وأقام شاهدًا واحدًا لم يحلف معه؛ لأنه تثبت به الرجعة لنفسه وليس بماله.
فإن قيل: أليس المرأة إذا ادعت على الزوج وأقامت شاهدًا واحدًا لم يحلف معه، وإن كانت تثبت لنفسها.
قلنا: إذا ادعت النكاح فإنها تثبت العقد دون المال، ثم يثبت في العقد المال ونفس العقد ليس بمال ولا يقصد منه المال بل يقصد الوصلة والمصاهرة بخلاف ما لو ادعت المهر والنفقة صريحًا.
باب العدة من الموت والطلاق والزوج الغائب
مسألة:
قَالَ: "وَإِذَا عَلِمَتِ المَرْأَةُ يَقِينَ مَوْتِ زَوْجِهَا أَوْ طَلاَقَهُ".
الفصل:
متى علمت الزوجة الفرقة بطلاق أو موت فالعدة من حين وقوع الفرقة سواء كان غائبًا أو حاضرًا، وسواء ثبت ذلك بالبينة أو بالخبر، فإن لم تعلم حتى مضى زمان العدة [ق 72 أ] فقد قضت ما عليها، وغن لم تمض تمام العدة فعليها إتمام العدة؛ لأن العدة ليس من شرطها القصد والنية؛ ألا ترى أن المجنونة تعتد عن الطلاق والموت، وإن لم تشعر بها، وأيضًا فإنها لو تركت في عدتها الإحداد فلبست المصبوغات وتطيبت انقضت عدتها وهي عاصية، فإن لم تعلم ذلك وفعلت ذلك على غير وجه العصيان؛ لأن تنقضي عدتها بذلك أولى وأجرى.
وقول الشافعي ههنا: "فَإِنْ لَمْ تَعْتَدَّ حَتَّى تَمْضِي العِدَّةُ" أي لم تقصد الاعتداد لأنها في حالة الجهالة معتدة عن طريق الاحتساب وإن لم تكن معتدة بطريق القصد، وبقولنا قال ابن عمر، وابن عباس، وابن مسعود، وابن الزبير، وابن المسيب، وعطاء، والزهري، وعامة الفقهاء رضي الله عنهم.
وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال "العدة من حين العلم" وبه قال الحسن، وداود، وقال الإمام البيهقي رحمه الله اختلفت الرواية في ذلك عن علي رضي الله عنه.
وقال عمر بن عبد العزيز والشعبي رضي الله عنهما: إن ثبت ذلك بالبينة فمن حيثن مات، وإن كان ذلك بخبر مخبر فمن حين بلغها، واحتجوا بان العدة عبادة فاحتاجت إلى القصد، قلنا: لا نسلم أنها عبادة وبينا أن القصد منها غير معتبر، وقد قال تعالى: ﴿وأُوْلتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:4] فإذا وضعت الحمل قبل العلم يجب أن تكون عدتها منقضية لهذا النص.
وأما في النكاح الفاسد إذا وجد الوطء فالعدة من حين التفريق، إما بتفريق الحكم أو بافتراقهما بالاختيار أو بموت أو بطلاق وهو لا يعلم بفساد النكاح.
وأما في الوطء بشبهة الظن [ق 72 ب] فوقت العدة من حين الفراغ من الوطء.
باب عدة الأمة
مسألة:
قَالَ: "فَرَّقَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنتَ الأحْرَارَ أَوْ العَبِيدِ فِي حَدِّ الزِّنَى".
الفصل:
الأمة المزوجة إذا طلقها زوجها، فإن كانت حاملاً فعدتها تنقضي بوضع الحمل، ولا فرق في ذلك بين الحر والأمة، وإن كانت حائًلا، فإن كانت من ذوات الأقراء، فعدتها بقرءين، وبه قال عمر وعلي، وابن عمر رضي الله عنهم، وقال داود: عدتها ثلاثة أقراء لقوله تعالى: ﴿والْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] ولم يفصل، وهذا غلط لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال بحضرة الصحابة: "ينكح العبد امرأتين ويطلق تطليقتين وتعتد الأمة حيضتين، فإن لم تكن تحيض فبشهرين أو شهرًا ونصفًا" والمراد بقوله حيضين أي طهرين ولكن الأطهار لا تتعدد إلا الحيض يعبر بالحيض عنه.
وروى أصحابنا عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تطليق العبد بطلقتين، وتعتد الأمة حيضتين" والمشهور أنه لا يصح مرفوعًا.
واعلم أن الشافعي احتج في أول هذا الباب فذكر بعض ما افترق فيه الحر والعبد وبعض ما استويا فيه، فقال: "قَدْ فَرَّقَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ الأَحْرَارِ وَالعَبِيدِ فِي حَدَّ الزَّنَى" ثُمَّ قَالَ: "وَذَكَرَ المَوَارِيثَ وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ لَقِيتُهُ أَنَّ ذَلِكَ فِي الأَحْرَارِ دُونَ العَبِيدِ وَفَرَضَ اللَّهُ العُدَّةَ بِثَلاثَةِ أَشْهُرٍ، وَفِي المَوْتِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وعَشَرًا" ثُمَّ قَالَ: "وَلَمْ أَعْلَمْ مُخَالِفًا [مِمَّنْ حَفِظْتُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ] فِي أَنَّ عِدَّةَ الأَمَةِ نِصْفُ عِدَّةِ الحُرَّةِ فِيهَا لَهُ نِصْفُ مَعْدُودٍ" الفصل إلى آخره.
قال أصحابنا: جملة الأحكام [ق 73 أ] على ثلاثة أضرب:
ضرب يستوي فيها بين الأحرار والعبيد، مثل تحريم الظهار، ومدة الإيلاء، ومدة العنة، والقصاص، والقطع في السرقة؛ لأن شيئًا منها لا يحتمل التبعيض، ولا بدل له يقوم مقامه فسوى بين الأحرار والعبيد فيه، ومن ذلك فرائض الصلوات والصيام.
وضرب خص به الأحرار مثل الرجم بالزنى فإنه لا يحتمل التبعيض إلا أن له بدلاً
وهو الجلد، فاقتصر في العبيد على بدله وكذلك ما بني على الفضيلة والجمال كالجمعة، والشهادة، والولاية، والميراث لا مدخل للعبيد فيها.
وضرب جعل العبد فيه على النصف من الحر، وهو حد الزنى، والقذف، والشرب، والطلاق، والعدة، إلا أن الطلقة الواحدة والحيضة الواحدة لا يتبعضان فكملتا، وقو الشافعي: " وَأَمَّا الحَيْضَةُ فَلاَ يُعْرَفُ لَهَا نِصْفٌ" معناه جعلنا عليها شيء ما على الحرة من الأقراء؛ لأنها لا تنتصف الحيضة ولو تنصفت لألزمناها حيضة ونصفًا، وأقرب الأشياء من الصنف إذا لم يسقط من النصف شيء حيضتان، وهذا لأن أقرب القرءين من نصف الثلاثة بزيادة نصف قرء، وقرب القرء الواحد من نصف الثلاثة بنقصان نصف قرء، فالواحد والاثنان سواء في القرب من نصف الثلاثة، ولكن لو صرنا إلى الواحد نقصًا من نصف الثلاثة شيئًا، فكذلك صرنا إلى الاثنين، وقلنا: الإثنان أقرب الأشياء من النصف إذا لم يسقط من النصف شيء، وإن كانت من ذوات الأشهر فيه ثلاثة أقوال: [ق 73 ب]
أحدها: تعتد بشهر ونصف لأنه ذو عدد مبني على الفاضل، ويمكن تنصيفه فينصف كالحد وهو المشهور، وبه قال أبو حنيفة.
والثاني: تعتد بشهرين كما تعتد بقرءين، لأنه بدل كل قرء شهر كما في الصغيرة ثلاثة أشهر بدل ثلاثة أقراء.
والثالث: تعتد بثلاثة أشهر وأشار إليه في "أم الولد" إذا لم يكن ذوات الأقراء، وهذا لأن المقصود العلم ببراءة الرحم وهي أقل مدة يظهر في مثلها الحمل، فما لم يمض ذلك لا تعرف براءة رحمها، وهو اختيار جماعة من أصحابنا، وعن أحمد ثلاث روايات مثل أقوالنا سواء.
وأما قول عمر رضي الله عنه: "فإن لم تحض بشهرين أو شهرًا ونصفًا" قيل: هو شك من الراوي.
وقيل: هو تعليق القول، وهو دليل على جواز تعليق القولين في المسألة وهذا هو الظاهر؛ لأنه لا يبعد أن يقع الشك للراوي بين شهرين أو شهر أو نصف شهر.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ أُعْتِقَتْ الأَمَةُ قَبْلَ مُضِيَّ العِدَّةِ أَكْمَلَتْ عِدَّةَ حُرَّة".
الفصل:
إذا تزوج بأمة، ثم دخل بها، ثم اجتمع لها العتق والطلاق نظر، فإن عتقت قبل طلاقه فعدتها عدة الحرة الأصلية؛ لأن العتق وجد وجوب العدة، وإن عتقت بعد أن اعتدت بقرءين لم تكمل ثلاثة أقراء؛ لأن الحرية طرأت بعد انقضاء العدة وإن أعتقت في
أثناء العدة، اختلف قول الشافعي فيه، فقال في "القديم" إن كانت بائنًا أكملت عدة أمة، وإن كانت رجعية فيه قولان هل تكمل عدة حرة أو أمة؟
وقال في الجديد: إن كانت رجعية أكملت عدة حرة، وإن كانت بائنًا، قال أصحابنا: يحصل من ذلك ثلاثة أقاويل:
أحدها: تكمل عدة أمة رجعية [ق 74 أ] كانت أو بائنة، قال مالك: لأن الحرية طرأت بعد وجوب العدة عليها فلا يتغير حكمها، كما لو طرات الحرية بعد وجوب الاستبراء.
والثاني: أنها إن كانت رجعية تكمل عدة حرة، وإن كانت بائنًا أكملت عدة أمة.
وبه قال أبو حنيفة، وأحمد؛ لأن الرجعية تعتد عدة الوفاة لو مات، فوجب أن تعتد عدة حرة بخلاف الثاني والثالث أنها تكمل عدة حرة بكل حالٍ رجعية كانت أو بائنًا.
وهو اختيار المزني؛ لأن سبب العدة الكاملة إذا وجد في أثناء العدة انتقلت إليه وإن كانت بائنًا، كما لو اعتدت بالشهور فرأت الدم قبل إتمامها ويفارق الاستبراء؛ لأن الحرية لو قارنت وقت الوجوب لم تكمل، وهو إذا مات السيد فعتقت أم الولد بموته يكفيها استبراء واحد، وهذا اختيار أبي إسحاق وجماعة.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ كَانَتْ تَحْتَ عَبْدٍ فَاخْتَارَتْ فِرَاقَهُ كَانَ ذَلِكَ فَسْخًا بِغَيْرِ طَلاَقٍ وَتَكْمُلُ العِدَّةُ مِنَ الطَّلاَقِ الأَوَّلِ".
صورة المسألة أن يطبق العبد زوجته الامة، ثم أعتقها سيدها وهي في العدة فلها اختيار الفراق في الحال، ولها أن تؤخر الفسخ على ما ذكرنا فيما تقدم، فإن عجلت الفسخ قال أبو إسحاق: تبني على عدتها قولاً واحدًا.
ومن أصحابنا من قال: فيه قولان:
أحدهما: تبقى.
والثاني: تستأنف العدة وهذا ضعيف.
فإذا قلنا: تستأنف استأنفت عدة حرة لأنها وجبت في حال الحرية.
وإذا قلنا: نبني فهل تكمل عدة أمة أو عدة حرة؟ فيه طريقتان:
إحداهما: تكمل عدة حرة قولاً واحدًا؛ لأن الفسخ سبب لابتداء العدة، فإذا وجد في حال الحرية أوجب إكمال عدة الحرة، وهو اختيار أبي إسحاق [ق 74 ب].
والثانية: فيه قولان؛ لأنها مستديمة العدة والفسخ بمنزلة الطلاق البائن.
وإن راجعها كان لها أن تختار الفسخ، وإذا اختارت الفسخ فيه طريقان:
أحدهما: أنه كالطلاق، ولو طلق بعد الرجعة هل تستأنف العدة أو تكمل العدة؟
قولان كذلك ههنا.
والثانية: أنها تستأنف قولاً واحدًا؛ لأنها فسخت النكاح وهي زوجته ومتى استأنفت أكملت العدة، وإذا أكملت فيه طريقان على ما ذكرنا.
وقال في "الحاوي": إذا فسخت بالعتق هل يكون فسخها قاطعًا لرجعة الزوج وجهان:
أحدهما: لا تقطع رجعته؛ لأنها من أحكام طلاقه.
فعلى هذا إن راجع الزوج وقعت الفرقة بالفسخ دون الطلاق، فيكون ابتداء عدتها من وقت الفسخ وتعتد عدة حرة؛ لأنها بدأت بالعدة وهي حرة، وإن لم يراجع فالفرقة وقعت بالطلاق دون الفسخ فيكون أول عدتها من وقت الطلاق، وقد بدأت وهي امة، ثم صارت حرة فهل تعتد عدة أمة أو حرة؟ قولان:
والثاني: الفسخ قطع رجعة الزوج عنها لأنها غير مؤثرة في الإباحة، فمنع كما منع من رجعة المرتدة.
فعلى هذا هل يغلب في الفرقة حكم الطلاق أو حكم الفسخ وجهان:
أحدهما: يغلب حكم الطلاق لتقدمه [فعلى هذا هل تعتد عدة أمة أو عدة حرة؟ على ما مضى من القولين.
والثاني: يغلب حكم الفسخ لقوته] فعلى هذا تعتد عدة حرة قولاً واحدًا لأن الفسخ ما وقع إلا بعد الحرية، ولكنها تبني على ما مضى من وقت الطلاق ولا تبتدئها من وقت الفسخ؛ لأن الفسخ قد أبطل الرجعة فلم يجز أن يطول به العدة.
وهذه طريقة حسنة ولو طلقها زوجها، ثم أعتقت في العدة، ثم طلقها ثانيًا بعد الحرية هل تبنى على عدتها أم تستأنف؟ طريقان على ما ذكرنا؛ لأن وقوع الطلاق في حال الحرية بمنزلة وقبوع الفسخ في حال الحرية لا فرق بينهما.
[ق 75 أ] مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ أَحْدَثَ لَهَا رُجْعَةً، ثُمَّ طَلَّقَهَا وَلَمْ يُصِبْهَا بَنَتْ عَلَى العِدَِّةِ الأُولَى".
صورة المسألة أنه طلق امرأته الحرة فمضى لها قرء مثلاً، ثم راجعها زوجها ولم يصبها حتى طلقها، نقل المزني أنها تبني على العدة الأولى؛ لأنها مطلقة لم تمس هكذا علل الشافعي، ومعناه لم تمسس بعد استحداث التمليك، وهذا قوله القديم، وبه قال مالك.
قال المزني: هذا غلط بل عدتها من الطلاق الثاني؛ لأنه لما راجعها بطلت عدتها وصارت في معناها المتقدم بالعقد الأول لا بنكاح مستقبل، فهي في معنى من ابتدأ
طلاقها مدخولاً، وهذا قول الشافعي في الجديد، وقد ذكره الشافعي في باب إفراد الشافعي لهذه المسألة ونص فيه على قولين، وبه قال أبو حنيفة، وهو الأصح لما ذكر المزني من الدليل.
وقال داود: سقطت العدة وحلت للأزواج؛ لأن الطلاق الأول ارتفع بالرجعة فسقطت بقية العدة، ثم طلقها ثانيًا من غير إصابة، وهذا خلاف الإجماع ويؤدي إلى اختلاط المياه وفساد الأنساب، وإن نكح المرأة في يوم واحد عشرين زوجًا ولو راجعها، ثم وطئها، ثم طلقها لا يختلف المذهب أنها تستأنف العدة من الطلاق الثاني، ولو خالفها، ثم نكحها، ثم طلقها قبل الدخول بها بنت على عدتها الأولى قولاً واحدًا، وبه قال محمد.
