بحر المذهب للرويانيكتاب العارية
أهل الأثرالأرشيف العلمي

[2/أ] مسألة 1: قال: وكل عارية مضمونة على المستعير.
الفصل وهذا كما قال: أعلم أن العارية إباحة الانتفاع بعين من الأعيان، وقيل: إنها هبة المنافع مع استيفاء ملك الرقبة، وقال الأزهري: هي مشتقة من عاد الشيء إذا ذهب وجاء وتردد، ومنه قيل للغلام الخفيف: عيار لتردده وخفته في بطالته وكثرة ذهابه ومجيئه فيها، والعارية اسم وجمعها عواري وعواري بتخفيف الياء وتشديدها والعارية عقد معونة وإرفاق جاء الشرع بها وندب الناس إليها ولا يجب ذلك وقد كانت واجبة في ابتداء الإسلام حتى توعد الله تعالى من منعها فقال عز وجل: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4)﴾ إلى قوله ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7)﴾ [الماعون:4 - 7] قال ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما: "الماعون العارية، وفسرها ابن مسعود فقال: هي عارية القدر والدلو والميزان 2، وروي عن على وابن عمر رضي الله عنهما أنهما قالا: "الماعون الزكاة"، وروى سعيد بن المسيب والزهري: "إنه المال بلسان قريش"، وقال محمد بن كعب القرظي: إنه المعروف، وقال أبو عبيد: الماعون اسم لكل منفعة وعطية، وقال محمد بن جرير الطبري: إنه المنافع.
والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فالآية التي ذكرناها وأيضاً قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ [النساء:114] والعارية من المعروف، وقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:2] وهذا من البر.
وأما السنة فما روى أبو أمامة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في خطبته عام حجة الوداع: "العارية مؤداة والمنحة مردودة والدين مقضي والزعيم غارم" 3 ورواه أبو هريرة: "العارية مضمونة".
وروى أمية بن صفوان عن أبيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استعار منه يوم حنين أدرعاً فقال: أغصباً يا محمد أم عارية؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا بل عارية [2/ب] مضمونة مؤداة" 4. وروى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما من صاحب إبل ولا بقر لم

الجزء: 6 - الصفحة: 391

يؤد حقها إلا بطح يوم القيامة بقاع قرقر تطأه بأظلافها وتنطحه بقرونها كلما نفذت أخراها عادت أولاها" قيل: يا رسول الله وما حقها؟ قال: "إعارة دلوها، وإطراق فحلها، ومنحة لبنها" 5. وأما الإجماع فلا خلاف بين المسلمين في جوازها واستحبابها.
لأنه لما جازت هبة الأعيان بالإجماع كذلك هبة المنافع كما تصح الوصية بهما.
فإذا تقرر هذا فاعلم أنه لا تصح الإعارة إلا من جائز التصرف في المال، أما من لا يملك التصرف في المال كالصبي والسفيه لا تصح منه الإعارة ولا يجوز للعبد المأذون أن يعير خلافاً لأبي حنيفة ولا تنعقد إلا بإيجاب وقبول لأنه إيجاب حق لآدمي كالبيع والإجارة، وتصح بالقول من أحدهما: والفعل من الآخر فإن قال المستعير: أعرني فسلمها المعير إليه انعقد، وإن قال المعير: أعرتك فقبضها المستعير انعقد لأنه إباحة التصرف في ماله فتصح بالقول من أحدهما: والفعل من الآخر كإباحة الطعام.
واعلم أن تمام العارية بالقبض ويصح القبض فيه بالإذن فيه من غير إقباض، ولا يصح القبض في الهبة بالإذن في القبض من غير إقباض، والفرق أن قبض المستعير لا يزول به ملك المعير فجاز أن يأذن بالتصرف فيه والقبض في الهبة مزيل لملك الواهب فلم يتم إلا بإقباض الواهب ولا تلزم العارية وله الرجوع فيها متى شاء، وقال مالك: إن قدر العارية بمدة تلزمه ولم يكن له الرجوع قبل انقضائها بناء على أصله الهبة تلزم بالقول من غير قبض وهذا غلط لأن لزومها يخرجها عن حكم العارية إلى حكم الإجارة فلا يجوز ذلك.
ثم اعلم أنها مضمونة عندنا سواء تعدى فيها أو لم يتعد وسواء كان حيواناً أو غير حيوان، وسواء شرط الضمان أو لم يشرط وبه قال ابن عباس وعائشة وأبو هريرة رضي الله عنهم وهو مذهب عطاء وأحمد وإسحاق، وقال ربيعة: العارية مضمونة بكل حال إلا أن تكون حيواناً فيموت في يد المستعير فلا يضمنه، وقال مالك: إن كان مما يخفى [3/أ] هلاكه ضمن، وإن كان مما يظهر لم يضمن، وقال أبو حنيفة: العارية أمانة غير مضمونة إلا بالتعدي وبه قال النخعي والشعبي وشريح والحسن والثوري والأوزاعي ويحكى هذا عن مالك وإسحاق، وروي هذا عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما، وقال عثمان البتي: العارية مضمونة بكل حال إلا أن تكون حيواناً فلا يضمن سواء مات حتف أنفه، أو بفعل المستعير من غير تفريط، ويحكى هذا عن مالك أيضاً، وقال قتادة وعبيد الله العنبري وداود: إن شرط ضمانها على المستعير ضمن وإلا فلا يضمن وهذا كله غلط لما ذكرنا من خبر أبي هريرة وصفوان ولأنه أخذ ملك غيره لمنفعة نفسه منفرداً بها من غير استحقاق ولا إذن في الإتلاف فيضمنه كالمغصوب.
واحتجوا بما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:

