والأخرى في الشتاء، فإذا انتقلوا في أول الصيف ولم نقص عدةُ المطلقةً انتقلت معهم، ومنهم من لا موضع له بل يتبع مواقع القطر والكلأ فالمعتدةً منهم تنتقل معهم؛ لأنها إذا خرجت معهم كانت أحصن وأحفظ للنسب.
مسألة:
قال: "وإذا دلت السنةً [على] أن المرأة تخرج من البذاء على أهل زوجها كان العذر في ذلك المعنى أو أكثر".
يحتمل أن يكون هذا الكلام من الشافعي مسألة مستأنفةً في كل معذورةٍ ويحتمل أن يكون قصده للاحتجاج في مسألة البدويةً والمقصود واحدٍ، وهو أنها إذا خرجت من بيت العدةً لعذر ظاهر لم تأثم لمعنيين:
أحدهما: ما ذكر الشافعي وهو أن النبي- صلى الله عليه وسلم - نقل فاطمة بنت قيس للبذاءةً على ما ذكرنا وهي معنى في غيرها، فلأن تنتقل لمعنى في نفسها من خوف الهدم، أو الغرق أو الحرق أو اللصوص أولى؛ لأن هذا العذر أشد وأقوى.
والثاني: أن السكنى تراد للتحصين والاحتياط، وهذا أوجد عند الانتقال بهذه الأعذار.
مسألة:
قال: "ويخرجها السلطان فيما يلزمها فإذا فرغت ردها".
نقل المزني هذا القدر، وقال في "الأم": "وللحاكم أن يخرج المرأةً في العدة في كل ما لزمها من حد أو قصاص أو خصومة".
وقال بعض أصحابنا: هذا إذا كانت برزةً، فأما إذا كانت مخدرة وجه إليها من يقيم الحد عليها، ولهذا رجم الغامديةً ظاهرًا مكشوفًا، ورجم المرأة في خبر العسيف في بيتها، فقال لأنيس: "اغد على امرأةً هذا، فإن اعترفت فارجمها"؛ لأن الغامديةً كانت برزةً وجاءت إليه فاعترفت بالزنا، وكانت المرأة في خبر العسيف مخدرةً فإنها لم تأته فبعث إليها من رجمها، وأما المال فإن كانت معترفةً به وأمكن أخذ، منها في بيتها لم يخرجها أيضًا وإنما قال الشافعي: "يخرجها إذا لم يمكن أخذه منها في بيتها وكانت برزة فيخرجها للخصومةً، فإذا فرغت ردها إلى بيت زوجها حتى تكمل العدةً".
فرع:
قال أبو إسحاق: لو زنت في حال عدتها وهي بكر وقد مات زوجها كان على
السلطان يبينها وهذا أحب الأشياء التي يحوز له من أجلها إخراجها.
فإن قال قائل: ينبغي أن تؤخروا إلى انقضاء عدتها كما تؤخر لشدةً الحر والبرد.
قلنا: الفرق أن العدةً لا تؤثر في الحد فلا يصح من استيفائه، وشدةُ الحر والبرد (ق 101 ب) تؤثر فيه فيعينان على تلف المحدود، والقصد منه التأديب دون الإتلاف، فأخرنا إلى أن يزولا.
وقال في "الحاوي": حُدت بلا خلاف، وهل تغرب قل انقضاء العدةً؟ وجهان:
أحدهما: لا تغرب [إلا بعد انقضاء العدة] تغليبًا لحق الزوج في تحصين مائه.
والثاني: تغرب حولًا إلى أحصن المواضع ويراعي تحصينها في التغريب في بقيةً العدةً، فإن استكملت حد التغريب قبل انقضاء العدةً وجب ردها إلى منزلها لتقضي فيه بقية العدةً.
مسألة:
قال: "ويكتري عليه إذا غاب".
إذا طلقها ولا مسكنٍ له حين الطلاق، فإن كان الزوج حاضرًا أمر، أن يكتري لها مسكنًا تعتد فيه، فإن امتنع أجبره عليه؛ لأنه حق لها فإن امتنع اكترى الحاكم من ماله عليه، كما قلنا في الدين إذا امتنع من أدائه.
وإن كان غائبًا فإن وجد له مالًا اكترى من ماله، وإن لم يكن له مال ظاهر اقترض عليه واكترى لها وحصنها فيه حتى تنقضي عدتها، فإذا عاد رجع عليه بما استقرض له، وإذا كان بها مال يمكنها أن تكتري منه فأذن لها في ذلك جاز ورجعت عليه إذا عاد؛ لأنها إذا اكترت لنفسها اكترت حيث ترى، لأنا اكترى لها السلطان اكترى حيث يرى هو، فإن اكترت هي من غير إذن الحاكم وأمكنها أن تستأذن الحاكم فلم تفعل، كانت متبرعًا لا ترجع به، وإن لم [يكن] حاكم فاستقرضت أو أدت الكرى من مال نفسها وأشهدت بذلك فهل ترجع على زوجها؟ وجهان.
وأصل هذه المسألة مسألة الجمال إذا هرب، وقد ذكرناها في "كتاب الإجارةً".
مسألة:
قال: "ولا نعلم أحدًا بالمدينةً فيما مضى أكري منزلًا، إنما كانوا يتطوعون بإنزال منازلهم وبأموالهم مع منازلهم".
معنى هذا أن الحاكم (ق 102 أ) لا يكتري إذا كان بالمدينةً فإنه يجد السكنى بغير عوض، وإنما يكتري في البلد الذي لا يجد لها سكنى بغير عوض.
ونظيره ما قال في رزق المؤذن إن وجد متطوعًا لم يرزق أحدًا على الأذان، وإن لم يجد جاز له أن يرزق.
وقيل: لما قال: "ويكتري عيه إذا غاب" ألزم نفسه سؤالًا فقال: "لم يثبت عن رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - وعن الصحابةً أنهم اكتروا على غائب منزلا)) فكيف تأمر بالاكتراء؟ وأجاب عن هذا بأنه إنما لم يفعل؛ لأن أهل المدينةً كانوا يتطوعون بها على ما ذكرنا.
ومن أصحابنا من قال: قصد به الرد على أبي حنيفةً ومالك، حيث قالا: لا يجوز بيع رباع مكةً ولا إجارتها؛ لأنا لا نعلم أحدًا بمكةً اكترى منزلًا.
فقال الشافعي: باطل المدينة، فإن رباعها مملوكةً ولا نعلم أحدًا بالمدينةً اكترى منزلًا.
ثم بين العلةً فقال: كان أهل مكةً وأهل المدينة عربًا يأبون إكراء المنازل، فلا يدل هذا على كون رباعها غير مملوكةً وهذا بعيد.
ومن أصحابنا من قال: عطف هذا على قصةُ فاطمةً بنت قيس وقد ذكرناها، فما اكترى لها على زوجها؛ لأن أهل المدينةً كانوا يتطوعون بإنزال منازلهم، فكأنه ألزم نفسه قصة فاطمةً حيث قال: ((لم يكتر لها)) ثم انفصل عنه بهذا فقال: إنما لم يكتر لأن عادتهم التطوع لا لأنه ما وجب، ولا لأنه لا يجوز أن يكتري عليه لها.
ومن أصحابنا من قال: ذكر الشافعي هذا على القول الذي يقول: لا سكنى للمتوفى عنها- ثم قال: ((إن تطوع الورثةً بالإسكان لزمها أن تسكن،، ثم قال: ((إن كانت بالمدينةً فعليها أن تسكن يكل حالٍ؛ لأنها تجد المسكن بغير أجرة)) وهذا أيضًا بعيد.
مسألة:
قال: "وإن تكارت فطلبت الكراء كان لها من يوم يطلبه وما مضى حق تركته" معناه أنها إذا اكترت لنفسها موضعًا (ق 102 ب) وسكنت ولم تطالب الزوج بالسكنى ثم جاءت تطالب بها.
قال الشافعي: ((كان لها من حين تطالب به)).
وقال في ((النفقة)): ((إذا أسلمت نفسها ولم تطالب بالنفقةً كان لها أن تطالب بما مضى من نفقتها ولا تسقط بترك المطالبةً، وكذلك المبتوتةً الحامل إذا جعلنا لها النفقةً فلم تطالب بها كان لها أن تطالب بما مضى)).
فمن أصحابنا من قال: في كلا المسألتين قولان على سبيل النقل والتخريج، ومن أصحابنا من فرق بينهما على ظاهر الصين فقال: النفقةً حق عليه لها في مقابلة الاستمتاع، فإذا أمكنه فقد وجب لها، فإن شاءت طالبته به وإن شاءت أخرته، كما يكون ذلك في الثمن في البياعات والأجرة في الإجارات، وليس كذلك السكنى فإنها حق عليه في مقابلةً حق له وهو حفظ مائه وتحصينه، فإذا قعدت باختيارها من غير إذن الزوج ولم تكن محصنةً له ماءه، فإذا لم يحمل له حقه لم يجب ما عليه.
وأيضًا النفقةً تجب على وجه البدل فلم تسقط بترك المطالبة، والسكنى تجب لحق الله تعالى لا على سبيل البدل فسقطت يترك المطالبةً.
فإن قل: نفقةً الحامل في العدةً لا تجب على طريق البدل ولا تسقط بمضي الزمان على ما ذكرتم.
قيل: قد قيل: إنّا إذا قلنا هي للحمل تسقط بمضي الزمان؛ لأنهما نفقةً القرب ونفقةً القريب تسقط بمضي الزمان، والصحيح أنها لا تسقط.
لأن قلنا للحمل؛
لأن مصرفها إلى الحامل ومنها تصل نفقتها إلى الولد، فلم تجر مجرى نفقةُ الأقارب وأجريناها مجرى النفقة الواجبةً على طريق البدل.
وقال القفال: الفرق بين السكنى والنفقة آن السكنى لغايةً الوقت، وقد مضى الوقت إذ لا يملك المكن عليه هما يملك المالح ومنعه السكنى.
وأما النفقةً فعين مال ويحوز ثبوته (ق 103 أ) في ذمته فثبتت في ذمته.
قال: وحكم الكسوةٍ على هذا حكم السكنى؛ لأنه لا يلزمه أن يملكها الثوب هما لها حق المنفعةً فيه.
مسألة:
قال: ((فأما امرأة صاحب السفينة إذا كانت مسافرة معه فكالمرأة المسافرة)).
الفصل:
إذا خرجت مع زوجها الملاح مسافرةً فطلقها في الطريق، فإن شاءت مضت في وجهها إلى الغايةً التي سافرت إليها معه، لأن شاءت رجعت إلى بيتها على ما بيناه في المسافرةً، فأما إذا كان الملاح لا بيت له غير سفينته ولامرأته فيها موضع.
قال بعض أصحابنا؛ ظاهر المذهب أنها إن شاءت اعتدت فيه، وإن شاءت خرجت واعتدت في أقرب القرى إلى الشط، وهذا اختيار الماسرجسي وجماعةً.
وقال أبو إسحاق: اعتدت حيث شاءت في أي بلدٍ شاءت؛ لأنه ليس لهم بلد ولا مسكن يرجعون إليه، فإن اختارت أن تعتد في الفينة، فإن كانت كبيرةً فيها بيوت يمكنها أن تسكن في موضع لا يشاهدها ولا يراها اعتدت في السفينةً، كما لو كان نازلًا في خان له بيوت فطلقها فإنها تعتد في يبيت منه ويكون هو في بيت آخر، وإن كانت السفينةً صغيرةً فإن كان معها ذو محرم مقيم فعليه أن ينتقل لتسكن هي في السفينةً، وإن لم يكن محرم أو كان ولكن لا يقيم في السفينةً خرجت واعتدت في أقرب المواضع لهذا المكان على ظاهر المذهب، ولا فرق بين الفينة والدار المغيرة إلا في شيء واحد، وص أن المرأة يمكنها أن تقيم في الدار الصغيرةً ولا يمكنها أن تقيم في السفينةً وحدها؛ لأنها لا تسير إلا بملاح.
فصل:
قال في ((القديم)): وليس للمبتوتةً المعتدةً أن تخرج من البيت ليلًا ولا نهارًا إلا من عذر، والمتوفى عنها زوجها تخرج في حوائجها نهارًا ولا تخرج ليلًا.
وقال في ((الجديد)): (ق 103 ب) وليس للمعتدةً أن تخرج نهارًا، والمبتوتةً والمتوفى عنها سواء واستحب ذلك لها، ولا وجه عليها.
فاستحب في الجديد أن لا تخرج نهارًا
ولم يحرمه عليها ومنعها في ((القديم)).
وجملته أن المعتدةً ليس لها أن تخرج من الموضع الذي تعتد فيه ليلًا ونهارًا من غير حاجةً للآيةً التي ذكرناها، فإن اضطرت إلى الخروج فلها الخروج على ما ذكرنا.
وإذا احتاجت إلى الخروج من غير ضرورةً كشراء القطن أو بيع الغزل ونحو ذلك لا يجوز لها الخروج ليلا؛ لأن الليل وقت الخلوةً فيخاف فيه الفساد.
ولا فرق بين أن تكون مطلقةً أو متوفى عنها زوجها، والدليل عليه ما روى مجاهد أن ناسًا استشهدوا بأحدٍ فأيم نساءهم، فجئن إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقلن: إنا نستوحش بالليل في بيوتنا أفنيت عند إحدانا حتى إذا أصبحتا بادرنا إلى بيوتنا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ((بل اجتمعن وتحدثن ما بدا لكن، حتى إذا أردتن النوم فلتأوي كل واحدة إلى بيتها)).
وأما الخروج نهارًا، فإن كانت متوفى عنها كانت لها ذلك بلا خلاف على المذهب وإذا كانت مطلقةً فهل لها أن تخرج؟ قولان:
قال في ((القديم)): ليس لها ذلك لظاهر الآيةً، وهي قوله تعالى: (لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ) [الطلاق:1]، وبه قال أبو حنيفةً؛ لأن عنده عليه كفايتها.
وقال في ((الجديد)): لها ذلك ويستحب أن لا تخرج وهو الأصح، لما روي عن جابر - رضي الله عنه - أنه قال: طلقت خالتي ثلاثًا فخرجت تجد نخلًا لها، فلقيها رجل فنهاها، فآتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له، فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - ((اخرجي فجدي نخلك لعلك أن تصدقي منه أو تفعلي خيرًا)).
وإنما قال ذلك لأن النخل لا يجد في غالب العرف إلا نهارًا، ونخل الأنصار قريبًا من دورهم (ق 104 أ) حتى إذا خرجت بكرة للجداد أمكنها أن تمسي في بيتها، ولأن عدةَ المتوفى عنها أغلظ، فإذا جاز لها الخروج فالمطلقةً أولى، وهذا إذا كانت بائنةً، فإن كانت رجعيةً فليس لها أن تخرج إلا بإذن زوجها لحاجةً لها ليلًا أو نهارًا؛ لأنها زوجته كغير المطلقةً.
باب الإحداد
مسألة: قال: ((ولما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا)) وكانت هي المطلقة التي لا يملك زوجها رجعتها معا في عدة وكانتا غير ذواتي زوجين أشبه أن يكون على
المطلقة إحداد كهو على المتوفى عنها والله أعلم فأحب ذلك لها ولا يتبين أن أوجبه لأنهما قد يختلفان في حال وإنما اجتمعا في غيره)).
