بحر المذهب للرويانيصفحات 41-80

فإن قيل: لم بدأ بهذا الكتاب دون سائر الكتب؟ قلنا: هذا السؤال محال؛ لأنه ما من كتاب يبدأ به إلا ويتوجه عليه هذا السؤال.
ثم أنه إنما بدأ به لأنه تأمل أحكام الشرع فوجدها قسمين، عبادات ومعاملات، فقدم العبادات لوجوبها على العباد من غيرها، ثم رتب العبادات على ما رتبها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما روى ابن عمر - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بني الإسلام على خمس؛ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلًا".
فكان أول الشرائع ذكرًا في هذا الخبر بعد ذكر الشهادتين هو الصلاة، غير أن الصلاة تفتقر إلى الطهارة لا تصح إلا بها، كما قال صلى الله عليه وسلم: "مفتاح الصلاة الطهور".
فلهذا افتتح بها بالطهارة وعقبها بالصلاة وغيرها من العبادات كما في [19 أ/ 1] الخبر.
فإن قيل: لم قال باب الطهارة ولم يأت فيه بأحكام الطهارة، وهي الوضوء والغسل؟ قيل: إنه بين فيه الماء الذي يتطهر به، والماء الذي لا يتطهر به وهو من حكم الطهارة أيضًا، أو نقول: مراده كتاب الطهارة أو أبوب الطهارة، ويجوز أن يعبر عن الكتاب بالباب، لأن الفقه كله كالكتاب الواحد، وكل نوع منه كتاب وباب منه، ولأن الشافعي ذكر في تصنيفه كتاب الطهارة ثم ذكر باب ما تجزئ به الطهارة، ثم افتتح بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6] الآية ثم قال: والغسل إنما يكون في العادة بالماء هو ما خلقه الله ثم ذكر قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: 48]، وهذا أحسن، ولكن قال المزني: اختصر على ما ذكر أخيرًا.
فإن قيل: لم قال: قال الشافعي: قال الله تعالى والقولين لا يستدلان طريق صحبة التواتر والإجماع؟ قلنا: أراد أن الشافعي أحتج به، ولو لم يذكر الشافعي لظن أن المزني هو المحتج به.
فإذا تقرر هذا، وذكر قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: 48] قوله عليه الصلاة والسلام في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميته" والأصل في طهارة الماء

وتطهيره هذه الآية.
وقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: 11] وأراد بالسماء السحاب، وسمي سماء لسموه وارتفاعه.
والطهور يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: الطاهر لقوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: 21] [19 ب/ 1] يعني طاهرًا.
والثاني: الطاهر في نفسه المطهر لغيره، فهو اسم متعدٍ، وهو المراد به هاهنا لقوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: 11].
والثالث: ماء يتطهر به كالفطور ما يفطر به، والسحور ما يتسحر به.
وقال أبو حنيفة، والأصم، وأبو بكر بن أبي داود: المراد به الطاهر، وهو اسم لازم غير معتد، وفائدة الخلاف أنه لا يجوز التطهير بغير الماء لرفع الحدث ولرفع الخبث عندنا، وعند أبي حنيفة يجوز رفع الخبث بغير الماء، وهذا غلط؛ لأنه لم سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التوضأ بماء البحر، قال: "هو الطهور ماؤه" فنقلوا منه أنه يتطهر به لأنه طاهر، ولأن أهل اللغة يطلقون اسم الطهور على ما يوجد فيه التطهير، يقولون: ماء طهور، وتراب طهور، ولا يقولون خل طهور، ولا زيت طهور.
فدل على ما قلناه.
وقال مالك وأصحاب الظاهر: الطهور هو ما يتكرر منه الطهر، حتى لا يحكم لكما بالاستعمال، كما يقال: صبور شكور أي يتكرر منه الصبر والشكر.
وأما الخبر الذي ذكره هو مختصر مما رواه الشافعي بإسناده عن أبي هريرة: أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن نركب أرماثًا لنا في البحر، ونحمل معنا القليل من الماء لشفاهنا، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال النبي [20 أ/ 1] صلى الله عليه وسلم "هو الطهور ماؤه الحل مييته" والأرماث: هي خشب يضم بعضها إلى بعض ويركب عليها في البحر.
وفي رواية: "إن العركي قال: يا رسول الله، إنا نركب" والعركي: هو الصياد.
وقال الشافعي: "هذا الحديث هو نصف علم الطهارة".
فإن قيل: لو قال نعم كفاه، فما الفائدة في تطويل الكلام؟ قيل: لأنهم سألوه عن حال الضرورة، فلو قال: نعم لم يستفيدوا من ذلك حكمه في حال الرفاهية، فأخبر أنه طهور بكل حالٍ.
فإن قيل: وكيف أجاب عن الميتة ولم يسئل عنها؟ قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ناصب الشرع، فله أن يبتدئ البيان من غير سؤال، غير أنه لما رآهم يجهلون أمر الماء مع الآية الظاهرة عرف أنهم... بطهارة ميتة وحلها مع قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: 3]، أجهل، فأجاب عما سألوا، وعما عرف أنهم يجهلونه، وهذا كما روي أن أعرابيًا أساء الصلاة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "توضأ كما أمرك الله"؟ ثم علمه

الصلاة، لأنه لما رآه بجهل أمر الصلاة مع أنها تقام ظاهرة يرى بعضهم صلاة بعض، عرف أنه الوضوء مع أن الناس يفعلونه في بيوتهم وخلواتهم أجهل.
مسألة: قال "فَكُلُّ ماءٍ مِنْ بَحْرٍ عَذْبٍ أّوْ مَالِحٍ".
الفصل وهذا كما قال، نقل المزني ثلاثة أقسام من المياه: الأول: ما يجوز التطهر به من غير كراهية.
والثاني: ما يكره التطهر به من حيث الطب، وهو ماء الشمس، والثالث: ما لا يجوز التطهر [20 ب/ 1] به وهو إذا خالطه ماء يغلبه، وبدأ في القسم الأول بماء البحر، فيجوز التوضأ به عند جمهور العلماء، وروي عن ابن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - أنهما منعا الوضوء به، وقالا: التيمم أحب إلينا منه.
وروي أن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال لما سئل عنه: بحر ثم نار ثم بحر ثم نار، فذكر سبعة ماء بحر وسبعة أنوار.
وقال سعيد بن المسيب: إن كان واجدًا لماء آخر لم يجز التوضأ به، وإن كان عادمًا جاز، وهذا غلط للآية التي ذكرناها.
وماء البحر هو ما نزل من السماء أيام نوح صلى الله عليه وسلم، والخبر الذي ذكرناه.
وروى أبو هريرة -رضي الله عنه -أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من لم يطهره البحر فلا طهره الله".
وروى: "من لم يطهره ماء البحر".
وأما ما ذكره ابن عمر وعبد الله بن عمرو فلا معنى تحته، وقد قال القفال: أجمعت الأمة على جواز التوضأ.
فتأويلي ما روي عنهما أن المسافر المحوجة إلى التيمم هي أحب إلينا من ركوب البحر، ولم يصح عنهما المنع من التوضأ به وقيل: إنهما قالا: يكره ذلك، وعندنا لا يكره ذلك.
وأما اللفظ الآخر: أراد من ركب البحر أعان على نفسه، وأراد به بحور جهنم، وأن بحور الدنيا تصير يوم القيامة نيرانًا، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: 6] أي ستسجر وتجعل نيرانًا.
فإذا تقرر هذا، قال: "عَذْبٍ أَوْ مَالِحٍ" وهذا صحيح يجوز التوضأ بهما لقوله تعالى: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [فاطر: 12] [21 أ/ 1] وقال ابن عباس - رضي الله عنه - في تفسيره: هما بحران يتوضأ بأيهما شئت.
يعني بالعذب أو المالح، ولأنهما صفتان خلقت الماء عليهما فلا يضر التطهر.
فإن قيل: قوله: "مالح" خطأ؛ لأنه يقال: ماء مالح ولا يقال مالح إلا لما خرج الملح فيه، ولذلك لا يجوز التوضيء به، وقيل: قوله: "مالح" جائز في اللغة، قال عمر بن أبي ربيعة:

وَلَوْ تَفَلَتْ فِي الْبَحْرِ مَالحٌ... لأَصْبَحَ مَاءُ الْبَحْرِ مِنْ رِيقَهَا عَذْبَا ثم قال: "أو بئر" وهذا لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم "توضأ من بئر بضاعة"، ثم قال: "أو سماء" وأراد به ماء المطر، وسمي سماء لأنه يمطر من السماء وهو السحاب ثم قال: "أَوْ بَرَدٍ أَوْ ثَلْجٍ" قيل: فيه خلل؛ لأن الشافعي قال: "أَوْ ثَلْجِ أُذِيب"، ونقل المزني ذلك، وهذا لا يصح؛ لأن هذا معطوف على قوله: "فَكُلَّ مَاءٍ مِنْ بَرَدٍ أَوْ ثَلْجٍ".
فإذا تقرر هذا، فلا شك في جواز التوضئ بالماء الذائب منها، لأنه ماء منعقد في الحقيقة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: "اللهم اغسلني بالثلج والبرد".
فرع لو أخذ الثلج أو البرد وأمره على وجهه على هيئته، فإن كان الهواء حرًا يذوب ويسيل عليه جاز، وأن لا يجري عليه لا يجوز.
وقال الأوزاعي: يجوز، وهذا غلط؛ لأنه مأمور بالغسل وهذا ليس بغسل، ولو مسح به رأسه جاز لأنه يذوب منه شيء بحرارة الرأس وإن قل، يكفي ذلك.
فرع آخر لو كان الثلج في إمراره على الأعضاء يذوب [21 ب/ 1] عليها، ثم يجري ماؤه عليها، ففيه وجهان: أحدها: يجوز والثاني: لا يجوز؛ لأنه بعد ملاقاة الأعضاء يصير جاريًا، والأول أظهر عندي.
فرع آخر الماء الذي ينعقد منه الملح لجوهر في الماء دون التربة، كأعين الملح الذي ينبع ماء مائعًا ويصير لجوهره ملحًا جامدًا.
قال جمهور أصحابنا، وهو المذهب: يجوز التوضئ به؛ لأنه ماء حقيقة، ولا يضر جموده كما يقول في الجليد والبرد.
وقال بعض أصحابنا، وهو اختيار الإمام أبي سهل الصعلوكي: لا يجوز التوضأ به؛ لأنه جنس آخر غير الماء كالنفط والقير، ولأنه يخالف طبعه طبع الماء، فإن الماء يتجمد في الشتاء ويذوب في الصيف، وهذا الماء يتجمد في الصيف.
ثم قال: "مُسَخَّنٍ وَغَيْرِ مُسَخَّنٍ فَسَوَاءٌ".
وهذا صحيح عندنا لا يكره التوضئ بالماء المسخن.
وحكي عن مجاهد أنه قال: يكره ذلك، وهذا غلط؛ لما روى ابن عباس- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل حمامًا بالجحفة وهو محرم.
وروي عن شريك بن عبد الله أنه قال: أجنبت وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجمعت حجارة وسخنت ماء وتغسلت، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فلم ينكر علَّي.