الجزء: 6 - الصفحة: 392

ليس على المستعير غير المغل ضمان، وليس على المستودع غير المغل ضمان 6 قلنا: قال الدارقطني: رواه عبيد بن حسان وهو ضعيف ثم أراد به ضمان الأجزاء التالفة بالاستعمال بدليل ما ذكرنا.
واحتج قتادة بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - شرط لصفوان الضمان قلنا: ذاك إخبار عن صفة العارية وبيان لحكمها ولم يكن شرطاً ولأن أصول الشرع على أنه لا يتغير حكم الضمان بالشرط وعدمه كما في البيع والإجارة والوديعة، فإذا تقرر هذا قال الشافعي ها هنا وقال: من لا يضمن العارية فإن قلنا: إذا اشترط المستعير الضمان ضمن قلت: إذاً تترك قولك وإنما قصد الشافعي بهذا الكلام قتادة والعنبري ومعنى هذا الكلام قريب من معنى الاستفهام أي إن قلنا: إذا شرط المستعير الضمان ضمن فهل تستنكر هذا المذهب وهل تستبعده؟ فقال الشافعي لهذا المستفهم إذاً تترك يعني يناقض مذهبك فقال الخصم: وأين المناقضة في مذهبي؟ فقال: ما تقول في الوديعة إذا شرط الضمان أو في القرض أن لا يضمن أيتغير الحكم؟ فقال: لا قال: فكذلك ها هنا وجب أن لا يتغير بوجود الشرط لأن الشرط لا يغير حكم الأصل فقال الخصم: إن لم يكن للشرط تأثير فلم شرط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الضمان قال: لجهالة صفوان [3/ب] بالحكم فإنه كان مشركاً لا يعرف حكم الإسلام ولو عرفه ما ضره شرطه له قال: فهل قال هذا أحد يعني ضمان العارية من غير شرط قال: في هذا كفاية وغنية وقد قال بذلك أبو هريرة وابن عباس رضي الله عنهما هذا شرح كلام الشافعي في مناظرته، فإن قيل: ما تأويل قول الشافعي في موضع من كتاب الإجارات العارية غير مضمونة إلا بالتعدي؟ قلنا: هذا ليس بقول ثان في سقوط ضمانها كما وهم فيه الربيع وهو محمول على سقوط ضمان الأجرة أو على سقوط ضمان الأجزاء أو حكاية عن مذهب غيره.
فرع إذا استعار شيئاً وانتفع به ثم رده على صاحبه لم يكن عليه ضمان المنافع ولا ضمان ما تلف بالاستعمال من أجزائه قولا واحداً وهو مثل ذهاب أجزاء المنشفة بالنشف والثوب باللبس لأنه مأذون فيه، وعلى هذا لو كان سيفاً لتقاتل به فانكسر في الضربة لا ضمان، ومن أصحابنا من قال: فيه وجه آخر أنه يضمن الأجزاء التالفة بالاستعمال ذكره ابن سريج وهو غلط لما ذكرنا.
فرع آخر لو تلفت في يده نظر، فإن تلفت عقيب القبض فعليه كمال قيمتها، فإن قيل: هلا أسقطتم عنه ضمان الأجزاء المأذون في إتلافها.
قيل: إنما يسقط ضمان الأجزاء إذا

الجزء: 6 - الصفحة: 393

أتلفها منفردة عن العين على وجه الاستعمال المأذون، فأما إذا تلفت بتلف العين ضمنها لأنه لا يمكن تمييزها عن العين في الضمان، وإن تلفت بعد الاستعمال فالمذهب أن عليه قيمتها يوم التلف لأنه لا يضمن الأجزاء التي أتلفها بالاستعمال على ما ذكرنا فلا يضمن الزيادة التي حدثت في العين لأنه لم يقبضها ولم يكن مأموراً برد العين في حال الزيادة، ويخالف المغصوب والمقبوض بعقد فاسد لأن كل واحد منهما مأمور برد العين على صاحبها في كل حال، ومن أصحابنا من قال: يلزمه أكثر ما كانت قيمتها من حين القبض إلى حين التلف كالمقبوض عن العقد الفاسد وهذا لأن الأجزاء غير مضمونة عليه مع بقاء العين، فأما إذا تلفت العين ضمن الجميع كما نقول في زيادة السوق والزيادة التي تحدث في العين تدخل في العارية فيجب أن تكون مضمونة [4/أ] عليه، ومن أصحابنا من قال: يلزمه قيمتها يوم القبض تمثيلاً بالقرض وهذا والذي قبله ضعيف والأصح الأول.
فرع آخر لو كانت العارية مما له مثل فإن قلنا: فيما لا مثل له يضمن بأكثر ما كانت قيمتها يلزمه مثلها، وإن قلنا: يضمن ذاك بقيمتها يوم التلف ضمنها ها هنا بقيمتها.
فرع آخر لو استعملها في غير ما أذن فيه مثل أن استعار قميصاً ليلبسه فنقل فيه الطعام والشراب والطين ونحو ذلك، أو استعار دابة ليركبها فنقل عليها الطعام أو غيره يلزمه أجرة مثلها وضمان ما نقص من الأجزاء قولاً واحداً، وإن تلفت يلزمه أكثر ما كانت قيمتها من حين التعدي إلى حين التلف.
فرع آخر إذا رجع المعير في العارية تلزم مؤونة الرد على المستعير قولاً واحداً لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في خبر صفوان بن أمية: "لا بل عارية مضمونة مؤداة" فقوله: مضمونة أفاد ضمان الأصل، وقوله: مؤداة أفاد ضمان الرد.
فرع آخر إذا ردها نظر، فإن كان إلى مالكها أو إلى من يقوم مقامه في القبض كان رداً صحيحاً، وإن ردها إلى زوجته أو جاريته لم يكن رداً صحيحاً، وإن كانت دابة فردها إلى اصطبلها لا يكون رداً صحيحاً ويلزمه الضمان، وقال أبو حنيفة: القياس أن لا يبرأ والاستحسان أن يبرأ ويكون رداً صحيحاً لجريان العادة به وهذا غلط لأنه لم يردها إلى صاحبها ولا إلى من يقوم مقامه فلا يكون رداً صحيحاً كما لو ردها إلى زوجته، وكما لو رد المغصوب إلى بيت مالكه أو رد السارق المسروق إلى الحرز لا يبرأ بالإجماع.
فرع آخر لو حمل السيل حباً لرجل أو النوى فأدخله أرض غيره فنبت منه الزرع أو الشجر

الجزء: 6 - الصفحة: 394

فالزرع والشجر لصاحب الحب والنوى دون صاحب الأرض وقد نبت في أرض غيره بغير تفريط منه فلا أجرة عليه، وكذلك لو أطارت الريح إلى دار غيره طعاماً له فامتلأت به لا أجرة عليه، ثم لصاحب الزرع والشجر تحويله عن الأرض فإن اختار الاستبقاء فيها نظر، فإن رضي صاحب الأرض فلا كلام وإن أبى هل يجبر على قلعه؟ فيه وجهان أحدهما: لا يجبر لأن مالكه غير متعد ولكن يلزمه بدل [4/ب] الأجرة، ومن أصحابنا من قال: على هذا الوجه هو كالمستعير لا تلزمه الأجرة وهو ضعيف، والثاني: يجبر لأنه نبت في أرضه بغير اختياره كما لو دخل غصن شجرة في هواء دار غيره يلزمه تحويل الغصن عن ملكه كذلك ها هنا وهذا هو المذهب الصحيح.
فرع آخر إذا قلع في هذه المسألة يلزمه تسوية الحفر لأنه أدخل النقص في ملك غيره لاستصلاح ملكه.
فرع آخر لو أعاره حائطاً ليضع عليه جذعاً فله أن يرجع في العارية قبل وضعه لأنه لا ضرر عليه في ذلك، وإن أراد الرجوع بعد الوضع والبناء عليه لا يصح الرجوع ولا يجبر على قلعه لأن العرف فيه التأبيد، فإن قيل: العارية جائزة فكيف تجعلونها لازمة ها هنا؟ قلنا: من أصحابنا من قال: العارية ضربان جائزة ولازمة وهذه عارية لازمة وهذا لا يصح بل العواري كلها جائزة وإنما لا يمكن الرجوع ها هنا لإلحاق الضرر بالمستعير كما لو أعار سفينة فطرح المستعير فيها طعاماً فطالبه المعير بالرد وهي في لجة البحر لم يكن له لا لكون العارية لازمة بل لما ذكرنا من علة الضرر كذلك ها هنا.
فرع آخر لو رجع ها هنا في العارية وقلنا: لا يطالب بالقلع هل يستحق عليه الأجرة بعد الرجوع؟ فيه وجهان أحدهما: يستحق كما يستحق أجرة أرضه بعد الغرس إذا غرسها بإذنه ورجع في العارية وعلى هذا لو امتنع من بذلها أخذ بقلعها، والثاني: وهو الأصح لا أجرة له والفرق بين هذه المسألة وبين مسألة الأرض أن الحائط قد يصل مالكه إلى منافعه، وإن كانت الأجذاع موضوعة فيه ولا يصل إلى منافع الأرض مع بقاء الغراس والبناء فيها مع أن العرف لم يجر بإجارة الحائط وجرى بإجارة الأرض.
فرع آخر لو أراد المعير أن يعطيه قيمة الجذوع كلها أو قيمة أطرافها التي في ملكه أو يطالبه بالنقص وعليه ما نقص لم يكن ذلك له، لأن بعضها في ملك المستعير ويفارق إذا غرس شجراً في أرضه بإذنه ثم رجع صاحب الأرض له دفع قيمته لأن كلها في ملك الغير.

