بحر المذهب للرويانيصفحات 43-82

وكانت على حالها لم تندمل حتى عاد إليه فذبحه أو ضرب عنقه فعليه القود في الجراح وفي النفس ويدخل دية الجراح في دية النفس ولا يلزمه أكثر منها.
وقال أبو سعيد الاصطخري وذكره أبو العباس بن سريج أن دية الجراح لا تدخل في دية النفس كما لم يدخل قود الجراح في قود النفس، فيؤخذ بدية الجراح وبدية النفس كما أقيد بالجراح، وأقيد بالنفس، وهذا خطأ لأن جناية الواحد إذا لم تستقر بني بعضها على بعض، ودخل الأقل في الأكثر، فإذا صارت بعد الجراح نفساً كان مأخوذاً بدية النفس، ودخل دية الجراح فيها، لأن دية الجراح لا تستقر إلا بعد انتهاء سرايتها، وهي قبل الاندمال غير منتهية، فلذلك سقط أرشها، وصار داخلاً في دية ما انتهت.
فإن قيل: إنما يعتبر الاندمال فيها لانقطاع سرايتها، والتوجيه بعدها قطع لسرايتها، فصارت كالاندمال.
قيل: التوجيه عليه سراية الجراح، ولم تقطعها والاندمال قطع سرايتها فافترقا.
فأما قود الجراح فيجوز أن يستوفي مع قود النفس، واختلف أصحابنا في حكم استيفائه على وجهين: أحدهما: وهو قول أبي حامد الإسفراييني أنه يستوفي به القصاص في النفس ليقابل القاتل بمثل فعله، ولا يكون ذلك قوداً في الجراح، فعلى هذا يكون القود في الجراح داخلاً في قود النفس، كما دخلت دية الجراح في دية النفس.
والثاني: وهو قول الأكثرين أنه يكون قوداً في الجراح يستوفي لأجلها، لا لأجل النفس لتميزها، فعلى هذا لا يدخل قود الجراح في قود النفس، وإن دخلت دية الجراح في دية النفس.
والفرق بينهما أن حكم القود أعم من حكم الدية، لأن الجماعة يقادون بالواحد، ولا يؤخذ منهم إلا دية واحدة، فجاز لأجل ذلك أن تدخل دية الجراح في دية النفس، وإن لم يدخل قود الجراح في قود النفس.
فأما إذا كان الجراح من رجل والتوجيه من آخر أخذ الجارح بحكم جراحته في القود والدية، وأخذ الموجئ بحكم القتل في القود والدية، ولم تدخل دية الجراح في دية النفس، كما لا يدخل قود الجراح في قود النفس بخلاف الواحد، وهو متفق عليه والفرق بينهما تفرد الواحد وتميز الاثنين.
مسألة: قال الشافعي: "ولو برأت الجراحات، ثم عاد فقتله كان عليه ما على الجارح منفرداً، وما على القاتل منفرداً".

قال في الحاوي: وهذا صحيح، لأن الجراحات إذا اندملت وبرأت استقر حكمها في القود والدية، فإذا طرأ بعدها القتل لم يسقط حكم ما استقر من قود وعقل، لأن الحقوق المستقرة لا تسقط بحقوق مستجدة كالديون والحدود، فيستوفي قود الجراح وديتها وقود النفس وديتها، ولا يدخل دية الجراح في دية النفس كما لم يدخل قود الجراح في قود النفس، وسواء كانا من واحد أو اثنين بخلاف ما لم يندمل في الغرق بين الواحد والاثنين لما قدمناه من التعليل بالاستقرار، فلو اندمل بعض الجراح، وبقي بعضها حتى طرأت التوجيه سوى فيما اندمل بين الواحد والاثنين، وفرق فيما لم يندمل بين الواحد والاثنين.
مسألة: قال الشافعي: "ولو تداوي المجروح بسم فمات، أو خاط الجرح في لحم حي فمات، فعلى الجاني نصف الدية، لأنه مات من فعلين، وإن كانت الخياطة في لحم ميت فالدية على الجاني".
قال في الحاوي: وهذه المسألة تشتمل على فصلين: أحدهما: في التداوي بسم.
والثاني: في خياطة الجراح.
فأما التداوي بالسم فلا يخلو حاله من أربعة أقسام: أحدها: ما كان قاتلاً موجياً في الحال.
والثاني: ما كان قاتلاً يتأخر قتله عن التوجئة في الحال.
والثالث: ما كان قاتلاً في الأغلب، وإن جاز ألا يقتل.
والرابع: ما كان غير قاتل في الأغلب، فإن جاز أن يقتل.
فأما القسم الأول: وهو القاتل الموجئ في الحال، فهذا هو قاتل نفسه بالتوجيه بعد جرحه بالجناية، فيسقط عن الجارح حكم النفس في القود والدية، ويلزمه حكم الجرح في القود والدية، فالجارح إذا تعقبه قاتل موج وسواء تداوي به المجروح عالماً بحاله أو جاهلاً شربه، أو طلاءه على ظاهر جسده، إذا كان موجياً في الحالين.
فصل: وأما القسم الثاني: هو القاتل الذي لا يوجئ في الحال ويقتل في ثاني حال فهذا مما يجوز أن يتقدم فيه سراية الجراح على سراية السم، ويجوز أن يتقدم سراية السم على سراية الجرح، وليس أحدهما أغلب من الآخر، فاستويا وصار القتل منسوباً إليهما،

فيعتبر حال التداوي بالسم، فلا يخلو مستعملة من أن يكون عالماً بحاله أو غير عالم، فإن لم يعلم بحاله فاستعماله عمد شبه الخطأ، لأنه عامد في الفعل خاطئ في النفس، فيسقط القود على الجارح، لأنه قد شارك في النفس خاطئاً، ولا قود على العامد إذا شاركه الخاطئ.
وساء كان المداوي هو المجروح أو غيره، وإن علم بأنه سم قاتل، فعلى ضربين: أحدهما: أن يكون المداوى به طبيب غير المجروح فيجب عليهما القود، فإن عفا عنه إلى الدية كانت بينهما نصفين، لأنه مات من جنايتهما بفعل تعمداه فصارا كالجارحين.
والثاني: أن يكون المجروح: هو المداوي لنفسه ففي وجوب القود على الجارح قولان: أحدهما: يفاد منه في النفس، لمشاركته فيها للعامد، ولا يكون سقوطه عن الشريك موجياً لسقوطه عنه كشريك الأب في قتل الابن.
والثاني: أنه لا قود عليه في النفس، وعليه نصف الدية، وعليه الكفارة، لأنه قد صار أحد القاتلين، فإن أراد الولي أن يقتص منه من الجرح دون النفس نظر في الجرح فإن لم يكن فيه قصاص إذا انفرد كالجائفة فلا قصاص عليه لانفراد حكمه بسقوط القود في النفس.
وإن كان الجرح مما يوجب القصاص إذا انفرد كالموضحة أو كقطع يد أو رجل ففي وجوب القصاص منه مع سقوطه في النفس وجهان: أحدهما: وهو قول أبي العباس بن سريج: لا يجب، وتسقط بسقوطه في النفس، لأنه إذا انفرد عنها روعي فيه الاندمال، ولم يندمل.
والثاني: يجب فيه القصاص لأنه قد انتهت غايته بالموت فصار كالمندمل فعلى هذا لا يخلو حال الجرح المستحق فيه القصاص من ثلاثة أقسام: أحدهما: أن يكون دية مثله نصف دية النفس كإحدى اليدين أو الرجلين فقد استوفي الولي بالاقتصاص منه جميع حقه، لأنه استحق نصف دية النفس، وقد استوفاه بقطع أحدى اليدين.
والثاني: أن تكون ديته أقل من نصف دية النفس كالإصبع فيها عشر دية النفس، فإذا اقتص منها استوفي بها خمس حقه من نصف الدية، فيرجع عليه بالباقي منها، وهو أربعة أخماس النصف ليستكمل بها جميع النصف.
والثالث: أن يكون ديته أكثر من نصف الدية ففيه وجهان: أحدهما: وهو قياس قول أبي سعيد الاصطخري يقتص منه، وإن زاد على دية النفس لانفراده بالحاكم عن سقوط القود في النفس كما لو انفرد بالاندمال.
والثاني: وهو عندي أشبه، أنه لا يجوز أن يقتص بنصف الدية من الأعضاء إلا ما

قابلها؟ لأنها تؤخذ بدلاً منها، فعلى هذا تكون على ضربين: أحدهما: ما أمكن تبعيضه، وأن تستوفي منه بقدر حقه كاليدين إذا قطعهما ففيهما الدية، ويمكن أنت تؤخذ إحداهما، وفيهما نصف الدية فها هنا يجب القصاص عليه في أحدى اليدين، ويسقط في الأخرى، لأنه قد استوفي بها نصف الدية، فلم يجز أن يستزيد عليها فوق حقه، ويكون مخيراً بين الاقتصاص من اليمنى أو اليسرى، ولا خيار له في غير هذا الموضع.
والثاني: ما لم يمكن تبعيضه كجدع الأنف، وقطع الذكر، فيسقط القود فيه لما تضمنه من الزيادة على القدر المستحق من الدية.
فصل: وأما القسم الثالث من أقسام السم: وهو القاتل في الأغلب، وإن جاز أن لا يقتل فهذا قد يجوز أن يموت من الجرح دون السم، ويجوز أن يموت من السم دون الجرح، وليس أحدهما أغلب من الآخر فجرى السم مجرى الجرح الآخر، والحكم في مستعمله على ما مضى، لكن اختلف أصحابنا فيه هل يكون في حكم العمد المحض أو خطأ العمد على وجهين: أحدهما: أنه في حكم خطأ العمد، لأن المقصود دية التداوي فصار خطأ في القصد، عمداً في القتل، يسقط القود عن الجارح في النفس، ويجب عليه نصف الدية مع الكفارة، لأن جرحه صار قتلاً ويكون حكم شريك عمد الخطأ كشريك الخطأ في سقوط القود، فإن أراد الولي القصاص في الجرح لم يكن له ذلك وجهاً واحداً، لأن شريك الخطأ في الجرح كشريكه في النفس.
والثاني: أن السم يكون في حكم العمد المحض، فعلى هذا في وجوب القود على الجارح قولان على ما مضى يقاد من نفسه في أحدهما لخروجها بعمد محض، ولا يقاد منها في الآخر لسقوطه في حكم السم إذا كان المتداوى به هو المجروح، فإن أراد الولي القود في الجرح كان على ما ذكرنا من الوجهين.
فصل: وأما القسم الرابع من أقسام السم: وهو أن لا يقتل في الأغلب، وإن جاز أن يقتل فهذا خطأ محض، اشترك فيه عمد محض، فيسقط القود الجارح في النفس والجرح ويجب عليه نصف الدية، حالة مغلظة في ماله، لأنها دية عمد محض، ولا يعتبر حكمها بمشاركة الخطأ المحض، وتجب عليه الكفارة، لأن جرحه صار قتلاً.
فإن جهل حال السم ولم يعلم من أي هذه الأقسام الأربعة هو؟ أجرى عليه حكم أخفها، وهو هذا القسم الرابع، لأنها على يقين منه، وفي شكل من الزيادة عليه.
وأما الفصل الثاني من فصلي المسألة: وهو أن يخيط المجروح جرحه فيموت فهذا على ضربين:

أحدهما: أن يخاط في لحم ميت فلا تأثير لهذه الخياطة، لأنها في اللحم الميت لا تؤلم، ولا تسري، فيصير الجارح منفرداً بقتله بسراية جرحه فوجبت عليه القصاص في النفس، فإن عفا عنه فجميع الدية مغلظة حالة في ماله، وعليه الكفارة.
والثاني: أن يخيط في لحم حي فالخياطة جرح، والذي عليه جمهور أصحابنا: أنه يجري عليه حكم العمد المحض وعندي أنه يجري عليه حكم عمد الخطأ، لأنه قصد به حفظ الحياة فأفضى به إلى التلف، فصار عمداً في الفعل خطأ في القصد.
فإن قيل: فبهذا فالجارح قد صار قاتلاً شريكاً لعمد الخطأ، فسقط عنه القود، وتجب عليه نصف الدية حالة مغلظة مع الكفارة، وإن قيل بما عليه الجمهور أن الخياطة عمد محض روعي من تولي الخياطة أو إبرتها فإنه لا يخلو من أحد أربعة أقسام: أحدها: أن يكون المجروح تولاها أو أمر بها.
والثاني: أن يكون أبو المجروح تولاها.
والثالث: أن يكون الإمام تولاها أو أمر بها.
والرابع: أن يكون أجنبي تولاها أو أمر بها.
فأما القسم الأول: وهو أن يتولاها المجروح، ففي وجوب القود على الجارح قولان: أحدهما: عليه القود في النفس إذا اعتبر في القود خروج النفس عن عمد محض.
والثاني: لا قود عليه إذا اعتبر فيه خروج النفس عن مضمون، لأن عمد المجروح غير مضمون، وكذلك الحكم لو تولاها من أمره الجارح بها، ولا يكون المأمور ضامناً، لأنه فعله عن أمر من يملك التصرف في نفسه.
فصل: وأما القسم الثاني: وهو أن يكون أبو المجروح تولاها فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون المجروح غير مولى عليه لبلوغه وعقله فيكون الأب ضامناً لنصف الدية، ولا قود عليه، لأنه لا قود للابن على أبيه، وعلى الجارح القود في النفس قولاً واحداً، لأنه شارك في عمد مضمون، فإن عفا عن القود فعليه نصف الدية، لأنه أحد القاتلين، وعليه الكفارة لأن جرحه صار نفساً.
والثاني: أن يكون المجروح مولى عليه بصغر أو جنون.
ففي ضمان الأب لها وجهان: أحدهما: يضمنها تغليباً لحسن النظر بمقصود ولايته، فعلى هذا في وجوب القود على الجارح قولان: أحدهما: عليه القود، إذا روعى مشاركته في عمد غير مضمون.