وقال أنس رضي الله عنه: كان يسخن لرسول الله صلى الله عليه وسلم الماء في القمقم ثم يتوضأ به للصلاة.
وروي عن عمر- رضي الله عنه- أنه كان يغتسل بالماء الحميم.
وروي عن زيد بن أسلم، أنه قال: كنا نسخن لعمر بن الخطاب [22 أ/ 1]- رضي الله عنه - الماء في قمقم، وكان يغتسل منه ويتوضأ.
وحكي عن أحمد أنه كان يكره الماء المسخن بالنجاسة؛ لأنه لا يؤمن حصول نجاسة فيه، وهذا غلط؛ لأن وجود النجاسة لا يوجب الكراهة كالماء في الصلاة.
مسألة: قال: "وَلَا أَكْرَهُ المَاَء المُشَمَّسَ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الطّبّ".
الفصل وهذا كما قال ما أخذ المزني بالنقل، لأن لفظ الشافعي: "وَلَا أَكْرَهُ المَاَء المُشَمَّس" وقد كرهه كاره من جهة الطب، فميز بين الفقه والطب، ولفظ المزني: "إِلَّا مِنْ جِهَةِ الطّبّ" يخلط أحدهما بالآخر، فإذا تقرر هذا قال أصحابنا: الماء المشمس هو على ضربين: أحدها: ما قصد بالشمس، فإن لم يقصد كماء المصانع والغدران والأنهار والبحور لا يكدره التوضئ به، لأنه لا يمكن الإحتراز منه، ولا يؤثر فيه الشمس أيضًا لكثرته، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة توضئوا من ماء الحياض بين مكة والمدينة وكان ماؤها مشمسًا وإن قصد بتشميسه في إناء أو نحوه فإنه يكره التوضئ به شرعًا خلافًا لأبي حنيفة وأحمد، فإنهما قالا: لا يكره ذلك، وهذا غلط؛ لما روى مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة- رضي الله عنها- أنها قالت: دخل علَّي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سخنت له ماءًا في الشمس فقال: "لا تفعلي هذا يا حميراء فإنه يورث البرص".
وروى الضحاك عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من اغتسل بماء مشمس فأصابه [22 ب/ 1] وضح فلا يلومن إلا نفسه".
وروى جابر أن عمر بن الخطاب كره ذلك، وقال: إنه يورث البرص.
ومن أصحابنا من قال: لا يكره كما قال أبو حنيفة؛ لأن الشافعي قال: "لَا أَكْرَهُ" ثم

ذكر الطب على وجه الحكاية، والطب المذكور فيه غير صحيح، ومدار الخبر على وهب القرشي وهو ضعيف، وهذا الوجه ضعيف عند أصحابنا.
فإن قيل: كيف يصح هذا الخبر، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا عدوى"؟ قلنا: أراد العدوى من إنسان إلى إنسان، بأن يجالسه أو يخالطه، فأما الضرر المتولد من مأكول أو مشروب، أو استعمال شيء في يده، فليس هو من العدوى.
فرع تأثير الشمس في مياه الأواني تارة يكون بالحر وتارة بزوال برده، والكراهة في الحالين سواء، وإن لم تؤثر الشمس فيه فإنه لا يكره.
فرع آخر لا فرق في الآنيتين أن يقصد بشمسيه أولًا.
قال بعض أصحابنا: المكروه هو ما قصد بشمسيه، وهذا غلط؛ لأنه معنى النهي وهو أنه يورث البرص لا يختص بالقصد وعدمه.
فرع آخر لا فرق فيه بين بلاد تهامة والحجاز وبين سائر البلاد.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا في البلاد الحارة إذا شمس في آنية الصفر فيعلوه شيء مثل الهب فذاك يضر، وفي غيره لا يكره، وهذا غلط لعموم الخبر.
فرع آخر لو حمي بالشمس ثم برد ففيه وجهان: أحدها: أنه يكره لثبوت الحكم فيه قبل البرد [23 أ/ 1].
والثاني: لا يكره؛ لأن معنى الكراهة هو الإبل الحما وقد زال.
وفيه وجه ثالث أنه يدفع فيه إلى عدول الأطباء، فإن قالوا بعد برده أنه يورث البرص يكره كره، وإلا فلا يكره، وهذا لا وجه له؛ لأن الأحكام الشرعية لا تثبت بغير أهل الاجتهاد في الشرعية، ولأن من الأطباء من ينكر أنه يورث البرص، فلا يرجع إلى قولهم فيه.
فرع آخر استعمال الماء المشمس فيما لا يلاقى الجسد من غسل ثوب أو إزالة نجاسة عن أرض لا يكره، ولو استعمله في طعام فإن كان يبقى مائعًا فيه كالمرق يكره، وإن كان لا يبقى مائعًا فيه كالدقيق المعجون به أو الأرز المطبوخ فيه لم يكره.
فرع آخر لو توضأ به جاز مع الكراهة؛ لأن المنع ليس لمعنى في الماء، فهو كما لو توضأ من ماء في إناء ذهب يجوز.
فرع آخر لا يكره الوضوء والغسل بماء زمزم، وقال أحمد في رواية: إنه يكره، واحتج بما روي... قال: سمعت العباس بن عبد المطلب- رضي الله عنه- قائمًا عند زمزم يقول:

لا أحله لمغتسل ولكنه لشارب حل وبل.
وهذا غلط لظاهر الآية، ولأن الناس كلهم يتوضؤون به في الأعصار، ولكونه نابعًا من عين شريفة لا يمنع الوضوء به كعين سُلْوَان.
وأما قول العباس: يحتمل أنه قال لضيق الماء في وقته لعينه وكثرة الشاربين.
فرع آخر قال بعض أصحابنا: يكره التوضؤ بالماء الحار الشديد والبارد المفرد؛ لأنه لا يمكنه إسباغ الوضوء به.
مسألة: قال: "وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ مَاِء وَرْدٍ أَوْ شَجَرٍ".
الفصل [23 ب/ 1] وهذا كما قال: هذا هو القسم الثالث من مسائل الباب وقوله: "وَمَا عَدَا ذَلِكَ" أي وما جاوز ما ذكرنا من القسمين، ثم فسره بقوله: "مِنْ مَاِء وَرْدٍ" يريد به الماء المعتصر من الورد.
وقوله: "أَوْ شَجَرٍ" أراد المعتصر من الشجر، أو ما ينزل عنها إذا قطعت رطبة.
وقوله: "أَوْ عَرَقٍ" قرئ بثلاث قراءات، بفتح العين والراء وبكسر العين وتسكين الراء، وبفتح العين وتسكين الراء.
فأما الأولى: فهو الرشح من الآدمي وغيره من الحيوانات لا يجوز التوضئ به، وقد يحصل من العرق ما يمكن التوضئ به بمكة في البيت الحرام عند اجتماع الناس في الموسم، بحيث لو كان هناك ميزاب يسيل منه، وهذا بعيد عندي.
وأما القراءة الثانية: فهو الماء الذي يسيل من أصل الشجر إذا قطع، وهو في شجر الكرم والجوز، والخلاف في وقت الربيع.
وقيل: هو عرق يكون على جنب البعير، وذلك أن العرب يعطشون البعير ثم يرونه بالماء عند الأسفار الشاسعة التي يخشى فيها إعواز الماء، فإذا ألحقهم العطش يقطعون ذلك العرق فيسيل منه الماء.
وقال بعض أصحابنا: هذا لا يصح؛ لأن الشافعي لم يتعرض للماء النجس في هذا الباب وهذا ماء نجس.
وأما القراءة الثالثة: فهو ماء الكروش، وذلك أن العرب كانت إذا أرادت قطع المفاوز عطشوا الإبل ثم أوردوها الماء، فتحمل الماء في كروشها فإذا عدموا الماء نحروها واعتصروا كروشها وشربوا وهذا أظهر، لأنها [24 أ/ 1] الشجر تقدم ذكره.
والشافعي قال في "الأم": "ولو اكتظ كرشًا فعصره لم يجز التوضئ به".
والاقتظاظ: هو مشتق من غلظ الماء؛ لأن ماء الكرش يكون غليظًا، وذكر المحاملي- رحمه الله- في تصنيفه: أنه لا يجوز التوضئ به وإن كان طاهرًا، وهذا سهو منه؛ لأنه لا شك في نجاسته.

فرع قال بعض أصحابنا بخراسان: كل رشح الحيوان مثل الماء أو غيره من المائعات إذا أغليت فارتفع من غليانها بخارًا وتولد منها رشح، فظاهر لفظ الشافعي يقتضي أنه لا يجوز التطهر به، لأنه يسمى عرقًا، وهذا غير صحيح عندي في الماء؛ لأن الماء إذا غلى فرشحه يكون ماء حقيقة، وينقص منه بقدره، فهو ماء مطلق يجوز التطهر به.
مسألة: قال: "أَوْ مَاِء زَعْفَرَاٍن، أَوْ عُصْفُرٍ، أَوْ نَبِيٍذ، أَوْ مَاِء بُلَّ فِيِه خُبْزٌ".
الفصل إلى آخره، وهذا كما قال، قد تقدم الكلام في النبيذ، والمراد به الماء الذي ينبذ فيه التمر أو الزبيب حتى يتحرى فيه، فإن كان حلوًا غير مسكر فهو طاهر لا يجوز التطهر به.
وقيل: إن تحرى فيه يجوز التطهر به، وإن كان مسكرًا فهو نجس لا يجوز شربه ولا التطهر به أصلًا، ويجب الحد بشربه وبه قال مالك، وأحمد، وأبو يوسف، وهو رواية عن أبي حنيفة إلا في النجاسة والحد وروي عن أبي حنيفة رواية أخرى أنه يتوضأ به ويتيمم معه، وبه قال محمد.
وروي عنه رواية ثالثة وهي الأشهر، أنه [24 ب/ 1] يجوز التوضأ به إذا طبخ واشتد عند عدم الماء في السفر، واحتج بخبر عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- أنه قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن، فقال له: يا عبد الله أمعك ماء؟ فقلت: لا، ولكن معي إداوة فيها نبيذ التمر، فأخذه وتوضأ به، وقال: "تمرة طيبة وماء طهور".
قلنا: رواية مظعون، فإن صح نحمله على الماء الذي نبذ فيه التميرات لسلب ملوحة الماء على عادة العرب، ولم يتغير بعد بدليل أنه قال: "شجرة طيبة وماء طهور".
فأفردهما بالذكر.
فأما الماء الذي بل فيه خبز فإنه أراد به إذا تفتت فيه وتهرى.
فإن قيل: ذلك لا بأس به وإن تغير به أدنى شيء.
وقوله: "حَتَّى يُضَاَف إلى مَا خَالَطَهُ وَخَرَجَ مِنْهُ فَلَا يَجُوُز التَّطَهُّرُ بِهِ" وعلى هذا عامة النسخ.
وفي بعضها: "أَوْ خَرَجَ مِنْهُ" بالألف، ومقتضى الكلام عند حذف الألف أن ماء الورد يجوز الوضوء به ما لم يخالطه زعفران أو غيره، وهذا من مواضع الإشكال، فمعناه حتى يضاف إلى ما خالطه إن كانت الإضافة إلى المخالطة، وحتى يضاف إلى ما خرج منه إن كان الإضافة إلى الأصل الذي يعتصر الماء منه، فتقدير الكلام إثبات الألف وإن لم تكن في عامة النسخ.
فإذا تقرر هذا قال أصحابنا: الماء ضربان؛ مطلق ومضاف.
فالمطلق هو ما استجمع أوصافه الثلاثة اللون، والطعم، والرائحة، يجوز التطهر به.

والمضاف على سبعة أضرب [25 أ/ 1]: مضاف إلى صفة تزايله كالماء السخن ونحوه وقد ذكرناه.
ومضاف إلى صفة لا تزايله كالماء المستعمل فهو طاهر غير طهور.
ومضاف إلى وعائه كالكوز والجرة.
ومضاف إلى قراره كماء البئر والنهر يجوز التطهر به.
ومضاف إلى ما خرج منه كماء الورد لا يجوز التطهر به.
ومضاف إلى ما جاوره من غير مخالطة كماء العود اليابس والعنبر، نص في "الأم" على جواز التوضئ به.
وروى البويطي: وإن ظهرت رائحته، لأنه تغير مجاورة لا مخالطة، فصار كما لو تروح الماء بجيفة على شط نهر فإنه يجوز التوضئ به.
وروى البويطي في مختصره: أنه لا يجوز التوضئ به، فقال: وإذا وقع في الماء الطاهر زعفران ومسك أو عنبر، أو عصفر، أو دهن فغلب لونها أو طعمها أو ريحها لا يتوضأ به.
فقيل: في المسألة قولان، وقيل: المسألة على قول واحد.
وتأويل ما ذكره البويطي إذا اختلط به ومضاف إلى ما خالطه، مثل الزعفران والعصفر والدقيق، فينظر فإن لم يغير له وصفًا فالتطهر به جائز، وإن غير له وصفًا من لون أو طعم أو ريح لا يجوز التطهر به كما في تغير النجاسة، وهو اختيار ابن سريج، وبه قال مالك وأحمد، وإسحاق.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إنما لا يجوز التوضئ به لو أصاب الماء بحال تضاف إليه، فإن تهرى فيه وامتزج، فأما إذا ظهر لونه أو طعمه أو ريحه، ولا يضاف إليه الماء، فإنه يجوز التوضئ [25 ب/ 1] به في المذهب المشهور، وهذا أصح.
وحكي عن الشافعي أنه قال: "يعتبر ذهاب الأوصاف الثلاثة جميعًا، لأن القليل من ماء الورد يغير الرائحة، والقليل من الخل يغير طعم ولا يزيل إطلاق الاسم.
وقيل: أصل المسألة أن الثوب إذا غسل من الخمر فبقي رائحتها هل يبقى حكم؟ قولان.
وقال أبو حنيفة: يجوز التوضئ به بكل حال ما لم يسلب وقته، ووافقنا في ماء الباقلا المغلي أنه لا يجوز التوضئ به فيقيس عليه وحكي عن الزهري أنه قال: الماء الذي بل فيه خبز يجوز التوضئ به سواء غيره أم لم يغيره.
وكان أبو بكر الرازي يقول: إذا وقع فيه زعفران أو عصفر وصار بحيث يصنع به الثوب لا يجوز التوضأ به.
فرع لو طبخ الأرز أو الحمص بالماء، فإن انخَّل في الماء لا يجوز التطهر به، وإن لم ينحل ولا تغير به بالماء، فإنه يجوز التطهر به.
وإن تغير به الماء من غير انحلال أجزائه فيه وجهان: أحدهما: يجوز التطهر به كما لو تغير بلا انحلال من غير طبخ.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه بالطبخ صار مرقًا ذكره في "الحاوي".

