فرع آخر
إذا قلنا بالوجه الأول أنه يجوز له الاستخلاف [12/ 77 أ] في الكل لأن العرف فيه كالإذن ينظر، فإن استخلف فيما يدور على مباشرته جاز له أن يعزل خليفته مع بقائه على سلامته وإن استخلف فيما لا يقدر على مباشرته ففي جواز عزله مع بقائه على سلامته وجهان أحدهما: يجوز لنيابته عنه كالوكيل، والثاني: لا يجوز لأنه نائب عنه في حقوق المسلمين ذكره في "الحاوي "وقال أيضاً في الخلافة ثلاثة أوجه: أحدهما: ليس له أن يستخلف قل عمله أو كثر وهو اختيار ابن خيران وذكره القفال، والثاني: وهو قول الإصطخري له ذلك بكل حال، والثالث: وهو قول الجمهور يعتبر بعمله فإن قل وقدر على مباشرته بنفسه يجوز ثم في أي قدر يجوز وجهان على ما ذكرنا.
فرع آخر
إذا جوزنا الاستخلاف فحكم الخليفة نافذ، وعلى الحاكم المولى إمضاء ذلك، وإن خرج المولى من موضع ولايته فحكم خليفته نافذ، وإن كان حكم الأصل لا ينفذ بمفارقته تلك الولاية.
فرع آخر
إذا لم يجز الاستخلاف فاستخلف وحكم الخليفة قال الشافعي رضي الله عنه في "الأم ": فمن رأى أنه لا يجوز إلا بأمر، وإن لم ينبغ للقاضي أن ينفذ حكم ذلك القاضي الذي استقضاه ولم يجعل إليه، وإن أنفذه كان تنفيذه باطلاً إلا أن يكون إنفاذه إياه على استئناف حكم بين الخصمين إلى مسالة القولين في رجل تحاكم إليه وتراضيا بحكمه [12/ 77 ب] فحكم بينهما هل يلزم حكمه بنفس الحكم أو لا يلزم غلا بعد أن يتراضيا به؟ فقولان فكذلك هذا المولى في حكم من لم يول فيجئ القولان فيه ولما رأى الإصطخري تعليق الإمام الشافعي رضي الله عنه في "الأم "على ما ذكرنا اجتهد فيه وذكر ما حكيناه عنه.
مسألة: قال: ولو عزل فقال كنت قضيت لفلان على فلان لم يقبل.
الفصل
قد ذكرنا أن القاضي إذا قال في حال الولاية: حكمت لفلان بكذا يقبل لأنه يملك الإنشاء فيملك الإقرار به سواء قال: قضيت عليه بشهادة عدلين رجلين أو قال: سمعت بينته وثبت عندي عدالتهم أو خلفت المدعى عليه أو أقر عندي لفلان بكذا فحكمت به وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف واحمد، وروى ابن سماعة عن محمد أنه قال: لا يقبل حتى يشهد معه رجل عدل وبه قال مالك، واحتج بأنه لما يكن له أن يحكم على
المنكر إلا بالشهادة لم يقبل قوله على المنكر إلا بالشهادة.
وأيضاً روي أن رجلاً سب أبا بكر الصديق رضي الله عنه فقال أبو بردة: دعني أقوم إليه وأقتله، فقال له أبو بكر: لو أمرتك بهذا أكنت فاعله؟ قال: نعم، قال: فما كان هذا لأحد بعد رسول الله صل الله عليه وسلم ". ودليلنا ما ذكرنا ويفارق هذا الشهادة لأن للحاكم ولاية وليس للشاهد ولاية، وأما الخبر أراد به أنه لا يقتل عن سب [12/ 78 أ] أحد إلا من سب رسول الله صل الله عليه وسلم ولم يرد به أن قبول القول يكون للنبي صل الله عليه وسلم خاصة دون غيره.
وإن أخبر به بعد العزل لا يقبل حتى يأتي المقضي له بشاهدين على أنه حكم له قبل أن يعزل لأنه بعد العزل بمنزلة واحد من الرعية ولا يقبل شهادته مع غيره أيضاً لأنه يشهد على فعل نفسه، وقال أحمد: يقبل قوله لأن عزله لا يمنع قبول قوله كما لو كتب كتاباً إلى غيره ثم عزل وهذا لا يصح لما ذكرنا، وأما الكتاب فإنما يقبل عندنا بشهادة شاهدين ويقبل حكمه أيضاً بمثل ذلك.
فرع
لو قال بعد العزل لحاكم آخر: أشهد أن فلاناً أقر في مجلس حكمي بكذا تقبل شهادته على الإقرار لا على الحكم، ولو قال: أشهد أن حاكماً عدلاً حكم عليه بكذا ففيه وجهان: أحدهما: يقبل لأنه لم يضف الحكم إلى نفسه والظاهر أنه أراد غيره، والثاني لا يقبل لأنه يحتمل أن يريد حكم نفسه ويحتمل أن يريد حكم غيره فلا يقبل مع الشك حتى يتيقن.
فرع آخر
لو حكم بعد العزل وهو لا يعلم أنه معزول قال في "الإفصاح "فيه قولان: كما نقول في تصرف الوكيل بعد العزل وقبل العلم فيه قولان، وقال ابن أبي هريرة في المسألتين وجهان بناءً على اختلاف القولين في الفسخ هل يلزم حكمه قبل العلم؟ وقال القفال: قال بعض أصحابنا: هنا قولاً واحداً ينفذ حكمه بخلاف الوكيل، لأن فيه ضرراً بالناس لنقض الأحكام الماضية [12/ 78 ب] وربما يشكل التاريخ وهذا اختيار الإمام أبي زيد المروزي، ولهذا لا يوجب موت الإمام عزله وهذا لأنه ناظر في حق غير المولي والوكيل ناظر في حق الموكل، وقال صاحب "الإفصاح ": ينعزل في الحال قولاً واحداً إذا قال في الكتاب: أما بعد فأنت معزول فإن قال: إذا أتاك كتابي فأنت معزول فلا شك أنه لا ينعزل ما لم يبلغه الكتاب وكذلك إذا قال: إذا قرأت كتابي فما لم يقرأ لا ينعزل، وإذا قرأ بنفسه أو قرئ عليه أو أخبر به انعزل لأن القصد في مثل هذا العلم بخلاف الطلاق فإنه تعلق بالإخطار فيجوز أن يعلق بصفته وهي القراءة بنفسها.
فرع آخر
إذا أراد الإمام عزل القاضي فأدى إليه اجتهاده إما لظهور ضعفه أو لوجود من هو أكفأ منه جاز، وإن لم يؤد اجتهاده إلى عزله لاستقلاله بالنظر في علمه على الاستقامة لم يكن له أن يعزله ولكن إن عزله انعزل، وإن كان الاجتهاد بخلافه لأن عزله حكم فلا
يراد إذا لم يخالف نعتاً أو إجماعاً، وإذا عزله ينعزل بعزله جميع خلفائه ولا ينعزل من ولاه على الأيتام والأوقاف لنظرهم في حق غيره.
فرع آخر
العزل يكون بالقول: فإن قلد غيره واقترن بتقليده شواهد العزل كان تقليد غيره عزلاً له وإن لم يقترن به شواهد العزل [12/ 79 أ] كان الثاني مشاركاً للأول في نظره.
فرع آخر
لو أراد أن يعزل نفسه فإن كان لعذر جاز له الاعتزال، وإن كان لغير عذر منع، وإن لم يخير عليه ولا يجوز أن يعتزل إلا بعد إعلام الإمام واستعفائه لأنه موكول بعمل يحرم عليه إضاعته وعلى الإمام أن يعفيه إذا وجد غيره حتى لا يخلو العمل من ناظر، فإن أعفاه قبل ارتياد غيره جاز إن كان لا يتعذر ولم يجز إن تعذر.
فرع آخر
قال في "الحاوي ": لا يكون قوله: عزلت نفسي عزلاً لأن العزل يكون من المولي وهو لا يجوز أن يولي نفسه فلم يجز أن يعزل نفسه وإنما له أن يستعفي فيعفى.
فرع آخر
قد ذكرنا أن موت الإمام لا يبطل ولاية القضاة لأنه استنابة في حق المسلمين لا في حق نفسه، وروي "أن رسول الله صل الله عليه وسلم قلد عتاب بن اسيد قضاء مكة فلما توفي اختبا عتاب وامتنع من القضاء فأظهره سهيل بن عمرو، وقال: إن يكن رسول الله صل الله عليه وسلم مات فإن المسلمون باقون فعاد عتاب إلى نظره ولم ينكره أحد من الصحابة "فصار إجماعاً.
فرع آخر
قد ذكرنا أن القاضي إذا مات يبطل بموته ولايات خلفائه لأنه خاص النظر خاص العمل [12/ 79 ب] لأنه يفارق الإمام لأن القاضي إذا مات يقدر الإمام على استدراك الأمر في الحال بتقليد غيره، ولو كان قاضي القضاة العام الولاية في جميع الأمصار فهو عام العمل خاص النظر فعموم عمله أنه والٍ على البلاد كلها وخصوص نظره أنه مقصور على القضاء دون غيره فشابه الإمام من وجه فهل تنعزل القضاة بموته؟ فيه وجهان: أحدهما: لا تنعزل لعموم عمله، والثاني تنعزل لخصوص نظره.
فرع آخر
لو حدث فيه عجز فهو على ثلاثة اضرب:
أحدها: ما يمنع التقليد كالعمى والخرس فقد انعزل لحدوثه فيه، والثاني: ما لا يمنع من التقليد كالزمانة فلا ينعزل بها، والثالث: المرض فإن أعجزه عن النهضة ولم يعجزه
عن الحكم لم ينعزل به، وإن أعجزه عن النهضة والحكم فإن كان مرجو الزوال لم ينعزل به، وإن لم يكن مرجو الزوال انعزل به.
فرع آخر
لو حدث الفسق في الإمام الأعظم كان كموته لأنه ينعزل بالفسق في الظاهر، وإن حدث في القاضي فإن استدامه مصراً عليه انعزل به، وإن عجل الإقلاع عنه فإن كان عن غير ندم وتوبة انعزل وإن كان عن ندم وتوبة فإن كان فسقه ظهر قبل التوبة انعزل به، وإن لم يظهر حتى تاب منه [12/ 80 أ] لم ينعزل به لانتفاء العصمة عنه، وإن هفوات ذوي الهيئات مقالة وقل من يسلم منها إلا من عصم الله ذكره في "الحاوي "وسائر أصحابنا أطلقوا أنه ينعزل بالفسق.
فرع آخر
إذا انعزل بالفسق فحكم في حال عزله فإن كان إلزاماً بإقرار صح، وإن كان حكماً بشهادة بطل.
فرع آخر
إذا انعزل به يلزمه أن يمتنع عن الحكم وينهي حاله إلى من ولاه ليقلد غيره ولا يغتر به الناس.
فرع آخر
إذا لزمه أنها حالة فهو مخير بين أمرين: أحدهما: أن يظهر الاستعفاء ويكتم حاله ليكون حافظاً لستره وهو أولاهما، والثاني: أن يخبر ما به وسبب انعزاله وإن كره له هتك ستره للخبر عن رسول الله صل الله عليه وسلم "من أتى منكم من هذه القاذورات شيئاً فليستتر بستر الله "ويخرج بكل واحد منهما عن مأثم الإمساك عن الحكم.
فرع آخر
إذا تمم الحكم قبل موته وعزله فهو على نفاذه، وإن شرع فيه ثم عزل فإن كان مما لا يجوز أن يعاد ولا يجوز أن يراد مثل حد القذف إذا عزل بعد استيفاء بعضه، أو اللعان إذا عزل بعد لعانه قبل لعانها أو بعد بعض لعانه كالمتحالفين إذا حلف أحدهما: وكالأيمان والقسامة إذا حلف بعضها ثم عزل يجوز للقاضي الثاني أن يبني على فعل الأول ولا يلزمه استئنافه، وهذا البناء معتبر بتصادق الخصمين أو بقيام البينة [12/ 80 ب] إن تعاونا.
