بحر المذهب للرويانيصفحات 407-446

مسألة 1: قال: " وإذا شَقَّ رجَلٌ لرجلٍ ثوباً".
الفصل وهذا كما قال: قال ابن فارسٍ الغصب أخذ الشيء مجاهرة لا سراً فإن أخذه من حرز سراً يسمى سرقة، وإن أخذه مكابرةً في صحراء سمى محاربا، وان أخذه استيلاء سمي مختلساً، وان أخذه من شيء كان من مؤتمناً عليه سمي خائناً، وان أخذه قهراً بغلبة وقوة فضلٍ سمي غاصباً والغصب في الشرع منع الإنسان من ملكه والتصرف فيه من غير استحقاقٍ، فإن منع ولم يتصرف كان تعديا ولم يتعلق به ضمان، وإن تصرف ولم يمنع كان تعدياً ولا يتعلق به ضمان لأنه تعد على المالك دون الملك وإذا أجمع بين المنع والتصرف تم الغصب ولزمه الضمان.
والأصل في تحريم الغصب الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿لَا تَاكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَيْنكُمْ بِالْبَاطِلِ إلَّا أَنْ تَكُون تِجَارَة عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:29] والغصب خارج عن ذلك وأيضا قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ 2 وإذَا كَالُوهُمْ أَو وزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: 1 - 3] وهذا الوعيد على الظلم فيما بين الكيلين تنبيه على تحريم الغصب الذي هو أعظم منه.
وأما السنة فما روى أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا يحل مال أمريء مسلم إلا عن طيب نفس منه" (2)، وروى جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في خطبة الوداع: "ألا إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا" 3 ومعناه دماء بعضكم على بعض وأموال بعضكم على بعض.
وروى عبد الله بن السائب بن يزيد عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يأخذن أحدكم متاع أخيه جاداً ولا لاعباً" 4 ومن أخذ عصا أخيه بغير طيب نفسه فليردها" وذلك ما حرم الله مال المسلم على المسلم، وروي عن عمرو بن يثربي الضمري أنه قال: شهدت خطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - بمنى فقال: [13/أ] "ولا يحل لأحد مال أخيه إلا ما طابت به نفسه" فقلت: يا رسول الله أرأيت لو لقيت غنم ابن عمي فأخذت منه شاة

فاجتررتها فعليٌ في ذلك شيء، فقال: "إن لقيتها نعجةً تحمل شفرةً وزناداً بخبث الجميش [فلا تمسها" 1. الجميش 2]: اسم موضع.
وروى يحيى بن عروة عن أبيه عروة أن رجلاً غصب أرضاً من رجل من بني بياضة من الأنصار فغرسها نخلاً "عُماً) فرفع ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمر بقلعه وقال: "ليس لعرق ظالمٍ حق" قال عروة: فأخبرني من رأى الفؤوس تعمل في أصولها 3 وقال أيضاً: رأيتها وأنه لتضرب في أصولها بالفؤوس وإنه لنخلٌ عمُّ حتى أخرجت وقوله: عُماً يعني طوالاً وقيل: يعني عمَّت بخيرها ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: "عمَّتكم النخلة" 4 يعني عمت بخيرها وقيل: أراد أنها خلقت من فضل طينة أدم - صلى الله عليه وسلم - فصارت عمة في النسب.
وروى سعيد بن زيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من ظلم من الأرض شيئاً فإنها تطوقه من سبع أرضين" 5 وزاد جابر مرفوعاً: "وكلف نقل ترابه إلى المحشر" وروي: "من اقتطع شبراً من الأرض" 6 وروى عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لعن الله من غيَّر منار الأرض" 7 وروي أنه قال: " لعن الله سارق المنار قيل: يا رسول الله وما سارق المنار قال: "يأخذ الرجل العلامة من أرض نفسه إلى أرض غيره" 8 وقال أيضاً: "ملعون من غير تخوم الأرض" 9 يعني حدودها وأعلامها.
وأما الإجماع فلا خلاف بين المسلمين فيه.
فإذا تقرر هذا فالأموال ضربان حيوان وغير حيوان فأما غير الحيوان فضربان: ما له مثل، وما لا مثل له فإن كان له مثل يلزمه رده إن كان باقياً لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "على اليد ما أخذت حتى ترد" 10 وروي "حتى تؤديه" ويلزمه رد مثله إن كان تالفاً لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:194] وعلى هذا لو غصب قفيزاً من طعام قيمته دينار فرده أو ردَّ (13/ب) مثله وقيمته درهم لم يكن عليه غيره وهذا لأن الرجوع إلى المثل رجوع إلى المشاهدة والرجوع إلى القيمة

رجوع إلى الاجتهاد، والمشاهدة أولى من الاجتهاد، وإن لم يكن له مثل يضمن بالقيمة.
وحكي عن عبيد الله العنبري أنه قال: يضمن للأشياء كلها بالمثل فإذا أتلف خشبةً يلزمه مثلها من جنسها وكذلك في الثوب وقيل: هو مذهب أحمد ذكره في "الحاوي" 1. وحكي عن داود أنه قال: يجب في الحيوان المثل فيجب في العبد العبد وفي العصفور العصفور وشبَّهه بجزاء الصيد وهذا غلط لما روى عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أعتق شركاً له في عبد قُوّم عليه" 2 فأمر بالتقويم في حصة الشريك لأنهما متلفة بالعتق ولم يأمر بمثيلها ولأن القيمة فيما لا مثل له أعدل فإنهما قد يتساويان في القيمة ويختلفان في الصفة، وقد يتساويان في الصفة ويختلفان في القيمة فاعتبار القيمة أولى.
وأما تشبيهه بجزاء الصيد لا يصح لأن ذلك من حق الله تعالى المبني على المساهلة ونصَّ فيه على المثل بخلاف هذا، واحتج عبيد الله العنبري بما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ما رأيت صانع طعام مثل صفية صنعت طعاماً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبعثت به فأخذني إفكل فكسرت الإناء فقلت: يا رسول الله ما كفارة ما صنعت؟ قال: "إناء مثل إناء وطعام مثل طعام" 3 والإفكل: الرعدة من الغيرة قلنا: ذكر هذا على وجه المعونة والإصلاح دون بتّ الحكم فإن القصعة والطعام ليس لهما مثل معلوم، وهذا الطعام والإناء حملا من بيت صفية والغالب أنه ملك الرسول - صلى الله عليه وسلم - وله أن يحكم في ملكه كيف شاء، أو يحمل على مثل القيمة.
وأما الحيوان فعلى ضربين آدمي وغير آدمي فأما غير الآدمي يضمن بقيمة عند الإتلاف وفي الجناية يضمن ما نقص.
وأما الآدمي فضربان حرّ، وعبد فالحر لا يضمن باليد ويضمن بالجناية، وأما العبد فيضمن باليد والجناية.
فرع حدُّ ماله مثل أن يجتمع [14/أ] فيه شرطان؛ تماثل الأجزاء، وأمن التفاضل كالحبوب، والأدهان، والأثمان، والتمور، والخل ونحو ذلك، فإن كان مكيلاً كان الكيل شرطاً في المماثلة دون الوزن، وان كان موزوناً كان الوزن شرطاً في المماثلة دون الكيل، ولو خيف تفاضله كالثمار الرطبة فلا مثل له وتجب القيمة.
وقيل: حده ما يتساوى أجزاؤه وقيمة أجزائه، وأن يكون على حالة الادخار أو حالة الكمال.
وقال القفال: حده ثلاثة أشياء، أن يكون مكيلاً أو موزوناً، وأن يكون مضبوطاً بالصفة بحيث يجوز فيه السلم، وأن يجوز بيع بعضه ببعضٍ، فالرّبُ لا يكون من ذوات

الأمثال؛ لأنه لا يجوز بيع بعضه ببعض، والغالية ليست من ذوات الأمثال؛ لأنها لا تضبط بالصفة.
ومن أصحابنا من قال: يكفي شرطان ولا يعتبر جواز أحدهما بالأخر، وأفاد الاختلاف أن الرطب هل هو من ذوات الأمثال أم لا؟ وجهان، والصحيح ما ذكرنا أولاً.
فرع أخر الدقيق من ذوات الأمثال في أصح الوجهين وبه قال المزني وفي القطن وجهان والصحيح أنه من ذوات الأمثال لأن النوع الواحد منه لا يختلف غالباً، وكذلك الإبريسم والغزل والسمن واللبن والثلج والجمد والسكر والفانيد والعسل والمسك والعنبر والكافور والنفط، وقال الشافعي: في الصوف يضمن بالمثل إن كان له مثلٌ وقيل فيه قولان.
فرع آخر في اللحمان ثلاثة أوجه أحدهما: أنها من ذوات الأمثال، والثاني: من ذوات القيم، والثالث: اليابس منها من ذوات الأمثال دون الطري وهكذا حكم الثمار والبقول والبطيخ.
فرع آخر الخبز من ذوات القيم، وقال أبو حنيفة: من ذوات الأمثال وبه أفتى القفال وجوَّز السلم في الخبز وحكاه المزني في المنثور قولاً واختاره واعتبر الجنس والنوع فقط فرع آخر إذا أوجبنا المثل طالبناه به ما دام موجوداً فإن أعوز المثل وتأخر قبضه حتى لا يوجد في ذلك الموضع قال أبو إسحاق: قيل للمغصوب منه: إن صبرت إلى أن يحمل [14/ب] إلى هذا الموضع مثله أو تتسلمه في الموضع الذي يوجد فيه فذاك إليك، وان أبيت إلا أن تطالبه من وقتك في هذا الموضع فليس لك إلا قيمته أكثر ما كانت من يوم الغصب إلى يوم الانقطاع وهذا ظاهر المذهب ووجهه أنه كان مأموراً بردّ العين مع بقائها ثم صار مأموراً بردّ مثلها بعد تلفها فلزمه القيمة أكثر ما كانت في جميع الأحوال التي هو مأمور بالرد فيها، وقال جماعة من أصحابنا: وهو اختيار ابن أبي أحمد يلزمه قيمة المثل يوم المحاكمة لأن الذي لزمه بالتلف هو المثل ولهذا لو تأخرت المطالبة حتى وجد المثل بعد الفقد كان له المطالبة بالمثل فإذا أراد القيمة يلزمه قيمة ما في ذمته من المثل واعتبر التقويم يوم المحاكمة، وقال القاضي الطبري: هذا وجه محتمل ولكنه خلاف نص الشافعي ولا يصح لأن هذا القائل يجعل المثل بمنزلة المغصوب والمثل لم يتناوله الغصب فلا يجوز أن يجري مجراه.
وقال بعض أصحابنا: يلزمه أكثر ما كانت قيمته من وقت الغصب إلى وقت

المحاكمة، ومن أصحابنا من قال: يلزمه قيمة المثل وقت العدم ولا اعتبار بما كان زائداً قبله أو بعده لأن نقص ثمنه مع وجود المثل لا يوجب غرم النقص مع دفع المثل فعلم أن ما تقدم من زيادة الثمن ونقصه غير معتبر وقد اعتبرت قيمته في آخر وقت إمكانه وهذا قول للشيخ الجليل أبي عبد الله الحناطي والقاضي أبي عليّ الزجاجي والقاضي الماوردي وجماعة وبه أقول.
ومن أصحابنا من قال: إن كان ذلك مما يوجد في وقت وينقطع في وقت كالعصير وجبت قيمته وقت الانقطاع لأن بالانقطاع يسقط المثل وتجب القيمة، وان كان مما لا ينقطع عن أيدي الناس ولكن يتعذر في موضع تجب قيمته يوم الحكم لأنه لا ينتقل إلى القيمة إلا بالحكم ويحكى هذا عن ابن أبي أحمد، وحكي عن ابن أبي أحمد أنه قال: إن وجد له مثل يوم التلف ثم انقطع كالعصير يلزمه قيمته يوم الانقطاع لأن المثل قد استقر في ذمته ها هنا [15/أ] ثم انقطع، وان لم يوجد مثله يوم التلف يلزمه أكثر ما كانت قيمته من وقت الغصب إلى يوم التلف لأنه لما تلف في وقت لا يوجد مثله فيه صار في الحكم كمتلفٍ لا مثل له، وقد قال الشيخ أبو عبد الله الخشن في شرح "التلخيص": قال الشافعي في كتاب الغصب ونقله المزني إلى الجامع الكبير: لو غصب حبا أو تمراً أو أدماً فاستهلكه فعليه مثله إن وجد له مثل فإن لم يوجد له مثل فعليه أكثر ما كانت قيمته ما بين الغصب والتلف والعلة ما ذكرنا، ومن قال يلزمه قيمته يوم المحاكمة خالف هذا النص فحصل ستة أوجهٍ.
وقال القفال: اختلاف أصحابنا في هذا يبُنى على اختلافهم فيما لو أتلف المثل فلم يوجد المثل فغرم القيمة ثم وجد المثل هل للمالك رد القيمة وأخذ المثل؟ أو هل للغاصب استرداد القيمة ورد المثل؟ وجهان أحدهما: له ذلك لأن العدول إلى القيمة كان للضرورة فإذا أتلفت للضرورة بغير الحكم كما لو غصب عبداً فأبق من يده غرم قيمته ثم وجد العبد له الرد واسترجاع القيمة وللسيد الاسترداد ورد القيمة، والثاني: ليس له ذلك لأن للمتلف بدلين المثل والقيمة فإذا عدم المثل فالقيمة هي البدل فإذا بذل القيمة ليس له العود إلى البدل الآخر بخلاف العبد الآبق فإنه عين ماله فله الرجوع إليه متى قدر فإذا قلنا: له الرجوع إلى المثل ورد القيمة فها هنا يغرم أكثر ما كانت قيمته من يوم الغصب إلى يوم فقد المثل لأن العين وإن تلفت حلَّ المثل محل العين وإذا قلنا: ليس له ذلك فها هنا يغرم قيمة المثل يوم فقد المثل ويحتمل أن يقال: يوم يحكم عليه، وقال أصحابنا بالعراق: إذا أخذ القيمة لا يطالب بالمثل بعده إذا وجد وجهاً واحداً والفرق بينه وبين مسألة الآبق أن قيمة الآبق أخذت عند الإياس منه فلزمه الرد عند القدرة وها هنا أخذ القيمة مع العلم بالقدرة عليه من بعد فلم يلزمه ردها بعد القارة عليه، وقال في "الحاوي": إذا عدم المثل فيه قولان حكاهما أبو حفص بن الوكيل أحدهما: يلزمه قيمة الأمل المغصوب أكثر ما كانت من وقت الغصب إلى يوم التلف، والثاني: يلزمه قيمة المثل.