والثاني: أن الأب ضامناً لها تغليباً للفعل المضمون، فعلى هذا يجب على الجارح القود في النفس قولاً واحداً، لأنه شارك في عمد مضمون، وكذلك لو تولاها من أمره الأب، لأن للأب في النظر على ولده ما ليس لغيره.
فصل: وأما القسم الثالث: وهو أن يتولاها الإمام، أو من يقوم مقامه من حلفائه، أو من يأمره الإمام بها، لأن أمر الإمام مطاع، فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون المجروح غير مولى عليه لبلوغه وعقله فعلى الإمام القود، لإقدامه على ما لا نظر له فيه، فإن عفا عنه كان عليه نصف الدية حالة في ماله والكفارة، وعلى الجارح القود في النفس، لأنهما قاتلاً عمد.
والثاني: أن يكون المجروح مولى عليه بصغر أو جنون ففي وجوب القود قولان ذكرهما الشافعي في قطه السلعة: أحدهما: عليه وعلى الجارح القود، فإن عفا عنهما كان على كل واحد منهما نصف الدية حالة في ماله والكفارة.
والثاني: لا قود على الإمام لشبهة ولايته وعلى نصف الدية، وأين تكون على قولين: أحدهما: في ماله مع الكفارة.
والثاني: في بيت المال، والكفارة في ماله، لو عزز فتلف المعزز، فأما الجارح فعليه القود قولاً واحداً، لأنه شارك في عمد مضمون فأما المأمور بها من قبل الإمام فمنسوب الفعل إلى الإمام لما يجب على المأمور من التزام طاعته.
فصل: وأما القسم الرابع: وهو أن يتولاها أجنبي أو من لا ولاية له عليه من أقاربه فهما سواء، ولا يخلو حاله من أحد أمرين.
أما أن يتولاها بنفسه أو يأمره بها غيره، فإن تولاها بنفسه كان عليه القود وعلى الجارح معاً لأنهما قاتلا عمد والدية بينهما نصفين وإن بها غيره، وجد القود على المأمور، لأنه لا شبهة له في طاعة الأمر، وعزر الآمر لمعاونته على ما أفضى إلى القتل، ووجب القود على الجارح، فإن عفا عنهما، كانت الدية سنة وبين المأمور نصفين، وعلى كل واحد منهما كفارة.
فصل: وإذا اختلف الجارح والولي في الخياطة فقال الولي: كانت في لحم ميت فعليك القود أو جميع الدية، وقال الجارح: بل كانت في لحم حي، فليس علي إلا نصف الدية،.

وعدها البينة فالقول قول الجارح مع يمينه وليس عليه إلا نصف الدية لأمرين: أحدهما: أننا على يقين في وجوب النصف، وفي شك من الزيادة.
والثاني: أن الأصل حياة اللحم حتى يطرأ عليه الموت فصار الظاهر مع الجارح دون الولي، ولو اختلفا في الدواء، فقال الجارح: كان سماً موجياً وليس على إلا دية الجرح، ولا قود في النفس، وقال الولي: بل كان سماً موجياً وليس علي إلا دية الجرح، ولا قود في النفس، وقال الولي: بل كان دواء غير قاتل، وأنت القاتل فعليك القود، أو دية النفس، فالقول مع عدم البينة قول الولي دون الجارح، وعلى الجارح القود في النفس أو جميع الدية لأمرين اقتضيا عكس ما اختلفا فيه من الخياطة: أحدهما: أننا على يقين من جناية الجارح وفي شك من غيرها.
والثاني: أن الظاهر في التداولي أنه بالنافع دون القاتل، فصار الظاهر هو المغلب والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي: "ولو قطع يد نصراني فأسلم، ثم مات لم يكن قود، لأن الجناية كانت وهو ممن لا قود فيه، وعليه دية مسلم، ولا يشبه المرتد، لأن قطعة مباح، كالحد والنصراني يده ممنوعة".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا قطع مسلم يد نصراني فأسلم ثم سرى القطع إلى نفسه فمات لم يجب فيه القود ووجب فيه دية مسلم، اعتباراً في القود بحال الجناية وفي الدية باستقرار السراية، وإنما اعتبر في القود بحال الجناية لأمرين: أحدهما: أنه لما كان النصراني لو قطع يد نصراني، ثم اسلم القاطع ومات المقطوع، لم يسقط القود عن القاطع بإسلامه اعتباراً بوجوبه حال الجناية، ووجب إذا انعكس في المسلم إذا قطع يد نصراني ثم اسلم المقطوع أن لا يجب على القاطع القود، اعتباراً بسقوطه عنه حال الجناية.
والثاني: أنه لما صح في هذه الجناية إسقاط بالكفر عند الجناية، وإيجاب بالإسلام عند السراية، وجب أن يغلب حكم الإسقاط على حكم الإيجاب، لأنه يصح فيه إسقاط ما وجب، ولا يصح فيه إيجاب ما سقط، واعتبرنا في الدية استقرارها بعد السراية لأمرين: أحدهما: أنه لما اعتبرنا استقرار السراية فيما زاد في الموضحة إذا صارت نفساً في إيجاب الدية الكاملة بعد أن وجب نصف عشرها، وفيما نقص بقطع اليدين والرجلين إذا سرت إلى النفس في إيجاب دية واحدة بعد وجوب ديتين وجب أن يكون بمثابتهما ما حدث من زيادة الدية بالإسلام.

والثاني: أن حدوث الزيادة في المضمون ملتزمة كزيادة المغصوب، فلما ذكرنا من هذين وقع الفرق في اعتبار القود بحال الجناية واعتبار الدية بعد استقرارها بالسراية، وهكذا لو جرح الحر عبداً فأعتق ثم مات لم يجب عليه القود، لأنه جرحه وهو عبد، ووجبت عليه دين حر لاستقرارها فيه وهو حر.
فصل: فأما إذا خرج المسلم مرتداً فأسلم ثم مات لم يجب فيه قود ولا دية، فشابه النصراني إذا أسلم في سقوط القود اعتباراً بحال الجناية، وخالفه في الدية في ترك الاعتبار بها عند استقرارها بالسراية.
والفرق بينهما: أن نفس النصراني مضمونة بحقن دمه، فضمن ما حدث بالإسلام من زيادة ديته، ونفس المرتد هدر غير مضمونة، فصار ما حدث من سرايتها في الإسلام هدراً غير مضمون كالسارق إذا سرى إلى نفسه القطع لم يضمن، لأن قطعه غير مضمون وكالحربي إذا قطعت يده فأسلم ثم مات لم يضمن بقود، ولا دية، لأنه عند الجناية غير مضمون بقود ولا دية.
فأما إذا جرح مقراً بالزنا وهو محصن فرجع عن إقراره ثم مات ففي ضمان نفسه وجهان حكاهما ابن أبي هريرة: أحدهما: لا يضمن بقود، ولا دية لإباحة نفسه وقت الجناية كالمرتد.
والثاني: يضمن ديته وإن جرى عليه حكم الإباحة وقت الجناية.
والفرق بينه وبين المرتد أن المرتد مباح الدم إلا أن يتوب من ردته، والزاني محظور النفس إلا أن يقيم إقراره.
مسألة: قال الشافعي: "ولو أرسل سهماً فلم يقع على نصراني حتى اسلم، أو على عبد فلم يقع حتى اعتق لم يكن عليه قصاص، لأن تخلية السهم كانت ولا قصاص، وفيه دية حر مسلم والكفارة، وكذلك المرتد يسلم قبل وقوع السهم لتحول الحال قبل وقوع الرمية".
قال في الحاوي: جمع الشافعي في إرسال السهم بين ثلاث مسائل، وضم إليها أصحابنا رابعة تظهر باستمرار القياس: فإحداهما: مسلم أرسل سهمه على نصراني، فأسلم ثم وصل السهم إليه فمات.
والثانية: في حر أرسل سهمه على عبد فاعتق، ثم وصل السهم إليه فمات، فلا قود فيها على المسلم والحر اعتباراً بإرسال السهم، لأن المسلم أرسله على نصراني، والحر أرسله على عبد، وعليهما دية مسلم، ودية حر، اعتباراً بوصول السهم.

وقال أبو حنيفة: إذا أعتق العبد بعد إرسال السهم، وقبل الإصابة ففيه قيمته لسيده اعتبارًا بإرسال السهم دون الإصابة، وأما الكافر فديته ودية المسلم عنده سواء، وهذا فاسد؛ لأن النصراني لم يصل السهم إليه إلا بعد إسلامه، والعبد لم يصل السهم إليه إلا بعد عتقه قد ذكرنا أن القود معتبر بحال الجناية، وهو وقت الإرسال، والدية معتبرة بحال الاستقرار وهو الإصابة.
فأما ما ظهر فيه اشتباه القياس فمسألتان اتفق أصحابنا في إحداهما، وظهر الخلاف في الأخرى.
فأما التي اتفق أصحابنا عليها مع ظهور الاشتباه فيها: فهي في مسلم أرسل سهمه على مرتد فأسلم ثم وصل السهم إليه فمات، قال الشافعي: "لا قود عليه" اعتبارًا بإرسال السهم وعليه الدية اعتبارًا بإصابة السهم وهذا مشتبه؛ لأن ابتداء الجناية إن كان عند إرسال السهم، فينبغي أن لا تجب فيه الدية لأنه كان عند إرساله مرتدًا، وإن كان ابتداؤها عند الإصابة، فينبغي أن يجب فيه القود، لأنه كان عند إصابته مسلمًا ولا يجوز أن يجعل ابتداؤها في سقوط القود عند الإرسال وفي وجوب الدية عند الإصابة لتنافيها، وهذا الاشتباه وإن كان محتملًا، كاد ابن أبي هريرة أن يخرجه وجهًا ثانيًا: أنه لا قود ولا دية اعتبارًا بحال الإرسال كما اعتبر في النصراني والعبد حال الإرسال، ويحمل قول الشافعي: وكذلك المرتد يعني: في سقوط القود والدية معًا، وهذا الاحتمال، وإن كان لو قاله قائل مذهبًا فلم يصرح به من أصحابنا أحد؛ لأن الدية تضمن ضمان الأموال فروعي فيها وقت المباشرة، وذلك عند الإصابة والقود يضمن ضمان الحدود، فروعي فيها وقت الفعل، وذلك عند الإرسال، فلذلك سقط القود في المرتد اعتبارًا بوقت الإرسال، ووجب فيه الدية اعتبارًا بوقت الإصابة.
وأما المسألة الثانية من مسألة الاشتباه فهي التي ضمها أصحابنا إلى الثلاث المنصوصات، وظهر فيا من بعضهم خلاف.
وهي في مسلم أرسل سهمه على حربي فأسلم ثم وصل السهم إليه فمات، فقد جمع أصحابنا بينه وبين المرتد، فأسقطوا فيه القود اعتبارًا بوقت الإرسال، وأوجبوا فيه دية مسلم اعتبارًا بوقت الإصابة.
وفرق أبو جعفر الترمذي بينه وبين المرتد، فأسقط في الحربي القود والدية معًا، وأوجب في المرتد الدية، وأسقط القود فصار جامعًا بينهما في سقوط القود، ومفرقًا بينهما في وجوب الدية احتجاجًا بأن قتل الحربي مندوب إليه في حق الإمام وغيره، وقتل المرتد منهي عنه إلا في حق الإمام وهذا الذي قاله الترمذي فاسد؛ لأن اختلافهما من هذا الوجه لما لم يمنع من تساويهما قبل الإسلام في سقوط القود لم يمنع من تساويهما بعد الإسلام في وجوب الدية.

مسألة: قال الشافعي: "ولو جرحه مسلمًا فارتد ثم أسلم ثم مات فالدية والكفارة ولا قود للحال الحادثة".
قال في الحاوي: وصورتها: في مسلم جرح مسلمًا ثم ارتد ثم أسلم ثم مات مسلمًا، فلا يخلو زمان ردته من أن تسري فيه الجناية أو لا تسري فإن كان زمانًا لا تسري فيه الجنابة في مثله لقربه وقصره، فالدية تامة؛ لأن النفس تلفت من جناية وسراية، وهو مضمون النفس في حالة الجناية وحال السراية، فوجب أن تكمل فيه الدية، ولا يؤثر فيها زمان الردة إذ ليس له تأثير في السراية.
فأما القود ففيه قولان: أحدهما: يجب فيه القود؛ لأنه لما لم تؤثر الردة في الدية لم تؤثر في سقوط القود.
والثاني: يسقط القود في النفس؛ لأنه قد صار بالردة في حال لو مات عليها سقط القود، فلم يستحقه بالانتقال عنها كالمبتوتة إذا ارتدت ثم أسلمت قبل موت زوجها لم ترثه؛ لأنه لو مات في ردتها لم ترثه وعليه الكفارة في الأحوال؛ لأنه قد ضمن دية النفس كاملًا فصار قاتلًا، وإن كانت الردة في زمان تسري الجناية في مثله لطوله، فلا قود فيه؛ لأن مستحق ضمان النفس في حال الجناية والسراية وبعض السراية المقابل لزمان الردة غير مضمون، فصار الضمان مختصًا بالجناية وبعض السراية، وساقطًا عن بعض السراية، فسقط في الحالين؛ لأن القود لا يتبعض وجرى مجرى عفو أحد الوليين عن القود، يوجب سقوطه في حقهما؛ لأن القود لا يصح في التبعيض فإذا سقط القود ففي قدر ما تستحقه من الدية ثلاثة أقاويل: أحدها: جميع الدية لاعتبارها بحال الجناية، واستقرار السراية، وهو فيهما مسلم مضمون الدية، فعلى هذا عليه الكفارة؛ لأنه قاتل.
والثاني: عليه نصف الدية؛ لأنه مات من جناية وسراية، بعضها مضمون وبعضها غير مضمون، فصار كمجروح جرح نفسه ثم مات كان على جارحه نصف الدية، وعلى هذا يجب الكفارة؛ لأنه قد صار في حكم أحد القاتلين.
والثالث: عليه أرش الجرح، ويسقط ضمان السراية؛ لأن سراية الإسلام حادثة عن سراية الردة، فصارت تبعًا لها في سقوط الضمان، فعلى هذا لا كفارة عليه؛ لأنه على هذا القول جارح وليس بقاتل.
فإذا ثبت هذا فما استحق فيه من قود ودية فهو لوارثه؛ لأنه مات مسلمًا فورثه.
فصل: ويتفرع على هذه المسألة أن تنعكس الردة فتكون في الجاني دون المجني عليه،