فرع آخر
لو حكم بفسخ النكاح بإعسار الزوج ولم يفسخ النكاح حتى عزل فليس للثاني فسخه
بحكم الأول بإعساره حتى يستأنف الحكم وكذلك لو حكم ببيع مال المفلس ثم عزل قبل بيعه لم يكن للثاني بيعه حتى يستأنف الحكم، وكذلك لو أذن لولي يقيم في بيع ماله في مصالحه فلم يبعه حتى عزل منع حتى ياذن الثاني، وكذلك لو حكم بشفعة الجوار ولم يسلط الشفيع على الأخذ حتى عزل فليس للثاني تسليطه بحكم الأول حتى يستأنف الحكم بالشفعة والتسليط.
فرع آخر
لو عزل القاضي بعد سماع البينة فإن سمعها ولم يحكم بقبولها حتى عزل يستأنف الثاني الشهادة، فإن قيل أفليس يجوز للقاضي أن يكتب بسماع البينة في الغائب فكذلك هنا؟ فلنا: الفرق أن الغائب لا يقدر على سماع بينة وهنا القاضي الثاني كالأول قادر على سماع البينة فيلزمه سماعها، وإن حكم بقبولها وألزم الحق الذي تضمنها فعلى القاضي الثاني إذا شهد الأول على نفسه بالإلزام أن يبني على حكم الأول في تنفيذ الإلزام، وإن عزل بعد الحكم بقبولها وقبل الحكم بإلزام ما تضمنها فلا يخلو حال من شهد عنده من أن يكونوا أحياء أو موتى، فإن كانوا أحياء لم يجز للثاني البناء حتى يستأنف سماع الشهادة والحكم لأن القدرة على شهود الأصل تمنع الحكم [12/ 71 أ] بشهود الفرع، وإن كانوا موتى أو مفقودين جاز للثاني أن يبني على حكم الأول فيحكم بإلزام حكم الأول بالقبول لأن تعذر القدرة على شهود الأصل يبيح الحكم بشهود الفرع.
فرع آخر
قال في "الحاوي ": الكلام في القاضي في أربعة فصول في ولايته وفي عزله وفي حكمه وفي قوله فأما الفصل الأول وهو الولاية فهي معتبرة بما تضمنه عهده من حدود العمل في صفة النظر من عموم أو خصوص وعلى الإمام فيه حق، وعلى القاضي فيه حق فأما ما على الإمام من حق فثلاثة أشياء: أحدها: تقوية يده حتى لا يعجز عن استيفاء حق ودفع ظلم.
والثاني: مراعاة عمل حتى لا يتخطاه إلى غيره ولا يخل ببعضه.
والثالث: مراعاة أحكامه وأن تجري على السداد من غير تجاوز ولا تقصير ولذلك اخترنا للإمام أن يثبت نسخة العهد في ديوانه لتعتبر أفعاله بما تضمنها وما يلزمه من مراعاته في مبادئ نظره أكثر مما يلزمه فيما بعد، وإن لم يجز أن يخل بمراعاته في حال من الأحوال، فإن شق ذلك عليه ندب له من يراعيه وينهي غليه ما يجري فيه، ولذلك قلد الإمام قاضي القضاة ليكون نائباً عنه في مراعاة القضاء، وأما ما على القاضي من الحق فثلاثة أشياء: أحدها: أن يعمل بما تضمنه عهده من عمل ونظر من
غير مجاوزة وتقصير ولذلك أمر بقراءة عهده على أهل عمله ليعلموا منه ما غليه وما ليس إليه والأولى أن يكون معه قراءة [12/ 81 ب] عهده شاهدان قد شهدا على ما تضمنه ليشهدا به عند أهل عمله حتى يلتزموا طاعته فإن لم يكن الشهود فما قرن بقراءة العهد من شواهد الحال ما يدل على صحته من القرب من بلد الإمام وانتشار الحال واشتهارها لزمتهم الطاعة، وإن لم يقترن به شاهد الحال لم تلزم الطاعة.
والثاني: أن يستمد معونة افمام فيما عجز عنه من استيفاء حق أو دفع ظلم حتى لا يفوت حق قد ندب لاستيفائه ولا يتم ظلم قد ندب لرفعه.
والثالث: أن لا يخل بالنظر مع المكنة اعتباراً بالعرف والعادة.
ولو كان القاضي مرتزقاً لا يستحق رزقه قبل وصوله إلى عمله فإذا وصل إليه ونظر استحق الرزق، وإن وصل ولم ينظر فإن كان متصدياً للنظر استحقه، وإن لم ينظر كالأجير إذا سلم نفسه إلى مستأجره فلم يستعمله استحق الأجرة فإن لم يتصد للنظر فلا رزق له كالأجير إذا لم يسلم نفسه.
وأما الفصل الثاني في العزل وهو على ثلاثة أضرب: أحدها: أن يعزله الإمام المولي، والثاني: أن يعزل نفسه، والثالث: أن تحدث أسباب العزل والأسباب ثلاثة: موت، وعجز، وجرح وقد ذكرنا حكم الكل.
وأما الفصل الثالث في حكمه وهو على ضربين: ما تممه قبل موته، وما شرع فيه ثم عزل وقد ذكرناه.
وأما الفصل الرابع في قوله وهو ما يخبر به عن نفسه وقد ذكرنا حكم قوله قبل العزل وبعد العزل.
[12/ 82 أ].
مسألة: قال: وكل ما حكم به لنفسه وولده ووالده ومن لا تجوز له شهادته رد حكمه.
جملة هذا أن كل من ردت شهادته له للتهمة يرد حكمه له لأن التهمة فيها واحدة وهم الآباء، والأجداد، والأولاد، وأولاد الأولاد، ويردهما إلى خليفته وقال أبو ثور: يجوز الحكم لكل هؤلاء وهذا غلط لأن التهمة في الحكم أكثر من التهمة في الشهادة، فإذا لم تجز شهادته لهم فالحكم أولى، وقال ابن أبي أحمد: قال الشافعي رضي الله عنه في القديم: تقبل شهادته لوالده وولده وهل يجوز حكمه له؟ وهذا قول شاذ لم يحكه غيره، وقيل إنه وجه لأصحابنا ولا يصح، وأما الحكم عليهم فيجوز كالشهادة عليهم لأنه لا تهمه.
ويجوز الحكم لمن عدا الوالدين والمولودين من الأقارب كما تقبل الشهادة لهم، وكذلك يجوز للولي المعتق والمعتق.
فرع
حكم القاضي على نفسه مقبول، وهل يكون إقراراً أو حكماً فيه وجهان: أحدهما: يكون إقراراً فعلى هذا يصح في كل ما يصح في الإقرار به، ويرد فيما لا يلزم الإقرار كشفعة الجار إذا قال: حكمت فيها على نفسي للجار لم ينفذ حكمه بها على نفسه، والثاني: يكون حكماً على نفسه ويلزم الشفعة للجار، وكذلك بمقاسمة الإخوة للجد وهو جد ذكره في "الحاوي ".
فرع آخر
للأب أن يفتي للابن في العبادات وهل يلزمه الإفتاء فيما عداها وجهان.
فرع آخر
لو تحاكم إليه والداء [12/ 82 ب] أو ولداه فحكم لأحدهما على الآخر ففي جوازه وجهان محتملان: أحدهما: لا يجوز، والثاني: يجوز لأنهما استويا في البعضية فانتفت عنهما تهمة الممايلة فصار حاكماً على ولده أو على والده.
فرع آخر
لو أراد القاضي أن يستخلف في أعماله والداً أو ولداً جاز، وكذلك جاز أن يستخلف في أعماله من يرى من أولاده.
فرع آخر
لو رد الإمام إلى القاضي اختيار قاض لم يكن له أن يختار والده ولا ولده لأن رد الاختيار إليه يمنعه من اختيار نفسه فمنعه ذلك من يجري بالبعضية مجرى نفسه ويخالف تقليد القضاء لأنه يجوز أن يقضي بنفسه فجاز أن يستقضي من يجري بالبعضية مجرى نفسه.
فرع آخر
لو أراد الإمام محاكمته جاز أن يحاكمه إلى قضائه، وكذلك لو حاكم إلى واحد من رعيته ثم ينظر؛ فإن قلده خصوص هذا النظر صار قاضياً خاصاً قبل الترافع إليه فلم يعتبر فيه رضي الخصم، وإن لم يقلده النظر قبل الترافع اعتبر فيه رضي الخصم.
فرع آخر
القاضي إذا أراد محاكمة خصم له فإن كان في بلد الإمام يحاكمه إلى الإمام أو إلى من يرد إليه الإمام، ولو أراد أن يحاكمه إلى خليفته جاز لأن عمر تحاكم مع أبي بن كعب إلى زيد بن ثابت رضي الله عنهم هكذا ذكره عامة أصحابنا، وقال في "الحاوي ": إذا أراد أن يحاكمه إلى خليفته ففيه وجهان: أحدهما: يجوز [12/ 83 أ]
كما يجوز للإمام أن يحاكم إلى خليفته، والثاني: لا يجوز لأن كل القضاة خلفاء الإمام، وليس كل القضاة خلفاء هذا القاضي فجاز للإمام ما لم يجز للقاضي.
فرع آخر
قال ابن أبي أحمد: لا يجوز قضاؤه لمكاتبه، ولا لأم ولده، ولا لشريكه فيما له فيه شركة.
فرع آخر
لو وجب على القاضي أن يعدي خصماً يدفع إليه ختمه إلى خصمه ويكون منقوشاً فيه أجب القاضي فلان ابن فلان باسمه ونسبه فإن رد الطابع أو كسره أو قال: لا أجب أو سكت، أو قال: أجئ ثم دافع وتمادى ولم يحضر فرجع الطالب وذكر أنه امتنع من الحضور وصح ذلك بعث العون لإحضاره والعود الرجل الذي يكون في باب داره يأخذ رزقه من بيت المال، وقال في "الحاوي ": القاضي بالخيار بين أن ينفذ عوناً من أمنائه ليحضره، وبين أن يختم طبن بخاتمه المعروف ويكون علامة استدعائه وبين أن يجمع له بين العون والختم بحسب ما يؤدي إليه الاجتهاد من قوة الخصم وضعفه.
فرع آخر
إذا أخبر بامتناع الخصم من الحضور فإن أخبره العون الأمين قبل من غير بينة، وإن أخبره المستعدي لم يقبل إلا بشاهدي عدل وقال أبو حنيفة: يقبله بقول شاهدين، وإن لم يعرف عدالتهما وقال ابن أبي أحمد: يكفي أن يعدل تلك البينة [12/ 83 ب] من سكن قلبه إلى تعديله.
فرع آخر
إذا لم تكن بينة استحلفه على أنه ما أراه الطابع، وإن لم يرد الطالب اليمين إذا رأى القاضي ذلك لأنه من حقه فإن حلف برئ، وإن برئ اتهمه بعد اليمين أو عدل وهدده، وإن نكل عن اليمين فمذهب الشافعي رضي الله عنه أن ترد اليمين على الطالب فيحلف إن أراد الطالب أنه أراه الختم ولم يجب تخريجاً من النص على قطع السارق لما فيه من حقوق الله تعالى وحقوق بني آدم.
فرع آخر
إذا ثبت أنه رد الطابع أدبه الحاكم على ما يراه من زجر أو من ضرب أو من حبس؛ قال ابن أبي أحمد: ولا يبلغ بتعزير العبد أربعين وبتعزير الحر عشرين.