وقال أبو حنيفة: تستأنف العدة وتكمل مهرها، وقد مضى هذا فيما قبل وهو غلط ظاهر لأن الخلع يوقع البينونة فلا يمكن ضم الحالة الثانية إلى الأولى لتحلل البينونة بينهما ولا يمكن إيجاب عدة مستأنفة لأنه طلاق قبل الدخول فلم يبق إلا البناء على العدة الأولى [ق 75 ب] وحكي عن المزني أنه قال: لا يجوز المخالع نكاح المختلعة قبل انقضاء عدتها منه كما لا يجوز لغيره، وهذا خطأ لأنه لا يصان ماءه ولو طلقها طلقة رجعية، ثم راجعها، ثم خالعها، فإن قلنا: الخلع طلاق هل تستأنف العدة أو تبنى قولان على ما ذكرنا.
وإن قلنا الخلع فسخ فيه طريقان:
أحدهما: أنه كالطلاق أيضًا.
والثانية: أن الفسخ جنس يخالف جنس الطلاق فاقتضى اختلافهما أن لا تبنى عدة أحدهما على الآخر بل تستأنف العدة بعد الخلع قولاً واحدًا ولو طلقها طلقة أخرى قبل أن يراجعها فالمذهب أنها تأتي ببقية عدتها ولا تستأنف من الطلاق الثاني قولاً واحدًا.
ومن أصحابنا من قال فيه قولان أيضًا.
أحدهما: تستأنف لأن الشافعي لما ذكر الاستئناف في أحد قوليه إذا راجعها، ثم طلقها قال: فمن قال بهذا لزمته أن يقول ارتجع ولم يرتجع سواء، وهذا غلط وليس هذا بتفريع على هذا القول بل تشنيع على من قال بهذا القول، وهو اختيار أبي إسحاق وقال القفال: الصحيح أن في هذه المسألة قولين أيضًا لأن الشافعي قال: فيمن قال لامرأته: كلما ولدت ولدًا فأنت طالق فولدت ثلاثة تطلق ثنتين بالأول وتنقضي عدتها بالثالث.
وقال في الإملاء: طلقت ثلاثًا واستأنفت العدة بالأقراء وهنا لا يخرج إلا على هذا القول وهو انه متى لحقها طلقة استانفت العدة فتقع الطلقة الثالثة بين العدتين، وإن لم يكن بينهما زمان يشار غليه كما لو قال: أنت طالق بين الليل والنهار فإذا غربت الشمس أو طلع الفجر طلقت ولا زمان بينهما ليس من أحدهما وهذا اختيار الأصطخري، وابن خيران ولو مات عنها [ق 76 أ] في خلال عدتها وهي رجعية تستأنف عدة الوفاة قولاً
واحدًا وتسقط باقي العدة ولا يجب الإتيان به في عدة الوفاة بلا خلاف.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ كَانَ طَلاَقًا لاَ يَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعَةَ ثُمَّ أُعتِقَتْ".
الفصل:
ذكر ههنا حكم البائنة في عدتها هل تبني على عدة أمة أو تكمل عدة حرة؟ فيه قولان، وقد ذكرنا ذلك واختار أنها تعتد عدة حرة، واحتج الشافعي به لهذا القول، وهو أن المرأة إذا كانت تعتد بالشهور فرأت الأقراء انتقلت إلى الأقراء، وأنت المسافر إذا أقام في أثناء صلاته يصلي صلاة مقيم، وهذا الذي ذكره صحيح فلا يحتاج إلى جوابه.
ثمَّ قَالَ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزَ لِمَنْ دَخَلَ فِي صَوْمِ ظِهَارٍ، ثُمَّ وَجَدَ رَقَبَةً أَنْ يَصُومَ [وَهُوَ مِمَّنْ يَجِدُ وَيُكَفُرُ بِالصِّيَامِ] وَلاَ لِمَنْ دَخَلَ فِي الَصَّلاَةِ بِالتَّيَمُّم ثُمَّ يَجِدُ المْاءَ أَنْ يُصَلِّي بِالتَّيَمُّم كَمَا قَالَ لاَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي عِدَّتِهَا مِمَّنْ تَحِيضُ وَتَعْتَدُّ بِالشُّهُورِ" وقد سوى الشافعي في ذلك بين ما دخل فيه المرء وبين ما لم يدخل فيه، فجعل المستقبل فيه كالمستدبر، يعني أنه جعله كالمسافر الذي نوى المقام في خلال صلاته أن يجعله كمن وجد الماء قبل الشروع في صلاته، ويلزمه أن يقول فيمن صام بعض الأيام عن الظهار، ثم وجد الرقبة أن ينتقل على الرقبة كمن وجد الرقبة قبل الشروع في الصيام.
والجواب أن المسافر إذا نوى المقام في خلال صلاته فأمرناه بالإتمام لم تبطل عليه ما مضى من صلاته، ولو كلفنا المقيم الماء والظاهر العتق أبطلنا على كل واحد منهما ما مضى من العبادتين، فلا تصح هذه الموازنة والجمع.
ومثل هذا الجواب في مسألة [ق 76 ب] الحيض، والشهور لا تستمر مع المزني إلا على مذهب من يقول: تعتد بها بما مضى قرءًا إذا حاضت قبل إكمال الشهور، فلا يبطل عليها فيما مضى من شهورها.
ثُمَّ قَالَ: "وَالطَّلاَقُ إِلَى الرَّجَالِ وَالعِدَّةُ بِالنَّسَاءِ وَهُوَ أَشْبَهُ بِمَعْنَى القُرْآنِ مَعَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الأَثَرِ، زَمَا عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ فِيمَا سِوَى هَذَا مِنْ أَنَّ الأَحْكَامَ تُقَامُ عَلَيْهِمَا" وهذه المسألة مضت في كتاب الرجعة، ومقصوده الرد على أبي حنيفة حيث اعتبر الطلاق بالنساء، ولا شك أن العدة بالنساء، فعدة الحرة ثلاثة أقراء سواء كان زوجها حرًا أو عبدًا، وعدة الأمة قرءان سواء كان زوجها حرًا أو عبدًا، وأراد بمعنى القرآن قوله تعالى: ﴿والْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] ولم يفصل بين أن
يكون زوجها حرًا أو عبدًا، وأراد بالأثر ما ذكرنا عن عمرو رضي الله عنه: يطلق العبد تطليقتين وتعتد الأمة حيضتين.
ثم احتج بالقياس في قوله الأحكام تقام عليها كما نقول في الحدود، فإن الحر يزني بأمة فيعتبر حد كل منهما لمحاله دون حال صاحبه؛ كذا ههنا يعتبر كمال الطلاق بكمال حاله ونقصانه بنقصان حاله؛ لأنه الفاعل وتعتبر العدة بها؛ لأنها الفاعلة لها.
فأما الجلاد يباشر ضرب الحد ولا يعتبر به لأنه نائب عنه ليس أن الحكم ثبت له أو عليه ولا اعتبار بالنائب.
باب عدة الوفاة من كتابين
مسألة:
قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ويَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: 240] الآيَةَ فَدَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهَا عَلَى الحُرَّةِ غَيْرُ ذَاتَ الحَمْلِ".
الفصل:
الأصل في عدة الوفاة الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ويَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: 240] [ق 77 أ] ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ [البقرة: 234].
واعلم أن العدة كانت في أول الإسلام على المتوفي عنها زوجها حولاً كاملاً بقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ويَذَرُونَ أَزْوَاجًا وصِيَّةً لأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إلَى الحَوْلِ غَيْرَ إخْرَاجٍ﴾ [البقرة: 240] الآية، ثم نسخ ذلك واختلف أصحابنا في كيفية النسخ، فمنهم من قال: وهو اختيار الأصطخري: نسخت جميع الحول، ثم ثبت أربعة أشهر وعشر فيكون جميع آية الحول منسوخة وآية الشهور هو الموجبة لأربعة أشهر وعشر.
وروي عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما انه قال: المتاع منسوخ بآية المواريث والحول منسوخ بأربعة أشهر وعشر.
ومن أصحابنا من قال: آية الشهور نسخت من آية الحول ما زاد على أربعة أشهر وعشر، وبقي من الحول أربعة أشهر وليس في هذا الاختلاف تأثير في الحكم، وهذا ظاهر كلام الشافعي رضي الله عنه.
فإن قيل: هذه متقدمة على آية الحول والناسخ لا يتقدم المنسوخ.
قلنا: هذه الآية متقدمة في التلاوة متأخرة في التنزيل وهذا كثير في القرآن.
قال الله تعالى: {سَيَقُولُ
السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا ولاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} [البقرة: 142] متقدمة على قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة:144] وقيل: في تقديم الناسخة فائدة، وهو أن لا يعتقد حكم المنسوخة قبل العلم بنسخها.
فإن قيل: فليس بين الآيتين تعارض فكيف تنسخ إحداهما الأخرى؟ قلنا: المراد بهذه الآية جميع العدة بالإجماع ولهذا جعل فيها الكسر فوجد التعارض.
وأما السنة ما روى حميد بن نافع، عن زينب بنت أبي سلمة قالت: سمعت أم سلمة رضي الله عنها [ق 77 ب] تقول: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عيناها أفنكحلها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا" مرتين أو ثلاثًا كل ذلك يقول "لا" ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمى بالبعرة على رأس الحول "قال حميد: فقلت لزينب وما ترمي بالبعرة على رأس الحول؟ فقالت زينب: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها قطنت حفشًا ولبست شر ثيابها ولم تمس طيبًا حتى تمر بها سنة، ثم تؤتي بدابة الحمار أو شاة، فتفتض به فقلما تفتض بشيء إلا مات يعني لطول أظفارها ثم تخرج فتعطي بعرة فترمى بها، ثم تراجع بعدما شاءت من طيب أو غيره.
وسئل مالك: ما تفتض؟ فقال: تمسح به جلدها، وقال القتيبي: معناه تكسر ما يبنى فيه من العدة بطائر تمسح به قبلها وتنبذه فلا يكاد يعيش، وهو من فضضت الشيء إذا كسرته أو فرقته ومنه فض خاتم الكتاب.
والحفش البيت الدليل الصغير من الشعر والبناء وغيره.
وقال الأزهري: الحفش البيت الصغير القصير السمك، ومنه الخبر: ألا جلس في حفيشة أمه.
الخبر ومعنى رمتها بالبعرة، أي وكأنها تقول: جلوسي في البيت وحبسي نفسي سنة كالرمية بالبعرة في حب ما كان يجب من حق الزوج أو ما لاقته في الحول من الشدة هين في عظم حقك علي كهوان هذه البعرة.
وقيل: معناه اديت حقك وألقيته عني كما تلقاه هذه البعرة على قبر الزوج.
وروى الشافعي: فتقبض بالقاف والباء والصاد.
قال الشافعي: [ق 78 أ] والقبض أن تؤخذ من الدابة موضعًا بأطراف أصابعها، والقبض: الأخذ بالكف كلها.
وقيل في رواية الشافعي فتقبض بالضاد، وهو القبض بالكف، وإنما روي يقبض لأن القبض بالكف يؤول إلى القبض الذي هو الكسر فعبر عنه عما يؤول إليه.
ذكره في "الحاوي".
وروي: "قد كانت إحداهن تمكث في شر أحلاسها أو شر بيتها، فإذا كان حول فمر كلب رمته ببعرة وإن لا حتى تمضي أربعة أشهر وعشر".
وأما الإجماع فلا خلاف بين المسلمين فيه.
فإذا تقرر هذا فعدة الوفاة بشيئين بالحمل والشهور.
فإن كان حاملاً اعتدت به فإذا وضعته حلت، وظاهر الآية يوجب عليها العدة بالأشهر، وإن كانت حاملاً، ولكن عرفنا ذلك بالسنة وهي أن سبيعة الأسلمية خرج زوجها في طلب عبيد له فكروا عليه فقتلوه، فوضعت بعد وفاته بنصف شهر، فخطبها أبو السنابل ابن بعكك فأبت عليه، فاجتاز بها يومًا وقد تصنعت للأزواج فقال لها: تصنعت للأزواج لا حتى تمضي أربعة أشهر وعشر، وإنما قال ذلك طمعًا أن تتربص حتى يرجع وليها من غيبته فيحثها على الإجابة لأبي السنابل فأتت سبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرته بما قال أبو السنابل فقال صلى الله عليه وسلم: "كذب أبو السنابل قد حللت فأنكحي من شئت"، وإنما قال: "كذب" ولم يقل أخطأ لأنه صلى الله عليه وسلم عرف قصده، وأنه قال ذلك عن عمد، وإنما قال الشافعي: عرفنا هذا بالسنة ولم يقل بالآية، وهي قوله تعالى: ﴿وأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ [ق 78 ب] حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4] لأن الآية وإن كانت عامة في نفسها فهي على أثر ذكر المطلقات فربما يقول قائل هي فيه الملقة لا في المتوفي عنها.
وروى أبو داود بإسناد خبر سبيعة على وجه آخر وهو الأصح وهو أن سبيعة تحت سعد بن خولة وتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعالت من نفاسها تجملت للخطاب فدخل عليه أبو السنابل ابن بعكك رجل من بني عبد الدار، فقال: مالي أراكي متجملة لعلكي ترجين النكاح أنكي والله ما أنتي بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر، قالت سبيعة: فلما قال ذلك جمعت على ثيابي حتى لبست فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، فأمرني بالتزويج إن بدا لي وقوله: تعالت من نفاسها أي طهرت من دمها.
وروي عن علي ابن أبي طالب، وابن عباس رضي الله عنهما أنهما قالا: تعتد المتوفي عنها بآخر الأجلين.
ومعناه أن تمكث حتى تضع حملها، فإن كانت مدة الحمل من وقت وفاة زوجها أربعة أشهر وعشر، فقد حلت، وإن وضعته قبل ذلك تربصت إلى أن تستوفي المدة.
وقال القفال: لم يصح هذا المذهب إلا عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وترك هذا المذهب عليهن وفيه نظر: وبقولنا قال عمر، وابن عمر، وابن مسعود، وأبو هريرة رضي الله عنهم ومالك، والأوزاعي، وسفيان الثوري، وأبو حنيفة.
والدليل على هذا ما ذكرنا من الخبر، وروي عن أبي سلمى بن عبد الرحمن أنه قال: كنت جالسًا مع أبي هريرة [ق 79 أ]
وابن عباس رضي الله عنهما، فذكروا المرأة المتوفي عنها زوجها وهي حامل، قال أبو سلمة: فقلت: إذا وضعت حملها فقد حلت، فقال ابن عباس: أجلها آخر الأجلين، فقال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي - يعني أبا سلمة- فبعثوا كريبًا مولى ابن عباس إلى أم سلمة فسألها عن ذلك فقالت أم سلمة: إن سبيعة بنت الحارث الأسلمية وضعت بعد وفاة زوجها بليال فخطبها رجل من بني عبد الدار يدعى أبا السنابل وأخبرها أنها قد حلت فأراد أن تتزوج بغيره، فقال أبو السنابل: إنك لم تحلي فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرها أن تتزوج.
وروى مسروق، عن عبد الله بن مسعود أنه قال: من شاء لاعنته أنزلت سورة النساء القصرى بعد أربعة أشهر وعشرٌ، يعني بسورة النساء القصرى سورة الطلاق، يريد أن نزول هذه السورة إنما كان بعد نزول سورة البقرة، وقد ذكر في سورة الطلاق حكم الحامل فقال: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4] وفي البقرة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234] وظاهر هذا الكلام منه يدل على أنه حمله على النسخ وليس كذلك، بل إحدى الآيتين مرتبة على الأخرى فالآية في سورة البقرة في عدد الحوامل، والآية التي في سورة الطلاق في عدد الحوائل، والله أعلم.