وفي زمان القيمة وجهان: أحدهما: أكثر ما كانت من وقت الغصب إلى وقت [15/ب] العام، والثاني: يعتبر قيمته وقت العدم على ما ذكرنا.
فرع آخر لو وجد المثل بأكثر من ثمن المثل يحتمل وجهين أحدهما: لا يلزمه المثل لأن وجود الشيء بأكثر من ثمن مثله كعدمه كما قلنا في الماء في الوضوء والرقبة في الكفارة، والثاني: يلزمه لأن المثل كالعين، ولو احتاج في رد العين إلى أضعاف ثمنه لزمه فكذلك المثل وهذا أقيس عندي.
فرع آخر لو اصطلحا على أخذ القيمة مع وجود المثل يصح في أصح الوجهين.
فرع آخر لو اختلفا فقال المالك: للمغصوب مثل وقال الغاصب: لا مثل له فقال المالك: المثل موجود، وقال الغاصب: المثل معدوم يكشف الحاكم عن وجوده وعدمه فإن عدم قد ذكرنا أنه بالخيار بين أن يصبر إلى وجوده وبين أن يعدل إلى القيمة فإن صبر ثم رجع مطالباً بالقيمة قبل الوجود فله ذلك بخلاف السَّلم إذا انقطع المسلم فيه فرضي بالصبر إلى وجوده ثم رجع ليس له الرجوع، والفرق أن تعذر وجود المسلم فيه عيبٌ فإذا رضي به لزمه ذلك بالفقد وصبر المغصوب منه إلى وقت وجود المثل إنظار وتأجيل تطوع به فلم يلزم.
فرع آخر إذا أوجبنا القيمة يجب من نقد البلد الذي تلف فيه لأنه موضع الضمان.
فرع آخر لو لم يتلف العين المغصوبة ولكنه جنى عليها يلزمه ضمان ما نقص فإن كان ثوباً فخرّّقه ومزَّقه، أو كانت آنيةً فرفضها أو كسرها يؤخذ منه الأرش وترد العين إلى صاحبها وليس له تسليم الثوب وغيره إلى الغاصب وأخذ بدله صحيحاً سواء كثرت الجناية أو قلَّت، والأصل فيه كل جناية استقر أرشها لم يجب على الجاني إلا أرشها فقط وهذه المسألة هي التي بدأ بها صاحب الكتاب وهي من باب الجنايات.
وقال أبو حنيفة: إن شق الثوب عرضا فعلى الشاقّ ما نقص ويرده إلى مالكه وان شقه طولاً لا بأخذها من طرفيه حتى لو تلف جل منافعه صار الثوب ملكاً للشاق [16/أ] وعليه قيمته لصاحبه وهذا بعيد عن الصواب لأن الجناية على الأملاك من غير شبهة لا يجوز أن يصير سبباً له مثل الملك كما لو شقه شقاً لم يتلف جل منافعه وعلى هذا يود ما بقي إلى صاحبه عنانا نفعه أو لم ينفعه وربما يقولون: صاحبه بالخيار بين أن يتركه به ويأخذ منه كل القيمة وبين أن يسترده ويأخذ الأرش وبه قال مالك، وحكي عن مالك أنه قال: يتخير المالك بين أن يتركه به ويأخذ منه كل القيمة وبين أن يسترده

ناقصاً ولا أرش له، وحكي عنه أيضاً أنه قال: له أن يرفأ الثوب إذ أراد ثم يغرم ما بين قيمته مخرقاً مرفوءاً وبين قيمته صحيحاً، وإن شاء لم يرفؤ ويغرم ما بين قيمته صحيحاً ومخرقاً وكذلك قال في الإناء إذا كسره أصلحه إن شاء وعندنا ليس له الرفؤ والإصلاح.
فرع آخر لو كان المتلف من جنس الأثمان ولا صنعة فيه كالنقرة والخلاص والتبر يضمن قيمته من غالب نقد البلد فإن كان غالب نقد البلد من غير جنسه مثل إن كان فضة ونقد البلد دنانير أو كان ذهباً ونقد البلد دراهم فعليه أكثر ما كانت قيمته من ذلك من يوم الغصب إلى يوم التلف، وان كان غالب نقد البلد من جنسه مثل إن كان فضة وغالب نقد البلد دراهم نظر، فإن كانت القيمة فوق وزنه سواء أخذ ذلك، وإن كانت قيمته أقل من وزنه أو أكثر من وزنه ضمنه بقيمته من غير جنسه، وإن لم يكن نقد البلد ولا يجوز أخذ قيمته من جنسه لأنه رباً.
فرع آخر لو كان فيه صنعة مباحة كحلي النساء المباح كالخاتم والمنطقة وكانت قيمته أكثر من وزنه كخلخال وزنه مائة وقيمة الصنعة فيه مائة وعشرون تضمنه بغالب نقد البلد من غير جنسه، وإن كان من جنسه فيه وجهان أحدهما: يضمنه مصوغاً بغير جنسه كالسبيكة سواء لئلا يؤدي إلى الربا وهذا اختيار ابن أبي هريرة، والثاني: يضمنه بمثل وزنه من جنسه وبأجرة صياغته، ثم هل يجوز أن تكون الأجرة ذهباً وجهان [16/ب] أحدهما: لا يجوز لئلا يفضي إلى الربا، والثاني: وهو الأصح وبه قال أحمد يجوز لأنه بال من الصياغة ولا يدخلها الربا، ولو دخلها الربا إذا كان ذهباً خالصا لدخلها إذا كان ورقاً لأنه لا يجوز أن يباع مائة دينار بمائة دينار ودرهم وقد ذكرنا هذا في كتاب الزكاة وذكرنا حكم الصنعة المحرمة وحكم الأواني إذا كسرها.
فرع آخر لو غصب أبواباً وأحرقها تلزمه قيمة الأبواب وهل يكون الرماد للغاصب؟ وجهان.
فرع آخر إذا قتل بهيمة يلزمه كمال قيمتها وإن جنى عليها يلزمه ما نقص من قيمتها سواء كان الانتفاع بظهرها دون لحمها كالبغل والحمار، أو بلحمها دون ظهرها كالغنم والطيور أو بهما كالإبل والبقر والخيل وسواء كانت الجناية قلع عين أو قطع طرف أو غيره وقدر الأرش أن يقوم بعد الاندمال فيقال: كم يساوي صحيحاً من غير جرح به، وكم يساوي صحيحاً مندملاً فيكون عليه ما بين القيمتين وإنما قومنا بعد الاندمال لأنه لا يدري سرايتها ونهايتها، وقال أبو حنيفة: إن كان ينتفع بظهرها ولحمها كالإبل والبقر والخيل فقلع عينها يلزمه نصف قيمتها، وان قلع إحدى عينيها يلزمه ربع قيمتها استحساناً،

واحتج بما روي عن عمر رفي الله عنه أنه "قضى في إحدى عيني الدابة بربع قيمتها" وهذا غلط لأنها جناية على بهيمة فلا يتقدر أرشها كما على الحمار، وأما عن روي عن عمر رضي الله عنه محمول على أن ذلك قدر ما نقص كما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه "قضى في العين القائمة بثلث الدية" وأراد طريق الحكومة، وحكي عن مالك أنه قال: يلزمه أن يداويها لتبرأ ويقل الغرم وعندنا ليس له ذلك ويمنع، ولو داواها فاندملت وعادت قيمتها كما كانت فلا شيء عليه في ظاهر نص الشافعي ومشهور مذهبه.
فرع آخر لو قطع ذنب حمار القاضي يلزمه ما نقص، وتال مالك: يلزمه جميع قيمته لأن فيه غضاضة على المسلمين [17/أ] ووهنأ في الدين، وذكر أصحابه علة أخرى وهي أنه أتلف عليه عوضه لأنه لا يركبه في العادة وهذا غلط لأنه لو خرق ثيابه أو تعدى في قماشه أو جني على بدنه يسوي بيه وبين غيره، فكذلك في هذه الجناية وهذا لأن الاعتبار في الجنايات بالإتلاف لا بالإعراض فإنه إذ لم يصلح له يصلح لغيره فمنفعته باقية.
فرع آخر إذا جنى على عبدٍ جناية فإن كان مما لا أرش له مقدر في الحر يلزمه ما نقص فيقوم العبد سليماً ويقوم به هذه الجناية فيضمن ما بين القيمتين فإن كان مما له أرش مقدر في الحر مثل قطع اليد والرجل ونحو ذلك نعتبر أرشه بقيمته كما يعتبر أرش أطراف الحر من ديته فيلزم في إحدى يديه نصف قيمته وفي بدنه تمام قيمته هكذا ذكره أصحابنا بالعراق وهو المنصوص، وقال بعض أصحابنا بخراسان: يلزم فيه ما نقص كما قلنا في البهيمة وهذا أقيس، وقال مالك: لا يلزم المقار في جراحاته إلا في الشجاج الأربع الموضحة والمنقلة والمأمومة والجائفة ويلزم في غيرها ما نقص وهذا غلط لأن كل جناية لها في الحر أرش مقدر كان لها أرش مقدر في العبد كالشجاج الأربع.
فرع آخر لو غصب عبداً فسقطت يده بأكلٍة يلزمه ما نقص لأن ضمان الغصب لا يتعلق به وجوب القصاص ولا الكفارة ولا تحمل العقل وكان بمنزلة ضمان الأموال وذكر ابن أبي هريرة عن بعض أصحابنا أنه يجب فيه نصف قيمته كما في الجناية وهذا غلط لما ذكرنا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان أحدهما: يلزمه ما نقص، والثاني: يلزمه الأكثر من المقدر الذي يجب بالجناية ومما نقص حتى لو نقص بسقوط اليد من ألف ستمائة غرم ستمائة، وأن نقص عن أربعمائة غرم خمسمائة وهذا حسن غريب.
فرع آخر لو غصبه وقطع يده فإن قلنا: ضمانهما واحد يلزمه نصف [17/ب] قيمته فإن قلنا:

بالمذهب إن ضمانهما مختلف يلزمه أكثر الأمرين من نصف قيمته أو ما نقص لأن سبب فمان كل واحد منهما قد وجد.
فرع آخر لو غصب عبداً فجاء آخر وقطع يده يلزم الجاني نصف قيمته فإن قلنا: ضمان الغاصب والجناية واحد طالب بنصف القيمة الغاصب أو الجاني لأن الغاصب ضمنه باليد، والجاني ضمنه بالجناية فإن غرم الغاصب يرجع به الغاصب على الجاني، وإن غرم الجاني لم يرجع به على الغاصب وإن قلنا: يلزم الغاصب أكثر الأمرين فإن رجع على الغاصب رجع بالأكثر، ثم إن كان نصف القيمة أكثر مما نقص رجع الغاصب على الجاني بجميعه، وان كان ما نقص أكثر رجع على الجاني بنصف القيمة ولا يرجع بما زاد عليه وان رجع صاحبه على الجاني رجع بنصف القيمة فإن كان ذلك أكثر من النقصان لم يرجع به الجاني على الغاصب بشيء، وإن كان نصف القيمة أقل من أرش النقصان رجع صاحبه بالنصف على الجاني ولا يرجع بما زاد عليه إلا على الغاصب.
فرع آخر لو قطع يدي عبد يلزمه جميع قيمته ويرد العبد إلى صاحبه وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: المالك بالخيار بين أن يترك به العبد ويأخذ منه جميع قيمته فيملكه بها وبين أن يسترده ولا شيء، له، وقال أبو يوسف ومحمد: هو بالخيار بين أن يتركه به ويأخذ منه القيمة وبين أن يسترده مع النقصان.
واحتج الشافعي عليه فقال: وكيف غلط من زعم أن الجاني لو جنى على يد واحدة فأبانها ولم يفسد المملوك أخذه مالكه وقيمة ما نقصه وهو نصف قيمته ثم لو زاد الجاني معصية فقطع يديه فأفسده سقط حق المالك عن الجاني ولا شيء له عليه إلا أن يسلمه إلى الجاني ليملكه الجاني فأسقط حق المالك بالفساد حين عظم وأثبت الحق له حين صغر وجعل للجاني حق الملك في جميع العبد حين عصى وأفسد ولم يجعل له حق الملك في بعض العبد [18/أ] ببعض الفساد حتى يملك نصفه بقطع يد واحدة والله تعالى جعل المالكين أولى بأملاكهم لا يزول عنها ملكهم إلا برضاهم وهذا القول خلاف لأصل حكم الله تعالى بين المسلمين، فإن قيل: أليس يملك الوالد جارية الولد إذا استو لدها لأن الاستيلاد كالاستهلاك لجل منافعها، كذلك ها هنا قلنا: حكي المزني قولاً عن الشافعي أن الوالد لا يملكها بالاستيلاد فلا نسلم، وإن سلمنا فذاك لقوة شبهة الآباء وأما قول الشافعي في هذا الفصل: وهذا خلاف المعقول والقياس فإنما فمل بين المعقول والقياس لنكتةٍ وهي أن من المسائل ما يكون حجتها جلية ظاهرة حتى يكاد يلتحق بحجج العقول ويستدركها العاقل ببديهة عقله استدراكاً يستغني معه عن الاشتغال بترشيح القياس وتحريره ورد الفرع إلى أصله.
وهذه المسألة من هذه الجملة لأن العاقل متى سمع هذا المذهب الذي ذهب إليه الخصم مع هذا التفصيل الذي فصله غلب على

قلبه أنه نوه تحكم وأن تحرير القياس فيها نوع تكلّف.
فرع آخر لو كان للرجل عبد فجني عليه بقطع الأنف أو قلع العين لا يزول ملكه، وقال مالك: إذا مثل بعبده هكذا يصير حراً وزال ملكه واحتج بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من مثل بعبده فهو حر" 1 وهذا غلط لا تبين به الزوجة في يعتق به المملوك أو نقيس على الجناية التي ليست بمثله.
وأما الخبر فالمقصود به التغليظ والزجر أو نحمله على ما علق عتقه بالمثلة.
فرع آخر لو غصب عبداً فمات في يده أو قتله يلزمه قيمته بالغةً ما بلغت، وإن زادت على دية حر ووافقنا أبو حنيفة فيه، وإن خالفنا فيما لو قتله وقال: لا تزاد قيمته على عشرة آلاف درهم وينقص عنها عشرة دراهم، ولا فرق في هذا الحكم بين العبد القن والمدبر وأم الولد، وقال أبو حنيفة: لا تضمن أم الولد باليد وخالفه صاحباه وهذا غلط لأنه يضمن قيمتها بالجناية فتضمن باليد كالقن.
فرع آخر لو قطع المالك إحدى يديه في يد الغاصب كان استيفاء لأقل الأمرين من نصف القيمة المقدرة في إحدى [18/ب] اليدين شرعاً أو ما نقص من قيمته وكان ما بقي بعد أقلهما مضموناً على الغاصب، فإن نقص من قيمته ثلثاها أخذ الغاصب بعد رده مقطوعاً يغرم السدس من قيمته لأنه نقص زائد في يده، ولو أعتقه السيد كان قبضاً يبرأ من ضمانه، ولو كاتبه لم يبرأ إلا أن يعتق بالأداء فيبرأ.
فرع آخر لو تراضى الغاصب والمالك على أخذ القيمة عن ضمان المغصوب مع القدرة على المثل وجهان بناءً على الوجهين في جواز أخذ أرش العيب مع القدرة على رد المعيب.
مسألة 2: قال: "ولو غصبَ جاريةً تُساوي مائةً فزادتْ في يدهِ بتعليمٍ منه".
الفصل وهذا كما قال: إذا غصب شيئاً فزاد ني يده مثل إن كانت جارية فسمنت أو تعلمت القرآن أو كان عبداً فتعلم صنعةً فإن هذه الزيادة مضمونة في يده كما لو كانت موجودة يوم الغصب فإن كانت الزيادة قائمة يردها بزيادتها ولا شيء عليه، وإن ذهبت الزيادة بأن هزلت أو نسيت الصنعة أو القرآن، فعادت قيمها إلى أقل من ذلك فعليه ضمان ذلك النقص وبه قال أحمد.