فرع لو تغير الماء بالشمع يجوز استعماله كما لو تغير بدهن، ولو تغير بشحم أذيب فيه بالنار، فيه وجهان: أحدها: يجوز استعماله، لأن الشحم دهن.
والثاني: لا يجوز؛ لأن مخالطة الشحم للماء يحوله مرقًا.
قال في "الحاوي": وعلى هذا المني إذا وقع في الماء كان طاهرًا، فلو غير الماء فيه وجهان: أحدها: لا يجوز استعماله [26 أ/ 1] كما لو تغير بمائع غير المني.
والثاني: يجوز استعماله لأنه لا يكاد ينماع في الماء كالدهن، وهذا تفريع بعيد.
فرع آخر إذا وقع الكافور في الماء فتغير به، وهذا لأن الكثير يخالط الماء والقليل لا يخالط بالرائحة رائحة مجاورة.
وقال أبو حامد: هذا لا يصح، والمذهب أنه لا يجوز التطهر به لأن الشافعي قال في "الأم": "ولو صب فيه مسكًا أو ذريرة أو شيئًا ينماع فيه فظهر فيه ريحه لا يتوضأ به" والكافور ينماع فيه، وهو في معنى المسك.
وقيل: الكافور نوعان: نوع فيه دسومة فيتفتت فيه ولا ينماع ويرسب فتاته في الماء، فهذا لا يضر، ونوع ينماع فيه فإن كثر بحيث لو كان له نوع نظم عليه حتى يضاف إليه الماء لا يجوز التوضأ به.
وهو اختيار القفال، والصحيح عندي الأول؛ لأن له رائحة زكية فالقليل تغير الماء الكثير مجاورة، ولهذا قال الشافعي في غسل الميت: "ويجعل في كل ماء قراح كافورًا" فدل أنه لا يضره.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان بناء على ما لو بقي رائحة الخمر في الأرض بعد غسلها، هل تطهر؟ قولان فإن قلنا: لا حكم للرائحة هناك فلا يضر هنا.
فرع آخر إذا وقع في الماء قطرات أو بان، فتغيرت رائحته، قال في "الأم": "لا يمنع التوضأ به" وقال بعده بقليل: "لا يجوز التوضأ به، لأن يخالطه".
قال أصحابنا: ليست المسألة على قولين، وإنما هي على اختلاف حالين، والقطران على ضربين؛ ضرب لا يختلط [26 ب/ 1] بالماء ويقف عليه، وهو نوع منه كالدهن يعلو الماء فلا يمنع التوضأ به؛ لأن به تغير المجاورة.
وضرب يختلط بالماء فيمنع التوضأ به إذا غلبه.
وقال القاضي الطبري: ننحى فيه قول البويطي فيكون فيه قولان.
فرع آخر إذا وقع فيه أوراق الشجر فتغير بها قال الشافعي: "يجوز استعمال به" قال أبو إسحاق: لأنه

تغير بالمجاورة فلا يضره.
وقال غيره: لا، لأنه يمكن حفظ الماء منها.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: لا يضر الماء وهو الأصح.
والثاني: يضره.
والثالث: إن كان خريفيًا لا يضره، وإن كان ربيعيًا فإنه يزيل طهوريته.
والفرق من وجهين: أحدهما: أنه يخرج من الربيعي رطوبة تختلط بالماء بخلاف الخريفي، فإنها يابسة كالخشب.
والثاني: أن الربيعي قلما يتأثر من الشجر فيمكن صون الماء عنه بخلاف الخريفي، ولو تغير بالثمار فإنه يزيلها لطهورته بلا خلاف.
فرع آخر لو كان ورق الشجر مرقوقًا ناعمًا بغير الماء لم يجز استعماله؛ لأنه تغير مخالطة، وقال أبو حامد: يجوز استعماله كما لو كان صحيحًا، وهذا غلط؛ لأن تغيره مجاورة بخلاف هذا.
ذكره صاحب "الحاوي".
فرع آخر إذا تغير الماء بالملح وغلب عليه، لا يجوز التوضأ به؛ لأنه معدن وهذا هو المذهب، وقال بعض أصحابنا: فيه ثلاثة أوجه: أحدها: هذا.
والثاني: لا يزيل الطهورية بحاٍل، وهو اختيار القفال؛ لأن الملح هو [27 أ/ 1] ما في الأصل.
والثالث: وهو اختيار أبي حامد: إن كان ملح حجر يزيل الطهورية، وإن كان ملح جمد مثل أن يرسل الماء في أرض محالة فتصير ملحًا لا يزيل الطهورية، لأن به ماء يتغير بمجاورة الأرض.
فرع آخر لو قال: وقع في الماء ما لا يغيره كماء الورد المنقطع الرائحة، وماء الشجر، وعرق الآدمين، وهذا يبعد لأنه لابد من أن يتفرد عنه بطعم، فإن اتفق ذلك فمن أصحابنا من قال: يعتبر الغالب منها بالكثرة كما في الماء المستعمل، فإن كان الغالب الماء فإنه يجوز التطهر به، وإن كان الماء مغلوبًا فلا يجوز التطهر به.
ومن أصحابنا من قال- وهو اختيار القفال- لا يراعى هذا، بل ينظر فإن خالطه قذر لو كان له رائحة أو لون غلب عليه وصيره مثل نفسه، فإنه يزيل طهوريته وإلا فلا يزيل، وهذا حسن.
فإن قيل: الأشياء تختلف في ذلك فبأيها تعتبر؟ قيل: يعتبر بما هو للأشبه.
فرع آخر لو خالطه التراب أو غيره، فإن صار نجسًا بطبعه فلا يجوز التطهر به وإن كان جاريًا بطبعه ولكن تغير طعمه ولونه يجوز التطهر به؛ لأنه قرار الماء والماء لا ينفك عنه غالبًا.
وقيل: لأنه طهور في نفسه فلا يزيل الطهور به.
والعلة الأولى هي أصح؛ لأنه

لو تغير بالأوراق والطحلب فإنه يجوز التطهر به.
وإن لم يتغير فطهور.
وقال في الحاوي.
فيه قولان: أحدها: لا يجوز، لأنه [27 ب/ 1] مذرور.
وهذا بعيد عندي.
وقال في حرملة: لو كان الماء يجري على حجر الكحل والنورة فتغير صفته منه يجوز التوضئ به؛ لأنه قراره.
ولو أخذ حجر النورة فسحقه وطرحه فيه لا يجوز التوضئ به؛ لأن تغيره بصنعة آدم ويمكن الاحتراز منه وعلى قياس هذا لو جفف أوراق الشجر وسحقه وطرحه في الماء فغيره لا يجوز التوضئ به وقال: لو أخذ ترابًا فطرحه في الماء فكوره لا يمنع التوضئ به؛ لأن هذا لم يغير عن أصل خلقته، وهو يوافق الماء في الطهورية حتى لو غيره عن أصل خلقته.
فإن طبخ الطين ودقه فطرحه في الماء لا يجوز التوضئ به.
وقال شيخنا الإمام ناصر- رحمه الله-: فيه وجهان؛ المنصوص ما ذكرنا، والوجهان غلط، ولو تغير الماء بطول المكث في المكان أو تغير لحيائه يجوز التوطئ به، نص عليه في البويطي و"الأم".
فرع آخر لو كان معه من الماء ما لا يكفيه لطهارته، فكمله بمائع استهلك فيه كماء الورد والعرق، قال صاحب "الإفصاح": لا يجوز التوضئ به؛ لأنه يقطع أنه غسل بعض الأعضاء بغير ماء، وقال الشيخ أبو حامد: غلط فيه؛ لأنه استهلك فيه فسقط حكمه، إلا أنه لو كان معه من الماء وفق الكفاية مرة مرة فصب عليه رطلًا من ماء ورد فاستهلك فيه، فإنه يجوز التوضئ بكله، وإن كنا نقطع بأنه غسل بعض أعضاء الطهارة بغير الماء، ولأن صاحب "الإفصاح" قال: لو خالطه ولم [28 أ/ 1] يغيره فتوضأ به ونفي منه بقدر المائع جاز؛ لأنه لم يتوضأ بغير الماء، وهذا لا يصح؛ لأن الذي استعمله بعضه ماء وبعضه مائع، والذي نفي كذلك.
ولا يجوز أن يكون الذي نفي هو المائع خاصة.
فرع آخر إذا أصاب أسفل الخف نجاسة فدلكه بالأرض، قال في "القديم" إذا لم يبق إلا الأثر الذي لا يخرجه إلا الماء صار معفوًا عنه، ويجوز له أن يصلي معه.
وقال في "الجديد": لا يجزيه إلا أن يغسله، ولا شك أنه لا يطهر بذلك.
وجه الأول وهو قول أبي حنيفة قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أصاب خف أحدكم أذى فليدلكه بالأرض" وروى أبو هريرة- رضي الله عنه- أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "إذا وطئ الرجل بخفه أو نعله نجاسة يطهره بالتراب".
وجه القول الثاني: وهو الصحيح أنه لباس

نجس فلا يزول حكم نجاسته بالدلك كالثوب.
فرع آخر لو أكلت الهرة فارة ثم ولغت في الماء القليل تنجس الماء؛ لأّنا تحققنا نجاسة فمها.
ومن أصحابنا من قال: لا ينجس؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "إنها من الطوافين عليكم والطوافات".
ولأن الاحتراز منه لا يمكن، وهذا خلاف النص، وإن غابت ثم عادت فشربت؟ فيه وجهان: أحدها: ينجس؛ لأن الأصل نجاسة فمها.
والثاني: لا ينجس؛ لجواز أنها وافت في ماء كثبر، فطهر فمها، والأصل طهارة الماء، وهذا إن احتمل ذلك، وقد قال في مختصر البويطي: [28 ب/ 1] لا بأس بفضل الهرة والسباع والدجاج والطيور، إلا أن يكون في مناقير الطيور وأفواه السباع نجاسة، ويكون الماء أقل من خمس قرب فلا يجوز الوضوء به، وهذا يدل على أن سؤرها لا يكره، وعند أبي حنيفة يكره سؤر الهرة وإن لم ينجس، وهذا غلط؛ لما روى داود بن صالح التمار عن أمه، قالت: أرسلتني مولاتي بهريسة إلى عائشة -رضي الله عنها - فوجدتها تصلي، فأشارت إليَّ أن ضيعها، وعندها نسوة، فجاءت هرة فأكلت منها، فلما انصرفت عائشة قالت النساء: كلن وابقين موضع فم الهرة، ثم أكلت عائشة من حيث أكلت الهرة، ثم قالت: إن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: "إنها ليست بنجسة، إنها من الطوافين عليكم".
وقد رأيت رسول الله صلي الله عليه وسلم يتوضأ بفضل الهرة.
فرع آخر كل ما يدفع الحدث لا يجوز إزالة النجاسة به على ما ذكرنا خلافاً لأبي حنيفة.
وبقولنا قال محمد، وأحمد، وإسحاق، ومحمد بن الحسن وروي عن أبي يوسف أنه قال: إن كانت النجاسة على البدن لا تجوز إلا بالماء، وإن كانت على غيره فإنها تجوز بغير الماء، وهذا غلط، لأنه لا فرق في القياس بينهما.
واعلم أن الشافعي عبر في هذا الباب بعبارة التطهر به حولها، ومنعا لأنها عبادة جامعة للوضوء وإزالة النجاسة عن البدن والثوب وغيرهما.