وإن كانت حاملًا اعتدت بأربعة أشهر وعشرة أيام، وبه قال: كافة العلماء، وقال الأوزاعي: وعشر ليال فتنقضي العدة بطلوع الفجر من اليوم العاشر، وهذا غلط؛ لأن الليالي إذا أطلقت يقتضي دخول الأيام معها فحمل الظاهر عليها [ق 79 ب].
فإن قيل: لما حذف الباء في قوله وعشر دل على أنه أراد وعشر ليال لأن عدد المؤنث في الآحاد محذوف الهاء، قيل: العرب تحذف الهاء في عدد المؤنث والذكور فتقول: سرنا عشرًا وهو يريد عشرة أيام كما نقول: سرنا عشرًا وهو يريد عشر ليال.
فإذا تقرر هذا لا فرق بين أن يموت عنها قبل الدخول أو بعده، ولا فرق بين أن تكون صغيرة أو كبيرة.
وروى عن ابن عباس أنه قال: لا عدة عن المتوفي عنها قبل الدخول.
قياسًا على الطلاق، وقد تفرد بهذا القول، وهذا غلط لأن الآية عامة في الكل، وإنما خصصنا قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] بالمدخول بها بحكم آية أخرى منصوصة وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: 49]، ولم يرد ههنا مثل هذا ولا يمكن تخصيصها بالقياس على المطلقة؛ لأن يمكن للزوج تكذيبها ونفي الولد عن نفسه باللعان إن أتت به بخلاف المتوفي عنها، فاحتاط الشرع فيها، وأيضًا المقصود من عدة الطلاق الاستبراء والمقصود من عدة الوفاة التعبد وإظهار الحزن لانقطاع الوصلة
بالوفاة من غير اختيار، ولهذا لزم فيها الإحداد واعتبر في عدة الطلاق الأقراء وههنا الشهور فافترقا.
فإن قيل: أليس لو دخل بها ثم جئت ذكره وأنثياه، ثم طلقت بعد ذلك بعشرين سنة يلزمها العدة والاستبراء ههنا، قيل: المغلب في عدة الطلاق والاستبراء، وإن جاز أن يجب تعبدًا في هذا الموضع فصح ما ذكرناه.
مسألة:
قَالَ: "فَتَحِلُّ إِذَا وَضَعَتْ قَبْلَ أَنْ تَظْهُرَ [ق 80 أ] مِنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ أَوْ مَفْسُوخٍ".
إذا وضعت الحمل انقضت عدتها في الحال وإن لم تطهر من نفاسها؛ لأن النفاس لا يمكن النكاح كما لا يمنعه الحيض.
وقال حماد، والأوزاعي: لا تحل ما لم تطهر من النفاس، كما يعتبر في عدة الأقراء بطهارتها من الحيض عندهما.
وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4] ولم يعتبر الطهارة من النفاس.
وأما قوله: "مِنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ أَوْ مَفْسُوخٍ": ولم يرد به أنها تعتد بالشهور عن الوفاة؛ لأن العدة في النكاح الفاسد لا تجب إلا بالدخول، وإذا دخل وحملت كانت العدة بوضع الحمل كما في الصحيح، وهذا لأن عدة الوفاة لحرمة الوصلة ولا حرمة في النكاح الفاسد.
واعلم أن الشافعي لما ذكر الآية في الأول قال: "فَدَلَّتْ سُنَّة رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهَا عَلَى الحُرَّةِ غَيْرِ ذَاتِ الحَمْلِ" ثم ذكر حديث سبيعة، ومعلوم أنه حديث سبيعة لا يدل على أن الآية وردت في الحرة دون الأمة، فكيف ادَّعى الشافعي هذا من خبرها؟ وإزالة هذا الإشكال بأن يقال: ما أراد الشافعي استفادة الحرية من حديث سبيعة، بل استفاد من حديثها حكم الحامل، فأما الحرية فإنها مستفادة عند من ظاهر الآية؛ لأن الشافعي يحمل الخطاب بظاهرة على الحرائر خاصة، وعلى هذا نص في "كتاب اليسر" حيث حمل قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216]، على الأحرار دون العبيد.
فمعنى قوله ههنا: "فَدَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم" بظاهر القرآن على أنها على الحرة، وتصريح سنته على أنها على الحرة ذات الحمل؛ لأنه قضى في سبيعة الأسلمية بما قضى [ق 80 ب].
مسألة:
قَالَ: "وَلَيْسَ لِلْحَامِلِ المُتَوَفي عَنْهَا نَفَقَةٌ وَإِنْ كَانَتْ حَائِلًا".
لا يختلف المذهب أنه لا نفقة بحالٍ حائلًا كانت أو حاملًا، وسواء قلنا النفقة للحمل أو للحامل؛ لأنَّا إن
جعلناها للحامل فلا سلطان له عليها؛ وإن جعلناها للحمل فلا يلزم الميت نفقة الأقارب.
وروي عن جابر وابن عباس أنهما قالا: "لا نفقة لها حسبها الميراث".
قال بعض العلماء: لها النفقة إذا كانت حاملًا، ويروى هذا عن علي وابن عمر، ذكره صاحب "الحاوي".
وهذا غلط لما ذكرنا، ولأنها معتدة عن وفاةٍ فلا نفقة لها كالحائل.
قال المزني: "هَذَا خِلَافُ قَوْلِهِ فِي البَابِ الثَّانِي وَهَذَا أَصَحُّ، وَفِي البَابِ الثَّالِثِ مَشْرُوحٌ".
أراد به أن الشافعي لم يثبت لها النفقة في هذا الباب، وروي عن جابر ما ذكرنا وقال: "لأَنَّ مَالِكَهُ قَد انْقَطَعَ بِالمَوْتِ".
وقال في الباب الذي بعده: "لَهَا السُّكْنَى".
وهذا يخالف؛ لأن تعليل الشافعي ههنا واحتجاجه بقول جابر يدل على أنه لا سكنى لها، وإن لم يصرح به ههنا؛ لأنه لا سكنى لها.
فاختار المزني أنه لا سكنى لها، وفي المسألة قولان.
قال أصحابنا: هذا الذي قاله المزني لا يصح؛ لأن الشافعي قال في هذا الباب: "لا نفقة لها" وهذا لا يختلف مذهبه فيه، وليس في الباب الثاني ما يخالفه، وإنها أثبت في الباب الثاني السكنى على أحد قوليه والسكنى تخالف النفقة فلم يصح ما قاله.
وقوله: "وَهُوَ فِي البَابِ الثَّالِثِ مَشْرُوحٌ" غلط في النقل، وإنما هو "في الباب الثاني مشروح"؛ لأن المزني ذكر في الباب الذي بعد هذا الباب أنه لا سكنى، واختار هذا القول ونصره.
وأما [ق 81 أ] الباب الثالث فهو باب الإحداد وليس منه لوجوب السكنى وسقوطه ذكر، ولأنه أوهم أن في النفقة قولين وليس كذلك بل قولٌ واحدٌ أنه لا نفقة لها.
وقول جابر: "حسبها الميراث" لم يذكره الشافعي لإسقاط السكنى، أو نقول: لعل الشافعي نص في هذا الباب على أنه لا سكنى لها، وأجاب في باب آخر على القول الثاني فلا يجب عليه على ما ذكره المزني.
مسألة:
قَالَ: "وَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَامِلًا فَكَأَنَّهُ مَاتَ نِصْفُ النَّهَارِ وَقَدْ مَضَى مِنَ الهِلَالِ عَشْرُ لَيَالٍ أَحْصَتْ مَا بَقِيَ مِنَ الهِلَالِ".
الفصل:
قد ذكرنا فيما مضى نظير هذه المسألة، وجملته أنه إذا مات في نصف النهار مثلًا
وقد مضى من الهلال عشر ليالٍ، أحصت ما بقي من الهلال، فإن كان عشرين حفظتها ثم اعتدت بثلاثة أشهرٍ بالأهلة، ثم استقبلت الشهر الرابع فأحصت عدد أيامه، فإذا كمل لها ثلاثون يومًا بلياليها فقد أوفت أربعة أشهر واستقبلت عشرًا بلياليها، فإذا أوفت إلى الساعة التي مات فيها فقد انقضت عدتها، ويتصور أن يوافق الموت أول الهلال فتعتد بأربعة أشهر هلالية، ثم بعشرة أيام من الشهر الخامس.
ويتصور أن يموت في بعض الشهر ويحصل لها أربعة أشهر بالهلال، وهو أن يكون بقي من الشهر الأول عشرة أيامٍ فما دونها.
مسألة:
قَالَ: "وَلَيْسَ عَلَيْهَا أَنْ تَاتِي فِيهَا بِحَيْضٍ".
الفصل:
المتوفي عنها تعتد بأربعة أشهر وعشر حاضت فيها أم لم تحض.
وقال مالك: إن كانت من ذوات الأقراء ولم تجر عدتها [ق 81 ب] بتأخير الحيض فلم تحض لا تنقضي عدتها حتى تحيض حيضةً؛ لأن ذلك يثبت ريبةً.
وإذا كانت مرتابةً لم يحكم بانقضاء عدتها.
وروي عن مالك أنه إن كانت عدتها أن تحيض في كل شهرٍ مرةً فعليها في عدة الوفاة أربع حيض، وإن كانت عادتها أن تحيض في كل خمسة أشهر مرة يكفيها الشهور.
وهذا غلط لظاهر الآية ولم يفصل.
وأما ما ذكره لا يصح؛ لأن تأخير الحيض لا يكون ريبةً إلا أن يكون معه أمارة الحمل من انتفاخ البطن والثقل فلا يعتبر ما ذكره.
قال الشافعي: "إِلَّا أَنَّهَا إِنْ ارْتَابَتْ اسْتَبْرَأَتْ نَفْسَهَا مِنَ الرِّيبَةَ كَمَا لَوْ حَاضَتْ فِي الشُّهُورِ حَيْضَتَيْنِ ثُمَّ ارْتَابَتْ اسْتَبْرَأَتْ نَفْسَهَا مِنَ الرِّيبَةَ".
وقد ذكرنا حكم المرتابة بالحمل في العدة.
وقوله: "كَمَا لَوْ حَاضَتْ فِي الشُّهُورِ حَيْضَتَيْنِ" لفظ مشكل؛ لأنه إن أراد أن يقيس المتوفي عنها زوجها على ذات الشهور، فذات الشهور هي التي تفقد الحيض فكيف تحيض في الشهور حيضتين؟ وإن أراد أن يقيسها على ذات الأقراء فالشهور غير معتبرة فيها، ولا تنقص عدة الأقراء قط ما لم تر الحيضة، ثم ربنا ترتاب بعد الثالثة، فلعل الشافعي قال: كما لو حاضت في القرء حيضتين ثم ارتابت، فنقل المزني: أو غير الشهور بدل القرء.
فإن قال قائل: كيف يستقيم وضع القرء في هذا الموضع موضع الشهور وقد قلت: لا تنقضي عدة ذات القرء إلا برؤية ثلاث حيض والشافعي ذكر حيضتين؟ قلنا: ذات القرء إذا طلقت في آخر طهرها فرأت حيضةً ثم طهرًا ثم حيضة انقضت عدتها بالطعن في الحيضة الثالثة، فليس في خلال عدتها إلا حيضتان، فأما الحيضة الثالثة فبعد العدة فربما ترتاب وهي في خلال [ق 82 أ] الحيضة الثالثة فنأمرها باستبراء نفسها من الريبة، ومن المحتمل أن يقال: استعمل الشافعي لفظ الشهور في ذوات القرء على معنى أن القرء يمضي عليها في ثلاثة أشهر على غالب عادات النساء فاستغنى عن التغليظ.
فإن قيل: أفلا يحتمل أن يكون مراد الشافعي بذكر هذه الشهور شهور الوفاة على قصد تصوير المسألة في المتوفي عنها، وتقدير كلامه: "إلا أنها إن ارتابت استبرأت نفسها من الريبة" كأنها حاضت في الشهور الأربعة حيضتين ثم ارتابت.
قلنا: قوله: "كما لو حاضت" كلمة قياس وتشبيه لا كلمة تصوير فلا يصح هذا.
وأيضًا المتوفي عنها زوجها سواء رأت في الشهور الأربعة حيضتين أو ثلاثًا أو أربعًا، فإذا ارتابت بعد العدة كان عليها الاستبراء فلا فائدة لذكر الحيضتين على هذا التأويل.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ طَلَّقَهَا مَرِيضًا ثَلَاثًا فَمَاتَ مِنْ مَرَضِهِ".
الفصل:
قد ذكرنا ميراث المبتوتة في المرض، واختار المزني أنها لا ترث، وبسط الكلام ههنا فقال: "قَدْ قِيلَ: لَا تَرِثُ مَبْتُوتَةً وَهَذَا مِمَّا أَسْتَخِيرُ اللهُ تَعَالَى فِيهِ.
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَهَذَا قَوْلٌ يَصِحُّ لِمَنْ قَالَ بِهِ" قَالَ المُزَني: "فَالاسْتِخَارَةُ شَكٌ وَقَوْلُهُ يَصِحُّ إِبْطَال الشَّكِّ" فقال المزني: الاستخارة ليس بشكٍّ كما أطلقت، ولكن يريد بالاستخارة تفويض العلم إلى الله تعالى، ومسألة الخيرة منه.
ثُمَّ قَالَ: "وَهَذَا أَوْلَى بِقَوْلِهِ وَبِمَعْنَى ظَاهِرِ القُرْآنِ؛ لأَنَّ اللهَ تَعَالَى وَرَّثَ الزَّوْجَةَ مِن زَوْجٍ يَرِثُها إِنْ مَاتَتْ قَبْلَهُ فَلَمَّا كَانَتْ إِنْ مَاتَتْ لَمْ يَرِثُهَا وَإِنْ مَاتَ لَمْ تَعْتَدَّ مِنْهُ عِدَّةُ مِنْ وَفَاتِهِ فَلَا تَرِثَ هِيَ مِنْهُ مِيرَاثُ الزَّوْجَاتِ؛ لأنَّ النَّاسَ يَرِثُونَ مَنْ حَيْثُ يُورَثُونَ".
ثم قال: واحتج الشافعي على أبي حنيفة [ق 82 ب] في باب القافة حيث ورث أبو حنيفة أبوين من ابنٍ واحدٍ ملحق بهما جميع ماله على الشركة بينهما نصفين، وورث الابن جميع مال كل أبٍ على الخلوص إذا لم يكن له وارث غيره، فقال الشافعي: "إِنَّمَا يَرِثُ النَّاسُ مِنْ حَيْثُ يُورَثُونَ، فَإِنْ كَانَا يَرِثَانِهِ نِصْفَيْنِ بِالبُنُوَّةِ فَكَذَلِكَ يَرِثُهُمَا نِصْفَيْنِ بِالأَبُوَّةِ" فأخذ المزني هذا الاحتجاج من الشافعي واحتج به في هذه المسألة فقال: إِنَّمَا تَرِثُ
المَرْأَةُ الزَّوْجَ مِنْ حَيْثُ يَرِثُ الزَّوْجُ [المَرْأَةَ] بِمَعْنَى النِّكَاحِ، فَإِذا ارْتَفَعَ النِّكَاحُ بَإِجْمَاعِ ارْتَفَعَ حُكْمُهُ وَالمُوَارَثَةُ [بِهِ]، وَلَمَّا أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يَرِثُهَا لأَنَّهُ لَيْسَ بِزَوْجٍ كَانَ كَذَلِكَ [أَيْضًا] لَا تَرِثُهُ لَأنَّهَا لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ".