فرع آخر
إن لم يحضر بالعون بعث شاهدين حتى يشهدا على امتناعه من الحضور بعث إلى
وإلى الأحداث وهو صاحب الشرط ويأمره بإحضاره أو يحضره هو جبرًا بأهل القوةً من أعوانه فإن تغيب ولم يحضر بعث القاضي ثقةً ينادي على بابه ثلاثًا وأعذر إليه في النداء أنه إن لم يحضر المجلس سمر بابه، أو ختم عليه وحسن أن يجمع المنادي أماثل جيرانه ويشهدهم على إعذاره، فإن لم يظهر ولم يحضر سأل المطالب أن يسمر عليه أو يختم وتقرر عند القاضي أن المنزل له وأنه يأوي إليه بشاهدي عدل سمر بابه أو ختم بأي ذلك [12/ (84) أ] رأى فعله فإن لم يحضر بعد التسمير والختم فمذهب الشافعي - رضي الله عنه - أنه يوكل عنه وكيلًا، فإن ثبت عليه حق وقدر على ماله وتوفير حقه فعل وباع عليه عقاره وعروضه وإن لم يكن له مال قال ابن سريج: يجوز الهجوم عليه إن ثبت عند القاضي أنه متوارٍ في بيته فيبعث القاضي الأعوان والخصيان والغلمان الذين لم يبلغوا، فإن كان عنده قوة في ذلك وإلا استعان بالوالي ويبعث معهم ثقاتًا من النساء فيقدم معهن غلمان لم يبلغوا وخلفهم الخصيان ثم الأعوان من وراء ذلك، فإذا توسط النساء صحن الدار مع الغلمان أنذروا النساء الحرم بدخول الدار ليتجاوزوا إلى بيت ثم يدخل الخصيان فيفتشون الدار ويؤمر ثقةً من النساء بتفتيش النساء ذكره ابن أبي أحمد وقال في ((الحاوي)): إذا ظهر امتناعه من الحضور فالقاضي يتخير بحسب اجتهاده بين أن يحضره جبرًا بأهل القوةً من أعوانه وبين أن ينهي إلى ذي سلطان خبره بعد أن لا يهتك عليه ولا على حرمه سترًا، وبين أن يفعل ما اختاره أبو يوسف أن ينادى على بابه بما يتوجه عليه في الامتناع وبما يمضيه عليه من الحكم.
فرع آخر
إذا تعذر إحضاره قال القاضي للمدعي: ألك بينة؟ فإن ذكر بينةً أذن له في إحضارها وأمره بتحرير الدعوى عليه ويسمع البينةً ويحكم عليه بعد النداء على بابه بإنفاذ الحكم [12/ (84) ب] عليه ويجري مجرى الغائب في الحكم عليه.
فرع آخر
لا يلزم القاضي في حق هذا المتواري أن يحلف المدعي أنه ما قبض كما ذكرنا في الغائب لأن هذا قادر بحضوره على المطالبةً به لو أراد بخلاف الغائب.
فرع آخر
لو قال: ليس لي بينةً هل يكون هذا الامتناع من الحضور كالنكول في رد اليمين على المدعي أم لا؟ على وجهين: أحدهما: أنه لا يجعل نكولًا، لأن النكول بعد سماع الدعوى، وسؤاله عن الجواب، فيصيران شرطين في النكول، وهما مفقودان مع عدم الحضور.
والثاني: وهو الأشبه أن يجعل كالنكول بعد النداء على بابه بمبلغ الدعوى وإعلامه بأنه يحكم عليه بالنكول لوجود شرطي النكول في هذا النداء، فعلى هذا يسمع القاضي الدعوى مجردةً، ثم يعيد النداء على بابه ثانيةً
أنه يحكم عليه بالنكول.
فإذا امتنع من الحضور بعد النداء الثاني, حكم بنكوله, ورد اليمين على المدعي, وحكم له بالدعوى إذا حلف.
فرع آخر
لو كان الخصم المدعى عليه امرأةً, فإن كانت برزةً, والبرزةً التي تتظاهر بالخروج في مآربها غير مستخفيةً فهي كالرجل سواء.
وإن كانت مخدرة لا تخرج لحوائجها وأمورها إلا في النادر فالحاكم لا يحضرها بل يبعث إليها مع خصمه من يحكم بينهما في بيتها وتسمى هذه المخدرةً خفرةً وهي التي لا تتظاهر بالخروج في إرب، وإن خرجت استخفت ولم تعرف ولهذا أصل في الشرع وذلك أن الغامدية [(12) / (85) أ] اعترفت بالزنا ورجمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على رؤوس الملأ ظاهرًا لأنها كانت برزةً، وقال في قصة العسيف: "واغد يا أنيس على امرأةً هذا فإن اعترفت فارجمها فغدا عليها فاعترفت فرجمها " في موضع مستور لأنها لم تكن برزةً.
فرع آخر
لو اختلفت وخصمها في البروز والخفر فإن كانت من قوم الأغلب من حال نسائهم الخفر فالقول قولها مع يمينها، وإن كانت من قوم الأغلب من حال نسائهم البروز فالقول قول الخصم مع يمينه.
فرع آخر
قال ابن أبي أحمد: لو أن رجلًا استعدى على أحد حدًا من حدود الله تعالى لم يعده ولم يهجم عليه في أخذه إلا في مسألة واحدةً وهى حد قاطع الطريق قلته تخريجًا.
فرع آخر
إذا حكم على الغائب قال الحسين بن علي الكرابيسي: من أصحابنا وغيره يطالب القاضي المحكوم له بكفيل لجواز أن يتجدد ما يوجب بطلان الحكم، وقال جمهور أصحابنا: لا يجب ذلك لأنها كفالةً بغير مستحق، ولأنه لو قضى على ميت أو صبى لا يلزم أخذ الكفيل والغائب مثله.
فرع آخر
لو كان غائبًا في أعمال هذا القاضي فإن كان له فيه نائب لم يلزمه إحضاره وهو بالخيار بين إنفاذ الخصم إلى خليفته لمحاكمة خصمه، أو سماع البينة عليه ومكاتبه خليفته به [12/ 85 ب] وإن لم يكن له فيه خليفة، قال أبو يوسف: إن كان على مسافةً يرجع منها إلى وطنه قبل منام الناس أحضره، وإن زاد عنها لا يحضره وقال بعض العلماء: يحضره إذا كان بينهما مسافةً يوم وليلةً، ومنهم من قال: يعتبر مسافة ثلاثةً أيام وعند الشافعي إن كانت مسافةً لا يقصر فيها الصلاةً يحضره، وإن كان على مسافةً يقصر فيها الصلاة اختلف أصحابنا فيه قال أكثرهم وهو الظاهر من مذهبه يحضره للتحاكم لئلا يتمانع الناس في الحقوق بالتباعد، والثاني: لا يجب إحضاره وهو غلط لما ذكرنا من العلة.
فرع آخر
إذا ألزم إحضار الغائب على ما بيناه لم يجز للقاضي أن يحضره إلا بعد تحرير الدعوى وصحة سماعها لأنه قد يجوز أن يدعي ما لا تصح فيه الدعوى، وحكي أن رجلين تقدما إلى قاض فقال أحدهما: إن أخا هذا قتل أخي، فقال القاضي للمدعى عليه ما تقول فقال: إن غير هذا قتله غيري فماذا علىّ، وهذا جواب صحيح عن فساد هذه الدعوى وكان من صحتها أن يقول: إن أخاه قتل أخي وأنا وأرث وهذا من عاقلته لتتوجه له المطالبة بهذه الدعوى فلذلك لم يجز أن يحضر الغائب إلا بعد تحرير الدعوى بما يصح سماعها، ولو كانت الدعوى على حاضر في البلد جاز للقاضي إحضاره قبل تحرير الدعوى [12/ 86 أ] والفرق أن في إحضار الغائب مشقةً فلم تلزم إلا بعد تحرير الدعوى بخلاف الحاضر، وحكي القاضي الطبري عن ابن أبي أحمد أنه قال: إذا كان خارج المصر في موضح يتهيأ حضور المجلس والرجوع بعد المجلس إلى أهله في يومه أحضره، وإن كانت المسافة أبعد من ذلك لا يحضره إلا بعد إقامة المدعي البينةً في حقه لأنه تلحقه المشقةً في الحضور فلا يستحضر حتى يتحقق دعواه بالبينة وهذا غريب ولكنه محتمل؛ لأنه وإن يحقق الدعوى ربما لا يقدر على تمشيتها بالحجةً ولا يعجز كل أحد عن الدعوى الصحيحةً، ولو كان في موضعه رجل مستور كتب إليه حتى يتوسط بينهما حتى لا يحتاج إلى إحضاره، والأولى إن كان ذلك الرجل يصلح للقضاء يفوض إليه القضاء بينهما حتى لا يحتاج إلى إحضاره.
فرع آخر
إذا حضر الخصمان في مجلسه وأراد القاضي فصل الحكم بينهما ابتدأ المدعي بتحرير الدعوى لتنتفي الجهالةً إلا فيما يصح تمليكه كالوصايا فيجوز أن يدعيها مجهولةً فإن قيل: لو أقر لمجهول جاز فهلا جاز أن يدعي مجهولًا قلنا: الفرق أنه تعلق بالإقرار حق لغيره فلزم بالمجهول ولم يتعلق بالدعوى حق لغيره فلم يجز مجهولًا.
فرع آخر
لو كانت الدعوى بشيء في الذمة لا تحتاج إلى ذكر الموضع وإن كانت الدعوى في دار في يد المدعى عليه بين موضعها من السكةً والمحلة والناحيةً والبلد على قدر ما يتعارف أهلها من مواضع الدور [12/ 86 ب] والمحال وحدودها الأربعةً، ثم قال ادعى علي فلان ابن فلان هذا أن جميع هذه الدور بحدودها كلها أرضًا وسفلًا وعلوًا وجمع حقوقها لي وإنها في يده ظلمًا وإني أطالبه بردها علي وإنه ممتنع من ردها، وإن كانت الدعوى على ظالم يمنعه منها قال بعد التحديد: ادعى أن هذه الدار لي وأنه يمنعني منها ولا يحتاج في هذا إلى أن يقول: إنها في يده ولا إني أطالبه بها ولا أنه يمتنع من ردها علىّ، وكذلك الأرضون والعقار يحدها ويبين القريةً ويذكر الرستاق والكورةً والطسوج والناحيةً من البلد على قدر تعارف أهلها، وقال أبو حنيفة رحمه الله: يجوز
أن يذكر ثلاثة حدود من الأربعةً، وإن اشتهرت الدار باسم لا يشاركها فيه غيرها ميزها بذكر الاسم لأنه زيادة علم ولفظ الدعوى ينبغي أن يقول: لي في يده ولا يقول: لي عليه ولا عنده، ثم يصل هذه الدعوى بأن يقول: وقد غلبني عليها بغير حق أو قد باعها مني ولم يسلمها ولا يلزم صفة البيع إلا بعد أن يختلفا فيه فتنتقل الدعوى إلى البيع فتوصف، فإن كانت الدار في يد المدعي لم تصح الدعوى إلا بعد أن يتعلق له بها حق على المدعى عليه من أجرة سكناها أو قيمةً مستهلك منها، فإن قال: قد نازعني فيها لم يصح لأن المنازعةً دعوى تكون من غيره، وإن قال: وقد عارضني فيها بغير حق قال بعض أصحابنا: تصح هذه الدعوى وسأل الخصم عنها [12/ 87 أ] لأن في المعارضةً رفع يد مستحقةً، ومن أصحابنا من قال: لا تصح هذه الدعوى حتى يصفا المعارضةً بما يصح معها الدعوى.
فرع آخر
لو كانت الدعوى فيما ينقل في الذمة فقد يستحق ذلك من خمسة أوجه: ثمن وأجرة وقرض وقيمة متلف وعقد سلم.
ويجب أن يصف بما يدعيه في الذمة بما ينفي عنه الجهالةً، فإن كان من سلم استوفى أوصاف السلم كلها، وإن كان من ثمن أو أجرةً أو من متلف صار معلومًا بأربعة أشياء: ذكر قدره، وذكر جنسه، وذكر نوعه، وذكر صفته، وإن نسبت إلى طابع ذكر الطابع.
فرع آخر
لفظ الدعوى منه أن يقول: لي عليه، فإن قال: لي عنده جاز، وقال أبو حنيفة: لا يجوز، قلنا: عندنا قد يستعمل في موضع على اتساعًا فلا يمنع صحة الدعوى.
فرع آخر
هو في هذه الدعوى مخير بين أن يذكر سبب الاستحقاق من أحد الوجوه الخمسة التي ذكرناها، أو لا يذكر بعد أن وصف بما ينفى عنه الجهالة وبين المكيل المعروف والوزن في الموزون والذرع في المذروع ونحو ذلك.