الإحداد: زيادة صفةً في الاعتداد وهو أن تجتنب في عدتها عما يدعو إلى الجماع عن المزينةً والثياب المزينةً والطيب، وقال في ((الأم)): هو أن تجتنب في عدتها عما يدعو إلي شهرتها مما ذكرنا - يقال: أحدت تحد حدادًا وسمي به لما فيه من الامتناع، وسمي الحديد حديدًا لأنه يمنع به، وجملته أن المعتدات على ثلاثةً أضرب: معتدةً من وفاة، ومعتدةً رجعيةً، ومعتدةً بائن.
فأما المعتدةً عن الوفاة يلزمها الإحداد، وبه قال كافةُ العلماء، وروي عن الحسن والشعبي أنهما قالا: لا إحداد عليها واجبًا، وروي عنهما أنهما قالا: لا يلزمها الإحداد في طول عدتها وإنما يلزمها في بعضها، واحتجوا بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأسماء بنت عميس لما أتاها نعي زوجها جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ((وتسلبي ثلاثًا)) وهذا غلط (ق 104 ب) لما رواء الشافعي وظاهره أن الإحداد جائز لا واجب؛ لأنه قال: ((لا تحد إلا على زوجها)) ولكن أجمعوا أن المراد به الوجوب وأنه استثناء الواجب من الحرام ولم يعتبر الأكثر.
وروى أبو داود بإسناد عن أم عطية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا تحد المرأة فوق ثلاث إلا على زوج فإنها تحد... أربعةً أشهر وعشرًا، ولا تلبى ثوبا مصبوغًا إلا ثوب عصب.
وروي: ((إلا مغسولًا ولا تكتحل ولا تمس طيبًا إلا أدنى طهرتها إذا طهرت من حيضها بنبذة من قط أو أظفار)، وروي: ((ولا ثوب عصب)) وهو وهم لا يصح.
وروت أم سلمه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((للمتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشقةً ولا الحلي ولا تختضب ولا تكتحل)) والعصب من الثياب ما عصب غزله فصبغ قبل أن ينسج وذلك كالبرد والحبر ونحوهما.
والممشق ما صبغ بالمشق وهو شبه المغرة، وقوله: ينبذه من قسط يريد بها اليسر والنبذ: القليل من الشيء، والنبذةً تصغيره وطهرت الهاء فيه لأنه نوى به القطعة منه.
وروت بنت حكيم بن أسد عن أمها أن زوجها توفي وكانت تشتكي عينها فتكتحل بكحل الجلا فأرسلت مولى لها إلى أم سلمه رضي الله عنها، فسألها عن كحل الجلا فقالت: لا تكتحل به إلا من أمر لا بد منه تشتد عليك فتكتحلين بالليل وتمسحينه بالنهار،
ثم قالت عند ذلك أم سلمه دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين توفي أبو سلمه وقد جعلت علتي صبرًا فقال: ((ما هذا يا أم سلمه))؟ فقلت: إنما هو صبر يا رسول الله ليس فيه طيب، قال: ((إنه يشب الوجه فلا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار، (ق 110 أ) ولا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء فإنه خضاب)) قلت: بأي شيء أمتشط يا رسول الله؟ قال: ((بالسدر تغلفين به رأسك)) وكحل الجلا هو الإثمد، وسمي جلاء لأنه يجلو البصر.
وقوله: يشب الوجه أي يوقد اللون، وأصله عن فعلك شببت النار إذا أوقدتها.
وروي عن زينب بنت أبي سلمه أنها قالت: دخلت على أم حبيبة حين توفي أبوها أبو سفيان، فدعت بطيب فيه صفرةً خلوقٍ أو غيره ومست بعارضيها، ثم قالت; والله مالي إلى الطيب من حاجةً غير أنى سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -يقول: ((لا تحل لامرأةً تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعةً أشهر وعشرًا، قالت زينب: ودخلت على زينب بنت جحش حين توفى أخوها فدعت بطيب فمست منه، ثم قالت؛ والله مالي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول وهو على المنبر: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر))... الخبر.
وأما قوله: ((تسلبي ثلاثًا)) قيل: أراد به لبس الود وهي تسمى السلاب ومنه قول الشاعر:
يخمشن حر أوجه صحاح في السلب السود وفي الأمساح
والأمساح: جمع مسح.
وأما المعتدةً المطلقةً عن طلاق رجعى فلا يلزمها الإحداد قولًا واحدًا، وروى أبو ثور عن الشافعي أنه قال: ((أستحب لها الإحداد وهذا النظير أسفها عليه فيرغب في مراجعتها.
وقيل: فيه وجهان:
أحدهما: هذا.
والثاني: لا يستحب ذلك بل يندب إلى التصنع له بالزينةً ليميل إليها فيرغب في مراجعتها.
وأما المطلقة البائن هل يلزمها الإحداد؟ فيه قولان:
أحدهما: قاله في القديم يلزمها، وبه قال أبو حنيفةً، وأحمد (ق 105 ب) في روايةً
وروي ذلك عن سعيد بن المسيب؛ لأن هذه بائن معتدةً عن نكاح فيلزمها الإحداد كالمتوفى عنها.
والثاني: قاله في الجديد: لا يلزمها الإحداد، وبه قال ربيعةً، ومالك، وعطاء.
وهو الرواية الثانيةً عن أحمد ويستحب لها؛ لأن الشافعي قال: "أسحب لها ذلك ولا يتبين أن أوجبه عليها 0 وهذا لأنها معتدةً عن طلاق فأشبهت الرجعيةً، وتفارق المتوفى عنها؛ لأن عدتها.
عدة الحرمة والتفجيع، وعدةً الطلاق عدةً الغبط وقلما تكون إلا ذات حقد عليه فافترقا.
ثم إن المزني اختار إلحاق البائنةً بالمتوفى عنها، واعترض على كلام الشافعي لأنهما قد يختلفان في حال، وإن اجتمعا في حال ووجه اختلافهما ما ذكرنا فقال: كل بائن على أصل فهو يشبه له من وجه وإن خالف غيره، ولو لم يلزم القياس إلا باجتماع الوجوه بطل القياس.
والجواب أن الفرع والأصل كما قلت يجتمعان من وجه ويفترقان من وجه، ولكن إذا كان افتراقهما راجعًا إلى معنى مختص وجب الفرق بينهما في الحكم والمعنى المختص في إحداد عدةً الوفاةً ما ذكرنا من إظهار المفجع على الزوج الميت، وهذا المعنى مفقود في عدة الطلاق، أو يقول: هذا الذي ذكره ينقلب عليه وذلك أنه لو كان يكفي في القياس شبه ما بطل القياس قط.
آو نقول: هذا قياس شبه وليس بقياس عليه، وقياس الشبه إذا كان مترددًا بين أصلين يشبه كل واحد منهما لم يقس على أحدهما إلا أن يغلب شبهة به، وهذه المطلقةً بالرجعيةً أشبه.
مسألة:
قال: "ولا تجتنب المعتدةً في النكاح الفاسد [وأم الولد] ما تجتنب المعتدةً ويسكن حيث شئن"
لا يجب الإحداد على المحتدةً من نكاح فاسد؛ لأن الإحداد إظهار الحزن على الزوج وعلى ما فاتها من عصمة (ق 106 أ) النكاح، وهذه يس لها زوج ولا عصمة نكاح، فكذلك لا يلزم أم الولد؛ لأنه لا يجب عليها عدةً الوفاةً، وإنما يجب عليها الاستبراء والإحداد من حقوق النكاح فلا يجب في الاستبراء.
وأما مفسوخةً النكاح لا إحداد عليها؛ لأن فسخ النكاح رفع العقد من أصله، ألا ترى أن الزوج لو كان وطئها قبل الفسخ لزمه مهر مثلها، ولأنها لو فسخت بمعنى فيه فهي المختارة للفسخ، فلم يشبه الإحداد حالها، وإن كان هو المختار بسبب بها فإن الفسخ مضاف إليها حتى كأنها هي المختارةً للفسخ، وكذلك الموطوءة بالشبهةً لا إحداد عليها
في عدتها [كما] ذكرنا.
وأما قول الشافعي: " ويكن حيث شئن"، أراد به أن المعتدةً من نكاح فاسد لا سكنى لها، لأنه لا سكنى في حال العقد قبل أن يفرق بينهما، فلان لا سكنى لها في حال العدة أولى فتسكن حيث شاءت.
قال أصحابنا: وإن تبرع الواطئ وأمكنها موضعًا لزمها أن تسكنه، وكذلك ورثه اليد إذا أسكنوا أم الولد لزمها ذلك كما قال الشافعي في ورثة المتوفى عنها.
مسألة:
قال: ((وإنما الإحداد في البدن وتترك زينة البدن)).
قصد بهذا الكلام أنها لا تؤمر بالإحداد في بيتها بأن لا تسكنه، ولا في أمر فرشها بأن لا تفرش ثيابًا حسنه، كما كان أهل الجاهليةً يفعلون، تقعد إحداهن في شر أحلامها في شر بيتها، وإنما ذلك في البدن والثوب، وهو أن لا تدخل زينة ولا طيبًا من ألوان الصبغ المزينةً ولا تلبى ثياب الحرير وكل ما تشتهيه الأنفس من هذا الجنس، وقد ذكر الشافعي تفصيله.
فقال: ((ولا تدهن رأسها بدهن طيب (ق 106 ب) ولا غير طيب.
قال في ((الأم)): بزيت ولا شيرق ولا غيرهما؛ لأن الأدهان كلها تقوم مقام واحد في ترجيل الشعر وإذهاب الشعر وذلك هو الزينة إلا أن يكون صلعًا فيكون لها أن تدس رأسها بدهن غير مطيب.
وهكذا المحرم يفتدي بأن يدهن رأسه ولحيته بزيت لما وصفت.
وأما بدنها فلا بأس بدهنها إلا الطيب كما لا بأس به للمحرم، وقال أبو حنيفة: لا تدهن بدنها كما لا تدهن رأسها وهذا غلط لما ذكرنا.
وأما قول الشافعي: ((فإن خالفت المحرم من بعض أمرها 0 أراد به أن المحرم ممنوع عن لبس الثياب المخيطةً وهذه غير ممنوعةً، والمحرم غير ممنوع من لبس الثوب المعصفر وهذه ممنوعةً.
قال أصحابنا: وجملته أن المحرمة والمعتدةً يشتركان في بعض المحرمات ويختلفان في البعض، فيحرم على المعتدةً ويحل للمحرمةً ويحرم على المحرمة ليحل للمعتدةً.
فأما ما يشتركان في تحريمه عليهما فهو الوطء، والاستمتاع، وعقد النكاح، واستعمال الطيب والدهن في موضع الترجيل، وأما ما يحرم على المحرمة ويحل للمعتدةً، فما ذكرنا وتقليم الأظفار، وحلق الشعر، وقتل الصيد وأكله.
وأما ما يحرم على المعتدةً ويحل للمحرمة فما ذكرنا والخضاب، ولبس الحلي، والكحل الأسود.
فرع:
قال أصحابنا: لو كان للمرأةً لحيةً لا يجوز لها أن تدهنها لأنه ترجلها فتكون زينةً، واللحيةً، وإن كانت قبيحةً للنساء فهي مع ترك الدهن أقبح.
مسألة:
قال: ((وكل كحل كان زينة فلا خير فيه)).
الفصل:
أراد به الكحل الأسود الذي يقال له الأسود وهو الأصفهاني، لا يحل لها ذلك لأنه يسود الحدقة والأجفان ولا فرق بين آن تكون المرأةً بيضاء أو سوداء؛ لأنه زينةً وملاحةً لهما فإنه يسود حدقةً السوداء ويفتحها، والدليل عليه خبر أم سلمه الذي ذكرنا (ق 107 أ).
وحكي الماسرجسي عن بعض أصحابنا أنه قال: إن كانت سوداء جاز لها الاكتحال به، وهذا غير صحيح لما ذكرنا.
قال: فأما الفارسي وما أشبهه إذا احتاجت إليه فلا بأس به؛ لأنه ليس بزينةً بل يزيد العين مرهًا وقبحًا، وأراد بالفارس التوتيا والبرود الأبيض، فإن ذلك ليس بزينةً بل يزيد العين قبحًا والمرء أن لا تقبل العين الكحل فينتشر حواليها تقبح العين.
وقيل: معناه تسترخي العين إذا اكتحلت به.
قال أصحابنا: ويجوز ذلك أيضًا من غير ضرورة حاجته ليلًا ونهارًا، وقال بعض أصحابنا، هو زينة لبعض النساء كنساء مكةً فيمنع منه البيض والسود، وهذا لأن الاعتبار بلونه لا يكون مستعمله.
وقال القفال: الإثمد: زينة لنساء العجم دون العرب؛ لأن أعينهن سود والإثمد: سود، والكحل الأبيض والأصفر زينةً لنساء العرب دون العجم فيفرق بينهن في ذلك.
وهذا غير صحيح أيضًا لما ذكرنا، ولو استعملت كحل الزينةً في غير عينها جاز لأنها يزيد تشويها إلا الأصفر منه الذي له لون إذا طلي به الجسد كالصبر فتمنع منه فيما ظهر من الجسد، كالوجه ولا تمنع فيما بطن ذكره في الحاوي.
ثم قال الشافعي: ((وما اضطرت إليه مما فيه زينةً من الكحل اكتحلت به ليلًا وتمسحه نهارًا)) قال: وكذلك الإمام يعني الصبر، قال الأزهري: يقال المرأةً إذا طلي حول عينيها بصبر أو زعفران قد دمت عينها، وكذلك إذا طلت غير موضح العين، وقيل: كل طلي تحسن به الوجه من اسفيذاج العرائس والكلكون ونحوه فهو الدمام، وقيل: هو ما تحمر به المرأةً وجهها.
وقيل: هو ما يلطخ به حول العين مثل الحضض (ق 107 ب) وغيره مما يبرد ويزيل حكةً العين وحرقتها ونحو ذلك، فكل هذا نيةً تمنع منه.
قال الشافعي: "وَالصَّبْر زِنَيةً يَصْفَرَّ وَلَيْسَ بِطِيبٍ فَأَذِنَ لَهاَ باللَّيْل حَيْثُ لاَ تَرَي وَتمَسحُهُ بالنَّهَار حَيْثُ يُري وكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَهُ".
وقال في "الأم": "وكذلك ما أرادت به الدواء.
يريد به أنه إذا كان علي وجهها شيء يحتاج أن يدع عليه الصبر لتداوي به وضعته عليه بالليل وتمسحه بالنهار، وإذا كانت تحت ثيابها قال في "الأم": وضعته عليه بالليل والنهار والأصل فيه خبر أم سلمه في الصبر علي ما ذكرنا.
وأما الطيب فإنه يحرم عليها لأنه يدعو إلي الجماع، وقد ذكرنا فيه الخير.
وقال بعض أصحابنا: إذا قلنا: لا يجب الإحداد علي المبتوت هل يحرم عليها الطيب وجهان:
أحدهما: لا يحرم.
والثاني: يحرم لاختصاصه من بين محظورات الإحداد بتحريك شهوة الرجال وشهوة الرجال لها.
وأما الغالية التي لا ريح لها لا يجوز لها استعمالها في وجهها لأنه زينة، ويجوز لها استعمالها تحت ثيابها لأنه ليس بطيب.
وأما الخضاب تمنع منه المعتد للخبر، وقال أصحابنا: وتمنع منه وإن غر السواد لأنهكا معاً زينة وتحسين.
قالوا: وإنما يمنع من ذلك فيما يظهر من اليدين والرجلين والوجه، فإن استعملت ذلك في غوامض بدنها حيث لا تري فلا بأس به.
قال أصحابنا: ولا تحت جبينها لأن زينة لوجهها، وأما الاغتسال والتنظيف فلا شك في إباحته.