فإن قيل: فقد ورثها عثمان رضي الله عنه؟ قيل: وقد أنكر عليه عبد الرحمن بن عوف في حياته إن مات أن يورثها منه، ولم يرد أنه قال: لا يورثوها مني، وإنما روي أنه لما طلق امرأته تماضر، دخل عليه عثمان فقال: أفررت من كتاب الله تعالى؟ فقال عبد الرحمن: ما فررت من كتاب الله تعالى ولا من سُنَّةِ رسوله صلى الله عليه وسلم.
فالمزني [أراد] أن يستنبط من هذا الكلام أنه أنكر عليه التوريث؛ لأن العلة فيه هي الفرار، ومن أنكر عليه الحكم فقد أنكر الحكم.
ويمكن أن يُجاب عن كل ما ذكره بأنه يجوز أن تورث منه ولا يرث هو، كالعمة لا ترث من ابن الأخ، وابن الأخ يرث منها.
وقول عبد الرحمن ليس بصريح في الإنكار فيحتمل أنه أراد: أني لم أفر فإن الإرث لها مني باقٍ.
وقول ابن الزبير: "لو كنت أنا [لم] أر أن ترث مبتوتة" يحتمل أني ما كنت أهتدي إلى ما اهتدى إليه عثمان رضي الله عنه.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ طَلَّقَ [ق 83 أ] إِحْدَى امْرَأَتَيْهِ ثَلَاثًا فَمَاتَ وَلَا تُعْرَفُ".
الفصل:
صورة المسألة أن يطلق إحدى امرأتيه بعينها ومات قبل أن يبينها، ولم يكن مضى من الأقراءِ شيءٌ وكانتا جميعًا مدخولًا بهما، وكانتا من ذوات الأقراء، وكان الطلاق بائنًا، يلزم على كل واحدة منهما أن تأتي بأقصى الأجلين من أربعة أشهر وعشر، ومن ثلاثة أقراء؛ لأن على البائن ثلاثة أقراء وعلى المتوفي عنها زوجها أربعة أشهر وعشرٌ، ولا يعلم ههنا عين المتوفي عنها من البائن، فأوجبنا الأقصى منهما احتياطًا وإن كان قد مضى فيما يجب أربعة أشهر وعشر وقرءان، وإن كان قد مضى قرءان يجب أربعة أشهر وعشر وقرء، فإذا أتت بذلك فقد حلت بيقين.
هكذا ذكره جميع أصحابنا.
وقال صاحب "المنهاج": إذا أسلم المشرك عن عشرة نسوةٍ وأسلمت معه ومات قبل اختيار أربع، أوجبنا على كل واحدةٍ منهن أربعة أشهر وعشرًا فيها ثلاثة قروءٍ، فالأشهر للوفاة والقرء للفسخ الواقع بالإسلام.
ثم اختلف أصحابنا في تأريخ أول القروء الثلاثة، فمنهم من قال: يحسب القرء من وقت إسلام متقدم الإسلام من الزوج والزوجة، لأن الفسخ يقع من ذلك الوقت، فعلى هذا في مسألتنا يحسب القروء الثلاثة من وقت الطلاق
على ما ذكرنا.
والثاني: أن القروء الثلاثة هناك محسوبة من وقت الموت؛ لأنهما كانا يشبهان الزوجين إلى وقت موته.
وللشافعي في هذا الموضع نص يدل على أن القروء الثلاثة يجب أن تحسب في مسألة المشرك من وقت الموت؛ لأنه قال: ﴿وَلَوْ طَلَّقَ إِحْدَى امْرَأَتَيْهِ ثَلَاثًا فَمَاتَ وَلَا تُعْرَفُ اعْتَدَّنَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا تُكَمِّلُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فِيهَا ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [ق 83 ب] فقوله: "فيها": دليل على أن جميع القرء ينبغي أن يكون بعد الموت في الأربعة الأشهر، وإن وجدت فيها، وإن طال أقراءها اعتدت بأقصى الأجلين، ومثل هذا إذا فرق في النكاح الفاسد بينهما بعد الوطء هل يحسب القرء من وقت التفريق أو من آخر وطئة كانت؟ فيه وجهان.
وإن كانت إحداهما مدخولًا بها والأخرى غير مدخول بها وجبت على غير المدخول بها أربعة أشهر وعشرٌ فقط، وعلى المدخول بها أربعة أشهر وعشر وثلاثة أقراء على ما بيَّناه.
وإن كانتا غير مدخول بهما وجبت على كل واحدة منهما أربعة أشهر وعشر فقط؛ لأن المطلقة قبل الدخول لا عدة عليها، فإذا أتت بالشهور فقد حلت بيقين، وإن كان الطلاق رجعيًا وجب على كل واحدةٍ أربعة أشهر وعشرٌ؛ لأن الرجية تنتقل إلى عدة الوفاة فكانتا سواء، وإن لم يكونا من ذوات الأقراء، فإن كانتا من ذوات الشهور وجب على كل واحدة أربعة أشهرٍ وعشر؛ لأن المطلقة لم يجب عليها إلا ثلاثة أشهر، فإذا أتت بأربعة أشهر فقد حلت بيقين.
وإن كانتا حاملتين حلتا بالوضع، هذا إذا كان الطلاق معينًا ولم يتبين في إحداهما حتى مات.
فأما إذا كان الطلاق مرسلًا في إحداهما بعينها فقد ذكرنا فيما تقدم أن المذهب الصحيح أنه يقع الطلاق من حين اللفظ.
ومن أصحابنا من قال: يقع من حين التعين.
فإن قلنا: من حين اللفظ كان حكم العلة على ما بيَّناه في المعينة.
وإن قلنا: من حين التبين، فإذا مات قبل التعين فكأنه مات قبل أن يطلق، فيجب على كل واحدة منهما عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرٌ.
وهكذا ذكر بعض أصحابنا.
وقال بعضهم: يلزم ههنا أقصى الأجلين أيضًا [ق 84 أ] ولكن ابتداء الأقراء من حين الموت؛ لأن الموت الإياس من بيانه ولا يمكن إسقاط حكم الطلاق الموجود بموته.
وهذا هو المشهور على هذا الوجه.
باب مقام المطلقة في بيتها
مسألة: قَالَ: قال الله تعالى في المطلقات: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1]
إلى قوله: ﴿بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: 1]، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لفريعة بنت مالك حين أخبرته أن زوجها قتل وأنه لم يتركها في مسكن يملكه: "امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله".
المطلقة مطلقتان؛ رجعية، وبائن.
فالرجعية تستحق السكنى والنفقة؛ لأنها في معاني الزوجات إلى أن النفقة حق لها إن اتفقا على إسقاطه سقطت، والسُّكنى حق الله تعالى إن اتفقا على إسقاطه لم يسقط.
وأما البائن فلا نفقة لها إلا أن تكون حاملًا ويلزم السكنى لها.
وبه قال ابن عمر، وابن عباس، وجابر، وعائشة، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والفقهاء السبعة، ومالك، والأوزاعي، وابن أبي ليلى، والليث بن سعد رضي الله عنهم.
وروي عن ابن عباس، والحسن، والشعبي، وعطاء، والزهري، وأحمد، وإسحاق: أنه لا نفقة لها ولا سكنى.
وروى أبو سليمان الخطابي عن أحمد مثل قولنا، واحتجوا بما روت فاطمة بنت قيس أن زوجها طلقها ثلاثًا فلم يجعل لها رسول الله صلى الله عليه وسلم نفقة ولا سكنى.
وقال أبو حنيفة والثوري: لها النفقة والسكنى.
وروي ذلك عن عمر، وابن مسعود، وشريح رضي الله عنهم، واحتجوا بأنها مطلقة تستحق السكنى فاستحقت النفقة كالرجعية.
وهذا غلط؛ لأن الله تعالى قال: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] [ق 84 ب] ﴿وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: 1]، وقال أيضًا: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: 6] إلى قوله: ﴿وَإِن كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: 6]، فأوجب السكنى على الإطلاق، وخصَّ بالنفقة الحوامل، فكان ذلك حجة على الفريقين وأما خبر فاطمة بنت قيس: قلنا: لا حجة فيه؛ لأنه روى أنه أوجب لها السكنى فبذت على أحمائها فأمرها أن تنتقل إلى بيت ابن أم مكتومٍ، وتمام الخبر ما روى أبو سلمة بن عبد الرحمن عن فاطمة بينت قيس: أن أبا عمرو بن حفص بن المغيرة طلقها البتة وهو غائب بالشام، فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته، فقال: والله مالك علينا من شيء، فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له، فقال لها: "ليس لك عليه نفقة" وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: "تلك امرأة يغشاها أصحابي، فاعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك، فإذا حالت فأذنيني".
قالت: فلما حللت ذكرتُ له أن معاوية وأبا جهم خطباني... الخبر إلى آخره.
ومعنى البتة ههنا: الثلاث.
وروى أنها تطليقةٍ
بقيت لها من ثلاث.
واعلم أن نقل النبي صلى الله عليه وسلم إياها من بيت أحمائها إلى بيت ابن أم مكتوم ليس بإبطال السكنى، بل فيه إثبات السكنى وإنما هو إخبار لموضع السكنى.
وقد اختلفوا في سبب ذلك فقالت عائشة رضي الله عنها: كانت فاطمة في مكان وحش فخيف عليها، فرخص لها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الانتقال.
وقال سعيد بن المسيب: إنها انتقلت عن بيت أحمائها لطول لسانها.
وروي عن عمرو بن ميمون، عن أبيه أنه قال: قلت لسعيد بن المسيب: أين تعتد المطلقة ثلاثًا؟ قال: تعتد في بيتها.
قلت: أليس أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم [ق 85 أ] أن تعتد [فاطمة بنت قيس في بيت ابن أم مكتوم، قال: تلك المرأة التي فتنت الناس، إنها استطالت على أحمائها بلسانها، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعتد] في بيت ابن أم مكتوم، وكان رجُلًا مكفوف البصر.
وهو معنى قوله: ﴿وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: 1].
وقال ابن عباسٍ: الفاحشة أن تبذو على أهل زوجها، فإذا بذت فقد حل إخراجها.
وقال ابن مسعود والحسن البصري: الفاحشة أن تزني فتخرج لإقامة الحد عليها.
والأول أصح؛ لأن ظاهرة إخراج لا تُرد بعده إلى ذلك البيت، وإنما تخرج للحد ساعة من نهارٍ، ولها أن تخرج بالنهار لبعض الحوائج من غير فاحشةٍ مبينة.
وروي أن يحيى بن سعيد بن العاص طلق ابنة عبد الرحمن بن الحكم البتة، فانتقلها عبد الرحمن بن الحكم، فأرسلت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها إلى مروان بن الحكم -وهو أمير المدينة- فقالت: اتق الله ورد المرأة إلى بيتها.
فقال مروان: أو ما بلغك شأن فاطمة بنت قيس، فقالت عائشة: لا يضرك أن لا تذكر حديث فاطمة، فقال مروان: فإن [كان] بك الشر فحسبك ما بين هذين من الشر، يعني إن كنت تزعمين أن فاطمة أخرجت من بيت زوجها مخافة الشر من البذاء فحسبك ما بين هذا الزوج المطلق وهذه الزوجة من البذاء.
فثبت بالسنة.
وتفسير ابن عباس، وقصة عائشة ومروان أن المطلقة لا تخرج من منزل الطلاق إلا للبذاءة.
وكره لها ابن المسيب وغيره أنها كتمت السبب الذي أمرها صلى الله عليه وسلم أن تعتد في غير بيت زوجها خوفًا أن يسمع ذلك سامع فيرى للمبتوتة أن تعتد حيث شاءت.
وقد قال الشافعي: "فَلَمْ يَقُلْ لَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم اعْتَدِّي حَيْثُ شِئْتِ، بَلْ خَصَّهَا إِذْ كَانَ زَوْجُهَا غَائِبًا"
وهذا يدل على أن البذيئة إذا خرجت من بيت زوجها للبذاءة [ق 85 ب] لا يجوز أن تكون بسببه تعتد حيث تشاء ولكن الحاكم يحضها بالاجتهاد وعند من يرى، كما حصَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت قيس.
ثم اعلم أن الشافعي ذكر أولًا هذه الآية وهي واردة في المطلقات، ثم ذكر خبر فريعة في المتوفي عنها زوجها، ثم قال: "فدلت الآية على سكنى الطلاق، ودلت السنة على سكنى الوفاة".
وتمام خبر فريعة ما روي عن زينب بنت كعب عن فريعة بنت مالك -أخت أبي سعيد الخدري- قالت: خرج زوجي في طلب أعبد له أبقوا، فأدركهم بطرف القدوم فقتلوه، فأتاني نعيه وأنا في دار شاسعة من دور أهلي فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: أتاني نعي زوجي وأنا في دارٍ شاسعة من دور أهلي ولم يدع لي نفقة ولا مالًا، وليس له مسكن لي، فلو تحولت إلى إخوتي وأهلي كان أرفق لي في بعض شأني، فقال: "تحول"، فلما خرجت إلى المسجد -أو الحجرة- دعاني -أو أمرني- فدعيت له فقال: "امكثي في البيت الذي أتاك فيه نعي زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله"، فاعتدت فيه أربعة أشهر وعشرًا، قالت: فأرسل إليَّ عثمان بن عفان فأتيته فحدثته، فأخذ به.
فمن أصحابنا من قال: نسخ قوله الآخر قوله الأول فحكم لها أولًا بالرجوع إلى بيت أهلها، ثم نسخه بإيجاب السكنى لها في قوله: "امكثي في بيتك" يعني في البيت الذي كنت فيه عند الموت، فأوجب لها السكنى.
وهذا دليل على جواز نسخ الشيء قبل أن يُفعل.
ومن أصحابنا من قال: اختار القول الآخر أنه لا سُكنى للمتوفي عنها، وقال: هذا ليس بنسخ، بل صرح أولًا بالحكم أن لا سكنى لها، ثم ندب إلى أن تمكث في بيتها الأول، وندب أهل الميت أن يتركوها في للاعتداد.
فإذا تقرر هذا لا فرق [ق 86 أ] بين أن تكون مسلمة أو ذمية؛ لأن حقوقه الذمية في النكاح كحقوق المسلمة، وأما الأمة فحكمها في العدة حكمها في النكاح لا يلزم سيدها أن يسلمها نهارًا وله حق الاستخدام عليها، فإن رفع السيد استخدامها لم يمنع نهارًا في زمان الاستخدام، ولا سكنى لها؛ لأنه لما لم يمنع مع بقاء النكاح منها فلأن لا يمنع زواله أولى.
ثم للزوج أن يحضها ليلًا إن شاء، وهل يؤخذ به جبرًا؟ وجهان.
فإن قيل: فإذا كان له ذلك فقد صارت السكنى واجبة، والسكنى الواجبة في العدة لا تسقط بتراضيهما.
قلنا: ليست بواجبة على الزوج وإنما له حق متعلق باستبرائها وحفظها، فلهذا كان له إسكانها ليلًا والسكنى الواجبة لا تسقط بالإسقاط وههنا لم تجب أصلًا فلا يقال سقط.
واعلم أن في بعض نسخ المزني: "ولأهل الذمة أن ينقلوها من مسكن زوجها" وهذا
تصحيف من الأمة إلى الذمة.
مسألة:
قَالَ: "فَإِذَا طَلَّقَهَا فَلَهَا السُّكْنَى فِي مَنْزِلِهِ حَتَّى تَنْقَضِي عِدَّتُهَا يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ أَوْ لَا يَمْلِكُهَا".
يحب على المعتدة أن تسكن في الموضع الذي كانت تسكنه قبل الطلاق لقوله تعالى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: 1]، والمراد بإضافة البيوت إليهن السُّكنى دون الملك، بدليل أنه خص المطلقة بذلك، وإذا كان البيت لها لم تختص المطلقة بتحريم إخراجها، وبدليل أنه قال: ﴿إِلاَّ أَن يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: 1] ولو أراد ملكها لم تخرج بالفاحشة.