الجزء: 6 - الصفحة: 395

فرع آخر [5/أ] لو تلفت الأجذاع ثم أراد أن يعيد مثلها على الحائط لم يجز إلا بإذن جديد لأن الإذن تناول الأول دون غيره، وهكذا لو انكسر الجذع وأراد أن يطرح مكانه جذعاً آخر، وفيه وجه آخر له إعارته لأن هذه الإعارة اقتضت التأبيد ولو سقط الحائط قد ذكرنا فيما قبل أنه إن أعاره بغير الآلة الأولى لم يكن للمستعير إعادة خشبه عليه، وإن أعاره تلك الآلة بعينها فيه وجهان والصحيح أنه ليس له ذلك لأن هذا الحائط غير الأول، ألا ترى أنه لو أوصى له بحائط فانهدم قبل موته وبناه ثانياً لم تصح الوصية في الثاني، وقيل: لا فرق بين أن يعداه بتلك الآلة أو بغيرها فيه وجهان وعلى هذا لو أعاره بقعة تغرس فيها غراساً فانقلع الغراس أو قلعه هل له إعادة مثله؟ وجهان.
فرع آخر لو أعاره جذعاً ليسمك به حائطاً ليس له بعد السمك أن يرجع فيه ما كان الحائط قائماً وكان الجذع صحيحاً لأنه يخاف السقوط وهل له المطالبة بعد الرجوع بأجرته؟ وجهان على ما ذكرنا.
فرع آخر لو أعار أرضاً لدفن ميت فدفن لزم، ولو أوصى الميت بنقله منها منعوا منه لأن فيه انتهاك حرمته وليس لصاحب الأرض المطالبة بالأجرة بعد الرجوع في العارية وجهاً واحداً لأن الميت زائل الملك والأولياء لا يلزمهم ولو نبشه السبع حتى ظهر يلزم أن يعاد إلى قبره جبراً لأنه قد صار حقاً للميت مؤبداً.
فرع آخر إذا دفن في أرضه ميتاً بإذنه ليس لصاحب الأرض أن يتصرف على ظاهر القبر من أرضه، ولو أراد أن يدفن فيه ميتاً آخر لم يجز إلا أن يتجاوز مكان لحد.
فيجوز، وإن كان مقارباً.
فرع آخر لو مات المستعير يلزم الوارث أن يبادر بردها على المعير طلب أو لم يطلب علم بموته أو لم يعلم لأن رد العارية واجب بخلاف ما لو مات المودع لا يلزم وارثه ردها لأن ردها لا يجب وإنما يجب التمكين فقط.
فرع آخر لو لم يقدر وارث المستعير على الرد حتى هلكت ضمن في تركة المستعير [5/ب] ولو كان مع القدرة على ردها فهي مضمونة على ورثة المستعير مع الأجرة، وكذلك لو جن المستعير يلزم الولي أن يبادر بردها على المعير.

الجزء: 6 - الصفحة: 396

فرع آخر لو باع العارية وردها غير ممكن كالأرض إذا غرست فالبيع باطل لأن مدة بقاء الغرس فيها مجهولة واسترجاعها غير ممكن إلا ببذل قيمة الغراس وأرش النقص وذلك غير واجب على المعير ولا على المشتري، وفيه وجه آخر أنه يصح البيع ويؤخذ المستعير بقلع الغراس ويجبر البائع المعير على بذل نقص الغرس لأنه من حقوق التسليم كما يجبر على مؤونة التسليم.
فرع آخر لو بطلت العارية بالشرط الفاسد وتصرف فيها هل يلزمه أجرة المنفعة؟ وجهان أحدهما: يضمن لأن فسادها رافع لحكمها، والثاني: لا يضمن لأن كل عقد فسد فحكمه في وجوب الضمان وسقوطه حكم الصحيح منه كفاسد القرض وصحيحه.
فرع آخر لو استعار شيئاً له أن يستوفي منفعته بنفسه وبوكيله، ولو أراد إجارته لم يجز وجهاً واحداً لأنه لم يملك المنافع فلا يجوز أن يملكها، ولأن العارية غير لازمة والإجازة لازمة فلا يجوز أن يترتب اللازم على غير اللازم، وإن أراد إعارته فيه وجهان أحدهما: لا يجوز وهو المذهب وبه قال أحمد لأن العارية إباحة المنفعة له فلا يجوز أن يبيح للغير كما لو أبيح له طعام لا يجوز له أن يبيح لغيره، والثاني: يجوز له ذلك وبه قال أبو حنيفة لأنه مثل ما ملك فصار كالمستأجر يؤاجر ما استأجره.
فرع آخر لو أعار المستعير العارية من رجل بإذن المعير جاز ثم نظر، فإن لم يسمه فالمستعير الأول على عاريته وهو المعير لها من الثاني وضمانها باق عليه وله الرجوع فيها إن شاء، ولو ردها إلى المستعير الأول يبرأ، وإن سماه المعير برئ المستعير الأول من ضمانها، ولو ردها المستعير الثاني على المستعير الأول لا يبرأ.
فرع آخر يجوز إعارة كل ما يجوز إجارته وما لا يجوز [6/أ] إجارته لا يجوز إعارته إلا الفحل للنزو ويجوز إعارته، ولا يجوز إجارته وتجوز إعارة الدراهم والدنانير، وإن كان في جواز إجارتها وجهان لأن حكم العارية أوسع بدليل أنه يجوز أن يستعير ما يرهنه، ولا يجوز أن يستأجر ما يرهنه ويجوز إعادة الكلب للصيد وجهاً واحداً، وإن كان في إجارته وجهان ويجوز إعارة النخل لربط السفن والبهائم، وإن كان في إجارتها وجهان.
فرع آخر يجوز إعارة الإبل والبقر والخيل والبغل والأحرار والعبيد ويجوز للرجل أن يعير ولده الصغير ليخدم من يتعلم منه، وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استعار من أبي طلحة فرساً فركبه.