فرع آخر
لو كانت الدعوى على عين حاضره تصح الدعوى بالإشارة إليها من غير ذكر الصفة ولفظ الدعوى أن يقول: لي في يده هذا العبد، أو هذه الدابةً، فإن قال لي عنده جاز، ولو قال: لي عليه هذا العبد جاز عند بعض [12/ 87 ب] أصحابنا ولا يجوز عند بعضهم.
فرع آخر
لا يجوز أن يطلق بيان الدراهم في الدعوى، وإن جاز إطلاقها في الأثمان لجواز أن يكون الثمن مشروطًا من غير الغالب ففي الدعوى لا بد من البيان.
فرع آخر
لو كانت العين غائبةً فإن كانت محبط بالصفة كالحبوب والأدهان فما له مثل يصفها ولا يحتاج إلى ذم قيمتها، وإن لم يكن له مثل لؤمه أن يستوفي جميع صفاته ويستظهر بذكر قيمته لجواز أن يستحقها مع التلف، ولو ذكر القيمةً في ذوات الأمثال فلا بأس وكان تأكيدًا فإن أغفل عن ذكر القيمة جاز مع بقاء العين لأنها غير مستحقةً، وإن كان مما لا يضبط بالصفة كالجوهر يذكر الجنس والنوع واللون ثم حرر الدعوى ونفى الجهالة بذكر القيمة لأنه لا يصير معلومًا إلا بها، وإذا ادعى أنه أتلف عليه سلعةً قيمتها كذا أو لم يصفها جاز، فإن ذكر صفتها كان تأكيدًا ولا بأس.
فرع آخر
لو ادعى عليه سيفًا محلى لم يكن بد من ذكر قيمته إلا أنه إن كان محلى بالفضة قوّمه بالذهب وإن كان محلى بالذهب، قومه بالفضة، وإن كان محلى بالذهب والفضي قومه بأحدهما: لأنه موضع ضرورةً ذكره أصحابنا، ويحتمل عندي أن يقال: ينبغي أن يفصل بينهما في الدعوى ويقوم بغير الجنس والله أعلم.
فرع آخر
إذا صحت الدعوى [12/ (88) أ] فالأولى أن سال المدعى القاضي بعد استيفاء دعواه لمطالبة خصمه بما ادعاه عليه، فإذا طالب هكذا سأل المدعى عليه فيقول: سمعت ما ادعاه عليك فما تقول فيه، فإن أجاب بإقرار أو إنكار كان كافيًا ولو بدأ القاضي بسؤاله من غير أن يطالبه المدعي بسؤاله هل يجوز؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز سؤاله لأنه من حقوق المدعي فلم يجز أن ينفرد به القاضي ويكون السؤال لغوًا يعيد فيه باتهام المدعى عليه دون إنكاره كما لو ابتدأ بالجواب قبل السؤال، والثاني: يجوز هذا السؤال ويصح الجواب عقيبه لأن شاهد الحال يدل على إرادة المدعي لسؤاله ويغني ذلك عن سؤاله وهذا أصح، وقيل: هل يجب عليه أن يسأل المدعى عليه قبل مطالبة المدعى؟ فيه وجهان: والمذهب أنه يجب.
فرع آخر
لو أن المدعي تفرد بسؤاله لم يلزمه الجواب حتى يكون القاضي هو السائل لأن حق المدعي مختص بالمطالبة دون السؤال، فإن أجابه المدعى عليه عن سؤاله بإقرار أو إنكار هل يقوم سؤاله مقام سؤال القاضي؟ فيه وجهان: أحدهما: يقوم إذا قلنا: لا يسأل القاضي إلا بعد طالبة المدعي بالسؤال، والثاني: لا يقوم إذا قلنا بالوجه الآخر فعلى هذا يكفى إنكاره.
فرع آخر
إذا طالب المدعى عليه بالجواب لا يخلو من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يقر، والثاني: [12/ 88 ب] أن ينكر، والثالث: أن لا ينكر ولا يقر، فإن أقر ثبت الحق
بإقراره ولا يحكم به إلا بعد أن يسأله المدعي الحكم لأنه الطالب فيقول القاضي: قد أقر لك بما ادعيت فماذا تريد؟ ولا يقول له: قد سمعت إقراره لأن قوله قد أقر حكم بصحة الإقرار بخلاف قوله: سمعت إقراره، فإن لم يطالب المدعي بالحكم أمسك عنه وصرفهما وكان للمدعي أن يتخير من القاضي محضرًا بثبوت الحق دون الحكم به ولم يكن له ملازمة المقر قبل الحكم، وإن سأله الحكم عليه بإقراره حكم بثلاثة ألفاظ: قد حكمت عليك بإقرارك، أو ألزمتك ما أقررت به، أو أخرج إليه من حقه، وليس له مطالبته بكفيل إلا أن يتفقا عليه عن تراض.
ولا يسقط حقه من ملازمته بإقامة الكفيل سواء كفل بنفسه أو بماله لأن الكفالة وثيقةً فلم تمنع الملازمة كما لم تمنع المطالبة، فإن اتفقا على تخلية سبيله عند الكفالة لم يلزم هذا الاتفاق وله أن يعود إلى ملازمته بعد تخليته لأنه حق له إلى أن يستوفي حقه.
وأما القسم الثاني إذا أنكر يجوز للقاضي أن يقول للمدعي قد أنكر ويجوز أن يقول: قد سمعت إنكاره بخلافه في الإقرار لتردد الإقرار بين صحة وفساد وعدمه في الإنكار، ثم إن كان هذا المدعي عاميًا لا يعرف رسوم الحاكم، فإن كان الحاكم يقول له: أقم البينةً إن كانت لك فإن كانت له بينة [12/ 89 أ] سمعها ولا يسمعها إلا أن يقول المدعي: سلهم أيها الحاكم فإذا قال ذلك قال لهم الحاكم: ما تقولون أو ما عندكم في هذا؟ ولا يقول لهم: اشهدوا فإذا شهدوا نظر فإن كانت الشهادةً غير صحيحةً لم يحكم بها ولم يلقنهم، وقال للمدعي: زد في شهودك، وإن لم تكن له بينةً فليس له إلا يمين المدعى عليه إلا أن الحاكم لا يحلفه حتى يسأله المدعى عليه.
وإن كان المدعي ممن يعرف رسوم القضاء فالحاكم بالخيار إن شاء قال: أقم البينة إن كانت لك، وإن شاء قال قد أنكر دعواك وسكت، فإن قال: لي بينةً سمعها، وإن طلب إحلافه أحلفه بالله تعالى وقال بعض أصحابنا: القاضي في اختياره بالإنكار بائن أن يقول له: قد أنكر فماذا عندك فيه والأول أولى مع من جهل، والثاني أولى مع من علم.
واعلم أن الحكم في إنكار الدعوى موقوف على بينة المدعي في إثبات الحق بها، وعلى يمين المدعى عليه عند عدمها لإسقاط المطالبة بها وللمدعى الخيار في إقامة البينةً لأنها من حقوقه فلم يجبر على إقامتها، وللمنكر الخيار في اليمين لأنها من حقوقه فلم يجبر على الحلف بها.
فرع آخر
لو أنكر المدعى عليه وقال: ما لك عليّ فقال له المدعي: نعم، كان تصديقًا له على الإنكار وبطلت دعواه، ولو قال: بلى، كان تكذيبًا له على الإنكار ولم تبطل دعواه، والفرق أن نعم حجاب الإيجاب [12/ 89 ب] وبلى جواب النفي وهذا حكمه فيمن كان من أهل العربية وفى اعتباره فيمن كان من غير أهل العربية وجهان على ما ذكرنا في كتاب الإقرار.
وأما القسم الثالث: أن لا يقر ولا ينكر فله حالتان: إحداهما: أن يكون
غير ناطق لخرس أو صمت فإن كان مفهوم الإثارة صار بها كالناطق فيجري عليه حكم الغائب، والثانية: أن يكون ناطقًا فامتناعه من الإقرار والإنكار من أحد: إما أن يقول: لا أقر ولا أنكر، وإما أن يسكت فلا يجيب بشيء فيجري عليه حكم الناكل ولا يحبس على الجواب وقال أبو حنيفة: يحبسه حتى يجب بإقرار أو إنكار.
فرع آخر
البينة تسمع على المنكر دون المقر لأن الإقرار أصل هو أقوى، والبينة فرع هو أضعف.
فرع آخر
لو خالفت البينة الدعوى في الجنس لا تسمع، وإن خالفتها في القدر إلى نقصان حكم في القدر بالبينةً دون الدعوى فإن خالفتها إلى زيادةً حكم في القدر بالدعوى دون البينةً ما لم يكن من المدعي تكذيب البينة في الزيادةً، فإن أكذبها فيه ردت ولم يحكم بها.
فرع آخر
لو اتفق شاهدًا البينةً على الشهادة، فإن اختلف الشاهدان في الجنس ردت وإن اختلفا في القدر ثبت في الأصل.
فرع آخر
لو سمعت البينة بعد الدعوى قبل الإنكار هل يجوز؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز [12/ 90 أ] لوجودها بعد الطلب، والثاني: لا يجوز حتى تقام بعد الإنكار لتقدمها على زمانها.
فرع آخر
لابد أن يكون الأداء بلفظ الشهادة أشهد أنه أقر عندي وأشهدني على نفسه أن عليه لفلان كذا، وأن يقل: أشهدني فيه وجهان بناء على أن الاسترعاء شرط في حمل الإقرار أولًا، والأصح أنه لا يشترط.
فرع آخر
لو كانت الشهادةً في غير إقرار كالثمن في بيع حضرةً أو قرض، ففي لزوم ذكر سببه في أدائه وجهان كقوله في أداء الإقرار وأشهدني.
فرع آخر
لو شهد بلفظ الخبر بأن قال: اعلم أن له كذا لم يجز لأن الخبر حكاية حال: مضافةً إلى المشهود عليه فلا يتعلق بها الإلزام إلا بالشهادة المضافة إلى الشاهد.
فرع آخر
لا تسمع البينة إلا بمشهد المدعي وعينه، ثم إذا سمعها لم يحكم بها إلا إن يسأله
فإن حكم بها قبل سؤال المشهود له هل يجوز؟ فيه وجهان: بناء على الوجهين في جواز سؤاله للمدعى عليه قبل أن يطالبه المدعي بسؤاله أحدهما: لا يجوز لأنه حكم لغير طالب، والثاني: يجوز لأن شواهد الحال تدل على الطلب.
فرع آخر
إذا ثبتت عدالة الشهود وسأل المدعي الحكم بها فالأولى أن يقول للمشهود عليه: قد شهد عليك فلان وفلان وقد ثبتت عندي عدالتهما وقد اطردت لك [12/ 90 ب] جرحهما وينظره يومًا ويومين وثلاثةً، فإن أتي بالجرح سقطت الشهادةً، وإن لم يأت بالجرح حكم له، فإن حكم به قبل إعلامه جاز.
فرع آخر
قال في "الأم": واجب للقاضي إذا أراد القضاء على رجل أن يجلسه ويبين له ويقول له: احتججت عندي بكذا وقامت البينة عليك بكذا، واحتج خصمك بكذا أفرأيت الحكم عليك من قبل كذا ليكون أطيب لنفس المحكوم عليه وأبعد من التهمة، وإن لم يفعل جاز حكمه.
فرع آخر
قال في "الأم": وإذا كان الأمر بينا عند القاضي مما يختصم فيه الخصمان فأحب أن يأمرهما بالصلح، وأن يتحللهما من تأخير الحكم بينهما بشيء بان له، وإن أشكل الحكم عليه لم يحكم بينهما طال ذلك أو قصر حتى تنتهي الغايةً في البيان والحكم قبل البيان ظلم، والحبس قبل البيان يعني حبس الحكم ظلم فجعل الشافعي رضي الله عنه الحكم على الفور إذا انكشف له ولم يسوغ له التأخير إلا برضي من له الحكم وجوز التأخير إذا بان مشكلًا لم ينكشف.
فرع آخر
لو قال المدعى عليه قبل الشهادة: ما يشهد به هذان الشاهدان علي فهو حق لم يكن إقرارًا بما يشهدان به لتقدمه على الشهادة.