مسألة:
قال: "وَفي الثَّياب زِينَتَان إحْدَاهُمَا جمَالُ الثَّيابِ عَلَي اللاَّبِسِينَ وتَسُتُر العوْرَةَ".
الفصل:
أرد به أن الثوب زينتان:
أحدهما: (ق 108 أ) تحصل بنفس الثوب وهي ستر العورة والبدن ويوجد ذلك في كل ثوب، قال تعالي: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:31] وأراد به ستر العورة.
والثاني: يحصل بإدخال صبغ عليه وإطلاق الزينة ينصرف إلي هذه الزينة دون غيره، قال الشافعي: ونهي الحاد عن الزينة التي تدخل على الثياب دون الزينة التي تحصل تحت الثياب، فلا بأس أن تلبس الحاد كل ثوب من البياض لأن البياض ليس بمزين وكذلك الصوف والوبر.
قال [في] "الأم": والشعر وكل ما نسج علي وجهه لم يدخل عليه صبغ من خز أو غيره، وإنما كام كذلك لأن البياض زينة للأصل في الخلقة، وذلك لا يحرم علي الحاد قياساً علي زينة خلقها وجمالها، فإنه لا يلزمها تغييرها بما يشوهها ويقبح وجهها وعلي هذا يجوز لها لبسه، وإن كان فاخر كالمروري المرتفع والمروري والنيسابوري والد يبقي والعصب.
وأما الإبر يسم لا نص فيه قال أصحابنا: هو كغيره، إذا نسج علي جهتهِ من غير صنع، وإن كان أعلي ما في الباب من جنسه هكذا ذكره أهل العراق.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لما قال الشافعي "لاَ بَاسَ أَنْ تَلْبَسَ الحَادُّ كُلَّ ثَوبٍ من البَيَاضِ [لأَنَّ البَيَاضَ] لَيْسَ بمُزيَّنٍ".
يدل علي أنها يجوز لها لبس ثوب الإبر يسم إذا كان أبيض اللون.
وقال القفال: لا يجوز لها لبس الإبرسيم بحالٍ.
وهذا غلط، لأن جنسه من أصل الخلقة لا زينة أدخلت عليه فلا تمنع منه.
وأما الخز فلها لبسه؛ لأن الصوف فيه يسير الإبريسم وللرجل لبس الخز، وما راد الشافعي بالخز ههنا خز لم يصنع بل تدل علي لونه.
وقال القفال: وأما ألعتابي فإنها لا تلبسه لأن الإبر يسم فيه ظاهر (ق 108 ب) فإن لحمته إبري سم ويغلب ذلك علي سداه والاعتبار بما يظهر.
وقال سائر أصحابنا: هذا إذا دخل فيه الصبغ، فإن لم يصبغ فعلي ما ذكرنا لا يحرم، ثم قال الشافعي: " وَكَذَلكَ كُلُّ صَبْغٍ لمْ تُرَدْ بِهِ تَزيْين الثَّوبِ مثل السَّوَادِ وَمَا صُبغَ ليُقبَّحَ لحُزْنٍ أَوْ لِنَفْي الوَسَخِ".
وهذا الكلام غيره المزني للاختصار فأفسدنه، لأنه يقتضي أن يكون ما صبغ للحزن غير السواد، والصواب ما قال في "الأم" وكذلك كل ما صبغ لم يرد به تزييني الثوب مثل السواد وما أشبه، فإن من صبغة بالسواد إنما صبغة لتقبيحه للحزن أو لنفي الوسخ عنه، وجمله الثوب الذي أدخل عليه الصبغ علي ثلاثة أضرب:
أحدهما: ما قصد به دفع الوسخ أو إظهار الحزن كالكحل يتعاطاه من كثرة وسخة طباعة الإدامة ونحوهم، والسواد كله أعلاه وأدناه من خز أو عيره يلبس في العادة عند الغم والمصائب فلأتمنع منه الحاد.
قال في الحاوي: وهل يجب لبس السواد في الإحداد؟ وجهان:
أحدهما: يجب لاختصاصه بشعار الحزن في المصائب.
والثاني: يستحب ولا يحب لاختصاص الوجوب بما يجتنبه دون ما يستعمله، وهذان الوجهان من اختلاف التأويلين في قوله صلى الله عليه وسلم لأسماء بنت عميس: "تصلبي" فأحد التأويلين أنه [أراد به] لبس السواد فيكون واجباً لأمره وعلي التأويل الآخر لا يجب.
والثاني: ما يقصد به الزينة وهو الأحمر والأصفر والخلوتي وأوردي ونحو ذلك فيمنع منه الحاد.
وقال في "الأم": "لو كان في الثوب وشئ وتلميع مثل العصب ولحبره فلا تلبسه الحاد غليظاً كان أو رقيقاً، والمذهب أنه لا فصل بين ما صبغ من هذا بعد نسجه وبين ما صبغ غزله ثم نسج، وقال أبو إسحاق: إن كان صبغ بعد نسجه منعت منه (ق 109 أ) وإن كان صبغ ثم نسج لم تمنع منه؛ لأنه إذا كان غزله مصبوغاً كان بمنزلة الثياب التي ذاتها زينة ونسجت علي وجهها من غير صبغ.
وروي هذا عن عمرو رضي الله عنه، وقد روي في خبر أم عطية: " إلا ثوب عصب" وفسرتاه بهذا، قال أبو سليمان الخطابي: وهذا خلاف نص الشافعي ههنا، وفي الأم لأنه قال ههنا، وصباغ الغزل بالخضرة الصافية محرمة والعصب والخبرة يصبغ غزله قبل النسج ونص عليه فيا الأم.
وقد روي في خبر أم سلمه:" لا تلبس المعصفر ولا الممشوق" ولم يفصل بين ما نسج بعد صبغ الغزل وبين ما نسج، ثم صبغ ولأن ما صبغ غزله، ثم نسج يكون أرفع وأحسن مما صبغ الغزل وبين ما نسج، ثم صبغ ولأن ما صبغ غزله، ثم نسج يكون أرفع وأحسن مما صبغ بعد النسج، ويحتمل أن يكون المراد بما قال في خبر أم عطية ما لا زينة فيه كالأسود والكحل.
وقد قال مالك: لا تلبس ثوباً مصبوغاً بشيء من الصبغ إلا بالسواد، وقال سفيان الثوري: تنفي الزينة والثوب المصبوغ.
والثالث: ما يختلف حكمه باختلاف صبغة بالأخضر والأزرق ينظر فيه، فإن كان مشبع الخضرة كان إلي السواد أقرب، وإن كان صافي الخضرة كان إلي الأحمر أقرب فما كان منه مشبعاً لم تمنع منه كالكحل، وما كان منه صافي اللون منعت لأنه زينة.
قال الشافعي: "وَصِباغُ الغَزلُ بالخُضْرةِ يُقَاربُ السَّوادَ لاَ الخُضْرةَ الصَّافيةَ وَمَا فِي مَعْنَاهُ".
قال أصحابنا: يريد به أن الأزرق إذا كان مشبعاً فهو بمنزلة السواد، وإن كان صافياً نقياً فهو زينة وهو أحسن الألوان فيحرم عليها، وهذا قريب مما تقدم وجمله هذا الفصل أنها مأمورة بهيئة لا تبتدرها الأبصار ولا يستحنها الناظر إظهارا لتفجع (على) فراقه (ق 109 ب).
فرع:
يمنع من لبس الحلي سواء كان من الذهب أو الفضة، وقال في "البويطي": ولا تلبس شيئاً من الحلي خاتماً ولا غيره؛ لأن في ذلك زينة، وحكي ابن المنذر، عن عطاء أنه قال: يحرم عليها حلي الذهب دون الفضة، وهذا غلط لخبر أم سلمه" ولا الحلي" ولم يفصل ولأنه يزيد في حسنها، ولهذا الشاعر:
وَمَا الحُليَّ إِلا زِينةٌ لِنَقيصةٌ يُتمْ منْ حُسْن إذَا الحُسْنُ قَصَّرَا
فَأَمَّا إِذَا كاَنَ الجَمَالُ مُوَفَّراً كَحُسْنِك لَمْ يَحتْجْ إلَي أَنْ يُزوّرَا
فرع آخر:
لو تحلت بالصفر والنحاس والرصاص، فإن كان مموهاً بالذهب أو الفضة أو كان مشابهاً لهما يخفي علي الناظر إلا بعد شدة التأمل تمنع، ونلم يشبه يهما روعي فيه حال المعتد، فإن كانت من قوم جرت عادتهم بالتحلي بها منعت لأنه زينة لهم، وإن كانت من قوم لا يتحلون به وإنما يستعملونه لما يتصورن فيه من الحرز والنفع جاز لها لبسه لأنه ليس بزينة.
فرع آخر:
قال بعض أصحابنا: لو أرادت تلبس حلياً ليلا وتنزعه نهاراً جاز، لكن إن فعلت ذلك لإحرازه لم يكره، وإن فعلت لغير حاجة كره ولم يحرم.
فرع آخر:
لا يحرم عليها أن تنام علي فراش أو تضع رأسها علي وسادة وإن كانت مستحسنة، ولا تمنع من أكل الحلو أو اللحم.
فأما أكل ما فيه طيب من الحلو أو الطبخ يحرم لأنه يحرك شهوتها للرجال، وإن لم تتحرك لها شهوة الرجال.
ذكره في الحاوي (11/ 283) وتمنع من لبس الوقايات.
فرع آخر:
لو كان علي بياض الثياب طرز فإن كانت إعلاماً كباراً لم يجز لأنها زينة ظاهرة علي الثوب، وإن كانت صغاراً خفية فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه زينة كالخاتم (ق 110 أ) فتمنع.
والثاني: أنه عفو لا يمنع كخضابها.
والثالث: إن ركبت بعد النسج كان زينة محضة، وإن نسيجه معها لم يمنع لأنها غير مزيد في الثوب، وتمنع من لبس القرمزي والمقانع بطراز الذهب.
فرع آخر:
قال في "الأم": لو تركت الإحداد في عدتها حتى انقضت وفي بعضها كانت
مسيئة ولم يكن عليها أن تستأنف العدة.
فرع آخر:
قال أيضاً: إن بلغها يقين وفاته أو طلاقه ولم تعرف اليوم الذي طلقها أو مات فيه أعتدت من يوم استيقنت بطلاقه ووفاته حتي تكمل عدتها كأنه شهد عندها قوم أنه مات في رجب وقالوا: لا ندري في أي رجب مات فتعتد من آخر ساعات النهار من رجب واستقبلت بالعدة شعبان.
مسألة:
قال: "وَكَذَلكَ كُل ُّحرة وَأَمَةٍ كَبيرةٍ أِوْ صَغيرةٍ، مُسْلمَةٍ أَوْ ذِمَّيةٍ".
أراد أن الإحداد واجب علي هؤلاء في عدة الوفاة؛ لأن كل من وجبت عليها عدة الوفاة وجب عليها الإحداد.
فأما الصغيرة فإن وليها يجنبها جميع ما يجب علي الحاد أن يتجنبه، وهو قول الزهري علي ما حكاه محمد بن إسماعيل البخاري عنه.
وأ/االذمية فلا فرق بين أن يكون زوجها مسلماً أو ذمياً؛ لأن عدة الوفاة واجبة لها فكذلك الإحداد.
وقال أبو حنيفة: لا إحداد علي الصغيرة لأنها غير مكلفة بالعبادات، وهذا غلط لأنَّا ألحقناها في أصل العدة بالمكلفة فكذلك في أصل العدةز
وقال أبو حنيفة أيضاً: لا يلزم الإحداد علي الذمية في عدة المسلم، وإن لزمت العدة.
ولا تلزم العدة ولا الإحداد علي الزوج الكافر، واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد علي ميت" الخبر فقيد بالمؤمنة، وهذا غلط لأنها معتدة فيلزمها الإحداد كالمسلمة.
وأما الخبر (ق 110 ب) فهو احتجاج بدليل الخطاب وهم لا يقولون به، وقد بينَّا أنه يتعلق به حق الزوج الكل سواء.
مسألة:
قال: "وَلَوْ تَزَوَّجَتْ نَصْرانَّيةٌ نَصْرانيَّا فَأَصَابَهَا أَحَلَّها لِزَوْجِهَا المُسْلمِ ويحُصَّنُهَا".
الفصل:
قد ذكرنا هذه المسألة في كتاب النكاح، وقصد بقوله: "يحصنها" الرد علي أبي حنبفة حيث قال: لا رجم علي المشرك أصلاً ولا رجم علي المسلم إذا أصاب النصرانية بالنكاح ثم (زنى).
باب اجتماع العدتين
مسألة:
قال: "وَإذَا تَزَوَّجَتْ فِي العِدَّةِ وَدَخَلَ بهَا الثَّاني فإَنَّهَا تَعْتدُّ بَقيَّةِ عِدَّتِهَا مِنَ الأَوَّلِ".
الفصل:
قد بيَّنا أنه لا يجوز للمعتد أن تنكح إلا بعدة انقضاء العدة لقوله تعالي: ﴿ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البَقَرةَ: 235] والنهي يدل علي الفساد، فإن نكحت بطل النكاح، ولا يتعلق بهذا العقد شيء من أحكام النكاح بحالٍ، فإن كانا عالمين بالتحريم عزرا لأجل النكاح، ولكن لأنهما ارتكبا أمراً محظوراً وإن أحدهما عالماً ولآخر جاهلاً عزر الجاهل وعزر العالم.
وحكي عن مالك أنه قال: إذا انقضت العدة لا تجوز لمن تزوجها في العدة فلاق بينهما أن يتزوجها ثانياً وهي محرمة عليه ما لم تنكح غيره، وهذا مذهب غريب وعندنا لا تنقطع عدتها بنفس النكاح بحالٍ.
نص عليه الشافعي في موضعين.
وقال أبو بكر القفال ألشاشي: تنقطع عدتها بنفس النكاح وتصير به فراشاً للثاني أيضاً، حتى لو أتت بولدٍ لستة أشهر فصاعداً من وقت عقد النكاح فهو كما لو أتت به لستة أشهر من وقت العقد الصحيح، فجعلها بالعقد الفاسد فراشاً كما بالعقد الصحيح.
واحتج بأن، العقد الفاسد يسلك به (ق 111 أ) مسلك الصحيح، وخالفه سائر أصحابنا، وقالوا: هذا وجه لا يحكي ولا وجه له لأنه فاسد فيلغي ولا حكم.
فإن قيل: أليس قلتم لو راجع زوجته في العدة انقطعت العدة فقولوا: إذا نكحت انقطعت العدة.
قيل: الفرق أن الرجعة صحيحة مبيحة فتصير به فراشاً وتنقطع بخلاف هذا العقد.
فإن قيل: أليس الرجعية إذا تزوج في عدتها انقطعت نفقتها وسكناها بهذا النكاح، فهلا قلتم تنقطع عدتها به أيضاً، قيل: الفرق أنها إذا تزوجت فقد نشرت والنشوز يقطع النفقة والسكني كما في حالة النكاح، بخلاف العدة فإنها لا تنقطع بالنشوز بدليل أ، ها لو تركت الإحداد والسكون في البيت لا تنقطع العدة فلهذا لا تنقطع بنفس النكاح ما لم يوجد حقيقة الوطء.
فإن قيل: لو خالعها، ثم تزوج بها في عدتها، تنقطع العدة بنفس النكاحٍ فكذلك ههنا.
قلنا: سَلمهُ أكثر أصحابنا، والفرق صحيح فتصير المرأة فراشاً تنقطع العدة بخلاف هذا العقد.