الجزء: 6 - الصفحة: 397

فرع آخر لا يجوز إعارة الشاة، ولكن يجوز أن يمنح قال الشافعي: والمنحة أن يدفع الرجل ناقته أو شاته إلى رجل ليحلبها ثم يردها فيكون اللبن ممنوحاً ولا ينتفع منها بغير اللبن، وقد روى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قال: "المنحة أفضل الصدقة تغدو بإناء وتروح بآخر" 7، وقال القاضي الطبري: أطلق أصحابنا أنه لا يجوز إعارة الشاة وعندي يجوز ولا ينبغي أن يكون فيها اختلاف ثم فسر بما ذكرنا من المنحة والأولى ما قاله أصحابنا لأن إباحة اللبن لا تسمى عارية.
فرع آخر لا يجوز استعارة الجواري للخدمة في الجملة، وهل يكره؟ فإن كان المستعير امرأة أو محرماً لها لا يكره، وإن لم يكن محرماً لها فإن كانت موسومة بالجمال يكره أن يخلو بها في الاستخدام خوفاً من غلبة الشهوة، وإن كانت ممن لا يشتهى لكبرها أو وحشتها لم يكره لأنه يؤمن عليها، ومن أصحابنا من قال: إذا كانت شابة يخاف منه عليها لا تجوز الإعارة منه وتحرم وهذه الكراهة كراهية تحريم وقيل: يكره مطلقاً من غير فرق بين الشابة والكبيرة لئلا يخلو الرجل بالمرأة فيدخل الشيطان بينهما.
فرع آخر لا يجوز إعارتها للاستمتاع بحالٍ، فإن أعارها للخدمة فوطئ المستعير فإن كان جاهلاً بالتحريم [6/ب] لا يلزمه الحد ويلزمه المهر ويلحق به النسب والولد حر وعليه قيمته لسيدها، وإن كان عالماً بالتحريم فهو زناً، وهكذا لو أعارها للاستمتاع ووطئها، وقال داود: لا يلزمه الحد وهذا غلط لأنه حرام محض لا شبهة فيه.
فرع آخر يكره أن يعير العبد لخدمة ولاه لأنه يكره للإنسان أن يستخدم أباه أو أمه، ولو أعار منه صحت العارية، وإن أراد أن يستعيره ليرفهه ولا يستخدمه لا يكره بل يستحب ذلك، وكذلك حكم الأجداد والجدات ولا يعتق عليه بالعارية بحال لأنه لا يملك بها رقبة المال.
فرع آخر لو استعار رجلاً من حلال من محرم صيدا فقتله أو تلف في يده نظر، فإن كان المحرم اصطاده في حال إحرامه لم يجب على المستعير شيء ويجب على المعير الجزاء، وإن كان اصطاده قبل إحرامه فإن قلنا: يزول ملكه بالإحرام فالحكم ما ذكرنا ولا يجوز إعارته، وإن قلنا: لا يزول ملكه عنه فعليه قيمته لصاحبه ولا جزاء على الحلال ولا على المحرم لأن المحرم على هذا القول لم يمنع من إمساكه وإنما منع من إتلافه ولم يتلفه.
ويجوز إعارته منه فلم يلزمه الجزاء وهذه العارية تتصور في حمار

الجزء: 6 - الصفحة: 398

الوحش أو بقر الوحش ونحو ذلك، ولو استعار محرم من حلال صيداً فتلف في يده يلزمه الجزاء لله تعالى والقيمة لصاحبه ولا تجوز هذه العارية.
فرع آخر لو استعار دابة ليركبها إلى موضع بعينه فجاوز ذلك الموضع فإنه قبل أن يجاوز بها ذلك الموضع هي في يده عارية لا تلزمه غرامة النقصان إن حصل بالاستعمال ولا يلزمه أجر مثلها، وإن تلفت يضمنها ضمان العارية.
وأما بعد مجاوزة ذلك الموضع فهو متعد فيها وحكمه حكم الغاصب من وقت المجاوزة، فإن ردها إلى ذلك الموضع الذي جاوزه لا يبرأ من الضمان، وكذلك لو استأجرها إلى موضع فجاوز ذلك الموضع [7/أ] ثم ردها إليه لا يبرأ من الضمان ووافقنا أبو حنيفة في هاتين المسألتين أنه لا يبرأ عن الضمان بالرد إلى ذلك الموضع وإن خالفنا في الوديعة وقال: إذا ردها إلى مكانها بعد التعدي يزول الضمان.
فرع آخر لو استعار عارية واستعملها مدة لمثلها أجرة ثم بانت مستحقة كان لمالكها أجر مثلها وبدل ما نقص من الأجزاء بالاستعمال وله أن يرجع بذلك على من شاء من الغاصب والمستعير معاً فإن رجع على المستعير به هل يرجع المستعير على المعير بما غرم؟ قولان قال في "الجديد": لا يرجع عليه لأن التلف حصل في يده بغير حق فاستقر الضمان عليه، وقال في القديم وبه قال أحمد: يرجع عليه لأنه غره فإنه دفع إليه على أن لا يضمن الأجرة ولا ما تلف عن الأجزاء باستعماله فاستقر الضمان على المعير، وإن رجع المالك على المعير هل يرجع على المستعير؟ قولان بناءً على القولين في تضمين المستعير فإن قلنا: قرار الضمان على المستعير رجع عليه فإن قلنا: قراره على المعير لا يرجع عليه، وإن تلفت في يد المستعير فالكلام في الأجرة والأجزاء التالفة بالاستعمال على ما ذكرنا، وأما قيمتها فالمستعير دخل على أن ضمانها ضمان العارية وهو قيمتها حال التلف على الصحيح من المذهب وقد وجب ضمان الغصب وهو أكثر ما كانت قيمتها من وقت القبض إلى حالة التلف فإن كانت القيمتان سواء فالضمان مستقر على المستعير قولاً واحداً لأنه دخل على أنها عارية مضمونة، وإن كانت قيمتها غصباً أكثر فتلك الزيادة بمنزلة الأجرة والأجزاء وقد ذكرنا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يتقرر الضمان على المستعير؟ قولان وهو ضعيف غريب.
مسألة 8: قال: "ولو قال رب الدابة أكريتها إلى موضع كذا وكذا، وقال الراكب: بل عارية".
الفصل وهذا كما قال: إذا اختلف صاحب الدابة وراكبها فقال صاحبها: أجرتكها بكذا

