب عليه عزلها لأنه لو عزلها فهلكت كانت من ماله فكانت ذمته أخط لها ولم يكن عزلها مقيدًا ومن قال بالأول جعل فائدة عزلها لو أفلس بعد عزل قيمتها ثم حضر المالك كان أولى بالمعزل من قيمتها من جميع الغرماء وزعم أن تلفها من يده بعد وجوب عزلها لا يوجب عليه غرمها فصار في ضمانه للثمن إن تلف بعد وجوب عزله وجهان: أحدهما: وهو قول ابن أبي هريرة أنه يكون مضمونًا عليه والثاني وهو أشبه أنه لا ضمان عليه لأن الثمن مع وجوب عزله يقوم مقام الأصل مع بقائه.
فصل: وإذا قلنا لا يجوز له أكله فعليه أن يأتي الحاكم حتى يأذن له في بيعة ولا يجوز أن يتولى بيعه بنفسه مع القدرة على استئذان الحاكم بخلاف الشاة إذا وجدها وأراد بيعها لأن يده على الشاة أقوى لما استحقه عاجلًا من أكلها ويده على الطعام أضعف لما وجب عليه من تعريفه فإن أعوزه إذن الحاكم جاز بيعه له فلو باعة بإذن الحاكم كان الثمن في يده أمانة وعليه تعريف الطعام وحولًا فإن جاء صاحبه فليس له إلا الثمن دون القيمة ولو لم يأت صاحبه فللواجد أن يتملك الثمن ولو هلك الثمن في يده قبل الحول أو بعده، وقبل التملك لو كان تالفًا من مال ربه ولا ضمان على الملتقط وهكذا حكم الثمن لو كان الواجد هو البائع عند إعواز الحاكم فأما إن باعه مع وجود الحاكم فبيعه باطل وللمالك القيمة دون الثمن لفساد العقد فإن تلف الثمن من يد الواجد قبل الحول كان عليه غرمه لتعديه بقبضه مع فساد بيعه فإن حضر المالك والثمن بقدر القيمة من غير زيادة ولا نقص أخذه وهو مبلغ حقه وإن كان أقل فله المطالبة بإتمام القيمة ويرجع على المشتري لأن لما اشترى شراءً فاسدًا فكان ضامنًا للقيمة

دون المسمى إلا أن يشاء المالك أن يسامح بفاضل القيمة فيكون الباقي منه مردودًا على المشتري إذ ليس يلزمه إلا القيمة.
مسألة: وقال فيما وضع بخطه لا أعلمه سمع إذا وجد الشاة أو البعير أو الدابة أو كانت بالمصر أو قرية فهي لقطة يعرفها سنة".
قال في الحاوي: قد مضى حكم ضوال الإبل والغنم إذا وجدها في الصحراء فأما إذا وجدها في المصر أو في قرية فالذي حكاه المزني فيما وجد بخطه أنها لقطة له أخذها وعليه تعريفها حولًا وحكي عن الشافعي في "الأم" أنها في المصر والصحراء سواء يأكل الغنم ولا يعرض للإبل فاختلف أصحابنا فمنهم من خرج ذلك على قولين: أحدهما: أن المصر كالبادية يأكل الغنم ولا يعرض للإبل، وهو المحكي عنه في "الأم" لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "ضالة المؤمن حرق النار".
الثاني: أنها لقطة يأخذ الغنم والإبل جميعها ويعرفها كسائر اللقط حولًا كاملًا وهو للذي حكاه المزني عنه وفيما لم يسمع منه لأن قوله صلى الله عليه وسلم في ضوال الإبل: "معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وتأكل الشجر" يختص بالبادية التي يكون فيها الماء والشجر دون المصر وهي تمنع، صغار السباع عن أنفسها في البادية ولا تقدر على مع الناس في المصر.
والشاة تؤكل في البادية؛ لأن الذئب يأكلها وهو لا يأكلها في المصر، فاختلف معناهما في البادية والمصر، فاختلف حكمهما، ومن أصحابنا من حمل جواز أخذها على تسليمها إلى الإمام وحمل المنع من أخذها على سبيل التملك.
فصل: فإذا قلنا إن حكم البادية والمصر سواء فله أخذ الغنم وأكلها وليس يتعرض للإبل إلا أن يعرف مالكها، وإذا قلنا إن حكم المصر يخالف البادية للمعنى الذي ذكرنا، فله أخذ الإبل والغنم جميعًا، ويكونان لقطة يلزم تعريفها حولًا، فإن تطوع الواجد بالإنفاق عليها لم يرجع بما ينفق، وإن أبى أن يتطوع بها أتى الحاكم حتى يجتهد الحاكم رأيه في الأحظ لصاحبها في أحد ثلاثة أمور؛ إما أن يرى الاقتراض على صاحبها في الإنفاق عليها، أو يرى بيعها لصاحبها ليكفي مؤنة النفقة عليها، أو يرسلها في الحمى إن كان لضوال المسلمين حمى، ثم يقوم الواجد على تعريفها إلا أن يدفعها إلى الإمام رافعًا ليده عنها فيسقط عنه حكم تعريفها وإلا فما كان مقيمًا على التقاطها فتعريفها حولًا واجب عليه، فإن جاء صاحبها سلمت إليه إن كانت باقية بعد أن يدفع النفقة إن كان بأمر الحاكم، وإن بيعت سلم إليه ثمنها دون القيمة إن باعها حاكم أو