فرع آخر
لو قال بعد الشهادة: [12/ 91 أ] ما شهدا به علي حق كان إقرانًا، ولو قال: ما شهدا علي صدق لم يكن إقرارًا، والفرق أن الحق ما لزم فلم يتوجه إليه احتمال والصدق قد يكون فيما قفاه فيتوجه عليه الاحتمال.
فرع آخر
لا يحلف المدعي مع البينة، وقال ابن أبي ليلى: لا حكم له بالبينة حتى يحلف معها كما في الحكم على غائب، وبه قال شريح والشعبي والنخعي وسوار القاضي، وقال إسحاق: إذا استرابه الحاكم يجب ذلك، واستحلف شريح رجلًا فتأبى عليه فقال: بئس
ما تثني على شهودك وهذا غلط لأن في إحلافه مع بينته قدحًا فيها ولأن الحاضر لو قضى لذكر بخلاف الغائب.
فرع آخر
لو أخر المدعي إحضار بينته وأراد ملازمة خصمه على إحضارها سأله القاضي فإن كانت غائبةً لم يكن له ملازمته وقيل له: لك الخيار في تأخيره إلى حضور بينتك أو تحلفه فتسقط الدعوى، فإن حضرت البينة لم تمتع اليمين من سماعها، وإن كانت البينة حاضرةً في البلد له أن يلازمه ما كان في مجلس الحكم في يومه باقيًا، فإذا انقضى المجلس لم يكن له ملازمته ما لم يشهد الحال بوجود البينةً، فإن شهدت أحواله بوجودها جاز له أن يلازمه إلى غايةً أكثرها ثلاثة أيام لا يتجاوزها ولا يلزمه إقامة كفيل بنفسه لما روى الهرماس بن حبيب عن أبيه عن جده ((أنه استعدى [12/ 91 أ] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على رجل فقال له: إلزمه)) ودليلنا خبر الحضرمي والكندي ((شاهداك أو يمينه ليس لك إلا ذاك)).
وأما خبرهم فمحمول على حق ثبت وجوبه هكذا ذكره في ((الحاوي)) وقال ابن أبي أحمد عندنا لا يلزمه إلا أن يكون في مقدار جلوس القاضي فيلازم حتى يحضر البينة، وقال أبو حنيفة ت له ملازمته إلى ثلاثة أيام وهذا أولى عندي بالصواب لأن المدعي يدفع دعواه بيمينه فلا معنى لملازمته.
فرع آخر
قد ذكرنا أنه لا يجوز إحلاف المدعى عليه إلا بعد مطالبة المدعى فإن كان المدعي عالمًا باستحقاق اليمين وإلا أعلمه القاضي أنه قد وجب له اليمين ولو حلفه القاضي قبل سؤال المدعي لا يعتد به وحلفه ثانيًا بسؤاله، وقال بعض أصحابنا بخراسان: يحتسب به إذا حلفه القاضي وهو غلط ظاهر.
فرع آخر
قال في ((الحاوي)): هل يجوز للقاضي أن يعرض عليه اليمين قبل مسألة المدعي؟
فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز، وبه قال أبو حنيفة كما لا يجوز إحلافه، وقال ابن سريج يجوز أن يعرضها، وإن لم يجز أن يحلفه بها ليعلم إقدامه عليها فيعطيه أو يقفه عليها فيحذره.
فرع آخر
لو حلف المدعى عليه قبل تحليف القاضي لا يعتد به وأعاد الحاكم عليه اليمين لخبر ((ركانة بن عبد يزيد فإنه طلق امرأته البتة فقال له [12/ 92 أ] النبي - صلى الله عليه وسلم - ما أردت قال والله ما أردت بها إلا واحدةً فردها عليه فأعاد اليمين عليه لما حلف قبل الاستحلاف))، ولأن يمين المدعى عليه تنعقد بحسب ما يستحلفه عليه الحاكم دون نية الحالف، فإذا حلف قبل استحلافه انعقد بحكم نيته فلم تكن اليمين المستحقة عليه فلا يعتد بها، وقيل في خبر ركانةً اثنتا عشرةً فائدةً ثلاث في اليمين أنه يجوز الاقتصار في
اليمين على الاسم خاصة، والثانية: أنه أعادها عليه حين كان قبل الاستحلاف، والثالثة: جواز حذف طرفي القسم من اليمين لأنه قال: الله إنك أردت واحدة فقال: الله إني أردت واحدة فحذف الواو.
وثلاث في الرجعة إحداها: أن الرجعة ثبتت بعد الواحدة والثانية: أنها لا تفتقر إلى رضي المرأةً، والثالثة: أنها لا تفتقر إلى الشهود.
وست في الطلاق إحداها: أن البينة ليست بصريح ولا يقع الطلاق بها إلا بالبينةً، والثانية: أنه يقع بها ما نواه من عدد الطلاق لأنه رجع إلى نيته، والثالثة: إيقاع الثلاث ليس بمحرم لأنه سأله عما أراد من العدد، والرابعة: أن الطلقة الواقعة بها لا تقطع الرجعة خلافًا لأبى حنيفة رحمه الله تعالى...، والسادسة: أن اليمين تعرض في الطلاق خلافًا لأبي, حنيفة رحمه الله، وقيل بدل على أنه لا يقع بها الثلاث خلافًا لمالك رحمه الله.
فرع آخر
لو ترك إحلافه لا يسقط حقه منها [12/ 92 ب] متى أراد إحلافه، ولو قال: عفوت في اليمين أو أبرأته منها سقط حقه منها في هذه الدعوى، ولم تسقط الدعوى، فإن أراد إحلافه من بعد لم يجز أن يحلفه يا لدعوى المتقدمة، ويجوز أن يستأنف الدعوى فيحلفه بالدعوى المستأنفة.
فرع آخر
لو أن المدعي سأل إحلافه وأمسك عن ذكر بيته عند سؤاله هذا فلم يذكر أن له بينة أو لا بينة فليس للقاضي أن يلزمة ذكر البينة وعليه أن يحلف له.
فرع آخر
إذا حلف له ثم جاء بالبينةً وأقامها تسمع بينته وثبت حقه وبه قال شريح والشعبي وأبو حنيفة ومالك وقال ابن أبي ليلى وأبو عبيد وإسحاق وداود: لا تسمع بينته، وحكاه صاحب ((الحاوي)) عن مالك أنه قال: إن علم أن له بينة عند التحليف لم يكن له إقامتها، وإن لم يعلم فله إقامتها.
واحتجوا بأن اليمين حجة المدعى عليه كما أن البينةً حجة المدعي ولا تسمع يمين المدعى عليه بعد حجةً المدعي فلذلك لا تسمع حجة المدعي يعد حجة المدعى عليه.
ودليلنا أن كل حالةً يجب عليه الحق بإقراره يجب عليه بالبينة كما قبل اليمين وأما ما ذكروه فلا يصح لأن البينة أقوى ولهذا تقدم على اليمين فلا يجوز اعتبا ر البينة بها.
فرع آخر
لو ذكر أن له بينةً غابت وسأله إحلافه يلزمه إحلافه لأن الغائبة كالمعدومة [12/ 93 أ] ولأن الحكم إذا وجب تعجيله لم يجز له تأخيره.
فرع آخر
لو قال لي بينة حاضرة وأريد إحلافه ولا أريد إقامتها أحلف له أيضًا لأنه قد يكون
له غرض في تأخير البينةً وطلب اليمين لأنه يخاف من اليمين فبقي مستغنى عن البينةً، أو ليثبت كذبه في يمينه بعد إقامة البينةً، وقال في ((الحاوي)): فيه وجهان أحدهما: وهو ظاهر مذهب الشافعي رضي الله عنه وبه قال أبو يوسف له ذلك، والثاني: ليس له إحلافه وبه قال أبو حنيفة رحمه الله لأن مقصود المدعي إثبات الحق عليه دون إسقاطه ويمكن إثباته بالبينةً، ولو أراد إحلافه بعد إقامة البينة لم يجز لعدم تأثيرها.
فرع آخر
لو قال المدعي: إن حلف فهو بريء فحلف لم يمنع ذلك من سماع البينة عليه لأن البراءةً لا تقع بالصفات.
فرع آخر
لو قال: لا بينةً لي حاضرةً ولا غائبةً وسأل إحلافه يلزمه فإن أحضر بينة ففيه وجهان أحدهما: وهو قول الأكثرين لا تسمع لأنه قد أكذبها بإنكارها وبه قال محمد وقال الإصطخري تسمع لأنه قد لا يعلم أن له بينةً ثم علم، ولو علم لكان ذلك كذبًا منه ولم يكن تكذيبًا للبينه وقيل: هذا ظاهر المذهب وبه قال أبو يوسف ومن أصحابنا من قال: إن تولى الإشهاد بنفسه لم تسمع له بينة لأنه أكذبها، وإن كان وكيله [12/ 93 ب] تولى الإشهاد عليه أو كانا شهدًا عليه من غير أن أشهدهما سمعت بينته وكذلك لو قال: كل بينة تشهد لي فهي كاذبةً وحلف المدعى عليه ثم أقام البينة ففيه ثلاثة أوجه على ما ذكرنا، وهذا إذا اعتذر وقال: لم أعلم في ذلك الوقت والآن علمت وقال الصيمري: إذا قال: كل بينةً أقيمها فهي داحضةً لا تقبل إذا أتي بشهود بعده.
فرع آخر
لو استمهل المدعى عليه في اليمين فإن كان ليراجع النظر في حسابه أمهله بحسب ما يمكنه مراجعة الحساب، وقيل: يمهل ثلاثة أيام ولا يمهل أكثر منها، وإن استمهله لغير ذلك لم يمهله ولم يحبسه على اليمين وكان باطلًا ولا يسأل عن سبب امتناعه عن اليمين.
فرع آخر
لو قال المدعى عليه: لا أحلف لأنه حلفني على هذه الدعوى مرةً واستنظره لإقامة الحجةً على يمينه أنظره القاضي مجلسًا واحدًا أو أكثر على ما يراه إلى ثلاثة أيام، وإن قال أحلفني عندك والقاضي يعلم أنه ما أحلفه لا يقبل ذلك ولا ينظره لإقامة البينة.
فرع آخر
لو لم يكن القاضي عالمًا بذلك فأقام البينة أنه حلفه عنده قال ابن أبي أحمد يقبل البينة تخريجًا مما قال الشافعي رضي الله عنه في ((الأم)) في باب أدب القضاء: الخصمان إذا تداعيا وأقام المدعي البينة فاتخذ القاضي محضرًا بما جرئ، فإن حلف إنسان أمر من حضره من [12/ 94 أ] العدول بتوقيع شهاداتهم في المحضر فإذا أدوا شهادتهم يحكم بها وإلا شهد عليه من يقيل شهادته فيقبله.
فرع آخر
لو لم يقم على ذلك بينةً ولكنه رام استحلاف المدعي على أنه لم يحلفه على هذه الدعوى حلفه القاضي بالله فإن قال المدعي أيضًا، لا أحلف فإنه قد حلفني على ذلك مرةً ولي بذلك بينةً سمعها القاضي، وإن قال لا بينة لي فأحلفوه على أنه لم يحلفني أنه ما حلفته في هذه الدعوى لم يسمع القاضي من المدعي لأن المدعى عليه يدفع ذلك مثل مقالته وعواه وذلك يطول إلى ما لا نهايةً له وفي ذلك ذريعةً إلى منع القاضي من الوصول إلى الحكم فالمدعي أحق بقطع المادةً لأنه هو الطالب دون المدعى عليه، فإما أن يحلف، وإما أن يقوم عن المجلس قاله ابن أبي أحمد تخريجًا.
فرع آخر
لو قال المدعى عليه: حلف المدعى أنه ما أبرأني من هذه الدعوى، مذهب الشافعي رضي الله عنه أنه يحلف المدعى لأنه لو أقر بأنه لا دعوى عليه بريء.