الجزء: 6 - الصفحة: 399

وكذا، وقال الراكب: بل أعرتنيها ولا أجرة لك قال الشافعي [7/ب] ها هنا: القول قول الراكب مع يمينه.
وقال في كتاب "المزارعة": وإذا زرع رجل أرض رجل ثم اختلفا فقال الزارع: أعرتنيها، وقال رب الأرض: أكريتكها فالقول قول رب الأرض مع يمينه فاختلف أصحابنا فيه فقال الأكثرون: المسألتان على قولين، ولا فرق بين الدابة وبين الأرض وهو الصحيح، وقد قال الربيع لما نقل هذه المسألة كما نقل المزني وفيه قول آخر إن القول قول المالك وهكذا ذكر المزني في "الجامع الكبير".
ووجه قولنا إن القول قول المالك فيهما وهو اختيار المزني ورواه أصحابنا عن مالك أن المنافع تجري مجرى الأعيان بدليل جواز العقد عليها كجوازه على الأعيان وتضمن بالمسمى في العقد الصحيح وبعوض المثل في العقد الفاسد، ولو اختلفا في العين فقال: أذنت لي في إتلافه أو تناوله أو وهبت مني وأنكر المالك فالقول قول المالك كذلك ها هنا، ولأنهما لو اختلفا في أمل الإذن كان القول قول المالك فكذلك إذا اختلفا في وصف الإذن ووجه قولنا القول قول الآخذ وبه قال أبو حنيفة إن الأصل براءة الذمة عما يدعي عليه من الكراء وقد تصادقا على أن الاستعمال صدر عن الإذن والأول أصح، فإذا قلنا: القول قول الآخذ حلف أنه ما استأجره ويسقط عنه ما يدعيه من الأجرة ويرد الدابة على صاحبها، فإن لم يحلف ونكل رددنا اليمين على المالك فيحلف ويستحق المسمى قولاً واحداً لأن اليمين مع النكول إما أن تكون بمنزلة البينة أو الإقرار وأيهما كان يثبت به المسمى وإذا قلنا: القول قول المالك حلف وله الأجرة، وهل تجب الأجرة المسماة أو أجرة المثل؟ فيه وجهان: أحدهما: يجب المسمى لأنه جعل القول قوله وحلف عليه والثاني وهو الأصح وقيل: نص عليه في "الأم" تجب أجرة المثل لأنهما لو اتفقا على الإجارة واختلفا في الأجرة لا يقبل فيه قول المؤجر فلأن لا يقبل قوله فيه مع اختلافهما في أصل الإجارة أولى.
[8/أ] ويخالف هذا إذا حلف مع نكول الآخر لما ذكرنا أن يمينه مع نكوله تجري مجرى البينة أو الإقرار، ومن أصحابنا من قال في مسألة النكول: هل يستحق المسمى أو أجر المثل؟ وجهان أيضاً وهذا غلط والفرق ظاهر وعلى هذا القول إن لم يحلف المالك لا ترد اليمين على الآخذ لأنه لا يدعي شيئاً والأجرة ساقطة عنه بنكول المالك وصار هذا بمنزلة المدعي إذا رأت عليه اليمين فلم يحلف لا ترد اليمين ثانياً على المدعى عليه.
ومن أصحابنا من غلط ها هنا وقال: إنه يحلف عند نكوله وليس بشيء هذا إذا كانت الدابة باقية، فإن كانت الدابة تلفت في يد الآخذ لا يخلو إما أن تتلف عقيب الدفع أو بعد مضي مدة تجب لمثلها أجرة فإن تلفت عقيب الدمع لا معنى للأحلاف لأن صاحبها يدعي الإجارة وقد انفسخت بتلفها ولكن صاحب الدابة يقول: تلفت في يدك بإجارة فلا ضمان عليك، وقال الآخذ تلفت في يدي بالعارية فعلي ضمان القيمة فهو يقر بالقيمة لمن لا يدعيها فيسقط حكم إقراره ولا شيء عليه، وإن كانت قد مضت مدة

الجزء: 6 - الصفحة: 400

لمثلها أجرة ثم تلفت فصاحب الدابة يدعي عليه الأجرة ولا يدعي القيمة، والآخذ ينكر الأجرة ويقر بالقيمة فإن كانت الأجرة التي يدعيها أكثر من قيمة الدابة فالمالك يدعي فضل الأجرة والآخذ ينكرها فيكون الحكم فيه كما لو كانت العين قائمة وقد ذكرنا حكمها، وإن كانت الأجرة وفق القيمة فالمالك يدَّعيها أجرةً والآخذ ينكرها والآخذ يقر قيمة والمالك لا يدَّعيها فما الذي يصنع بها؟ فيه وجهان: أحدهما: يأخذها الحاكم من الآخذ ويدفع إلى المالك وتنقطع الخصومة بينهما لأنه ادعى عليه حقاً وقد أقر له بقدره فلم إليه ولا يعتبر اختلاف جهة الدعوى والإقرار.
والثاني: لا يؤخذ منه شيء لأنه أقر له قيمة تجب بالتلف وهو لا يدعيها فلا يمكن دفعها إليه والحق الذي ادعاه هو أجرة المدة والآخذ لم يقر به فلا يلزمه تسليمه فعلى هذا هما على الخصومة فالقول قول من على ما ذكرنا من القولين وعلى هذا إذا كانت الأجرة التي يدعيها أكثر [8 / ب] من قيمتها ففي قدر قيمتها هل يؤخذ منه أم لا؟ وجهان أحدهما: ما ذكرنا والحكم في الزيادة على القولين، وإن كانت العين قائمة والاختلاف كان عقيب العقد فالقول قول الآخذ مع يمينه وترد الدابة والأرض إلى المالك ولا يتصور الكلام في الأجرة ولا في القيمة، ومن أصحابنا من قال: المسألتان على ظاهر النصين ففي الدابة القول قول الراكب وفي الأرض القول قول رب الأرض، والفرق أن العادة جرت بإعارة الدواب ولم تجر بإعارة الأرض للزراعة فالعادة تشهد لرب الأرض فجعلنا القول قوله وتشهد ها هنا للراكب فكان القول قوله وهذا غلط لأن الشافعي لا يعتبر العادات في الدعاوى ولهذا لا يقدم دعوى العطار مع الدباغ في دعوى العطر.
فرع لو كانت المسألة بالضد من هذا فقال ربها: أعرتكها، وقال الراكب: أجرتنيها لا يخلو من أحد أمرين إما أن تكون قائمة أو تالفة فإن كانت قائمةً فإن اختلفا عقيب القبض فالمالك يدعي الإعارة والقابض يدعي الإجارة والمالك ينكرها فالقول قول المالك مع يمينه فيحلف ويأخذ الدابة وإن اختلفا بعد انقضاء مدة الإجارة مثل أن يقول: أعرتكها في هذه السنة، وقال الآخذ: بل أجرتنيها سنةً بمائةٍ وقد مضت فالقابض يعترف له بأجرةٍ لا يدعيها فلا يلزمه تسليمها ويأخذ المالك دابته وينصرف، وإن اختلفا بعد مضيّ نصف المدة فالقابض يعترف له باستقرار خمسين من الأجرة والمالك لا يدعيها فلا يلزمه تسليمها، والقابض يدعي أن له في الدابة بقية الإجارة تمام المدة فيكون القول قول المالك مع يمينه ويأخذ الدابة، وإن كانت تالفة لا يخلو إما أن يكون التلف عقيب القبض أو بعد مدةٍ، فإن كان عقيب القبض فالمالك يدعي عليه قيمتها لأنها عارية والقابض يدعي أمانة بعقد إجارة فالقول قول المالك قولاً واحداً وعليه قيمة الدابة لأنهما اتفقا على أن الملك له، واختلفا في جهة سقوط بدله فالقول قول المالك ويخالف الأجرة في المسألة قبلها في أحد القولين لأن هناك على حدوث المنافع (9/أ) في ملك المدفوع إليه وادعى المالك عوضاً عليه في مقابلتها فلم يقبل قوله، وان كان التلف