وهو أن يجرح مسلمًا خطأ ثم يرتد الجارح ويرجع إلى الإسلام، ويموت المجروح، فعلى الجارح جميع الدية دون القود؛ لأنه قتل مسلمًا خطأ وما تحمله عاقلته المسلمون لها، معتبر بزمان ردته، فإن كان يسيرًا لا تسري الجناية في مثله تحملت العاقلة عن جميع الدية كما لو كانت هذه الردة في المجروح تحمل الجارح جميع الدية.
وإن كان زمان ردته كثيرًا تسري الجناية في مثله، ففيما تتحمله العاقلة عند ثلاثة أقاويل: أحدها: أن تحمل على عاقلته جميع الدية، إذا قيل إنه يضمن في ردة المجروح جميع الدية.
والثاني: أنه يتحمل عنه عاقلته نصف الدية ويتحمل الجاني نصفها المقابل لزمان ردته إذا قيل إنه يضمن في ردة المجروح نصف الدية؛ لأن عصبته المسلمين يعقلون عنه في إسلام، ولا يعقلون عنه في ردته.
والثالث: أنهم يعقلون عنه أرش الجرح، ويتحمل هو ما بقي من دية النفس، إذا قيل إن ردة المجروح توجب أرش جرحه.
مسألة: قال الشافعي: "ولو مات مُرتدًا كان لوليه المسلم أن يقتص بالجرح.
قال المزني: القياس عندي على أصل قوله أن لا ولاية لمسلم على مرتد، كما لا وراثة له منه، وكما أن ماله للمسلمين فكذلك الولي في القصاص من جرحه ولي المسلمين".
قال في الحاوي: وصورتها: في مسلم جرح مسلمًا ثم ارتد المجروح ومات على ردته، فلا يجب في النفس قود، ولا دية؛ لأن تلفها كان بجناية في الإسلام، وسراية في الردة، والردة ليسقط حكم ما حدث فيها من السراية فسقط بها ما زاد على الجناية، ولم يبق إلا الجناية، وليست على النفس فسقط حكم النفس.
فأما الجناية الواقعة في الإسلام على ما دون النفس من جرح أو طرف، فالمنصوص عليه من مذهب الشافعي ها هنا وفي كتاب "الأم" أنها مضمونة بالقصاص، والأرش، وهو الصحيح الذي كان عليه جمهور أصحابنا لحدوثها في الإسلام الموجب لضمانها، وتكون الردة مختصة بسقوط ما حدث من السراية فيها.
وقال أبو العباس بن سريج: "يسقط القصاص ويجب الأرش" لأن الجرح إذا صار نفسًا دخل في حكمها، وصار تبعًا لها.
فإذا سقط القود في النفس المتبوعة سقط في الجرح التابع.
وحكي أبو حامد الإسفراييني عن بعض أصحابنا وجهًا ثالثًا: أنه يسقط حكم

الجناية في القصاص الأرش جميعًا؛ لأنها لما صارت نفسًا دخلت في حكمها، وقد سقط حكم النفس فسقط حكم ما دونها.
وكلا المذهبين فاسد، وما نص عليه الشافعي أصح؛ لأن الجناية أصل، والسراية فرع، فلم يسقط حكم الأصل بسقوط فرعه، وإن سقط حكم الفرع بسقوط أصله، ألا ترى أنه لو جني عليه في الردة وسرت في الإسلام سقط حكم السراية لسقوط حكم الجناية، وكذلك إذا جني عليه في الإسلام وسرت في الردة ثبت حكم الجناية، وإن سقط حكم السراية.
فصل: فإذا ثبت أن الجناية مضمونة بالأمرين، وإن سقط حكم السراية في الأمرين، لم يخل حال الجناية من أحد أمرين.
إما أن يكون في مثلها قصاص أو لا يكون.
فإن لم يكن في مثلها قصاص كالجائفة وجب أرشها، وكان لبيت المال دونما الورثة؛ لأن المرتد لا يورث، ولم يجز العفو عن الأرش؛ لأنه لكافة المسلمين.
وإن كان في مثلها قصاص كقطع يد أو رجل وجب فيه القصاص؟ وفي مستحق استيفائه وجهان: أحدهما: وهو مذهب المزني، وابن أبي هريرة وأكثر أصحابنا: أنه للإمام؛ لأن القصاص موروث كالمال، ومال المرتد لبيت المال دون ورثته، فتولى الإمام كما يتولى أخذ أرشه ويكون معنى قول الشافعي: "كان لوليه المسلم أن يقتص بالجرح" إشارة إلى الإمام؛ لأنه ولي من لا وليه له.
والثاني: أن مستحق القصاص ومستوفيه أولياؤه المسلمون، وإن لم يرثوه، لأن القصاص موضوع للتشفي ودفع الاستطالة فاختص به الأولياء دون غيرهم، فعلى هذا يكون بالخيار بين أن يقتصوا أو يعفوا عن القصاص إلى الأرش، ولم يصح عفوهم عن الأمرين؛ لأنهم ملكوا القصاص ولم يملكوا الأرش فصح عفوهم عما ملكوه من القصاص ولم يصح عفوهم عما لم يملكوه من الأرش؛ فإن سقط القصاص بعفوهم أو بعفو الإمام إن كان هو المستوفي له على الوجه الأول تعين استحقاق الأرش، ولم يصح عفو الإمام عنه كما لا يصح عفو الأولياء؛ لأنه مستحق لكافة المسلمين.
وإذا كان كذلك لم يخل حال الأرش من ثلاثة أقسام: أحدهما: أن يكون أقل من دية النفس كقطع إحدى اليدين، فيها نصف الدية فيوجبها ويسقط ما زاد عليها بالسراية.
والثاني: أن يكون مثل دية النفس كقطع اليدين، فيهما كمال الدية فيوجب الدية الكاملة؛ لأنه لم يكن للسراية تأثير في الزيادة.

والثالث: أن تكون أكثر من دية النفس كقطع اليدين، وجدع الأنف، ومن حكم ذلك في المسلم أنها إذا اندملت وجب فيها ديتان، وإن سرت إلى النفس وجب فيها دية واحدة؛ لأنها صارت نفسًا فلم تزد على دية النفس، فأما إذا سرت إلى النفس في حال الردة فقد اختلف أصحابنا فيها على وجهين: أحدهما: وهو قول الأكثرين إنه يغلب حكم السراية في الدية على حكم الجناية، فلا يجب فيها أكثر من دية؛ لأنها قد صارت نفسًا فتصير الجناية مضمونة بأقل الأمرين من أرشها أو دية النفس.
والثاني: وهو قول أبي سعيد الإصطخري أنها تضمن بما بلغ من أرشها وإن زاد على دية النفس أضعافًا لأمرين: أحدهما: أن سقوط القود في النفس يجري على الجرح حكم الاندمال.
والثاني: أنه لما سقط حكم السراية إذا نقص أرش الجرح عن دية النفس سقط حكم السراية إذا زاد الأرش على دية النفس، وتصير الجناية مضمونة بمبلغ أرشها في الزيادة والنقصان ورد أصحابنا عليه هذا الاستدلال بأن حرمة نفسه لو استدام الإسلام أغلظ من حرمتها إذا ارتد، فلا يجب فيه مع استدامة إسلامه أكثر من الدية فلأن لا يجب فيها مع الردة أكثر من الدية أولى وأشبه والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله: "ولو فقأ عيني عبدٍ قيمته مائتان من الإبل، فأعتق فمات لم يكن فيه إلا ديةٌ، لأن الجناية تنقص بموته حُرًا، وكانت الدية لسيده دون ورثته.
قال المُزني رحمه الله: القياس عندي أن السيد قد ملك قيمة العبد وهو عبدٌ فلا يُنقص ما وجب له بالعتق".
قال في الحاوي: وأصل هذا أن كل ما وجب في الحر منه دية وجب في العبد منه قيمة، وما وجب في الحر منه نصف الدية كان في العبد منه نصف القيمة، وما وجب في الحر منه حكومة كان في العبد ما نقص من قيمته، ويجتمع في العبد قيم كما تجتمع في الحر ديات، فإن سرت الجناية إلى النفس لم تجب فيها أكثر من قيمة في العبد، ودية في الحر.
فإذا استقر هذا الأصل فصورة مسألتنا: في حر فقأ عيني عبد قيمته ديتان قدرهما الشافعي بمائتين من الإبل، وإن لم يقوم العبد بالإبل، وذلك بقدرهما بألفي دينار لأنه أشبه بالقيم فهذا على ضربين.
أحدهما: أن يبقى العبد على رقة حتى تستقر الجناية، أما بالاندمال أو بالسراية، فيجب على الجاني إن أندملت ألفا دينار، وإن سرت إلى النفس فمات ألفا دينار أيضًا،

ويستوي حكم الجناية في الاندمال أو السراية، لأن الواجب فيهما قيمة كاملة، ولو فقأ إحدى عينيه وجب فيها نصف قيمته إن اندملت، وهو ألف دينار، وإن سرت إلى نفسه وجب فيها جميع قيمته وهو ألفا دينار.
والثاني: أن يعتقه السيد بعد الجناية عليه فهذا على ضربين: أحدهما: أن تستقر الجناية بالاندمال فيجب فيها القيمة الكاملة ألفا دينار، سواء كان العتق قبل الاندمال أو بعده لأن ما اندمل ولم يسر اعتبر فيه وقت الجناية وكان الاندمال معتبرًا في الاستقرار دون الوجوب، كما لو فقأ عيني نصراني فأسلم ثم اندملت عيناه وجب فيهما دية نصراني، وإن كان عند الاندمال مسلمًا كذلك العبد إذا اندملت عيناه بعد عتقه وجب فيهما قيمته عبدًا، وإن كان عند الاندمال حرًا.
والثاني: أن تسري الجناية إلى نفسه وقد أعتقه السيد قبل موته فيجب فيها دية حر، وذلك ألف دينار، لأنها إذا سرت إلى النفس اعتبر بها وقت السراية دون الجناية، لدخول الأطراف في النفس، هذا مذهب الشافعي وجمهور أصحابه.
وقال المزني يجب فيها ألفا دينار اعتبارًا بوقت الجناية استدلالًا بأمرين: أحدهما: أن السيد قد ملك بالجناية ألفي دينار هي قيمة عبده والعتق الذي هو قربة إن لم يزده خيرًا لم يزده شرًا.
والثاني: أن الاندمال غاية كالسراية، ثم كان الاندمال بعد العتق يقتضي نقص قيمته، كذلك السراية، وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أنه لما اختلف الاندمال والسراية في نقصان القيمة، وجب أن يختلفا في زيادة القيمة قيمته عبدًا، لأنه لو كان قيمته مائة دينار ثم اندملت بعد عتقه وجب فيها مائة دينار ولو سرت إلى نفسه وجب فيه ألف دينار ديته حرًا، كذلك إذا كانت قيمته ألفا دينار وجب فيها إذا اندملت ألفان، وإذا سرت إلى النفس ألف.
والثاني: أنه لما اختلف الاندمال والسراية في ديات الأطراف حتى لو قطع يديه ورجليه، وجب في الاندمال ديتان، وفي السراية دية واحدة، وجب أن يختلفا في قدر الدية فيجب إذا اندملت ألفا دينار، وإذا سرت ألف واحد، وهذا دليل وانفصال، والخير المستزاد بالعتق هو الثواب، ونقصان القيمة فيه ليس بشر، وإنما هو الإبراء والمعونة فصار خيرًا أيضًا.
فصل: فإذا ثبت أن الواجب فيها بعد السراية ألف دينار، وإن وجب بالاندمال ألفان فهذه الألف ملك للسيد المعتق دون ورثة العبد.
فإن قيل فهلا كانت لورثته المسلمين دون النصارى، لأنه مات مسلمًا.
قيل الفرق بينهما: أن النصراني كان ملكًا للأرش في الجناية قبل إسلامه، فورثت

عنه بعد موته مسلمًا، والجناية على العبد كانت ملكًا لسيده، فلم تورث عنه بعد موته حرًا.
فإن قيل: فهلا جعلتموها بين السيد والورثة نصفين لأنها مستحقة بجناية في ملك السيد وسرائه بعد العتق في ملك المعتق، فيكون ما قابل زمان الرق ملكًا للسيد وما قابل زمان العتق للوارث كما لو كسب مالًا في العتق ومالًا في الرق كان ما كسبه في الرق لسيده، وما كسبه في العتق لوارثه قيل: السراية أثرت نقصانًا في حق السيد.
فلم يجز أن يشاركه الوارث ولو أثرت زيادة كانت للوارث، مثل أن تكون قيمته مائة دينار، وقت الجناية، ثم يسري بعد العتق إلى نفسه فيجب فيها ألف دينار ديته حرًا، فيكون للسيد منها مائة دينار هي قيمته عبدًا والباقي وهو تسع مائة دينار لورثته لحدوثها بعد عتقه.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله: "ولو قُطع يد عبدٍ وأُعتق ثم مات فلا قود إذا كان الجاني حُرًا مُسلمًا، أو نصرانيًا حُرًا، أو مُستأمنًا حُرًا، وعل الحُر الدية كاملةً في ماله للسيد منها نصف قيمته يوم قطعه والباقي لورثته".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن المعتبر في القصاص حال الجناية، والمعتبر في الدية حال الاستقرار، إما بالاندمال أو بالسراية إلى النفس؛ لأن المقطوع كان وقت الجناية عبدًا، وعلى القاطع دية حر؛ لأن المقطوع مات حرًا، وللسيد منها أقل الأمرين من نصف قيمته عبدًا؛ لأنه لم يجب له وقت الجناية أكثر منها، أو جميع ديته حرًا؛ لأن السراية لم تستقر في أكثر منها.
وقال أبو علي بن أبي هريرة للسيد أقل الأمرين من نصف قيمته عبدًا أو نصف ديته حرًا.
وهذا زلل من أبي علي؛ لأن الجناية من شخص واحد؛ ولا يخلو حالها من أحد أربعة أقسام: إما أن يعتبر بها وقت الجناية فنصف القيمة قلت أو كثرت، أو يعتبر بها وقت الموت فجميع الدية قلت أو كثرت أو يعتبر بها أكثر الأمرين فلا يجوز، وهو مردود بالاتفاق، أو يعتبر بها أقل الأمرين، وهو المتفق عليه، فيجب أن يكون الأقل ما وجب في الابتداء، وهو نصف القيمة أو بما استقر في الانتهاء، وهو جميع الدية.
فأما أقل الأمرين من نصف القيمة أو نصف الدية فلا يعتبر إلا في جناية الاثنين، وهو أن يقطع حر يده قبل العتق ويقطع آخر يده الأخرى بعد العتق، ثم يموت فتكون عليها دية حر بينهما نصفين، وللسيد منها أقل الأمرين من نصف قيمته، أو نصف ديته؛ لأنهما جنايتان:

أحدهما: في الرق يختص بها السيد، والأخرى في الحرية، ويختص بها الورثة.
فأما الجاني الواحد فليس للسيد إلا ما قدمناه من أقل الأمرين من نصف قيمته، أو جميع ديته، وإذا كان كذلك لم يخل نصف قيمته من ثلاثة أقسام: أحدهما: أن تكون نصف قيمته أقل من نصف ديته أو مثلها فما دون، فيستحق السيد نصف قيمته على المذهبين، ويكون ما بقي من ديته لورثته.
والثاني: أن يكون نصف قيمته يزيد على نصف ديته، ولا تزيد على جميعها فيستحق على مذهب الشافعي نصف قيمته؛ لأنه أقل من جميع ديته، وعلى قول أبي علي بن أبي هريرة يستحق نصف ديته؛ لأنه أقل من نصف قيمته.
والثالث: أن يكون نصف قيمته أكثر من جميع ديته، فيستحق على مذهب الشافعي جميع ديته، وعلى قول أبي علي بن أبي هريرة، يستحق نصف ديته.
فصل: ويتفرع على هذه المسألة أن يقطع حر إحدى يدي عبد فيعتق، ثم يعود الحر الجاني فتقطع إحدى رجليه، فلا يخلو حال القطعين من أربعة أقسام: أحدهما: أن يندملا.
والثاني: أن يسريا إلى النفس.
والثالث: أن يندمل الأول، ويسري الثاني إلى النفس.
والرابع: أن يندمل الثاني ويسري الأول إلى النفس.
فأما القسم الأول: وهو أن يندمل القطعان فالأول منهما لا قود فيه؛ لأنها جناية حر على عبد، وفيه نصف قيمته قلت أو كثرت تكون لسيده، وإن زاد على ديته حرًا؛ لأن اندمالها يوجب استحقاق ما وجب بها وقت الجناية.
وأما القطع الثاني: ففيه القود؛ لأنها جناية حر على حر، فإن عفا عنه ففيه نصف ديته حرًا تكون له دون سيده فيصير الجاني في هذا القسم ضامنًا بالقطع الأول نصف القيمة دون القصاص، وبالقطع الثاني القصاص، أو نصف الدية.
وأما القسم الثاني: وهو أن يسري القطعان إلى نفسه فيموت فيها فلا قود على الجاني في النفس لخروجها بسرائه قطعين، لا قصاص في سراية أحدهما فيسقط القصاص في سراية الآخر، كما لو عفا أحد الوليين سقط القصاص في حقها، وعلى الجاني دية حر؛ لاستقرارها بعد السراية في حر، فإن أراد المولى أن يقتص من القطع الثاني في الحرية ففيه وجهان: أحدهما: وهو قول ابن سريج لا قصاص له فيه لدخوله بالسراية في نفس لا يستحق فيها القود.

والثاني: وهو قول الجمهور أنه يستحق فيه القصاص وإن سقط القود في النفس لتمييزها في القطع، وإن اشتركا في النفس.
فإن قيل بالوجه الأول أنه يسقط القصاص في الطرف لسقوطه في النفس وجب الدية، وكان للسيد منهما أقل الأمرين من نصف قيمته، أو نصف ديته وجهًا واحدًا، وبخلافه لو تفرد بالجناية عليه قبل عتقه؛ لأن نصف الجناية ها هنا في حال الرق ونصفها بعد العتق، فلم يستحق إلا أقل الأمرين من نصف القيمة أو نصف الدية، ويكون الباقي للورثة ولعل ابن أبي هريرة خالف في تلك المسألة حملًا على هذه والفرق بينهما واضح.
وإن قيل بالوجه الثاني: أنه لا يسقط القصاص في الطرق الثاني، وإن سقط في النفس فهو مستحق للوارث دون السيد، فإن اقتص منه فقد استوفي به نصف الدية، وإن كان ما أخذه السيد من أقل الأمرين هو نصف الدية، فقد استوفي كل واحد من السيد والوارث حقه، وإن كان السيد قد أخذ نصف القيمة؛ لأنه أقل من نصف الدية كان زائدًا عليه من نصف الدية راجعًا على الوارث؛ لأنها زيادة حدثت بالحرية.
وأما القسم الثالث: وهو أن يندمل القطع الأول، ويسري الثاني إلى النفس، فعلى الجاني في القطع الأول نصف قيمة قلت أو كثرت لاندمالها في عبد ولا قصاص فيها؛ لأنها جناية حر على عبد.
وعليه في القطع الثاني القود في النفس لسرايته إليها، وأنها من حر إلى حر، فإن عفا عنه فعليه جميع الدية لاستقرارها في نفس حر، فيصير بالقطعين ملتزمًا لنصف القيمة وجميع الدية يختص السيد بنصف الدية والورثة بجميع الدية.
وأما القسم الرابع: وهو أن يندمل القطع الثاني، ويسري القطع الأول في النفس، ففي القطع الثاني نصف الدية وفيه القصاص وجهًا واحدًا، لاستقرارها من حر على حر.
فأما الأول فقد صار نفسًا فلا قصاص فيه؛ لأنها جناية حر على عبد، وفيه دية حر لاستقرارها في حر، يكون للسيد منها الأقل من نصف قيمته أو نصف ديته.
مسألة: قال الشافعي: "ولو قطع ثانٍ بعد الحُرية رجله، وثالثٌ بعدهما يده، فمات فعليهم دية حر، وفيما للسيد من الدية قولان، أحدهما: أن له الأقل من ثلث الدية ونصف قيمته عبدًا، ولا يجعل له أكثر من نصف قيمته عبدًا، ولو كان لا يبلغ إلا بعيرًا؛ لأنه لم يكن في ملكه جنايةٌ غيرها، ولا يُجاوز به ثلث دية حر، ولو كان نصف قيمته مائة بعير من أجل أنه تنقص بالموت، والقول الثاني: أن لسيده الأقل من ثلث قيمته عبدًا، أو ثلث ديته حُرًا، لأنه مات من جنايةٍ ثالثةٍ: قال المزني رحمه الله: وقد قطع في

موضع آخر أنه لو جرحه ما الحكومة فيه بعيرٌ ولزمه بالحرية، ومن شركة عشرٌ من الإبل لم يأخذ السيد إلا البعير الذي وجب بالجرح وهو عبده؛ قال المزني رحمه الله: فهذا أقيس بقوله، وأولى عندي بأصله، وإن لم يزده على بعيرٍ؛ لأنه وجب بالجرح وهو عبده، ففي القياس أن لا يُنقصه وإن جاوز عقل حر؛ لأنه وجب له بالجرح وهو عبده".
قال في الحاوي: وصورتها في عدد من الأحرار جنوا على معتق بعضهم في الرق، وبعضهم بعد العتق فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكونا اثنين.
والثاني: أن يكونوا أكثر من اثنين.
فإن كان الجاني عليه اثنان فقطع أحدهما في حال الرق إحدى يديه، وقطع الآخر بعد العتق إحدى رجليه، فلا يخلو حال القطعين من أربعة أقسام: أحدهما: أن يندملا فيكون الأول قاطعًا في الرق فلا قود عليه، وعليه نصف القيمة، قلت أو كثرت تكون لسيده؛ لأنها جناية حر على عبد، والقاطع الثاني عليه القود، فإن عفا عنه فعليه نصف الدية تكون للمعتق؛ لأنها جناية حر على حر.
والثاني: أن يندمل القطع الأول، ويسري الثاني إلى النفس، فيكون على الأول نصف القيمة لسيده دون القصاص وعلى الثاني القود في النفس أو الدية لورثته.
والثالث: أن يندمل القطع الثاني، ويسري الأول إلى النفس، فيكون في القطع الثاني القود؛ لأنه من حر على حر، فإن عفا عنه ففيه نصف الدية لورثة المعتق لاستحقاقهما بعد العتق.
وأما القطع الأول فقد صار نفسًا وجبت فيه الدية كاملة لاستقرارها في حر، وللسيد منها أقل الأمرين من القيمة أو الدية، كما لو تفرد الأول بقطعه دون الثاني، وله على قول أبي علي بن أبي هريرة أقل الأمرين من جميع قيمته أو نصف ديته.
والرابع: أن يسري القطعان إلى نفسه فيموت، فالكلام في فصلين: أحدهما: في القصاص.
والثاني: في الدية.
فأما القصاص فلا يجب على الأول القاطع في الرق قصاص في اليد، ولا قود في النفس، لأنه قاطع في الرق فتبعه حكم السراية بعد العتق؛ لأنها لم تضمن جنايته بالقصاص لم تضمن سرايته بالقود.
كما أن ما لم تضمن جنايته بالأرش لم تضمن سرايته بالدية.
وأما القاطع الثاني بعد العتق فعليه القصاص في الرجل والقود في النفس؛ لأنها جناية حر على حر في حال القطع والسراية.
وقال أبو الطيب بن أبي سلمة: عليه القصاص في الرجل ولا قود عليه في النفس؛

لأن النفس تلفت بسراية جرحين ممتزجين فأوجب سقوط القود في أحدهما سقوطه في الآخر كاشتراك العامد والخاطئ، وهذا فاسد باشتراك الحر والعبد في قتل عبد، والمسلم والكافر في قتل الكافر، لا يكون سقوط القود عن الحر والمسلم موجبًا لسقوطه عن العبد والكافر لأنهما تساويا في الفضل، واختلفا في الكفارة كذلك في سراية القطع، وخالف اشتراك العامد والخاطئ لاختلافهما في الفضل.
وأما الدية فعليها دية حر لاستقرار جنايتها في حر يجب على كل واحد منهما نصفها، ولا يتحمل القاطع في الرق أقل مما يتحمله القاطع بعد العتق.
فإن قيل: فهلا اختلفا في قدر ما يتحملانه لاختلافهما في رقه وحريته؛ كما لو عبدًا في الحالتين كان على الأول نصف قيمته سليمًا، وعلى الثاني نصف قيمته مقطوعًا.
قلنا: لأن قيمة العبد تختلف بالسلامة والنقصان ودية الحر لا تختلف بالسلامة والنقصان، فلذلك تساويا في دية الحر وتفاضلا في قيمة العبد.
فإذا ثبت أن الدية عليهما نصفين فهي بين السيد والورثة، لحدوث الجناية في رق وحرية، وللسيد منها أقل الأمرين من نصف القيمة أو نصف الدية، فإن كان نصف الدية أقل الأمرين استوفي من القاطعين الدية إبلًا وأعطى السيد نصفها إبلًا، وللورثة نصفها إبلًا.
وهل يختص السيد بالنصف الذي على القاطع الأول أم لا؟ على وجهين محتملين: أحدهما: يختص به لاختصاصه بالجناية في ملكهن فيكون النصف الذي على القاطع الأول للسيد والنصف الذي على القاطع الثاني للورثة، ولا يقع اشتراك بين السيد والورثة.
والثاني: أنهما مشتركان فيهما على القاطعين، ولا يختص واحد منهما بما على أحدهما؛ لأنهما اشتركا في قتل نفس مشتركة، ولا يجوز أن يعدل بالسيد عن نصف الدية من الإبل إلى نصف القيمة إلا عن مراضاة، وإن لم تكن من الإبل مستحقة في قيم العبيد، لأنه صار معدولًا به عن القيمة إلى الدية، وجب أن يعدل به عن جنس القيمة إلى جنس الدية وإن كان أقل الأمرين نصف القيمة وجب أن يأخذ السيد من إبل الدية نصف قيمة عبده ورقًا أو ذهبًا، فإن عدل إلى الإبل لم يجز إلا عن مراضاة؛ لأن حقه من غيرها، فإن قيل بالوجه الأول أن حقه مختص بالجاني الأول رجع عليه بنصف قيمة عبده، وقوم بها من الإبل ما قابلها، ودفع ما بقي من نصف الدية مع جميع النصف الآخر إلى الورثة، وإن قيل بالوجه الثاني إن السيد والورثة مشتركان فيما على القاطعين أخذت منهما الدية إبلًا، وكان السيد شريكًا فيها للوارث بنصف قيمة عبده، والوارث بالخيار في أن يدفع إليه نصف القيمة من ماله، ويأخذ جميع الدية، وبين أن يبيع منها بقدر نصف القيمة ويأخذ الباقي، فإن أراد الوارث أن يدفع إلى السيد بنصف القيمة إبلًا لم يلزمه إلا عن مراضاة؛ لأن حقه في غيرها، فهذا حكم الجناية إذا كانت من اثنين.

فصل: وأما إذا كان عدد الجناة أكثر من اثنين كالثلاثة فصاعدًا، فهذا على ثلاثة أقسام: أحدهما: أن يكون الجناة في الرق أقل من الجناة بعد العتق.
والثاني: أن يكون الجناة في الرق أكثر من الجناة بعد العتق.
والثالث: أن يتساوي عددهم في الرق، وبعد العتق.
فأما القسم الأول: وهو إذا كانوا في الرق أقل، فهو مسألة الكتاب.
وصورتها: أن يقطع حر يده في حال الرق، ثم يعتق، فيقطع ثانٍ يده الأخرى، ويقطع ثالث إحدى رجليه، وتسري الجنايات الثلاث إلى نفسه فيموت، فالجاني في حال الرق لا قود عليه في نفس ولا طرف؛ لأنه جناية حر على عبد.
وأما الجانيان بعد العتق فعليهما القصاص في الطرف، والقود في النفس، لأنها جناية حر على حر.
وعند أبي الطيب بن سلمة أنه يقتص من طرفه، ولا يقاد من نفسه.
وقد رددنا عليه فأما الدية فعلى الثلاثة دية حر بينهم بالسوية، مشترك في التزامها الجاني في الرق، والجانيان بعد العتق.
وهما للسيد منهما قولان منصوصان: أحدهما: له أقل الأمرين من نصف قيمته عبدًا أو ثلث ديته لحر؛ لأن الجناية في ملكه بقطع يده أوجبت نصف قيمته، فإن حدث له بالسراية زيادة لم يملكها لزوال ملكه عند وجوبها، وإن حدث نقصان عاد عليه كما لو جني عليه جنايات توجب قيمًا ثم سرت إلى نفسه وجب قيمة واحدة، وعاد البعض عليه كذلك ها هنا.
والثاني: للسيد أقل الأمرين من ثلث قيمته عبدًا، أو ثلث ديته حرًا؛ لأمرين: أحدهما: أن الجنايات إذا صارت نفسًا سقط اعتبارًا أروشها، كما ل جرحه، أحدهما موضحة، والآخر جائفة ومات كانا في ديته سواء.
والثاني: أنه لما اعتبر أعداد الجناة فيمن يجب عليه الدية، وجب أن يعتبر أعدادهم فيمن يستحق للدية، فعلى هذا لو كانت المسألة بحالها، وجني عليها رابع بعد العتق وجبت الدية على أربعة بينهم بالسوية.
وفيما للسيد منها قولان: أحدهما: له أقل الأمرين من نصف قيمته عبدًا أو ربع ديته حرًا، اعتبارًا بأرش الجناية.
والثاني: له أقل الأمرين مع ربع قيمته عبدًا، أو ربع ديته حرًا اعتبارًا، ولو كان من الرابع خامس لكان له على القول الأول أقل الأمرين من نصف قيمته عبدًا، أو خمس ديته حرًا، اعتبارًا بأرش الجناية.