باب الآنية

[29 أ/ 1] مسألة: قال: (ويتوضأ في جلود الميتة إذ دبغت).
وهذا كما قال: وروى في ترجمة هذا الباب: باب في الآنية، وروى باب الآنية وهو الأشهر.
والقصد من هذا الباب بعد ذكر المياه التي يجوز التطهر بها والتي لا يجوز، ذكر الأواني الطاهرة التي يجوز منها التطهر، والتي لا يجوز؛ لأن الغالب من

المياه التي يتطهر بها أنها تكون في الأواني.
وجملته: أن الأواني الطاهرة يجوز التطهر من الماء الذي فيها، ولا يجوز التطهر من الماء الذي في الأواني النجسة، ومن الأواني الطاهرة ما ينهى عن استعمالها مع جواز التطهر من مائها.
فإذا تقرر هذا، فقوله: "ويتوضأ في جلود الميتة إذ دبغت" أراد به ميتة كانت طاهرة في حال الحياة، فنجست بالموت؛ لأن الحوت لا ينجس بالموت ولا يحتاج في جلده إلى الدباغ، والكلب نجس في حال الحياة فلا يؤثر في تطهير جلده الدباغ.
وفيما نقله المزني خلل؛ لأن هذا لفظ عام وعطف عليه الخبر، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "أيما إهاب دبغ فقد طهر".
وهو عام، يدخل تحته السباع وغيرها.
ثم عطف عليه فقال: " وَكَذَلِكَ جُلُودُ مَا لاَ يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنَ السَّبَاعِ".
وهذا لا يحسن، ألا ترى أنه لو قال قائل: جميع الجلود تطهر بالدباغ، وكذلك جلود السباع كان لغوأً، وإنما ذكر الشافعي في أول الباب خبر شاة ميمونة وهو أنه صلي الله عليه وسلم [29 ب/ 1] مر بشاة ميتة لميمونة، وروي لمولاة ميمونة، فقال: "هلا انتفعتم يإهابها؟ " فقيل: إنها ميتة، فقال: "أيما إهاب دبغ فقد طهر".
وروي أنه قال: "أليس في الشب والقرظ ما يطهره".
وروي أنه قال: "إنما حرم عن الميتة أكلها".
ثم عطف عليه، فقال: " وَكَذَلِكَ جُلُودُ مَا لاَ يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنَ السَّبَاعِ " ويحسن عطف العام على الخاص كما فعل الشافعي ولا يحسن عطف الخاص على العام كما فعل المزني.
وقوله: "ويتوضأ في جلود الميتة" ومعناه بالماء الذي في جلود الميتة.
واعلم أن الميتات كلها نجسة إلا خمسة؛ الحوت، والجراد، والصيد إذا مات في يد المعلم من غير عقر في قول، والآدمي في قول، والجنين إذا خرج ميتاً بعد ذكاة أمه.
واختلف الناس في جلود الميتات على سبعة مذاهب: فذهب الشافعي إلى أن جلود الميتات تنجس بالموت كما ينجس لحمها، إلا أنه يطهر بالدباغ جلد كل حيوان كان طاهراً في حياته ظاهراً وباطناً، ويجوز الصلاة معه وعليه، ويجوز استعماله في الأشياء الرطبة واليابسة، وكل حيوان نجس في حال حياته كالكلب والخنزير وما توالد منهما،

أو من أحدهما لا يطهر جلده بالدباغ أصلاً وبه قال علي، وابن مسعود - رضي الله عنهما - وذكر ابن القطان وجهان، الجلد لا ينجس بالموت، وإنما الزهومة فيه تصير نجسة فيؤمر بالدباغ لزوالها كما يغسل من النجاسة، وهذا [30 أ/ 1] ليس بشيء؛ لأن كل جزء تحله الحياة تنجس بالموت.
وأما جلد الآدمي هل ليطهر بالدباغ؟ فيه وجهان.
إذا قلنا إنه ينجس بالموت في أضعف القولين، وقيل: إنه لا يتأتى فيه الدباغ، وقال أبو حنيفة: يظهر جلد الكل بالدباغ إلا جلد الخنزير والإنسان.
ثم منهم من قال: عين الخنزير نجس في حال الحياة كمذهبنا.
ومنهم من قال: عينيه طاهرة كعين الكلب، إلا أن جلده لا يقبل الدباغ؛ لأنه نبت الشعر في جلده من لحمه.
وقال أبو يوسف: يطهر جلد الخنزير أيضاً، وبه قال داود.
وروى هذا عن أبى حنيفة.
وقال مالك: يطهر ظاهر الجلد دون باطنه فيجوز الصلاة عليه ولا يجوز الصلاة فيه، ويجوز استعماله في الأشياء اليابسة دون الرطبة، إلا الماء فإنه عنده لا ينجس الماء إلا بالتغير.
وقال الأوزاعي، وأبو ثور، وإسحاق: يطهر جلد ما يؤكل لحمه بالدباغ دون ما لا يؤكل.
وقال أحمد: لا يطهر جلد الميتة بحالٍ في رواية، وبه قال عمر وابن عمر، وعائشة - رضي الله عنهم-، وروى هذا عن مالك أيضاً.
وقال ابن المنذر: كان الزهري ينكر الدباغ، وقال: ينتفع بجلود الميتة على كل حال ما وسع الناس فيه قولا الزهري، ثم داود، ثم أبو حنيفة، ثم مالك، ثم الأوزاعي، ثم أحمد، والدليل على بطلان قول أبي حنيفة أن الكلب حيوان نجس العين فلا يطهر جلده بالدباغ كالخنزير.
وقول الشافعي [30 ب/ 1]: لأنهما نجسان وهما حيان إشارة إلى الدليل.
وهو أن الدباغ معالجة فتزيل النجاسة العارضة دون الأصلية، ونجاسة الكلب هي أصلية فلا ترتفع بالدباغ كما لا ترتفع بالحياة.
والدليل على بطلان قول أبي يوسف أن الحياة هي أقوى من الدباغ، والحياة لا تطهر جلد الخنزير فالدباغ أولى أن لا يطهره.
والدليل على بطلان قول مالك ظاهر ما ذكرنا من الخبر.
وروى عن سودة بنت زمعة - رضي الله عنها - أنها قالت: ماتت شاة لنا، فأخذنا إهابها ودبغنا.
وجعلنا منه قربة ننبذ فيها إلى أن صارت شناً.
ومعنى ننبذ فيها: أي نطرح التميرات في الماء الذي فيها حتى نسكب ملوحته وتصير حلوى.
وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: توضأ رسول الله صلي الله عليه وسلم من قربة قيل له: إنها ميتة، فقال: "إن دباغها

يذهب رجسها أو نجسها وخبثها".
ولأنه جلد يجوز الصلاة على قلبه ووجهيه، فيجوز الصلاة معه أصله جلد المزكي المأكول واحتج مالك أنه جامد نجس فلا ينقلب طاهراً.
قلنا: يبطل بظاهر، ثم تأثير الدباغ في باطنه كهو في ظاهر فيستوي حكمها.
والدليل على بطلان قول الأوزاعي عموم الخبر، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولأنه حيوان طاهر العين فأشبه المأكول، واحتج بان الزكاة أقوى من الدباغ ولا تؤثر الزكاة إلا فيما يؤكل بالدباغ أولى، ولأنه حيوان لا يطهر [31 أ/ 1] جلده بالزكاة فلا يطهر بالدباغ كالكلب.
قلنا: الدباغ أقوى؛ لأنه يرفع النجاسة المحققة والزكاة ترفع النجاسة، وإنما افترقا لأنه يقصد بالزكاة اللحم، فإذا لم ينج اللحم لا يطهر الجلد بالدباغ، يقصد الجلد لا غير فيرده إلى حالة الحياة من الطهارة.
والدليل على بطلان قول أحمد الخبر الذي ذكرناه، واحتج بما روي عن عبد الله بن عكيم أنه قال: كتب إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بشهران: "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب".
وروي: "لا تنتفعوا من الميتة بشيء".
ولأنه جزء من الميتة فلا يظهر بالدباغ كاللحم، لأنه تنجس بالموت فلا يطهر بالدباغ كجلد الكلب.
قلنا: أما الخبر فمضطرب مرسل، وخبرنا مسند أخرجه مسلم في الصحيح، ثم أراد به قبل الدباغ؛ لأنه يسمى إهاباً قبل الدباغ وبعده يسمى أديماً أو صوفاً.
فإن قيل: خبرنا ورد قبل موته بشهر فهو متأخر؟ وأما اللحم فلا يؤثر فيه الدباغ ولا يغيره عن حالته، بل يفسده بخلاف الجلد.
وأما الكلب فجلده لمنجس بالموت.
بل كان نجساً قبله بخلاف هذا.
والدليل على بطلان قول الزهري الخبر الذي ذكرنا؛ لأنه جعل الدباغ شرح في طهارة الجلد.
وروت عائشة - رضي الله عنها "أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يستمتع [31 ب/ 1] بجلود الميتة إذا دبغت".
واحتج بخبر شاه ميمونة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر فيه الدباغ، وقال: "إنما حرم من الميتة أكلها".
قيل: روينا لفظ الدباغ، وروي: "فدبغوه وانتفعوا به"والناس أولى، وقوله: "إنما

حرم أكلها": تحريماً لا يرتفع وتحريم الجلد يرتفع.
قالوا: لو كان نجساً لم يطهر بالدباغ؟ قيل: يجوز أن يكون الشيء نجس العين وينقلب طاهراً كالخمر يصير خلاً.
فإذا تقرر هذا فالكلام الآن في ثلاثة فصول: أحدها: فيما يدبغ به الجلد.
والثاني: في جواز بيعه.
والثالث: في جواز أكله.
فأما ما يدبغ به الجلد: فيجوز أن يدبغ بما كانت العرب يدبغون به من القرظ والشب هكذا في الخبر.
قال أصحابنا: والشب أفصح، وروي ذلك وهو شيء يشبه الزاج وقيل: الشت بثلاث نقط، هو شجر من الطعم لا يعلم هل يدبغ به أم لا؟ والقرظ: ورق شجرة تنبت بتهامة يدبغ به الجلد.
ويجوز أيضاً بكل ما يقوم مقامها من العفص وقشور الرمان، وما أشبه ذلك مما ينشف الفضول ويزيل الرطوبة حتى لا يفسد بورود الماء عليه.
وفي خبر ميمونة -رضي الله عنها - ذكر القرظ والشب، وقال قي خبر آخر: "ويطهرها الماء والقرظ".
فصار تنبيها على ما يقوم مقامها.
ومن أصحابنا من قال: يعتبر فيه ثلاثة أوصاف؛ أن ينشف فضوله الظاهرة، ورطوبته الباطنة، وأن يطيب الرائحة [32 أ/ 1]، وأن يبقي على حالته بعد الاستعمال.
فلا يفسد بورود الماء عليه مدة.
ومن أصحابنا عن زاد وصفاً رابعاً، فقال: وأن ينقل اسمه من الإهاب إلي الأديم والشت.
وقال الشافعي: "ولا يجوز بالتراب ولا بالملح" وهذا صحيح؛ لأنه لا يصلحه على ما ذكرنا، وكذلك الشمس لا تطهره.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: يطهرها التتريب والشمس؛ لأنها تجففه وتنشف فضوله، وهذا غلط؛ لأنه لا يأمن الفساد، ومتى لحقه بالماء عاد إلي حاله.
وذكر بعض أصحاب أبي حنيفة أنه إنما يطهره ذلك إذا عملت فيه عمل الدباغ على ما ذكرنا.
وقد قال أصحابنا: إن كان الرماد ونحوه يصلحه يجوز به الدباغ أيضاً، ثم إذا دبغ الجلد وأحكمه، قال أبو إسحاق: لا يطهر حتى يغسل بالماء القراح ليطهر ما جاوره من النجاسة؛ لأن ما لاقاه نجس به.
وقال بعض أصحابنا: يطهر بالدباغ ولا يحتاج إلي الماء، وهو ظاهر السنة، ولأن العين انقلبت فصارت طاهرة كالخمر يصير خلاً.
وبه قال صاحب "التلخيص" كل نجاسة لا يجزئ في تطهيرها إلا الماء إلا الاستنجاء والدباغ، والأول أصح وأقيس.
فرع ما يتناثر من الجلد من أجزاء والدباغ هل يكون نجساً؟ فإن قلنا: يجب غسل الجلد وهو المذهب، فهو نجس، وإن قلنا: لا يجب غسل الجلد فتلك الأجزاء طاهرة؛ لأن نجاستها لنجاسة الجلد، فإذا زالت نجاسة الجلد حكم بطهارتها كما يحكم بطهارة المزر إذا انقلب خلاً.