الجزء: 6 - الصفحة: 401

مضي مدة لمثلها أجرة فالقابض يعترف بالأجرة والمالك لا يدعيها والمالك يدعي القيمة والقابض لا يعترف بها فإن كانت القيمة أكثر من الأجرة فالقول قول المالك فيما زاد على الأجرة مع يمينه ويستحق وفي القدر الذي هو وفق الأجرة وجهان أحدهما: يسلم الحاكم منه بلا يمين، والثاني: لا يدفع إليه إلا بيمين لأنه لا يدعيها أجرة وإنما يدعيها قيمة فلا يدفع إلا بعد أن يحلف أنه أعارها منه ثم يأخذ القيمة بالتمام.
مسألة 9: قال: "ولو قالَ: آعرتنيهَا، وقال ربُّها: بل غصبتنيهَا".
الفصل وهذا كما قال: إذا كانت لرجل دابة فوجدت في يد رجل فقال صاحبها: غصبتنيها، وقال من في يده: بل أعرتنيها لا يخلو إما أن يكون الاختلاف عقيب الدفع أو بعد مدة فإذا كان عقيب الدفع أو بعد مدة أخذ المالك دابته بلا يمين لأنه يقول: دابتي في يده غصباً وهو يقول: بل عارية فله أخذ دابته لأن الرجوع في العارية يجوز ورد المغصوب واجب فإن كان هذا بعد مضيّ مدة لملها أجرة فالمالك يدعي أجرة المثل لأن القبض عن غصب والقابض ينكر لأن القبض عارية نص الشافعي في الإقرار والمواهب على أن القول قول المستعير، واختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: الحكم فيه كما لو قال: أجرتكها وقال: بل أعرتنيها وقد ذكرنا فيه طريقين، ومن أصحابنا من قال: ها هنا قول واحد القول قول المالك والذي قاله في الإقرار والمواهب ونقله المزني قول مرجوع عنه لأن الربيع قال: رجع الشافعي عن قبول قول المستعير وجعل القول قول ربّ الدابة مع يمينه وعلى الراكب كرا مثلها حكاه أبو حامد في الجامع، والفرق بين هذه المسألة والتي قبلها أن هاهنا لم ينقضا على أنه ركبها بإذن مالكها والأصل عدم الإذن وهناك اتفقا على أنه ركبها بإذنه ثم ادعى عليه العوض فكان حدّ ماله مثل أن يجتمع عليه البينة في ذلك في أحد القولين، أو نقول: في تلك المسألة اتفقا على حدوث المانع ني ملك المنتفع وصاحبها يدعي العوض فلم يقبل [9/ب] قوله في العوض، وهاهنا اختلفا ني ملكه والأمل أن المانع للمالك فلا يقبل قول المنتفع إلا بحجة، وهذا هو الصحيح.
وتال أبو حامد الاسفراييني: الصحيح الطريقة الأولى، والطريقة الثانية ذكرها أبو إسحاق، وهو يخطئ المزني فيما نقله، والشافعي نص عليه في "لأم"، والعلة تدل على هذا أيضاً، لأن في المسألة الأولى جعلنا القول قول المنتفع؛ لأن العرف والعادة معه، وهو أن الناس يعيرون الدابة في العادة، وهذا المعنى موجود هاهنا، ومدعي الغصب يدعي خلاف ظاهر اليد وهذا لا يصح؛ لأنَّا لم نقل أخطأ المزني، بل نقول رجع الشافعي عنه، وتد أبطلنا اعتبار العادة وبينَّا الفرق بين المسلمين، وإن كانت الدابة تالفة لا يخلو إما أن يكون التلف عقيب القبض أو بعد مدة، فإن كان عقيب القبض أخذ

الجزء: 6 - الصفحة: 402

قيمتها بلا يمين: لأن الراكب يقر له بالقيمة بالإعارة، وهو يدعيها بالغصب والقيمة فيهما سواء، لأنه عقيب القبض، واختلافهما في السبب الموجب للقيمة لا يجري مجرى إقرار أحدهما بالأجرة، ودعوى الآخر القيمة؛ لأن ذلك حقان مختلفان، وهاهنا اتفقا على وجوب القيمة، فإن كان بعد مضي مدة لمثلها أجرة فالكلام في الأجرة على المضي إذا كانت قائمة، وأما القيمة فالمالك يدعي قيمة المغصوب أكثر ما كانت من وقت القبض إلى حين التلف، والمستعير يعترف بقيمة العارية وهي ما يكون يوم التلف، فإن كانت القيمتان سواء أخذها المالك بغير يمين، وإن كانت قيمتها غصباً أكثر أخذ المالك قدرها عارية بلا يمين، وما زاد على قيمة العارية لا يأخذ إلا باليمين؛ لأنه يدعيه والمستعير ينكره.
واختار المزني أن القول قول مالك وهو منصوص في كتاب "المزراعة"، وهو الصحيح على ما ذكرنا واعترض على القول المنصوص هاهنا فقال: "هذا خلاف أصله لأنه من سكن دار غيره كمن تعدى على سلعته فأتلفها، ولو أكل طعام رجل وقال: أكلته بإذنك، فالقول قول المالك كذلك هاهنا "قلنا للمزني إن كان مرادك في هذا الاختيار مسألة الاختلاف في الغصب والعارية فكما رأيت وقد بينا ذلك.
وإن كان [10/أ] مرادك المسألة الأولى فقد ذكرنا فيه الاختلاف وما يمكن أن يجعل فرقأ بين ما أوردت من النظير وبين تلك المسألة.
مسألة 10: قال: "ومن تعدَّى في وديعةٍ ثم ردَّها إلى مّوْضِعِها الذي كانت فيه ضَمِنَ".
الفصل وهذا كما قال، هذه المسألة من كتاب "الوديعة"، وذكرها المزني في هذا الكتاب، وكان الأولى بالمزني أن يذكرها هناك ونحن نستقصي بيانها هناك، ولكنا نشير إلى المذهب هاهنا، فالرجل إذا أودع عند رجل وديعة ثم تعدى فيها بأن كانت ثوباً فأخرجه ليلبسه، أو كانت دابة فأخرجها ليركبها، أو كانت دراهم فأخرجها لينفقها ضمنها فعل ذلك أو لم يفعل، وإذا ضمنها ثم ردها إلى حرزها لم يبرأ من ضمانها إلا أن يردها على صاحبها أو إلى وكيله.
وقال أبو حنيفة ومالك: يسقط الضمان إذا ردها إلى حرزها.
وعند أبي حنيفة إذا أخرجها من الحرز الانتفاع لا تدخل في ضمانه ما لك ينتفع، وزاد أبو حنيفة على مالك فقال: لو أنفق الدراهم أو الدنانير ثم رد مثلها إلى حرزها سقط عنه الضمان.
وخالفه مالك في هذا، وبني هذا على أصله أن المودع الموسر يقترض الوديعة وينفقها ويكون بدلها في ذمته.
وهذا غلط، لأن صاحبها أودعها للحفظ لا للإنفاق ولم يوجد منه الرضا بذلك.
فرع لو قال ربها بعدما ضمنها: أبرأتك من الضمان أو أودعتها ثانياً عندك هل يبرأ