فرع آخر
لو قال: أبرأني من هذه الدعوى لا يكون إقرارًا بالمال، ولو قال: أبرأني من هذا المال قال ابن أبي أحمد: يكون إقرارًا بالمال لأن الإبراء لا يكون إلا عن دين قال: ولو حلف رجل لأبرأ فلانًا من هذا المال فبرأه مما ليس عليه لم يكن ذلك إبراء فدل على أن الإبراء يقتضى ثبوت [12/ 94 ب] المال وقال بعض المتأخرين من أصحابنا: لا يكون إقرارًا بالمال لأن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ [الأحزاب: الآية (69)] الآية وكان الإيذاء بقولهم به آدرةً ولم يكن به آدرةً.
والجواب عن هذا التمسك أن الله تعالى برأه من قولهم لا من الأدرةً فلا حجةً فيه لهم.
فرع آخر
وقال: أبرأني من المال قد بينا أنه يكون إقرارًا فإن أقام البينةً على الإبراء برئ، فإن لم يكن له بينةً فالقول قول المدعي مع يمينه لأن الأصل عدم البراءةً، فإذا أراد أن يحلف قال الشافعي رضي الله عنه: يحلف بالله تعالى أن هذا الحق ويسميه تسميةً يصير بها معلومًا ثابت عليه ما اقتضاه ولا شيئًا منه ولا اقتضاه مقتضى بأمره ولا بغير أمره ولا أحال به ولا بشيء منه ولا أبرأه منه ولا من شيء منه، وإنه لثابت عليه إلى أن حلف هذه اليمين قال أبو إسحاق: هذا إذا ادعى البراءة مطلقًا فإن ادعى البراءةً بجهةً معلومةً حلف على تلك الجهة، فإذا ادعى أنه استوفى حلف أنه ما استوفى فقط قال أصحابنا: يمكنه أن يجمع ذلك بأن يحلفه أنه لم يبرأ من ذلك الحق لا بقول ولا بفعل، ولو حلفه ما برئت ذمته من ذلك الحق ولا من شيء منه أو ما برأت ذمته من شيء من ذلك الحق كفاه، وما ذكره الشافعي رضي الله عنه [12/ 95 أ] تأكيدًا لا يضر تركه.
فرع آخر
قال ابن أبي أحمد: لو قال برئت إليه من هذا المال مذهب الشافعي رضي الله عنه أنه يسأل عنه فإن قال: قضيت كان إقرارًا وحلف المدعى بالله تعالى واقتضاه فإن قال: برئت إليه بأن حلفت له أو أقمت بينة على إقراره فالقول قول المدعى عليه مع يمينه فلم يجعل قوله: برئت إليه من هذا المال إقرارًا بالمال ورجع في تفسيره إليه وجعل قوله من هذا المال إقرارًا بالمال قال القاضي الطبري: ويمكن أن يقال في وجه الفرق بينهما أن قوله: أبرأني يقتضي ثبوت المال قبل إبرائه لأن ما يبرأ منه بإبرائه هو المال الثابت، فأما إذا قال: برئت إليه أو عندي براءةً من هذا المال محتمل لأن يكون قد حلف له على إنكاره أو غير ذلك فيرجع في تفسيره إليه والله أعلم.
فرع آخر
قال ابن أبي أحمد لو قال عندي مخلص من هذا المال أو مخرج من هذا المال لا يكون إقرارًا وسأله القاضي عن وجه المخلص، وكذلك لو قال: عندي مخرج من هذه الدعوى أو مخلص أو براءةً من هذه الدعوى.
فرع آخر
لو قال المدعى عليه بعد إنكاره حلفوا المدعى على ما ادعى وأحكموا له بما يدعيه لم يحلف المدعي وتعرض اليمين أولًا على المدعى عليه فينكل تم ترد اليمين على المدعى بعد النكول ثلاثةً تخريجًا على مذهب الشافعي رضي الله عنه [12/ 95 ب] لأنه إنما جاز رد اليمين وليس ترد حتى تعرض وينكل.
فرع آخر
لو قال المدعى عليه: لا يجوز لي أن أحلف ماله القاضي عن ذلك، فإن قال: لأني حلفت أن لا أحلف عند حاكم أو نذرت لم يعذره بذلك ولم يجعله ناكلًا بل طالبه باليمين فإن أبى أن يحلف رد اليمين على المدعي.
فرع آخر
لو قال المدعى عليه للقاضي: محل المدعي من أين له هذا المال فإن ادعى من وجه كذا فلي عليه بينةً، وإن ادعى من غيره حلفته فمذهب الشافعي رضي الله عنه أن القاضي بالخيار إن شاء سأله تخريجًا مما قال الشافعي وأحب أن لا يقبل الشهادةً حتى يسأل من أين هذا عليه.
فرع آخر
لو قال المدعي: أريد تأخير إحلاف المدعى عليه ليغلظ بإحلافه بعد العصر أو في ((الجامع)) كان له ملازمته إن استحق تغليطها وإن لم يستحق تغليطها فليس له ملازمته.
فرع آخر
لو كانت الدعوى تشتمل على أنواع فأراد أن يحلف على أحدها ويتوقف فيما عداه جاز، وإن أراد أن يحلفه على كل نوع منها يمينا يمينًا فإن فرقها في الدعوى جاز أن يفرق في الأيمان وإن جمعها في الدعوى لم يجز أن يفرق في الأيمان.
فرع آخر
إذا وجب اليمين على المدعى عليه فامتنع أو قال: نكلت عنها أو قال: لا أحلف فإن لم يعرف حكم النكول وجب على القاضي [12/ 96 أ] أن يعلمه حكمه وهو رد اليمين، وإن عرف حكمه استغنى عن إعلامه، ولكن يقول له: إن أقمت على امتناعك جعلتك ناكلًا.
فرع آخر
بماذا يستقر نكوله؟ قال ابن سريج: يستقر نكوله بإعلامه ولو كان بدفعة واحدةٍ ومن أصحابنا من قال وهو اختيار أهل العراق لا يستقر إلا بأن يعرضه عليه ثلاثًا هي حد في الاستظهار.
فرع آخر
إذا استقر المكود فهل يفتقر إلى حكم الحاكم به قبل رد اليمين فيه وجهان: أحدهما: لا يرد إلا بعد أن يقول للمنكر: قد حكمت عليك بالنكول لما فيه من الاجتهاد فإن ردها عليه قبل علمه لم يجز.
والثاني: يجوز أن يردها على المدعي وإن لم يقل حكمت بالنكول لأن ردها عليه حكم بالنكول.
فرع آخر
لو أراد المدعى عليه أن يحلف بعد الحكم بنكوله ليس له ذلك لانتقالها إلى المدعى.
فرع آخر
لو حلف المدعي بعد النكول والرد عليه حكم له، وإن قال: لا أحلف سألناه عن سبب امتناعه فإن قال: امتنعت لأن لي بينةً أقيمها، أو لي حساب أنظر فيه للاحتياط فأحلف على ما يتيقنه لم يسقط حقه من اليقين ومتى اختار اليمين حلف وثبت حقه.
فإن قيل أليس قلتم: لو امتنع المدعى عليه من اليمين لا يسأل عن سب امتناعه، وإذا امتنع المدعي من يمين سئل عن سبب امتناعه فما الفرق؟ قيل: إن المدعى عليه إذا امتنع قويت يذلك جنبةً المدعي فانتقلت اليمين إليه [12/ 96 ب] فلا فائدةً في سؤاله لأنه لا يقبل منه ما يبطل ما ثبت بامتناعه للمدعي، وأما إذا انتقل لا ينتقل الحق إلى غيره بل يقف الأمر فسألناه عن ذلك.
فرع آخر
لو توقف المدعي لغير استمهال هل يحكم على المدعي بالنكول في يمين النكول؟ فيه وجهان: أحدهما: وهو قول الإصطخري يحكم، فإن رام أن يحلف بعد الحكم بنكوله لم يجز كما في المدعى عليه، والثاني وهو الأظهر لا يحكم بنكوله والعرف أن نكول المنكر يتعلق به حق الغير ونكول المدعى لا يتعلق به حق لغيره فله أن يحلف متى شاء ويستحق.
واعلم أن صاحب "الحاوي" ذكر فصلًا وترتيبًا حسنًا فيما ذكرنا من الفروع فقال: إذا حضر الخصمان عند القاضي ففصل الحكم بينهما يشتمل على ستة فصول: أحدها: ابتداء المدعي تحرير الدعوى، والدعوى على ضربين فيما ينقل وهو على ضربين: أحدهما: أن يكون في الذمة، والثاني: أن يكون بعين قائمةً وهي على ضربين: حاضرة، وغائبة, والفصل الثاني في سؤال المدعي، والفصل الثالث في جواب المدعى عليه وهو على ثلاثة أقسام، والفصل الرابع سماع البينةً ولسماعها أربعة شروط: أن تكون موافقةً للدعوى، والثاني أن يتفق شاهدًا البينةً على الشهادة، والثالث أن يسمع بعد الدعوى والإنكار، والرابع أن يكون الأداء بلفظ الشهادة، والفصل الخامس في إحلاف المنكر وللمدعي حالتان: أن يترك إحلافه [12/ (97) أ] وأن يسأل إحلافه وإذا سأل فهو على أربعة أضرب: أحدها: أن يمسك عن ذكر البينةً ولا يقول لي بينة.
والثاني: أن يذكر أن له بينة غائبةً.
والثالث: أنه يذكر أن له بينةً حاضرةً.
والرابع: أن يقول: لا بينةً لي حاضرةً ولا غائبةً والفصل السادس في حكم النكول وقد ذكرنا شرحها مفصلًا وبالله التوفيق.
فرع آخر
قال ابن أبي أحمد وإذا أراد المدعي إقامة البينة فشهدت قبل الاستشهاد لا تكون شهادةً؛ لأنه شهد ولم يستشهد، وقد عاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على من فعل ذلك وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: ((خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يأتي أقوام فيحلفون ولا يستحلفون ويشهدون ولا يتشهدون)).
فإن استعادها القاضي فأعادها قبلت لأنه ليس بجرح وهذا فيما عدا السرقة وقطع الطريق لتعلقه بحق الله تعالى وهذا تخريج مما قال الشافعي رضي الله عنه في شاهدين شهدا عند القاضي على رجل بسرقة من حرز فلان يوجب القطع تسمع الشهادةً ويسأل فلانًا فإن ادعاها حكم بها، وعلى هذا لو كان في زكاةً أو كفارة يندب إلى الشهادة قبل الاستشهاد وهكذا [12/ 97 ب] كل ذلك مقبول والاحتياط أن يثبت الوكالة أولًا، ثم سمع البينة على المال لأن أبا حنيفة رحمه الله قال: لا يكون خصمًا عند صاحب المال إلا بعد ثبوت الوكالة.
فرع آخر
لو أقر بوكالته وأنكر الدين ورام الوكيل إقامة البينة على الدين، قال ابن أبي أحمد: لا تسمع البينة منه على الدين لأن الوكالة لا تثبت بإقراره إلا ببينة تقوم عليه قلت على مذهب الشافعي تخريجًا، لأنه قال: ولو أقر بالوكالة والدين لا أجبره على دع المال، وقلت له: إن شئت فادفع، وإن شئت فلا تدفع.
فرع آخر
قال: ولو أرسل رسولًا إلى رجل ليقبض مالًا له عليه فأنكر الرجل لم يكن للرسول أن يخاصمه، ولو وكله بالخصومة دون القبض أو بالقبض دون الخصومة كان وكيلًا في القدر الذي أذن له فيه، وقد ذكرنا عن ابن سريج إذا وكله بالقبض هل له الخصومة، فيه قولان وما قاله ابن أبي أحمد أصح.
فرع آخر
لو أقام الوكيل البينة على خصم بحق للموكل فذكر الخصم أن الموكل قد قبض منه الدين أو أبرأه ورام إحضار الموكل ليحلفه قيل له: أخرج مما لزمك ووفر على الوكيل الدين ثم ارفع الموكل وطالبه قال ابن سريج تخريجًا وإن أراد أن يحلف الوكيل أنه لا يعلم أن الموكل أبرأه فمذهب الشافعي رضي الله عنه أنه يحلفه، لأنه لو أقر به خرج عن الوكالةً والخصومةً ذكره ابن سريج.
فروع متفرقة
إذا قال الشريكان: قد قسم هذا [12/ 98 أ] المال هل يقبله الحاكم؟ فيه وجهان.