وله على القول الثاني أقل الأمرين من خمس قيمته عبدًا، أو خمس ديته حرًا؛ اعتبارًا بأعداد الجناة.
ولو كان الجاني الأول قطع في الرق إحدى أصابعه، ثم أعتق، فقطع ثانٍ بعد العتق بيده، وقطع ثالث رجله، ثم مات.
ففيما للسيد من الدية قولان: أحدهما: له أقل الأمرين من عشر قيمته عبدًا، أو ثلث ديته حرًا؛ اعتبارًا بأرش الجناية، لأن في الإصبع عشر القيمة.
والثاني: له أقل الأمرين من ثلث قيمته عبدًا، أو ثلث ديته حرًا، اعتبارًا بأعداد الجناة.
وأما القسم الثاني: وهو أن يكون الجناة في الرق أكثر منهم بعد العتق فصورته، أن يقطع حر إحدى يديه في الرق، ثم يقطع ثانٍ إحدى رجليه، ثم يعتق فيقطع ثالث يده الأخرى، ثم يسري إلى نفسه فيموت، فعلى الثلاثة الدية بينهم بالسوية.
وفيهما للسيد منها قولان: أحدهما: أقل الأمرين من جميع قيمته عبدًا، أو ثلثي ديته حرًا، اعتبارًا بأرش الجناية لأن في إحدى اليدين وإحدى الرجلين قيمته.
والثاني: له أقل الأمرين من ثلثي قيمته عبدًا أو ثلثي ديته حرًا، اعتبارًا بأعداد الجناة؛ لأن في الرق من الثلاثة اثنان، وبعد العتق واحد.
ولو جني عليه في الرق ثلاثة: قطع أحدهم إحدى يديه، وقطع الآخر يده الأخرى، وقطع الثالث إحدى رجليه ثم أعتق فقطع رابع بعد العتق رجله الأخرى، ومات.
ففيما للسيد قولان: أحدهما: له أقل الأمرين من جميع قيمته عبدًا، أو ثلاثة أرباع ديته حرًا اعتبارًا بأرش الجناية.
فإن قيل: فقد وجب لجنايات الرق قيمة ونصف، فهلا أوجبتموها له إذا اعتبرتم أرش الجناية.
قلنا: لأنها إذا صارت نفسًا بطل اعتبار ما زاد على القيمة فلذلك سقط حكمهما.
والثاني: له أقل الأمرين من ثلاثة أرباع قيمته عبدًا، أو ثلاثة أرباع ديته حرًا، اعتبار بأعداد الجناة.
ولو قطع الأول في الرق إحدى أصابعه، وقطع ثانٍ إصبعًا ثانية، ثم أعتق، فقطع ثالث إصبعًا ثالثة، ثم مات، وجبت عليهم الدية.
وفيما للسيد منها قولان: أحدهما: له أقل الأمرين من خمس قيمته عبدًا، أو ثلثي ديته حرًا اعتبارًا بأرش الجناية.

والثاني: له أقل الأمرين من ثلثي القيمة، أو ثلثي الدية اعتبارًا بأعداد الجناة.
وأما القسم الثالث: وهو أن يستوي أعداد الجناة في الرق وبعد العتق.
وصورته: أن يقطع إحدى يديه في الرق، ويقطع ثانٍ يده الأخرى ثم يعتق، فيقطع ثالث إحدى رجليه، ويقطع رابع رجله الأخرى، ثم يموت، فعليهم الدية وفيما للسيد منها قولان: أحدهما: له أقل الأمرين من جميع قيمته عبدًا، أو نصف ديته حرًا اعتبارًا بأرش الجناية، لأن في اليدين القيمة.
والثاني: له أقل الأمرين من نصف قيمته عبدًا، أو نصف ديته حرًا، اعتبارًا بأعداد الجناة؛ لأن في الرق منه اثنين، وفي الحرية اثنين.
ولو قطع الأول في الرق إحدى أصابعه، وقطع الثاني إحدى رجليه، ثم أعتق، فقطع الثالث رجله الأخرى، وقطع الرابع يده الأخرى ومات، ففيما للسيد منها قولان: أحدهما: له أقل الأمرين من ثلاثة أخماس قيمته عبدًا، أو نصف ديته حرًا اعتبارًا بأرش الجناية، لأن في الإصبع عشر القيمة، وفي اليد نصفها.
والثاني: له أقل الأمرين من نصف قيمته عبدًا، أو نصف ديته حرًا، اعتبارًا بأعداد الجناة، لأن في الرق منهم اثنين.
ولو قطع الأول في الرق إحدى أصابعه، وقطع الثاني إحدى رجليه، ثم أعتق فقطع الثالث رجله الأخرى، وقطع الرابع يده الأخرى، ومات ففيما للسيد قولان: أحدهما: أقل الأمرين من ثلاثة أخماس قيمته عبدًا، أو نصف ديته حرًا، اعتبارًا بأرش الجناية، لأن في الإصبع عشر القيمة وفي الرجل نصفها.
والثاني: له أقل الأمرين من نصف قيمته عبدًا، أو نصف ديته حرًا، اعتبارًا بأعداد الجناة؛ لأن في الرق منهم اثنين، وفي الحرية اثنين، ثم على هذا القياس.
فصل: ويتفرع على هذا الأصل فرع يحمل عليه نظائره.
وصورته: في حر قطع إحدى يدي عبد، ثم أعتق، فقطع ثانٍ يده الأخرى، ثم ذبح المقطوع فمات توجئة بالذبح.
فلا يخلو حال الذابح من أحد ثلاثة أقسام: إما أن يكون هذا القاطع الأول فقد صار بالذبح قاطعًا لسراية القاطع الثاني سواء اندمل قطعه، أو لم يندمل، فيجب على الثاني للوارث دون السيد القصاص في اليد، أو نصف الدية، لأنه قطعه بعد الحرية.
وأما الأول فقد قطع ثم ذبح فيعتبر القطع، فإن كان قد اندمل قبل الذبح استقر حكمه ووجب فيه للسيد نصف القيمة دون القود، لأنها جناية حر على عبد، ووجب على

القاطع بذبحه القود ي نفس للوارث، فإن عفا فعليه الدية؛ لأنها جناية حر على حر، وإن لم يندمل قطعه حتى ذبحه سقط القصاص في القطع، لأنه حر جني على عبد، ودخل أرشه في دية النفس، لأنه لا يستحق مع دية النفس أرش قطع لم يندمل، وعليه القود في النفس؛ لأنها جناية حر على حر، يستحقه الوارث دون السيد لحدوث سببه بعد العتق، فإن اقتص الوارث سقط حق السيد من أرش القطع، لأنه لا يجتمع قصاص وأرش.
فإن عفا الوارث عن القود كان له دية حر للسيد منها أقل الأمرين من نصف قيمته عبدًا، أو نصف ديته حرًا قولًا واحدًا، اعتبارًا بأرش اليد ولو كان القطع لإصبع من اليد، كان له أقل الأمرين من عشر قيمته عبدًا، أو عشر ديته حرًا، اعتبارًا بأرش الأصبع.
وإن كان الذابح هو القاطع الثاني فقد استقر قطع الأول القاطع في الرق سواء اندمل أو لم يندمل، لأن حدوث الذبح بعده قاطع لسرايته فاستقر حكمه، ووجب فيه نصف قيمته، قلت أو كثرت، ولا قود لأنه قطع حر لعبد ثم ينظر في القطع الثاني بعد العتق، فإن كان قد اندمل قبل الذبح استقر حكمه في حق الوارث مع حكم الذبح، وكان للوارث الخيار في القصاص والدية بين أربعة أشياء.
وبين القصاص في اليد، والقصاص في النفس، فيستوي بهما حقي القطع والذبح، لأنهما من حر على حر، وبين أن يقتص من اليد، ويأخذ دية النفس، وبين أن يقتص من النفس ويأخذ نصف الدية في اليد، وبين أن يعفو عنها فيأخذ نصف الدية في اليد، ودية كاملة في النفس، فيحصل له باندمال اليد دية ونصف.
ولو لم تندمل اليد فالوارث بالخيار في القصاص بين أربعة أشياء: أحدهما: أن يقتص من اليد والنفس، فيستوفي بهما حقي القطع والذبح.
والثاني: أن يقتص من اليد، ويعفو عن القود في النفس، فيحكم له بدية النفس، وعندي أنه سهو إلا على قول أبي سعيد الإصطخري.
والثالث: أن يقتص من النفس، ويعفو عن القصاص في العبد، فيسقط أرش اليد، لاختصاصها قبل الاندمال بالقصاص دون الأرش.
والرابع: أن يعفو عن القصاص في اليد والنفس فيحكم له بدية النفس، ويسقط أرش اليد لدخوله في دية النفس.
وإن كان الذابح أجنبيًا استقر حكم القطعين وصارا وإن لم يندملا كالمندملين لما تعقبهما من التوجئة القاطعة لسرايتها، وكان على القاطع الأول للسيد نصف قيمته عبدًا دون القود؛ لأنها جناية على حر وعلى الذبح القود في النفس، فإن عفا الوارث عنه فله دية النفس كاملة، لأنه جناية حر على حر، ولا تنقص بالمأخوذ من أرش اليدين لما جرى عليها من حكم الاندمال.
فصل: ويتفرع على ما قدمناه أن يكون عبد بين شريكين فيقطع حر إحدى يديه، ثم يعتق

أحد الشريكين حصته، وهو معسر، ويأتي آخر فيقطع يده الأخرى، ثم يموتن ونصفه حر، ونصفه مملوك، فلا قود على واحد منهما، لبقاء الرق في نصفه، والمستحق منه نصف قيمته عبدًا ما بلغت، ونصف ديته حرًا لاستقرارها فيه بعد عتق نصفه ورق نصفه، ويتحمل القاطعان بينهما بالسوية فيكون على كل واحد منهما ربع القيمة وربع الدية، ولا يفضل واحد على الآخر، وإن اختلفت جنايتهما في الرق والعتق، لاستقرارها فيمن رق نصفه وعتق نصفه، ويكون للمسترق من الشريكين نصف قيمته.
فأما نصف الدية فيشترك فيها المعتق والوارث إذا جعلنا من عتق بعضه موروثًا فيأخذ منها المعتق أقل الأمرين من ربع قيمته عبدًا، أو ربع ديته حرًا، لأن إحدى الجنايتين كانت في ملكه والأخرى بعد عتقه.
ويعود على الوارث ربع الدية، وما فضل من ربع القيمة، إن كان.
فعلى هذا لو كانت المسألة بحالها، فعاد القاطع الأول فقطع إحدى رجليه ومات، فقد مات من جنايتين أحدهما بعد العتق، والأخرى نصفها في الرق ونصفها بعد العتق، فيكون عليها نصف القيمة ونصف الدية، لاستقرارها فيمن نصفه حر ونصفه مملوك، وهما في تحملها بالسوية؛ لأن أفعال الجاني يبني بعضها على بعض، إذا صارت نفسًا.
ولا يتقسط الأرش على أعداد الجرح، كما لو جرحه أحدهما جرحًا، والآخر عشرًا.
ويكون لمالك رقه نصف قيمته ما بلغت.
فأما نصف الدية فيكون منها لمعتقه أقل الأمرين من ربع قيمته، أو ثمن ديته، لاستقرار ثلاثة أرباع الجناية في نصف بعد عتقه.
فصل: فأما المزني فإنه يحكم على فصلين: أحدهما: أنه إذا فقأ عينيه في الرق، وقيمته ألفا دينار، ثم أعتق كانت عليه الألفان، وقد تقدم الكلام عليه.
والثاني: هي مسألة الكتاب إذا جني واحد عليه في الرق، واثنان بعد العتق، أنه يختار من القولين أنه يعتبر أرش الجناية في الرق، ولا يعتبر بأعداد الجناة تمسكًا بأمرين: أحدهما: أن الشافعي قد ذكره في موضع آخر، وهذا ليس بشيء، لأن ذكر أحد القولين في موضعين، وذكر الآخر في موضع لا يقتضي إثبات ما تكرر ونفي الآخر.
والثاني: أن قال: لما كان الزائد بالحرية لا يعود على السيد وجب أن يكون الناقص بالحرية لا يعود عليه، وهذا خطأ، لأن الزائد بالحرية حادث في غير ملكه، فلم يستحقه، والناقص بالحرية من فعله فعاد عليه نقصه والله أعلم.

مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وعلى المتغلب باللصوصية والمأمور القود إذا كان قاهرًا للمأمور".
قال في الحاوي: وجملة ذلك أن من أمر غيره بقتل نفس ظلمًا بغير حق لا يخلو من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون إمامًا ملتزم الطاعة.
والثاني: أن يكون متغلبًا نافذ الأمر.
والثالث: أن يساوي المأمور، لا يعلو عليه بطاعة ولا قدرة.
فأما القسم الأول، وهو أن يكون الآمر بالقتل إمامًا ملتزم الطاعة.
فلا يخلو حال المأمور في قتله من أحد أمرين: إما أن يجهل حال المقتول ولا يعلم أنه مظلوم، ويعتقد أن الإمام لا يقتل إلا بحق فلا قود على المأمور، ولا دية، ولا كفارة، لأن طاعة الإمام واجبة عليه لقول الله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء:59] وعلى الإمام القود، لأن أمره إذا كان ملتزم الطاعة يقوم مقام فعله لنفوذه، وحدوث الفعل عنه، وجرى المأمور معه جري الآلة.
قال الشافعي: وهكذا قتل الأئمة ويستحب للمأمور أن يكفر لما تولاه من المباشرة.
والحالة الثانية: أن يكون المأمور عالمًا بأنه مظلوم، يقتل بغير حق فبهذا المأمور حالتان: إحداهما: أن يقتله مختارًا.
والثانية: مكرهًا.
فإن قتله مختارًا غير مكره فهو القاتل دون الإمام، لأن طاعة الإمام لا تلزم في المعاصي قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق".
وقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: أطيعوني ما أطعت الله فإذا عصيت الله، فلا طاعة لي عليكم ويكون الإمام آثمًا، ويتمكن المأمور من القتل عاصيًا، وإن لم يلزمه قود ولا دية ولا كفارة.
وهو ظاهر من مذهب الشافعي وقول جمهور أصحابه.
وذهب بعض أصحابه إلى وجوب القود على الإمام بمجرد أمره، وإن لم يكن منه إكراه للزوم طاعته، ونفوذ أمره، وجعل القود واجبًا على الآمر والمأمور معًا، ولهذا القول وجه في اعتبار المصلحة، وحسم عدوان الأئمة، وإن كان في القياس ضعيفًا.