وقال أبو حنيفة ومالك: لا يضمن هذا النقصان إلا أن يطالبه بالرد وقت الزيادة فيمتنع وهذا غلط لأنها زيادة في عين المغصوب فيضمنها كما لو طالبه بردها فلم يردها مع الإمكان، فإذا تقرر هذا لو كانت قيمتها مائة فسمنت فبلغت قيمتها ألفاً ثم تعلمت القرآن فبلغت قيمتها ألفين ثم ذهب السمن ونسيت القرآن فعادت قيمتها إلى مائة ردها ورد معها ألفاً وتسعمائة، ولو زادت ثم نقصت ثم زادت ثانياً لم تخل الزيادة من أحد أمرين إما أن تكون من جنس الأولى أو من غيرها، فإن كانت من غيرها بأن سمنت فبلغت ألفاً ثم هزلت فعادت إلى مائة ثم تعلمت القرآن فصارت قيمتها ألفاً ردها بحالها ورد معها تسعمائة لأن هذه الزيادة غير التي ذهبت وهكذا لو تعلمت فبلغت ألفاً ثم نسيت فعادت إلى مائة ثم سمنت فعادت إلى ألف ردها وضمن ما نقص، وان كانت الزيادة (19 لم أ) من جنسها مثل أن سمنت فبلغت ألفا ثم هزلت فعادت إلى مائة ثم سمنت فبلغت ألفاً ردها بحالها وهل يلزمه ما نقص؟ وجهان: أحدهما: يلزمه ذلك لأن هذه الزيادة غير الأولى فهي كالجنسين وصار كما لو ولدت المغصوبة ولداً فمات في يد الغاصب، ثم ولدت ولدا آخر لزمه ردها مع ولدها ويلزمه قيمة الولد التالف.
والثاني: لا يلزمه شيء، لأن ما قدرناه تالفاً قد عاد فعلى هذا إن عادت فبلغت قيمتها ألفا أو أكثر ردها ولا شي، عليه، وإن عاد إليها بعض ما ذهب منها سقط بقدر ما عاد إليها وضمن ما بقي، وقال القاضي الطبري: هذان الوجهان مبنيان على القولين فيمن أتلف سن من قد ثغر ودفع الأرش ثم نبت السن هل يسترد الأرش؟ قولان وعلى هذا إذا كانت سمينة فهزلت في يده حتى صارت قيمتها مائة، ثم سمنت فعادت إلى ألف ثم ردها بسمنها هل يلزمه النقصان على الوجهين؟.
فرع لو تعلمت القرآن فبلغت قيمتها ألفاً ثم نسيت فعادت قيمتها إلى مائة، ثم تعلمت القرآن الذي نسيت فبلغت قيمتها ألفا ردها بحالها وهل يلزمه النقصان؟ من أصحابنا من قال: فيه وجهان أيضاً، ومن أصحابنا من قال: ها هنا وجه واحد أنه لا يلزمه النقصان لأنه يعود العلم الذي كان بخلاف السمن العائد فإنه غير العين الأول قال هذا القائل: ولهذا لو مرض العبد في يد الغاصب ثم برئ لا يضمن ما نقص، وكذلك لو حملت الجارية ونقصت قيمتها بالحمل ثم وضعت وعادت قيمتها إلى ما كانت لا يضمن نقص الحمل، ولو تعلمت غير ما نسيت حتى رجعت قيمتها إلى ما كانت لا يزول ذلك الضمان وجهاً واحداً، ومن أصحابنا من قال في السمن إذا عاد لا يزول الضمان السابق بالهزال قولاً واحداً وفي مسألة التعليم وجهان وهذا اختيار القفال.
فرع آخر قال ابن سريج تفريعاً على هذا: لو غصب زجاجه تساوي درهماً فاتخذها قدحاً

يساوي عشرة فانكسر القدح فصار يساوي درهماً ثم أعاده قدحاً [19/ب] يساوي عشرة ثم انكسر أيضاَ فصار يساوي درهماً، ثم أعاده قدحاًَ فصار يساوي عشرة يرد القدح وثمانية عشر درهماً، وفيه وجه أخر لا يضمن شيئاً لأن اتخاذ القدح من فعله وفعله الثاني كفعله الأول بخلاف السمن.
فرع آخر قال في "الحاوي" 1 تفريغاً على هذا: لو غصب جارية تساوي ألفاً فمرضت حتى صارت إلى مائة، ثم برأت حتى صارت ألفاً، ثم مرضت حتى صارت مائة فيه وجهان أحدهما: يضمن النقص مرةً، والثاني: يضمن النقص كل مرة.
فرع آخر لو غصب عبدا سميناً يساوي ألفا فهزل أو أهزله حتى ذهب سمنه فزادت قيمته بالهزال أو لم ينقص قيمته لفرط سمنه لا شيء عليه لأن ما نقص منه لا قيمة له، كما لو قلم أظفاره أو حلق شعر وأسه، فإن قيل: أليس لو غصب عبداً فخصاه فزادت قيمته بالخصا يلزمه رده وجميع قيمته عندكم فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن للخصيتين قيمة مقدرة بالشرع فأوجبنا فيه جميع القيمة بالشرع دون التقويم، ولهذا لو قطع إحدى الخصيتين ونقص أكثر من نصف القيمة في غير الغصب يلزمه نصف القيمة اعتباراً بالشرع دون التقويم وليس كذلك ما نقص من السمن لأنه لا قيمة له في الشرع ولا في السوق فإذا لم ينقص لا يضمن.
فرع آخر لو قطع منه إصبعان زائدة فبرئ، أو زادت قيمته، أو لم تزد قال ابن سريج: لا شيء عليه لما ذكرنا أنه لا قيمة له في الشرع ولا في السوق، وقال أبو إسحاق: يلزمه ما نقص ويقوَّم قبل البرء والدم سائل والجراحة حاصلة قال: ولا أقوَّم قبل البرء إلا في هذه المسألة للضرورة وهي أن لا تهدر الجناية.
فرع آخر لو زادت قيمتها بتعليم الغناء ثم نسيت الغناء فانتقصت قيمتها لا يضمن لذلك النقصان شيئاً ذكره أصحابنا وكذلك كل ما تحسن من محرم، وقال بعض أصحابنا بخراسان: يضمن النقصان ها هنا ولا فرق بين أن تكون الزيادة بتعليم مباح [20/أ] أو محرم لأن قيمتها قد ترتفع بصنعة محظورة كما ترتفع بصنعة مباحة وهذا أقيس والأول أظهر.
فرع آخر لو كان النقصان من جهة السوق مثل أن غصب جارية تساوي مائة فغلا السعر

وعزت الجارية يردها ولا شيء عليه، وقال أبو ثور: يضمن هذا النقصان أيضاً وهذا غلط لأنه لم يحصل النقص في عينها ويستحيل وجوب الضمان بقلة الرغبات فيها بعد كثرة الرغبات فيها فإن قال قائل: أليس لا يفترق الحكم بين أن يحصل التعليم من الغاصب وبين أن يحصل من غيره فما بال الشافعي قيد كلامه بتعليم الغاصب حيث قال: فإن زادت في يده بتعليم منه قلنا: إنما قيد بهذا التعيين التقييد قطعاً لنوعين من التوهم أحدهما: أن الغاصب إذا باشر تعليمها ربما يتوهم أنها إذا نسيت ما تعلمت من الغاصب لم يغرم الغاصب نقصان ذلك لحصول تلك الزيادة من جهته، والثاني: أن الغاصب ربما يتوهم أن له بتعليمها على مالكها أجرة المثل حتى يحسبها له في قصاص النقصان عند التراجع فبين الشافعي أنه لا يستحق أجراً تصرف في ملك الغير متبرعاً بغير إذن، وعلى هذا لو زادت قيمتها بحسن اغتذائه وتربيته إياها ثم تراجعت كان حكم الاغتذاء حكم التعليم، فإن قيل: لم قيد الشافعي بمال الغاصب حيث قال: واغتذاء من ماله ولا فرق في الحكم بين أن يكون الاغتذاء من ماله أو من مال غيره؟ قلنا: الجواب ما ذكرنا من قطع التوهمين.
فرع آخر لو غصب عبداً فصاد به فالصيد للمغصوب منه لأن يده لسيده، وهل على الغاصب أجرته في مدة صيده؟ وجهان أحدهما: يلزمه لأنه غاصب، والثاني: لا يلزمه لأن السيد صار إلى منافعه في ذلك الزمان.
فرع آخر لو كان المغصوب كلباً أو فهداً ففي الصيد وجهان أحدهما: للغاصب لأنه المرسل وعلى هذا يلزمه أجرة الفهد، وفي أجرة الكلب وجهان والوجه الثاني أنه للمالك تغليباً للملك وعلى هذا يلزم الغاصب أجرة ذلك في زمان صيده وجهان على ما ذكرنا.
مسألة 1: قال " "وكذلك [20/ب] هذا في ابيع الفاسد".
وهذا كما قال: معناه إذا اشترى جارية شراء فاسداً وقبضها دخلت في ضمانه كما يدخل المغصوب بالغصب في ضمان الغاصب وقد ذكرنا هذا في كتاب البيع وبينا أن هذا يدل على أن زيادة المبيع مضمونة على المشترى شراءً فاسداً بخلاف ما قال بعض أصحابنا وهو اختيار ابن أبي هريرة، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان وفيه نظر، فإن قال قائل: يحتمل أن يكون هذا التشبيه راجعاً إلى أصل الضمان لا إلى كيفية الضمان قلنا: هذا محتمل ولكن أظهر الاحتمالين ما ذكرنا وهو أنه شبهها بالمغصوبة في أصل الضمان وفي كيفية الضمان أيضاً وهذا لأنه زيادة عين نهي عن إمساكها ووجب ردها على صاحبها، فإن قيل: أذن البائع له بالإمساك فينبغي أن لا يضمن له

قلنا: إنما أذن بشرط أن يسلم له العوض، فإذا لم يسلم لم يرض أن تكون العين في يده فكان في الضمان بمنزلة المغصوب وقيل: أراد الشافعي بقوله هذا: بيع الغاصب لا كل بيع فاسد وقد صرح الشافعي هذا ولم ينقله المزني وهذا غير صحيح عندي.
مسألة 1: قال: "والحكم في ولِدهَا الذينَ ولدوا في الغصب كالحكم في بدنها".
وهذا كما قال: ولد المغصوبة مضمون على الغاصب سواء غصبها حاملاً أو حائلاً ثم حدث الحمل، وسواء أمكنه رده على صاحبه أو لم يمكنه وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة ومالك: لا يضمن الولد إلا بالامتناع من الرد بعد المطالبة، وحكي عن مالك أنه فوق بين أن تكون وقت الغصب حاملا أو حائلاً وهذا غلط لأن كل ولد حدث في يده لغيره من عين نُهي عن إمساكها يجب أن يكون مضموناً كولد الصيد في حق المحرم وولد المبيعة بيعاً فاسداً مضمون على المشتري وقد ذكرناه في كتاب البيع.
فإن قيل: أليس الشافعي لما جاء إلى ذكر الولد خص ولد الغصب قال: والحكم في ولدها الذين ولدوا في الغصب فيجب أن لا يضمن ولد المبيعة بيعاً فاسداً قلنا: ذكر حكم الجارية المغصوبة وعطف عليها حكم البيع الفاسد ثم ذكر الولد بعد ذلك [21/أ] فاستغنى بالتشبيه السابق في الأم عن إعادة ذلك التشبيه في الولد.
مسألة 2: قال: "ولو باعها الغاصبُ فأولدها المشتري".
الفصل وهذا كما قال: في هذا الفصل مسألتان الأولى إذا غصب جارية وباعها فوطئها المشتري.
والثانية إذا وطئها الغاصب والأولى مبنية على الثانية فيقدم الثانية ثم نذكر الأولى فالرجل إذا غصب جارية ووطئها لا يخلو من ثلاثة أحوال إما أن يكونا جاهلين بالتحريم، أو عالمين به، أو أحدهما: عالماً والأخر جاهلاً فإن كانا جاهلين به مثل أن أسلما حديثاَ أو كانا في بادية نائية عن بلد الإسلام أو قالا: كنا نرى إباحة الوطيء إذا كانت مضمونة عليه فلا حد على واحد منهما لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ادرؤوا الحدود بالشبهات" ويجب المهر على الواطئ لأن كل وطء سقط فيه الحد للشبهة يجب به المهر ثم ينظر، فإن كانت بكراً يلزمه أرش البكارة أيضاً، وان كانت ثيباً فلزم المهر وحده ويلزمه أجر مثلها من حين الغصب إلى حين الرد، وان أحبلها يلحق به النسب.
وإذا ولدت يلزمه أرش ما نقصته الولادة، وأما الولد فإن وضعته حياً فالولد حر وعليه قيمته حين الولادة لأنه أول وقت إمكان التقويم، وإن وضعته ميتاً فلا شيء عليه لأنا لا نعلم حياته قبل ذلك ولأنه لم يحل بينه وبينه وإنما يجب التقويم لأجل الحيلولة وإن ضرب أجنبي بطنها فألقته ميتاً فعليه دية الجنين الحر غرةٌ عبد أو أمةٌ قيمتها عُشر دية أمه لو كانت حرة والغرة للواطئ لأنه وارثه ولا شيء لأمه لأنها مملوكة وللسيد على

الغاصب ضمان جنينها لو كان مملوكاً وهو عُشر قيمة أمه لأنه كان من سبيله أن يكون له لو كان مملوكاً، ولما أحبلها بحرَّ حول ما كان يكون للسيد إلى نفسه فألزمناه قيمة جنينها لو كان مملوكاً فيكون للغاصب على الضارب الغرة خمسون ديناراً وللسيد على الغاصب عُشر قيمة أمه فقابل بين هذا وبين الغرة فإن كانا سواء أخذ السيد ذلك وانصرف، وان كانت القيمة أكثر [21/ب] فعلى الغاصب التمام، وإن كانت القيمة أقل أخذ السيد القيمة وما فضل من الغرة للغاصب، ولو ضربها الغاصب فألقته ميتاً يجب عليه عشر قيمة أمه لسيدها أيضاً لأنه يضمن بالجناية ما يضمنه الأجنبي بجنايته هكذا ذكره أصحابنا.
وأما الأمة فإن كانت قائمة ردها على سيدها ورد معها ما أوجبناه عليه من مهر وأجرة وأرش نقص، وإن كانت تالفة عليه قيمتها ورد ذلك معها إلا شيئين أرش البكارة وما نقصته الولادة لأن هذا يدخل تحت تقويمها لأن التقويم أكثر ما كانت قيمتها من حين الغصب إلى حين التلف.
وإن كانا عالمين بالتحريم فعليهما الحد ويلزمه المهر إن أكرهها، وإن طاوعته فالمنصوص أنه لا مهر لأنها بغي "ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن مهر البغي 1 وفيه قول مخرج يلزمه المهر هكذا قال أصحابنا بالعراق، وقال بعض أصحابنا بخراسان: النص في هذا الموضع يدل على الإيجاب وهو اختيار ابن الحداد لأن الشافعي أوجب المهر مع الحد على الغاصب ولم يتعرض للفصل بين الطواعية والكراهية والفرق أن بضع الأمة ملك لسيدها ولم يوجد من السيد الرضا بسقوطه بخلاف الحرة، ولهذا لو أباحت الحرة قطع يدها واندملت سقطت دية اليد، ولو أباحت الأمة قطع يدها لا تأثير لإباحتها ويجب الأرش والصحيح ما سبق وقد ذكرنا فيما قبل أن المهر، وإن كان للسيد إلا أن لها طريقاً إلى إسقاطه بالرضاع والردة قبل الدخول فكذلك بهذا السبب، وان أحبلها لم يلحقه النسب والولد مملوك فإن خرج حياً فهو مضمون في يده يرده إلى سيده إن كان باقياً ويلزمه قيمته إن كان تالفاً، وإن خرج ميتاً نقل المزني أنه يلزمه الضمان فقال: قال الشافعي: ويلزمه قيمة من كان منهم ميتاً، واختلف أصحابنا فيه فقال أبو إسحاق: لا يلزمه ضمانه لأنا لا نعلم حياته والذي نقله المزني أراد إذا خرج حياً ثم مات في يده ويفارق حالة الجناية لأنها مباشرة يتعلق الحكم بها وهذا أقيس.
وقال جماعة من أصحابنا: يضمن [22/أ] قيمته لو كان ميتاً وهو ظاهر النص لأنه مملوك والمملوك يضمن باليد وقد ثبت اليد عليه قبل ظهوره ويفارق هذا إذا كان الولد حراً وخرج ميتاً لا يضمن لأن الحر لا يضمن باليد إذ لا تثبت عليه اليد، ولو ضرب أجنبي بطنها فألقت جنيناً ميتاً يلزمه عشر قيمة أمه لسيدها ولا حق للغاصب فيه لأنه