ولو تقاسم الشريكان، ثم تقابلا جاز وأعادت الإشاعة، ولو كانت دار بين ثلاثة نفر وكل أحدهم شريكه أن يقسم عنه على أن ينفرد على كل واحد نصيبه لم يجز، وإن كان على أن يكون نصيب الوكيل والموكل حيزًا واحدًا فلا بأس.
فرع آخر
لو اتفق ثلاثة شركاء في دار على أن وكلوا رجلًا يقسم عنهم ويرى فيما يأخذه القسمةً لكل واحد منهم رأيه لم يجز حتى يوم كل واحد وكيلًا على حاله.
فرع آخر
لو استأجر رجل من قوم أرضًا بينهم وأرادوا القسمة فله منعهم إن أضر، وإن لم يضر ففيه وجهان.
فرع آخر
لو قال: والله ما بعت شيئًا فقاسم شريكًا له وقلنا: إنها بيع لم يحنث وفيه وجه أن يحنث.
فرع آخر
لو قال رجل للحاكم: لا تقبل شهادتي لأني جُرحت أو جرحت نفسي لم يرده ما لم يبين.
فرع آخر
هل يعدل الحاكم الشهود بعلمه، فيه قولان وقيل: يحكم به قولًا واحدًا وهو الأصح.
فرع آخر
إذا وقع الحاكم إلى فقيه ليزوج فلانة وعنده أن الموقع إليه المذكور فيه هو فلان بعينه فتبين أنه كان غيره هل يكون هذا إذنًا لفلان غير المذكور في القصة قال والدي رحمه الله: الظاهر عندي أنه لا يكون إذنًا قياسيًا على من صلى خلف رجل وعنده أنه زيد فبان أنه كان عمرو لم يجز.
فرع آخر
لو أذن الحاكم في التزوج لمن في التوقيع ولا يعرف عين [12/ 98 ب] المأذون له جاز ويكون إذنًا مضافًا إلى الاسم والنسب والحرفةً المذكورةً كل ذلك فيه، ولهذا يصح من الرجل توكيل الغائب عنه بالاسم والنسب والحرفةً، وإن لم يعرفه بعينه قط ولهذا تعتبر الرؤية في صحة الوكالة.
فرع آخر
من عدل في القليل هل يعدل في الكثير؟ فيه وجهان: أحدهما: يعدل في الكل لأن الفاسق لا تقبل شهادته والمعدل تقبل شهادته فتقبل على العموم كما ترد على العموم والذي قاله الشافعي رضي الله عنه من الفرق بين القليل دون الكثير لأن من صحت عدالته في القليل لا يكون عدلًا في الكثير، والثاني أنه يجوز أن يعدل في القليل دون الكثير لأن القضاء بالشهادةً بطريق غلبة الظن على الصدق، وقد لا يسكن القلب بقول الإنسان في الكثير دون القليل ولهذا يرى الرجل في العادة يؤتمن على المال القليل دون الكثير، ولهذا تهيب النفوس بالتعديل في القليل دون الكثير، وفائدة هذا الاختلاف أن الشاهد بالقليل إذا عدله عدلان وصح ذلك بتعديلهما ثم شهدا في الحال هل يلزم السؤال عن الحال ثانيًا؟ على هذين الوجهين.
فرع آخر
إذا ادعى الوكيل حقًا على رجل وصحت وكالته عند الحاكم فشهد والد الوكيل أو ابنه بما يدعيه الوكيل لموكله هل تقبل هذه الشهادة إذا كان الوكيل وكيلًا بالخصومة فقط دون [12/ 99 أ] قبض الحق؟ يحتمل أن يقال لا يقبل، لأنها تصديق من الوالد لولده، فتجري مجرى تعديله له، وذلك لا يجوز، ولأن ذلك يوجب إسقاط المطالبة عن الوكيل بإقامة البينة وثبوت المطالبة على المدعى عليه بالمعارضة، والدفع أو التزام موجب
الشهادة، فكانت هذه الشهادة واقعةً من الأب لابنه، فلم يقبل قوله له، كما لو كان وكيلًا بالقبض أيضًا لا تقبل شهادته له.
فرع آخر
إذا شهد على امرأةً ولم يذكر أنه رآها سافرةً عن وجهها يحتمل أن يقال تصح هذه الشهادة ما لو كانت الشهادة على رجل ويحتمل أن يقال لا تصح هذه الشهادة وهو الأظهر؛ لأن الظاهر ستر وجوههن وهو الغالب بخلاف الرجل، ويخالف هذا ما ذكره الشافعي إذا شهدوا على إقراره، ولم يقولوا: إنه كان صحيح العقل فهو على الصحة لأن الظاهر وجود العقل فاعتبرنا الظاهر في جميع ذلك.
فرع آخر
إذا ادعى شيئًا في يد غيره وأقام عليه شاهدين ظاهرهما العدل فعدل المدعي عند عدل فتلف عنده نم ثبت أن الشيء كان للمدعي أو للمدعى عليه فلا ضمان على الحاكم ولا على العدل، وهل على المحكوم الضمان يحتمل وجهين الأصح أن يقال: إن الحكم للمدعي فالمدعى عليه يلزمه الضمان، وإن علم أنه المدعى عليه فلا ضمان على المدعي، ولو سلم الشيء المدعي على طريق التعديل عنده لا يجوز له ذلك لأن التعديل لا يكون عند [12/ 99 ب] المنازع ولكن لو فعله الحاكم فتلف في يد المدعي ثم صح أن الشيء كان له فهل يلزم المدعى عليه الضمان؟ فمرتب على ما ذكرناه من الوجهين فإن أسقطناه هناك فههنا أولى وإن أوجبنا الضمان هناك ففي هذا وجهان مخرجان بناء على القولين في إطعام الغاصب المغصوب منه مع جهل المالك بالحال، ووجه الجمع بينهما أن التسليم حصل لا على التزام لأن المدعي لا يتمكن من التبسط فيه بالتصرف والتنازع حاصل كما أن المغصوب منه مع الجهل بالحال لا يتمكن من التصرف في المغصوب لأن الإباحةً توجب جواز التصرف على الخصوص دون العموم فوجب تخرج الجواب على وجهين لهذا الوجه.
فرع آخر
إذا نوى العدل أن يواقع كبيرةً كالقتل والزنا لم يصر به فاسقًا، وإذا نوى المسلم أن يكفر غدًا فهل يكفر في الحال؟ فيه وجهان: والصحيح أنه يصير كافرًا في الحال، والفرق أن نية الاستدامة في الإيمان شرط والتوبة لا تجب في حق من لا ذنب له فإنه ليس الأصل وجوب الفسق والأصل فقد الإيمان وإيجاب فعله.
فرع آخر
القاذف إذا أتى بأربعة يشهدون بزنا المقذوف، وأحدهم أبوه أو ابنه هل تقبل هذه الشهادة؟ يحتمل أن تقال: تقبل فيثبت الزنا بشهادتهم ثم يسقط الحد عن القاذف لثبوت الزنا ولهذا لو ثبت [12/ 1 أ] على رجل الزنا بشهادة الشهود قبل القذف ثم قذفه ابن أحد الشهود أو أبوه يعد الحكم لم تبطل الشهادة ولم يلزم القاذف الحد ولا فرق بين
أن يكون هذا القذف بعد إقامة الحد على المشهود عليه أو قبل إقامته فإن كان بعد إقامته أظهر ويحتمل أن يقال: لا تقبل هذه الشهادة لأن هذه تجر نفعًا وتنفع ضرًا عن والده أو ولده فتصير كالشهادة التي يدفع الشاهد بها عن نفسه ضررًا ولا يشبه هذا إذا تأخر القذف عن الحكم بالشهادة بدليل أن شاهدين لو شهدا لرجل بدار وحكم الحاكم بشهادتهما ثم ملكا أحد الشاهدين صح، ولو اشتراها أولًا ثم شهد أبوه أن البائع كان مالكًا حين البيع لم يقبل فدل على الفرق بين ما قبل الحكم وما بعده.
فرع آخر
الشاهد على الزنا إذا قدم لفظ الزنا ثم عقبه بقوله: اشهد على ذلك يحتمل على مذهبنا أنه يصير قاذفًا لأن بقوله زنا صار قاذفًا ولزمه الحد، فإذا قال: وأنا اشهد على ذلك صار متهمًا في إسقاط موجب القذف عن نفسه وبهذا فارق تقديم لفظة أشهد لأن التهمة منتفيةً هناك، ويخالف هذا سائر الشهادات إذا أخر فيها لفظة لأن بقوله لم يتوجه عليه شيء فلم يصر متهمًا بضم لفظة أشهد إليه فقبلنا، ولهذا لو لم يعقب بقوله أشهد هناك ثم شهد في مجلس آخر يقبل بخلاف مسألتنا ويحتمل أن يقال [12/ (1) ب] يحصل في المسالة وجهان.
فرع آخر
إذا شهد على إقرار المدعى عليه بعشرة دراهم وكان المدعي ادعى بتسعة فالشهادة زائدةً على الدعوة فتبطل في الزيادة، وهل تبطل في الباقي؟ قولان بناء على القولين تنقيض الشهادة.
فرع آخر
لو ادعى رجل على رجلين مالًا ثم شهد له الرجلان على أخر بدين، الأظهر أنها مقبولةً إلا أن يكون ذكر في دعواه عليهما ما لو صح كان فسقًا وإنكارهما لحقه لا يوجب التنسيق لجواز أن يكونا خاطئين في الإنكار ويجب أن لا يفصل بين أن تكون هذه الشهادة في المجلس الذي وقعت فيه الدعوى الأولى أو غيره.
فرع آخر
إذا ادعى رجلان على رجل مالًا فأنكر ثم شهدا له بشيء على رجل يجب أن تقبل إذا لم يقل عند إنكاره ما يوجب على قوله فسقهما، ولا فرق بين أن تكون هذه الشهادة في ذلك المجلس أو مجلس غيره.
فرع آخر
إذا ادعى عنى آخر عشرة دنانير وذكر أوصافها إلا أنه لم يذكر أنها موزونة بالمثاقيل، أو شهد شاهدان على البت بعشرة دنانير ولم يذكر من أوصافها أنها موزونةً بالمثاقيل هل تصح هذه الدعوى والشهادة؟ الأظهر أنها تصح لأنه استقر العرف على أنه يراد به الوزن دون العدد ولهذا إذا باع ماله بعشرة دنانير ولم يذكر الوزن حمل عليه
ولهذا [12/ 101 أ] إذا أقر به وأطلق حمل عليه ولم يقبل قوله أنه أراد به العدد باتفاق أصحابنا، وقال بعض أصحابنا: لا تصح الشهادة إلا بذكر الوزن لأن هذا اللفظ يحتمل الوزن والعدد ولهذا أقر بعشرة دراهم عددًا تلزمه بهذه الصفة فلولا أنه من يحتمل اللفظ لما صح تفسيره به والشهادة بالمحتمل إذا وقعت على البت لا تكون صحيحةً، والأول أصح لأن ما يقبح أن يفسق به لا يمنع من جملة مطلقةً على ما يفعل من ظاهره ألا ترى أنه لو شهد بالطلاق أو الحريةً يصح وإن صح بغير ذلك بالطلاق من وثاق وحرية الخلق ولو قيد هكذا لم يقع الطلاق ولا الحريةً وقد رأيت عن بعض أصحابنا: أنه إذا قال: علي عشرة دراهم عددًا يلزمه وزنًا وعددًا.
فرع آخر
إذا شهد على شهادة رجل أن الأرض التي حدودها هكذا لفلان ولا يعرف شاهد الفرع عين الأرض وهي معلومةً عند شاهد الأصل يحتمل أن يقال تصح هذه الشهادة لأنه ناقل للشهادةً غير مبتدئ بها، وهذا كما أن الناقل للخبر عن أبي هريرة أو غيره لا تعتبر مشاهدته النبي - صلى الله عليه وسلم - وإن اعتبر ذلك في المنقول عنه.