بأمره، وإن كان الواجد هو البائع لها فلصاحبها قيمتها دون الثمن لفساد بيعه إلا أن يقدر على استئذان حاكم، فيجوز بيعه، وإن لم يأت صاحبها بعد الحول فهل لواجدها أن يتملكها؟ على ثلاثة أوجه حكاها ابن أبي هريرة: أحدها: يجوز له أن يتملكها اعتبارًا بحكم اللقطة.
والثاني: لا يجوز له أن يتملكها لقوله صلى الله عليه وسلم: "ضالة المؤمن حرق النار".
والثالث: إن كان قد أنفق عليها جاز له أن يتملكها وإن لم ينفق عليها لم يجز أن يتملكها ليكون ذلك أحث على الإنفاق وأرفق بالفريقين.
فصل: إذا ترك الرجل الدابة أو البعير حسرًا في الصحراء لعجزه عن السير وعجز المالك عن حمله أو المقام عليه، فمز به رجل فأحياه بمقامه عليه ومراعاته حتى عاد إلى حاله في السير والعمل فقد اختلف الفقهاء في حكمه.
فحكي عن الليث بن سعد والحسن بن صالح أنه يكون لأخذه ومحييه دون تاركه، إلا أن يكون تاركه تركه ليعود إليه فيكون التارك أحق به.
وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه: إن آخذه المحيي له أحق من تاركه بكل حال سواء تركه ليعود إليه أم لا.
وقال مالك: هو على ملك تاركه دون آخذه، لكن لآخذه الرجوع بما أنفق، ومذهب الشافعي رضي الله عنه أنه على ملك تاركه وليس لواجده الرجوع بنفقته لقوله صلي الله عليه وسلم "لا يحال مال امرئ مسلم بطيب نفس منه" ولأنه لو عالج عبدًا قد أشرف على الهلاك بالمرض حتى لو استنقذها مالًا من غرق أو حريق لم يملكه لكذا البهيمة.
وحكي عن الحسن البصري أن من أخرج متاعًا قد غرق من البحر فقد ملكه على صاحبه وهذا شاذ من القول مدفوع بالخبر والإجماع، ولكن لو وجد في البحر قطعة عنبر في الموضع الذي يجوز أن يوجد فيه كانت ملكًا لواجدها في البر كانت لقطا، لعلمنا بحصول اليد عليها قبله إلا أن يكون على الساحل نضب الماء عنها، فنكون ملكًا لواجدها لجواز أن يكون الماء قد ألقاها حين نضب، وهكذا لو صاد سمكة من البحر فوجد في جوفها قطعة عنبر كانت للصياد إذا كان بحرًا، قد يجوز أن يوجد فيه العنبر فأما الأنهار وما لا يكون من البحار فأنها تكون لقطة، وهكذا الياقوت والمرجان إلا أن يكون مصنوعًا أو مثقوبًا فيكون لقطة، فأما اللؤلؤ فلا يكون في البحر إلا مع صدفه، فإن وجد فيه كان ملكًا لواجده وإن وجد خارجًا عن صدقه كان لقطة.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وإذ حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ضوال الإبل فمن أخذها ثم أرسلها ضمن".

قال في الحاوي: وهذا قد مضى وذكرنا أن ضوال الإبل في الصحراء لا يجوز لواجدها أخذها إلا في إحدى حالتين؛ إما أن يكون الإمام قد ندبه لأخذ الضوال حفظًا لها على أربابها كما يفعله الإمام في المصالح من حفظ الأموال، وإما أن يكون الواجد عارفًا لصاحبها فيأخذها ليردها عليه من غير احتياج إلى تعريف، فيجوز حينئذ للواجد في هاتين الحالتين أن يأخذها.
أما الحالة الأولى فما عليه إلا العمل فيما ندب إليه، وأما الحالة الثانية فمستحب لما أمر الناس به من التعاون إلا أن يقول بوجوب أخذ اللقطة إذا خيف هلاكها فيصير حينئٍذ واجبًا، فإن أخذها الواعد في غير هاتين الحالتين كان متعديًا وصار لذلك ضامنًا، فإن تلفت وجب غرمها عليه وإن رفع يده عنها فله في رفع يده ثلاثة أحوال: أحدها: أن يردها على مالكها فيسقط الضمان عنه، والحال الثاني أن يرسلها من يده فعليه الضمان سواء أرسلها حيث وجدها أو في غيره.
وقال مالك وأبو حنيفة: أرسلها حيث وجدها سقط الضمان عنه، ولا أدري ما يقولانه في إرسالها في غير موضع وجودها وبينا ذلك على أصلها في ضامن الوديعة بالتقصير إذا كفء عنه زال عنه ضمانها.
واستدلالًا بأن ضمان الصيد على المحرم يسقط بإرساله، فكذلك ضمان الضوال بالأخذ يسقط الإرسال، وهذا جمع مفترق واستدلالًا فاسدًا، وأصل منازع؛ لأن الصيد يضمن على المحرم في حق الله تعالى، فإذا أرسله صار كعوده إلى مستحقه وليس الضوال كذلك؛ لأنها تضمن في حق آدمي فلم يكن إرسالها عود إلى مستحقها، ألا ترى أن الصيد لو كان ملكًا لآدمي فضمنه المحرم ثم أرسله سقط عنه حق الله تعالى في الجزاء ولم يسقط عنه حق الآدمي في الغرم.
والحال الثالثة: أن يدفعه إلى الإمام أو الحاكم ففي سقوط الضمان عنه وجهان: أحدهما: يسقط كعودها إلى يد النائب عن الغائب.
والوجه الثاني: أن الضمان لا يسقط لتعدي الوجد والله أعلم.