الجزء: 6 - الصفحة: 403

ويخرج من الضمان؟ المذهب أنه يبرأ، نص عليه في "كتاب الرهن" وقال هاهنا: لأنه خرج من الأمانة ولم يحدث له رب المال استئماناً، فدل أنه يبرأ بإحداث الاستئمان.
ومن أصحابنا من قال: لا يبرأ حتى يتلف ثم يبرئه من قيمته؛ لأن الإبراء لا يصح من الأعيان وإنما يصح مما في الذمة، وأراد بالاستئمان الجديد بعد الرد.
فرع أخر لو أذن له المالك في ردها إلى الحرز هل يسقط الضمان به؟ وجهان كالإبراء.
مسأله: قال 11: "ولو أعاره بقعة يبني فيها".
الفصل وهذا كما قال.
إعارة الأرض للبناء والغراس والزرع جائزة: لأن منفعة الأرض تستباح لهذه الوجوه بالإجارة فكذلك بالإعارة، ويجوز [10/ب] أن يطلق ولا يعين المنفعة ويحمل في الانتفاع بها على العادة الجارية في مثلها بخلاف الإجارة، والفرق أن في الإجارة عوضاً ينفي عنه الجهالة ولهذا لزم فيها تقدير المنفعة بخلاف العارية فجازت مع الجهالة ويجوز إطلاق المدة فيها ويجوز تقييدها وإن طال لأنه إذا جاز الإطلاق فالتقييد أولى وهذا لأنها جائزة يمكن الرجوع فيها متى شاء، ثم إن أعارها لهذه الأشياء الثلاثة التي ذكرناها فعلها كلها وأيها شاء، وإن عين واحداً منها فإن أعارها للزرع لا يجوز له أن يغرس، ولا أن يبني ولا أن يزرع زرعاً هو أضر مما عينَّ إن عين نوعا منه وله أن يزرع ما ضرره مثل ضرره أو دونه فإن أعارها لزراعة الحنطة ليس له أن يزرع الدُّخْن وان أعارها للبناء أو الغراس له أن يزرع لأنه أقل ضرراً منهما، وإن أذن له بزرع الدخن له أن يزرع الحنطة لأنها أقل ضرراً، وإن أذن له في البناء أو الغراس هل يجوز له أن يعدل من إلى الآخر وجهان: أحدهما: يجوز له ذلك لأن كل واحد منهما يراد للتأبيد فيكون ضرر أحدهما مثل ضرر الآخر.
والثاني: لا يجوز وهو الصحيح لأن كل واحد منهما يختص بضرر لا يشاركه الآخر فيه فضرر الغراس تحت الأرض أكثر لأن عروقه تنتشر في الأرض وضروه في الظاهر أقل والبناء ضرره في الظاهر أكثر وفي الباطن أقل فإذا صح هذا وكانت الإعارة مطلقة غير مؤقتة كان له ذلك ما لم يرجع فيها، فإن رجع لم يكن له إحداث شيء من ذلك وما أحدثه بعد رجوعه فله مطالبته بقلعه من غير دفع القيمة وحكمه حكم الغاصب في ذلك، وإن أحدثه بعد بإذنه قبل الرجوع لا يخلو إما أن يكون قد شرط القلع أو لم يكن شرط، فإن كان قد شرط يلزمه قلعه متى طالب لأنه على هذا الشرط دخل فإذا قلعه لم يلزمه تسوية الأرض لأن صاحب الأرض حيث شرط القلع علم أنه يحصل بذلك

الجزء: 6 - الصفحة: 404

تخريب الأرض ورضي بذلك الضرر فلم يلزم المستعير إزالة ذلك عنه، وإن لم يكن شرط القلع لا يخلو المستعير من أحد [11/أ] أمرين إما أن يختار القلع أو التبقية فإن اختار القلع كان له ذلك وليس للمعير منعه لأنه عين ماله فإذا قلع هل يلزمه تسوية الأرض من الحفر؟ وجهان: أحدهما: ليس عليه ذلك لأنه لما أذن له في ذلك فقد رضي بالضرر.
والثاني: يلزمه ذلك وهو الصحيح لأن القلع ليس من مقتضى العارية وإنما له قلعه بحق الملك وقد قلع باختياره بعد زوال العارية من غير أن ألجئ إليه، وإن اختار التبقية نظر في المعير فإن مكنه وأقره عليه فلا كلام، وإن منعه من ذلك نظر، فإن اختار أن يعطيه قيمة الغراس والبناء كان له لأن للمعير أن يسترد العارية على وجه لا يضر بالمستعير ويلزم قيمته قائماً ولا يعتبر قيمة الطوب والخشب غير قائم لأن المستعير كان كالبناء والتأليف غير متعدٌ والاعتبار بقيمة البناء يوم يخرجه لا يوم بناه لأن هذا الوقت وقت نقل الملك إليه بالقيمة، وإن كان مكان الغرس زرع فإن كان الزرع مما يقصل في العادة فللمعير الإجبار على قلعه وان عين واحداً منها فإن أعارها للزرع لا يجوز له أن يغرس ولا أن تبنى ولا أن يزرع من غير دفع القيمة، وإن كان مما يترك إلى أن يستحصد يجبر على تركه إلى الحصاد لأن مطلق الإعارة محمول على ما يكون هي العرف فإن قال: أنا أدفع إليه قيمة زرعه قائماً ليكون الزرع لي فيه وجهان: أحدهما: له ذلك كما قلنا في الغراس سواء وهو اختيار القاضي الطبري.
والثاني: ليس له ذلك بل عليه أن يقره في أرضه بأجرة مثله إلى حين حصاده وليس له ذلك من غير الأجرة لأن له وقتاً ينتهي إليه بخلاف البناء والغراس وهكذا لو امتنع المعير من بذل القيمة وامتنع المستعير من قلعه قيل للمستعير: إما أن يقلع أو يعطي الأجرة على ما ذكرنا ولفظ الشافعي ها هنا أنه يقر على ذلك إذا بذل الأجرة بعد الرجوع في العارية ولا يجبر على القلع، ومن أصحابنا من قال: لا يلزم المستعير بذل الأجرة لأن العارية تقتضي الانتفاع من غير ضمان وهذا اختيار المزني فعلى هذا إذا لم تدفع القيمة يترك البناء من غير أجرة، وان أراد المستعير أن يعطي المعير قيمة أرضه ليكون له [11/ب] الأرض مع الغراس لم يكن له لأنها الأصل المتبوع والبناء والغراس يتبعان الأرض ولو طالبه بالقلع فإن ضمن له ما ينقص بالقلع كان له، وإن لم يضمن ذلك لم يكن له بل عليه تمكينه منها، وقال أبو حنيفة ومالك: له مطالبته بالقلع من غير أن يغرم له شيئاً إلا أن تكون العارية مؤقتة فأراد أن يرجع قبل انقضاء الوقت ليس له ذلك ها هنا إلا بالقيمة وهذا غلط لأنه بني في ملك غيره بإذنه فلم يكن له مطالبته بقلعه من غير ضمان كما لو طالبه به قبل انقضاء المدة.
ومن أصحابنا من قال: إذا لم يختر المستعير القلع ولا المعير دفع القيمة وما ينقص بالقلع يباعان جميعاً ويقسم الثمن على قدر قيمتهما فيقال: كم تساوي أرضه وفيها الغراس دون الغراس فيقال: تسعون قلنا: وكم تساوي الغراس في أرض غيره؟ فيقال: عشرة فللمستعير عشر الثمن وللمعير تسعة أعشاره والمذهب الصحيح ما تقدم وهو أنهما