فإذا ثبت هذا لا يجوز له أن ينقلها عنه ولا يجوز أن تنتقل منه لظاهر الآية؛ لأن هذه السكنى تجب للعدة، والعدة [ق 86 ب] حق الله تعالى فلم يجز لهما التراضي على إبطال حق الله تعالى، ويجوز النقل والانتقال في ثلاثة أحوالٍ:
أحدها: أن يكون المنزل عارية فيرجع المعير في العارية، أو كان بكراء فانقضت مدة الإجارة وطالب صاحبه بالانتقال.
والثانية: أن يكون المنزل للزوج ولكنه انهدم أو خيف انهدامه وهو غير حصين، أو جيرانها فسقة فيخاف عليها.
والثالثة: أن تأتي بفاحشةٍ مبينةٍ، وذلك عند الشافعي ما ذكره ابن عباس من البذاءة، على أهل زوجها.
فإن قيل: حقيقة الفاحشة الزنى لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ﴾ [النساء: 25]، وأراد به الزنى قيل: الفاحشة اسم الزنى وللأقوال الفاحشة، ولهذا يقال: أفحش فلان في مقالته.
فإذا تقرر هذا وأراد نقلها عند البذاءة على أهل زوجها ينقلها إلى أقرب المنزل إلى منزله الذي طلقها فيه، كما إذا عدم الفقراء في بلد المالي ينقل الصدقة إلى أقرب المواضع من البلد، وإنما يتصور هذا في دارٍ تجمعهم، فإن كانت دارًا لا تسعهم يلزمهم أن ينتقلوا دونها، فإن انتقلوا عنها فبذأت بلسانها عليهم لم تنقل؛ لأن ذلك يمكنها في كل موضع تنتقل إليه، وتُنهى عن ذلك وتعزر، فإن بذت أحماؤها عليها ولم يكن من جهة شرٍّ نقلوا ولم تنتقل هي؛ لأن سكناها مستحقة لها، ولم يكن منها ما يفتح نقلها منه، وإن كانت في منزل أبويها فبذت عليها أو بذا أبويها عليها، ولم ينقل واحدٌ منهم؛ لأن الشر يطول منهم كما يطول منها ومن أحمائها، وإن كانت معها في بيت أبويها أحماءها فبذت
عليهم أبو بذوا عليها نقلوا ولم تنقل هي؛ لأنها أحق بسكنى منزل [ق 87 أ] أبويها من أحمائها، وإن كانت في دارٍ أخرى لم تنقل إذا بذت عليهم، وإنما ذلك إذا كانوا في دارٍ واحدة على ما ذكرنا وإن كانت في دارٍ تملكها، فإن أقامت فيها بإجارة منه أو إعارةٍ جاز، وإن طلبت أن يسكنها في غيرها لزمه؛ لأنه ليس عليها أن يؤجر ملكها.
مسألة:
قَالَ: "فَإِنْ كَانَ بِكَرَاءٍ فَهُوَ عَلَى المُطَلَّقَ وَفِي مَالِ الزَّوْجِ المَيِّتِ".
السكنى إذا وجبت على المطلق وكانت في منزل بكراءٍ، يجب الكراء على المطلق بلا إشكالٍ.
وقوله: "وَفِي مَالِ الزَّوْجِ المَيِّتِ" قال بعض أصحابنا: أجاب بقوله للمتوفي عنها زوجها السكنى، وحمله المزني على هذا ثم اعترض عليه فقال: هذا خلاف قوله في "باب عدة الوفاة" فإن كلامه هناك يدل على أنه لا سكنى لها على ما ذكر، والعجب من المزني حيث قال: في باب عدة الوفاء: "هذا خلاف قوله في الباب الثاني" ثم لما جاء إلى الباب الثاني كرر الكلام فقال: "هذا خلاف قوله في باب عدة الوفاة، ولا فائدة في هذا، فإن له في المسألة قولين مشهورين.
ومن أصحابنا من قال: معنى قوله: "وَفِي مَالِ الزَّوْجِ المَيَّتِ" غير ما اعتقده المزني وإنما معناه أن الزوج المطلق إذا مات قبل انقضاء عدة الطلاق الثلاث فمكنا بالتمام عدتها في مال الزوج الميت، فنقول للمزني: الشافعي لم يتعرض في باب عدة الوفاة لذكر السكنى عند الوفاة ولا في هذا الفصل، وقد نسبه إلى اختلاف القول وتناقضه في هذين البابين، وإنما ذكر الشافعي القولين في سكنى الوفاة بعد هذا حيث قال: "وإن كانت هذه المسائل في موته ففيها قولان" [ق 87 ب] وهذا يدل على أن ما قبله في المطلقة، وهذا ضعيف لأنه قال هناك: ففيها قولان، أحدهما: ما وصفت، فدل أنه أوجب السكنى للمتوفي عنها فلا يحسن أن يحمل على المطلقة.
مسألة:
قَالَ: "وَلِزَوْجِهَا إِذَا تَرَكَهَا فِيمَا يَسَعُهَا مِنَ المَسْكَنِ وَسَتَرَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا أَنْ يَسْكُنَ فِي سِوَى مَا يَسَعُهَا".
إذا أوجبنا السكنى فإنما تجب سكنى مثلها في العرف، فإن كانت من أهل الأقدار رفيعة الحال كثيرة المال والخدام، أسكنها دارًا واسعة حسناء وإن كانت من أوساط الناس متوسطة الحال في المال والخدام، أسكنها دارًا متوسطةٍ.
وإن كانت من أراذل الناس دنيئة دميمة، أسكنها دارًا ضيقة في طرف البلد أو في الخان، وهذا لأن الله تعالى
أوجب السكنى مطلقًا، ولا حَدَّ له في اللغة ولا في الشريعة، فيرجع فيه إلى العرف والعادة كالأحراز والقبوض.
وإنما ينظر إلى سكنى مثلها حين الطلاق ولا ينظر إلى سَكنها حال الزوجية؛ لأن الزوج قد يتطوع بأكثر من سكنى مثلها، فإن كانت ساكنةً في سكنى مثلها أقرب فيه، وإن كانت في أدون منها فإن رضيت بالمقام فيه جاز؛ وإن طلبت سكنى مثلها لزم أن يسكنها إلى أقرب المواضع إليه مما هو سكنى مثلها، أو يزيد فيه من بيتٍ آخر بجنبها.
وإن كانت في أرفع فإن رضي الزوج به جاز، وإن لم يرض لا يجوز نقلها منه بلا سبب، وإن اتفقنا على النقلةُ لم يجز أيضًا لما ذكرنا.
وهل يجوز أن يسكن معها أو يلزمه أن ينتقل منها؟ يُنظر فإن كانت الدار كبيرة يمكنه أن يقطعها حجرتين يغلق كل واحدة بغلق منفرد، فتكون في إحداها وهو يكون [ق 77 أ] في الأخرى، وإذا فعل ذلك وسعتها وتنفرد بمرافقها من البئر والمطبخ والرقي إلى السطح، ومثلها يسكنها في العادة جاز ذلك، وإلا فلا يجوز ويلزمه أن ينتقل منها حتى تنقضي عدتها.
وإن كان في الدار بيتان ولا يمكن قطعها حجرتين، فأراد أن يسكن هو في بيتٍ وهي في بيت آخر لم يجز، وإن كان على كل واحدٍ من البيتين باب يُغلق؛ لأن في المدخل والمخرج من باب الدار يحصل بينهما خلوة.
قال الشافعي: "إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ بَالِغٌ مِنَ الرِّجَالِ".
وقال بعض أصحابنا: "أو نساء ثقات".
وقال أبو حامدٍ: اعتبر الشافعي بلوغ المحرم، وعندي إذا كان صبيًا مراهقًا جلدًا يتحفظ به جاز أيضًا؛ لأن الغرض أن لا يخلو الرجل بالمرأة الأجنبية.
وقيل: شرط الشافعي أن يكون من الرجال، وبالنساء لا يقع الحاجز عن قصد الفجور فلا يكتفي بالنساء.
وقال القاضي الطبري: الأمر على ما قال الشافعي، ولا يجوز إلا أن يكون بالغًا؛ لأن غير البالغ ليس بمكلف فلا يلزمه الإنكار للفاحشة.
قال الشافعي: "ويكره ذلك مع هذا"؛ لأنه لا يمكن التحرز من النظر إلى الأجنبية وإن جاز على ما ذكرنا.
وقيل: إن الشافعي قال: "محرم ونساء ثقات" ولا شك أن هذا للاستحباب.
ولو كانا في بيتين من الخان فطلقها فانتقل الزوج إلى بيت بجنبها جاز، ويخالف بيتين في الدار؛ لأن الخلوة لا تحصل بينهما في بيتين من خان وتحصل في بيتين من دارٍ.
وكل موضع أجزنى للمطلق أن يسكن مع المطلقة أجزنى للأجنبي أن يسكن [ق 88 ب] معها، وما لا يجوز للمطلق لا يجوز للأجنبي.
ثم اعلم أن المزني قدم ههنا مسألة وجوب سكنى الوفاة وأردفها بالكلام في كيفية
المسكن.
ثم اعترض على مسألة وجوب السكنى على مسألة كيفية المكسن، فصار سواد الكتاب مشكلًا ملتبسًا، وكان ينبغي أن يعطف على قوله: "أَنْ يَسْكُنَ فِي سِوَى [مَا] يَسَعُهَا" حكايته عن كتاب "النكاح والطلاق": "لَا يُغْلَقُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهَا حُجْرَةٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ".
الفصل:
ويعطف اعتراضه في مسألة السكنى حيث قال الشافعي: "وَفِي مَالِ الزَّوْجِ المَيِّتِ".
حتى يظهر المقصود ويرتفع الإشكال.
مسألة:
قَالَ: "وَإِنْ كَانَ عَلَى زَوْجِهَا دَيْنٌ لَمْ يَبعْ مَسْكَنَهَا حَتَّى تَنْقَضِي عَدَّتُهَا".
الفصل:
إذا أراد الحاكم بيع هذه الدار بالدَّين، أو أراد الزوج بيعها وعليه دَين قبل الحجر، أو لا دَين عليه فأراد بيعها نُظر، فإن كانت عدتها بالحمل أو بالأٌقراء لم يصح البيع قولًا واحدًا.
ولو باع الدار المؤجرة هل يصح البيع؟ قولان.
والفرق بينهما أن زمان العدة مجهول فلم يصح البيع، وليس كذلك المنفعة المستحقة في مدة الإجارة؛ لأنها معلومة فلم يضر استحقاقها، وإن كانت عدتها بالشهور من أصحابنا من قال: فيه قولان كبيع الدار المؤجرة، لأن المدة معلومة، وهو اختيار الماسرجسي.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز ههنا قولًا واحدًا، وهو اختيار صاحب "الإفصاح".
والفرق أن المرأة لو ماتت في العدة رجعت المنفعة إلى زوجها؛ لأنها لم تدخل في البيع فيصير كأنه باعها واستثنى لنفسه تلك المنفعة ولا يجوز ذلك، وليس كذلك بيع المستأجر، فإن المستأجر إذا مات [ق 89 أ] رجعت المنفعة إلى ورثته ولم ترجع إلى المؤاجر الذي باعها، وإن كان الذي باعها وارثًا رجعت المنفعة إليه إرثًا ولم ينفسخ عقد الإجارة، وفي المعتدة ترجع المنفعة إلى الزوج ويبطل استحقاقها، فلهذا فرقنا.
أو نقول: هذه المنفعة بملكٍ للمرأة وإنما تبلغها على ملك الزوج؛ لأنها تملك استيفائها بنفسها خاصةً.
ويجوز أن يسكنها في دارٍ مستعارة وإن كانت لا تملك منافعها، فلا يجوز أن تملك رقبة الدار من جهته، ويكون مستثنيًا لمنفعة يملكها.
وقال ابن أبي هريرة: إنما اختلف أصحابنا إذا كانت عدتها بالشهور وهي صغيرة لا يحيض مثلها، أو آيسة.
فأما إذا كان لها تسع سنين فأكثر ومثلها يحيض إلا أنها لم تحض فلا يجوز بيع الدار التي استحق سُكناها قولًا واحدًا؛ لأنَّا لا نأمن أن تحيض قبل
انقضاء الشهور، فتحتاج أن تنتقل إلى العدة بالأقراء فتصير المدة مجهولة، وليس هذا التفصيل لغير.
ويلزمه على هذا أن يقول: إذا طلقها طلقةً وهي صغيرة لا يحيض مثلها أو آيسة لا يجوز بيع الدار قولًا واحدًا؛ لأنَّا لا نأمن من أن يموت زوجها فتحتاج أن تنتقل إلى عدة الوفاة فتزيد المدة.
هذا كله إذا طلقها قبل أن يحجر الحاكم عليه.
فأما إذا حجر الحاكم عليه ثم طلقها، فإن حقوق الغرماء قد تعلقت بعين ماله، فإذا طلقها تعلق حق سكناها بالدار فيباع ماله مع الدار، ثم يسقط ما يحصل من ثمنه على قدر ديونهم، وقدر أجرة السكنى والتي يستحقها ويكتري لها به في أقرب المواضع إليه موضعًا يسكنه حتى تنقضي عدتها.
فإن نقص عن حقها كان ما بقي في ذمته تتبعه إذا أيسر.
[ق 89 ب] فإذا قيل: إذا تعلقت حقوق الغرماء بماله ثم استدان لم يشاركهم الغريم الثاني، فذلك أن لا تشاركهم المرأة.
[قلنا:] لأن حقهم أسبق قبل الدين ثبت للثاني بمعنى بعد الحجر فلم يشاركهم فيه، وليس كذلك المعتدة، فأنها استحقته بمعنى سبق الحجر وهو النكاح فافترقا.
وأيضًا المجني عليه يشارك الغرماء وإن كان متأخرًا؛ لأنه ثبت حقه بغير رضاه، فكذلك حق السكنى ثبت بالطلاق من غير رضاها فوجب أن تشاركهم.
فإن قيل: السكنى تجب يومًا فيومًا فكيف ضربتم لها بأجرة جميعها؟ قيل: لأنَّا نقول: بل السكنى كلها واجبة بالطلاق بخلاف السكنى في النكاح في أصل القولين؛ لأنه يقدر على إسقاط السكنى بالطلاق ولا يقدر على إسقاط هذه السكنى بحالٍ.
فرع:
قال القاضي الطبري: قال أبو إسحاق في شرح نص الشافعي: على أن قسمة الدار التي فيها السكنى لا تجوز كما لا يجوز البيع.
وصورته في امرأة وجب لها السكنى ثم مات الزوج وخلف ابنتين فالدار لهما والسكنى لها حتى تنقضي العدة، فأراد قسمة الدار قبل انقضاء العدة، وهذا إذا قلنا القسمة بيع، فأما إذا قلنا القسمة إفراز النصيبين هل تصح القسمة؟ وجهان:
أحدهما: لا تصح كما لا تصح قسمة الدار المؤاجرة.
والثاني: تصح لأن المرأة لا ضرر عليها في قسمة الدار، فإنها إذا تلفت بعد القسمة طالبت بدينها سائر الورثة كما يكون لها قبل القسمة.
وليس كذلك الدار المؤاجرة، فإنها إذا قسمت ثم انهدمت لم يكن للمستأجر أن يطالب كل واحدٍ منهما إلا بحصته، وربما انهدم نصيب أحدهما وكان مفلسًا، فيؤدي إلى الإضرار به، فلهذا لم تصح قسمة الدر المؤاجرة على القولين معًا.
واختار أبو إسحاق [ق 90 أ] أنه لا يجوز قسمتها على القولين، وعلل بأنها قد استحقت السكنى فيها على صفة فلا يمكن تغيرها، كما لو آجر دارًا من رجلين ثم أراد قسمتها لم يجز، ولكن لو أراد القسمة من غير تمييز بحاجزٍ جاز؛ لأنه لا ضرر عليها بذلك.