فرع آخر [32 ب/ 1] قال في "الأم": "لو دبغ وترك عليه شعر فيما بين الماء الشعرة نجس الماء، وإن كان الماء في باطنه والشعر على ظاهره لم ينجس الماء.
قال صاحب "الإفصاح": وهذا يدل على أن جلد الميتة إذا دبغ بماء نجس طهر.
وقال القاضي الطبري: هذا لا يجيء على مذهب الشافعي، وتأويله: أنه غسل باطنه بالماء القراح، ثم جعل فيه الماء، وإذا دبغ بشيء نجس يحتاج إلى الماء القراح بلا خلاف.
وقال بعض أصحابنا: بخراسان: هل يطهر به؟ وجهان.
وهذا لا وجه له؛ لأنه يؤدي إلى أن لا سبيل إلى تطهيره؛ لأنه لا يمكن رده غير مدبوغ، والصحيح أنه يطهر ويغسل بالماء بعده.
فرع آخر جلد ميتة الغير ودبغة فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون ملكاً لربه.
والثاني: يكون ملكاً لدابغه.
والثالث: إن كان رب الجلد رفع يده، فإن ألقاه فأخذه الدابغ كان ملكاً للدابغ، وإن لم يكن قد رفع يده كان لربه.
وأما الفصل الثاني: وهو الكلام في جواز بيعه: فلا خلاف أنه لا يجوز بيعه قبل الدباغ.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال يجوز بيعه؛ لأنه يمكن تطهيره ولا يصح عنه، بل هو قول بعض السلف وهو ربيعة، وهو غلط؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: "إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه".
وهذا الجلد محرم قبل الدباغ.
وقال: أصحابنا: يجوز استعماله في اليابسات ويجوز هبته على سبيل نقل اليد والوصية به أيضاً على سبيل [33 أ/ 1] التمليك.
وأما بيعه بعد الدباغ، قال في "القديم": لا يجوز، وبه قال مالك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في شاة ميمونة: "هلا أخذتم إهابها فانتفعتم به".
فخص الانتفاع فلا يحل ثمنه.
وقال في "الجديد" وهو الصحيح، وبه قال كافة العلماء: يجوز بيعه؛ لأنه طاهر منتفع به ليس في بيعه إبطال حقه، فجاز بيعه كالزكاة، فأما ما ذكر فلا يصح؛ لأن بيعه من جملة الانتفاع به، وعلى هذا أصل هل يجوز إجارته؟ وجهان كالكلب.
وقيل يجوز إجارته وهبته والوصية به قولاً واحداً، وإنما القولان في بيعه ورهنه.
وأما الفصل الثالث وهو الكلام في جواز أكله: قال أصحابنا بالعراق: وإن كان جلد حيوان لا يؤكل لا يجوز أكله قولاً واحداً؟ لأنه لا يحل بالزكاة مع أنها أقوى، فلأن لا يحل بالدباغ أولى، وإن كان جلد حيوان يؤكل فيه قولان.
قال في "القديم": لا يحل أكله وهو الصحيح؛ لأنه جلد طاهر من حيران مأكول، فأشبه المزكي وأما الخبر فقد روى: "إنما حرم من الميتة لحمها".

وقيل: إنما بني قوله في "القديم" على أن باطن الجلد لا يطهر بالدباغ، وهذا ليس بشيء.
وقال بعض أصحابنا بالعراق: قوله القديم أصح؛ لأن الدباغ لو أفاد الإباحة لم تصح فيما يوكل لحمه كالمزكاة.
وقال القفال [33 ب/ 1]: القولان في جميع الجلود ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل؛ لأنه طاهر لا حرمة له ولا يتضرر بأكله، وهذا أقيس.
وذكره ابن كج رحمه الله تعالى.
مسألة: قال: "وَلاَ يَطْهَرُ بالدِّبَاغِ إِلاَّ الإِهَابُ وَحْدَه".
وهذا كما قال، أراد به: ولا يطهر من الميتة بالدباغ إلا الجلد والمشبعة التي فيها الولد إذا انفصلت من الحيوان يكون نجساً ولا يطهر بحال، فأما الصوف والشعر والريش والقرن والعظم قلا يطهر بحالٍ، وهو ظاهر المذهب.
ذكره القاضي أبو حامد في جامعه، وقال الشيخ أبو حامد، وأبو إسحاق: فيها قولان: أحدها: أنها طاهرة كالخشب وهذا ليس بصحيح.
وأما الصوف والشعر والريش، فالنص هاهنا، وهو رواية الربيع وحرملة والبويطي أن فيها حياة وتنجس بالموت ولا تطهر بحالٍ وهو ظاهر المذهب.
وروى ربيع بن سليمان الجيزي عن الشافعي أن الشعر تابع للجلد يطهر بطهارته وينجس بنجاسته، فإذا دبغ الجلد طهر تبع الشعر وهذا لا يصح؛ لأن الدباغ لا يؤثر في الشعر ولا يصلحه، بل يمزقه فلم يقر طهارته بللحم بخلاف الجلد.
وروى إبراهيم البليدي عن المزني عن الشافعي أنه رجع من تنجيس شعر بني آدم فمن أصحابنا من قال: هذا لكرامة الآدميين، وحكمه مقصور على شعورهم، وهذا [34 أ/ 1] هو الصحيح.
ومنهم من قال: هذا لأنه اعتقد أنه لا وقع في الشعر، فهو قول في جميع الشعور.
فعلى هذا حصل أربعة أقوال: أحدها: الكل طاهر إلا شعر الكلب والخنزير، ولا روح فيها وبه قال أبو حنيفة، والثوري، ومالك، وأحمد، وإسحاق، والمزني.
وقال أبو حنيفة في شعر الكلب مثله، وفي شعر الخنزير روايتان عنه، وقال مثل هذا في العظم والسن والقرن وخالفه فيها مالك، وأحمد، وإسحاق والمزني ووجه هذا القول أنه لا يحسن ولا يألم.
والقول الثاني: فيه روح والكل نجس إلا ما يؤخذ من الحيوان المأكول ني حياته أو بعد ذكاته لا جزء من حيوان ينمو بحياته فينجس بنجاسة موته كسائر الأجزاء.
وبه قال عطاء والحسن، والأوزاعي والليث بن سعد.
وحكي عن حماد أن فيه روحاً وينجس لموته، ولكنه يطهر بالغسل.
وروي نحوه عن الحسن، والأوزاعي، ومالك، والليث، ووافقونا في العظم أنه لا يطهر بحالٍ.
والثالث: الجلد على ماذكرنا، وبه قال مالك.
والرابع: أنه شعر بني آدم هو مخصوص بالطهارة للكرامة وما عداه نجس إلا ما ذكرناه.
ومن أصحابنا من قال: تنجس بالموت ولا رفع فيه كاليد الشلاء لا روح فيها،

وتنجس بموت الحيوان لاتصالها به وهو ضعيف.
فإذا تقرر هذا، فعلى المذهب المشهور الحيوان على ثلاثة أضرب، نجس، وطاهر يؤكل لحمه، وطاهر لا يؤكل لحمه، فالنجس ما كان [34 ب/ 1] نجساً في حال حياته، فلا سبيل إلى طهارة شعره.
وأما ما يؤكل لحمه فشعره طاهر إذا جز وحلق، وإذا زكى، فلو نتف أو قطع بضعة لحم منه وعليها صوف أو شعر لا نص فيه.
واختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: إنه نجس لأنه غير مأذون فيه.
ومنهم من قال: إنه طاهر وهو كالذبح بسكين، قال: يفيد الإباحة مع الكراهة والتحريم وتنجس شعره في موضع واحد، وهو إذا مات حتف أنفه.
وأما ما لا يؤكل لحمه من الطاهر كالبغل والحمار ونحوها فشعره طاهر في موضع واحد، وهو ما دام قائماً عليه في حياته، فإن جز منه أو حلق أو مات حتف أنفه أو قتل أو ذبح نجس، فإن دبغ الجلد فهو يطهر الشعر تبعاً، فهو على ما ذكرنا من القولين.
وأما شعر بني آدم قال بعض أصحابنا: الآدمي هل ينجس بالموت؟ قولان، والصحيح أنه لا ينجس؛ لأنه يؤمر بغسله تعباً فإن قلنا: لا ينجس بالموت فشعره وشعر ما لا يؤكل لحمه واحد.
وقيل في شعره قول واحد إنه طاهر، لأنه صح رجوعه فيه.
وأما شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم إن قلنا شعر غيره من الآدميين طاهر فشعره أولى.
وإن قلنا: ذاك نجس ففي شعره وجهان.
قال أبو جعفر الترمذي وجماعة: هو طاهر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما حلق رأسه فرق شعره على أصحابه، ولو كان نجساً [35 أ/ 1] منه كالدم والبول.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: في بوله ودمه وجهان أيضاً؛ لأن ابن الزبير حسا دمه تبركاً ولم ينكر عليه.
وروي أن أبا طيبة شرب دمه.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع محاجمه إلى علي - رضي الله عنه -، فقال: "واره حيث لا يراه أحد" فشرب دمه وقال: واريته حيث لا يراه أحد، فقال: "لعلك شربتها".
فقال: نعم.
فلم ينكر عليه.
وروي أنه أم أيمن شربت بوله فقال: عليه الصلاة والسلام: "لا ينجع بطنك" وهذا بعيد.
وقد روي أنه نهى أبا طيبة عن مثله وقال: "حرم الله جسمك على النار".
وروي عن سالم بن أبي سالم الحجام، قال: حجمت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما وليث المحجمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم شربته، فقلت: يارسول الله شربته، فقال: "ويحك يا سالم، أما علمت أن الدم كله حرام، لا تعد".