وحكي عن ابن سريج أنه قال: عدتها لا تنقطع إلا يوطئه كما لو تزوجها غيره في العدة لم تنقطع إلا يوطئه، وهذا غلط، وألف ق ظاهر.
فإذا تقرر هذا فإنَّا نفرق بينهما، فإن كان قبل الدخول تكمل مدة الأول ولا كلام، وإن كان بعد الدخول، فإن كانا عالمين بالتحريم غلوطء زني؛ لأن النكاح في العدة مجمع علي تحريمه ولا تنقطع به عدتها؛ لأنها لم تصر فراشاً للواطئ.
وكذلك إن كان الزوج عالماً بالتحريم دونها، وإن كانا جاهلين بالتحريم لقرب عهدهما بالإسلام، أو نشأ في بادية نائية، أو كان الزوج جاهلاً دونها انقطعت تلك العدة؛ لأنها صارت فراشا للثاني.
ومتى تعود إلي العدة فقد ذكرنا أن الصحيح أنها تعود عقب التفريق.
وقال بعض أهل خراسان: تعود عند آخر وطئ الثاني، ثم يلزمها أن (ق 111 ب) تعتد بقية عدتها من الأول، ثم تعتد من الثاني، ولا تتداخل العدتان من رجلين علي ما ذكرنا، وبه قال أحمد خلافاً لأبي حنيفة، وعن مالك روايتان، واحتج الشافعي في ذلك بقول عمر، وعلي رضي الله عنهما، واستأنس بقول عمر بن عبد العزيز، والمزني ذكر قول عمر بن عبد العزيز في عزلته الاحتجاج ولا حجة في قوله، وإنما الحجة في قول الصحابة فلعل الشافعي أراد الاحتجاج بقول عمر، وعلي ثم أبعهما عمرين عبد العزيز لا علي جهة الاحتجاج، ثم احتج الشافعي بالقياس، فقال: فقال " لأن عليها حقين بسبب الزوجين وكذلك كل حقين لزممها من وجهين" يعني لو لزممها دينان لرجلين لم يتداخلا فالغدتان يجريان مجري دينين وتحريره أنهما حقان مقصودان لرجلين فلا يتداخلان كالدينين لرجلين، أو حقان لآدميين يتعلقان بالواطئ فلا يتداخلان كالمهرين لا مرآتين، وتمام ما روي عن عمر رضي الله عنه ما روي أن طلحة كانت تحت رشيد الثقفي فطلقها ألبته.
فنكحت في آخر عدتها فضربها عمر رضي الله عنه وضرب زوجها بالمخففة ضربات وفرق بينهما، ثم قال عمر: أيما امرأة نكحت في عدتها، فإن كان زوجها الذي تزوجها لم يدخل بها فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول [وكان خاطباً من الخطاب، فإن كان دخل بها فرق بينهما] ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول، ثم اعتدت من الآخر، ثم لم ينكحها أبداً وروي أبي عمر أن عليا رضي الله عنه قضي في التي تزوج في عدنها أنه يفرق بينهما ولها الصداق بما استحل من فرجها وتكمل ما أفسدت من العدة للأول وتعتد من الآخر.
وقال الشعبي: أتي عمر بامرأة تزوجت في عدتها فأخذ مهرها فجعله في بيت المال، وفرق بينهما [وقال: لا يجتمعان وعاقبهما، فقل علي: ليس هكذا، ولكن هذه
الحالة من الناس، ولكن يفرق بينهما ثم تستكمل بقية العدة من الأول، ثم تستقبل عدةً أخري ولها المهر بما استحل من فرجها فحمد الله عمر وأثني عليه.
وروي مسروق أن عمر رضي الله عنه (ق 112 أ) رجع عن ذلك وجعل مهرها وجعلهما يجتمعان.
مسألة:
قال: "وَلَوْ اعْتِدَّتْ بحَيْضَةٍ، ثُمَّ أَصَابَها الثاَّنِي فَحَمَلَتْ وَفَرَّقَ بَينْهُمَا اعْتَدَّتْ بالحَمْل، فَإِذَا وَضَعَتْهُ لأَقَلَّ منْ سَّتةِ أَشْهُرٍ منْ يوْمِ نَكَحَهَا الآَخرُ فَهُوَ مِنَ الأَوَّلِ".
الفصل:
قوله: "مِنْ يَومْ نَكَحَهَا لآخَرُ" أي من يوم وطئها الآخر، لأن بالنكاح الفاسد لا تصير فراشاً علي ما ذكرنا والاعتبار بالوطء، وإنما يخبر عن الوطء بالنكاح؛ لأن الوطء في اللغة يسمي نكاحاً، أو لعله صور المسألة في رجل عقد عليها النكاح الفاسد وأصابها تعقيب العقد من غير أن يطاول الزمان بين العقد والوطء، فذلك ذكر العقد.
وهذا كما قال في كتاب " العيدين" لا يزال الناس يكبرون في المصلي حتى يفتتح الإمام الصلاة.
وقال في موضع حتى يخرج الإمام، وأراد حتى يفتتح الإمام الصلاة ولكن خروج الإمام إلي المصلي وافتتاحه في زمان واحد، فإن السنة أن لا يشتغل إذا انتهي إلي لبصلي بشيء سوى الافتتاح، فلما تقارب الخروج والافتتاح استخار الشافعي في أن يعبر في موضع بالخروج، وفي موضع آخر بالافتتاح لا علي قصد القولين، فكذلك ههنا صور في الزمان المقارب.
وجملته أنه إذا وطئها الثاني فإنها تصير فراشاً للثاني بهذا الوطء وهي فراش بالنكاح، ولا يخلو بعد التفرق بينها وبين الثاني من أن تكونن حاملاً أو حائلاً، فإن كانت حاملاً فعدتها لإقراء أو بالشهور فتكمل عدة الأول، ثم تعتد من الثاني، وإنما قدمنا عدة الأول لأنها سابقة، وأنها وجبيت عن وطء متاح ثم للأول أن يراجعها في بقية عدتها منه، وإذا راجع سقطت عنها عدتها منه وشرعت في عدة الوطء بالشبهة ويجتنبها الزوج حتى تفرغ، وإن كانت بائناً.
قال أب حامد (ق 112 ب) وجماعة: لا يجوز له إن ينكحها بخلاف الرجعة؛ لأن النكاح إنما يجوز فيمن تحل منها تعقيب العقد شئ ولا تحل هذه لزوجها تعقيب العقد لمكان عدة الثاني وهي كالمحرمة لا يحل نكاحها.
قال: فإن قيل: لو كانت البقية بقية عدته ينفرد بها كان له العقد عليها فيها.
قيل: إنما يجوز ذلك إذا لم يكن عليها فير عدته.
قال: ورأيت كثيراً من شيوخ المذهب يقول
في تلك البقية معتدة عن الأول والثاني معاً، ثم تستأنف للثاني عدة وهذا بعيد لا يحكي.
وقال القفال: ظاهر المذهب أن له أن ينكحها، ومن صحابنا من قال: لا ينكحها بخلاف الرجعة لما ذكرنا، وهذا غلط علي ما ذكرنا، وإن لم يراجعها الأول حتي انقضت عدتها منه فالثاني أن ينكحها في عدتها منه، فإن كانت حاملاً فالكلام في ثلاثة أحكام في حكم النسب والعدة والرجعة، فإن أتت بولد لوقت يمكن أن يكون من الأول ولا يمكن أن يكون من الثاني علي ما تقدم بيانه يلحق بالأول وعدتها منه، فإذا وضعت استأنفت للثاني ثلاثة أقراء، فإن كان الطلاق بائناً فلا رجعة له عليها، وإن رجعياً فله الرجعة مالم تضع؛ لأنها في عدته، فإذا وضعت انقطعت رجعته وليس له مراجعتها وليس في مدة اجتماعها مع الأول لأنها خارجة فيها من عدةٍ وفراش لغيره، فإن راجع فيها كانت الرجعة باطلة.
وقال في "الحاوي": له حين الرجعة ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يعلم وقت [الرجعة] بتقدم حملها علي الوطء الثاني فرجعته صحيحة علي ما ذكرنا لعلمه بأنها في عدته.
والثانية: أن يعلم يحملها وقت رجعته ولا يعلم تقدمه علي وطء الثاني ففي صحة رجعته وجهان:
أحدهما: وهو ظاهر المذهب يصح لأنها صادفت مدة عدته.
والثاني: لا يصح، لأن الحمل قبل وضعه مشتبه الحال متردد بين أن يكون (ق 113 أ) منه فيمللك فيه الرجعة، وبين أن يكون من غيره فلا يملكها فصار شاكاً استحقاقها فيه فبطلت.
والثالثة: أن يراجعها وهو غير عالم بحملها، فإن كان قبل أن يمضي عليها بقية عدته صحت، وإن كان بعد مضيها لم يصح اعتباراً بالظاهر من انقضائها، وإن كانت في الباطن باقية فيها وصارت رجعية مع اعتقاده انقضاء العدة عبثاً منه، إن وافقت زمان العدة، وإن أتت به لوقت لا يمكن أن يكون من الأول ويمكن أ، يكون من الثاني يلحق بالثاني وتنقضي عدتها به عن الثاني، ثم تكمل بعد الوضع بقية عدة الأول، فإن كان الطلاق رجعياً، وقلنا إنه كالطلاق البائن من أن مدة أكثر الحمل في حقها تكون من وقت الطلاق لا من وقت انقضاء العدة، فله الرجعة في يبقيه عدتها منه بعد الوضع وجها واحداً، وإن كانت في مدة النفاس؛ لأنها وإن كانت لا تعتد بمدة النفاس من العدة فهي من جهة العدة كالحيض الذي وقع فيه الطلاق.
وهل له أن يراجعها قبل الوضع؟ قد ذكرنا وجهين.
قال صاحب "الحاوي" الصحيح أنه لا يجوز لأنها معتدة من غير وذكر وجهاً عن بعض أصحابنا أنه لا يجوز في مدة النفاس لأنها غير معتدة في هذه الحالة منه، قال: والصحيح عندي ههنا أنه يجوز، وهذا غريب، وإن أتت به لوقتٍ لا يمكن أن يكون
لواحد منهما فهو منتفٍ عنهما ولا تنقضي به عدة واحد منهما فتكمل بعد الوضع عدتها من الأول ثم تستأنف للثاني عدة كاملة,
وقال أبو حامد: عندي أنها تعتد به عن أحدهما لا بعينه؛ لأنه يمكن أن يكون منه بدليل أنه لو أقر به لحقه.
فعلي هذا إذا وضعت اعتدت بثلاثة أقرأ احتياطا، وإن رأت علي الحمل دماً، وقلنا: أنه حيض، فإن قلنا بقول أبي حامد لم يعتد بإقرائها لئلا (ق 113 ب) تتداخل عدتان في حق شخصين.
وإن قلنا بقول الجمهور فهل تحتسب بإقرائها من العدة؟ وجهان:
أحدهما: لا تحتسب، لأنها لم تعتد بالحمل فبالإقراء التي علي الحمل أولي.
والثاني: تحتسب، لأنه إذا سقط حكم الحمل في العدة ثبت فيها حكم الإقراء، كما تعتد بها مع الحمل إذا كانت العدتان معاً من صاحب الحمل علي ما تذكر، فعلي هذا إن مضت لها في مدة الحمل خمسة أقراء انقضت عدتها إذا كان بقي من الأول قرءان.
وأما الرجعة فهي للأول من طلاقه الرجعي واستحقاقها معتبر بالحمل في سقوط أحدي العدتين به، فإن قلنا تسقط به أحدي العدتين فلا رجعة للأول في زمان الحمل، ولا في زمان الإقراء بعد وضع الحمل؛ لأن كل واحد من الزمنين قد يجوز أن يكون من عدة الأول، فصار كل واحد منهما مشكوكاً في استحقاق الرجعة فيه فلم يجز أن يستحقها بالشك، ولو جمع بين رجعتها في الحمل ورجعتها في القرءين بعد الحمل إتمام صحة رجعته وجهين:
أحدهما: يصح لمصادفة إحداهما زمان العدة.
والثاني: ليصح، لأنه لما لم يتعين في إحداهما لم يصح مع إبهامها، ذكره في الحاوي.
وإن قلنا بالحمل لا تسقط أحدي العدتين وأنها بالإقراء فعدة الأول مقدمة علي عدة الثاني سواء اعتدت بإقرائها علي الحمل أو لا، ويجوز له أن يراجعها في الباقي من أقراء عدته، وفي جواز رجعتها في الحمل وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنها غير معتدة به منه.
والثاني: يجوز، وإن لم تعتد به كالحيض ولا يجوز للثاني أن يتزوجها في عدة الحمل ولا [في عدة] الأول ويجوز له أن يتزوجها في عدته.
وإن أتت به لوقت يمكن أن يكون من كل واحد منهما أريناه القافة علي ما ذكرنا، فإن لم يكن قافة أو أشكل علي القافة.
قال الشافعي: ههنا "لا تكون بائن واحد منهما" ومعناه لا تكون بائن واحد منهما
بعينه [ق 114 أ] وإلا فهو ابن أحدهما بغير عينه.
واعلم أن قول الشافعي: " فإن لم يكن قافه" يريد به في موضوع الولد المتنازع فيه وما قاربه إلي مسافة قل من يوم وليلة، ولم يرد أن لا يكونوا في الدنيا لأنهم لا يخلون من الحجاز.
ولا يلزم إذا بعدوا أن يحمل الوالد إليهم ولا أن يحملوا إليه كالشهود والولي الغائب فيجري مجري العدم، فإن تكلفوا إحضارهم بجوز.
وقال أيضاً: لو مات قبل أن يري القافة أو ألقته ميتاً فلا يكون ابن واحد منهما وأجري حكمه إذا مات قبل أن تراه القافة حكم ما لو لم تكن قافة، وظاهره أنه لا يري القائف بعد الموت.
وأختلف أصحابنا في هذا، فقال عامة أصحابنا: الولد الميت لا يري القائف وهو ظاهر النص؛ لأنه الشبه الخفي والدلائل الغامضة والحلية بطلت بالموت.
وقال أبو إسحاق: يري لقائف ما لم يتغير؛ لأن الشبه قائم بعد الوفاة، قال ومعني الشافعي لم يذكر الدفن، وإنما ذكر الموت فقط.
وقال بعض أصحابنا: إذا خرج ميتاً نُظر، فإن كان موته قبل أن تستكمل أوصافه لم يحكم فيه بالقافة، وإن كان بعدتنا هي صورته فيه وجهان علي ما ذكرنا إذا مات بعد خروجه، وإن كان حكم القافه في المولود ميتاً أضعف، ولو مات المتناوعان في الولد وكان القائف يعرف الميت في حياته بحكم شبه منه.
وقال القفال: يجوز هذا الإلحاق إن كان هناك ولد، وهذا غريب.
فإذا تقرر هذا يترك الإشكال في موضوع حتي يبلغ فينتسب إلي أيهما شاء [ق 114 ب].
وأما العدة فالاحتياط أن تأي بعد النفاس بثلاثة أقراء علي ما ذكرنا، وأما الرجعة، قال أصحابنا: لا رجعة للأول في الأقراء الثلاثة فإنه لا يعلم أنها في عدة منه أو في عدة من الثاني ولا تصح الرجعة بالشك، ولو أراد أن ينكحها لا يجوز للأول ما لم تنقص عدتاهما.