وإن كان المأمور مكرهًا على القتل بأن قال له الإمام: إن لم تقتله قتلتك، فالقود على الإمام الآمر واجب.
وفي وجوبه على المأمور قولان: أحدهما: واجب كالإمام يقاد منهما جميعًا، فإن عفا عنهما اشتركا في الدية، وكان على كل واحد منهما كفارة.
وبه قال زفر بن الهذيل: والثاني: إنه لا قود على المأمور والمكره، ويختص القود بالإمام المكره واختلف أصحابنا في تعليل هذا القول في سقوط القود عن المأمور فذهب البغداديون بأسرهم إلى أن العلة فيه أن الإكراه شبهة تدرأ بها الحدود.
فعلى هذا التعليل يجب عليه إذا سقط القود عنه نصف الدية؛ لأنه أحد القائلين، وعليه الكفارة.
وذهب البصريون منهم: إلى أن العلة فيه أن الإكراه إلجاء وضرورة تنقل حكم الفعل عن المباشر إلى الآمر كالحاكم إذا ألجأه شهود الزور إلى القتل.
فعلى هذا التعليل تسقط عنه الدية والكفارة كما تسقط عنه القود، وتكون الدية كلها على الإمام المكره وهذا قول أبي حنيفة ومحمد.
وقال أبو يوسف: لا قود على الإمام الآمر، ولا على المأمور استدلالًا بأن أمر الإمام سبب ومباشرة المأمور إلجاء، فسقط حكم السبب بحدوث المباشرة، وسقط حكم المباشرة بوجود الإلجاء، فسقط القود عنهما.
وهذا خطأ لقول الله تعالى: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء:33] فلو سقط القود عنهما مع وجود الظلم في القتل لبطل سلطانه، ولما انزجر عن القتل ظالم، ولأن إجماع الصحابة يمنع من قول أبي يوسف.
وهو ما روي أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه ولي رجلًا اليمن، فأتاه رجل منهما مقطوع اليد، فقال: إن خليفتك ظلمني فقطعني.
فقال أبو بكر: لو علمت أنه ظلمك لقطعته.
فدل على مؤاخذة الوالي بظلمه فيما أمر به.
وقد أنفذ عمر رضي الله تعالى عنه رسولًا إلى امرأة أرهبها فأجهضت ما في بطنها فزعًا فالتزم عمر ديته.
وروي أن رجلين شهدا عند علي بن أبي طالب عليه السلام على رجل بالسرقة فقطعه بشهادتهما، ثم عادا، وقالا: غلطنا، والسارق هو هذا فرد شهادتهما، ولم يقطع الثاني، وقال: "لو علمت أنكما تعمدتما لقطعتكما" فجعل الجهل لهما بالشهادة موجبًا لإضافة الحكم إليهما وأخذها بموجبها، ووافقه على ذلك من عاصره فصار مع ما تقدم

عن أبي بكر وعمر إجماعًا، لأن القتل قد يكون بالمباشرة تارة، وبالسبب أخرى، فلما وجب القود بالمباشرة جاز أن يجب بالسبب؛ لأنه أحد نوعي القتل.
فصل: فأما أبو حنيفة فقد وافق في وجوب القود على الإمام الآمر ردًا على أبي يوسف، وأسقط القود عن المأمور المكره، وسلبه حكم المباشرة، فلم يوجب عليه دية ولا كفارة، وهذا أحد قولي الشافعي في سقوط القود.
وموجب تعليل البصريين في سقوط الدية والكفارة، ومخالف لتعليل البغداديين في وجوب نصف الدية والكفارة مع سقوط القود، وهو مخالف للقول الثاني للشافعي في جميع أحكامه؛ لأنه يجري عليه حكم الإمام الآمر في وجوب القود والدية والكفارة، وأبو حنيفة يسلبه بالإكراه جميع أحكام الإمام استدلالًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" ولأنه قتله لإحياء نفسه، فوجب أن يسقط عنه القود كالمقتول دفعًا عن نفسه، ولأن ما أوجب القتل بفعل المختار سقط فيه القتل بفعل المكره كالزنا، ولأن الإكراه قد نقل حكم لمباشرة إلى الآمر، فوجب أن يزول حكمها عن المأمور، لأن الفعل واحد، ويصير المأمور فيه كالآلة أو كالسبع المرسل والكلب الشلاء، ولأن الإكراه يتنوع نوعين: إكراه حكم، وإكراه قهر، ثم ثبت أن إكراه الحكم وهو إلجاء الحاكم إلى القتل بشهادة الزور يمنع من وجوب القتل عليه مع أمنه على نفسه، فكان إكراه القهر أولى أن يمنع من وجوب القود مع خوفه على نفسه؛ ولأن الإكراه يكون تارة على القول بأن يتلفظ بكلمة الكفر، وتارة على القتل بأن يؤمر بالقتل، ثم ثبت أن حكم الكفر تزول بالإكراه فوجب أن يكون حكم القتل يزول بالإكراه.
ودليلنا عموم قول الله تعالى: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء:33] ولأنه عمد، قتله ظلمًا لإحياء نفسه، فلم يمنع إحياؤه لها قتله قودًا، قياسًا على المفطر إذا أكل من الجوع محظور النفس، ثم هذا أولى بالقتل من المضطر، لأن المضطر على يقين من التلف إن لم يأكل، وليس المأمور على يقين من القتل إن لم يقتل، وعلى أن الأصول تشهد لصحة هذا التعليل، ألا ترى أن ركاب السفينة إذا خافوا على أنفسهم فألقوا عليه أحدهم ليتشاغل به عنهم وجب عليهم القود، كذلك المكره المفتدي نفسه بغيره، ولأنه لا عذر له في إحياء نفسه بقتل غيره، لأن حرمة غيره مثل حرمة نفسه، فلم يكن إحياء نفسه بالغير أولى من إحياء الغير بنفسه فاستويا، وصار وجود العذر كعدمه، فاقتضى أن يحب القود بينهما كوجوبه لو لم يكن مكرهًا.
فأما الخبر فمحمول على ما اختص بحقوق الله تعالى دون حقوق الآدميين،

وقياسهم على قتله دفعًا عن نفسه منتقض بأكله من الجوع، ثم المعنى في المدفوع أنه قد أباح نفسه بالطلب فصار مقتولًا بحق، وهذا مقتول بظلم، فافترقا.
وقياسهم على الإكراه اختلف أصحابنا في صحة الإكراه عليه فذهب بعضهم إلى استحالته لأن إيلاج الذكر لا يكون إلا مع انتشاره، وانتشار الذكر، وإنزال مائة لا يكون إلا مع قوة الشهوة المنافية للإكراه فاستحال فيه الإكراه.
وذهب آخرون منهم إلى صحة الإكراه، فيه لأن انتشار الذكر قد يكون من الطبع المحرك الذي لا يقدر على دفعه عن نفسه، وهو مؤاخذ بفعل نفسه لا بما ركبه الله تعالى في طبعه، فعلى هذا يكون المعنى في سقوط الحد بالإكراه اختصاصه بحقوق الله تعالان والقتل بحقوق الآدميين، فافترقا وقولهم: إن الإكراه قد نقل حكم المباشرة عن المأمور إلى الآمر فليس بصحيح، بل تعدى عن المأمور إلى الآمر، والفعل إذا تعدى حكمه إلى غير الفاعل كان أولى أن يؤاخذ به الفاعل، لأن تعديه لفضل قوته.
وجمعهم بين المكره والحاكم إلجاء غير صحيح، لأن من قتله الحاكم بالشهادة، وقد كان واجيًا عليه لا يسوغ له تركه فلم يؤاخذ بالقود، ومن قتله المكره مظلوم، والقاتل فيه مأثوم فوجب القود عليه، لأنهما لما افترقا في جواز القتل افترقا في وجوب القود.
فصل: فإذا تقرر ما ذكرنا من حكم إكراه الإمام فكذلك الحكم فيمن استخلفه الإمام وولاه إذا أكره رجلًا على القتل كان الحاكم فيه كالحكم في إكراه الإمام في وجوب القود على الآمر، وفي وجوبه على المأمور قولان، لأن طاعة من استخلفه الإمام تلزم كلزوم طاعة الإمام لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من أطاع أميري فقد أطاعني، ومن أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصى أميري فقد عصاني، ومن عصاني فقد عصى الله".
واختلف أصحابنا في الإكراه على القتل بماذا يكون على وجهين: أحدهما: أنه يكون بكل ما كرهته النفس وشق عليها من قتل، أو ضرب، أو حبس أو أخذ مال، كالإكراه في الطلاق والبيع على ما قدمناه.
والثاني: أنه لا يكون الإكراه على القتل إلا بالقتل، أو بما أفضى إليه من قطع أو جرح، ولا يكون الضرب والحبس، وأخذ المال فيه إكراهًا، لأن حرمة النفوس من أغلظ من حرمة الأموال، فاقتضى أن يكون الإكراه على القتل أغلظ من الإكراه فيما عداه.
واختلف أصحابنا في إكراه الإمام على قتل الظلم هل يخرج به من إمامته على وجهين: حكاهما ابن أبي هريرة.

وكذلك في ارتكابه للكبائر الذي يفسق بها.
أحد الوجهين: أنه يخرج من الإمامة لقول الله تعالى: ﴿إنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إمَامًا قَالَ ومِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:124]. والثاني: أنه لا يخرج بها من الإمامة حتى يخرجه منها أهل الحل والعقد، لانعقاده بهم، وعليهم أن يستنيبوه فإن تاب وإلا خلعوه.
فصل: وأما القسم الثاني: وهو أن يكون الآمر بالقتل متغلبًا فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون متغلبًا بتأويل كمن ندب نفسه لإمامة أهل البغي، إذا أمر بقتل رجل ظلمًا فلا يخلو حال المأمور من أحد أمرين: إما أن يكون ممن يرى رأيه، ويعتقد طاعته، أو يكون مخالفًا له، فإن كان موافقًا لرأيه معتقد الطاعة فحكم المأمور معه كحكمه مع إمام أهل العدل إن لم يكن من الآمر إكراه وجب القود على المأمور دون الآمر، وإن كان منه إكراه وجب القود على الآمر وفي وجوبه على المأمور قولان.
وإن كان ممن يخالفه في رأيه، ولا يعتقد طاعته ففيه وجهان: أحدهما: أن يغلب فيه حال المأمور لما يعتقده من مخالفة الآمر، ويجري عليه حكمه مع الآمر إذا كان متغلبًا باللصوصية على ما سنذكره.
والثاني: أن يغلب فيه حال الآمر، ويجري عليه حكمه مع الآمر إذا كان إمامًا لأهل العدل لأمرين: أحدهما: أنه لما كان الباغي مع إمام أهل العدل في حكم أهل العدل، وجب أن يكون أهل العدل مع إمام أهل البغي في حكم أهل البغي.
والثاني: أن الشافعي أمضى أحكام قضائهم على أهل العدل وأهل البغي، وجواز أخذ الزكاة وجباية الخراج منهما فاستويا في الحكم، وإن اختلفا في المعتقد.
والضرب الثاني: أن يكون متغلبًا باللصوصية إذا أمر بقتل رجل فالفرق بين أمره وأمر الإمام من ثلاثة أوجه متفق عليها، ورابع مختلفة فيه.
فأما الثلاثة المتفق عليها: فأحدها: أن طاعة الإمام واجبة إلا فيما يعلم أنه ظلم، وطاعة هذا المتغلب غير واجبة إلا فيما يعلم أنه حق.
والثاني: أن الظاهر من أمر الإمام بالقتل أنه يحق إلا أن يعلم أنه ظلم، والظاهر من أمر المتغلب بالقتل أنه يظلم إلا أن يعلم أنه حق.
والثالث: أن اجتهاد الإمام فيمن يستبيح قتله من مسلم بكافر، وحر بعبد نافذ، واجتهاد هذا المتغلب فيه غير نافذ.

فإذا افترقا من هذه الأوجه الثلاثة اعتبر كل واحد منهما في الآمر إن كان إمامًا أو متغلبًا فأجري عليه حكمه على اختلاف أحكامهما في الجهتين.
وأما الرابع المختلف فيه فهو الإكراه، وقد اختلف في حكم الإكراه هل يستويان فيه أو يختلفان على وجهين: أحدهما: أنهما يستويان في الإكراه، وإن اختلفا في الآمر من غير إكراه، فعلى هذا إذا أمر المتغلب رجلًا بالقتل من غير إكراه وجب على المأمور القود، سواء علم بظلمه أو لم يعلم، لأن الظاهر من أمره بالقتل أنه بغير حق، ولا قود على الآمر لأنه غير مطاع في الظاهر، ما لم يعلم أنه حق، فصار المأمور هو المنفرد بالقتل، والآمر مشير به، وإن أكرهه الآمر المتغلب على القتل وجب على الآمر القود، وفي وجوبه على المأمور قولان، لاستواء الإمام والمتغلب في الإكراه.
والثاني: أنهما مختلفان في حكم الإكراه كما اختلفا في حكم الاختيار لأمرين: أحدهما: أن في طاعة الإمام شبهة ليست في طاعة المتغلب.
والثاني: أن أمر الإمام عام في جميع البلاد، لا يقدر على الخلاص منه، وأمر المتغلب خاص في بعضها يقدر على الخلاص منه إذا انتقل إلى غيرها.
فعلى هذا إذا أكره المتغلب رجلًا على القتل وجب القود على الآمر والمأمور جميعًا، وإن كان في مكره الإمام قولان: لما ذكر من الفرقين، وإن كانا ضعيفين.
فصل: وأما القسم الثالث أن يكون الآمر بالقتل مساويًا للمأمور لا يفضل عليه بقدرة، ولا يد فالإكراه من مثله معدوم، والمأمور هو المنفرد بالقتل دون الآمر، والآمر أضعف حالًا من الممسك، فلا يجب عليه قود ولا دية ولا كفارة، لكن يكون آثمًا بالرضا والمشورة، وعلى المأمور القود أو الدية، ويختص بالتزامهما مع الكفارة.
فإن غر الآمر المأمور وقال: اقتل هذا فإنه حربي أو مرتد فقتله وكان مسلمًا فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون في دار الإسلام فالقود على المأمور واجب، ولا قود على الآمر، فإن عفي عن القود وجب عليه الدية، ولا يرجع بها على الآمر، لأن الظاهر من دار الإسلام إسلام أهلها، فضعف غرور الآمر فيها.
والثاني: أن يكون ذلك في دار الحرب فلا قود على المأمور ولا على الآمر، وتجب على المأمور الدية كالخاطئ؛ لأن الظاهر من دار الحرب كفر أهلها.
فإذا غرم المأمور الدية ففي رجوعه بها على الآمر الفار وجهان مخرجان من اختلاف قوليه فيمن غر في النكاح على أن المنكوحة حرة فباتت أمة، عل يرجع عليه بما غرمه من صداقها فيها قولان: كذلك ها هنا يتخرج فيه وجهان والله أعلم.

مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وعلى السيد القود إذا أمر عبده صبيًا أو أعجميًا لا يعقل بقتل رجلٍ فقتله، فإن كان العبد يعقل فعلى العبد القود، ولو كانا لغيره فكانا يُميزان بينه وبين سيدهما فهما قاتلان، وإن كانا لا يُميزان فالآمر القاتل وعليه القود".
قال في الحاوي: وصورتها في رجل أمر عبده بالقتل، فامتثل أمره فيه فللعبد المأمور حالتان: أحدهما: أن يكون ممن لا يميز في طاعة سيده بين المحظور والمباح، إما لصغره وإما لأعجميته، فيكون السيد الآمر هو القاتل، ويكون العبد معه كالآلة التي يستعملها أو كالبهيمة التي يشليها فيكون القود في المقتول واجبًا على السيد دون العبد، فإن عفا إلى الدية كانت حاله في ماله، ولا يرتهن رقبة العبد بها، ويكون كسائر أموال السيد.
وعلى هذا لو قال السيد لهذا العبد: اقتلني فقتل سيده بأمره فلا قود عليه، ويكون السيد قاتل نفسه.
ولو قال له السيد: اقتل نفسك فقتل نفسه عن أمره، كان السيد هو القاتل لعبده، فيؤخذ بما يؤخذ به قاتل عبده.
والثانية: أن يكون هذا العبد يميز في طاعة سيده بين المباح وبين المحظور، ويعلم أن القتل محظور لا يطاع فيه السيد، إما لبلوغه وعقله، وإما لمراهقته وتمييزه، فيكون العبد هو القاتل دون السيد، فإن كان بالغًا وجب عليه القود، وإن كان مراهقًا لم يبلغ فلا قود عليه، وتكون الدية في رقبته يباع فيها.
وعلى هذا لو قال له السيد: اقتلني فقتل سيده بأمره كان العبد هو القاتل إلا أنه لا قود عليه؛ لأن في أمر السيد إبراء من القود، ولا يثبت في رقبته الدية، لأنه مملوك لمستحقها من الورثة ولو قال له السيد: اقتل نفسك فقتل نفسه كان هو القاتل لنفسه دون السيد.
وهكذا حكم الأب مع ابنه إذا أمره بالقتل في أن يراعي تمييز الابن، فإن كان مميزًا يعلم أن طاعة الأب في القتل لا تجب، فالابن هو القاتل دون الأب، وإن كان لا يميز لصغره أو بلهه، فالأب هو القاتل دون الابن.
فصل: وإذا أمر أجنبي عبد غيره بالقتل، فأطاع العبد غير سيده في القتل، روعي حال العبد، فإن لم يفرق بين طاعة سيده وطاعة غيره لصغره أو أعجميته أو اعتقد أن كل آمر مطاع كان الآمر هو القاتل، وإن فرق بين سيده وبين غيره في التزام طاعته، فالعبد هو القاتل دون الآمر، فإن تشبه الأجنبي بالسيد ودلس نفسه على العبد حين أمره بالقتل كان

الآمر هو القاتل دون العبد، إن كان العبد لا يفرق في طاعة السيد بين المباح والمحظور، وإن كان يفرق بينهما، فالعبد هو القاتل دون الآمر.
ولو قال الأجنبي للعبد: قد أمرك سيدك بالقتل فقتل كان هذا القول في حق العبد كأمر سيده، وفي حق الأجنبي كأمر نفسه فيكون على ما تفضل من الحكمين.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو قتل مرتدٌ نصرانيًا ثم رجع ففيهما قولان، أحدهما: أن عليه القود وهو أولادهما؛ لأنه قتل وليس بمسلم، والثاني: أن لا قود عليه لأنه لا يُقر على دينه.
قال المُزني رحمه الله: قد أبان أن الأول أولادهما، فالأولى أحق بالصواب، وقد دل قوله في رفع القود عنه، لأنه لا يُقر على دينه، على أنه لو كان القاتل نصرانيًا يُقر على دينه لكان القود عليه، وإن أسلم.
قال المُزني رحمه الله: فإذا كان النصراني الذي يُقر على دينه الحرام الدم إذا أسلم يُقتل بالنصراني، فالمباح الدم بالردة أحق أن يُقاد بالنصراني وإن أسلم في قياس قوله".
قال في الحاوي: إذا قتل مرتد نصرانيًا صاحب عهد أو جزية، ففي وجوب القود عليه قولان: أحدهما: وهو قول المزني: أن القود على المرتد واجب، سواء أقام على ردته أو رجع إلى الإسلام لأمرين: أحدهما: اجتماعهما على الكفر، وإن تنوع واختلف لأن جميع الكفر ملة واحدة، ثم النصراني أحسن حالًا من المرتد، لأنه يقر على نصرانيته، والمرتد لا يقر على ردته.
والثاني: أنه لما كان حدوث إسلام النصراني بعد أن قتل نصرانيًا لا يمنع من القود لاجتماعهما على الكفر عند القتل، كذلك تقدم إسلام المرتد على قتله أولى أن لا يمنع من القود، لأن حرمة الإسلام عند ثبوته أوكد من حرمته بعد زواله.
والقول الثاني: أنه لا قود على المرتد في قتل النصراني لأمرين: أحدهما: أن من جرت عليه أحكام الإسلام لم تزل عنه بالردة كالصلاة والصيام.
والثاني: أنه لما أجرى على المرتد أحكام الإسلام في غير القود، بما يؤخذ من زكاة ماله، ويؤخذ بقضاء ما ترك من صلوات وقته، ولا يؤخذ منه الجزية؛ لأن لا يجري عليه صغار الكفر، وتمنع المرتدة من نكاح كافر لثبوت حرمة الإسلام لها، وجب أن يكون حكم الإسلام جازيًا عليه في سقوط القود بقتل الكافر، وبهذا يدفع احتجاج المزني.

فصل: فإذا ثبت توجيه القولين، فإن قلنا: إنه لا قود عليه كانت دية النصراني في ماله، سواء قتل بالردة أو رجع عنها، ويكون باقي ماله بعد الردة إن قل لبيت المال، وإن قلنا: إن القود واجب عليه فولي النصراني مخير بين القود والعفو، فإن عفا عنه إلى الدية فعلى ما مضى، وإن أراد القود فللمرتد حالتان: إحداهما: أن يرجع إلى الإسلام، فيسقط قتل الردة ويقتل قودًا.
والثانية: أن يقيم على ردته فيقال لولي المقتول: إن عدلت إلى الدية قتلناه بالردة، وإن أقمت على ما طلب القود قتلناه قودًا، ودخل فيه قتل الردة، وكان جميع ماله فيئًا في بيت المال، ويقدم قتله بالقود على قتله بالردة لأمرين: أحدهما: أن الخصم في القود آدمي حاضر فكان أوكد.
والثاني: أن المراد بقتل الردة أن لا يوجد منه الإقامة عليها، وهذا موجود في قتله قودًا.
فصل فأما إذا قتل نصراني مرتدًا ففيه ثلاثة أوجه لأصحابنا: أحدها: وهو محكي عن أبي إسحاق المروزي: أنه لا قود عليه، ولا دية لأنه مباح الدم فسقط عنه الضمان كما لو قتله مسلم.
والثاني: وهو اختيار أبي علي بن أبي هريرة: أن على النصراني القود أو الدية وإن لم يجب على المسلم في قتله قود ولا دية، لأن المرتد مباح الدم في حقوق المسلمين دون الكفار، كالقاتل مباح الدم في حقوق الأولياء دون غيرهم، فإن قتله الأولياء لم يضمنوا، وإن قتله غيرهم ضمنوه.
والثالث: وهو قول أبي الطيب بن سلمة: إنه مضمون في حق النصراني بالقود دون الدية، فيقاد به النصراني، لأن القود معتبر بالمعتقد، وقد تكافآ فيه فوجب فإن عفا عنه سقطت الدية، لأنها بوجوب الحرمة، ولا حرمة لنفس المرتد، فلم تجب في قلته دية، وعكس ما قاله ابن سلمة أشبه، لأن وجوب القود أغلظ من وجوب الدية عمد الخطأ يوجب الدية، ولا يوجب القود، فلو قال: إن الدية واجبة لبيت المال دون القود لكان أشبه بالأصول.
فصل: فأما إذا وجب قتل الزاني المحصن، فقتله رجل بغير أمر الإمام.
فقد ذهب بعض أصحابنا إلى أن القود على قاتله واجب، لأن ولي قتله هو الإمام، فإذا تولاه غيره أقيد منه، كالعامل إذا قتله غير ولي المقتول أقيد به.
وظاهر مذهب الشافعي، وما عليه جمهور أصحابه: أنه لا قود، لرواية أبي صالح

عن أبي هريرة أن سعد بن عبادة قال: يا رسول الله أرأيت إن وجدت مع امرأتي رجلًا أقتله؟ أم حتى آتي بأربعة شهداء؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا حتى تأتي بأربعة شهداء كفي بالسيف شا" يعني شاهدً هذا فانصرف سعد وهو يقول: والله، لو وجدته لضربته بالسيف غير مصفح.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار: "أاتسمعون ما يقول سيدكم؟ "، فقالوا: اعذره يا رسول الله، فإنه رجل غيور، وما طلق امرأة فتزوجها رجل منا.
فموضع الدليل منه أنه أباح قتله بعد البينة.
وروي الشعبي أن رجلًا غزا، واستخلف على امرأته أخاه فأتته امرأة، فقالت له: أدرك امرأة أخيك، عندها رجل يحدثها، فتسور السطح، فإذا هي تصنع له دجاجة وهو يرتجز ويقول: وأشعت غره الإسلام مني... خلوت بعرسه ليل التمام أبيت على ترائبها وتمسي... على جرد الأعنة والحزام كأن مواضع الربلات منها... فئام ينهضون إلى فئام

فقتله وألقى بجيفته إلى الطريق، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: أنشد الله امرءًا عنده علم هذا القتيل إلا أخبرني، فقام الرجل: فأخبره بما كان فأهدر عمر دمه، وقال: أبعده الله وسحقه.
وروي سعيد بن المسيب أن رجلًا من أهل الشام يقال له: ابن خيبري وجد مع امرأته رجلًا فقتله وقتلها، فأشكل على معاوية القضاء، فكتب إلى أبي موسى الأشعري يسأله أن يسأل علي ابن أبي طالب عليه السلام عنها فسأله فقال: ليست هذه بأرضنا حلفت عليك لتخبرني بها فقال: كتب بها إلى معاوية فقال علي: يرضون بحكمنا وينقمون علينا، إن لم يأت بأربعة شهداء فليعط برمته".
وفيه تأويلان: أحدهما: فليضرب على رمته يعني بالسيف قودًا.
والثاني: معناه فليسلم برمته حتى يفاد منه.
وأما الجمع بين الزاني والقتل، فقد فرق من خالف بينهما بأن على القتل قودًا ودية، فلم يجز تفويت الدية بالقود، وليس على الزاني إلا القتل الذي لا تخيير فيه والأصح عندي من إطلاق هذين المذهبين أن يقال: إن وجب قتل الزاني بالبينة فلا قود على قاتله لا نحتام قتله وإن وجب بإقراره أقيد من قاتله لأن قتله بإقراره غير منحتم لسقوطه عنه برجوعه عن إقراره.
وعلى هذا لو أن محاربًا من قطاع الطريق قتل في الحرابة رجلًا فللإمام أن ينفرد

بقتله دون ولي المقتول، لما قد تعلق بقتله من حق الله تعالى الذي لا يجوز العفو عنه، ولولي المقتول أن يقتله بغير إذن الإمام لما تعلق به من حقه الذي لا يجوز أن يمنع منه.
فإن قتله غيرهما من الأجانب فعلى الوجه الأول: يجب عليه القود، وعلى مذهب الشافعي وقول جمهور أصحابه لا قود عليه.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله: "ويقتل الذابح دون الممسك، كما يحد الزاني دون الممسك".
قال في الحاوي: وصورتها في رجل أمسك رجلًا حتى قتله آخر فعلى القاتل القود، فأما الممسك فإن كان القاتل يقدر على القتل من غير إمساك، أو كان المقتول يقدر على الهرب بعد الإمساك فلا قود على الممسك بالإجماع.
وإن كان القاتل لا يقدر على القتل إلا بالإمساك، وكان المقتول لا يقدر على الهرب بعد الإمساك فقد اختلف الفقهاء في الممسك، فمذهب الشافعي وأبي حنيفة: أنه لا قود عليه ولا دية، ويعزر أدبًا.
وقال إبراهيم النخعي وربيعة بن أبي عبد الرحمن بحبس الممسك حتى يموت، لأنه أمسك المقتول حتى مات، فوجب أن يجازي بمثله، فيحبس حتى يموت.
وقال مالك: يقتل الممسك قودًا كما يقتل القاتل إلا أن يمسك مازحًا ملاعبًا فلا يقاد استدلالً بقول الله تعالى: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء:33].
وبما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه تعالى عنه أنه قتل جماعة بواحد.
وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به أي لو تعاونوا عليه.
والممسك قد عاون على القتل ولأنهما تعاونا في قتله، فوجب أن يستويا في القود، كما لو اشتركا في قتله، ولأن ممسك الصيد لما جرى عليه حكم القاتل في وجوب الجزاء، ولو أمسكه أحد المجرمين، وقتله الآخر اشتركا في الجزاء، وجب أن يكون ممسك المقتول يجري عليه حكم القاتل في وجوب القود، ويكونا فيه سواء، ولأن الإمساك سبب أفضى إلى القتل فلم يمنع أن يجري عليه حكم المباشرة للقتل كالشهود إذا شهدوا عند الحاكم على رجل بالقتل فقتل، ثم رجعوا قتلوا قودًا بالشهادة، وإن كانت سببًا كذلك الممسك.
ودليلنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يقتل القاتل، ويصبر الصابر" قال أبو عبيدة: يعني يحبس لأن المصبور هو المبحوس، يريد بالحبس التأديب لا كما تأوله ربيعة على الحبس إلى الموت، ولأن الإمساك سبب، والقتل مباشرة، فإذا اجتمعا ولم يكن في