الجزء: 6 - الصفحة: 405

يتركان ويمنع صاحب البناء من الانتفاع بالأرض وصاحب الأرض من الانتفاع بالبناء، فإن أراد أحدهما: دخول الأرض لتعهد ماله نظر، فإن أراد المعير أن يدخلها كان ذلك له، وان كان مستظلاً بغرسه وبنائه وان أراد المستعير دخولها لتعهد بنائه أو غراسه فيه وجهان: أحدهما: ليس له ذلك لأن التطرق ضربٌ من التصرف واستحقاق الترك لا يوجب التصرف فيها بعد الرجوع في العارية.
والثاني: له ذلك وهو المذهب واختاره ابن أبي هريرة ويجبر المعير على تمكينه لأن الإذن بالغرس والبناء إذن به وبمنافعه ولا يجوز أن يمنع من مراعاة ملكه وليس له دخولها من غير حاجة، ولو أراد المستعير بيع غرسه وبنائه فإن باعه من المعير جاز، وإن أراد بيعه من غيره فيه وجهان: أحدهما: يجوز وهو المذهب وليس للمعير أن يأخذ المشتري بالقلع كما لم يكن له أن يأخذ به المستعير وهذا لأنه ملكه وأكثر ما فيه أن غيره يملك إسقاط حقه منه وإزالة ملكه [12/أ] ولا يمنع هذا صحة البيع كما لو اشترى شقصاً مشفوعاً فللمشتري بيعه، وإن كان الشفيع يملك إزالة ملكه عنه، والثاني: لا يجوز لأن المشتري غير مستعير وترك ما اشتراه غير مستديم لأن المعير متى بذل القيمة استحق بها أخذ الغرس أو قلعه وهذان الوجهان من اختلافهم هل يجوز له أن يعير ولأنه ممنوع من دخوله في أحد الوجهين فإذا باعه لا يمكنه تسليمه، وإن كانت العارية مؤقتة فالحكم على ما ذكرنا في المطلقة إذا شرط القلع بعد انقضاء المدة لو لم يشترط.
وقال المزني: إذا انقضت المدة له مطالبته بقلعه من غير قيمة وحكاه الساجي عن الشافعي ذكره القاضي أبو عليّ الزجاجي رحمه الله.
وقال أيضاً: لو وقّت له وقتاً ثم اختلفا فقال رب الأرض: انقضت المدة، وقال الباني: لم تنقض المدة فالقول قول رب الأرض مع يمينه، وهذا غير صحيح لأن البناء حيث يُبنى إنما يبنى للتأبيد وقول المعير: إلى وقت كذا يتردد بين احتمالات منها أن يكون إلى ذلك الوقت بغير أجر المثل ومنها هذا الوقت بأجر المثل ومنها أن يرضى بعد ذلك الوقت بالنقض والنقل ويرضى بنقل الملك إلى رب الأرض على شرط القيمة فلما احتمل لفظه هذه المعاني لم يجبره على القلع ومخالفة عادة التأبيد إلا بأن يكون له حق على رب الأرض، ولو كانت العارية مؤقتة ثم أراد ربّ الأرض إخراجه عنها قبل انقضاء الوقت كان له ولا يستحب ذلك ونعني بالإخراج الإخراج بشرط القيمة على ما ذكرنا.
واعلم أن المزني أخل بالنقل ها هنا لأنه نقل هذا الفصل في العارية المطلقة فقال: وإذا أعاره بقعة يُبنى فيها بناء ثم ألحق العارية المؤقتة بالمطلقة حيث قال: ولو وقت له وقتاً ثم غلط فعطف على المؤقتة العارية المطلقة التي سبق ذكرها في أول الفصل فقال: وكذلك لو أذن له في البناء مطلقاً وهو عن هذا العطف مستغنى لأن أول الفصل كان في العاوية [12/ب] المطلقة.
وبالله التوفيق.

الجزء: 6 - الصفحة: 406

فصول الكتاب · 74 فصل · 44 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بحر المذهب للروياني · 44 صفحة
المقدمةالمقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاةكتاب الجمعةكتاب صلاة الخوفكتاب صلاة العيدينكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب زكاة الفطركتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الصيد والذبائحكتاب الضحاياكتاب الأطعمةكتاب السبق والرميكتاب البيوعكتاب مختصر الرهن من كتابين جديد وقديمكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب الوديعةكتاب قسم الفيء وقسم الغنائمكتاب الصدقاتكتاب العاريةكتاب الغضبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب الشرط في الرقيقكتاب الإجاراتكتاب العطايا والصدقات والحبس والسائبةكتاب المزارعة وكراء الأرضكتاب إحياء المواتكتاب اللقطةكتاب الفرائضكتاب الوصاياكتاب العتقكتاب الولاءكتاب المدبركتاب مختصر المكاتبكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب الأيمانكتاب النذوركتاب أدب القضاءكتاب العددكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب القتلكتاب الدياتكتاب قتال أهل البغيكتاب الحدودكتاب السرقةكتاب قطاع الطريقكتاب الأشربةكتاب السيركتاب الجزيةكتاب القاضي إلى القاضيكتاب الشهاداتكتاب الأقضية واليمين مع الشاهدكتاب القسامةكتاب الشهادات الثانيكتاب الدعوى والبينات
جارٍ التحميل