وأما الثاني فلا يجوز له أن يتزوجها في مدة الحمل لحق به أولا، لأنه إن لحق به فبعده عدة لغيره، وإن تزوجها في الأقراء بعد الحمل فما كان في القرءين فباطل لأنه متردد بين أن يكون من عدته، وبين أ، يكون من عدة الأول، والنكاح لا يستباح بالشك بخلاف الرجعة في أحد الوجهين؛ لأن النكاح عقد لا يجوز أن يكون موقوفاً خلوها العدة، والرجعة في أحد الوجهين؛ لأن النكاح عقد لا يجوز أن يكون موقوفاً خلوها العدة، والرجعة يجوز أن تكون موقوفة علي بقاء العدة، وإن تزوجها في القرء الثالث يجوز لأنه متردد بين أن تكون معتدة منه أو خالية من العدة، ول أراد الأول مراجعتها قبل الحمل فقد قلنا: إنه إن كان من الثاني هل للأول أن يراجعها في حال حملها من
الثاني؟ وجهان.
فإن قلنا: له ذلك كان له مراجعتها ههنا؛ لأنه إن كان من الثاني صح، وإن كان منه فأولي بأن يصح.
وإن قلنا: ليس له ذلك وإن كان منه فقد تردد بين أن يجوز ولا يجوز فمعناه للشك، فإن خالف وراجع ينظر، فإن ألحق الولد بالثاني فارجعة باطلة وجهاً واحداً، وإن لحق بالأول هل تصح الرجعة؟ وجهان:
أحدهما: تصح، لأنا تبينَّاأنه فعل ما كان له فعله.
والثاني: لا تصح، لأنه راجعها معتقداً أنه لا يجوز كما لو باع مال والده الغائب، ثم بان أن كان قد مات، وقد ورثه منه هل يصح البيع قولان؟ وكذلك إن راجع بعد وضع الحمل وقلنا: ليس له ذلك راعينا الحمل، فإن كان ملحقاً بالأول فالرجعة باطلة، وإن كان ملحقاً بالثاني هل تصح الرجعة؟ [ق 115 أ] فيه وجهان، وإن كان ذلك في القرء الثالث بعد الوضع فالرجعة باطلة بكل حالٍ؛ لأنه إن كان الولد ملجقاً بالأول فهي في عدة الثاني، وإن كان ملحقاً بالثاني فالذي عليها أن تكمل عن الأول بقرءين فهذا الثالث ليس بعدة منه.
وقال القفال: إن أراد أن تصح رجعته يلزمه أن يراجعها مرتين مرة بعد وضع الحمل في القرءين ومرة قبله، وإن كانت بائناً فنكحها مرتين علي هذه الصورة هل يصح النكاح؟ وجهان، إذا جوزني له أن ينكحها وعدة الأجنبي أمامها أحدهما يجوز كالرجعة.
والثاني: لا يجوز لأنه عقد النكاح علي الشك ولا يعرف متى يجوز له نكاحها، وهذا يشبهن القولين في توقف العقد علي التبيين.
قال القفال: وهذا العرض علي القافة إذا دعياه أو أنكراه أو سكتا عن الإنكار وعن الدعوي، وإنما عرضنا عند سكوتهما لحق الولد في النسب، ولو ادعاه أحدهما وأنكر الآخر فيه وجهان:
أحدهما: هو للمدعي كالمال.
والثاني: يري القائف؛ لأن النسب حق الولد، وحق الله تعالي فلا يسقط بالإنكار ةترك اعوي.
وهذا هو المشهور عند أصحابنا، والوجه الأول غريب.
فرع:
حكي يونس بن عبد الأعلى، عن الشافعي رحمة الله تعالي عليه، أنه قال: اختلف عمر وعلي رضي الله عنهما في ثلاثة مسائل: القياس فيها مع علي رضي الله عنه وبقوله: أقول.
إحداها: أنها إذا تزوجت في عدتها ودخل بها الثاني تحرم هي علي الثاني أبداً عند عمر بن الخطاب رضي الله تعالي عنه وبه قال مالك، وعن أحمد روايتان وكان يقوله في
القديم.
وعند علي رضي الله عنه وسائر الفقهاء لا تحرم عليه التأبيد وهو قوله الجديد وهكذا الخلاف [ق 115 ب] في كل وطء أفسد النسب حرمت به علي المفسد علي التأبيد مثل وطء زوجة غيره بشبهة، أو أمة غيره بشبهة في قوله القديم.
ووجه هذا أنه استعجل الحق قبل وقته فحرمه الله تعالي في وقته، كلميراث إذا قتل مورثه لم يرثه، ولأنه سبب يفسد النسب فيحرم به علي التأييد كاللعان ووجه قوله الجديد أن الله تعالي ذكر أعيان المحرمات، ثم قال: ﴿وأُحِلَّ لَكُم مَّا ورَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24]، ولأنه لو كان مباحاً لم يحرم به علي التأبيد فكذلك إذا كان حراماً بالزني، ولأنهم قالوا: لو كان عالماً بالتحريم لا يحرم علي التأبيد لعلمه أنه مزجور بالحد فاستغني عن الزجر بتأبد التحريم بخلاف الحامل، فإ، الجاهل مفسد النسب فزجر عن إفساده بتأييد التحريم بخلاف العالم وهذا لا يصح، لأن العالم أشد جرماً وبالزني يفسد النسب أيضاً، وإن لم يكن له حكم الإلحاق لزانٍ فهو بالزجر والتغليط أولي، وايضاً الوطء لا يقتضي تحريم الموطوءة علي الواطئ بل يقتضي تحريم غيرها علي الواطئ وتحريمها علي غير الواطئ فما قالوا خلاف الأصول.
وأما قولهم إنه استعجل بالحق باطل كما لو طلق امرأته ثلاثاً لا تحل له حتي تنكح زوجاً غيره، فن نكحها بعد ذلك ودخل بها لم يحرم عليه أبداً وإن استعجل.
وأما قياسه علي اللعان لا يصح؛ لأن الوصف لا يوجد في الأصل، فإن اللعان لا يفسد النسب، ولأن الجاهل غير مفسد للنسب؛ لأنه إذا علم نسبه إلي نفسه والعالم هو المفسد لأنه أضاف ولده إلي غيره.
وقال أهل البصرة من أصحابنا: ذكر الشافعي في القديم ما ذكر حكاية ولم بعتقده مذهباً، ومن قال: أنه ذكره مذهباً لنفسه [ق 116 أ] اختلفوا هل يكون تفريق الحاكم بينهما شرطاً في هذا التحريم المؤبد أم لا؟ علي وجهين:
أحدهما: لا يكون شرطاً وحرمت أبداً سواء افترقا بأنفسهما أو فرق الحاكم بينهما كما في الرضاع.
والثاني: يكون شرطاً كاللعان مؤبد التحريم ولا يتم إلا بالحاكم.
والمسألة الثانية: امرأة المفقودة فيها قولان.
قال في القديم: تأتي الحاكم حتى تضرب أكثر من الحمل أربع سنين، ثم ثانية ليفرق بينها وتعقد عدة الوفاة، ثم تحل، وبه قال عمر رضي الله عنه وقال في" الجديد": لا تصبر أبداً، وبه قال علي رضي الله عنه، ولفظه: إنها ابتليت فلتصبر.
والثالثة: إذا تزوجت الرجعية بعد انقضاء العدة وكان زوجها المطلق غائباً ودخل بها الثاني، ثم عاد المطلق وأقام بينه انه راجعها قبل انقضاء عدتها، قال عمر رضي الله عنه: الثاني أحق بها، وقال علي رضي الله عنه هي للأول وهو قولنا.
فرع آخر:
قال ابن أبي هريرة: المشترك إذا تزوج بمشركة في العدة ثم أصابها وأسلم يكون عليها عدة واحدة؛ لأنه لم يؤخذ علينا حفظ نسائهم، وإنما أخذ علينا حفظ نسائنا، ولهذا المعني لا نتزوج بهن في حال العدة لئلا تختلط أنسابهم بأنسابنا.
قال: وهذا إذا لم يكونوا أهل عهد، فأما إذا كانوا أهل عهد فقد وجب علينا بالعهد حفظ أنسابهم فعليها أن تأتي بالعدتين جميعاً، ونقل صاحب الإفصاح: هذه المسألة واختصرها، وقال: وكذلك المشركة تزوج في عدتها بمشرك فيسلم زوجها كان عليها ثلاثة أقراء؛ لأن الماء [ق 116 ب] الأول لا حرمة له، وإنما يستبرئها بالأجل حرمة الإسلام، وقال القاضي الطبري: رأيت أصحابنا المتأخرين ببغداد يذكرون في هذه المسألة وجهاً آخر أن علينا عدتين، ويقولون: لا نعلم للشافعي أن عليها عدة واحدة بل القياس علي أصله يقتضي عدتين، وقد طلبت هذ المسألة في الأم فلم أجدها، وذكر القاضي أبو علي البنديجي أن هذه المسألة مذكورة في الجامع الكبير والجواب: أنهما يتداخلان لأنه لا حرمة لماء الكافر فيجوز إبطال حقه، وهو ظاهر المذهب.
ومن أصحابنا من قال: لا يتداخلان وهو الأقيس؛ لأنه لو لم يكن لمائه حرمة لم تجب العدة أصلاً، وهذا أصح عندي، وهو اختيار أصحابنا بخراسان، وقيل: نص الشافعي في هذه المسألة أنهما يتداخلان فقيل: المسلمة والحربية سواء ففيهما قولان نقلاً وتخريجاً ونسبوا إلي أبي حامد وهو غريب بعيد.
فرع آخر:
لو وطء رجل زوجة رجل بشبهة فدخلت في عدة الوطء، ثم طلقها زوجها قبل انقضاء عدة الوطء فيه وجهان.
أحدهما: تأتي بما بقي من عدة الوطء لتقدمها، ثم تستأنف عدة الطلاق وتسقط بها الباقي من عدة الوطء، ولا نقول: تدخل بعينها في عدة الطلاق، وهذا لأن هذه العدة طرأ علي نكاح فجاز أن يسقط حكمها لضعفها بعد النكاح لقوة النكاح، ولأن هذه العدة وجبت عن وطء محظور، والعدة الثانية وجبت عن وطء مباح فكانت الثانية أقوي فزاحمتها، وقيل: هذا اختيار أبي إسحاق، ومثل هذا ذكره صاحب الحاوي، وقال القاضي الطبري، قال أبو إسحاق: تقدم عدة الزوج فاعتدت بثلاثة أقراء، ثم أكملت عدة الواطئ بالشبهة وكذا ذكره.
[ق 117 أ] أبو حامد من أحد الوجهين وهذا أقيس.
فرع آخر:
إذا زوج أمته من رجل فطلقها بعد الدخول بها وجبت عليها العدة، فإن باعها في زمان عدتها من رجل صح البيع لأنه ليس فيها أكثر من تحريم الاستمتاع، ويجوز شراء
أمة لا تحل له كالأخت من الرضاعة ولا يصح أن يتزوجها؛ لأن المقصود من النكاح الاستمتاع فلا يجوز علي محرمةٍ الاستمتاع، والمقصود من البيع الثمن وهذه مباحةً الثمن فافترقا، فإذا ثبت أن البيع صحيح فإن البيع كان المشتري عالماً بحالها لم يكن له الخيار، وإن لم يعلم ثم علم بعد العقد فله الخيار إن شاء رد البيع وإن شاء أجازه، كما لو وجدها مزوجة كان له الخيار، فإن أجاز البيع فعليه أن يستبرئها بعد انقضاء العدة.
نص عليه في الإملاء لأنهما وجبا لسببين مختلفين، فإن العدة تجب الوطء، والاستبراء باستحداث الملك دون الوطء فلم يجز أن يتداخلا، ولو زوج أم ولده فوطئها زوجها، ثم طلقها فانقضت عدتها جاز لسيدها وطئها من غير الاستبراء نص عليه؛ لأن السيد لم يزل ملكه عنها وإنما حرم عليه وطئها لعارض، فإذا زال حلت، كما لو رهنها قبل انفكاكها من الرهن لم يجب عليه أن يستبرئها.
فرع آخر:
لو اشتري رجل من رجل جارية لم يطلقها فعليه أن يستبرئها بقرء لحدوث ملكه، فإن باعها قبل أن يستبرئها يلزم الثاني أن يشتريها بقرء لحدوث ملكه عليها فإن قيل: فقد تداخل الاستبراءان من رجلين قلنا: هذا الاستبراء يجب لحدوث الملك ويسقط بزوال الملك، فلما زال الأول ملكه قيل: الاستبراء سقط ولزم الثاني أن يستبرئها بقرٍ واحدٍ.
ولهذا قال أصحابنا: إذا اشتري جارية لم يطأها مولاها ثم أعتقها قبل أن يستبرئها سقط الاستبراء [ق 117 ب].
فرع آخر:
لو وطء الشريكان جارية مشتركة بينهما كان عليها أن تستبرئ نفسها من كل واحد منهما بقرءٍ ولا يتداخلان.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان: أحدهما: هذا، والثاني: يكفي قرء واحد عنهما.
والفرق أن العدة لوطء قد مضي والاستبراء لوطء في المستقبل، بدليل أنه لو اشتري أنته من امرأة يلزم الاستبراء، وهذا ضعيف لأن أصل الاستبراء، وإن كان للوطء في المستقبل، ولكن من هذه الصورة للوطء الماضي فلا فرق.
فرع آخر:
إذا وجبت العدتان لرجل واحد مثل إن طلق امرأته طلاقاً رجعياً ثم وطئها يلزمها استئناف العدة، ثم لا يخلو إما أن تكون حائلاً، ففإن كانت حائلاً لا يخلو إما أن يحلبها بهذا الوطء أو لا يحبلها به، فإن لم يحبلها فعليها عدة الوطء ثلاثة أقراء وإكمال عدة الطلاق تمام ثلاثة أقراء، وتدخل إحدى العدتين في الأخرى لأنهما عدتان لرجل من جنس واحد فيتداخلا، وإن كان قد اختلفا فقد وجبت عليها عدتان: عدة الوطء بالوضع
وعدة الطلاق بالأقراء، فهل تتداخل العدتان؟ وجهان:
أحدهما: لا يتداخلان لأنهما جنسان مختلفان كحد الزني وحدّ الشرب.
والثاني: يتداخلان لأنهما عدتان من رجل واحد كما لو كانتا من جنس واحد، فعلي هذا تنقضي كلا العدتين بوضع الحمل وتدخل الأقراء كلها في زمان الحمل؛ لأناَّ
نتيقين بوضعة براءة الرحم وله أن يراجعها في زمان الجمل، وعلي هذا قال اصحابنا: لو زني بطراً ثم زني ثيباً هل يتداخل الحدان؟ وجهان:
فإذا قلنا: لا يتداخلان فإذا وضعت ولم نرقي زمان الحمل دماً فإنها تأتي ببقية عدتها بعد وضع الحمل وانقضاء نفاسها فله الرجعة في الباقي من أقراء الطلاق بعد وضع الحمل وعليه النفقة، وفي مراجعتها ووجوب نفقتها قبل وضع الحمل وجهان:
أحدهما: لا تجوز الرجعة [ق 118 أ] ولا تحب النفقة لأنها عدة من وطء شبهة، فعلي هذا إن وطئها في الحمل حُدَّ.
والثاني: تجوز الرجعة وعليه النفقة؛ لأنه لما تعقب الحمل عدة الطلاق جرى علي مدة الحمل أحكام عدة الطلاق، فعلي هذا إن وطئها في الحمل لم يُحدّ.
وإن رأت الدم قبل الحمل.
فإن قلنا: لا يكون حيضاً فالحكم علي عدتها إذا لم تر الدم أصلاً.