مملوك ويفارق هذا إذا كان حراً لأن الواجب فيه الدية فلهذا ورثها الغاصب، وأما الأمة فإن كانت قائمة ردها وما ذكرنا من أرش النقصان بالولادة وغيره ولا فرق بين أن يبلغ قيمة ولدها قار نقصانها بالولادة وبين أن تتقاصر عن ذلك أو تزيد ولا يجبر نقصان الأم بالولد بحال.
وقال أبو حنيفة: إذا نقص من قيمة الأم مائة وبلغ قيمة الولد مائة رد الأم والولد ولا يغرم من نقصان الأم شيئاً وهذا غلط لأنه لو غصب شجرة فغرسها الغاصب في ملكه فأثمرت ثمرة تقطعت بها أغصانها وانتقصت قيمتها عليه أرش ما نقص منها مع رد العين والثمرة ولا يجبر نقصان الشجرة بالثمرة كذلك ها هنا، وان كانت تالفة رد قيمتها وجميع ما وجب إلا شيئين أرش البكارة ونقصان الولادة على ما ذكرنا.
وإن كان أحدهما جاهلاً والآخر عالماً فإن كان الجاهل هو الواطئ فإن أكرهها لها المهر والحكم كما لو كانا جاهلين وقد مضى بيانه، وان طاوعته فالحكم كما لو كانا عالين إلا في الحد عليها والمهر على المذهبين على ما ذكرنا، فإن كان العالم هو وهي جاهلة فالحكم كما لو كانا عالمين إلا في فصلين سقوط الحد عنها والمهر يجب قولا واحداً.
وأما المسألة الأولى وهي إذا باعها للغاصب فوطئها المشتري فالكلام في ثلاثة فصول فيما يجب من الضمان وفيمن يضمن وفي الرجوع به، فأما ما يجب من الحد والضمان فالحكم في المشتري كالحكم في الغاصب حرفاً بحرف إلا أن الجهالة في حق المشتري أكثر لأنه قد لا يعلمها مستحقة والولد [22/ب] سقط ميتا ها هنا لا ضمان على ما ذكرنا في كتاب البيع ولا تصير الجارية أم ولد له قبل أن يملكها.
وقال المزني: تصير أم ولد له ويقوَّم عليه ولا ترجع منه للحوق ولدها بها في شبهة ملك بخلاف الغاصب وهذا غلط لأن ولدها يلحق بالغاصب أيضا عند الشبهة ولم يوجب ذلك تقويمها عليه فكذلك على المشتري، وأما التضمين فكل ما وجب بفعل المشتري فللسيد أن يرجع به على من شاء منهما فيوجع به على المشتري لأنه وجب بفعله، ويرجع به على الغاصب لأنه سبب يد المشتري ولا يرجع على المشتري بما وجب بفعل الغاصب قبل التسليم بلا خلاف على المذهب.
وأما الكلام في الرجوع نظر، فإن رجع السيد على المشتري رجع بأرش البكارة وما نقصته الولادة، وإن كانت تالفة فقيمتها وقيمة الولد والمهر وأجرة المثل فإذا أخذ ذلك منه فهل يرجع على الغاصب؟ فإن كان قد دخل مع العلم بالغصب لم يرجع بشيء لأنه غرَّ نفسه، وإن كان جاهلاً بالغصب فهل يرجع المشتري عليه بذلك؟ قد ذكرنا فيما مضى أن هذا على ثلاثة أضرب منها ما لا يرجع به عليه قولاً واحداً وهو كل ما دخل على أنه يملكه بعوض وهو أرش البكارة وما نقصته الولادة وقيمتها إن تلفت لأنه قد دخل في العقد على أنه يتلف من ضمانه بعوض وبذل الثمن بمقابلة ذلك فلا يرجع بعوضه على أحد بل يرجع بالثمن الذي دفعه إليه، وكذلك لو حدث بها نقص فغرمه أرش النقص لا يرجع عليه لأنه عوض جزء من العين ولا يرجع عليه بما يغرم من بدل العين.

وحكي عن ابن سريج أنه قال: لو قلنا: يرجع بما يغرم من أرش النقص فله وجه وذلك أن من اشترى شيئاً وقبضه فذلك القبض موجب عليه ضمان الكل دون ضمان النقص والعيب وكذلك البائع قبل القبض يضمن الكل لا البعض وبيان [23/أ] هذا أنه لو تلف في يد البائع لزمه رد الثمن، وإن دخله نقص فليس للمشتري أن يقول: استرد الثمن مع نقص العيب بل إن شاء المشتري رده، وإن شاء أخذه ناقصاً ودفع كل الثمن وفي ضده لو حدث عيب في يد المشتري ثم وجد البائع بالثمن عيباً فرده فليرض بالمبيع يسترده وليس له أرش النقص وبمثله لو تلف عند المشتري استرد البائع كل قيمته إذا رد الثمن بالعيب.
كذلك ها هنا ومنها ما يرجع به قولاً واحداً وهو ما دخل على أنه يستفيد بغير بدل فأخذ منه بدله ولم يحصل له في مقابلة الغرم نفع وهو قيمة الولد فقط لأنه أخذ منه قيمته وولده حر لا ينفعه ولأنه لم يتلفه ولا تلف بإمساكه وحيلولةً من جهته وإنما تلف بالشرع بتدليس من جهة الغاصب وعقد البيع الذي جرى بينهما اقتضى أن لا يكون الولد مضموناً على المشتري فكان له الرجوع به ومنها ما هو على قولين وهو ما دخل على أنه بغير عوض فأخذ منه بدله وحصل له بمقابلته منفعة وهي المهر غرمه وحصل له الاستمتاع والأجرة غرمها وحصلت له الخدمة في مقابلتها فهل يرجع المشتري بذلك أم لا؟ فيه قولان قال في "القديم": يرجح لأنه غرَّه، وقال في الجديد: لا يرجع وبه قال أبو حنيفة لأنه وان غرم فقد حصل له في مقابلة الغرم نفع وأتلف المنفعة بفعله وهذا ظاهر المذهب والفتوى عندي القول الأول.
ومن أصحابنا من عدَّ في هذه الجملة أرش البكارة أيضاً وقال: فيه قولان هل يرجع به أم لا؟ ومن أصحابنا من قال في الأجرة: ينظر إن كان استهلك منافعها فعلى ما ذكرنا، وإن لم يكن استهلكها يرجع بما غرم من الأجرة قولاً واحداً لأن منافعها تلفت من غير صنع من جهته فهي كقيمة الولد وهذا غلط لأن إمساك العين حيلولة بين المنافع وبين صاحبها وإتلاف لها، فلا فرق بين أن يباشر إتلافها أو لا وهذا [23/ب] إذا رجح على المشتري فإن رجع على الغاصب فهل يرجع الغاصب على المشتري أم لا؟ يبُنى على رجوعه بذلك على المشتري فكل ما لو رجع به على المشتري رجع المشتري به على الغاصب فالغاصب لا يرجع به عليه إذا أخذ منه وكل ما لو رجع به على المشتري لم يرجع به المشتري على الغاصب، فإذا أخذ من الغاصب رجع الغاصب به على المشتري لأن الضمان استقر على المشتري.
فرع لو كان الغاصب آجرها مدةً معلومة فإن المالك يرجع على المستأجر بأجرة مثلها، ثم هو يرجع على الغاصب بالمسمى الذي دفع إليه ولا يرجع بأجرة المثل التي غرمها للمالك لأنه دخل فيه على أن تكون المنافع مضمونة عليه، وان تلفت الجارية في يد المستأجر من غير فعله أو نقصت فعلى المستأجر للمالك قيمتها أو ما نقص منها ويرجع على الغاصب قولاً واحداً، لأن مقتضى العقد الذي تعاقداه أن لا يكون ذلك مضموناً

عليه وان أتلفها أو نقصها بجناية من جهته غرّمه ولا يرجع به على الغاصب ولو كان الغاصب أودعه إياها أو وكله في بيعها فتلفت في يده أو نقصت يرجع على الغاصب بما تغرم من القيمة وأرش النقص والأجرة.
فرع آخر لو أن هذا المشتري من الغاصب وطئها جاهلاً لا يغرم إلا مهراً واحداً، وإن كان قد وطئ مراراً لأن الشبهة واحدة، ولو وطئها ثم علمها مغصوبة ثم غلط بها مرة أخرى ووطئها يلزمه مهران لأن الشبهة الأولى قد ارتفعت، ونظيره ما قال أصحابنا في السارق: إذا نقب وأخرج أقل من نصاب ثم أخرج شيئاً آخر حتى تم النصاب، فإن لم يكن أطلع المالك على الأمر فالكل سرقة واحدة ويلزمه القطع، وإن علم المالك وسد النقب ثم عاد السارق ونقب ثانياً وأخرج ثانياً لا يقطع إذا كان في كل دفعة دون [24/أ] النصاب لأنهما سرقتان، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجه آخر يلزمه بكل وطئ مهر جديد وهذا ليس بشيء.
مسألة 1: قال: "فإن كانَ ثوباً فأبلاهُ المشتري".
الفصل وهذا كما قال: هذه المسألة مثل مسألة الجارية ولكنهما تختلفان في الصورة وفيه أيضاً مسألتان إحداهما إذا لبسه الغاصب، والثانية إذا اشتراه غيره ولبسه.
فأما الأولى نقول: لا يخلو من أربعة أحوالٍ إما أن لا ينقص في يد الغاصب ولم تمض مدة لمثلها أجرة أو مضت مدة لمثلها أجرة من غير نقص، أو نقص من غير مضيّ مدة لمثلها أجرة أو نقص ومضت مدة لمثلها أجرة معاً، فإن لم تمض مدة لمثلها أجرة ولا نقص في يده ورده على المالك ولا شيء عليه، وإن مضت مدة من غير نقص مثل إن كان شيئاً من الفرش والزلالي ونحوها رد الأجرة معه ولا شيء عليه غيرها، وإن نقص من غير مدة مثل إن كان ثوباً ينقص باللبس كالدبيقيّ والشَّهجاني والقصب نشره وقطع تنور القصب فعليه ما نقص ولا أجرة فإن حصل الأمران معاً مضى مدة ونقص لم يخل النقص من أحد أمرين إما أن يكون بالاستعمال أو بغير استعمال، فإن كان بغير استعمالٍ مثل إن كان من القصب فقطع التنور ولم يستعمله نحو هذا فعليه الأجرة وما نقص معاً، وان كان النقص تحت الاستعمال مثل إن كان فرشاً فاستعمله فذهب من الأجزاء بعضها تحت الاستعمال فهل يضمن النقص والأجرة معاً؟ نقل المزني أنه يرده وما بين قيمته صحيحاً يوم غصبه وقيمته وقد أبلاه فأوجب النقص ولم يتعرض للأجرة، وقال فيمن غصب داراً فسكنها يلزمه أجرة مثلها ولم يتعرض للنقص فاختلف أصحابنا في هذا فمنهم من قال: يلزمه أكثر الأمرين من الأجرة أو النقص ويدخل الأقل منهما في الأكثر

لأنهما تجبان بمعنى واحدٍ وهو اللبس فلا يجوز أن يجمع بينهما أو استهلاك الأجزاء في مقابلة الأجرة كما في الإجارة ويفارق العبد إذا غصبه [24/ب] ومضت مدة هُزل فيها بدنه تلزمه الأجرة مع أرش الهُزال بلا خلاف لأن استخدام العبد لا يوجب هُزاله واستعمال الثوب يوجبه بلاه قال هذا القائل: والشافعي نص في الثوب على ما نقص دون الأجرة لأنه في الغالب يكون أكثر من الأجرة ونص في الدار على الأجرة لأنها أكثر من النقص في الغالب، ومنهم من قال: وهو الأصح والمذهب تجب عليه الأجرة مع أرش النقص كما لو كان النقص لا بالاستعمال ولأن الأرش عوض ما أتلفه من أجزاء الثوب والأجرة عوض ما أتلفه من المنافع فاختلف موجبهما فيجتمعان.
وقال القاضي الطبري: نص الشافعي في السير ما يدل على هذا فقال: لو أخذ بعض الغانمين من الغنم غنماً أو بعيراً وذبحه واتخذ من جلوده دلاء ونعالاً ودرقاً ردها في المغنم ورد أجرة المثل وأرش ما نقص قيمتها ويحتمل أنه أراد ما نقص بالذبح وتقطيع الجلود دون الاستعمال، فإذا قلنا: يلزمه أكثر الآمرين نظر، فإن كانت الأجرة أكثر ولو حبةً لزمت ودخل فيها أرش النقص، وإن كان أرش النقص أكثر ولو حبةً لزم ودخلت الأجرة فيه، وإذا قلنا: يجب كلاهما فعليه أجرة المثل إلى حين الرد.
وأما النقص فعليه أكثر ما نقص من حين الغصب إلى حين البلى لأنه أجزاء تلفت في يد الغاصب فعليه أكثر ما كانت قيمته من حين الغصب إلى حين التلف ولا يراعى زيادة التلف القيمة بعد تلف الأجزاء كما لا يُراعى زيادة قيمة الثوب بعد تلفه، فعلى هذا لو غصب ثوباً قيمته عشرون فتراجع بإتلاف الاستعمال إلى عشرة ثم تراجع من جهة السوق إلى خمسة ثم وده يلزمه عشرة وهذا لأنه لا يغرم نقصان السوق مع رد العين، وذكر المزني هذه المسألة في "الجامع الكبير".
وذكر عن الشافعي أنه قال: عليه أكثر ما كانت قيمته من حين الغصب إلى حين الرد ثم قال: هذا غلط بل عليه أكثر ما كانت قيمته من حين الغصب إلى حين البلى قال ابن سريج: الأمر على ما قلت وهو مذهب الشافعي وعليه نص غير أنك نقلت إلى [25/أ] جامعك الكبير كلاماً لا نعرفه للشافعي واعترضت عليه وقد قال الشافعي ها هنا وبين قيمته وقد أبلاه ومعناه حين أبلاه دون ما بعده فليس ها هنا خلاف.
وقد ذكر ابن الحداد نحو ما حكي المزني عن الشافعي مع الاعتراض عليه فقال: لو كانت قيمته عشرة فتراجعت بالبلى إلى خمسة ثم ارتفع السوق فصار قيمة هذا البالي عشرة يضمن عشرة، وهو غلط، بل يضمن خمسة لأن القدر الذي بلى ما زادت قيمته من يوم الغصب إلى يوم التلف على خمسةٍ فما حاث من الزيادة بالسوق في الباقي لا يقال: إن القدر الباقي لو كان باقياً يحدث فيه مثله فيجب الغرم فيه على التوهم، ولكن لو تراجعت أولاً بالسوق إلى عشرةٍ من عشرين وبالبلى إلى خمسةٍ ثم رده يضمن عشرة لأنه أتلف بالبلى نصف الثوب وهذا النصف أكثر ما كانت قيمته من يوم القبض إلى يوم التلف عشرة وفرع ابن سريج على ما ذكرنا فرعين فقال: فإن اختلفا فقال الغاصب:

زيادة السوق كانت بعد البلى فلا شيء عليّ، وقال المالك: كانت حين الاستعمال قبل البلى فالقول قول الغاصب لأنه غارمٌ، ولو غصبه ثوباً ثم هلك في يده وقد كانت السوق زادت ونقصت فاختلفا فقال المالك: زادت قبل التلف فعليك الزيادة، وقال الغاصب: بل بعد التلف فلا أضمن الزيادة فالقول قول الغاصب لأنه غارمٌ.
وقال ابن سريج: هذا مخرَّجٌ وفيه نظر قال أصحابنا: هذا صحيح لا نظر فيه لأنه لا شبهة في أن القول قول الغارم عند الاختلاف والأصل براءة الذمة.
وأما إذا باعه الغاصب فأبلاه المشتري وهي المسألة الثانية فالكلام فيها في ثلاثة فصول أيضاً في الواجب ومن يضمن الواجب والرجوع فيه، فأما الواجب فكل ما حصل بفعل المشتري فالحكم فيه كما لو حصل في يد الغاصب وقد ذكرناه، وأما من يضمن فكل ما حصل بفعل الغاصب قبل إقباضه فالضمان عليه وحده لا يرجع به على المشتري وما حصل بفعل المشتري فللمالك أن يرجع به على من شاء منهما من المشتري والغاصب.
[25/ب] فإن قيل: فما تقولون في نقل المزني ها هنا أخذه من المشتري وما بين قيمته صحيحاً يوم غصبه وبين قيمته وقد أبلاه فاعتبر قيمته يوم الغصب في تغريم المشتري وهذا يوجب ضمان النقصان الحادث في يد الغاصب على المشتري؟ قلنا: صوَّر الشافعي المسألة حيث يستوي قيمته يوم الغصب وقيمته قبض المشتري لا بحيث يفضل قيمته يوم الغصب قيمته يوم القبض.
والثاني: لعل الشافعي سمى قبض المشتري غصباً لأنه يضمن بالقبض ما يضمن الغاصب بالغصب فلا يبعد أن يسمى قبضه بهذا الاسم.
والثالث: تأويله أنه غصبه وباعه في الحال ولم يحدث في يد الغاصب نقص.
والرابع: لم يرد به الرجوع على المشتري بل أراد به أن للمالك الرجوع بذلك وعلى من يرجع فإنه على ما بينه في غير هذا الموضع قال أبو حامد: وقد ذكر في "الأم" ما يدل على هذا فقال: يأخذه من المشتري وله ما بين قيمته صحيحاً يوم غصبه وقيمته وقد أبلاه فقد أخبر أن هذا للمالك ولم يقل على من يرجع به المالك، وقد حذف المزني قوله: وله.
والخامس قال القاضي أبو علي البندنيجي: كل هذا ظلم والمزني إنما قال: وله ما بين قيمته يوم قبضه ولم يقل يوم غصبه وغلط الكاتب، وأما الكلام في الرجوع فإن ضمن المشتري هل يرجع على الغاصب؟ فهو على ما ذكرنا في أرش النقص لا يرجع وفي الأجرة قولان، وإن ضمن الغاصب فعلى ما ذكرنا.
فرع لو تزوج بجارية ووطئها ثم استحقت وغرم الناكح مهر المثل، قال بعض أصحابنا بخراسان: لا يرجع به على الغاصب المزوّج قولا واحداً بخلاف المشتري ها هنا على أحد القولين فإنه يرجع به على الغاصب، والفرق أن الزوج دخل في العقد على أن يضمن منافع البضع بالعوض والمشتري لم يدخل على أن يضمنه قال: ويفارق أيضاً