فرع الوسخ الذي ينفصل عن الآدمي في الحمام حكمه حكم ميتة الآدمي نجس يعفي عن قليله؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منه كدم البراغيث، وفسر بعض أصحابنا القليل بالشعرة والشعرتين، وقال: إذا وقع في الماء القليل فإنه يعفي عنه، ذكره أهل العراق.
وفيه نظر؛ لأن العفو عن يسير النجاسة لا يكون في الماء؛ لأنه يتعدى وينتشر بخلاف الثوب.
فإذا تقرر هذا، قال الشافعي: "وَلَوْ كَانَ الصَّوفُ وَالْشَّعْرُ وَالْرَّيشُ [35 ب/ 1] لاَ يَمُوتِ بِمَوْتِ ذَوَاتِ الرُّوحِ، أَوْ كَانَ يَطْهُرُ بِالدَّبَاغِ لَكَانَ ذَلِكَ في قَرْنِ الْمَيْتَةِ وَسَبيِّهَا، وَجَازَ في عَظْمِهَا، لأَنَّه قَبْلَ الدِّباغِ وبَعْدَهُ سَوَاءُ".
وقصد به الرد على مالك لا على أبي حنيفة، وكان الشافعي شك في مذهبه فلم يتيقن أنه يقول: لا ينجس الأشياء البادية بالموت أصلاً، أو يقول: تنجس ولكنها تطهر بالدباغ فألزمه الدليل على.... فقال: إن زعمت أنها لا تنجس بالموت فهلا قلت ذلك في السن والعظم والقرن، وإن زعمت أنها تنجس ثم تطهر بالدباغ، فهلا قلت ذلك في هذه الثلاثة أيضاً؛ لأن هذه الأشياء الستة قبل الدباغ وبعده سواء، لا تأثير للدباغ فيها كتأثيره في الجلد.
ومن أصحابنا من قال: إنه قصد به الرد على أبي حنيفة ومالك، وتقديره: ولو كان الصوف والشعر والريش لا يموت بموت ذات الروح، كما قال أبو حنيفة، أو كان يطهر بالدباغ كما قال مالك، كان س في قرن الميتة وسيما دليل على أبي حنيفة، إلا أنه لا يسلم ذلك، فننقل الكلام إليه، واحتج بقوله تعالى: ﴿قَالَ مَن يُحْيِي اَلَعِظَامَ وهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: 78].
وقوله: وكان في عظمها دليل على مالك والأول أصح.
وعلى هذا قوله: "وجاز في عظمها".لم يقتصر فيه على مجرد العطف كما اقتصر في السن تحسيناً للعبادة، ولا معنى له غيره، فتقديره: لكان ذلك قي قرن الميتة وسنها وعظمها.
فرع إذا ماتت شاة وفي ضرعها [36 أ/ 1] لبن كان نجساً لا يحل شربه.
وقال أبو حنيفة، وداود: يحل شربه؛ لأن السحابة لما فتحوا المدائن أكلوا الجبن، وهو يعمل بالأنفحة، وهي تؤخذ من صغار المعز فهي بمنزلة اللبن، وذبح المجوس بمنزلة موت الحيوان، وهذا غلط؛ لأنه مائع غير الماء، وفي وعاء نجس فكان نجساً، كما لو حلب في إناء نجس ولا علم لنا بما ذكروه عن الصحابة.
فرع آخر إذا ماتت دجاجة وفي جوفها بيضة، فإن كانت رخوة ضعيفة فهي كاللبن، وإن كانت

قوية وصلبة قشرها فهي طاهرة، كما لو وقعت البيضة في ماء نجس.
وقال بعض أصحابنا: فيها ثلاثة أوجه: أحدها: طاهرة لأن فيها جمودة والثاني: أنها نجسة وإن تصلبت، وحكام ابن المنذر عن علي -رضي الله عنه - وعلل بأنها ميتة.
وروي ذلك عن ابن مسعود أيضاً.
وقيل: اختاره الشافعي مرة، والثالث: التفصيل على ما ذكرناه، وهو المذهب؛ لأن البيضة مودعة في الحيوان لا تحلها الحياة والموت، ولو تفرخت هذه البيضة كان الفرخ طاهراً بلا خلاف.
فرع البيضة لذا صارت مذرة واختلطت الصفرة بالبياض طاهرة وحكمها حكم اللحم إذا نتن.
فرع آخر إذا انفصلت البيضة من الدجاجة ففي بللها وجهان أحدهما: أنه ظاهر كالمنى، والثاني: أنه نجس وهو الظاهر وهكذا الوجهان في البلل الخارج تبع الحمل.
فرع آخر إذا ماتت الظبية وفيها فارة مسك تنجس الفارة [36 ب / 1] وجهاً واحداً بخلان البيض لأن للبيض نماء بعد موت الدجاجة وليس لفارة المسك نما.
فرع آخر المرة العفرة نجسة لأنها غذاء يغير إلى النساء.
فرع آخر أنفحة السخلة المذبوحة إذا لم تكن شربت إلا اللبن طاهرة؛ لأنها وإن كانت غذاء متغير فما تغير إلى الفساد، فإن ماتت فهي نجسة.
فرع آخر البلغم عند الشافعي طاهر.
وحكي عن المزني أنه قال: هو نجس.
وهذا غلط؛ لقوله صلى الله عليه وسلم -رضي الله عنه -: "ما نحامنك ودموع عينيك إلا سواء".
ولأنه يخرج من الرأس أو من الحلق والصدر فكان طاهراً كالمخاط.
فرع آخر الماء الذي يسيل في النوم طاهر وإن كان متغير الرائحة كاللعاب، وإن علم أنه خرج من المعدة لمرض أو علة، ويعرف ذلك بالنتن فهو نجس.
فرع آخر لو رأى شعراً فلم يعلم أنه من شعر مأكول أو غير مأكول، فيه وجهان بناء على أن أصول الأشياء هل هي على الخطر أو على الإباحة؟ ولو علم أنه شعر مأكول ولا يدرى هل أخذ في حياته أو بعد موته؟ فهو طاهر ذكره بعض أصحابنا ويحتمل وجهاً آخر.

فرع آخر لو باع جلد الميتة بعد الدباغ وعليه شعر، وقلنا شعره نجس، فإن باع الجلد وحده دون شعره يجوز، وإن باع مع شعره ففي الشعر لا يجوز، وفي الجلد قولان بناء على جواز تفريق الصفقة، وإن باعه مطلقاً فيه [37 أ/ 1] وجهان: أحدهما: أنه لا يدخل الشعار في البقع لأنه غير مقصود، ولا يصح فيه البيع فيصح بقع الجلد.
والثاني: يدخل في البيع لاتصاله بالمبيع، فيكون كما لو قال: يقبل مع الشعر.
فرع آخر إذا عمل من الجلد المنجوس حوض فطرح فيه ماء، فإن كان دون قلتين صار نجساً، وإن بلغ قلتين فأكثر فالماء طاهر والإناء نجس، ويجوز التوضاء منه إذا كان الوضوء لا ينقصه عن القلتين.
مسألة: قال: "وَلاَ بِدُهْن في عَظْمِ فيلٍ" وهذا كما قال.
قرئ هذا بثلاث قراءات بتشديد الدال والهاء، وبتشديد الدال وتخفيف الهاء، وبتخفيف الدال وتشديد الهاء والمعنى واحد، وأراد به أنه لا يستعمل دهن في عظم فيل لنجاسته؛ لأن الفيل لا يؤكل لحمه.
وقال مالك: إذا ذكيِّ الفيل فعظمه طاهر؛ لأن الفيل عنده مأكول.
وإن مات فعظمه نجس؛ لأن العظم يحله الموت.
قال النخعي: طهارة العاج خرطه، فإذا خرطا صار طاهراً.
وقال الليث: إذا طبخ حتى خرج دهنه كان طاهراً.
وقال أبو حنيفة: لا ينجس كما قال في سائر العظام.
واحتج الشافعي - رحمه الله - بكراهته من عمر - رضي الله عنه- لذلك، وهذه كراهة تحريم؛ لأن العاج هو ألطف من أن تعافه النفس حتى تكرهه كراهه تنزيه، إلا أنهم كانوا يعدلون عن لفظة التحريم إلى لفظة الكرامة احتراماً للشريعة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وهَذَا حَرَامٌ﴾ [النحل: 116] [37 ب/ 1] ويجوز أن يعبر عن التحريم بالكراهة، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: 38] أي محرماً.
فإن قيل: روي أن في جهاز فاطمة -رضي الله عنها سوار من عاج؟ قيل: إنه كان من عظم بعير، وقيل: من زبل، وهو عظم سمكة في البحر وسمي عاجاً لبياضه.
فإذا نقرر هذا فلو اتخذ مشطاً لا يجوز أن يمشط به إذا كان أحدهما رطباً، فإن كان المشط والشعر مايتتين، قال في "البويطي": يكره الانتفاع في شيء تمسه يده، وإن كانت تمسه يابسة فلا تنجسه.
وإن أراد أن يجعل فيه الدهن للاستصباح أو الاستعمال في غير أبدان المتعبدين، فالصحيح من المذهب أنه جائز.

مسألة: قال: (فَأَمَّا جِلْدُ كُلُ مُذَكِيِّ يُؤْكَل لَحْمَهُ فَلاَ بَاسَ بِالْوضُوءِ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يُدْبَغْ".
وهذا كما قال، الحيوان على ضربين: أحدها: يحل أكله، فإذا ذبح فلحمه وجلده طاهر، ويجوز استعمال جلده وحوله حوضاً للماء قبل دباغه ما لم يصبه دم أو ورث، فإن أصابه ذلك غسله.
والثاني: ما لا يحل أكله فذبحه وموته سواء، نص عليه في "الأم" ولم ينقله المزني.
وقال مالك وأبو حنيفة: يطهر كله بالذبح إلا الخنزير والإنسان وهذا غلط؛ لأن المقصود بالذكاة إباحة اللحم عرفاً وشرعاً، وهذه الذكاة لا تفيد المقصود، فلا يفيد البائع.
مسألة: قال: "وَلاَ أكْرَهُ مَنَ الآنيَةِ إِلاَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَّ".
وهذا كما قال.
أراد به ولا أكرم من الآنية الطاهرة شيئاً [38 أ/ 1] إلا الذهب والفضة، فإني أكرههما من حيث الاستعمال لا من حيث التطهير خاصة فإذا تقرر هذا فالأواني على ضربين: متحدة من جنس الأثمان، ومتحدة من غير جنس الأثمان.
فأما المتحدة من جنس الأثمان: وهي آنية الذهب والفضة لا يحل استعمالها بحالٍ في شيء من الأشياء.
وقال في كتاب الزعفراني من القديم لا يحل ذلك كراهة وتنزيها لا تحريماً؛ لأن الغرض بذلك تركه التشبه بالأعاجم والخيلاء وإغاظة الفقراء، وذلك لا يقتضي التحريم، وهذا غلط لما روت أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في جوفه نار جهنم".
وروي "نار جهنم" بالرفع، فمعنى الرفع كأنه قال: إنما يصون نار جهنم، والجرجرة هي الصوت، ومعناه تلقى في جوفه نار جهنم حتى يسمع صوته يقال: جرجر فلان الماء في حلقه إذا تجرعه جرعاً متتابعاً يسمع له صوت، والجرجرة في حكاية ذلك الصوت، وهذا وعيد يقتضي التحريم، ومعنى النصب كأنه يقول: إنما يجرجر نار جهنم، فيكون جرجر على هذا المعنى مضاعف جر، وهو أن هذا الفعل يكون سبباً لعذابه في نار جهنم، وهذا كما قال تعالى: ﴿إنَّمَا يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: 10] وقال داود: يحرم الشرب منها فقط؛ لأن الخبر ورد في الشرب وهذا غلط، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تشربوا في آنية الذهب ولا الفضة، ولا تلبسوا الحرير [38 ب/ 1] والديباج، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة".
آخر هذا الخبر يدل على أن التحريم عام في الشرب وغيره وروى حذيفة أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الأكل والشرب تنبيهاً على غيرهما، فإن خالف وأكل فالأكل محرم والمأكول حلال.
ومن أراد أن