باب الجعالة

مسألة: قال: ولا جعل لمن جاء بآبق ولا ضالة أن يجعل له وسواء من عرف بطلب الضوال ومن لا يعرف به".
قال في الحاوي: وهذا كما قال وليس يخلو من ردًا آبقًا أو ضالة من أحد أمرين:

إما أن يردها يأمر مالكها أو بغير أمره فإن رد ذلك يغير أمر المالك فقد كان ضامنًا باليد وسقط عنه الضمان بالرد ولا أجرة له سواء كان معروفًا يطلب الضوال ومن لا يعرف.
وقال مالك إن كان معروفًا بطلب الفوال فله أجرة المثل في العبد والبهيمة وإن كان غير معروف بذلك فلا شيء له.
وقال أبو حنيفة إن كان المردود عبدًا أو أمة فله إن رد من مسافة ثلاثة أيام فصاعدًا أربعون درهمًا وإن رده من أقل من مسافة ثلاثة أيام فله أجرة المثل ولا شيء له في رد البهيمة وسواء كان برد النوال معروفة أو غير معروف استدلالًا منهما على اختلاف مذهبيهما بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جعل لمن رد آبقًا من خارج الحرم دينارًا وروى أصحاب أبى حنيفة تارة موقوفًا على ابن مسعود وتارة هكذا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من رد آبقًا فله أربعون درهمًا".وروي أن رجلًا رد ضالة لرجل فقال الناس لقد حاز أجزًا عظيمًا.
فقال ابن مسعود: وله مع ذلك أربعون درهمًا وكان من مسيرة ثلاثة أيام.
وروي عن عمر وعلي رضوان الله عليهما أنهما قالا: من رَد آبقًا فله عشرة دراهم، وليس لهم في الصحابة مخالف، فصار ذلك منهما إجماعًا على استحقاق الجعل؛ قالوا: ولأنه حكم موضوع على ما أدى إلى حفظها ورفق أربابها فيها فلو منع الراد لها من جعل يستحقه عليها لامتنع الناس من ردها ولأدى ذلك إلى تلفها ولحوق المشقة الغالبة في طلبها.
ودليلنا عموم قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه منه" ولأن المنافع كالأعيان بل أضعف فلما كان لو استهلك أعيانًا في رد ضالة من طعام أو علف لم يستحق به عوضًا فإذا استهلك منافع نفسه، فالأولى أن لا يستحق بها عوضًا.
وتحريره قياسًا أن ما تطوع باستهلاكه في الضوال لم يرجع بعوضه كالأعيان ولأنه لو أوصل المالك إلى ملكه لم يستحق به عوضًا فكذلك إذا أوصل الملك إلى مالكه لم يستحق به عوضًا لتطوعه في كلا الحالين وتحريره أنه جمع بين المالك وملكه تطوعًا فوجب أن لا يستحق به عوضًا كما لو أوصل المالك إلى ملكه.
والدليل على مالك خاصة أن من تطوع باصطناع معروف لم يستحق به جعلًا كغير المعروف، ومن الدليل على أبي حنيفة خاصة أن استحقاق الجعل على رد العبد لا يخلو من أن يكون لكونه ملكًا أو لكونه آدميًا فإن كان لكونه ملكًا بطل استحقاقه وذلك لكونه ملكًا لأنه لو رد بهيمة أو لقطة لم يستحق شيئًا، ولم يجز أن يستحق ذلك لكونه آدميًا، (0) لأنه لو رد صبيًا قد ضاع لم يستحق شيئًا فبطل بهذين أن يستحق في رد العبد شيئًا.
قال: أما الجواب عما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أو ذكروه من إجماع الصحابة رضي الله عنهم فقد قال أحمد بن حنبل: لم يصح عن

النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة شيء منه.
ولو صح لكان محمولًا على أحد وجهين إما على اشتراط ذلك لمن جاء به خاصة قبل المجيء ليصير مستحقًا للجعل بالشرط، وأما لتقرير بأجرة المثل في الجعالة لا فاسدة وأما ما ذكروه من الإرفاق والمصلحة فمنتقض بالطعام والعلف.
فصل: فأما رد الضالة عن أمر مالكها فضربان: أحدهما: أن يجعل له عند الأمر بردها عوضًا، فذلك مستحق فإن كان عوضًا معلومًا وعقدًا صحيحًا استحقه، وإن كان عوضًا مجهرلًا وعقدًا فاسدًا استحق أجرة المثل قال الله تعالي: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ المَلِكِ ولِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: 72] وكان حمل البعير عندهم معلومًا كالوسق.
والضرب الثاني أن لا يذكر مع الأمر بالرد عوضًا لا صحيحًا ولا فاسدًا، بل قال له فلان: جئتي بعبدي الآبق فقد اختلف أصحابنا هل يستحق عليه أجرة مثله بمجرد الأمر أم لا؟ على أربعة أوجه: أحدها: وهو مذهب الشافعي أنه لا أجرة له سواء كان معروفة يأخذ الأجرة على ذلك أو لا لتردد الأمرين بين احتمال تطوع واستعجال.
والثاني: وهو مذهب المزني له أجرة المثل سواء كان معروفًا بذلك أو غير معروف لاستهلاك منافعه يأخذه.
والثالث: وهو مذهب ابن سريج إنه كان معروفًا بذلك فله أجرة المثل وإن كان غير معروف فلا أجرة له اعتبارًا.
والرابع: وهو مذهب أبي إسحاق المروزي أنه إن ابتدأه مالك العبد بالأمر فعليه أجرة المثل وإن استئذنه الجاني بالضالة فإذن له فلا أجرة له انتصارًا على حكم اسبق الحالين.
فصل: فلو اختلف مالك الضالة ومن ردها في الإذن فقال المالك: ردتها بغير إذن فأنت متطوع بغير أجر، وقال في ردها: بل ردتها عن أمرك بأجر فالقول قول المالك مع يمينه لبراءة ذمته، ولو اتفقنا على الإذن بالأجر في عين العبد المأذون برده وقد ردّ عليه عبده سالمًا وادعى الآخر نفيه، فقال المالك: بل فعلت ذلك ني عبدي غانم، فالقول قول: المالك مع يمينه ولا أجرة عليه؛ لأنه ينكر الإذن فيه وإن اعترف به في غيره.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالي: "ولو قال لرجل إن جئتني بعبدي فلك كذا ولآخر مثل ذلك ولثالث مثل ذلك فجاؤوا به جميعًا فلكل واحد منهم ثلث ما جعله له اتفقت