فرع آخر
إذا سعى بآخر إلى السلطان ثم شهد عليه عقيب السعاية ولم يظهر بينهما شيء [12/ 101 ب] وعنده شهادة لرجل هل له أن يشهد أو عليه أن يشهد؟ فيه وجهان بناء على اختلاف الوجهين في الفاسق هل عليه إقامة الشهادة لأن الشاهد فرضه وحقه أن يؤدي الشهادة والتفحص عن العدالة من فرض الحاكم فإذا لم يجد الحاكم وجها يوجب الجرح فلا على الشاهد شيء إذا أدى الفرض وقال الحق ويحتمل أن يقال: لا يشهد لأن في أدائه الشهادة إيقاعًا منه في الحكم بالباطل بل هو حلي له على أن يحكم حكمًا باطلًا وهذا لا يجوز لأن الحمل على الباطل منهي عنه في الدين وبهذا فارق إذا كان فسقه ظاهرًا عنده لأن ذلك لا يقتضي حمل الحاكم على الحكم بالباطل لأن الحاكم إذا تفحص عن الحال عرف الفسق، ولا يصح أن يقال: الحاكم قضى بالحق فكيف يكون باطلًا لأن السبب الذي يستند إليه القضاء إذا كان باطلًا من جهة الشرع كان القضاء باطلًا، وإن وافق الحق عند الله تعالى، كمن صلى الفرض مع الشك في دخول الوقت تكون صلاته باطلةً، وإن صادفت الوقت ولهذا نقول من اعتقد التوحيد عما ظنه دليلًا وليس بدليل في الحقيقةً فهو غير عارف بالتوحيد كمن اعتقد لا عن دلالة أصلًا.
فرع آخر
إذا ادعى على آخر مالًا يعرض اليمين عليه فرد اليمين على المدعي سهل [12/ 102 أ] لينظر في الحساب أتأخر لعارض أمر ثم عاد في مجلس آخر فقال المدعى عليه: أنا أحلف الآن فيه وجهان: أحدهما: له ذلك لأن المجلس الثاني لا ينبني على الأول في الأقوال وغيرها،
والثاني: ليس له ذلك لأن اليمين صارت حقًا للمدعي في المجلس الأول وسقط فيه حق المدعى عليه عنها فلا تعود بزوال المجلس وعلى هذا يجب أن لا يلزم استئناف الدعوى والرد في المجلس الثاني.
فرع آخر
إذا ادعى رجل على رجل عشرة دنانير فأنكر وامتنع من اليمين وقال: أرد اليمين في خمسةً من هذه الجملة وأحلف في الباقي.
الظاهر جواز هذا الرد لأن نكود المدعى عليه ويمين المدعي إما أن تكون كإقرار المدعى عليه، أو كإقامة البينة، أو أضعف منهما، وأي الأمور كان يوجب جواز ذلك لأنه لو أقر بالبعض ورد اليمين كان له، فكذلك هذا لأن كل واحد منهما رد اليمين في بعض ما تناولته الدعوى، فلو ادعى على رجل عشرة دنانير فأنكر فقال المدعي: أحلفه في خمسةً الآن، الأظهر أن له ذلك لأن له إقامة البينة على البعض فله التحليف في البعض، لأن كل واحد منهما أحد حجتي المدعي، ولا يقال في هذا إضرار بالمدعى عليه لأن هذا يوجب إذا ادعى خمسةً وحلف المدعى عليه أن لا تسمع دعواه في خمسةً أخرى ليعرض عليه اليمين ثانيًا، وكذلك [12/ 102 ب] ثالثًا ورابعًا.
ومن أصحابنا من قال في كلتي المسألتين: ليس له ذلك وليس بشيء.
فرع آخر
لو شهد شاهدان لرجل ثم قال المدعي بعده: صرفت شاهدي عن شهادتهما هذه بطلت الشهادة ولا يصح الحكم بها لأن صحة الشهادة تفتقر إلى طلب المدعي لها فلا بد من المقام على الطلب، يؤكده أن الشاهد لو صرف نفسه عن الشهادة لم يجز القضاء بشهادته كذلك إذا صرفه المشهود له عنها، فإن عاد المدعي وأقام هذا الشاهد ثانيًا قبلت الشهادة لأنه لم يكذبها، وإنما صرف نفسه عن إقامتها فإذا أعيدت ثانيًا لزم قبولها.
فرع آخر
إذا ادعى على آخر شيئًا في يده وأقام بينة على ما ادعاه، ثم أقام المدعى عليه بينة على أن الشيء له، ثم أقام الخارج بينة على إقرار المدعي أنه لا حق له فيه ولم يذكروا التاريخ يحتمل أن يقال: يقضى ببينة الخارج لأن قوله لا حق له فيه إنما يبنى عما عقلناه بالأصل أنه لا حق له فيه فكما أن عملنا بهذا الأصل لا يمنع من القضاء بشهود الخارج على إقرار صاحب اليد لم يكن قول المدعى عليه إذا وافق هذا الأصل مانعًا منه، ويبين هذا أن هذه الدعوى لو كانت بدين في الذمة فأقام المدعي بينةً على إقرار المدعى عليه بكذا وأقام الآخر بينةً على إقرار المدعي أنه لا حق له عليه لم تكن هذه [12/ 103 أ] البينةً دافعةً لبينة المدعى على ما ذكرنا من المعنى، فكذلك القول إذا كانت الدعوى في العين.
فرع آخر
إذا شهد على شهادة ابنه وكانا عدلين صحت الشهادة، فإن قيل: لعل الابن يخفي من حال والده ما لو ظهر كان جرحًا قلنا: نحن لا نعمل على تعديل الابن بل المسألة مصورة فيه إذا عرفت عدالة الوالد من غير جهة الابن ولا تهمة في سماع الشهادة على شهادته، ولا يقال: يخفى الجرح إذا كان شاهدًا على شهادته لينفذ قوله فيصير متهمًا من هذا الوجه لأن هذا يوجب إذا شهد الرجل مع ابنه لأجنبي شيء أن لا تقبل شهادتهما لأن كل واحد يخفي ما يعلمه من صاحبه من الجرح ليعمل، وأجمعنا على قبول هذه الشهادةً وهذا اختيار عبد الله القطان الطبري من أصحابنا.
ويحتمل أن يقال: لا تقبل لأنه لو شهد على شهادة وجرحه وعدله سائر الناس لم تقبل شهادته على شهادته فلما كان قوله عليه بالجرح مسموعًا وهو سكت عن الجرح صار كأنه منفذًا لشهادته لأن شهادته لا تتم إلا بسكوته عن جرحه وبهذا خالف شهادة الرجل مع ابنه لآخر، لأن أحدهما: لو جرح الآخر وعدلهما سائر الناس كان العمل على التعديل فلا تهمة إذا في شهادة أحدهما مع صاحبه فجوزناها.
فرع آخر
إذا شهد الابن عند أيه الحاكم لأجني على آخر الأظهر [12/ 103 ب] أنه لا يقبل، وإن كان أزهد الناس عند الكافةً لأنه يجوز أن يخفي ما يعرفه من أحواله من الجرح فلا يعرى عن تهمةً، وفيه وجه آخر: يجوز ذلك إذا كانت عدالته معقولة من غير جهة الوالد.
قال هذا القائل: أليس يجوز للوالد أن يستخلف ابنه على القضاء ولا يعرى عن تهمةً لأنه قد يخفي ما لو ظهر لا يجوز استخلافه فجاز مثله في مسألتنا، وهذا لأن التهمة الضعيفة لا توجب رد الشهادة كالصداقةً والأخوة.
فرع آخر
إذا ادعى على آخر في يده وأقام بينة، ثم أقام المدعى عليه شاهدين على أن الشيء له فعاد شهود المدعي بمطالبة المدعي وشهدوا بجرح شاهدي المدعى عليه الأظهر أن هذه الشهادة مسموعة؛ إذ لا مانع من قبولها من قرابةً وعداوةً وغيرها، وقال بعض أصحابنا: لا تقبل هذه الشهادة لأنهم متهمون في تنفيذ شهادتهم وهذا ضعيف لأن شاهد الفرع إذا عدل شاهد الأصل قبل، وإذا شهد الرجل مع ابنه بحق تقبل الشهادة وما ذكروه من التهمةً الضعيفةً موجودةً في هذين الموضعين وهذا لأن ما عرفناه من عدالة الشاهدين يمنعنا من المبالاة بهذه التهمةً الضعيفة.
فرع آخر
إذا أراد النظر إلى امرأةً أجنبيةً للشهادةً مرةً واحدةً وهو يعلم أنه لا يقع له [12/ 104 أ] المعرفة بالمرة الواحدة على وجه لو رآها ثانيًا علم أنها تلك المرأةً هل يفسق به
ويصير ذلك طعنًا؟ ويحتمل أن يقال: لا يكون طعنًا لأن لهذه الرؤية تأثيرًا في شهادته لأن الرؤية لو تكررت حتى وقعت المعرفة على الوجه الذي ذكرناه كان المؤثر في ذلك جميع ما تقدم من الرؤية فلم يصر هذا طعنًا في العدالة، وإن كان هذا القدر غير كاف في جواز الشهادة كالعبد يدخل في الشهادة في مثل ذلك فلا يصير طعنًا في عدالته من جهة جواز أداء الشهادة بهذه الرؤية بعد الحرية، وإن كانت لا تقبل في الحال ويحتمل أن يقال: يكون طعنًا لأن التحمل لا يقع بهذه الرؤية فهي إذًا غير مفيدةً فصار كالرؤية لا لغرض صحيح ويفارق مسألة العبد لأن التحمل هناك يقع بتلك الرؤية على وجه الصحة فصارت الرؤية مفيدةً هناك فلم تصر طعنًا، وهذه الرؤيةً وإن كان لها تأثير فإنما يحصل ذلك التأثير بضم غيرها إليها ومسألتنا فيمن يريد الاقتصار على هذه النظرةً الواحدةً.
فرع آخر
إذا قال المشهود له للشاهد: عفوت عن أداء الشهادة ثم طلبها منه يلزمه إقامتها لأن أداء الشهادة عند الطلب هو حق لله تعالى وحق الله تعالى لا يصح فيه العفو من جهة الآدمي له ولأن الشاهد يجرح بهذا العفو من الشهادة لأنه لو أقامها بعد الطلب [12/ 104 ب] صحت الإقامة.
فرع آخر
إذا قال: زنيت ولكني حددت يحتمل أن يقال: لا يقبل قوله بخلاف ما لو رجع عن إقراره يقبل لأن رجوعه أوجب شبهة في أصل الفعل وهو الزنا فلم يكن الحد، وهنا يدعي استيفاء ما وجب عليه فلا يقبل إلا ببينة، ويحتمل أن يقال: يقبل لأنه لو لم يقبل قوله في استيفاء الحد لم يقبل في الرجوع كما في الأموال، يؤكده أنه لو أقر ثم رجع لا يقبل، ولو ادعى دفع الزكاة إلى ساعٍ آخر قبل قوله فصار أمر القبول في دعوى الاستيفاء أولى.
فرع آخر
إذا قال رجل: لا شهادةً لفلان عندي في الأرض الفلانية إلا باليد، ثم شهد بالملك في الحال يحتمل أن يقال: لا تقبل، ولا يقال: اليد دلالةً على الملك، والشاهد به الشاهد بالملك في الحقيقةً؛ لأنه لو صح هذا لما جاز أن يكون شاهدًا بالملك دون اليد، أو باليد دون الملك وأجمعنا على جوازه.
فرع آخر
لو قال للقاتل: عفوت عن بعض دمك ولم يبين مقدار البعض فإن قلنا: البراءةً عن المجهول تجوز فهذا أجوز، وإن قلنا: لا يجوز ذلك فهنا يحتمل أن يقال: يجوز لأن العفو عن البعض فيه كالعفو عن الكل.
فرع آخر
إذا اعتقد الشاهد أن الحاكم لا يصلح للقضاء لكنه يوصل المشهود له إلى حقه بشهادته لزمه أن يشهد عنده [12/ 105 أ] ذكره أصحابنا.
فرع آخر
إذا حلف فاستثنى في يمينه أعيدت عليه اليمين مثل أن يقول: إن شاء الله قال: إلا أن يكون بين يمينه واستثنائه سكتة فلا يعاد عليه لأن الاستثناء إذا انفصل عنها ما لا يعمل فيها.