يتوقى المعصية فيها فليخرج الطعام منها ثم يأكله إن شاء.
كما حكي أن فرقد السيخي والحسن البصري - رحمهما الله - حضرا وليمة فقدم إليهما طعام في إناء فضة، فقبض فرقد يده عن الأكل منه، فأخذ الحسن الإناء وكبه على الخوان، وقال: كُل الآن إن شئت.
وهكذا لو توضأ منها فالوضوء صحيح، وإن كان الفعل محرماً: لأن المنع لم يكن في الماء خلافاً لداود.
وأما اتخاذها هل يحل؟ قيل: فيه قولان، وقبل وجهان والأصح أنه لا يحل كالملاهي، وعلى هذا لا يضمن بالكسر ولا يستحق الأجرة باتخاذها وأما المتخذة من غير جنس الأثمان فضربان: ثمين وغير ثمين.
فإن لم يكن ثميناً كآنية النحاس والرصاص والفخار والزجاج، فكلها مباح.
وقالت عائشة: "كنت اغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من تور من شبة".
وإن كان ثميناً كان لصنعه فيها كالمخروط عن الزجاج فهو مباح كلبس الثوب الكتان النفيس، وإن كان لنفاسة جوهره مثل البلور والياقوت والعقيق فيه قولان.
في حرملة: حرام لأن فيه سرفاً وخيلاء.
وقال في "الأم" ونقله المزني: أنه مباح [39 أ/ 1] وهو المشهور.
آنية من غير جنس الأثمان فأشبه المخروط من الزجاج؛ لأن السرف فيه غير ظاهر؛ لأنه لا يعرفه إلا الخواص من الناس، فلا يخاف افتتان العوام.
وقال القفال: هذا مبني على أن تحريم آنية الذهب والفضة لأعيانها، أو لمعنى فيهما.
قال في الحديث: تحرم لأعيانهما كأحكام كثيرة اختصت بالذهب والفضة دون غيرهما.
وقال في القديم: يحرم لمعنى الخيلاء والفتنة فعلى القول الأول لا تحرم آنية التور نحوه، وعلى القول الثاني تحرم.
قال: وعلى هذا لو اتخذها من ذهب وغشاها بالرصاص.
فإن اعتبرنا عين الذهب فهو حرام، وإن اعتبرنا عين الذهب فهو حرام، وإن اعتبرنا المغني فهو حلال.
قال: ولو اتخذها من رصاص وموهها بالذهب، فإن اعتبرنا المعنى فلا تحل، وإن اعتبرنا العين حل.
فرع في الأواني المتخذة من الطيب الرفيع كالعود المرتفع والكافور المصاعد والمعجون من المسك والعنبر وجهان مخرجان، وفي غير المرتفع من المسك والصندل وجه واحد يجوز استعماله.
مسألة: قال: "وَأَكْرَهُ الْمُضَبَّبَّ بِالْفِضَّةِ لَئِلاَّ يَكُونَ شَارِباً عَلَى فِضَّةِ".
وهذا كما قال المضبب أن يكون جزءاً من أجزاء الإناء فضة، واختلف أصحابنا في هذه المسالة.
قال القفال: التضبيب على شفة الإناء لم يحبز استعماله في الشرب، وأن

كان في غيرها يجوز؛ لأنه لا يكون شارباً على فضة، ويروى هذا عن مالك.
وقال غيره: لا فرق بين أن يكون في شفته [39 ب/ 1] أو في غيرها.
وقول الشافعي: "لئلا يكون شاربا على فضة" يريد من إناء فيه فضة.
ثم من أصحابنا من قال: هذه كراهة تنزيه بخلاف آنية الذهب والفضة؛ لأنه قال: "ولا أكره من الأواني إلا الذهب والفضة".
وأراد بتلك الكراهة التحريم فخرج منها المضبب.
والصحيح أنه على التحريم.
وقوله: " وَلاَ أَكْرَهُ مِنَ الأَوَانِيِ إِلاَّ الْذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ" قصد به بيان جنس الأواني المحرمة والمباحة، فلا يدل على ما قاله القائل الأول.
ثم المضيب على أربعة أضرب: يسير للحاجة كحلقة القصعة وشعيرة السكينة، وضبة القصف فهذا مباح.
وروى أنه كان الرسول الله صلى الله عليه وسلم قصعة فيها سلسلة من فضة.
ومعنى قولنا: "للحاجة": أنها في موضع الحاجة، وإن قام غير الضبة مقامها ني ذلك وقيل: لغير حاجة فلا يحرم لعلته، ويكره لعدم الحاجة إليه وهو مراد الشافعي هنا، وكثير الحاجة مثل أن يتشقق الإناء فتكثر فيه الضبات، فيكسره لكثرته ولا يحرم للحاجة، وكثير لغير حاجة فهر حرام.
وقال أبو حنيفة: لا يحرم وإن كان جميع الإناء مضبب.
واحتج بأنه إناء جاوره فضة فلا يحرم استعماله، كما لو أخذ الإناء بكفه وفيها خاتم، وهذا غلط، لما روى عبد الله بن عمر -رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من شرب من إناء الذهب والفضة أو إناء فيه شيء من ذلك فإنما يجرجر ني جوفه نار جهنم".
ولأن [40 أ/ 1] سرفاً وخيلاء كما في إناء الذهب، ومن أصحابنا من ذكر قولاً آخر في الكثير لحاجة، وفي القليل لغير حاجا إنها حرام.
فرع لو ضبب في الإناء دراهم أو دنانير وشرب منه لم يكره، فإن أثبتها عليه بالمسامير فهي كالضبات سواء.
ولو شرب بكفه ماء وفي إصبعه خاتم فضة فلا بأس.
مسألة: قال: "وَلاَ بَاسَ بِالْوُضُوءِ مِنْ مَاءِ مُشْرِكِ".
الفصل وهذا كما قال.
أراد به أنه لا يكرم للحدث أن يتوضأ من ماء مالكه مشرك.
وكذلك لا يكره التوضاء بما فضل عن وضوء المشرك ما لم يعلم النجاسة فيه.
وجملته أن أواني المشركين وثيابهم هي على ثلاثة أضرب يتحقق طهارتها، مثل إن اشتراه ولم يستعمله فلا يحرم استعماله وضرب يتحقق نجاسته فهذا يحرم استعماله.
وضرب يحتمل أمرين ولا يعلم حاله.
فالأصل الطهارة سواء كانوا يتدينون النجاسة كالمجوس يدينون الغسل

ببول البقر، والبراهمة من الهند يتدينون استعمال الأبوال كلها.
أو لا يتدينون ذلك كاليهود والنصارى فيجوز استعمالها، نص عليه في الإملاء، وحرملة، لما روى الشافعي -رحمه الله- أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- توضأ من ماء قي جرة نصرانية.
وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ من مزادة مشركة وقال أحمد وإسحاق: لا يجوز استعمال ثيابهم وأوانيهم إلا بعد الغسل؛ لقوله تعالى: ﴿إنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: 28]، وهذا غلط لما ذكرنا، [40 ب/ 1] والمراد بالآية نجاسة قلوبهم ومعتقداتهم لا نجاسة أبدانهم.
فإذا تقرر هذا.
قال في "القديم": "لا أكره استعمال آنية الماء وأكره سائر الأوان" لأن الماء يرد على آنية الماء مرة بعد مرة ويطهرها، والثياب المستعملة كلها مكروهه، والسرويلات أشد كراهة؛ لأنها أقرب إلى محل النجاسة من الثوب.
وذكر بعض أصحابنا أن الشافعي قال: "وأحب أن لا تستعمل أوانيهم إلا بعد الغسل، إلا أن أواني الماء هي أخف حالاً" وهذا يدل على أن في آنية الماء نوع كراهة، والصحيح ما ذكرنا.
وقال أبو إسحاق: إن كانوا لا يدينون استعمال النجاسة فإن الأصل النجاسة فلا يجوز استعمال ثيابهم وأوانيهم إلا بعد الغسل، إلا آنية الماء فإنها على الطهارة لورود الماء عليها.
ومن أصحابنا من قال: إن كانوا يدينون لا يلزم اجتنابهم، ولكن لا يعتقدون العبادة في استعمالها كالدهرية والزنادقة يجوز استعمال ثيابهم لأن الأصل الطهارة، ويكره لخوف النجاسة.
وإن كانوا يعتقدون العبادة في استعمالها يجوز استعمال مياههم ويكره.
وأما ثيابهم: فإن لم يلبسوا كثيراً يجوز استعمالها.
وإن كثر لباسهم لها فيه وجهان.
قال أبو إسحاق: لا يجوز؛ لأن الظاهر نجاستها [41 أ/ 1].
وقال ابن أبي هريرة: يجوز مع الكراهة؛ لأن الأصل الطهارة.
وقال القفال: فيه قولان مخرجان قياساً على ما قال الشافعي في تراب المقرة المنبوشة إذا صلى عليه ولم يشاهد فيه نجاسة فيه قولان: أحدها: يجوز بناء على أصل الطهارة.
والثاني: لا يجوز بناء على الغالب.
وكذلك القولان في وحل الطريق إذا أصاب الثوب والغالب نجاسته.
وروى أو ثعلبة الخشني، أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل: إنا نأتي دار قوم من المشركين يشربون الخمر ويأكلون الخنازير، فنطبخ قي قدورهم ونأكل في أوانيهم.
فقال: " واستغنوا عنها ما استطعتم، فإن لم تجدوا غيرها فأرخصوها بالماء فإن الماء طهور" وهذا يدل على تغليب الطاهر على الأصل.
فرع قال بعض أصحابنا: الماء الذي يتقاطر من المزاريب، هل يباح استعماله إذا لم

يعلم يقين الطهارة؟ وجهان.
لأن الغالب على السطوح النجاسة والأصل طهارة الماء فيقابل الأصلان.
فرع أخر لا باس أن توقد عظام الميتة تحت القدور ويطبخ بها، ويؤكل ما فيها.
ولو سجر التنور بالسرقين هل ينجس التنور بالدخان؟ فيه وجهان: أحدهما: ينجس.
والثاني: لا ينجس، كبخار المعدة لا ينجس الفم.
فإذا قلنا: إنه ينجس، فينبغي أن يكسح بمكسحة جافة، ثم يلزق به الخبز لو استصبح بزيت نجس، ففي دخانه وجهان.
فإذا قلنا: إنه نجس هل يعفي عنه؟ وجهان: أحدهما [41 ب/ 1]: يعض للمشقة.
والثاني: لا يعفي؛ لأن نجاستها نادرة والتحرر ممكن، والأصح الأول، وعندي أنه طاهر والله أعلم.

باب السواك

مسألة: قال:"وَأُحِبُّ السِّوَاكَ للصَّلوَاتِ".
الفصل وهذا كما قال.
لما فرع ش ذكر المياه والأواني، بدأ بذكر أحكام الوضوء، وقدمها على أحكام الغسل؛ لأنه أكثر فروعاً، ثم بدأ في أمر الوضوء بباب السواك لأنه يندب إليه في الوضوء وفي غيره.
وجملته: أن السواك سنة مستحبة.
وقال: أراد أهل الظاهر هو واجب عند كل صلاة، لكن تركه لا يقدح في الصلاة وقال إسحاق: السواك واجب، فإن تركه عامداً يبطل الصلاة.
وهذا غلط لما احتج به الشافعي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة"، قال: ولو كان واجباً لأمرهم به شق أو لم يشق.
وفي بعض النسخ: "أو لم يشقق" والأصل في استحبابه أخبار كثيرة منها هذا، وأيضاً فقد روت عائشة - رضي الله عنها - قالت: و"كان السواك من رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل القلم من لدن الكاتب" وروى أبو أيوب الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أربع من سنن المرسلين؛ الحناء، والسواك، والتعطر والنكاح" وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "طهروا أفواهكم لقراءة القرآن" يعني بالسواك.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "السواك مطهرة للفم، مرضاة [42 أ/ 1] للرب، مثراة للمال، مطردة للشيطان".
وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "صلاة بسواك أفضل من سبعين صلاة بغير سواك" وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم: "أوصاني جبريل عليه السلام بالسواك حض خفت أن يدرني".
وروى أنه قال: "استاكوا ولا تأتوني قلحا" والقلم صفرة الأسنان وروي أنه صلى الله عليه وسلم "كان إذا قام من الليل شوص فاه بالسواك" قال أبو عبيد: الشوص هو الغسل والمص مثله.
وروى عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال" في السواك عشر خصال: مطهرة للفم، مرضاة للرب، مسخطة للشيطان، مفرحة للملائكة، مذهب الجفر، ويجلو البصر، ويشد اللثة، ويطيب الفم، ويقطع البلغم، ويزيد في الحسنات".
وهو من السنة ويستحب في خمسة أحوال عند القيام من النوم، وعند الوضوء للصلاة، وعند القيام للصلاة، وعند قراءة القرآن، وعند تغير الفم.
والفم يتغير في أربعة أحوال عند كثرة الكلام، وعند طول السكوت، وعند شدة الجوع، وعند أكل الأشياء المريحة كالبصل والثوم.
وقول الشافعي: "والأزم" قيل: أراد طول السكوت.
وقيل: فرط الجوع، وهذا أصح، لأن عمر - رضي الله عنه - قال للحارث بن كلدة وكان طبيب العرب ما الداء؟ قال: الأكل.
قال: فما الدواء؟ قال: الأزم - يعني به الجوع من الحمية، وفيما نقل المزني خلل عن ثلاثة أوجه: أحدها: نقل [42 ب/ 1] واجب السواك للصلاة عند كل حال تغير فيها الفم، وهو خلاف المذهب، فكان من حقه أن يزيد واو فيقول: وعند كل حال.
والثاني: نقل "وكل ما يغير الفم" وفي نسخة: "كل ما يغير الفم"، ولفظ الشافعي: "وأكل ما يغير الفم"، فصحف الأكل بالكل، وهذا توهم أنه إذا تغير فمه عند الصوم بالخلود يستاك، وهذا ليس بمذهب، وفيما قاله الشافعي احتراز عن هذا.
والثالث: أنه نقل الخبر وعطف عليه: "ولو كان واجباً"، والشافعي قال: "وليس