الأجعال أو اختلفت".
قال في الحاوي: أما الجعالة فمن العقود الجائزة دون اللازمة، لما قدمناه من قوله عز وجل، ولمن جاء به.
حمل بغير وأنا به زعيم، وهي تفارق الإجارة من ثلاثة أوجه: أحدها: جواز عقدها على عمل مجهول كقوله: "من جاء بعبدي الآبق فله دينار".وإن كان العبد مجهول المكان وفساد مثل ذلك في الإجارة.
والثاني: أن الجعالة غير لازمة والإجارة لازمة.
والثالث: أنها تصح من غير معين كقوله: "من جاءني بعبدي الآبق فله دينار" وإن لم يعين الجاني به، فأي الناس جاء به فله الدينار.
والإجارة لا تصح إلا مع من يتعين العقد عليه، وإنما فارقت الإجارة من هذه الوجوه الثلاثة لأنها موضوعة على التعاون والإرفاق فكانت شروطها أخف وحكمها أضعف.
فصل: فلو قال: من جاءني بعيدي الآبق فله دينار، فأي الناس جاء به استحق الدينار من رجل أو امرأة، حر أو عبد، مسلم أو كافر، صغيرًا أو كبيرًا، عاقلًا أو مجنونًا، إذا كان قد سمع النداء أو علم به لدخولهم في عموم قوله: "من جاءني" فلو جاء العبد بنفسه عند علمه بهذا القول من سيده لم يستحق عليه شيئًا؛ لأن الجعل عليه لا له فلو جاء به من لم يسمع النداء ولا علم به كان متطوعًا يحمله على حكم الأصل فلو علم بالنداء بعد المجيء به وقبل دفعه إلى سيده استحق الدينار؛ لأن السامع للنداء لو جاء به من أقرب المواقع أو أبعدها استحقه، فكذلك فلو أنفق عليه الجاني به في طعامه وشرابه كان متطوعًا بالنفقة، وليس له غير الدينار، فلو جاء بالعيد وهو مريض أو في قبضة حياته استحق الدينار؛ لأنه مبذول على حمله فلو اختلف العبد وحامله، فقال العبد: جئت بنفسي، وقال حامله: بل أنا جئت به، رجع إلى تصديق السيد، فان صدق الحامل لم يعتبر إنكار العبد واستحق الدينار، وإن صدق العبد حلف السيد، دون العبد، ولا شيء عليه، ولو اختلف السيد وحامل العبد فقال السير فلما لم تسمع النداء فلا شيء لك، وقال الحامل: بل سمعته وعلمت به فلي الدينار.
فالقول قول الحامل، وله الدينار؛ لأن علمه بالشيء يرجع فيه إليه لا إلى غيره، فلو قال سيد العبد من جاءني بعبدي من سامعي ندائي هذا فله دينار، فجاء به من علم بندائه ولم يسمعه لم يستحق شيئًا، ولو قال الجائي به، سمعت النداء وقال السيد: لم تسمعه فالقول قول الجاني به أيضًا.
فصل: فلو أمر السيد عبده فنادى: من جاء بعبدي فلان فله دينار كان نداء المنادي كنداء السير في وجوب الدينار عليه لحامل عبده فلو أنكر السير أمر المنادي بذلك فالقول قوله مع يمينه ثم ينظر في المنادي فإن قال في ندائه إن فلانًا قال من جاءني بعبدي فله دينار فلا شيء على المنادية لأنه جاهل وإن كان قد قال من جاء بعبدي فلان فله دينار فعلى المنادي دفع الدينار لأنه لا فرق بين أن ينزل ذلك من مال نفسه أو من مال غيره إلا

أن يكون الجائي بالعبد.
قد صدق المنادي على أمر السيد له فلا يرجع على المنادي بشيء.
فصل: فلو قال السيد: من جاءني بعبدي الآبق فله دينار فجاء به نفسك كان الدينار بينهما لحصول المجيء بهما، ولو جاء به عشرة كان الدينار بينهم بالسوية سواء اتفقت أجورهم أو اختلفت لاستوائهم في المجيء به، فلو قال: يا زيدان جئتني بعيدي فلك دينار، فجاء به غيره لم يستحق الدينار، ولو جاء به زيد وعمرو، نظر في عمرو، فإن قال: جئت به معينًا لزيد فلزيد جمل الدينار ولا شيء لعمرو؛ لأن لزيد أن يستعين في حمله بمن شاء، وإن قال عمرو: جئت به لنفسي طلبًا لأجرته فلزيد نصف الدينار؛ لأن له نصف العمل ولا شيء لعمرو، لأنه لم يبذل له على عمله شيت فلو اختلف زيد وعمرو فقال زيد: جئت به معينًا لي، وقال عمرو: بل جئت به مستعجلًا لنفسي رجع إلى السيد، فإن صدق زيدًا استحق الدينار كله، وإن صدق عمرًا حلف السيد دون عمرو، لأنه الغارم وليس عليه إلا نصف الدينار.
فصل: فلو قال: يا زيد إن جئتني بعيدي فلك دينار، ويا عمرو إن جئتني بعبدي فلك خمسة دنانير ويا بكر إن جئتني به فلك عشرة دنانير فإن جاء به غيرهم فلا شيء له، وإن جاء به أحدهم فله ما جعل له، فإن جاؤوا به جميعا فلكل واحد منهم ثلث ما جعل له، لأن لكل واحد منهم ثلث العمل فيكون لزيد ثلث الدينار، ويكون لعموم ثلث الخمسة، ويكون لبكر ثلث العشرة، فلو قال زيد وعمرو: أعاننا بكر في حمله فله كل العشرة، فقولهم في ذلك مقبول؛ لأن لهما أن يتركا العمل لأنفسهما ويتطوعا به لغيرهما.
فصل: وإذا قال: ما جاءني بعبدي فله دينار ثم رجع عن ذلك، فعليه إعلان الإذن فمن جاء به فله الدينار وإن أعلنه فلا شيء لمن جاء به بعد إعلان الإذن، سواء علم برجوعه أو لم يعلم، إذا كان قد شرع في المجيء به؛ لأن إعلام كل الناس برجوعه متعذر فلم يلزمه في الرجوع أكثر من الإعلان والإشاعة.
ولو كان هذا الجائي به شرع في حمله قبل الرجوع فله الدينار ما لم يعلم بالرجوع فأما إن قال: يا زيد إن جئتني بعيدي فلك دينار ثم رجع السيد فعليه إعلام زيد برجوعه ما لم يشرع في حمله فإن لم يعلم فهو على حقه سواء أعلن السيد الرجوع أو لم يعلنه لأن إعلام زيد بالرجوع غير متعذر فلو شرع زيد في حمله ثم أعلمه السيد برجوعه قيل للسيد: أنت بالخيار بين أن تمكنه من المجيء به فيستحق كل الدينار أو تبذل له أجرة مثل ما قوته من عمله؛ لأنه وإن كان غير لازم لك فليس لك إبطال عمله عليه كالمضاربة إذا رجع فيها رب المال بعد عمل العامل لزمه تمكين العامل من بع ما اشتراه لئلا يفوت عليه عمله بالرجوع وإن كان العقد غير لازم.
فصل: ولو جاء زيد بالعبد وقد مات السيد كان له الدينار في تركته إذا وصل العبد إلى ورثته ولو مات زيد قبل وصول العبد إلى سيده فإن تهم وارث زيد حمل العبد إلى