السبب إلجاء كالشهود سقط حكم السبب بوجود المباشرة، كما لو حفر رجل بئرًا فدفع رجل فيها إنسانًا فمات كان القود على الدافع دون الحافر، ولأن هذا القاتل قد يصل إلى القتل تارة بالإمساك وتارة بالحبس، ثم ثبت أنه لو قتله بعد الحبس لم يقتل الحابس، كذلك إذا قتله بعد الإمساك لم يقتل الممسك، ولأن حكم الممسك مخالف لحكم المباشر في الزنا، لأنه لو أمسك امرأة حتى زنا بها رجل، وجب الحد على الزاني دون الممسك.
ووجب أن يكون حكم الممسك في القتل بمثابته في وجوب القود على القاتل دون الممسك.
ولو جاز أن يساويه في القود جاز أن يساويه في الحد.
ولأن الإمساك غير مضمون لو انفرد فكان أولى أن لا يضمن إذا تعقبه القتل.
ولأن ما لا يضمن خطاؤه لم يضمن عمده كالضرب بما لا يقبل.
فأما الآية فقد قال: ﴿فَلا يُسْرِف فِّي القَتْلِ﴾ [الإسراء:33] والسرف أن يتجاوز القاتل إلى من ليس بقاتل.
وقول عمر رضي الله تعالى عنه: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلهم به محمول على اشتراكهم في قتله، لأن المعاونة هي التساوي في الفعل وبه يجاب عن قياسهم على الاشتراك في القتل، ثم المعنى في المشركين في القتل أن كل واحد منهما يضمن إذا انفرد، فضمن إذا شارك والممسك لا يضمن إذا انفرد فلم يضمن إذا تعقبه قاتل.
وأما إمساك العبد فإنما يضمن به العبد، لأنه مضمون باليد إذا انفردت، والمقتول غير مضمون باليد، وإنما يضمن بالجناية، ولو كان الإمساك جاريًا مجرى مباشرة القتل لوجوب إذا أمسك المجوس شاة فذبحها مسلم أن لا تؤكل، كما لو أشترك في ذبحها مجوس ومسلم، وفي إجماعهم على جواز أكلها دليل على الفرق بين الممسك والمشارك.
وما استدلوا به من الشاهدين فلا يصح لأنهما ألجأ الحاكم إلى القتل، ولم يكن من الممسك إلجاء فافترقا.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو ضربه بما الأغلب أنه يقطع عضوًا أو يُوضح رأسًا فعليه القود".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن القود يجب في القتل بالمحدود والمثقل، كذلك القصاص في الجراح والأطراف يجب في المحدد والمثقل، فلو رمى رأسه بحجر فأوضحه، ومثله يوضح وجب فيه القصاص، وإن كان مثله لا يوضح في الغالب وربما أوضح فهو عمد شبه الخطأ، ففيه دية الموضحة دون القود، كذا لو ضرب يده بخشبة فأبانها، كان مثلها يقطع في الغالب، وجب فيها القصاص، وإن كان مثلها لا يقطع ي الغالب وجب فيها الدية، كما قلنا في تلف النفوس.

فلو ضرب يده فشلت فلا قصاص فيها، وعليه ديتها؛ لأن الشلل لا يمكن في مثله القصاص، فلو شجه بحجر فأوضح رأسه، وسرى إلى نفسه فمات فإن كان مثل الحجر يوضح ويعقل غالبًا وجبه عليه القصاص في الموضحة، والقود في النفس.
وإن كان مثله يوضح غالبًا ولا يقتل في الغالب وجب فيه القصاص في الموضحة لأنها عمد محض، ولم يجب عليه القود في النفس، ووجبت الدية، لأنه عمد يشبه الخطأ، وهذا إذا حدث منه القتل في الحال من غير سراية.
فأما إذا سرت الموضحة إلى نفسه فالقصاص فيها وفي النفس واجب بحدوث القتل عن جرح يوجب القصاص فوجب أن تكون سرايته موجبة للقصاص اعتبارًا بموجبها.
فصل: فأما إذا سقاه سمًا فمات فالسم على ستة أقسام: أحدها: أن يكون قاتلًا في الغالب منفردًا ومع غيره، فهذا يوجب القود، ويكون هذا السم من آلة القتل كالسيف.
والثاني: أن يكون هذا السم قاتلًا بانفراده، ولا يقتل إذا كسر بغيره، فيجب به القود إن أفرده، ولا يجب به القود إن كسره.
والثالث: أن يقتل إذا خلط يغيره، ولا يقتل إذا أفرده، فلا يجب به القود إذا أفرد، ويجب به القود إذا خلط بما يقتل معه.
والرابع: أن يكون مما يقتل العضو الضعيف، ولا يقتل الجلد القوي فلا يجب به القود في الجلد القوي، ويجب به القود في العضو الضعيف.
والخامس: أن يكون مما يقتل في بعض الفصول في السنة، ولا يقتل في بعضها فيجب به القود في الفصل القاتل، ولا يجب في غير الفصل القاتل.
والسادس: أن يكون مما يقتل تارة، ولا يقتل أخرى فلا يجب به القود، وتجب فيه الدية، ويكون كعمد الخطأ، فإن اختلف الساقي للسم وولى المسقي في السم.
فقال الساقي: ليس بقاتل على ما مضى من أقسام ما لا يقتل.
وقال ولي المسقي: هو قاتل على ما مضى من أقسام ما يقتل، فإن كان لواحد منهما بينة على ما ادعاه عمل عليها، وإن عدما البينة فالقول قول الساقي مع يمينه، لأن الأصل براءة ذمته من قود وعقل.
فلو اتفقا على أنه قاتل وقال الساقي: لم أعلم أنه قاتل ففيه قولان: أحدهما: لا قود عليه إذا حلف أنه لم يعلم، لأنه شبهة محتملة، وعليه الدية كالخاطئ.
والثاني: عليه القود، لأنه قد كان يقدر على استعلام حاله فجرى عليه حكم من علم به.
فإذا تقرر ما وصفنا من أقسام السم القاتل وأحكامه في وجوب القود وإسقاطه فالكلام بعده في صفة وصول السم إلى المسموم، وهو على ضربين:

أحدهما: أن يكون من الساقي إكراه على شربه أو أكله فهو قاتل عمد والقود عليه واجب.
والثاني: أن يدفع السم من يده إلى المسموم فيشربه المسموم فعلى ضربين: أحدهما: أن يكون صغيرًا أو أبله لا يميز، ويطيع كل أمر فعلى الساقي القود، كما لو أمر صبيًا أو أبله أن يقتل فقتلها كان عليه القود.
والثاني: أن يكون عاقلًا مميزًا فللساقي حالتان: إحداهما: أن يعلمه بأنه سم فيشربه بعد إعلامه به فلا قود على الساقي ولا دية ويكون شارب السم هو القاتل لنفسه، سواء أعلمه الساقي بعد تسميته بالسم أنه قاتل أو لم يعلمه، لأن اسم السم ينطلق على ما يقتل.
والثانية: أن لا يعلمه عند دفعه إليه أنه سم فهو ضامن لديته، وفي وجوب القود عليه قولان: أحدهما: عليه القود لمباشرة الدفع وإخفاء الحال.
والثاني: لا قود عليه لشرب المسموم له باختياره فهذا قسم.
والقسم الثاني: أن يخلطه الساقي بطعام لنفسه فهذا على ضربين: أحدهما: أن يأكله المسموم بغير إذن فلا قود على الساقي ولا دية، والآكل هو القاتل نفسه.
والثاني: أن يأذن له في أكل الطعام فيكون كما لو دفعه من يده، لأن الإذن في الطعام أمر بأكله فيجب عليه الدية، وفي وجوب القود قولان: والقسم الثالث: أن يضعه في طعام المسموم فيأكله المسموم، وهو لا يعلم بسمه، فيكون الساقي ضامنًا لقيمة الطعام، لأن قد صار بالسم كالمستهلك، وفي ضمانه لنفس المسموم ثلاثة أقاويل: أحدهما: يضمنها بالقود، وهكذا يكون القتل بالسم في الأغلب.
والثاني: يضمنها بالدية دون القود لعدم المباشرة من جهته.
والثالث: أنه لا ضمان عليه من قود ولا دية، ويكون الفرق على هذا القول بين وضع السم في طعام الساقي ووضعه في طعام المسموم أنه أكل طعام الساقي بأمره فصار بالأمر ضامنًا لديته، وأكل طعام نفسه بغير أمره فلم يضمن ديته والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو عمد عينه بإصبعه ففقأها اقتص منه؛ لأن

الأصبع يأتي منها على ما يأتي به السلاح من النفس، وإن لم تنفقئ اعتلت حتى ذهب بصرها أو انتجفت ففيها القصاص".
قال في الحاوي: وهذا كما قال إذا فقأ عين رجل بإصبعه وجب عليه القود، لأن الإصبع يأتي من العين على ما يأتي عليه الحديد من النفس، والعين تتميز عن غيرها من الجسد وتنفصل كالأعضاء، فوجب القود فيها كالأطراف لقول الله تعالى: ﴿وكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ والْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة:45] قرأ الكسائي بالرفع، وقرأ بالنصب إخبار عن شريعة غيرنا، وهي لازمة لنا في أصح الوجهين ما لم يرد نسخ، وإذا كان القود فيها واجبًا، فلها حالتان: إحداهما: أن تنقلع الحدقة بالفقأ فيجوز الاقتصاص منها بالإصبع مقابلة للجناية بمثلها، ويجوز فعلها بالحديد، لأنه أسهل وأسرع، فإن المجني عليه يبصر بالعين الأخرى، جاز أن يتولى الاقتصاص بنفسه، وإن كان أعمى لا يبصر لم يجز أن يتولاه لخوف تعديه، وتولاه وكيله.
والثانية: أن تكون الحدقة باقية في موضعها، وأذهب الإصبع ضوء بصرها أو كانت الجناية على رأسه فأذهبت ضوء بصره، أو لطمه على وجهه فذهب ضوء ناظره، فالقصاص فيه واجب؛ لأن ضوء العين يجري منها مجرى الروح من الجسد، فلما وجب القود بإفاتة الروح مع بقاء الجسد وجب القصاص بإذهاب الضوء مع بقاء العين، فيفعل بالجاني مثل فعله بإصبع كإصبعه أو لطمه مثل لطمته، وليس ذلك لوجوب القصاص واللطم، ولكن ليستوفي باللطم ما يجب فيه القصاص.
فإن ذهبت بالإصبع واللطمة ضوء عين الجاني فقد استوفي منه القصاص وإن لم يذهب بها ضوء عينه عدل إلى إذهاب ضوئها بما تبقى معه الحدقة من علاج ودواء، فإن لم يذهب إلا بذهاب الحدقة فلا قصاص فيها وعليه ديتها؛ لأن ما لم يمكن الاقتصاص منه إلا بالتعدي إلى غيره سقط القصاص فيه لعدم المماثلة.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وإن كان الجاني مغلوبًا على عقله فلا قصاص عليه، إلا السكران فإنه كالصحيح".
قال في الحاوي: كل من لم يجز عليه قلم بجنون أو صغر فلا قصاص عليه إذا جرح أو قتل، وسواء كان الصغير مميزًا أو غير مميز لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى ينتبه".

ولأن القصاص حد فأشبه في سقوطه عن الصبي والمجنون سائر الحدود.
ولأن ما تعلق بحقوق الأبدان لا يجب على غير مكلف كالصلاة والصيام، فإذا سقط القصاص عنهما فعليهما الدية، لأن حقوق الأموال لا تسقط بعدم التكليف كقيم المتلفات، ولأن القصد فيها غير معتبر فلم تسقط بعدم القصد كالخاطئ.
فصل: فإذا ثبت وجوب الدية عليهما، لم تخل جنايتهما من أن تكون على وجه الخطأ أو العمد، فإن كانت منهما على وجه الخطأ فالدية مستحقة على عواقلهما، وإن كانت على وجه العمد ففي عمدهما قولان: أحدهما: أنه كالخطأ لعدم قصدهما فتكون الدية محققة على عواقلهما.
والثاني: أنه كعمد غيرهما، وإن سقط القصاص عنهما لعدم تكليفهما، فتجب الدية عليهما مغلظة في أموالهما حالة.
فلو بلغ الصبي بعد صغره، وأفاق المجنون بعد قتله، لم يستحق عليها القصاص فيما جناه في الصغر والجنون، فو اختلفا بعد البلوغ والإفاقة مع ولي المقتول.
فقال القاتل: قتلت قبل البلوغ فلا قود علي.
وقال الولي: قتلت بعد البلوغ فعليك القود.
فالقول قول القاتل مع يمينه، لأن الصغر صفة متحققة، والأصل: "أن جنب المؤمن حمى".
ولو قال القاتل: كنت عند القتل مجنونًا.
وقال الولي: بل كنت مفيقًا، فلا يخلو حال القاتل من ثلاثة أقسام: أحدهما: أن لا يعلم له جنون متقدم فالقول قول الولي، وعلى القاتل القود؛ لأن الأصل السلامة.
والثاني: أن يعلم جنونه طبقًا مستديمًا فالقول قول القاتل، ولا قود عليه، لأنه قد صار فيه أصلًا فشابه دعوى الصغر.
والثالث: أن يعلم منه أنه كان يجن في زمان، ويفيق في زمان ففيه وجهان: أحدهما: أن القول فيه قول القاتل مع يمينه لاحتماله.
والثاني: أن القول قول الولي مع يمينه؛ لأن السلامة أغلب.
فصل: فأما السكران من شرب المسكر من خمر أو نبيذ، فالقود عليه إذا قتل واجب لجريان القلم عليه إلا على القول الذي خرجه المزني عن الشافعي في القديم أن ظهار السكران لا يصح، وطلاقه لا يقع، فلا يجب عليه على هذا القول إن صح تخريجه قود

جارٍ التحميل