واعلم أن في سواد المختصر إشكالًا، وذلك أنه قال: "وَإِنْ كَانَ عَلَى زَوْجِهَا دَيْنٌ
لَمْ يَبعْ مَسْكَنَهَا حَتَّى تَنْقَضِي عِدَّتُهَا، وَذَلِكَ أَنَّهَا مَلَكَتْ عَلَيْهِ سُكْنَى مَا يَكْفِيهَا حِينَ طَلَّقَهَا كَمَا يَمْلِكُ مَنْ يَكْتَرِي".
فقاس هذه الدار التي فيها المعتدة على الدار المكتراة، فأوهم أن المسألتين على سواءٍ وليستا على سواءٍ في جميع الحالات، وإنما يستويان في بعض الحالات إذا كانت عدتها بالشهور على ما ذكرنا.
فأما إذا كانت عدتها بالأقراء فلا يجوز بيعها قولًا واحدًا على ما ذكرنا.
ويحتمل أن يكون الشافعي قصد حالتي العدة حيث يعلم المدة وحيث لا يعلم، ولكن أجاب في الإجارة على قول المنع، فقاس العدة على الإجارة على قصد الترجيح مع القياس، ووجه الترجيح ما أشرنا إليه أن البيع إذا كان باطلًا والمدة معلومة فهو بالبطلان أولى إذا كانت المدة مجهولة.
مسألة:
قَالَ: "فَإِنْ كَانَ فِي مَنْزِلٍ لَا يَمْلِكُهُ وَلَمْ يَكْتَرِهْ فَلأَهْلِهِ إِخْرَاجُهَا وَعَلَيْهِ غَيْرُهُ، إِلَّا أَنْ يُفْلِسَ فَتَضْرِبُ مَعَ الغُرَمَاءِ بِأَقَلِّ قيمَةِ سُكْنَاهَا وَتَتْبَعُهُ بِفَضْلِهِ مَتَّى أَيْسَرَ".
أراد به أنها إذا كانت في دارٍ استعارها زوجها كان للمعير إخراجها منها؛ لأن العارية ليست بلازمةٍ.
قال الشافعي: "وعليه جبره" يعني إذا أخرجت من الدار المستعارة فعلى الزوج منزل غيره؛ لأنها تستحق السكنى عليه، فعليه أن يسكنها في أقرب المواضع إلى الدار التي كانت تسكنها [ق 90 ب].
فإن قال قائل: الدار التي كانت فريعة بنت مالك تسكنها لم تكن لزوجها، فَلِمَ أَمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاعتداد في تلك الدار؟ قلنا: إنما أمرها بذلك لعلمه بعادة أهل المدينة، فإنهم كانوا لا يعرفون يومئذٍ كراء الدار، بل كانوا يسمحون بسكنى منازلهم، وبفضول أموالهم.
وهذا الجواب الذي ذكرنا جواب الشافعي، غير أنه ذكره في هذا الباب حيث قال: "لا نعلم أحدًا ممكن مضى بالمدينة أكرى منزلًا".
ومن قرأ كلامه هذا في آخر الباب ظن أن ذلك الكلام غير مقيد، ولم يعلم أنه راجعٌ إلى هذه المسألة المذكورة في وسط الكلام.
فإن قيل: أليس إذا أعار بُقعة للبناء عليها أو جدارًا لوضع الجذع كانت تلك العارية لازمة، فهلا جعلتم هذه العارية لازمة كيلا تحتاج المعتدة إلى الخروج عن منزلها؟ قلنا: لا مشقة ولا ضرر في انتقال المعتدة، وفي نقل البناء والجذوع فساد وهدم وضررٌ،
وإنما قوله: "إِلَّا أَنْ يُفْلِسَ فَيَضْرِبَ مَعَ الغُرَمَاءِ بَأَقَلِّ قِيمَةِ سُكْنَاهَا": قال أصحابنا: معناه أن عدتها إن كانت بالأقراء وكانت لها عادة في الحيض والطهر حملت على عادتها، وضربت مع الغرماء بأجرة السكنى في زمان عادتها على مقدار ما تقتضيه عادتها، وإن لم تكن لها عادة ضربت بأقل ما يكون من الحيض والطهر، وهو أن يُحسب الحيض يومًا واحدًا والطهر خمسة عشر يومًا، فيكون اثنان وثلاثون يومًا وساعة، وإن كانت عادتها بالحمل فإن كانت عادتها في الولادة حملت على عادتها.
[ق 91 أ] وإن لم يكن لها عادة في الولادة حملت على الأقل، وذلك ستة أشهر.
وإن كانت عادتها بالأشهر فهي معلومة ضربت أجرة ثلاثة أشهر لا تنقص منها.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا لم يكن لها عادة في الولادة حملت على الغالب وهو تسعة أشهر، وهو اختيار صاحب "الحاوي".
قال: وكذلك في الأقراء تضارب في الغالب من مدة الأقراء وهي ثلاثة أشهر لا بأقل ما يكون.
والدليل على صحة هذا أنها لو كانت معتادة حملت على عادتها مع جواز النقصان، ولم تحمل على اليقين في الأقل، ففي غير المعتادة تحمل على الغالب من عادة غيرها ولا تحمل على اليقين في النقصان.
قال أصحابنا: فإذا ضربت بذلك ثم نقصت عدتها عما أخذته ردت الفضل وقسم بينهم على قدر حقوقهم.
وإن زادت ذلك قال القاضي الطبري: نص الشافعي أنها تتبعه بالزيادة، وإذا أيسر بخلاف الغريم إذا أحدث؛ لأنها ضربت بهذا القدر مع العلم بجواز الزيادة عليه فيخالف الغريم الذي لم يعلم به.
وأيضًا حق الغريم لم يتحدد بعد القسمة والزيادة ههنا تحددت بعد القسمة فلم يشارك الغرماء المتقدمين.
ومن أصحابنا من خرَّج فيه وجهًا آخر أنها تدخل على الغرماء فتأخذ من كل منهم بحصته كما ظهر غريم آخر.
وهذا أقيس؛ لأنَّا نبين استحقاقها في الأول حين طالت العدة فصار كظهور الدين.
ومن أصحابنا من ذكر وجهًا ثالثًا وهو إن كانت الزيادة في الحمل رجعت بها على الغرماء، وإن كانت في مدة الأقراء لم ترجع بها عليهم؛ لأن وضع الحمل مشاهد يمكن أن تقوم به بينة، وهذه الأقراء مضنونة لا تقوم بها بينة، ويرجع إلى قولها في حق الزوج دون غيره [ق 81 ب] وهذا ضعيف.
ومن أصحابنا من حكي عن أبي إسحاق أنه قال: لا حق لها أصلًا في الزيادة؛ لأنَّا دفعنا إليه ذلك القدر مع علمنا قد يستحق زيادة عليه.
وهذا لا يصح عنه، والصحيح أنه اختار ما نص الشافعي عليه.
وأما قول الشافعي: "تَضْرَبُ مَعَ الغُرَمَاءِ بَأَقَلِّ قِيمَةِ سُكْنَاهَا": أراد بذكر الأقل اختلاف أجرة المساكن لا مدة العدة، وذلك أنها لا تجد مسكنًا واسعًا كل شهر بدينارٍ في
محلةٍ عزيزة المساكن، وتجد بنصف دينار أو سدس دينار مسكنًا يكفيها في محلةٍ أخرى حصينة، فلا تضرب إلا بالأٌقل.
مسألة:
قَالَ: "وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ المَسَائِلُ فِي مَوْتِهِ فَفِيهَا قَوْلَانِ".
الفصل:
أراد به أن في وجوب السكنى للمتوفي عنها قولان:
أحدهما: لها السكنى.
وبه قال عمر، وعثمان، وابن عمر، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأم سلمة، ومالك، والثوري، وأحمد رضي الله عنهم وهو الأظهر.
والدليل عليه الخبر الذي ذكرنا.
وروي عن القاسم بن محمد أن عائشة رضي الله عنها، كانت تخرج المرأة وهي في عدتها من وفاة زوجها.
[قال:] فأبي ذلك الناس إلا خلافها فلا نأخذ بقولها وندع قول الناس.
والقول الثاني: أن لا سكنى لها.
وهو اختيار المزني، وبه قال علي، وابن عباس، وعائشة، وعطاء، وأبو حنيفة، والحسن، وجابر بن زيد رضي الله عنهم، وروي أن عليًا نقل أم كلثوم بعد موت عمر رضي الله عنهم بسبع ليالٍ.
وقيل: النقل لأنها كانت في دار الإمارة.
واحتجوا بأن لا نفقة لها؛ لأن الملك انقطع بالموت فكذلك السكنى [ق 92 أ] قال المزني: وقد أجمعوا أن من وجبت له نفقة وسكنى من والدٍ وولدٍ على رجل فمات انقطعت النفقة لهم والسكنى؛ لأن ماله صار ميراثًا لهم، فكذلك امرأته وولده وسائر ورثته يرثون جميع ماله.
والجواب عن هذا: لأن هذا لا يشبه النفقة؛ لأن المطلقة الثلاث تستحق السكنى بكل حالٍ ولا تستحق النفقة لنفسها، فإن كانت حاملًا وجبت النفقة للحمل، فكيف يجوز المزني أن يستشهد بالنفقة على السكنى؟ ولأن النفقة بمقابلة التمكين من الاستماع ولا تمكين ههنا، والسكنى لتحصين الماء وهذا موجود ههنا فافترقا.
وأما الوالد والولد فنفقتهما وسكناهما لا تصيران قط دينًا في الذمة، ونفقة النكاح وسكناه مما يصير دينًا في الذمة فكانت آكد.
فإذا قلنا لها السكنى، فإذا كان المنزل ملكًا للزوج سكنه مدة العدة، وإن لم يكن ملكًا ولكنه كان مستعارًا، فإن رضي صاحبه بإقرارها فيه أقرت، وإن لم يرض صاحبه فعلى الورثة أن يكنزوا من مال الميت لها مسكنًا في
أقرب المواضع، فإن لم يكن له وارث فعلى السلطان أن يفعل ذلك من ماله، وإن لم يخلف مالًا فتبرع الورثة بإسكانها لزمه ذلك كما ذكرنا، ولا يلزم السلطان أن يكتري لها من سهم المصالح، إلا أن يرى ريبة فيلزمه إسكانها.
وإذا قلنا: لا سكنى لها، قال الشافعي: "فَلِوَرَثَتِهِ أَنْ يُسْكِنُوهَا حَيْثُ شَاؤُوا إِذَا كَانَ مَوْضِعُهَا حِرِزًا وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ وَلِلسُّلْطَانِ أَنْ يَخُصَّها حَيْثُ تَرضي لِئَلَّا يَلْحَقَ بِالزَّوْجِ مَنْ لَيْسَ لَهُ"، يعني إذا لم يكن له ورثة، فإن لم يفعلوا ذلك فلها أن تسكن حيث شاءت.
فرع:
لو تطوع أجنبي بسكناها فيسبر حاله، فإن كان متهومًا ذا ريبةٍ لم نتعرض لها، [ق 92 ب] وإن كان سليمًا ذا دين قام بذله لسكناها مقام بذل الوارث، ولزمها أن تسكن حيث يسكنها إذا كان مسكن مثلها وأمنت على نفسها، فيعتبر هذين الشرطين في وجوب السكنى عليها فإن رضيت بدون مسكن مثلها جاز، وإن رضيت بما لا تأمنه على نفسها لم يجز.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ أَذِنَ لَهَا أَنْ تَنْتَقِلَ فَنَقَلَتْ مَتَاعَهَا وَخَدَمَهَا وَلَمْ تَنْتَقِلُ بِبَدَنِهَا حَتَّى مَاتَ أَوْ طَلَّقَ اعْتَدَّتْ فِي بَيْتِهَا الَّذِي كَانَتْ فِيهِ".
كلما أوجبنا لها السكنى فأذن لها في النقلة من دارٍ إلى دارٍ في جوف البلد فالاعتبار بالبدن دون الرحل والمال، فإن مات أو طلقها فإن كانت في الدار الأولى اعتدت فيها دون الثانية سواء نقلت الرحل والمال أو لم تنتقل.
وقال أبو حنيفة بالرحل والمال فتعتد في الدار التي نقلت إليها المال والرحل.
وهذا غلط؛ لأن المعتدة لو انتقلت ببدنها إلى دارٍ أخرى وتركت قماشها في الدار التي طلقها فيها عصت، ولو نقلت قماشها ولم تنتقل ببدنها لم تعص، فدل على ما قلناه.
وعلى هذا إن انتقلت ببدنها ثم رجعت إلى الدار التي انتقلت عنها لنقل قماشها فطلقها أو مات عنها اعتدت في الدار التي انتقلت إليها، ومجيئها إلى الدار الأولى لنقل قماشها بمنزلة دخولها إلى دار بعض جيرانها اعتبارًا به.
فرع:
قال في "الأم": لو انتقلت بغير إذن زوجها ثم طلقها أو مات عنها لزمها أن ترجع فتعتد في بيتها الذي كانت تسكن معه فيه.
فرع آخر:
قال في "الآم" لو انتقلت بغير إذنه لها في المقام في ذلك المنزل ثم طلقها أو مات عنها اعتدت فيه كما لو انتقلت بإذنه، (ق 93 ا) وسواء أذن لها في منزل بعينه أو قال لها: انتقلي حيث شئت ثم طلقها أو مات كان لها أن تعتد حيث انتقلت إليه.
فرع آخر:
لو أذن لها بالانتقال من دارٍ إلى دارٍ ثم طلقها بعد خروجها من الدار الأول وقبل وصولها إلى الدار الثانية فيه ثلاثة أوجهٍ:
أحدها: قال أبو إسحاق عليها أن تعتد في الدار الثانية؛ لأنها صارت المسكن بقصدها وقصد استيطانها فيها، وخرجت الأولى عن كونها مسكنها بمفارقتها بهذه النية.
وقيل: نصَّ على هذا في "الأم".
والثاني: إنها بالخيار بين أن يرجع إلى الدار الأولى وبين أن تنتقل إلى الثانية؛ لأنه بينهما فتختار ما شاءت.
والثالث: يعتبر القرب، فإن كانت إلى الدار الأولى أقرب اعتدت فيها، وإن كانت إلى الثانية أقرب اعتدت فيها.
فرع آخر:
لو كان أذن لها في النقلة إلى بلدٍ والاستيطان فيه، ثم طلقها أو مات عنها، فإن كان ذلك بعد وصولها إلى ذلك البلد لزمها أن تعتد فيه، ولم يجز لها أن ترجع إلى البلد الذي انتقلت منه.
قال في "الأم": فإن كان له وكيل حاضر أو وارث كان له أن ينزلها حيث ترضي من المصر حتى تنقضي عدتها، وإن لم يكن وكيل ولا وارث كان على السلطان أن يحصنها حيث ترضي لئلا يلحق بالميت أو المطلق ولدٌ ليس منه، وإن كان ذلك وهي في الطريق اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: لا يجوز لها أن ترجع إلى البلد الذي انتقلت منه، وهو قول أبي إسحاق.
والثاني بالخيار، إن شاءت رجعت وإن شاءت مضت على وجهها، ويجيء ثمَّ الوجه الثالث الذي ذكرنا في الفرع قبله.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ خَرَجَ بِهَا مُسَافِرًا أَوْ أَذِنَ لَهَا فِي الحَجِّ [ق 93 ب] فَزَايَلَتْ مَنزِلَهُ فَمَاتَ أَوْطَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَسَواءٌ لَهَا الخِيَارُ فِي أَنْ تَمْضِي به لِسَفَرِهَا ذَاهِبَةً أَوْ جَائِيَةً".