سيده فله من الدينار المستحق بقسط عمل زيد منه؛ لأن عمله لم يفت ولا شيء للوارث منه لقسط عمل نفسه لأن ما لم يلزم من للعقود يبطل بالموت فلم يقم عمل الوارث مقام عمل الموروث وإن لم يأت الوارث بالعبد فالصحيح أنه لا شيء لوارث زيد فيما عمله من حمل العبد؛ لأن زيد لو كان حيًا فلم يتهم حمله لم يستحق شيئًا.
وقال بعض أصحابنا باختياره فات عليه عمله، وهذا التعليل غير صحيح؛ لأن زيد لو كان على حمله فهرب العبد منه لم يستحق لما في عمله شيئًا وإن لم يختر تفويت العمل عليه، فلو مات العبد قبل وصوله إلى بلده فلا شيء له في حمله ولا ضمان عليه في موته، وهكذا لو مات بعد وصوله إلى بلده وقبل حصوله في يد سيده وهذا يوقع فساد ذلك التعليل.
فصل: ولو قال وهو بالبصرة ن يا زيد إن جئتني بعيدي من بغداد فلك دينار فجاء به منها استحق، ولو جاء به من أبعد منها والموصل لم يستحق أكثر من الدينار، ولو جاء به من أقل منها نحو واسط استحق من الدينار بقسطه، لأن بعض العمل الذي جعل له الدينار في مقابلته.
فصل: ولو قال: إن من جاءني بعيدي فله دينار، ثم قال بعده: من جاءني بعيدي فله عشرة دنانير، كان الآخر من توليه هو المعمول عليه، ويكون لسن جاء به عشرة دنانير ويعكس من قالب من جاءني فله عشرة، ثم قالب من جاءني به فله دينار كان للجار به دينار واحد والله أعلم بالصواب.

باب التقاط المنبوذ يوجد معه الشيء

قال الشافعي رحمه الله تعالي فيما وضع بخطه: ما وجد تحت منبوذ شيء مدفون من ضرب الإسلام أو كان قريبًا منه فهو لقطة أو كانت دابة فهي ضالة فإن وجد على دابته أو على فراشه أو على ثوبه مال فهو له".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، أما المنبوذ فهو الطفل يلقي: لأن النبذ في كلامهم الإلقاء وسمى لقيطًا لالتقاط واجده له، وقد تفعل المرأة ذلك بولدها لأمور؛ منها: أن تأتي به من فاحشة فتخاف العار، فتلقيه، أو تأتي به من زوج فتضعف عن القيام به فتلقيه رجاء أن يأخذه من يقدم به، أو تموت الأم فيبقى ضائعًا فيصير فرض كفاية والقيام بتربيته علي كافة من علم بحاله حتى يقوم بكفالته منهم من فيه كفاية، كالجماعة إذا رأوا غريقًا يهلك او من ظفر به سبع فعليهم خلاصه واستنفاذه لقوله عز وجل: ﴿ومَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32] وفيه تأويلان: أحدهما: أن على جميع الناس شكره حتى كأنه قد أحياهم.

والثاني: أنه قد ناب عن جمع الناس في إحيائه.
ولقوله تعالى: ﴿وتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ والتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2] ولقوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الخَيْرَ﴾ [الحج: 77] فدلت هذه الآية على الندب على أخذه والتوصل إلى حراسة نفسه وقد قال تعالى في قصة موسى صلى الله عليه وسلم: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ [القصص: 8] طلبًا لحفظ نفسه ورغبة في ثوابه.
وروي أن منبوذًا وجد على عهد عمر رضي الله عنه فاستأجر له امرأة تكفله واستشار الصحابة في النفقة فأشاروا أن ينفق عليه من بيني المال.
وروى الزهري عن أبي جميلة أنه قال: أخذت منبوذًا على عهد عمر رضي الله عنه فذكره عريفي لعمر فأرسل إليّ فدعاني والعريف عنده قال عسى الغوير أبؤسًا، فقال عريفي إنه لا يفهم فقال عمر: ما حملك على ما صنعت؟ فقلت: وجدت نفسًا مضيعة فأحببت أن يأجرني الله عز وجل فيها.
قال: هو حر وولاؤه لك وعلينا رضاعه.
فصل: فإذا وجد الرجل لقيطًا فلا يخلو أن يجد معه مالًا أو لا يجد، فإن لم يجد معه مالأ تطوع يأخذه والنفقة عليه، وإن أبى أن ينفق عليه تطوعًا إما لعجز أو شح رفع أمره إلى الحاكم على ما ذكره وإن وجل معه مالًا؛ لأنه ربما فعل ذلك ليكون باعثًا على أخذه والقيام بتربيته، فذلك المال ملك له؛ لأنه لا يمتنع وإن كان طفلًا أن يكون ملكًا بميراث أو وصية؛ وإنما بحكم يملكه فيما كان بيده؛ لأن له يد توجب الملك كالكبير الذي ينسب إليه ويجري عليه حكم ملكه كلما كان عليه من ثياب أو حلي، أو كان تحته من فراش أو حصير، أو كان في يده من دراهم أو عنان فرس، أو كان راكبًا له من بعير أو فرس، فكل ذلك منسوب إلى يده كالكبير ومحكوم له به في ملكه.
فصل: فما وجد منفصلًا عنه فضربان: أحدهما: أن يبعد عنه كالفرس المربوط على بعد أو كيس من دراهم أو ثوب فذلك غير منسوب إلى يده كما لا ينسب إلى يد الكبير ويكون لقطة.
والثاني: أن يكون ذلك قريبًا منه فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون الموضع آهلًا كبير المارة فهذا يكون لقطة أيضًا.
والثاني: أن يكون الموضع منقطعًا قليل المارة ففيه وجهان: أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي والظاهر من كلام الشافعي أن يكون لقطة كالكبير الذي لا يملك ما يقاربه من المال إذا لم يكن له عليه يد.

والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنه يكون ملكًا للقيط اعتبارًا بالظاهر من حاله، وفرق بينه وبين الكبير بأن الكبير يقدر على إمساك ما يقاربه من مال أو فرس، فإذا لم يفعل ارتفعت يده فزال الملك، والصغير يضعف عن إمساك ما يقاربه فجاز أن ينتسب إلى ملكه، وأنه في حكم ما في يده.
فصل: فأما ما تحته من مال فضربان: مدفون وغير مدفون، فإن كان مدفونًا فليس بملك للقيط؛ لأن الكبير لو كان جالسًا على أرض تحتها دفين لم يحكم له بملكه، لم ينظر فإن كان من ضرب الإسلام فهو لقطة، وإن كان من ضرب الجاهلية فهو ركاز يملكه الواجد وعليه خمسة وإن كان غير مدفون فضربان: أحدهما: أن يكون فوق بساطه وتحت جسده فهذا ملك للقيط لكونه في يده وتحت جسده فهذا ملك للقيط لكون في يده.
والثاني: أن يكون تحت بساطه ففيه وجهان: أحدهما: أن يكون ملكًا له كالبساط إذا كان تحته يكون ملكه.
والثاني: لا يكون ملكه ويكون لقطة بخلاف البساط؛ لأن الدراهم لم تجر العادة أن تكون مبسوطة على الأرضي تحت مالكها وجررت عادة البساط أن يبسط على الأرض تحت مالكه.
فصل: وأما الموضع الذي هو منبوذ فيه، فإن كان مواتًا أو مسجدًا أو طريقًا مائلًا، فهو على حاله، وإن كان ملكًا فضربان: أحدهما: ما جرت العادة بسكناه كالدور فيكون ذلك له إذا لم يكن غيره فيها كالكبير يملك ما هو فيها من دار.
والثاني: أن يكون ما لم تجر العادة بسكناه كالبساتين والضياع فعلى وجهين: أحدهما: يحكم بأنه ملكه ما لم يكن لغيره عليه يد كالدور.
والثاني: لا يحكم له بذلك بخلاف الدار؛ لأن سكنى الدار تصرف وليس الحصول في البساتين سكنى ولا تصرف.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى:"وإن كان ملتقطة غير ثقة نزعة الحاكم منه وإن كان ثقة وجب أن يشهد بما وجد له وأنه منبوذ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال إذا كان ملتقط المنبوذ غير مأمون عليه خوفًا من استرقاقه ولا على ماله خوفًا على استهلاكه نزعه الحاكم من يده لأمرين:

أحدهما: أن غير المأمون ليس من أهل الولايات.
والثاني: أنه لاحظ للمنبوذ في تركه تحت يده.
فإن قيل: أفليس لو كان واجد اللقطة غير مأمون عليها أقرت في يده على أحد القولين فهلا كان اللقيط كذلك؟ قيل: الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن اللقطة اكتساب فجاز أن يستوي فيها الأمين وغيره والتقاط المنبوذ ولاية فاختلف فيه الأمين وغيره.
والثاني: ما يخاف على المنبوذ من استرقاقه وإضاعته أغلظ مما يخاف على المال من استهلاكه وتلفه؛ لأن للمال بدل وليس للحرية بدل.
فصل: فإذا تقرر ما وصفناه لم يخل حال ملتقط المنبوذ من أربعة أقسام: أحدها: أن يكون مأمونًا عليه وعلى ماله فيقران معًا في يده، وهل يكون للحاكم عليه نظر أم لا على وجهين: أحدهما: وهو قول أبى علي الطبري لا نظر عليه لا اجتهاد له فيما إليه كما أنه لا نظر في اللقطة على واجدها إذا كان أمينًا.
والثاني: وهو قول أبي علي بن خيران أن للحاكم عليه في المنبوذ نظر وله في كفالته اجتهاد لأنه الوالي على الأطفال وخالف حال اللقطة لأنها كسب وهكذا اختلف أصحابنا هل يكون الملتقط خصمًا فيما نوزع فنه المنبوذ من أمواله أم لا على وجهين: أحدهما: يكون خصمًا فيه نيابة عن المنبوذ لمكان نظره عليه.
والثاني: لا يكون خصمًا إلا بإذن الحاكم.
والقسم الثاني: أن يكون الملتقط غير أمين عليه فواجب على الحاكم انتزاعها من يده ويرتضي له من يقوم بكفالته وحفظ ماله.
والقسم الثالث: أن كون أمينًا عليه فلا يخاف من استرقاقه له لكنه غير أمين على ماله خوفًا من استهلاكه له فهذا يقر المنبوذ في يده وينتزع المال منه لأنه قد صار له بالتقاطه حق في كفالته فما لم يخرج عن حل الأمانة فيه كان مقرأ معه وليس تراعي فيه العدالة فيكون جرحه في شيء جرحًا في كل شيء وإنما يراعى فيه الأمانة وقد يكون أمينًا في شيء وإن كان غير مؤتمن في غيره فإن قيل فهلا كان المال الذي ليس بمؤتمن عليه لأنهما في يده على أحد القولين كاللقطة لأنها جميعًا مال بخلاف المنبوذ قلنا لأن مال اللقطة كسب الملتقط وليس مال المنبوذ كسبًا للملتقط.
والقسم الرابع: أن يكون أمينًا على ماله غير أمين على نفسه ما من استرقاقه وأما لأنها ذات فرج لا يؤمن غيره فينتزع المنبوذ منه وفي إقرار المال معه وجهان: أحدهما: يقر معه وان نزع المنبوذ منه.
كما يقر المنبوذ معه وإن نزع المال منه.