مسألة الغرور بالحرية في نكاح الأمة إذا فسخ النكاح وغرم المهر هل يرجع على الغارّ بذلك المهر؟ قولان لأن الملك حصل له هناك ثم لما فسخ قطع على نفسه ذلك الملك [26/أ] بسبب العيب والغرور وها هنا في المستحقة لم يستحق الواطئ الوطئ فأتلف من غير استحقاق حتى إن كان الرجل ممن لا يحل له نكاح الإماء وغُرَّ من أمة فلم يصح النكاح ووطئ وغرم المهر لم يرجع بذلك على الغازّ قولاً واحداً كالمتسحقة سواء وفي هذا نظر ويحتمل خلافه.
مسألة 1: قال: "ولستُ أنظرُ في القيمةِ إلى تغيرِ الأسواق وإنما أنظرُ إلى تغيرِ الأبدانِ".
وهذا كما قال: قد بينا أن تغير السوق لا يوجب الضمان ما دام العين باقياً خلافاً لأبي ثور لما ذكرنا أنه ليس بنقصان عين ولا أثر ويخالف نقصان السَّمن ونسيان الصنعة لأنه نقصان يرجع إلى العين وهو المراد بتغير الأبدان ولأن رد العين أقوى من رد بدلها، ثم لو رد البدل وهو المثل ناقصاً قيمته عما كان يوم الغصب لا يضمن فلأن لا يجب الضمان الراجع إلى السوق عند رد العين أولى ولو تلف في يده يجب عليه أكثر ما كانت قيمته من حين الغصب إلى أن تلف في يده لأنه إذا وجبت القيمة ووجوبها مستند إلى حال الغصب وجبت أكثر ما كانت من حين الغصب إلى حين التلف، ويخالف هذا إذا كانت قائمة فإن القيمة غير واجبة فلم يكن لنقصانها اعتبار.
فإن قيل: فكيف أطلق لفظه حيث قال: ولا أنظر إلى تغير الأسواق وقد نظر عند التلف إليه؟ قيل: أطلق الشافعي وأراد به تخصيص بعض الأحوال، ألا ترى أنه صور المسألة في الثوب الباقي حيث قال: أخذه من المشتري وما بين قيمته ثم عطف على هذه الصورة فقال: ولست أنظر في القيمة إلى تغير الأسواق وعلى ما ذكرنا لو غصب ثوباً يساوي مائة فحدث فيه خرق نقصت به من قيمته عشرة ثم نقص السعر عشرة أخرى يلزمه رده مع عشرةٍ وهي التي نقصت بحدوث العيب فيه، ولو غصب ثوباً فقطعه بنصفين وأتلف أحدهما: يلزمه قيمة النصف الذي أتلفه أكثر ما كانت من حين غصب إلى أن تلف، أما النصف الباقي ينظر فيه فإن كان يساوي [26/ب] نصف قيمة الثوب أكثر ما كانت يرده ولا شيء عليه لأنا علمنا أن الخرق لم ينقصه، وإن كانت قيمته أقل من نصف قيمة الثوب نظر في النقصان فإن كان لأجل القطع لزمه، وإن كان لنقصان السوق لم يلزمه.
مسألة 2: قال: "وإنْ كانَ المغصوب دابةً فشغَلهَا الغاصبُ أو لم يشغلها".

الفصل وهذا كما قال: إذا غصب دابة أو داراً فعلى غاصبها أجرة مثلها من يوم غصبها إلى يوم ردها لأن المنافع تجري مجرى الأعيان في معظم الأحكام وقد تلفت المنافع في يد الغاصب وبه قال أحمد، وقال مالك: إن انتفع بها يلزمه الضمان وإلا فلا يلزم.
وقال أبو حنيفة: لا يضمن المنافع بحالٍ إلا أن يكون في شبهة العقد مثل أن يؤاجر العبد المغصوب نفسه من الغاصب يلزمه أجر المثل إن استعمله، وان لم يستعمله تلزم الأجرة قال: وإذا وجبت الأجرة ها هنا يلزمه الأقل من المسمى أو أجر المثل وهكذا قال في جميع الإجارات الفاسدة واحتج بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "الخراج بالضمان" والغاصب ضامنٌ للعين وكان الخراج له ومنافع العين خراجها حتى قال أبو حنيفة: لو أن الغاصب اكترى الدابة المغصوبة فما قبض من الكراء له ولا يلزمه رده على صاحب الدابة لأنه ضامن للعين والخراج بالضمان فقال الشافعي 1: وليس الغلة بالضمان إلا للمالك الذي قضى له بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعنى هذا أن قوله: الخراج بالضمان إنما ورد في المشتري إذا رد السلعة بالعيب فالخراج له وما ورد في الغاصب بدليل خبر مخلد بن خفاف وقد ذكرناه في كتاب البيع.
وإذا ثبت الحديث في المشتري لا يجوز إلحاق الغاصب به لأن المشتري مالك للسلعة حين يستغلها فتكون الغلة ملكاً له بإزاء ما عليه من ضمان الأمل المملوك، فأما الغاصب فليس بمالك في الأصل وإن كان ضامناً له، وإذا لم يكن مالكا للأمل فكيف يكون للفرع؟ ثم قال المزني: وأدخل الشافعي على من قال: إن الغاصب إذا ضن سقط عنه الكراء قوله [27/أ] إذا اكترى قميصاً فاتزر به أو بيتاً فنصب فيه رحى أنه ضامن وعليه الكراء فمقصود الشافعي من هذا بيان مناقضة أبي حنيفة حيث قال: الخراج بالضمان على الغاصب فإذا ضمن الأصل بالعدوان كانت المنافع له لا يغرمها بحال ثم ناقض فقال: إذا اكترى قميصاً فاتزر به صار ضامناً لما اتزر به وعليه كراؤه لصاحبه فاجتمع عليه ضمان الأصل وضمان المنافع.
وناقض أيضاً فقال: إذا اكترى بيتاً فنصب فيه رحىً أنه ضامن للبيت وعليه الكراء فجمع بين الكراء والضمان فليقل مثل ذلك في سائر المعصومات، فإن اعتذر بأن الأجرة في هاتين المسألتين إنما وجبت بالعقد والمنافع بالعقل تصير مالاً قلنا: هذا المستأجر كان غير ضامن في أول الأمر فلما تعدى في الإجارة صار حكمه حكم الغاصب في ضمان الأصل ثم لم يجعله كالغاصب في حكم المنافع حتى يسقط عنه ما لزم بالعقد كذلك ها هنا.

فرع لو غصب مكاتبا فحبسه ضمن أجرة مثله، ولو حبسه السيد عن تصرفه فيه وجهان أحدهما: تلزمه الأجرة، والثاني: عليه أنظاره بمال الكتابة قدر تلك المدة التي حبسها فكأنه أخَّر زمان كتابته ذكره في"الحاوي" 1. فرع آخر لو غصب عبداً يحسن صنائع كثيرة تلزمه أجرة أعلى الصنائع ويدخل ما دونها فيها.
مسألة 2: قال: "ولو استكرَهَ أمةً أو حرةً فعليه الحدُ".
الفصل وهذا كما قال: إذا أكره حرةً أو أمةً على الزنا يلزمه الحد لأنه زانٍ، ولا حد عليها لأنها ليست بزانية ويجب المهر عليه اعتباراً بحالها وبه قال مالك وأحمد في أصح الروايتين، وقال أبو حنيفة: لا يجب المهر اعتباراً بحال الرجل، وحكي عن مالك أنه قال: إذا أكره أمةً على الزنا يلزم المهر وفي الحرة لا يلزم وهذا غلط لأنه وطئ في غير ملك سقط الحد فيه عن الموطوءة والواطئ من أهل الضمان في حقها فيلزمه المهر لها كما لو وطئها بشبهةٍ، ثم إن الشافعي قال: لا معنى للجماع إلا في منزلتين إلزاماً على أبي حنيفة فقال: للجماع [27/ب] منزلتان إحداهما أن تكون بنكاح، والثاني: أن تكون بصريح الزنا وبين هاتين المنزلتين منزلة ثالثة وهي الإصابة بالشبهة على نكاح فاسد وقد أجمعنا على أن المصابة بالشبهة في نكاح فاسد ملحقة بالمصابة في النكاح الصحيح حتى يوجب المهر عليه عوضاً من بضعها وربما تكون عالمة بفساد النكاح عاصية بالتمكين فالمستكرهة أحسن حالاً من هذه العاصية المقدمة على النكاح الفاسد فوجب أن يثبت لها مهر المثل والحد لا ينافي المهر لأنهما حقان لمستحقين متباينتين، فالحد حق لله تعالى على ما ارتكب من هتك المحارم، والمهر حق لها عوضاً عما استهلك من منافع بضعها كما تعلق بالزنا في نهار رمضان حد الزنا وكفارة الجماع وبالقتل كفارة القتل لله تعالى وعوض النفس للآدمي.
فرع لو اختلفا فادعت الموطوءة الاستكراه وادعى الواطئ الطواعية فيه قولان أحدهما: القول قول الواطئ ولا مهر اعتباراً ببراءة الذمة، والثاني: القول قولها ولها المهر لأنه متلف ويشبه أن يكون بناء على القولين في رب الدابة وراكبها إذا اختلفا في العارية والكراء على ما ذكرنا.
فرع آخر لو غصب جاريةً ولم يطأها ردها ولا شيء عليه، فإن قيل: هلاّ أوجبتم ضمان

الاستمتاع النفي حال بينه وبينها كما أوجبتم ضمان سائر المنافع قلنا: الفرق أنه لا يحصل التفويت هذا هنا لأن لسيدها تزويجها وإحراز مهرها، ولا يجوز إجارتها وهي مغصوبة وأيضاً المقصود من الاستمتاع العوض الواحد ويمكنه تحصيله من هذا الوقت بخلاف الأجرة ولأنه لا يمكن تقويمه بمضي المدة لأنها غير مقدَّرة بخلاف الأجرة.
فرع آخر لو أكره الحربي مسلمة على الزنا لا مهر لأنه لم يلتزم حكم الإسلام.
مسألة 1: قال: "وفي السرقة حكمان".
الفصل وهذا كما قال: إذا سرق ما يبلغ نصاباً فالقطع يلزم لحق الله تعالى والضمان عند تلفه للآدمي وأحدهما: لا يمنع الآخر، وقال أبو حنيفة: إذا قطع السارق [28/أ] لا غرم عليه، وقال مالك: إن كان موسراً قطع وغرم، وان كان معسراً قطع ولم يغرم والدليل على بطلانه ما احتج الشافعي به حيث قال: فإن لم يؤجد فقيمته لأني لم أجد أحداًَ ضمن ماله بعينه بغصب أو عدوان فيفوت إلا ضمن قيمته، وفي قوله بغصب أو عدوان احتراز عن المبيع في يد البائع يكون مضموناً بعينه ولا يضمن البائع قيمته عند فواته لأنه غير مضمونٍ بعدوان ثم قال الشافعي: وفي المغتصبة حكمان على ما ذكر، ومقصوده أن المهر حق لها كالغرم على السارق حق للمالك فكما أجمع بين الغرم والقطع أجمع بين المهر والحد.
فإن قيل: نظم كلام الشافعي في هذا الموضع غير مستقيم لأنه كان يصنف مسائل الغصب فانتقل منها إلى مسألة من كتاب السرقة ثم فرغ منها وعاد إلى مسائل الغصب فأيّ معنى لذلك قلنا: الشافعي ذكر مسألة السرقة ها هنا استشهاداً بها على مسألة المستكرهة.
فإن قيل: كيف يصح الاستشهاد بها وفيها خلاف أيضاً؟ قلنا: في السرقة صورتان إحداهما صورة الوفاق استشهد بها، والثانية صورة الخلاف أثبتها بالدليل ثم بني عليها فأما الوفاق إذا كانت العين المسروقة باقية في يد السارق يتوجه حكمان القطع لله تعالى ورد المال للآدمي ولا يمانع بينهما كذلك في المستكرهة.
وأما صورة الخلاف إذا كانت عين السرقة تالفة أثبتها بالعلة التي ذكرناها ثم بني عليها مسألة المستكرهة والدليل على أن الشافعي قصد هذا أنه لما فرغ من مسألة السرقة عطف عليها فقال: وفي المغتصبة حكمان على ما ذكر والأظهر أن الشافعي اختار سلوك طريق البناء، ألا ترى أنه قال فأثبت ذلك والحد على المغتصب كما أثبت الحد والغرم على السارق وإثبات الحد والغرم إنما هو في صورة الخلاف لأن الغرم لا

يطلق على رد العين المسروقة وإنما يطلق على غرم قيمتها.
مسألة 1: قال: "ولو غصبَ أرضاً فغرسها".
الفصل وهذا كما قال: إذا غصب أرضاً وغرس فيها نخيلاً لزمه [28/ب] قلعها لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس لعرق ظالم حق" وروي بالتنوين لعرق لا بالإضافة فجعل العرق ظالماً لما كان يحصل به الظلم ثم إذا قلعها يلزمه تسوية الأرض على حالها وضمان النقص إن كان قد دخل فيها النقص وأجر المثل في المدة التي أمسكها، وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يجمع بين نقصان الأرض وأجر المثل؟ وجهان أحدهما: يجمع وهو الأصح، والثاني: يلزم أكثر الأمرين منهما وذكرنا مثل هذا في الثوب إذا بليَ وانتقص وهذا بعيد عندي في مسألة الأرض، وقال في "الحاوي" 2: إذا صارت الأرض حفراً تضر بها قال الشافعي ها هنا يردّ ما نقصت الأرض، وقال في كتاب "البيوع": إذا قلع البائع الحجارة المستودعة يلزمه تسوية الأرض ولا يتركها حفراً فقيل فيهما قولان على سبيل النقل والتخريج أحدهما: يضمن النقصان لأنه نقص فعلٍ مضمون، والثاني: يلزمه تسوية الأرض لأن زوال التعدي بالمثل أولى من القيمة وقيل: المسألتان على ظاهرهما، والفرق أن الغاصب متعدَّ فيغلَّظ حكمه بالأرش والبائع غير متعدَّ فخفّف حكمه بتسوية الأرض.
فرع لو غصب أرضاً وغرس فيها ثم باع الغاصب الغراس فإن باع بشرط الترك فالبيع باطل، وإن باع بشرط القلع فالبيع جائزٌ، وإن أطلق فيه وجهان أحدهما: باطل لأن العرف في مثله الترك ولا يستحق الترك ها هنا، والثاني: يجوز ويؤخذ المشتري بالقلع ولكن له الخيار إن لم يكن علم.
فرع آخر لو كان الغرس ملكاً لرب الأرض له أن يطالب الغاصب بالقلع إن كان له غرضٌ ويغرمه النقصان، وإن لم يكن في قلعه غرض صحيح بوجٍه فهل يجبر الغاصب على قلعه؟ وجهان أحدهما: لا يجبر لأنه عبثٌ وسفه، والثاني: له ذلك لأنه متحكم على الغاصب لتعديه.
فرع آخر لو كانت قيمته تنقص إن قلع عما كانت مليه تبل الغرس نطالب بأرش النقص مع ترك الغراس قائماً فإن قلنا بالوجه الأول إنه لا يجبر على القلع لم يكن له الأرش إذا لم يكن له قائماً نقص وإن قلنا بالوجه الثاني [29/أ] استحق الأرش، وإن كان قائماً