فإذا قلنا: يكون حيضاً اعتدت بالأقراء علي الحمل من عدة الطلاق وبوضع الحمل من عدة الوضع، فإن سبق وضع الحمل أفضت به عدة الوطء وأتت بالباقي من أقراء الطلاق وحكم الرجعة والنفقة علي ما مضي، وإن سبقت الأقراء علي وضع الحمل انقضت بها عدة الطلاق وانقضت بوضع الحمل عدة الوطء، وفيه آخر أنها تحتاج أن تأتي بالباقي بعد وضع الحمل والنفاس بكل حالٍ؛ لأن زمان الأقراء علي الحمل لا يحتسب من العدة، وهذا ضعيف والمذهب الأول، فإن قيل: ما الفرق بين هذا وبين ما لو طلقتها وهي حامل فحاضت عل الحمل لا تعتد بالأقراء، وإن كان الحيض صحيحاً؟ قلنا: الفرق أن هناك لا عدة عليها إلا عدة واحدة فلم تعتد إلا بالحمل الذي هو أقوي في البراءة، وههنا عليه عدتان أحدهما: بالحيل فجاز أن تكون الأخري بالأقراء التي هي علي الحمل.
وإن كانت حاملاً عند الطلاق، ثم وطئها يجب عليها به ثلاثة أقراءٍ، وهل دخل في عدة الحمل؟ وجهان علي ما ذكرنا.
فإذا قلنا: تدخل فإذا وضعت انقضت العدتان وله أن يراجعها في زمان الحمل.
وإذا قلنا: لا تدخل فإن كانت تري الدم علي الحمل، وقلنا: إنها تحيض تكون عدتها من الطلاق بوضع الحمل، وعدتها من الوطء تكون بالأقراء التي علي الحمل وحكم الرجعة (على) ما ذكرنا.
[ق 118 ب] فرع آخر
إذا راجع الرجعية تنقطع عدتها بنفس الرجعة، وقال مالك: لا تنقطع عدتها حتى يطأها، وهذا خطأ لأن العدة حظر والرجعة إباحة فهما ضدان لا يجتمعان.
فرع آخر:
لو مات علي الرجعة وكانت تزوجت في العدة وهي حامل، وحملها يجوز أن يكون من الأول ويجوز أن يكون من الثاني ففي التوارث بينهما في عدة القرءين بعد وضع الحمل وجهان:
أحدهما: لها الميراث، لأن الأصل بقاء العدة.
والثاني: لا ميراث لها لأن الميراث لا يستحق بالشك.
فرع آخر:
لو تزوج بأمٍة علي أنها حرة فوطئها علي أنه يطأ امرأته الحرة، ثم بان أنها كانت أمة تعتد بقرءين، والاعتبار بحالها لا باعتقاده؛ لأن عدة الزوجية معتبرة بحال الموطوءة دون الواطئ.
وكذلك لو تزوجها علي أنها أمة فوطئها علي ذلك، ثم بان أنها حرة تعتد بثلاثة أقراء.
وكذلك لو وطئت الحرة بشبهة ملم فعليها عدة مثلها ولا تنقلب عدتها إلي الاستبراء بالظن، ولو وطئت الأمة بشبهة ملك فعليها استبراء مثلها؛ لأن الوطء بشبهة الملك كالوطء بالملك الصحيح في حكم الاستبراء، والوطء بشبهة النكاح كوطئها بالنكاح الصحيح في العدة.
وعلي هذا لو وطء أمة غيره ظنها زوجته يكفيها استبراء أمةٍ بحيضةٍ اعتباراً بالموظوءة.
ومن أصحابنا من قال: إذا وطء حرة واعتقد أنها أمة يلزمها عدة حرة بلا إشكال، ولو وطء أمة بنكاح واعتقد أنها حرة فيه وجهان:
أحدهما: تعتد عدة أمة.
والثاني: تعتد عدة حرة؛ لأن اعتقاد الواطئ لما غير حكم الولد حتى حكمنا بحريته كأنه ولد حرة، وكذلك يجب أن يغير حكم العدة أيضاً.
وعلي هذا لو وطء أمة [ق 119 أ] ظنها زوجته يلزمها عدة الزوجية.
ذكره ابن سريج، وهذا غلط لأن نسب الولد وحريته بحقه فاعتبر علمه وجهله، والعدة حق عليها فكان الاعتبار بها دونه.
فرع آخر:
إذا تزوج امرأة بنكاح فاسد وخلا بها ولم يطأها هل تصير بهذه الخلوة مع النكاح الفاسد فراشاً كما نجعلها بالوطء فراشاً؟ فيه وجهان:
أحدهما: وهو الصحيح لا تصير فراشاً ما لم يطأها؛ لأن العقد في الأصل فاسد.
والثاني: تصير فراشاً؛ لأن الخلوة تسليط علي الإصابة، فصارت كالإصابة.
ذكره
بعض أصحابنا بخراسان.
مسألة:
قال: "وَإِنْ كَانَ أَوْصَي لَهُ بِشَيء وَقِفَ حَتَّى يَصْطَلحَا فِيْهِ".
أراد به إذا كان الحمل مشكلاً وأمكن أن يكون من ألأول، ومن الثاني فأوصي رجل له بمال فالوصية صحيحة، لأن الوصية لما في البطن تصح.
فإذا ثبت هذا لا يخلو من أن تلده حياً ثم يموت أو تلده ميتاً، فإن ولدته فالوصية باطلة، لأنه لم يثبت له حكم الحياة، وإن ولدته حيا ثم مات لا يخلو موته من أحد أمرين؛ إما أن يكون قبل قبول الواطئين لهذه الوصية، أو بعد قبولها، فإن قبلها الواطئان فقد استقرت الوصية وملكها الطفل في حياته؛ لأن أحدهما أب فإذا قبلاها تيقنا أن الأب قد قبل الوصية للطفل، فكذلك لو ترك حتى يبلغ فينتسب فبلغ وقبل، ثم ما قبل أن ينتسب ملك ذلك، ثم ينظر فإن لم يحف مع الواطئين أمه وقف جميع ماله بين الواطئين حتى يتبين الأب منهما أو يصطلحان، وإن حلفت معهما فإن الأم لها ثلاثة أحوال ههنا:
أحدها: تستحق فيه الثلث بيقين، وهو إذا لم يكن لها ولد ولا للواطئين ولد، فيدفع إليها بالثلث ويجعل الباقي [ق 119 ب] موقوفاً بين الواطئين.
والثاني: تستحق السدس بيقين، وهو أن يكون للأم ولدان أو لكل واحد من الواطئين ولد فيكون لها السدس ويجعل الباقي موقوفا.
والثالث: يكون ما تستحقه مشكوكاً فيه وهو أن يكون للأم ولد واحد، ولأحد الواطئين ولد آخر؛ لأنه يحتمل أن يكون أبوه الذي له ولد فيكون للأم السدس لأنه خلف أبوين وأخوين، ويحتمل أن يكون أبوه الذي لا ولد له فيكون له أخ واحد فلا تحجب الأم من الثلث.
والثاني: كان لأحد الواطئين ولدان ليس للآخر ولا للأم ولد، فإنه يحتمل أن يكون أبوه الذي له ولدان فيكون للأم السدس ويحتمل الآخر فيكون للأم الثلث، فإذا أمكن ذلك.
قال أبو إسحاق، وابن هريرة: يحتمل وجهين أحدهما: يكون لها الثلث ويوقف الباقي ولا يحجبها من الثلث إلي السدس إلا بيقين الحجب وليس ههنا يقين.
والثاني: لها السدس لأنه يتعين وما زاد عليه مشكوكاً فلا يثبت بالشك.
وإن مات الطفل قبل أن يقبل الواطئان فالورثة يقومون مقامه في القبول فيجب أن يقبل الأم والواطئان، فإن قبلوا صحت الوصية واقتسموها علي ما بيناه وإن ردوها بطلت الوصية ورجعت إلي ورثة الموصي هذا إذا قال: أوصيت لهذا الحمل هكذا.
فأما إذا قال: أوصيت
لهذا الحمل الذي هو ولد فلان هكذا فسمي أحد الواطئين، فإن ألحق به صحت الوصية وكان المال للطفل، وإن ألحق بالآخر بطلت الوصية؛ لأن الصفة وهو قوله ولد فلان بمنزلة الشرط لم يستحق مع عدمه.
وإن ألحق بالذي سماه إلا أنه نفاه باللعان، قال أبو إسحاق: تصح الوصية لأن نفي اللعان لا يعتدي من الزوج إلي غيره، وهو اختيار أبي حامد [ق 120 أ] ومن أصحابنا من قال: تبطل لأنه لما نفاه باللعان حكمنا بأنه ليس بابن له
في الظاهر فلم يوجد الشرط، وقد ذكرنا هذه المسألة في كتاب الوصايا.
مسألة:
قال [1] " " وَالنَّفَقَةُ عَلَي الزَّوْج الصَّحِيح النَّكَاح".
الفصل:
أراد به أن اقلنا: إذا نكحت في عدتها وظهر بها حمل يمكن أن يكون من كل واحدٍ منهما فلا يؤخذ الزوج بنفقتها حتى تضع؛ لأنه يمكن أن يكون من الزوج فيلزمه نفقتها ويمكن أن يكون من الواطئ فلا يلزمه نفقته، ولا يلزم الزوج المطلق أيضاً لأن الحمل إذا كان من غيره لم يلزمه أن ينفق عليها، وإنما أجاب الشافعي به علي القول الذي يقول إن النفقة للحامل دون الحمل فيختص بوجوب النفقة علي هذا القول الزوج المطلق دون الواطئ بالشبهة.
فأما إذا قلنا: إن النفقة للحمل وجب علي كل واحد منهما أن ينفق علي الحمل، فإذا ثبت هذا وولدته فإن ألحق الزوج أخذت منه نفقتها من يوم طلقها وإن ألحق بالثاني
لم يجب لها عليه شئ ويلزمه أن ينفق علي الولد بعد الولادة.
وقال: وَإِنْ أُشْكِلَ أَمْرُهُ لَمْ آخُذُهُ بنفَقَتِه حَتَّى يَنتْسَبَ إلَيْهِ".
قال أصحابنا: معناه إذا لم يكن قافة أو كانت قافة وأشكل عليها وقف الولد حتى يبلغ فينتسب إلي أحدهما، قالوا: ويجب علي كل واحد منهما أن ينفق عليه نصف النفقة؛ لأنه يجوز أن يكون من كل واحد منهما بدلا من آخر، ومعني قول الشافعي: " وَإِنْ أَشْكَل أَمْرُهُ لم آخُذْهُ بنَفَقَته حَتَّى ينَتْسِبَ إِلَيهِ".
أي لا آخذه بنفقته تامة، وإنما أخذه بنصف نفقته.
ومن أصحابنا من حم هذا الكلام علي ظاهرة وقال: " لا تحب عليها النفقة، لأنه إيجاب النفقة بالشك [ق 120 ب] فأشبه الزوج في حال الحمل لا يجب عليه أن ينفق عليها إذا قلنا: إن النفقة للحامل لأنه لا يجوز أن يكون الحمل لغيره، فكذلك ههنا والمذهب الأول والتأويل ما ذكرنا.
والفرق بين الزوج في حال الجمل وبينه بعده الولادة أنها إذا
ولدت فنفقة الولد واجبة علي أحدهما لا محالة، فإذا أشكل أوجبنا عليها نصفين.
وليس كذلك في حال الحمل إذا قلنا إن النفقة للحامل؛ لأنه لا يجوز أن لا يكون علي واحدٍ منهما نفقتها في حال فدل علي الفرق.
هذا تفسير كلام المزني.
فأما شرح هذه المسألة فإن لها تفصيلاً طويلاً، وجملته أن الرجل إذا طلق امرأته فإن كانت رجعية فلها النفقة حائلاً كانت أو حاملاً، فإن كانت حائلاً فلا نفقة وإن كانت حاملاً فلها النفقة قولاً واحداً، فهل النفقة للحمل أو للحامل؟ قولان: فإذا قلنا: للحامل أنفق عليها في حال الحمل.
وإذا قلنا: للحمل فهل ينفق عليها في حال الحمل يوماً بيوم، وإذا وضعت؟ قولان:
أحدهما: ينفق عليها في حال الحمل، والثاني إذا وضعت إليها جميع النفقة للأيام الماضية.
وهذا إذا لم تتزوج، فإن تزوجت [في] عدنها فإن كانت رجعية أسقطت نفقتها من يوم زوجت لأنها صارت ناشزة، ثم إذا فرق الحاكم بينهما فإن لم يظهر بها حمل أكملت عدة الأول ولزمه أن ينفق عليها من هذا الوقت إلي تنقضي العدة وإن ظهر بها حمل يحتمل أن يكون من كل واحد منهما.
فإن قلنا: إن النفقة في حال الحمل للحامل دون الحمل فلا نفقة علي واحد منهما؛ لأن الثاني ليس بزوج حتى يجب أ، ينفق عليها في عدتها، وأما الأول وهو الزوج المطلق فإن النفقة إنما تلزمه إذا كان الحمل منه، وإذا كان من غيره لا يجب [ق 121 أ] فإذا أمكن أن يكون منه ومن غيره لم نوجب عليه النفقة بالشك، فإذا وضعت فإن كان هناك قائف أريناه، فإن ألحقه بالمطلق دفع ما مضي من النفقة وعليها أن تأتي بثلاثة أقراء للثاني ولا نفقة فيها لها عليه؛ لأنه ليس بزوج.
وإن ألحق الولد بالواطئ، فإن عليه أن ينفق علي الولد من حين ألحق به، وقد انقضت عدتها منه ولا يلزمه نفقة مدة الحمل، وعليها أن تتم بقية عدتها من المطلق، وعليه أن ينفق عليها بقية العدة.
وهل يلزمه أن ينق عليها في مدة النفاس؟ وجهان:
أحدهما: يلزمه أن ينفقه عليها كما إذا راجعها في مدة النفاس صحت الرجعة، ولأنها خرجت من عدة الثاني ودخلت في بقية عدتها منه فعليه النفقة، وليس إذا لم تحتسب به من العدة ما يدل علي أنه لا نفقة لها، كما لو طلقها في حال الحيض لا تحتسب بزمان الحيض من العدة ولها النفقة فيه لأنها من العدة، والثاني: لا نفقة لها لأن النفاس لا تعتد به من بقية العدة، وإنما هو تابع لزمان الحمل ويستولد منه ولم نوجب طلاقة فلم يجب عليه النفقة فيه وإن لم يكن هناك قائفاً أو كان أشكل عليه وقف الولد حتى يبلغ فينتسب إلي أحدهما، فأما هذه فإنها ترجع علي المطلق بنفقة أقل المدتين من حين فرق بينهما إلي أن وضعته، ومن بقية عدتها بالأقراء من المطلق، فأيهما كان أقل رجعت علي المطلق بنفقته؛ لأن ذلك واجب عليه بيقين، فإن الحمل إن كان من الأول فنفقتها في زمان الحمل عليه، وإن كان في الثاني فنفقتها في بقية العدة عليه.
وأما نفقة
الولد فإنها تجب علي المطلق والواطئ بالشبهة نصفين حتى يبلغ فينتسب.
والفرق بين زمان الحمل وبين هذه الحالة قدمناه، وهذا كله في الرجعية.