والثاني: ينتزع المال منه مع المنبوذ لأن ماله تبع له والفرق بين المنبوذ وبين ماله أن لملتقط المنبوذ حق في كفالته وليس له حق في حفظ ماله وإنما الحق عليه في المال وله الكفالة فافترقا.
فصل: ثم الحاكم مندوب إلى الإشهاد على من أخذ المنبوذ وماله في يده كما كان مندوبًا إلى الإشهاد على من أخذ المنبوذ ماله في يد ملتقط المال فإن كان القيم بكفالة المنبوذ وحفظ ماله غير الملتقط له التسليم الحاكم له إلى من ارتضاه لأمانته عند حياة ملتقطه فالإشهاد عليه مستحب وليس بواجب لأن تسليم الحاكم إليه ذلك حكم يغني عن الإشهاد فإن كان هو الملتقط ففيه وفي اللقطة ثلاثة أوجه مضيا.
أحدها: أن الإشهاد واجب في اللقطة والمنبوذ.
والثاني: أنه غير واجب فيهما جميعًا.
والثالث: أنه واجب في المنبوذ وغير واجب في اللقطة لما ذكرنا من الفرق بينهما.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالي: "ويأمره بالإنفاق منه عليه بالمعروف وما أخذ ثمنه الملتقط وأنفق منه بغير أمر الحاكم فهو ضامن".
قال في الحاوي: وهذا كما قال.
إذا وجل مع اللقيط مال كانت نفقته في ماله كما يجب نفقة الطفل إذا كان له مال في ماله دون مال أبيه فإن تطوع الملتقط وأنفق عليه من مال نفسه كان محسنًا كالأب بالإنفاق على ولده الغنى وإن أراد الملتقط أن ينفق عليه من ماله لزمه استئذان الحاكم فيه سواء قيل إن للحاكم عليه نظر في اللقيط أو ليس له لأن للحاكم نظرًا في ماله لا يختلف فيه فإن أنفق يغير إذن لم يخل ماله من أحد أمرين: إما أن يكون قادرًا على استئذانه أو غير قادر فإن كان قادرًا على استئذانه كان ضامنًا لما أنفق قصدًا أو سرفًا لأن الحاكم هو الوالي على المال دونه وصار ذلك وإن وصل إلى مالكه كمن أخذ علف رجل أعده لدابته فأطعمها إياه ضمنها له وإن وصل إليه وإن لم يقدر على استئذان الحاكم ففي ضمانه وجهان.
كالجمال إذا هرب من مستأجره فاكترى لنفسه عند إعواز حاكم ليستأذنه أحد الوجهين أن يسترجع المستأجر ولا يضمن الملتقط لضرورتها والثاني لا يرجع المستأجر ويضمن الملتقط لأن لا يكونا حاكم أنفسهما ومن أصحابنا من فرق بين حرب الجمال وبين ملتقط المنبوذ فجعل للمستأجر أن يرجع الملتقط ضامنًا لأن المستأجر مضطر إلى استيفاء حقه وليس الملتقط مضطر إلى التقاطه وهذا الوجه له لأنه ربما وجده ضائعًا في

مهلكة فلزمه أخذه لنفسه.
فصل: فإن استأذن الحاكم فهل يأذن له في النفقة عليه بنفسه من يده أو يتولاه غيره من أمنائه على قولين: أحدهما: وهو الأصح: أنه يأذن له في للنفقة عليه إذا كان أمينًا أما بتقدير مثاله فإن زاد على القدر من غير حاجة ضمن وإما بأن رد ذلك إلى اجتهاده فما ادعاه فيها عن قصد قبل منه وما تجاوز للقصد لم يقبل منه لأنه متعد به وإن كان محقًا فيه.
والثاني: أنه يؤخذ من الملتقط من مال المنبوذ القدر الذي ينصرف في نفقته حتى يتولى ذلك نره من أمناء الحاكم لما فيه من فضل الاحتياط له ثم فيه وجهان: أحدهما: أن الأمين يتولى شراء ما يحتاج إليه المنبوذ من طعام وكسوة ثم يدفعه إلى الملتقط حتى يطعمه ويكسوه لأنه أحوط.
والثاني: أنه يدفع قدر النفقة إلى الملتقط ليتولى شراء ذلك بنفسه لما له حق الولاية عليه.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالي: "فإن لم يوجد له مال وجب على الحاكم أن ينفق عليه من مال الله فإن لم يفعل حرم تضييعه على من عرفه حتى يقام بكفالته فخرج من بقي من المأثم".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، إذا الملتقط المنبوذ فقيرًا لا مال له ولم يتطوع أحد بالنفقة عليه وجب على الإمام الأعظم أو من ينوب عنه من والٍ وحاكم أن يقوم بنفقته؛ لأنها نفس يجب حراستها ويحرم إضاعتها ومن أين ينفق الإمام عليه فيه قولان: أحدهما: وهو الأصح: من بيت المال لأنه رصد للمصالح وهذا منها.
وقد روي عن عمر بن الخطاب رضوان الله عليه أنه قال: لئن أصاب الناس سنة لأنفقن عليهم من مال الله حتى لا أجد درهمًا فإذا لم أجد درهمًا ألزمت كل رجل رجلًا.
وقد استشار عمر رضي الله عنه الصحابة رضي الله عنهم في للنفقة على اللقيط فقالوا: من بيت للمال فعلى هذا القول لا رجوع بما أنفق عليه من بيت المال على اختلاف ما يظهر من أحواله لوجوبها فيه.
والثاني: أنها لا تجب في بيت المال لأنه قد يجوز أن يكون عبدًا فتجب على سيده أو حرًا له أب غني فتجب على أبيه وبيت المال لا يلزم فيه إلا ما لا وجه له سواه فعلى هذا يجب على الإمام أن يفترض له ما ينفق عليه أما من بيت المال أو من أحد من