غير ناقص لأنه لما استحق المطالبة به مع التزام مؤونة القلع فأولى أن يستحق المطالبة به مع عفوه عن القلع.
فرع آخر لو غصب أرضا وغصب غراساً وغرس فيها وهرب الغاصب أن يلتزم لهما مؤونة القلع واختلفا في تحملها فعلى من يجب؟ وجهان أحدهما: يجب على صاحب الأرض لأنه يريد أخذ غرسه ثم هي لمن غرمها دينٌ على الغاصب.
فرع آخر لو حمل السيل بذر رجل إلى أرض غيره فنبت هناك قد ذكرنا فيه وجهين قال صاحب "الحاوي" 1: والأصح عندي أن ينظر في الزرع بعد قلعه فإن كانت قيمته مقلوعاً كقيمة الحنطة أو أكثر أجبر على قلعه لأنه لم يدخل عليه نقصُ حين نبت، وإن كانت قيمته لو قلع أقل من قيمة الحنطة ترك ولم يقلع لأنه لم يتعدَّ فيلتزم ضرر عدوانه وما يدخل على رب الأرض من الضرر فقد استدركه بالأجرة التي يستحقها بعد العلم والتنازع ولا أجرة لرب الأرض فيما قبل لأنه لم يكن منه فعل يتعلق به ضمان، وقال مالكٌ: زال ملك الأول وصار ملكاً للثاني وهذا غلط لأن ضياع المال لا يزيل ملك المالك عنه.
فرع آخر يضمن العقار عندنا بالغصب ويتصور فيه الغصب وبه قال مالك ومحمد، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يضمن بالغصب ولا يتصور فيه الغصب، وروي عن أحمد أنه قال: إذا غرقت الأرض بفعله ضمن وهذا يدل على أن عنده لا يضمن العقار بالغصب وهذا غلط لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من غصب شبراً من أرضٍ طوقه من سبع أرضين" ولأن ما يضمن بالقبض في البيع يضمن بالغصب كالمنقول.
فرع آخر لو غصب أرضاً فلم يزرعها فنقصت بترك الزراعة فيها كأراضي البصرة تلزمه أجرة المثل وما نقص بترك الزراعة.
فرع آخر لو دخل دار رجل بغير إذنه وصاحبها فيها لم يضمنها لأن يد صاحبه ثابتة عليها والغصب أن تثبت يده عليها وتزول يد صاحبها عنها ولهذا نقول: إذا حبس [29 /ب] صاحبه عن ماله لم يضمنه لأن يده لم تثبت عليه، وقال أبو حامد لا نص فيه وهذا يحتمل أن يكون مذهباً، وقال بعض أصحابنا: يضمن نصفها لأن يدهما عليها.

[فرع آخر] لو لم يكن صاحبها فيها فدخلها قال أصحابنا: ضمنها حتى إن أنهدم منها شيء لزمه أرش النقص، وإن قدرها دار نفسه فدخلها قال أصحابنا: يضمن كما لو أخذ ثوب غيره فيظنه لنفسه ضمنه ذكره القاضي الطبري وسمعت فيه وجهاً آخر بخراسان أنه لا يضمن بهذا القدر.
فرع آخر لو اشترى أرضاً من الغاصب وهو لا يعلم فنقصت في يد المشتري فلصاحبها الرجوع بالنقض على من شاء من الغاصب أو المشتري، ولو قبضها المشتري وكانت دارا فنقصها ثم بناها ثانياً فعليه رد العَرصَة على مالكها وعليه ما بين قيمتها مبنيةً ومنقوضةً، وعليه نقض ما بناه وأجرة مثلها من حين القبض إلى حين النقض وأجرة العرصة من حين النقض إلى حين الرد وليس عليه أجرة ما بناه منها وللمالك الرجوع على من شاء منهما على ما ذكرنا وقرار الضمان على من يكون قد ذكرنا.
فرع آخر لو دفن في الأرض المغصوبة ميتاً أخذ الغاصب بنبشه منها، وإن كان فيه انتهاك حرمة الميت ثم إذا نبش ضمن أرش نقصها إن نقصت.
فرع آخر لو قال مالك الأرض: أنا أقر الميت مدفوناً في الأرض إن ضمن لي نقص الأجرة بالدفن فيها ففي إجبار الغاصب على بذله وجهان أحدهما: يجبر على بذله حفظاً لحرمة الميت المتعدَّى هو بدفنه فيها، لا والثاني: يلزمه ذلك لأنه مدفون بغير حق.
فرع آخر لو غصب أرضاً وزرع فيها زرعاً قلع الزرع والغلة لصاحب البذر، وإن كان غاصباً وعليه ما ذكرنا، وحكي عن أحمد ليس له قلع الزرع وصاحب الأرض بالخيار بين أن يدفع إليه ثمن البذر والبقعة وبين أن يقره في الأرض إلى أوان الحصاد بأجرة المثل وهذا غلط قياساً على الغراس، وإن كان قد غصب بذراً وبذره في أرض نفسه كان [30/أ] الزرع لصاحب البذر والغلة له وليس للغاصب عليه أجرة المثل.
فرع آخر لو غصب شجرا فأثمرت ونقصت الثمار بأن شمسَّها فنقصت قيمتها يلزمه ما نقص، وإن تلفت رطباً يلزمه قيمتها، وإن تلفت بعد التشميس يلزمه مثلها ولا يلزمه الأجرة للشجرة، ولكن إن نقصت الشجرة يلزمه أرش النقص.
فرع آخر لو غصب حيواناً وحلب لبنها فإن استهلك اللبن حليباً رد مثله، وإن كان قائماً فإن

كان حليباً رده بحاله، وإن حمض رده وما نقص، وأما أصوافها وأشعارها وأوبارها قال الشافعي: عليه مثلها إن كان لها مثل وقيمتها إن لم يكن لها مثل، وقال أبو حامد: ضمانها بالمثل لا غير كالقطن، ومن أصحابنا من قال: توقف الشافعي فيها والمذهب أنه لا مثل لها لأنها تختلف وتتباين فتضمن بالقيمة وهذا أظهر عندي.
فرع آخر لو غصب بيضاً فحضنها دجاجةً له كانت الفراريج لصاحب البيض ووافقنا المزني في هذا وخالفنا في الحَبّ إذا زرع فقال: الزرع للغاصب ويلزمه مثله فنقيس على البيض، ومن أصحابنا من قال: فيهما وجهان وليس بشيء.
فرع آخر لو غصب بذر الدود وربَّاه حتى صار دوداً وحصل القزّ منه كان القز لصاحبه ولا شيء له خلافاً لأبي حنيفة.
فرع آخر لو غصب عصيراً فصار خمراً في يده رجح ببدل العصير.
وهل له أخذ الخمر؟ وجهان قال أبو حامد: ليس له لوجوب إراقتها وإتلافها، وقال بعض أصحابنا: له أخذها لأنه قد ينتفع بإراقتها في طين أو سقي حيوان ذكره في "الحاوي".
فرع آخر لو صارت خلاً في يد الغاصب رجح به المغصوب منه وفي رجوعه عليه بالقيمة وجهان كنقص المرض إذا زال أحدهما: يرجح بالقيمة لوجوبها عند مصيره خمراً، والثاني: لا يرجع بها لعدم استقرارها وهما مخرجان من اختلاف قوليه في عود السن بعد الذهاب ووجوب الأرش هل يوجب رد الأرش أم لا؟ فإذا قلنا: ترد القيمة ردها والخل فائدة [30/ب] مجددة في المالك ولا ينظر إلى نقصان قيمة الخل، وإن قلنا: لا ترد القيمة نظر، فإن كانت قيمة الخل مثل قيمة العصير أو أكثر فلا شيء على الغاصب سواه، وإن كانت قيمة الخل أقل من قيمة العصير فعليه رد ما نقص من قيمة العصير، وقال أبو حنيفة: إذا صارت خلا فالخل للغاصب وعليه مثل العصير.
فرع آخر لو غصب منه تمراً فعمله دبساً أو سمسماً فعصره فللمالك أن يأخذه وما نقص فإن تركه بالغاصب وطالبه بالبدل فإن كان مما لا مثل له كالتمر اللصيق المكنوز بالبصرة رجع على الغاصب بما استخرجه من دبسه وليس له المطالبة بقيمة تمره، لأن أجزاء المغصوب أخص به من قيمته، وإن كان مما له مثل كالسمسم فيه وجهان أحدهما: أنه بمثابة ما لا مثل له في استرجاع ما استخرج منه، والثاني: المالك يستحق مطالبته بمثل الأصل لأنه أشبه بالمغصوب من أجزائه.

فرع آخر لو استهلك ما قد استخرجه من المغصوب، فإن لم يكن الأصل مثلياً ولم يكن المستخرج منه مثلياً كالتمر المكنوز إذا استخرج بالماء فالمالك يرجع بأكثر قيمته تمراً أو دبساً، وإن كان للأصل مثل وليس للمستخرج منه مثل كالحنطة إذا طحنها دقيقاً فللمالك أن يرجع بمثل الأصل من الحنطة ولا يرجع بقيمة الدقيق لأن مثل ذي المثل أولى من قيمته، ولو كانت الحنطة بعد الطحن زادت قيمتها دقيقاً استحق أن يرجع بعد أخذ المثل بقدر الزيادة في الدقيق كما لو غصب منه جارية فسمنت ثم ردها بعد ذهاب السمن ضمن نقص السمن الحادث في يده مع بقاء العين فلا يضمن نقص الزيادة مع استرجاع المثل أو لا، وإن كان الأمل مما لا مثل له والمستخرج منه مثل كالزيتون إذا اعتصره زيتأ فللمالك أن يضمنه مثل الزيت المستخرج والنقص إن حدث بالزيتون لأنه لما صار المغصوب ذا مثل كان المثل أولى من قيمة الأصل لتقديم المثل على القيمة، وإن كان للأصل والمستخرج مثل كالسمسم إذا اعتصره شيرجاً فالمالك بالخيار في الرجوع بمثل أيهما [31/أ] شاء من السمسم أو الشيرج لثبوت ملكه على كل واحدٍ منهما بعد الغصب فإن رجع بالسمسم وكان أنقص ثمناً من الشيرج فأراد نقصه لم يجز وقيل له: إن رضيت به وإلا فاعدل عنه إلى الشيرج ولا أرش لك، لأن عين مالك مستهلكة ولكل حقك مثلٌ فلا معنى لأخذ الأقل مع الأرش مع استحقاقك لمثل لا يدخله أرش.
فرع آخر لا كانت دابة واقفة فجاء رجل وركبها ولم يسّير ولم ينقلها عن موضعها قال القاضي الطبري: لا أعرفها لأصحابنا والذي عندي أنه لا يضمنها لأن ضمان الغصب عندنا معتبر بضمان القبض في العقد والقبض في العقد في الدابة نقلها وتبديلها كذلك ها هنا، وكذلك إذا وضع يده على ثوب إنسانٍ بغير أمره لم يضمن، وقال بعض أصحابنا بخراسان: يضمن وهذا محتمل لأنه استولى عليها بأبلغ غايات الاستيلاء وثبتت يده عليها بذلك القدر.
فرع آخر لو أن الغاصب دفع صاحب الصبرة عن صبرته أو صاحب المتاع عن متاعه فزال عنه لا ضمان ما لم ينقله، وان كان قد حال بينه وبين متاعه ذكره أصحابنا ويحتمل عندي وجهاً آخر يضمن.
فرع آخر لو غصب داراً وفيها متاع ولم ينقله هل يصير غاصبا له؟ وجهان على قياس ما ذكرنا.

مسألة 1: قال: " ولو حفرَ فيها بئراً".
الفصل وهذا كما قال: إذا غصب أرضاً فحفر فيها بئراً كان للمالك مطالبة الغاصب بطمّها فإذا فعل ذلك نظر، فإن لم يزدها ولم ينقصها أو زادت فليس على الغاصب إلا أجرة المثل، وإن نقصت فعليه أرش النقص وأجرة المثل من حين حفر إلى أن طمَّها وسوّاها إن كان لموضع البئر أجرة هكذا نص الشافعي، فإن كانت بحالها ولم يطالبه مالكها بطمها أو نهاه عن طمها كان ذلك له لأنه قد يقع فيها ما إذا تلف بها ضمنه وقد يكون نقل التراب إلى ملك نفسه أو ملك غيره أو طريق المسلمين، ولو قال له المالك: دع الطم وقد أبرأتك عن ضمان ما يتعلق بك بحفرها فهل له الطم؟ يبنى هذا على صحة البراءة وفيه وجهان: أحدهما: يبرأ لأنه يصير [31/ب] كأنه مأذون له في حفرها ولا فرق بين الإذن المقترن بوقت الحفر وبين الإذن الطارئ وهو الصحيح وبه قال أبو إسحاق والمزني وأبو حنيفة.
والثاني: لا يبرأ لأنه إبراء مما لم يجب ولأنه إبراء عن حقوق سائر الناس وذلك لا يصح منه ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأن الإبراء عما لم يجب يصح إذا وجد سبب وجوبه وسبب الوجوب ها هنا موجود وهو الحفر ولو لم يتلفظ بالإبراء ولكنه منعه من طمها قال أصحابنا: ينبغي أن يكون الحكم كما لو تلفظ به لأنه يتضمن رضاه به فإن قال قائل: لمَ قال الشافعي فإن أراد الغاصب دفنها فذلك له، وإن لم ينفعه ودفع الضمان نفع ولا يخلو دفنها عن دفع الضمان قلنا: مراده بيان النفع في الحال ولا نفع له في الحال بل ربما يتضرر ويحتاج إلى نفقةٍ وأعوانٍ وإنما ينفعه ذلك في الثاني لأنه بدفنها يصير أمنا من ضمانها.
ولو وصل بالكلام فقال: وإن لم ينفعه في الحال كان كلامنا مستقيماً وقيل: معناه وإن لم ينفع المغصوب منه وللغاصب غرضٌ فيه على ما ذكرنا فإذا قلنا: لا يبرأ كان الحكم كما لو لم يبرئه وإذا قلنا: يبرأ برئ من ضمانها ثم ينظر، فإن كان له غرض في طمها مثل إن كان طرح ترابها في ملك نفسه أو ملك غيره والغير يطالبه بنقله أو يخاف أن يطالبه وإن لم يطالب بعد أو كان في طريق المسلمين كان له طمها لأن له غرضاً فيه، وإذا رد التراب ها هنا فليس له أن يبسطه على وجه الأرض إذا قال المالك: لا تبسطه وألقه في جانب من الأرض، ولو كان له عين مال من طوبٍ وخشبٍ له نزعه وان انهار البئر ثم يلزمه طمها، فإن قيل: أليس إذا خرق الثوب ليس له رفؤه لا بتلك الخرقة بعينها ولا بخرقة من عند نفسه فكذلك وجب أن لا يجوز له طم البئر؟ قلنا: الفرق أن