فأما إذا كانت بأنا فالحكم علي ما بيناه [ق 121 ب] في الرجعة إلا في رجوعها علي المطلق، فإنها إذا وضعت وقلنا: إن النفقة للحامل وكان الأمر مشكلاً، وقفنا الولد حتى يبلغ فينتسب ولا ترجع هي علي المطلق بنفقة أقل المدتين؛ لأن الحمل إن كان من الثاني فلا نفقة لها في بقية عدتها من الأول، لأنها تكون فيها بائن حائل فلا نتقيهن وجوب النفقة لها عليه ويجب عليهما أن يتفقا علي الولد حتى يبلغ فينتسب، فإذا بلغ وانتسب نظر، فإن انتسب إلي المطلق فإن المرأة ترجع عليه بنفقة زمان حملها، وأما رجوع الواطئ بالشبهة عليه فيما أنفق علي الولد إلي أن انتسب إليه لا يخلو إنفاقه من أحد أمرين:
إما أن يكون بأمر الحاكم أو بغيره أمره، فإن كان بغيره أمره فهو متطوع بالإنفاق فلا يرجع عليه، وإن كان بأمره لا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يكونا مدعيين، أو منكرين، أو أحدهما مدعيا للولد والآخر مكراً، فإن كانا مدعيين لم يرجع الواطئ بالشبهة علي المطلق؛ لأن الواطئ بالشبهة يقول: إنه ولدي وقد أنفقت عليه ولا أستحق به الرجوع علي أحد، وإنما غلط الصبي بالانتساب أو القافة بالإلحاق، وإن كانا منكرين فإنه يرجع عليه لأنه أنفق بأمر الحاكم علي ولد المطلق، وإن كان أحدهما منكراً والآخر مدعياً، فإن كان المنكر الواطئ بالشبهة رجع عليه، وإن كان مدعياً لم يرجع، وإن انتسب إلية الواطئ بالشبهة، فإن رجع المطلق عليه علي ما بيَّناه، وإن مات هذا الصبي قبل أن ينتسب فعليهما تكفينه؛ لأنه لما لزممهما الإنفاق عليه في حياته لزممهما تكفينه بعد موته، فإذا انكشف الأمر كان حكم التراجع علي ما بينَّاه.
قال المزني: خالف في إلحاق الولد في أكثر من أربع سنين بأن له الرجعة، وأراد به الشافعي قال فيما مضي: فإن كانت وضعته لأكثر من أربه سنين [ق 122 أ] من يوم فارقها الأول وكان طلاقه لا يملك فيه الرجعة فهو للآخر، فإن كان يملك فيه الرجعة وتداعي أو لم يتداع له ولم ينكراه ولا واحد منهما أريه القافة فإن ألحقه بالأول، فقد انقضت عدتها منه فألحق الولد بالزوج من الرجعية لأكثر من أربع سنين، وقد بيَّنا ذلك فيما مضي وقلنا إن المسألة علي قولين فأغني عن الإعادة.
باب عدة المطلقة يملك زوجها رجعتها ثم يموت أو يطلق
مسألة:
قال: "وَإِنْ طَلَّقَهَا طَلْقَةً يمَلكُ رَجعْتَهَا، ثُمَّ مَاتَ اعْتَدَّتْ عدَّةَ الوَفَاةِ".
هذه المسألة ذكرناها قبل هذا، وهي أن الرجعية إذا مات زوجها وهي في عدتها تعتد تعقيب الوفاة أربعة أشهر وعشراً، ونورثها زوجها لأنها في معني الزوجات، ولأنها
ما بانت بالطلاق لأنه يستبيحها من غير عقد جديد، فإذا مات فالموت أبانها فوجبت عدة ما أبانها وهي عدة الوفاة، ولأن عدة الوفاة أكد لأنها تلزم قبل الدخول وقد بيناها.
مسألة:
قال: "وَلَوْ رَاجَعَهَا، ثُم َّطَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا".
الفصل:
قد ذكرنا هذه المسألة وبينا اختيار المزني أنها تستأنف العدة، قال أبو إسحاق: وهذا أقيس.
وقيل: إنه قول ابن جريج وعبد الكريم، وطاووس، والحسن بن مسلم.
واحتج المزني بأن عدتها سقطت بجرعته ونحن لا نسلم علي القول الآخر ما ذكره، بل نقول: هو موقوف.
ثم قال الشافعي: "وَمَنْ قاَلَ بِهَذَا انْبغَي أَن ْيقَوُلَ رَجْعتُهُ مُخَالفَةٌ لَنِكَاحِهِ إيِّاهَا ثُمَّ يُطلَّقَها قَبْلَ أَنْ يمَسهَّا".
يعني أن المطلقة لو كانت بائنة يخلع وهي في العدة فجدد الخالع نكاحها، ثم طلقها قبل أن يمسها لزممها [ق 122 ب] البناء علي ما سبق من العدة، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: يلزمها أن تستأنف العدة عن النكاح.
وظاهر اللفظ يوهم أنه أراد نكاح الرجعية في العدة، ولم يرد ذلك فلا يظن عليه، وإنما لم يستقل الشافعي بتمام تصوير المسألة بأن ذلك لا يكاد يشكل عل العالم بمذهبه.
ثم قال مفرعاً علي قول الاستئناف: " وَيُشْبهُ أَنْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَقُولَ: ارْتجَعَ أَوْ لمْ يَرْتَجعْ سَواَءٌ" يعني من قال إذا رجعها، ثم طلقها قبل أن يمسها يلزمه استئناف العدة لذمه أن يقول: لو اتبعها طلاقاً من غير أن يرتجعها لزممها الاستئناف ويحتج " بِأَنَّ زَوْجَهَا لَوْ مَاتَ اعْتدَّتْ منْهُ عدَّة الوَفاَة وَوَرثتْ كَمَنْ لم تُطَلقْ".
وقال بعض أصحابنا: لم يقصد الشافعي تعليق القول في مسألة الإتباع إذا اتبع طلاق طلاقاً، بل لا يختلف قوله هناك أنه يكفيها البناء علي العدة السابقة ولا يلزمها الاستئناف، وإنما قصد الشافعي بهذا الكلام تضعيف أحد القولين في المسألة السابقة وهي إذا راجعها ثم طلقها قبل أن يمسها ففيها قولان:
أحدهما: لا يلزمها استئناف العدة والشافعي قد يفعل مثل هذا التضعيف أحد القولين ألا تري أنه قال في " كتابا لبيوع" في اللحمان هل هي صنف أو أصناف؟ فيه قولان، ثم قال: ومن قال إنه صنف واحد لزمه أن يقول: الثمار صنف.
فذكر أن القول به يفضي إلي ما نقول به أحد فكان باطلاً كذلك ههنا.
وهذا اختيار أبي إسحاق، والمزني، فإذا طلق الرجعية ثانياً لا تستأنف العدة بل تبني علي ما بقي؛ لأن جملة الطلاق
الثلاث لما أوجبت ثلاثة أقراء إذا أوقعها مجتمعاً [ق 123 أ] فكذلك إذا وقعها متفرقاً فلا نوجب أكثر منها، ويفارق هذا إذا راجعها، ثم طلقها لأنه لما راجعها سد الثلمة التي أوقعها الطلاق، فإذا طلقها بعد ذلك كان كابتداء طلاق في نكاح، قد دخل بها فيه فاستأنفت، بخلاف ما لو لم يراجعها.
وعبارة المزني ههنا أنه قال: " وإنما طلق امرأته مدخولاً بها في غيره عدة فهي في معني من ابتدأ نكاحها" وقوله: في غيره عدة: احتراز عن مسألة الإتباع؛ لأن هناك الطلاق الثاني صادف العدة، وإذا راجعها ثم طلقها فالطلاق الثاني كأن لم يكن في العدة لانقطاعها بالرجعة.
وقال الإصطخري: هذا تفريع والكل علي قولين، واحتج للقول الآخر بما لو مات تستأنف العدة، والجواب أن عدة الوفاة جنس آخر لأنها تتنوع نوعين، وعدة الطلاق تتنوع ثلاثة أنواع، وعدة الوفاة أقوي فإنها تجب من غير دخول وهنا الغدتان واحدة وليست إحداهما أقوي من الأخرى، فلم يراجعها.
وقيل إن قلنا إذا راجعها تبني فإذا اتبع أولي وإن قلنا: هناك تستأنف ففي الإتباع قولان.
فرع:
قال القفال: إذا قلنا في الرجعية يراجعها زوجها، ثم يطلقها تبني علي عدتها لو مضي قرء، ثم راجعها في الطهر الثاني لا يحتسب لها أول هذا الطهر الذي راجعها قرء؛ لأن جزءا من أول الطهر لا يدل علي براءة الرحم بخلاف جزء من أجزاء الطهر، فإن ذلك يدل علي براءة الرحم لإيصاله بأول الحيض، فإن طلقها بعد الرجعة في هذا الطهر بعينه احتسب بباقية قرءاً ثانياً [ق 123 ب] وإن لم يطلقها حتى حاضت فلا تحتسب بهذا الطهر ألبته، وكذلك لو راجعها في الطهر الأول أمسكها حتى حاضت، قلنا: لم يحصل لق شأ فعليك ثلاثة أقراء، ولو احتسب ببعض الطهر من أوله قرء يحصل لها قرءان في طهر واحد، بأن يراجعها في خلال طهر، ثم يطلقها فيه وذلك محال.
فرع آخر:
قال: "ولو كانت حاملاً فراجعها فوضعت الحمل، ثم طلقها، وإن قلنا تستأنف العدة هناك فهنا أولي بأن تستأنف ولا كلام، وإن قلنا: تبني هناك فهنا وجهان:
أحدهما: تستأنف ثلاثة أقراء إذ محال أن تنقضي العدة منه وهي تحته في صلب نكاحه ووضع الحمل حصل وهي تحته فيجعل كأن الحمل لم يكن.
والثاني: لا عدة عليها ألبته بعد الطلاق، بل يحكم بأن عدتها قد انقضت بوضع الحمل، وإن كانت تحت الزوج ويجوز أن تنقض العدة بالحمل في حال لا تنقضي فيها بالإقراء، والأشهر كما لو نكحت في العدة وهي حامل فوضعت تحت الزوج الثاني انقضت عدتها من الأول، وفي هذه الحالة لا تنقضي عدتها بالإقراء والأشهر، أعني بعدما وطئها الثاني وقبل أن يفرق بينهما، وكذا إذا حبلت من الثاني فبوضع الحمل تنقضي
عدتها منه إذا وضعت بعدما فرق بينهما، ولولا الحبل لكانت تبدأ ببقية عدة الأول، وهذا الفصل لم يذكره أصحابنا بالعراف.
باب عدة امرأة المفقود إذا نكحت غيره
مسألة:
قال: "فِي امْرَأَةِ الغَاِئبِ أَي غَيْبةً كَانَتَ لاَ تعَتْدَّ وَلاَ تَنْكحُ أَبَداً".
الفصل:
الغائب غائبان؛ غائب غاب شخصه ولم يغب خبره كالأسير يختص خبره، وكالتاجر خرج إلي بلد [ق 124 أ] فأقام طويلاً، فهذا لا يزول ملكه عن ماله، ولا عن زوجته، فإن كان له مال ينفق عليها نفقة الحاكم، وإن لم يكن كتب إلي الحاكم الذي هو في بلده ليطالبه بحقوقها، وغائب غاب شخصه وانقطع خبره وهو المفقود، فإذا فقد لا فصل بين أن يفقد في جوف البلد، أو في السفر، أو بين الصفين في الحرب، أو كان في مركب فانكسر ولا يعلم حاله فلا خلاف أنه لا يزال ملكه عن أمواله وتكون باقية بحالها لا تورث ولا يتصرف فيها.
وأ/ االحكم في زوجته، قال القديم: تأتي الحاكم حتى يأذن لها أن تتربص أربع سنين، ثم يحكم بوفاته وتعتد عدة الوفاة، ثم تحل ويكون ابتداء التربص من حين أمرها الحاكم لا من حيث فقد.
وروي ذلك عن عمرٍ، وعثمان، وابن عباس، وابن عمر، والأوزاعي، ومالك، وأحمد، وإسحاق رضي الله عنهم.
وحكي عن مالك أنه فرق فقال: إن خرج نهاراً لا يكون حكمه حكم المفقود، وإن خرج ليلاً يكون مفقوداً.
وقال في الجديد: تكون علي الزوجية أبداً حتى يأتيها يقين وفاته، وبه قال علي رضي الله عنه، وعمر بن عبد العزيز، وهو قال أهل الكوفة ابن أبي ليلي، وأين برمة، والنخعي، والثوري، وأبي حنيفة.
وقيل: رجع عن قوله القديم.
وذكر القفال أنه قال في الجديد: من حكم بهذا نقضت حكمه لأن هذا يخالف القياس الجلي.
وقال صاحب الحاوي: لو حكم حاكم بقوله القديم هل ينقض حكمه؟ وجهان:
أحدهما: ينقض، لأن القياس قوي، وقد رجع عمر رضي الله عنه.
والثاني: لا ينقض لأن الخلاف منتشر ظاهر، وهذا أظهر.
وفيما حكاه القفال نظر، [ق 124 ب] واحتجوا بما روي عبد الرحمن بن أبي ليلي أن امرأة أتت عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقالت: إن زوجي خرج إلي مسجد مكة
ففقد فأمرها عمر أن تتربص أربع سنين فتربصت، ثم عادت فقال لها: اعتدي بأربعة أشهر وعشراً فلما انقضت أتت إليه فقال لها: قد حللت للأزواج فتزوجت فعاد زوجها فأتي عمر رضي الله عنه فقال له: تزوجت امرأتي فقال: ومع ذالك؟ قال: غبت أربع سنين عنها فزوجتها، فقال عمر: يغيب أحدكم أربع سنين في غير غزو ولا تجارة، ثم يأتيني فيقول: تزوجت امرأتي [فقال له: إن عذراً يا أمير المؤمنين، قال: وما عذرك] فقال: خرجت إلي مسجد أهلي فاستلبني الجن فمكثت معهم فغزاهم جن من المسلكين فوجدوني معهم في الأسر فقالوا: ما دينك؟ فقلت: الإسلام فخيروني بين أن أكون معهم وبين الرجوع إلي أهلي، فاخترت الرجوع إلي أهلي فسلموني إلي قوم، فكنت أسمع بالليل كلام الرجال وبالنهار أري مثل الغبار فأسير في أثره حتى أهبطت عندكم، فخيره عمر بين أن يأخذ زوجته، وبين أن يأخذ مهرها.
وروي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قضي به مثل ذلك، وروي عنهما: ثم يطلقها ولي زوجها بعد أربع سنين، ثم تتربص بعد ذلك أربعة أشهر وعشراً ثم تتزوج.
وقال مسروق: لولا أن عمر خير المفقود بين امرأته وبين الصداق لرأيت أنه أحق بها إذا جاء.
وأيضاً إذا أعسر الزوج بنفقة زوجته كان لها الخيار لما عليها من الضرر بفقد الاستمتاع فهنا ولا مال ولا استمتاع ودخل الضرران جميعاً أولي أن يثبت حق الفراق، وهذا غلط لما روي المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم وقال: [ق 125 أ] امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها البيان" وروي: "حتى يأتيها بيقين موته أو طلاقه" ولأن الأصل بقاء الزوجية فلا تزال بالشك، ولأنه لم يحكم بموته في الميراث ولهذا لا يقسم ماله بين ورثته فلا يحم بموته في إبانة زوجته، وهذا معني قول الشافعي: " لا يجوز أن تعتد من وفاته ومثلها يرث إلا ورثت زوجها، وقوله: " ومثلها يرث" أي ليست بقاتلة ولا مملوكة ولا كافرة.
وقصد الشافعي بهذا الكلام الرد علي أبي حنيفة حيث قال: إذا مضي مائة وعشرون سنة من وقت ميلاد الزوج فلم يرجع ولم يظهر له خبر جاز لها أن تعتد وتنكح زوجاً آخر، لأن هذه المدة أطول ما يعهد من العمر في هذه الإعصار، ثم قال: إنها لا تأخذ ميراثه، فاحتج عليه بما ذكر.