المسلمين فإن لم يكن في بيت المال ولم ينفرد أحد من المسلمين به وجب عليه أن يخص نفسه ومن حضره من ذوي المكنة وجعلها مقسطة عليهم على عددهم جبرًا ولا يخص بالإجبار عليها واحدًا.
قال الشافعي: فإن لم يفعل حرم تضييعه على من عرفه حتى يقام بكفالته، لآن ذلك من فروض الكفايات ثم ينظر فان بان عبدًا رجع بها على سيده وإن بان له أب غني أخذها من أبيه فإن بلغ ولا أب له ولا سيد فإن علمه مكتسبًا رجع عليه في كسبه وإن كان غير مكتسب فهو من جملة أهل الصدقات فيقضى ذلك عنه من أي المالين يراه فيها من سهم الفقراء أو المساكين أو من سهم الغارمين والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالي:" ولو أمره الحاكم أن يستلف ما أنفق عليه يكون عليه دينًا فما ادعى قبل منه إذا كان مثله قصدًا.
قال المزني: لا يجوز قول أحد فيما يتملكه على أحٍد لأأنه دعوى وليس كالأمين يقول فيبرأ".
قال في الحاوي: وصورتها في لقيط فقير أمر الحاكم ملتقطه أن يستقرض ما ينفقه عليه فذلك ضربان: أحدهما: أن يأمره أن يستقرض عليه من غيره فهذا جائز ولا يأخذ القرض جملة ولكن يستقرض له في كل يوم أو أكثر في كل أسبوع قدر حاجته إليه ويقبل قول الملتقط في إنفاقه عليه لأنه لا يستغني عن غذاء في كل يوم فإذا مرت به الأيام على سلامة وهو فيها نامي الجسد مستقيم الأحوال كان الأظهر من حاله وصول النفقة إليه.
والثاني: أن يأمره أن يستقرض من نفسه فهل يجوز له أن يتولى إنفاقه عليه بنفسه أم لا على قولين: أحدهما: وهو نصه ها هنا: يجوز لكونه أمينًا وما ادعاه من شيء يكون مثله قصدًا قبل منه.
والثاني: واختاره المزني أنه لا يجوز حتى يأخذها من غيره من الأمناء فينفقها عليه، لأنه لا يقبل قول أحد فيما يدعيه دينًا على غيره.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالي:" ولو وجده رجلان فتشاحاه أقرعت بينهما فمن خرج سهمه دفعته إلين وإن كان الآخر خيرًا له لم يكن مقصرًا عما فيه مصلحته".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا اشترك نفسك في التقاط المنبوذ وهما من أهل

الكفالة لاستوائهما في الإسلام والحرية والأمانة فهذا على ضربين: أحدهما: أن يتنازعاه ويتشاحنا عليه، فمذهب الشافعي وعليه جمهور أصحابه أن الحاكم يقرع بينهما، لأنهما لما استويا ولم يكن أن يشترك بينهما كانت القرعة بينهما ليتميز بها الأحق من غير تهمة.
قال تعالى: ﴿ومَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: 44] الآية ثم يتعين حق من قرع منهما في كفالته قان أراد رفع يده عنه كان له ولم يجبر على إمساكه ويتسلمه الحاكم منه وهل يصير شريكه أولى بكفالته من غيره أم لا على وجهين: أحدهما: هو أولى به من غيره لاختصاصه بالتقاطه وإن تقدم الأخر بالقرعة.
والثاني: أنه قد بطلت كفالته لما قرعه صاحبه وصار غيره سواء فيجتهد الحاكم فيه رأيه فهذا حكم ما ذهب إليه الشافعي من الإقراع بينهما عند التنازع وسواء كان من خرج بالقرعة أنفع له إذا لم يكن الذي خرج قرعته مقصرًا أو كانا سواء، وقال أبو علي بن خيران لا قرعة بينهما عند التنازع ولكن يجتهد الحاكم فيهما رأيه فأيهما رآه أحظ له كان أولى بكفالته ولهذا القول وجه وإن خالف نعى الشافعي غير أن تساويهما يمنع من تغليب أحدهما إلا بالقرعة كالبنتين إذا تعارضتا.
فصل: والضرب الثاني: أن لا يتنازعا ويتفقا على تسليمه لأحدهما فهذا على ضربين: أحدهما: أن يسلمه قبل استقرار يده عليه فهذا يجوز لأن المسلم له بمثابة من رآه ولم يلتقطه ويصير المستلم أولى وكأنه التقطه وحده.
والثاني: أن تستقر أيديهما جميعًا عليه حتى يصير الملقوط معهما ثم يتسلمه أحدهما ففيه وجهان: أحدهما: يجوز لأن الحق لهما وليس يتجاوزهما كالشقيقين إذا سلم أحدهما لصاحبه.
والثاني: لا يجوز لآن للملتقط حق الكفالة وليس له حق التسليم كما لو كان هو الواجد وحده لم يكن له تسليمه إلى غيره حتى يتولى الحاكم.
فصل: ولو التقطه رجل وامرأة كانا في كفالته سواء فيقترعان ولا تقدم المرأة كتقديم الأم على الأب في الحضانة لأن في الالتقاط ولاية إن لم يكن الرجل أحق لها لم يكن أنقص حضانة الأبوين.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالي:" وإن كان أحدهما مقيمًا بالمصر والآخر من غير

جارٍ التحميل