الفصل:
جملته أنه إذا طلقها أو مات عنها قبل خروجها من بيتها لزمها أن تعتد فيه، ولم يجز لها أن تخرج لسفرها، وإن كانت قد شدت رحلها أو اكترت لا تخرج أيضًا لا يختلف المذهب فيه - وإن كانت قد خرجت ولم تفارق بنيان البلد اختلف أصحابنا فيه، قال الاصطخري: لا يلزمها الرجوع وهو ظاهر منصوص الشافعي؛ لأنه قادت "فزايلت منزله 0 ولم يعتبر شرطًا آخر، وقد صرح في "الأم" أبهذا فقال؛ "ولو كان أذن لها أن تخرج إلى الحج فلم تخرج حتى طلقها أو مات لم يكن لها أن تخرج إلى الحج، ولو خرجت من منزله ففارقت المصر أو لم تفارقه إلا أنها قد فارقت منزله بإذنه للخروج للحج ثم مات أو طلق كان لها أن تمضي في وجهها، وهذا نص لا يحتمل إلا ما قاله الاصطخري، وهذا لأن مزايلتها منزله بإذنه فقط عنها حكمه.
وقال أبو إسحاق؛ يلزمها أن ترجع فتعتد في منزله إلا أن يكون قد فارقت بنيان البلد؛ لأنها ما دامت في البلد فهي على حكم المقام فيلزمها أن تعتد فيه، كما لو لم تخرج من منزلها، ولهذا لو أرادت أن تقضي الصلاةً يس لها ذلك ما لم تفارق آخر بنيان البلد.
وهذا اختيار القفال، قال؛ ومعنى قوله: "فزايلت منزله" أي عمارةً بلده أو منزل مقامه، ومنزل مقامه بلده.
وقال ابن أبي هريرةً: من أصحابنا من ذكر وجهًا ثالثًا أنه لا يستقر حكم دخولها في ألسفر حتى تنتهي إلى مسافةً يوم وليلةً اعتبارًا بالسفر الذي يستباح فيه الرخص ما لم تبلغ إليها يلزمها أن تعود وتعتد في منزلها.
واحتج هذا القائل بما قال الشافعي في "الأم": "ولو آذن لها (ق 94 أ) إلى صفر يكون مسيرةً يوم وليلةً غير حجةً الإسلام لم يكن لها أن تخرج إلا مع ذي رحم محرم، فإن خرجت من تنزله ولم تبلغ السفر حتى طلقها أو مات كان عليها أن ترجع فتعتد في منزله، وهذا لا يصح؛ لأن الشافعي أمرها بالرجوع في هذه المسألة لعدم المحرم لا لقرب السفر، ألا ترى أنه استثنى حجةً الإسلام فقال: "غير حجة الإسلام"؛ لأن في حجةً الإسلام لا يعتبر المحرم، وقصد به الرد على أبي حنيفةً حيث قال: لها أن تسافر سفر التطوع أقل من ثلاثةً أيام بلا محرم، ولأن الشافعي ذكر هذه المسألة عقب المسألة التي حكاها عن "الأم"، ولا يذكر قولين في مسألتين متواليتين.
وقال ابن أبي هريرة: الصحيح ما قاله الاصطخري أن الاعتبار بمفارقةً المنزل دون مفارقةً المصر واعتبار اليوم والليلةً، ولا معنى لترك المنصوص إلى الاجتهاد.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن أذن لها في الحج فخرجت عن منزلها ثم طلقها قبل أن تفارق عمران بلدها لها أن تمضي إلى الحج، ولو كان سفرا آخر يلزمها الرجوع إلى منزلها؛ لأن الشافعي غاير في العبارة ههنا فقال: "ولو خرج بها مسافرًا،، يعني فارق العمارةً، ثم قال: "أو أذن لها في الحج فزايلت منزله فمات"، فذكر مزايلةً المنزل في
الحج، وهذا لا يصح.
ولا فرق بين سفر الحج وغيره، ولو جاز أن يحمل هذا اللفظ في الحج على مسكنه لا على بلده لجاز أن يدعي مثل هذا في لفظ الخروج حيث قال: "ولو خرج بها مسافرًا" لأنه إذا خرج عن داره سمي خارجًا كما يسمى بمفارقة العمران خارجًا، وإذا حمل الخروج على الخروج من الدار وجب أن يحمل مزايلةً المنزل على الخروج من الدار، ويحمل كلاهما على الخروج من عمارةً البلد (ق 94 ب) ولا وجه للفرق.
وقال أبو حنيفة: إذا طلقها أو مات، فإن كان بينها وبين منزلها دون مسيرةً ثلاثةً أيام يجب عليها الرجوع وإن كان مسيرةً ثلاثةً أيام فإن كان بينهما وبين الموضع الذي قصدته ثلاثةً أيام، فإن كان الموضع الذي هي فيه موضع إقامةً أقامت فيه، بأن يكون قريةً آهلة، وإن لم يكن موضع إقامةٍ كان لها أن تمضي إلى مقصدها.
واحتج بأن إنشاء السفر الصحيح محرم عليها في منزلها فكان محرمًا عليها في سفرها.
وهذا غلط؛ لأن العدةً وجبت عليها وهي مسافرةً فلم يلزمها الرجوع عن سفرها، كما لو كان بينها وبين مسكنها مسيرةً ثلاثةً أيام، ويفارق هذا إذا كانت في منزلها؛ لأنها لا تنشئ سفرًا وإن قل بخلاف ما لو كانت مسافرةً.
وحكي عن أبي حنيفةً أنه قال: إن كانت إلى البلد الذي خرجت منه أقرب يلزمها الرجوع، وإن كانت إلى البلد المقصود أقرب يلزمها المضي إليه، وإن بعدت من هذا البلد ولم تقرب من ذلك البلد تخيرت من الرجوع والمضي.
فإذا تقرر ما ذكرنا أنه لا يلزمها العود فهي بالخيار بين الرجوع والعود، فإن خرجت قال الشافعي: "ولا تقيم في المصر الذي أذن لها في السفر إليه إلا أن يكون أذن لها [في المقام] فيه أو النقلةً إليه فيكون ذلك عليها إذا بلغت ذلك المصر"
وجملته أن ينظر فيه، فإن كان أذن لها في السفر إلى الممر الذي قصدته لزيارة لا يخلو إما أن يكون جعل لها مدةً أو لم يجعل لها في ذلك مدةً، فإن لم يجعل لها مدةً قال الشافعي: "لم تقم فيه أكثر من مقام مسافرةً وهو ثلاثةً أيام".
وإن جعل لها مدةً فيه قولان:
أحدهما: لا تقيم فيه أكثر من مقام صام وهو ثلاثةً أيام؛ لأنه لم يأذن لها في الإقامة (ق 95 أ) المطلقةً، فصار كما لو أطلق الإذن.
والثاني: وهو الأصح أنها تقيم حتى تستوفي المدةً، وهو اختيار المزني؛ لأنها مدةً مأذون فيها فكان لها استيفاؤه، ألا ترى أن الشافعي أباح لها أن تخرج في سفرها إلى الغايةً التي تريدها؛ لأن هذه المدةً مأذون فيها فكذلك مدةً المقام.
ومن قال بالأول فصل بينهما بأن عليها مشقةً في الرجوع من الطريق ولا مشقةً عليها في ترك مدة المقام.
وإن أذن لها في الخروج إلى المصر الذي قصدته لقضاء الحج والعمرةً أو قضاء لدين، آو استحلال من مظلمةٍ، أو إيصال كتاب أو حاجةٍ يمكن قضائها عاجلًا لا يجوز لها أن تقيم فيه أكثر من مدة قضاء الحاجةً، ويتيها أن تخرج عقيب قضاء الحاجةً.
ومن أصحابنا من قال ههنا: لها أن تقيم مقام مسافر وهو ثلاثة أيام، وهذا غلط، بل هذا في سفر النزهةً والزيارةً.
قلنا في هذا الموضع نهاية سفرها قضاء حاجةٍ لا غير، وإذا ألزمنا الخروج لا فرق بين أن تكون قد بقي من عدتها ما تنقضي في الطريق ويبقى عليها بقيةً تقضيها في بيت زوجها.
نص عليه في "الأم"، لأنها لو أقامت كانت هذه الإقامةً غير مأذون فيها فلا يجوز لها ذلك، وأيضًا المكان الذي تعود فيه أقرب إلى منزله من الموضح الذي تقيم فيه فكان أولى.
وقال أبو إسحاق: إن بقي من عدتها ما لا ينقضي في الطريق ترجع، وإن بقي من عدتها قدر ينقضي في الطريق كان لها أن تكملها في البلد الذي هي فيه ولا يجب عليها الرجوع؛ لأن إتمام العدةً في ذلك البلد خير من إتمامها في الطريق.
وهذا اختيار القفال، وهذا كله إذا وجدت رفقة (ق 95 ب) مأمونةً في الرجوع إلى بلدها، فإن لم تجد كان لها أن تقيم فيه إلى أن تجد رفقة مأمونةً وكان ذلك عذرًا في المقام.
وأما قوله في السواد: "إلا أن يكون أذن لها في المقام فيه أو النقلة إليه" فحذف المزني "المقام" ولا بد منه، ثم قال: "فيكون ذلك عليها"، وفي بعض نسخ المزري؛ "فيكون ذلك لها" فمن قرأ "لها" قال: هذا راجع إلى مسألة النقل.
فأما إذا أذن لها بالمقام مدةً لا يلزمها أن تقيم بل لها أن ترجع، والقولان فيه؛ "هل لها أن تقيم" ومن قرأ
"لها" فهو جواب في المسألتين جميعًا، فإن لم يكن قضاء حاجتها في ثلاثةً أيام فقول: أخرج اليوم، أخرج غدا فلها ذلك إلى أن تنقضي حاجتها.
مسألة:
قال: "وإن كان أخرجها مسافرة أقامت ما يقيم المسافر مثلها ثم رجعت فأكملت عدتها".
أراد به أنه إذا كان الزوج أخرجها مع نفسه في السفر ثم مات في بعض البلاد لزمها أن ترجع إلى بيتها وتقعد فيه، ولا يجوز لها أن تقيم إلا مقام مسافر إلا أن لا تجد رفقةً على ما قدمناه.
مسألة:
قال: "ولو أذن لها في زيارة أو نزهة فعليها أن ترجع؛ لأن الزيارةً ليست مقامًا"
هذه المسألة تخالف ما قبلها فتحتاج إلى تأويل، فقال أبو إسحاق: أراد به الزيارةً والنزهةً في جوف البلد، فعليها العود؛ لأن الطلاق صادفها وهي مقيمةً في البلد، والمسألة المتقدمةً في السفر فلا يلزمها العود هناك.
ومن أصحابنا من قال: أراد به أنه إذا أذن لها في السفر لزيارةً أو نزهةً فأقامت ثلاثًا نم طلقها فعليها أن ترجع؛ لأن الزيارةً والنزهةً (ق 96 أ) ليست مقامًا، وقد فسره الشافعي في "الآم"، فقال: "إن كان أذن لها في زيارةً أهلها أو النزهةً إلى موضع في المصر أو خارجًا منه فخرجت إلى ذلك الموضع الذي أذن لها فيه ثم مات عنها أو طلقها طلاقًا لا يملك فيه الرجعةً، فعليها أن ترجع إلى منزله فتعتد فيه؛ لأن الزيارةً ليت مقامًا، ومعناه أنه لم يأذن لها في المقام في موضع آخر فيكون ذلك بمنزلةً ما لو أذن لها في دخول السوق لحاجة ثم مات لزمها العود إلى بيت زوجها.
فرع:
قال في "الأم": ولو قال لها في المصر: اسكني هذا البيت شهرًا أو هذه الدار سنةً كان هذا مثل قوله لها في السفر: أقيمي في بلد كذا وكذا شهرًا أو سه وقد خرج من السفر قولين، ثم عطف هذه المسألة عليها وسوى بينهما فجعل في المسألتين جميعًا قولين وقد بيناه.
والفرق بين هذه المسألة وبين الإذن في الزيارةً والنزهةً حيث أوجب عليها الرجوع قولًا واحدًا، أن الإذن في الزيارةً والنزهةً ليس بإذن في المقام فيلزمها الرجوع، بخلاف هذا فإنه أذن في المقام فلم يلزمها أن ترجع في أحد القولين، كما لو أذن لها في النقلةً.
قال القفال: فإن قلنا لها قدر المدة المضروبةً لو لحقها في الطريق مضت على وجهها إن شاءت، وإذا قلنا بالقول الآخر فعليها أن ترجع ولا تمضي على وجهها إذا لم يكن قصد إلا النزهةً ولم يكن عليها في الرجوع مشقةً، فأما الزيارةً فهي أمر مقصود، فتمضي وتزور وترجع في الحال، وهذا حسن ولكنه خلاف ظاهر المنصوص.
فرع آخر:
قال في "الأم": لو أذن لها في زيارةُ أهلها، ثم قال قبل الطلاق والموت: إنما نقلتها إليه (ق 97 ب) ولم تعلم هي كان عليها أن تقيم حيث أم أنه أمرها أن تنتقل؛ لأن النقلةً إليه وهي منتقلةً فلم يكن لها الرجوع.
فرع آخر:
قال أيضًا: لو أذن لها بعد الطلاق الذي لا يملك فيه الرجعةً أو يملكها قبل أن
يرتجعها، أو قال لها في مرضه: إذا مت فانتقلي حيث شئت فمات لم يكن لها أن تعتد في غيره.
فرع آخر:
لو قال: إنما انتقلت ولم ينو هو النقلةً، قادت إنما أرسلنك زائرةً ثم مات أو طلقها، كان عليها أن ترجع فتعتد في بيته؛ لأن النقلةً ليست لها إلا بإذنه.
فرع آخر:
لو طلقها وهي في مكن مستعار فأراد الزوج نقلها منه إلى مكن يكتريه، فإن كان في بلي عرف أهله العاريةً لم يكن له نقلها ما لم يرجع أهله في العاريةً، وإن كان في بلدٍ عرف أهله الكراء ففي جواز نقله منه وجهان:
أحدهما: ليس له نقلها ما لم يرجع في الإعارةً كالبلد المعهود إعارته.
والثاني: له نقلها منه لئلا يلحقه من المنةٍ فيه ما لا يلحقه في البلد المعهود إعارته.
فرع آخر:
لو كانت في بيت بعاريةٍ في العدةً فنقلها مالكها فعادت إلى بيت آخر، ثم بذل المالك الدار الأولى، فإن بذل بالعاريةً لم يلزمه ردها إليه، وإن بذل بالإجارةً فإن كان المنزل الثاني بالعاريةً يلزم ردها إلى الأولى، وإن كان المنزل الثاني بالإجارةً فيه وجهان:
أحدهما: لا يلزم الانتقال تغليبًا لحكم الاستقرار فيه.
والثاني: يلزم الانتقال إلى الأول تغليبًا للمنزل الذي كان الطلاق فيه.
مسألة:
قال: "ولا تخرج إلى الحج بعد انقضاء العدة ولا إلى مسيرة يوم إلا مع ذي محرم إلا أن يكون حجة الإسلام (ق 97 ا) وتكون مع نساء ثقات".
ذكر الشافعي في "الأم" ثلاث مسائل؛ مسالتان في "باب حكم العدة" والثالثة في "باب الحج" فترك المزني مسألتي العدة ونقل مسألة الحج، وإنما تركهما لأنه قد نقل قبل هذا من الإذن في السفر ما يدل على حكم المسألتين.
إحداهما قال: "ولو خرجت من منزله ففارقت المصر أو لم تفارقه إلا أنها قد فارقت منزله بإذنه للخروج إلى الحج، ثم مات أو طلقها كان لها أن تمضي في وجهها وتقيم فيه مقام الحج لا تزيد فيه وتعود مع الحاج فتكمل بقية عدتها في منزله إلا أن يكون أذن لها أن تقيم بمكة أو في بلتي غيرها إذا قضت الم، فيكون هذا كالنقلة وتقيم في ذلك البلد".