الثوب بالرفؤ لا يعود إلى الذي كان لأن المرفوء يخالف الصحيح ويدخل عليه خيطاً أو خرقة من عنده وفي الأرض يعود بالطم إلى ما كانت فافترقا.
مسالة 1: قال: "وكذلك لو زَوَّقَ [32/ب] داراً كان لهُ نزعُ التزويق حتى يردَّ ذلك بحاله".
وهذا كما قال إذا غصب داراً فجصَّصها أو زوقها كان لصاحب الدار مطالبته بنزع التزويق ورد الدار إليه لأنه شغل مال نفسه بملكه فكان له مطالبته بنقله، ولو قال المالك: لا تذع التزويق، وقال الغامب: أريد نزعه كان له لأنه عين ماله، ولا فرق بين أن ينتفع به أو لا ينتفع لأن من له عين مالٍ فله أخذه، وإن لم يكن له فيه منفعة هكذا ذكر عامة أصحابنا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إنما له نزعه إذا كان له غرض صحيح في نزعه مثل أن يعلم أنه بنزعه يصل إلى شيء من أعيان ماله التي استنفقها في تزويقها أو كان في التزويق معاليق يخشى انقطاعها وسقوطها على الناس ولحوق الضمان به كما يخشى في البئر، فأما إذا لم يكن له غرض محيح وتيقن أنه لا يصل إلى عين ملك ولا يأمن به من ضمان لا يمكن من إفساد ما زوّق، ثم إذا نزع التزويق نظر، فإن لم ينقص قيمة الدار عما كانت عليه قبل التزويق فلا يلزمه إلا الأجرة من حين القبض إلى حين الرد، وإن كانت ناقصةً عما كانت عليه فعليه أجرة المثل وأرش النقص معاً وإن امتنع الغاصب من إزالة ذلك ووهب أعيان ماله فيها لمالكها هل يجبر المالك على قبولها؟ وجهان: أحدهما: لا يجبر كما لو وهب له جصاً منفصلاً عن ملكه لا يلزمه قبوله.
والثاني: يلزمه قبوله ويجبر عليه لأنه متصلٌ بملكه فيجري مجرى الآثار كغسل الثوب وقصارته، ولو زوق وطَّين بآلةٍ من ملك صاحب الدار ليس للغاصب إتلافه بحالٍ ونقل بعض المتقدمين لو روق بالراء غير معجمٍة من الرواق وحكمه حكم البناء وقد ذكرنا.
مسألة 2: قال: "وكذلك لوْ نقلَ عنها تراباً كان لهُ أن يردَّ".
الفصل وهذا كما قال: إذا نقل التراب عنها مثل إن قشط التراب عن وجهها وحوله عنها فلمالكها مطالبته برد ترابها إليها، فإن كلفه أن يفرشه فيها كالذي كان فله ذلك، وإن كلفه أن يردها إليها ويتركه كالقبة [30/أ] ولا يفرشه فيها وأبى الغاصب إلا أن يفرشه فيها نظر، فإن كان له غرض في ذلك بأن كان فيها حفر فخاف أن يعثر عاثرٌ بها فيقع ويتلف كان له فرشه فيها، فإذا فعل ذلك نظر، فإن زادت الأرض بذلك أو لم تزد ولم ينقص فعلى الغاصب أجر المثل لا غير مدة شغل الأرض برد التراب إليها، وإن كانت

مردودة على صاحبها وإن نقصت فعليه أرش النقص والأجرة معاً، وإن قال صاحب الأرض: لا أدعه يرد التراب إليها، وقال الغاصب: لا بد لي من الرد كان للغاصب أن يرده لأن له في ذلك غرضاً صحيحاً وهو أن يكون نقل التراب إلى أرض نفسه أو إلى أرض غيره غصباً أو إلى طريق المسلمين، وإن كان قد نقله إلى أرض المغصوب منه ليس له رده إليها لأنه لا يخاف منه تبعة في الثاني، وهكذا لو نقله إلى أرض موات ولو قال المالك: انقل التراب كله إلى الجانب الأقصى من الأرض لم يلزم الغاصب ذلك بل يلقيه حيث رفع ويسوي الأرض.
وقال المزني: ليس للغاصب طم البئر ورد التراب إلى الأرض لأن هذا أثر لا عين والآثار لا حق فيها للغاصب لأن ذلك مضرة على أخيه بما لا منفعة له فيه فلم يجز له وهو بمنزلة أن يغصب نُقرةً فطبعها دراهم أو غزلاً فنجه ثوباً أو طيناً فضربه لبناً لا يكون له نقصه ورده إلى حاله، كذلك ها هنا قلنا: المنفعة التي ذكرناها في دفن البئر منفعة ظاهرة وهي أن تسلم من الضمان في المستقبل مثل هذه المنفعة لا يوجد في نقص المنسوج وإفساد الطبع ورد اللبن إلى الطين وعلى هذا لو كان ضرب النقرة أنقص من غيار السلطان له نقضه ورده إلى حاله لأن له فيه غرضاً صحيحاً وهو أن يخرج من خوف السلطان فإن أقل ما فيه أن يُضرب على طريق التعزير ومن أهل العلم من جعل فيه القطع فكان له نقضه ورده إلى حاله حتى لا يظهر أمره، وإن كان بعيار السلطان لم يكن له ذلك لأنه لا غرض حتى لو كان يخاف من العقوبة على هذا أيضاً لأن الضرب إلى السلطان [33/أ] كان له نقضه، وأما في رد التراب إليها غرض صحيح على ما ذكرنا حتى لو نقل التراب إلى صحراء لا حق لأحد فيها، وقال المالك أبرأتك من ضمان التراب ليسر له الرد.
فرع لو نقل عنها تراباً وأتلفه يلزمه رد مثله لأن للتراب مثلا فإن لم يقدر على المثل لأنه من تربة ليس في الناحية مثلها ضمن القيمة وفيها وجهان أحدهما: تقوَّم الأرض وعليها ذلك التراب ثم تقوم بعد أخذه منها ويضمن ما بين القيمتين، والثاني: يضمن أكثر الأمرين من هذا أو من قيمة التراب بعد نقله عن الأرض.
فرع آخر لو غصب أرضاً وقلع منها شجراً والشجر باق ففي كيفية ضمانه ثلاثة أوجه أحدهما: يضمن ما بين قيمة الشجر قائماً ومقلوعاً لأنه متعدَّ على الشجر، والثاني: يضمن ما بين قيمة الأرض ذات شجر قائم وما بين قيمتها والشجر مقلوع فيها لأن تعديه قد سرى إلى الأرض، والثالث: يضمن أغلظ الأمرين لاجتماع العلتين في تغليظ الغصب، ولو استهلك الشجر حين قلعه فضمانه على الأوجه الثلاثة فعلى الوجه الأول يضمن قيمة الشجر قائماً، وعلى الوجه الثاني يضمن ما نقص من قيمة الأرض بقلع الشجر، وعلى

الوجه الثالث: يضمن أغلظ الآمرين.
فرع آخر لو غصب أرضاً وطرح فيها تراباً فزادت قيمتها به ولا يمكن نقلها لاختلاطها وبسطها فيه فإن كان نجساً كالأرْواث والكسايح النجسة فلا شيء للغاصب فيها، وإن كان طاهراً فيه وجهان أحدهما: أنه مستهلك لا شيء له فيه لاستهلاكه إياه بنفسه فيما لا يتميز عنه، والثاني: يكون شريكاً في ثمن الأرض بقدر ثمن التراب كما نقول في صبغ الثوب بصبغ من عنده.
مسألة 1: قال: "ولو غصبَ جاريةً فهلكتْ فقال الغاصبُ: ثمنها عشرة".
الفصل وهذا كما قال: إذا غصب جاريةُ أو عبداً أو غيره فتلف في يده قد ذكرنا أنه تلزمه قيمته أكثر ما كانت من حين القبض إلى حين التلف، وقال أبو حنيفة: تلزمه قيمتها يوم الغصب [33/ب] لأن ما زاد فيها لا يصير مغصوباً، وقال أحمد: يعتبر قيمتها يوم التلف لأن زيادة السوق لا تضمن مع بقاء العين فكذلك بعد التلف وهذا غلط لأنه مخاطبٌ بردها في كل وقت، فإذا فات الرد ضمنها بقيمتها في جميع زمان وجوب الرد، فإذا تقرر هذا لو اختلف الغاصب والمالك في قدر قيمتها فالقول قول الغاصب لأنه غارم والقول في الأصول قول الغارم لأن الأصل براءة الذمة فإن حلف برئ، وإن نكل عن اليمين ردت اليمين على المالك فإن حلف استحق ما يدعيه من القيمة، فإن قيل: أليس قلتم: لو أعتق شقصاً من عبدٍ واختلف هو والشريك في قدر قيمة نصيب الشريك الذي سرى إليه العتق القول قول الشريك الذي لم يعتق، وإن كان الغارم هو الشريك المعتق قيل: متى يسري العتق؟ فيه أقوال: أحدهما: يسري باللفظ فعلى هذا القول قول المعتق لأنه غارم.
والثاني: يسري باللفظ ودفع القيمة.
والثالث: أنه موقوف على أداء القيمة فعلى هذين القولين القول قول الشريك الذي لم يعتق لأنا لا نزيل ملكه إلا بما يقوله ولهذا نقول: المشتري والشفيع إذا اختلفا في مقدار الثمن كان القول قول المشتري لأنا لا نزيل ملكه عما اشتراه إلا بما يقر به.
فرع لو حلف الغاصب ثم أقام المالك بينةً أن القيمة ما ادعاه فالبينة العادلة أولى من اليمين الفاجرة.
فرع آخر لو أقام المالك شاهدين فشهدا أن قيمته كانت ألفاً قبل الغصب لم يحكم بها، وقال

بعض أصحابنا: يصير لأجل هذه البينة القول قوله المالك مع يمينه لأن الأصل بقاء هذه القيمة ما لم يعلم نقصها وهذا غلط لأن ما قبل الغصب غير معتبر والبينة فيه غير مسموعة، ولو اعتبر هذا لكان القول قوله بلا يمين.
فرع آخر لو شهدت البينة أن قيمتها أكثر من مائة فهي شهادة بالمجهول هل يقبل؟ وجهان وقيل: نص الشافعي أنها لا تقبل لأنها شهادة بالمجهول.
[34/أ].
فرع آخر لو ادعى الغاصب أن قيمتها خمسمائة، وقال المالك: ألف فشهد شاهدان أن قيمتها أكثر من خمسمائة ولم يقولا: قيمتها ألفٌ تقبل هذه الشهادة حتى لا يقبل يمين الغاصب ما لم يقر بزيادة على خمسمائة فإن قال: بل ستمائة وشهد الشاهدان بأنها أكثر من ستمائة طالبنا الغاصب بزيادةٍ على ذلك وهكذا أبداً.
فرع آخر لو لم يقم بينة على قيمته ولكن أقام شاهدين على صفات المغصوبة التالفة بأنها كانت تزكية حسناء صفتها كذا وقيل: إن كانت بهذه الصفات تكون قيمتها أكثر مما قال الغاصب قال في "الأم": لا تقبل هذه الشهادة ولا يسقط قول الغاصب بذلك لأنه يجوز أن يعلم الغاصب بها داء ينقص قيمتها به مع وجود هذه الصفات المشهودة بها ولأن اختلافهما في القيمة لا في الصفة فلم تسمع البينة في غير ما اختلفا فيه، ولأن الجاريتين قد تتفقان في هذه الصفات ولكن تتفاوتان في دقائق الصفات من العقل وخفة الروح وحسن النطق ولا يمكن التقويم عليها وإنما يمكن ذلك على المشاهدة، فإن كان الشاهدان مقوَّمين يقبل قولهما إذا قالا: صفتها كذا وقيمتها كذا ولو شهدا بالقيمة دون الصفة كفى ذلك، فإن قيل: إذا كان الوقوف على كيفية الجارية بالوصف لا يمكن لم جوَّزتم السلم فيها قيل: الأمر في باب السلم أوسع، ألا ترى أنه يكفي في السلم أن يعطيه أقل ما يقع عليه اسم ذلك الموصوف وفي الإتلاف لا يكفي ذلك.
فرع آخر لو أقر الغاصب بالأوصاف وادعى مع ذلك أن قيمتها خمسمائة ويعرف أن الجارية بتلك الصفة تُسوى ألوفاً لا يقبل قوله لأنه غير ممكن ذكره القفال.
فرع آخر لو قال المالك: لا أدري كم قيمة مالي، وقال الغاصب: لا أدري قلنا للمالك: لا بد من أن تبين قدراً: واتق الله فلا تدَّح إلا القدر المتيقن فإن بين قدراً قلنا للغاصب: لا بد لك من أن تقر به أو تدعي أقل من ذلك فيكون القول قولك ولا نرضى منك بقولك لا أدري.

فرع آخر لو قال [34/ب] صاحب الجارية: كانت طباخةً أو قوالةً أو صناعةً وكانت قيمتها ألفين، وقال الغاصب: لم تكن كذلك وكانت قيمتها ألفاً فالقول قول الغاصب لأن الأصل عدم هذه الصفات والمالك يدعي حدوثها، ومن أصحابنا من قال: فيه وجه آخر القول قول المالك لأنه أعرفه بملكه وليس بشيء.
فرع آخر لو قال الغاصب: كانت عمياء أو عوراء أو آبقة أو سارقة أو بها داء فكانت قيمتها كذا وأنكر المالك فالقول قول المالك لأن الأصل عدم هذه الصفات وهو المنكر واليمين في جانب المنكر، ومن أصحابنا من قال: القول قول الغاصب لأنه غارمٌ وقيل: فيه قولان وقيل قول واحد وهذا الثاني ليس بشيء، وقال القفال: إن كانت ختت هكذا إلا أنه حدث بها فالقول قول الغاصب، وإن قال: حدث قبل غصبي بها عوراً ونحوه فيه قولان أحدهما: القول قول الغاصب لأن الأصل براءة الذمة، والثاني: القول قول المالك لأن الأصل أن لا حدوث فقد اجتمع ها هنا أصلان.
فرع آخر لو غصب عبداً فعور ثم اختلفا فقال الغاصب: عور قبل الغصب، وقال السيل: بل بعد الغصب فالقول قول الغاصب لأنهما يختلفان في وقت قبض العين والأصل عدم القبض، كما لو دفع إلى قصَّارٍ ثوباً فرد عليه ثوباً وقال: هذا ثوبك وأنكر المالك فالقول قول القصار لأن المالك يدعي عليه قبض غير هذا الثوب وهو ينكره فالقول قوله.
فرع أخر لو قال المالك: هذا المغصوب يأتي في يدك، وقال الغاصب: قد تلف فالقول قول الغاصب ثم فيه وجهان أحدهما: لا شيء عليه للمالك ما لم يصدقه على تلفه، لأنه لا يدعي القيمة وقد حلف الغاصب على تلف العين، والثاني: عليه القيمة للمالك لأنه، وإن كان منكراً للتلف فيمين الغاصب مانعة من القدرة عليه فصار كالآبق يلزم الغاصب قيمته مع بقاء عينه.
مسألة: قال 1: "وما كانَ لهُ كيلٌ فعليه مثلُ كيله".
الفصل وهذا كما قال: قد بينا أن المثليَّ يضمن بالمثل والمماثلة معتبرة بالكيل في المكيل وقد ذكرنا في كتاب البيع [35/أ] إذا أتلف على رجل طعاماً ببلدٍ ثم لقيه ببلدٍ آخر كيف يطالب؟ فلا معنى للإعادة.