وأما خبر عمر قلنا: روينا عن علي خلافه وهو أ، هـ قال الذي قال عمر ليس بشي هي امرأة الغائب حتى يأتيها يقين موته أو طلاقها ولها الصداق من هذا بما استحل من فرجها ونكاحه باطل.
وقال الشعبي: قال علي: هي امرأة للأول إن شاء طلق، وإن شاء أمسك ولا تخير [2].
وروي عن علي مثل قول عمر والمشهور ما ذكرنا، وأما فصل الضرر باطل بما لو كان معروف الغيبة، وأما الاعتبار بالنفقة والعنة عيبان ظاهران للفسخ فثبت الفسخ يهما، وهنا سبب الفسخ الموت، وهو غير معلوم يقيناً علم الحكم به.
فرع:
إذا قلنا بقوله القديم، قد ذكرنا أن ابتداء التربص من حين يأمرها الحاكم به، وبه قال الأوزاعي وهو اختيار أبي إسحاق المروزي من أصحابنا.
قال بعض أصحابنا: فيه وجهان:
أحدهما: ما ذكرنا.
والثاني: ابتداءه من حيث انقطع خبره، وفقد أثره، وبه قال أحمد [ق 125 ب] وهو اختيار القفال، ووجهه، أن هذا التربص للحكم بمموته فكان من حين انقطاع خبره وهذا غلط؛ لأن عمر رضي الله عنه أمرها بالتربص وقت قضائه، ولأنن هذه المدة تثبت علي الاجتهاد فافتقرت إلي ضرب الحاكم كمدة المعدة.
فرع آخر:
إذا انقضت المدة هل يكون ذلك حكماً بوفاته أو يحتاج إلي استئناف حكم به؟ فيه وجهان محتملان:
أحدهما: ما تقدم من الحكم بتقدير المدة حكم بالموت بعد انقضاء تلك المدة لأنه مقصود التقدير فتدخل في العدة بعد انقضائها ولا يلزمها معاودة الحاكم.
والثاني: وهو الأظهر أنه بعد انقضائها تحتاج إلي أن يحكم لها الحاكم بموته، لأن عمر رضي الله عنه استأنف حكمه بعد انقضاء المدة، ولأن الحكم بأصل العنة لا يكون حكماً بالفرقة حتى يحكم بها الحاكم، فكذلك الحكم بأجل العنة، فعلي هذا لا تدخل في العدة بعد انقضاء المدة إلا أن يحكم لها الحاكم بموته فتقع الفرقة بما حكم به من الموت، ثم تدخل بعده في العدة وتحل حينئٍذ بانقضاء العدة.
فرع آخر:
إذا حكم الحاكم بالفرقة، هل يقع ظاهراً وباطناً أيوقع في الظاهر دون الباطن؟
وجهان، وقيل قولان:
أحدهما: يقع ظاهراً وباطناً؛ لأن هذا الفسخ مختلف فيه، فإذا أدي اجتهاد الحاكم إليه نفذ ظاهراً وباطنا كالفسخ بالعنة والإعسار.
والثاني: يقع ظاهراً لا باطناً، لأن عمر رضي الله عنه خير المفقود حين قدم بين زوجته أو مهر مثلها فاختارها فردها إليه.
مسألة:
قال: "وَلَوْ طَلَّقَهَا وَهُوَ خَفِيّ الغَيْبَة أَوْ إلي منْهَا أَوْ تَظَاهر أَوْ قَذَفَهَا لَزِمَهُ مَا يَلْزَمُ [الزَّوْجَ] الحَاضِرَ".
إذا طلق المفقود امرأته التي فُقد عنها أو إلي منها أو تظاهر أو قذفها، فإن كان هذا قبل أن يرفع أمرها [ق 126 أ] إلي الحاكم أو بعد المرافعة قبل الحكم بالفرقة صح هذا كله، كما لو كان حاضراً، وإن كان هذا منه بعد أن حكم الحاكم بالفرقة فعلي قوله الجديد: الحكم فيه كما لو لم يحكم بينهما؛ لأن وجود الحكم وعدمه سواء.
وأما علي قوله القديم، فإن قلنا: الغرفة تقع ظاهراً وباطناً لا تثبت هذه الأحكام وهو كالأجنبي معها، وإن قلنا: تقع ظاهراً فقط يثبت هذا الحكم.
وقال القاضي الطبري: قال ابن أبي هريرة، وصاحب الإفصاح: هذا علي قوله الجديد والقديم؛ لأن الزوج إذا رجع وأخبر بهذه الأحكام تيقنا خلاف ما حكم، فكان حكمه باطلاً، كما إذا ظهر نص بخلاف حكمه، وإذا كان حكمه باطلاً كان نكاح الأول بحالة وهذه الأحكام ثابتة كما لو كان حاضراً.
قال القاضي الطبري: ولا يحتما علي المذهب غير هذا: والحكم في هذا الموضوع بخلاف الأصول؛ لأن كل مسألة اجتهاد إذا حكم الحاكم فيها وجب إمضاءه.
وقد قال أصحابنا ههنا: إن النكاح الثاني فاسد وإن حكم به الحاكم؛ لأن قوله القديم مخالفٌ لقياس لا يحتمل إلا معني واحد، وفي هذا الذي قاله نظر عندي.
مسألة:
قال: "وَلَوْ اعْتَدَّتْ بأَمْر الحَاكِم أَرْبَعَ سِنِين، ثمُ أَرْبعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَنَكَحَتْ وَدَخَلَ بِهَا الزَّوْج ُكَانَ حُكْمُ الزَّوجيَّةُ بَينْهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا الأَوَّلِ بحَالِه".
قال أين هريرة، وصاحب الإفصاح: هذا علي القولين جميعاً؛ لأن الزوج إذا رجع تبينا أن حكمه بوفاته كان خطأ فوجب ردها علي الأول، وهذا كما لو غضب عبداً فأبق منه فغرمه الحاكم قيمته، ثم رجع العبد وجب رده علي المغصوب منه واسترجع قيمته منه فكذلك ههنا.
وقال أبو إسحاق: هذا مبني علي أن الفرقة تقع ظاهراً وباطناً أو تقع في الظاهر دون الباطن؟ فإن قلنا: تقع [ق 126 ب] ظاهراً وباطناً أو تقع في الظاهر دون الباطن؟ فإن قلنا: تقع [ق 126 ب] ظاهراً وباطناً لا ترد إليه، كما لو فرق بينهما بعيب العنة، وإن قلنا يقع ظاهراً ترد وهذه الطريقة اختيار جماعة أصحابنا.
وقال الداركي: سمعت أبا إسحاق يقول مرة أخري: إذا غاب الزوج الأول وقد تزوجت فإنها للثاني ولا ترد إلي الأول، وإن لم تكن تزوجت فإنها ترد إلي الأول وقد تزوجت فإنها للثاني ولا ترد إلي الأول، وإن لم تكن تزوجت فإنها ترد إلي الأول، وإن كان الحاكم فرق بينهما؛ لأن المقصود من هذه الفرقة إزالة الضرر، فإن لم تكن تزوجت لم يحص المقصود فكان الأول أولي، وهذا كالمتيمم إذا رأي الماء بعد الدخول في الصلاة لا يلزمه الخروج منها لاتصال التيمم المقصود، بخلاف ما لو رأي الماء قبل الدخول في الصلاة.
وقال بعض أصحابنا: لا ترد إلي الأول قولاً واحداً ونكاحه لأطل بكل حالة؛ لأن علة الفسخ انقطاع غيره وعدم العلم بأثره، وهذه العلة موجودة، وإن بان حياً من يعد ذكره في "الحاوي".
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا خلاف في قوله القديم أن الشريعة فسخت نكاح المفقود، ولكنه إذا ظهر نكاح الثاني بحضوره؟ فيه وجهان:
أحدهما: يفسخ بظهوره.
والثاني: وهو الأصح لا ينفسخ ولكن يثبت للزوج الأول الخيار، فإن أجازه نكاحه وأخذ منه مهر امثل جاز، وإن فسخ كان له ذلك، وهذا غريب بعيد.
فحصلت خمس طرق في هذه المسألة، واختار القاضي الطبري الأولي، وقال: لا يحتمل المذهب غير هذا القول.
فرع:
إذا قلنا: نكاح الثاني باطل ففي زمان بطلانه وجهان:
أحدهما: أنن يعود الزوج الأول تبيناً أنه وقع باطلاً حين العقد.
والثاني: أنه صحيح عند ويبطل عند العلم بحياة الأول، كالغاصب إذا غرم قيمة ألآبق، ثم رجع ردت القيمة بعد صحة الملك، وفائدة هذا الخلاف [ق 127 أ] أنَّا إذا قلنا بالرجعة للأول يلزمه مهر المثل إن كان قد دخل بها؛ لأن النكاح لا ينعقد موقوفاً ولا شأ إن لم يكن، وإذا قلنا بالوجه الثاني يلزمه نصف المهر المسمي إن لم يكن دخل بها، وإن كان دخل بها يلزمه تمام المهر المسمي.
فرع آخر:
إذا عاد الزوج الأول قال مالك، وأحمد: هو بالخيار بين أن ينتزعها من الثاني وبين أن يقرها عليه ويأخذ منه مهر مثلها.
(وحكى) الكرابيسي، عند الشافعي مثل هذا، وأنكره سائر أصحابنا، واحتجوا بخير عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه خير المفقود حين قدم بين زوجته أو مهر مثلها.
وهذا غلط لأنها لا تخلو إما أن تكون زوجة للأول أو زوجة للثاني وأيهما كان فالتخيير محال.
وأما خبر رضي الله عنه محمول علي المصالحة والتبرع ليستأنف العقد الثاني.
فرع آخر:
لو حكم الحاكم بالفرقة، وفرق بينهما وتزوجت، ثم بان بعد ذلك أنه كان ميتاً حين الحكم بوفاته وانقضت عدتها، فعلي قوله القديم حكم وكان له الحكم، وفرق وكان له التفريق، فصادف في الباطن ما فعله في الظاهر وصح نكاح الثاني ظاهراً وباطناً.
وأما علي القول الجديد قيه وجهان:
أحدهما: أن نكاح الثاني صحيح، لأنه صادفها ولا زوج لها ولا هي في عدة من زوج فكان صحيحاً.
والثاني: نكاحه باطل، لأنه لم يكن له الإقدام عليه قبل العلم بالحال.
وأصل هذه المسألة إذا باع مال والده علي ظن أنه حي، ثم بان أنه كان ميتاً وأنه ورثه هل يصحّ البيع؟ قولان.
وأما قول الشافعي: " غَيْرَ أَنَّهُ ممنْوعٌ مِنْ فَرْجِهَا بِوَطِء شُبْهَة" معناه أَنَّاة إذا رددناه إلي الزوج الأول معناه من وطئها حتى تعتد من الواطئ في النكاح الفاسد.
مسألة:
قال: " وَلاَ نَفَقَةَ لَهَا مِنْ حِينَ نكَحَتْ".
الكلام الآن في نفقتها علي الزوج بالمفقود، وفي نفقتها علي الزوج الموجود، [ق 127 ب] فأما المفقود لا يخلو إما أن ترفع أمرها إلي الحاكم أو اختارت المقام عليه، فإن اختارت المقام حتى يتبين أمره فالنفقة لها أيداً عليه؛ لأن النفقة إذا وجبت بتسليم إلي الزوج لم تسقط إلا بأحد أمرين، إما بينونة أو نشوز ولم يوجد واحد مننهما، وإن رفعت أمرها إلي الحاكم فيضرب لها المدة فلها النفقة مدة التربص وهي أربع ما لم يفرق بينهما، فإذا انقضت مدة التربص وعادت إليه فحم بالفرقة هل تنقطع نفقتها؟
قال القاضي الطبري: لا يختلف أصحابنا أن لها النفقة في حال العدة أيضاً، لأنها محبوسة عليه.
وقال أبو حامد، وجماعة: ومبني علي القولين، فإن قلنا القديم انقطعت
النفقة من حين فرق، سواء قلنا الفرقة وقعت في الظاهر أو في الظاهر والباطن معاً؛ لأنَّا حكمنا بالفرقة بينهما والبينونة تقطع النفقة.
وأما السكني في مدة العدة هل لها ذلك؟ قولان؛ لأنها معتدة عن وفاة والمتوقي عنها هل لها السكني؟ قولان، فإذا انقضت العدة فلا نفقة ولا سكني، فإن رجع الزوج نظر، فإن لم ترد إليه فلا كلام وإن ردت إليه عادت نفقتها من حين الرد، وأما على قوله الجديد لا تسقط نفقتها بعد حكمه لا في حال العدة ولا بعد انقضائها ما لم تزوج، فإذا تزوجت سقطت نفقتها منحين النكاح؛ لأنها بالنكاح خرجت من يده وصارت ناشز ولا نفقة للناشز، فإن فرق بينهما فلا نفقة لها أيضاً ما دامت في العدة.
قال الشافعي: " لأنه ممنوع منها بفعل من جهتها لخروجها من قبضته" فإذا انقضت عدتها نظر، فإن الأول قد رجع وتسلمها عادت نفقتها ولا كلام، وإن لم يكن الأول قد عاد ولكن عادت إلي منزله هل تعود نفقتها؟ ظاهر ما قال ههنا أنها تعود؛ لأنه [ق 128 أ] قال: " النفقة لها من حين نكحت ولأمن حين عدتها من الواطئ الفاسد"
وقال في "الأم": " النفقة لها وهي تحت الزوج الثاني ولا في عدتها ولا بعد انقضاء عدتها".
واختلف أصحابنا فيه علي طريقتين؛ فمنهم من قال: في المسألة قولان:
أحدهما: تعود تفقنها، لأن نفقتها إنما سقطت بتسليمها نفسها إلي غير الزوج واشتغال رحمها بمائة، فإذا فرق بينهما واستبرأت نفسها عادت إلي حالها الأول يجب أن تكون النفقة لها واجبة، سواء أظهرت التسليم أو لم تظهر كان الزوج حاضراً أو غائباً.
والثاني: لا نفقة لها حتى تظهر تسليم نفسها إليه؛ لأن النفقة إذا بطلت لم تعد إلا بتسليم حادث لنفسها إلي الزوج، منزله هذا من تعدي في وديعة بإخراجها إلي سفر، ثم يرد الوديعة إلي موضعها لا يبرأ من الضمان حتى يسلم الشيء إلي المودع، وهذا أصح عندي، قال هذا القائل: وهكذا أقول فيمن نشزت عن زوجها وهو حاضر، فغاب قبل أن تعود إليه، ثم عادت إلي منزله هل لها النفقة؟ وجهان بناء علي القولين، وعندي أنه لا تعود نفقتها بعد النشوز حتى يعلم الزوج طاعتها وجهاً واحداً، ولا يحتمل المذهب غيره، ولم يذكر القفال سوي هذا، والدليل عليه أنه لو تزوج امرأة، ثم غاب قبل أن تسلم نفسها إليه، ثم سلمت نفسها ودخلت بيته لا يلزمه نفقتها، وإن طالت الغيبة إنما لم يكن حاضراً بتسليمها كذلك ههنا.
ومن أصحابنا من قال: هما علي حالين فالذي نقل المزني إذا لم يحكم لها حاكم بالتزويج فتزوجت بنفسها والذي قالي "الأم" إذا تزوجت بحكم الحاكم؛ لأن النكاح الأول قد زال بحكم الحاكم وهي غير مقيمة علي الزوج الأول فلا تعود النفقة بفعلها حتى