ثم ذكر هذه المسألة الثالثةً وليست
عن مسائل العدةً وإنما هي عن مسائل الحج.
وجملته أنه شرط في الفر الذي ليس بواجب صحبةً محرم ولم يشترطه في حجةُ الإسلام، بل شرط فيها صحبةُ نساء ثقات، وصرح ههنا بالفرق وعند أبي حنيفةً يشترط المحرم في حجةً الإسلام على ما ذكرنا في ((كتاب الحج)).
واختلف أصحابنا في أقل النساء الثقات على ثلاثة أوجه:
أحدها: تكفي واحدةً.
والثاني: تكفي ثنتان.
والثالث: لا بد من ثلاث نسوة.
ومن أصحابنا من قال: لا يشترط المحرم في سفر التطوع أيضًا ويكفي صحبةً النساء الثقات.
وهو اختيار القفال، قال: لأن الشافعي لم يفرق بين سفر الواجب وغيره في الجواز، وإنما فرق في الكراهةً فكره في غير الواجب الخروج مع النساء الثقات دون المحرم ولم يكن في الواجب ذلك، وهذا خلاف النص الظاهر ههنا.
وحكي عن ابن أبي هريرة أنه قال: إن كانت الطريق (ق 97 ب) آهلة آمنة لها أن تخرج وحدها، فقيل له: يلزمك أن تجوز مثل هذا في السفر المباح، فقال: اختلفنا في الأمرين جميعًا، فلم يجعل لها أن تخرج في السفر المباح إلا مع ذي رحم محرم؛ لأنه لا ضرورة ًبها إلى ذلك، وجعلنا لها أن تخرج وحدها في حجةً الإسلام؛ لأن ذلك فرض عليها احتياطًا للفرض.
فرع:
قال في "الأم": لو أحرمت بإذن زوجها بالحج أو العمرةً ثم طلقها أو مات فإن كانت لا تخاف من العدةً فواته كان كما لو لم تحرم، وقد بيناه.
وإن خافت فوات الحج لزمها أن تخرج؛ لأن الحج والعدةً إذا اجتمعا وتضيقًا ولم يمكن الجمع بينهما فدمنا الحج لسبق إحرامه على العدةً؛ ولأنها إذا خرجت للحج أتت بالعبادتين جميعًا وتركتا صفةً العدةً، وإذا اعتدت تركت الحج حتى يفوتها فكان الجمع بين العبادتين مع الإخلال بصفةً أحدهما أولى - وقال أبو حنيفةً: مليها أن تقيم وتعتد ولا يجوز لها الخروج سواء كان الوقت ضيقًا أو واسعًا، خاف الفوات أو لم يخف.
ولو طلقها أو لا ثم أحرمت فعليها العدةً في منزلها، فإن فاتها الحج تحللت بعمل عمرة وعليها قضاء الحج؛ لأن العدةً أسبق.
وكذلك إذا أذن لها في الحج ثم طلقها ثم أحرمت؛ لأن الإحرام لم يتعين عليها بإذنه، ويتعين أن تكن في منزلها، وإن سبقه الإذن بالإحرام فالاعتبار بما تعين [أولاً]
مسألة:
قال: "ولو صارت إلى بلد أو منزل بإذنه ولم يقل لها أقيمي ثم طلقها فقال: لم أنقلك، وقالت: نقلتني القول إلا أن نقر هي أنه كان للزيارة أو مدة تقيمها يكون [عليها أن ترجع وتعتد في بيته] وفي مقامها قولان".
فصل:
في بعض نسخ المزني: (ق 98 أ) ((ولم يقل لها أقيمي أو لا تقيمي)) والأول أصح.
واختلف أصحابنا في صورة المسألة، فقال أبو إسحاق: صورة المسألة أن يأذن لها في الخروج من بيته إلى موضع ثم مات وقع الاختلاف بينها وبين ورثة زوجها، فقالت هي: أذن لي في الخريج وقصد بالإذن النقلةً إليه، فلا يجوز لي الرجوع.
وقال الورثةً: لم يقصد بذلك فعليك الرجوع، فالقول قولها مع يمينها؛ لأن ضميره معيب عنها والمرأة صاحبةً فجعل القول قولها.
وآما إذا كان الاختلاف بينها وبين زوجها فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه أعلم بضميره عنها.
قال أبو إسحاق: وإنما جعل الشافعي في "الأم" القول قولها: إذا كان الخلاف مع الورثةً، إلا أن المزني ظن أن يكون عنده حكم في المالئين سواء، فأطلق الجواب، وهذا لو ادعت أصل الإذن كان القول قوله، فلذلك إذا ادعت وصفًا في الإذن كان القول
ومن أصحابنا من قال: القول قولها مع الزن ومع الورثة؛ لأنه إذا أذن لها فالظاهر من إطلاق القلة فكان القول قولها، ونص الشافعي على هذا التعليل، فقال أصحابنا: هو بمنزلة شيء في يدها ويدعي الزوج عليها ذلك فيكون القول قولها مع يمينها، فكذلك ههنا.
وأيضًا سفر النقلةً واحد وسفر العود اثنان، فكان القول في الثاني قول مكره.
وهذا اختيار جماعةً من أصحابنا.
وقال القاضي الطبري: ظاهر كلامه في "الأم" هذا دون ما نكرم أبو إسحاق؛ لأنه ذكر اختلافهما مع الورثةً وقال: "القول قولها"، ثم قال: أولو قال لها اخرجي إلى موضع كذا أو مصر كذا، فخرجت إليه (ق 98 ب) فلم يقل لها حجي، ولا أقيمي، ولا ارجعي منه، ولا ترجعي إلا أن تشائي ولا زوري فيه أهلك أو بعض معارفك، كانت هذه نقلةً وعليها أن تعتد في ذلك الموضع من طلاقه أو وفاته إلا أن تقر هي أن ذلك الإذن إنما كان لزيارةً أو مدةً تقيمها فيكون عليها أن ترجع إذا بلغتها الوفاةً فتعتد في بيته، وفي مئامها قولان"، فأطلق الكلام وجعل ظاهر الإذن النقلة، وجعل القول قولها، وهذا مثل ما نقله المزني دون ما (حكاه) أبو إسحاق.
ومن أصحابنا من حكي عن أبي إسحاق أنه قال: صورة ما نقله المزني أنه قال لها: انتقلي إلى موضع كذا فلما حصلت فيه طلقها، فقال لها: ما نقلتك وإنما أذنت في غير النقلةً، فعليك الرجوع، وقالت: بل أذنت لي في النقلةً والمقام فالقول قولها؛ لأن قوله: "انتقلي" حقيقته النقلةً، فأما إذا قال لها: اذهبي، أو اخرجي إلى موضع كذا، ثم اختلفا، فالقول قوله؛ لأن الظاهر معه.
ثم تعجب هذا الحاكي من أبي إسحاق فقال: كيف يصورها فيما لو قال لها انتقلي، والشافعي قال: "ولم يقل لها أقيمي ولا لا تقيمي)) بإذنه بالنقلةً هو المقام، وهذا غير صحح عن أبي إسحاق.
ومن أصحابنا عن قال: صورة المسألة أنه قال لها: اخرجي أو اذهبي ثم طلقها، ثم اختلفا فالقول قوله، وقول المزني: "القول قولها" غلط، أراد أن يقول القول قوله وأخطأ في الكتبةً، وهذا أيضًا غير صحيح لما ذكرنا.
وقال أبو حامد: نفل المزني هذه الصالة في "جامعه الكبير" فقال: "ولو سارت إلى منزل" بأمره ثم طلقها ثم اختلفا - هكذا - فالقول قوله، ثم فئ عليه فقال: "فإن مات ثم اختلفت هي وورثته فالقول قول الورثة" وأراد أنه لما كان القول قول الزوج فوارثه يقوم مقامه - (ق 99 أ) وغلط هذا في التفرع، فإن القول قولها ههنا لما ذكرنا عن الفرق بين الزوج والورثة.
وقال القفال: قال الشافعي: ((إذا حولها من بيتٍ إلى بيتٍ، ثم طلقها ثم اختلفا فالقول قولها)).
وقال في موضع آخر: ((إذا ويع الاختلاف بينها وبين ورثة زوجها فالقول قول الورثة)) وليست على قولين بل هي على حالين، فصورة مسألة الوارث أن يقول: إن أبانا قد قال لك: إني أخرجتك مسافرة.
ولو كان هذا الاختلاف مع الزوج نفسه كان القول قوله أيضًا؛ لأن الأصل أن لا نقلة.
وصورة المسألة الأولى أنه حق لها ولم يقل شيئًا، بل أطلق فالظاهر بيدها سواء كان الاختلاف مع الزوج أو مع الورثة فالقول قولها
وقال القفال مرة أخرى: قال الشافعي ((إن كان هذا الاختلاف مع الزوج فالقول قوله، وإن كان مع الورثة فالقول قولها)) فالمسألتان على قولين نقلا وتخريجًا.
قال: ومن أصحابنا من قال: إن اختلفا في اللفظ فقالت; قلت لي انتقلي، وقال: ما قلت لكن قلت اخرجي للنزهةً ونحوها فالقول قوله؛ لأن الأصل أنه لم يقل ذلك.
وإن اتفقا على اللفظ فقالت: قلت اخرجي وأردت به النقلةً، وقال: ما أردت فالقول قولها؛ لأن الظاهر ما ادعت.
قال: وقال ابن سريج، وهو قول أبي حنيفةً: إن كان الاختلاف مع الورثةً فالقول قولها، وإن كان مع الزوج فهل يكون القول قوله أو قولها قولان 0 وكل هذا تخليط والاعتماد على ما سبق.
وقال في "الحاوي": هذه المسألة تشتمل على فصول اختلط فيها كلام أصحابنا، ونبوا المزني إلى السهو في نقله والخطأ في جوابه لشبهةً دخلت عليهم في [تقرير]
أصولها (ق 99 ب) ونوضحها بما تزول به الشبهة ويصح فيه نقل المزني وجوابه، وذلك مبني على تقدير الجواب [في] خمسة فصول:
أحدها: إذا أذن لها في عفر النقلةً فانتقلت ثم وجبت [عليها] العدةً اعتدت في بلد النقلة.
والثاني: [إذا] أذن لها في سفر العودةً ثم وجبت العدةً عند وصولها لزمها العود ولا يجوز لها أن تقيم.
والثالث: [إذا] أذن لها في الفر مطلقًا [لم بمرح فيه بنقلة ولا عود] حمل على سفر آخر تحتاج فيه إلى إذن آخر.
والرابع: [إذا] أذن لها في السفر إليه لنزهةً [أو زيارةً] كان سفر عود لا سفر مقام.
والخامس: [إذا] أذن لها في السفر لتقيم شهرًا ثم تعود هل لها أن تقيم تلك المدةً؟ قولان.
فإن اخلفا فاختلافهما على [ستةً] أقسام:
أحدها: أن تدعي [الزوجةً] سفر النقلة ويدعي الزوج سفر العود، فالقول قولها [مع الزوج] في حياته، ومع الورثةً بعد موته على ما ذكرنا.
والثاني: أن تدعي المرأةً سفر العود ويدعي عليها سفر النقلةً، فالقول قول الزوج وورثته بعده؛ لأنها تدعى سفرًا ثانيًا.
والثالث: أن تدعي في السفر المطلق أن المراد به النقلةً ويدعى عليها أن المراد به العود فالقول قولها مع الزوج وورثته؛ لأن الظاهر معها.
والرابع: أن تدعي في [الفر] المطلق أنه أراد العود ويدعي عليها أن المراد النقلة فالقول قول الزوج وورثته بعده.
والخامس: أن تدعي الزوجة سفرًا لمدةً، ويدعي عليها [أنه] سفرًا لنزهةً فإن قلنا: هي ممنوعةً من مقام تلك المدةً لم يكن لهذا الاختلاف تأثير لوجوب العودة فيهما للوقت.
وإن قلنا: لها المقام تلك المدةً، فإن كان الخلاف مع الورثةً فالقول قولها، وإن كان [مع] الزوج فالقول قوله.
والفرق أن الإذن اجتمع عليه الزوجان، فإذا كان الاختلاف بينهما رجع إلى الزوج الآذن في صفة إذنه (ق 100 أ) كما يرجع إليه في أصل إذنه، وإذا كان مع الورثة رجع فيه إلى من شافهه بالإذن وهي الزوجةً دون الورثةً.
والسادس: أن تدعي الزوجة سفر النزهةً ويدعي عليها أنه سفر المدةً.
فإن قلنا: لا تقيم تلك المدة لا تأثير لاختلافهما لوجود العود.
وإن قلنا: لها المقام تلك المدةً فالقول قول الزوجة [إن كان حيًا] والقول قولها مع الورثةً إن كان ميتًا لما ذكرنا من الفرق.
فهذان قسمان يختلف فيهما حكم الزوج والورثة وإن اتفق حكمهما في الأقسام الأربعةً، ليسلم المزني من خطأ النقل لحمل مراده على ما وافقه من تلك الأقسام الأربعةً
في التسويةً بين الزوج وورثته، وسلم أصحابنا من الوهم في الشبهةً الداخلةً عليهم في تخطئته لحمل جوابهم على ما وافقه من القسمين المتأخرين في الفرق بين الزوج وورثته وهذا كله حسن.
مسألة:
قال: ((وتنتوي البدوية حيث ينتوي أهلها)).
الفصل:
معناه ترحل البدوية حيث يرحل أهلها، وجملته أنه إذا طلق البدوي زوجته كان اعتدادها في المسكن الذي هو مسكنها حال الطلاق كالحاضرةً، ولكنها تخالف في صفةً المسكن؛ لأن مسكنها من صوف وشعر ونحوه، ومسكن الحاضرةً من طين وآجر وحجر، ولذلك بناء الحضر يراد للاستيطان والبقاء، وبيوت الباديةً للإقامةً والظعن على الغبطةً فما داموا مغتبطين بالمقام أقاموا، وإذا كان غبطتهم في الظعن ظعنوا، فإذا تقرر هذا فيه أربع مسائل:
أحدها: [إذا] انتقل أهل الباديةً كلهم من مكان إلى مكان فإنها تنتقل بانتقالهم، كأهل البلد لو انتقلوا بأسرهم انتقلت هي معهم أيضًا، وكامرأةً صاحب السفينةً معه إذا لم يكن له مكن سوى السفينةً.
والثانية: أن ينتقل قوم من أهل الباديةً (ق 100 ب) وبقي قوم فيهم منعة، وأهلها فيهم فعليها أن تقيم مع أهلها وتعتد في مسكنها؛ لأنه لا حاجة بها، كما لو انتقل بعض أهل البلد وبقي قوم فيهم منعةً تعتد فيمن بقي.
والثالثة: انتقل قوم من أهل البادية وأهلها فيمن انتقل وبقي قوم لم ينتقلوا وفيهم منعةً فهي بالخيار بين أن تنتقل مع أهلها طلب الأنس بهم وحذر الوحشةً لهم إن لم تنتقل، وبين أن لا تنتقل وتقيم هناك؛ لأن هذا المكان مكان مسكنها حال الطلاق ولا ضرورةً إلى المفارقةً.
والرابعة: فر أهلها وهربوا خوفًا عن أم من الأمور وما انتقلوا انتقالًا ينظر، فإن كانت تخاف مما خاف أهلها كان لها أن تهرب معهم وإن كان الخوف على الرجال دون النساء، أو على أهلها دون غيرهم لم يكن لها أن تنتقل معهم؟ لأنه لا حاجة بها إلى ترك مسكنها حين الطلاق، كما لو هرب أهلها من البلد سواء، وهذا لأنهم إذا هربوا فالمسكن باق لم ينتقل.
وقال الماسرجسي: من أهل الباديةً من لا ينتجع ولا ينتقل ويكون حولهم من الرعي ما يقيم بها، فهذه كالحاضرةً.
ومنهم من ينتجع في كل سنةٍ مرتين؛ إحداهما في الصيف،