مسألة: قال 1: " ولو كان ثواباً فصيغه فزاد في قيمته".
الفصل وهذا كما قال: إذا غصب ثوباً فصبغه لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون الصبغ من عند الغاصب، أو من عند غيره فإن كان من عنده لم يخل من ثلاثة أحوال إما أن يزيد، أو ينقص، أو لا يزيد ولا ينقص فإن لم يزد ولم ينقص مثل إن كانت قيمة الثوب عشرة وقيمة الصبغ عشرة وكانا بعد الصبغ بقيمة عشرين فهما شريكان هذا بثوبه وهذا بصبغه ولا ضمان على الغاصب لأن الثوب ما زاد وما نقص وفيه بعد هذا مسائل وهي إن اختاراً أن يكون الثوب بحاله لهما فعلا، وإن اختارا بيعه كان الثمن بينهما نصفين، وإن أراد الغاصب إزالة الصبغ عن الثوب كان له ثم إذا أزاله نظر، فإن زادت قيمة الثوب أو لم تزد ولم تنقص فلا شيء له ولا عليه وإن نقصت فعليه ما نقص وإن اختلفا وتنازعا فقال صاحب الثوب: يباع الثوب، وقال الغاصب: أنزع الصبغ فللغاصب نزعه لأنه عين ماله، ولو قال صاحب الثوب أنزع الصبغ، وقال الغاصب: يباع اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: يجبر على نزع الصبغ كما يجبر على قلع الغراس والبناء في الأرض المغصوبة وبه قال ابن خيران وأبو إسحاق وهذا لأن الغاصب متعدَّ بصبغه فلا يستحق بتعديه إزالة ملك رب الثوب عن ثوبه، ومنهم من قال: لا يجبر عليه لأنه إذا قلعه لم ينتفع به ولا يجبر على استهلاك ماله وبه قال ابن سريج وهو ظاهر المذهب لأن الشافعي قال: إن شئت فاستخرج الصبغ، وإن شئت فأنت شريك فجعله إلى اختيار الغاصب ولم يجبر على نزعه والفرق بينه وبين البناء والغراس أنه ينتفع بمقلوع البناء والغراس بخلاف هذا.
وقال أبو حنيفة: إن كان الصبغ سواداً لا شيء للغاصب فيه ورب الثوب بالخيار بين أن يأخذه ولا شيء عليه للصبغ وبين أن يسلمه إلى الغاصب ويأخذ منه قيمته، وإن كان [35/ب] حمرةً أو صفرةً فهو مخير بين أن يأخذه وعليه قيمة الصبغ وبين أن يعطيه الغاصب ويأخذ منه قيمة الثوب، واختلف أصحابه لم خصَّ السواد بإسقاط قيمته فقيل لما فيه من إتلاف أجزاء الثوب، وقال بعضهم: إنما قاله في آخر الدولة الأموية حين كان السواد نقصاناً مذموماً.
فأما بعد أن صار شعار الدولة العباسية وزيادة في الثوب على غيره من الألوان فلا، وهذا ضعيف وتعليلُ لا يختص بالسواد لأن من الألوان ما يكون نقصاناً تارةً وقد يكون زيادة أخرى فاقتضى أن يكون التعليل عاماً في اعتبار النقص وزيادته ولا يكون مختصاً بالسواد، وإن قال الغاصب: لا أختار أن أكون شريكاً فيه ولا أنزع الصبغ ولكني أهبه لصاحب الثوب هل يجبر على قبوله؟ وجهان:

أحدهما: يجبر على قبوله وهو ظاهر قوله في "الأم" لأنه قال: لو غصب ساجة وشقَّها ألواحاً وأصلحها أبواباً وسمر فيها مسامير من عنده ثم رد الأبواب على مالكها ووهب له ما فيها من المسامير لزمه قبول ذلك.
والثاني: لا يجبر عليه لأنه لا يجبر الإنسان على قبول هبة العين ابتداء وجملة ما يهب الإنسان لغيره ثلاثة أحدهما: أن يكون عيناً متميزةً عن ماله فلا يجبر على قبولها قولاً واحداً، والثاني: أن يهب له منفعة متصلة بماله فيجبر على قبولها كالسمن والتعليم عند رجوع الزوج في نصف الصداق، والثالث: أن يهب عيناً متصلةً بماله كمسألتنا والغراس في الأرض المغصوبة إذا وهبه من المالك على هذا الاختلاف وكذلك الأبواب المسمرة إذا ردها ووهب منه المسمار هل يجبر على قبولها على هذا الخلاف وإن أراد المالك أخذ الثوب مصبوغاً ولا يضمن للغاصب شيئاً نص في القديم على تولين أحدهما: له ذلك كما لو كان ثوباً فقصره وهذا لأنه صار صفةً لا يمكن تمييزه من ملكه والثاني ليس له ذلك لأن له عين مالٍ فيه وهذا هو المذهب والقول الأول ليس بشيء وقيل: إنه رجع عنه.
ولو قال المالك: ادفع قيمة الصبغ إلى الغاصب [36/أ] ليكون لي الثوب مصبوغاً وامتنع الغاصب لا يجبر عليه كما قلنا في النخيل في أرضه إذا قال: ادفع قيمة النخيل لا يجبر على قبوله.
وقال في "القديم": له ذلك ويجبر الغاصب على قبوله لأنه صار صفةً له بخلاف النخيل وإن زاد ذلك فبلغ قيمته ثلاثين لم تخل الزيادة من أحد أمرين إما أن يكون لاجتماع الصبغ والثوب أو لزيادة السوق فإن كان لاجتماع الصبغ والثوب فالزيادة بينهما نصفين وفيه المسائل التي ذكرناها، ويفارق المفلس إذا صبغ الثوب الذي قيمته عشرة بصبغ تسوى عشرة فبلغت قيمته ثلاثين فالزيادة كلها للمفلس توزع على غرمائه لأنه تصرف في ملكه فالزيادة على قيمة الثوب والصبغ حصلت في ماله وها هنا الملك لهما، وعلى هذا لو كانت قيمة الثوب عشرة وقيمة الصبغ خمسة فصارت قيمته ثلاثين تقسم على الثلث والثلثين، وإن كانت الزيادة لأجل السوق نظر، فإن كانت السوق زادت فيهما سواء فالزيادة بينهما والحكم فيه كما لو لم يزد ولم ينقص، وإن كانت السوق زادت في أحدهما: كانت الزيادة لمن زادت سلعته ينفرد بها وإن نقص نظر، فإن بلغ بعد الصبغ قيمته خمسة عشر فالنقصان على الغاصب وحده ويكون الثوب بينهما لرب الثوب الثلثان وللغاصب الثلث وفيه المسائل التي ذكرناها وإن بلغت بعد الصبغ عشرة فلا شيء للغاصب ولا يجيء ها هنا بيع الثوب لأنه ليس للصبغ قيمة ولا هبة الصبغ أيضاً لأنه مستهلك فإن أراد قلع الصبغ وعليه ما نقص كان ذلك له، وإن نقصت عن العشرة فعلى الغاصب ما نقص، ولو أراد قلع الصبغ ها هنا له ذلك أيضاً.
وقال المزني: هذا نظير ما مضى في نقل التراب ونحوه وأراد به أن الصبغ وإن انمحق ولم تزد قيمة الثوب به لا يجوز له نزعه من الثوب كما قال في البئر لا يجوز له

طمها قال أبو إسحاق: وخطأ المزني ها هنا أظهر لأن الصبغ عين مال الغاصب ومن له عين مالٍ فله أخذه انتفع به أو لم ينتفع ولأنه ربما ينتفع به في صبغ ثوب آخر إذا أمر [36/ب] الصبغ بهذه العصارة المستخرجة من هذا الثوب والمسألة مصوَّرة حيث يقدر على الاستخراج، وإن كان الصبغ لغير الغاصب نظر، فإن كان لرب الثوب فقد خلط مالَه بمالِه فإن لم يزد ولم ينقص أو زاد فلا شيء على الغاصب والكل له، وإن نقص فعلى الغاصب ضمان ما نقص، ولو أراد المالك أن يأخذه من غير تقويم له ذلك لأنه لا فائدة في التقويم إذ لا حق فيه لغيره، وإن أراد التقويم ليعرف النقصان فله ذلك ولا أجرة له بحال بما لحقه من المؤونة كما لو أغلى زيتاً بالنار ردَّه ولا شيء عليه لثمن الحطب، وإن كان الصبغ لزيد والثوب لعمرو نظر، فإن لم يزد ولم ينقص فالثوب بين رب الثوب والصبغ نصفان وإن زاد بذلك وكانت الزيادة لاجتماع الصبغ مع الثوب فالحكم على ما مضى.
وقال أصحابنا إذا قلنا: لصاحب الثوب إجبار الغاصب على قلع الصبغ إذا كان الصبغ له فها هنا أيضاً لصاحب الثوب قلعه وعلى الغاصب نقصانه، وإن كانت الزيادة لزيادة السوق نظر، فإن كانت فيهما بالسوية فالحكم على ما ذكرنا، وإن كانت السوق زادت في أحدهما: فالزيادة لمن زادت قيمة سلعته وحده، وإن نقصت عن عشرين فالنقصان في حق صاحب الصبغ وحده ويكون الثوب بينهما على ما ذكرنا.
وهذا لأن قيمة الثوب كانت عشرة وفي الصبغ بفعل الغاصب حصل النقصان فكان محسوباً عليه.
مسألة 1: قال: "ولو كانَ زيتاً فخلطَهُ بمثله".
الفصل وهذا كما قال: إذا غصب صاعا من زيت فخلطه فيه خمس مسائل ذكرها في "الأم" إحداها: أن يخلطه بزيت خير منه.
والثانية: أن يخلطه بمثله، والثالثة: أن يخلطه بدونه، والرابعة: أن يخلطه بجنس أخر من الأدهان كالشيرق والبان وغيرهما، والخامسة: أن يخلطه بالماء.
فأما الأولى إذا خلطه بزيت خير منه مثل إن غصب صاعاً قيمته درهمان فخلطه بصاع قيمته أربعة فهل يكون كالمستهلك أم لا؟ قال: ها هنا يكون كالمستهلك لأنه قال: الغاصب بالخيار [37/أ] إن شاء أعطى بعينه من عينه ويكون متبرعاً بالجودة: وإن شاء أعطى من غيره مثل مكيلته قال أبو إسحاق: وإنما خَّيره بينهما لأنا لو أجبرناه على أن يعطيه من عينه لأضررنا بالغاصب فإن زيته أجود من زيت المالك، وإن أجبرناه على أن يعطيه من عينه ويرجع عليه بما بين القيمتين لكان رباً لأنه يدفع مكيلة زيتٍ ويأخذ مكيلةً أخرى مثلها وشيئاً من الدراهم وهذا رباً وإن قلنا: يأخذ من الجيد بمقدار قيمة زيته لكان رباً أيضاً وهذا هو المذهب، وقال في كتاب "التفليس"

إذا اشترى زيتاً فخلطه بخيرٍ منه فيه قولان أحدهما: أنه يجعل كالمستهلك، والثاني: لا يجعل كالمستهلك فيكونان شريكين فمن أصحابنا من قال: ها هنا أيضاً قولان قال أبو إسحاق: وهذا محتمل في النظر ولكن الشافعي لم يومئ إليه.
ومن أصحابنا من قال: في الغصب قول واحد أنه كالمستهلك، والفرق بينه وبين المفلس أن هناك لا يمكنه الرجوع إلى كمال حقه إذا ضارب الغرماء فجعل شريكاً فيه، وها هنا يرجع في بدله وهو كمال حقه ثم إذا قلنا: إنه لا يجعل كالمستهلك فوجهه أن عين ماله موجودة مختلطة بغيره ولا يتميز عنه وكانا شريكين كما لو اشتريا صاعين معا وعلى هذا فيه قولان: أحدهما: يباعان ويقسم الثمن بينهما.
والثاني: تقسم العين بينهما على قدر القيمتين وأخذ من هذا الزيت المختلط ثلث الصاعين لأن المالك لا يجبر على بيع ملكه ولا يؤدي هذا إلى الرّبا لأن الربا يدخل في البياعات ولم يجبر بين الغاصب والمغصوب في هذا بيع وإنما هو تارك إليه بعض المكيلة مشاعاً والأول اختيار أبي إسحاق، وأما الثانية إذا خلطه بمثله فظاهر النص ها هنا يدل على أنه كالمستهلك أيضاً، واختلف أصحابنا في هذا فقال ابن سريج وأبو إسحاق: ها هنا لا يجعل كالمستهلك قولاً واحداً ويرجع المالك إلى عين ماله وهو قدر مكيلته من هذه الجملة والشافعي جمع بين المسألتين [37 /أ] ها هنا ورجع جوابه إلى الخلط بالخير دون الخلط بالمثل وكثيراً يفعل الشافعي ذلك، وقال غيرهما: هذا خلاف مذهب الشافعي لأنه أجاب عن المسألتين وفصَّل ذلك في "الأم" 1 فقال: وإن خلطه بمثله قيل للغاصب: إن شئت أعطيته مكيالاً من هذا الزيت لأنه غير مزدادٍ على حقه ولأنه لا يتميز زيته من زيتِه فيصير كالمستهلك فعلى هذا الخلط بالمثل كالخلط بالخير على ما ذكرنا ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأنه يمكن ها هنا إجباره على إعطائه من عينه لأنه لا يؤدي إلى الضرر بالغاصب فأجبرناه، وأما الثالثة إذا خلطه بأردأ منه فالمنصوص ها هنا أنه كالمستهلك.
ومن أصحابنا من قال: يكون شريكاً فيه ولا يكون كالمستهلك، وقول الشافعي وإن خلطه بشرَّ منه أو صبَّه في بانٍ جوابه يرجع إلى مسألة واحدٍة وهي الصب في البان فإن قلنا: يكون شريكاً فيه يباع لهما ولكل واحد منهما من الثمن بحصة زيته، وفيه قول آخر تقسم الجملة بينهما على قدر القيمتين ولا يؤدي إلى الربا على ما ذكرنا وإذا قلنا: إنه مستهلك فحقه في ذمة الغاصب فعلى الغاصب أن يعطيه مثله من غيره فإن أراد أن يعطيه صاعاً من عينه لم يجبر المالك عليه لأنه دون حقه، وإن طالبه المالك بصاع من عينه لم يجبر الغاصب عليه، وإن كان المالك رضيَ بدون حقه وإن اتفقا على ذلك جاز، وان أراد أن يعطي منه زيادةً بقيمة زيته لم يجبر لأنه رباً.

وقال القاضي الطبري: نص الشافعي أن المالك بالخيار إن شاء أخذ منه محل مكيلته ولا شيء له غيره لنقصان قيمته ويجبر الغاصب على هذا، وإن شاء طالبه بمثل زيته وهذا أصح.
وأما المسألة الرابعة إذا خلطه بغير جنسه فإن كان مما يتميز عنه كالعسل يؤخذ بتمييزه ويلزمه أرش ما نقص من قيمته ومثل ما نقص من مكيلته، وإن كان لا يتميز كالشيرج والبان فهو كالمستهلك بلا خلافٍ لأن تمييزه لا يمكن ولا يجوز أخذه منه لأنه مختلط بغير جنسه فيلزمه [38 /أ] أن يغرم مثل مكيلة زيته، وإن اتفقا محلى أخذ قدر مكيلته منه جاز لأن له أن يأخذ بدل حقه بما يتفقان عليه.
ومن أصحابنا من ذكر فيه وجهاً آخر أنهما يكونان شريكين فيه بقدر القيمة وهذا ضعيفٌ لأن الخلط ها هنا ينقص من كل واحد منهما بخلاف الزيتين إذا خلط الجيد بالرديء لأنه ينقص الجيد ويزيد الرديء فيكونان شريكين فيه، فإن قلنا بهذا الوجه الضعيف فطلبه القسمة ليأخذ ثلث الجملة فإن زيته كان يُسوى خمسةً وخلطه بما يُسوى عشرة فإن قلنا: القسمة بيع لا يجوز لأن اختلاط الزيت بغيره مفضي إلى التفاضل وإن قلنا: القسمة تمييز نصيبٍ جاز.
وأما الخامسة إذا خلطه بالماء أو بشيء يتميز عنه قال الشافعي: إذا أمكن تمييزه حتى يحصل زيته لا ماء فيه ولا ينقص مخالطة الماء إياه أجبر المغصوب منه على قبوله ويجبر الغاصب على تمييزه وإن لحقه مؤونة وإن قيل: مخالطة الماء إياه تنقص قيمته فإن كان قد تناهى نقصانه أخذه وأرش النقصان، وإن لم يتناه نقصانه فيه قولان: أحدهما: المالك بالخيار إن شاء أخذه وأرش ما نقص من قيمته على أنه إذا نقص بعده شيء أخر أقام البينة عليه وأخذه، وإن شاء طالبه بمثل مكيلة زيته من غيره.
والثاني: حكاه الربيح يعطيه هذا الزيت بعينه وما نقصه الماء كالحنطة إذا عفنت عند الغاصب ردها وأرش ما نقص بالعفونة وليس له المطالبة بمثل زيته من غيره لأن عين ماله موجودة متميزة فلا يملك المطالبة ببدلها.
ومن أصحابنا من قال: المسألة على قول واحدٍ والذي حكاه الربيع من كيسه وذلك لأن النقص ها هنا لم يستقر ويُخشى زيادته كل يوم ولا ندري قار ما يزيد حتى نوجب أرشه ويؤدي إلى التنازع أبداً وقد يؤول إلى الهلاك بفعل الغاصب فيجعل في الحال كالهالك فيرجح بمثله بخلاف الحنطة إذا عفنت لأن نقصانها مستقر متناهٍ، ومن أصحابنا من قال: أحد القولين ها هنا أنه يجعل كالمستهلك ويجب عليه بدله، ولو اختار الرجوع [38/ب] إلى هذه العين وبما ينقص كل يوم لا يجبر الغاصب عليه، وقال بعض أصحابنا بخراسان: أحد القولين أن المالك بالخيار بين أن يترده ويضمنه ما نقص إلى الآن ولا شيء له في زيادة نقصان توجد بعده وبين أن يتركه به ويرجع بمثله وما تقدم أصح من هذين الطريقين.
فرع لو غصب حنطةً فخلطها بحنطةٍ فالحكم فيه كما ذكرنا في الزيت إذا خلطه بأجود منه

جارٍ التحميل