بواجب" ولو كان واجباً بذكر المذهب ثم اشتغل بالاستهلال، وحذف المزني المذهب، والأحسن ما ذكره الشافعي.
فإذا تقرر هذا، فهو مستحب في كل الأوقات إلا للصائم، ثم بعد الزوال خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: لا يكره له ذلك يعد الزوال أيضاً وهو في ثلاثة أحوال أشد استحباباً للصلوات والاستيقاظ من النوم.
قالت عائشة - رضي الله عنها -: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رقد ليلاً أو نهاراً ثم استيقظ استاك".
والحالة الثالثة عند تغير الفم.
فإذا تقرر هذا، قال الشافعي: "وأحب أن لا يستاك بخشبة يابسة لجرح الفم ولا بخشبة رطبة لا تنفي، ولكن يستاك بخشبة يابسة قد لينت بالماء حتى تزيل الصفرة ولا تجرح".
قال: "وبأي شيء استاك مما يقلع الصفرة [43 أ/ 1] ويزيل الوسخ جائز".
ولا فرق بين العود والخرقة والخشب، فإن اقتصر على إصبعه لم يجزه، لأنه لا ينفي؛ وعندي أنه إذا كان إصبعه خشناً كما يكون للعمال يقوم مقام السواك.
وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال" "الأصابع تجزئ عن السواك" ويمرر السواك على أطراف أسنانه وكراسي أضراسه ليجلو جميعاً من الصفرة، ويمره على سقف حلقه إمراراً خفيفاً ليزيل الخلوف عنه، ويستاك على عرض الفم، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان يستاك عرضاً.
وروي أنه قال صلى الله عليه وسلم: "استاكوا عرضاً، وادهنوا غباً، واكتحلوا وتراً"، وإنما قال: "وادهنوا غباً" لما فيه من دون الثوب، ولهذا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كثرة الأرقاء، وقال أبو عبيد: هو كثرة التدهين.
وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "ادهنوا يذهب البؤس عنكم والبسوا تظهر نعمة الله عليكم، وأحسنوا إلى مواليكم فإنه أكبت لعدوكم".
فرع يستحب من يبدأ في السواك بجانبه الأيمن، لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب التيامن في كل شيء حتى في سواكه وظهور وانتقاله.
فرع آخر يستحب أن يستاك بالأراك لما روى أبو خيرة "أن النبي صلى اله عليه وسلم كان يستاك بالأراك" فإن تعذر استاك بعراجين النخل، فإن لم يكن استاك بما يجده.
فرع لا يعد السواك من [43 ب/ 1] سنن الوضوء، بل هو سنة بنفسه.
وقيل: فيه وجه آخر أنه من سنن الوضوء وليس بشيء.

فرع جلاء أسنانه بالحديد أو يردها بالبرد مكروه؛ لأنه يذيب الأسنان، ويقضي إلى تكسيرها، ولأنها تخشن فتتراكب الصفرة والخلوف قيها، ولذلك "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواشرة والمتوشرة".
وهي التي تبرد أسنانها بالمبرد.
فرع آخر قال أصحابنا: يستحب أن يقلم الأظفار، ويغسل البراجم، ويقص الشارب، وينتف الإبط، ويحلق العانة؛ لما روت عائشة - رضي الله عنها - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، والاستنشاق بالماء، وقلم الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتفاص الماء" يعني الاستنجاء: قال الراوي: ونسيت العاشرة، إلا أن تكون المضمضة والاستنشاق، ولم يذكر إعفاء اللحية، وزاد: والختان.
وقال: والانتضاح بدل الانتفاص.
وقوله: من الفطرة: أي من السنة.
يعني من سنن الأنبياء الذين أمرنا أن نقتدي بهم في قوله تعالي: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90] وأول من أمر بها إبراهيم صلى الله عليه وسلم وذلك قوله تعالى: ﴿وإذِ ابْتَلَى إبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: 124]، وكان من زي الكثيرين قص اللحى وتوفير الشارب، فندب صلى الله عليه وسلم إلى مخالفتهم في الزي والهيئة [43 أ/ 1] وغسل البراجم بتنظيف المواضع التي تتسخ ويجتمع فيها الوسخ.
وأصل البراجم العقد التي تكون في ظهور الأصابع.
وانتقاص الماء للاستنجاء به، وكذلك الانتضاح وأصله من النضج وهو الماء القليل.
فرع آخر قال بعض أصحابنا: يستحب أن يقول: عند ابتداء السواك: اللهم بيض به أسناني وشد به لثتي، وأثبت بها لهاتي، وباراك لي فيه يا أرحم الراحمين.

باب نية للوضوء

مسألة: قال: "وَلاَ يُجْزِئُ طَهَارَةُ مِنْ غُسْلِ، وَلاَ وُضُوءِ وَلاَ تَيَمُّمِ إِلاَّ بِنَّيِة".
وهذا كما قال.
اعلم أن أول فرائض الوضوء النية، فبدأ المزني بباب النية، ثم عقبه باب الأفعال، ومعنى النية عزيمة القلب، وهو أن يقصد بقلبه أن يكون فعله الذي يباشره لله تعالى فرضاً أو تطوعاً.
فإذا تقرر هذا، فكل طهارة من حدث تفتقر إلى النية سواء في ذلك الكبرى، كالغسل، والصغرى كالوضوء.
وسواء كان بالمائع أو الجامد كالتيمم.
وبه قال ربيعة، ومالك والليث، وأحمد وإسحاق.
وروي ذلك عن على - رضي الله عنه - وقال

الحسن بن صالح بن حي والأوزاعي في رواية، وزفر: أنه لا يفتقر شيء منها إلى النية.
وقال أبو حنيفة، والثوري: يجوز الوضوء والغسل بغير نية، ولا يجوز التيمم إلا بنية، وهي رواية [44 ب/ 1] عن الأوزاعي واحتج الشافعي على أبي حنيفة بقولة: وهما طهارتان - يعني الوضوء والتيمم -وأراد عن حدث، فكيف يفترقان في وجوب النية في إحداها دون الأخرى.
والدليل على الخاص قول الحسن بن صالح قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى وقوله صلى الله عليه وسلم: "الوضوء شطر الإيمان".
وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الطهور نصف الإيمان والصوم نصف الصبر".
وروى أبو أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا توضأ الرجل كما أمر ذهب الإثم من سمعه وبصره ويديه ورجليه".
وروي أن عثمان -رضي الله عنه - كان قاعداً يتطهر فمسح ماء من فيه ثم ضحك، فقال: ألا تسألوني مم ضحكت؟ فقالوا: مما ضحكت يا أمير المؤمنين؟ فقال: بينما نبي الله صلى الله عليه وسلم قاعد في مقعدي هذا يتطهر، فقال: "ما من عبد يتطهر إلا كانت خطاياه أسرع انحداراً من طهوره".
فهذه الأخبار كلها تدل على أن الوضوء عبادة، والعبادة تفتقر إلى النية.
وقيل في تأويل قوله صلى الله عليه وسلم: "الوضوء شطر الإيمان" أي شطر الصلاة، لقوله تعالى: ﴿ومَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143]، أي صلاتكم، والصلاة لا تستغني عن النية، فكذلك الوضوء.
واحتجوا بقوله تعالى: ﴿إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6] [45 أ/ 1] الآية، ولم يذكر النية، بينا هذه الآن هي حجتنا؛ لأنها تقتضى: ﴿إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ﴾ للصلاة، كقولك: إذا سافرت فتزود، معناه للسفر.
حكي عن ابن سريج أنه قال: إزالة النجاسة تفتقر إلى النية،... بخلاف قول الشافعي: وهما طهارتان.
وقيل: إنه اختيار الإمام سهل الصعلوكي، وعندي أنه لا تصح هذه الحكاية عنهما، وعلى ما ذكرنا لو توضأ الكافر أو اغتسل ناوياً، ثم أسلم لا يجوز له أن يؤدي به قرضاً خلافاً لأبي حنيفة؛ لأنه ليس من أهل النية عندنا.
وقال في "الحاوي": فيه وجه آخر يجوز له أن يؤدي به فرضاً؛ لأنه أصح قصداً من الصبي، وذكر المزني في "المنثور" أن طهارة الصبي ناقصة إذا بلغ إعادة الوضوء والغسل.

فرع المرتد إذا اغتسل في ردته، ظاهر المذهب أنه لا يجوز.
وقال في "الحاوي": هل يجوز؟ فيه وجهان.
فرع آخر لو كانت الذمية حائضاً فانقطع دمها فاغتسلت ثم أسلمت، المذهب أنها لا تصلي بهذا الغسل أيضاً؛ وقال أبو بكر الفارسي من أصحابنا: لها أن تصلي؛ لأنه صح غسلها في حق الوطء حتى يحل للزوج وطئها، فصح غسلها في حق الصلاة أيضاً، وهذا غلط؛ لأنها مأمورة بالغسل بحق الزوج، وصح غسلها في حق الوطء لا بحق الله تعالي، وإنما صح لأجل الوطء للضرورة.
فرع آخر لو أن الذمية اغتسلت ولم تنو أنه للحيض.
قال بعض أصحابنا: لا يحل وطئها كالمسلمة إذا لم تنو، فصح غسلها بنيتها لموضع الحاجة [45 ب/ 1] وهذا كما يصح من الذمي العتق عن الكفارة بنية، ولو لم يبق لا يجوز عن الكفارة.
قال هذا القائل: ولا يصح ما قال أصحابنا يصح غسلها في حق الآدمي دون حق الله تعالى؛ لأن الآدمي لا حق له في الغسل، بل حقه في الوطء، والوطن من شرط إباحته حصول الغسل بحق الله تعالى.
وقال بعض أصحابنا: يجوز وطئها إذا اغتسلت بغير نية للضرورة، كما يقول في المجنونة المسلمة.
وهذا أقيس عندي.
فرع آخر لو أسلمت بعد الغسل هل يجوز وطئها؟ الظاهر أنه لا يحل، لأن الضرورة زالت.
وقيل: فيه وجهان.
وقيل: هل يجوز لها أن تصلي؟ وجهان بناء على هذين الوجهين.
فرع آخر لو ارتدت بعد الدخول ثم اغتسلت من الحيض لا يصح غسلها أصلاً؛ لأنه لا يباح وطئها أصلاً، ويحتمل وجهين على ما ذكرنا عن صاحب "الحاوي".
فرع آخر المجنونة المسلمة إذا اغتسلت من الحيض دل وطئها به للضرورة، ولا يصح غسلها في حق الصلاة.
وقيل: هل لها أن تصلي بذلك الغسل؟ وجهان ما قلتا في الذمية إذا أسلمت.
فرع آخر لو غسل الزوج امرأته المجنونة لا يفتقر الزوج إلى النية، لأن غسلها ني حق نفسه ولو لم يرد إصابتها لها وجب غسلها.
ويفارق الميت في أحد الوجهين يفتقر إلى نية

الغاسل؛ لأنه يستحق تعبد الله تعالى.
ومن أصحابنا من قال: يغسلها زوجها وينوي استباحة [46 أ/ 1] الاستمتاع.
ثم إذا عقلت هل تصلي به؟ وجهان، وفيه نظر.
فرع آخر المسلمة إذا اغتسلت من الحيض بنية إباحة الاستمتاع، هل يباح وطئها؟ قال بعض أصحابنا: فيه وجهان بخلاف الذمية؛ لأنها تقدر على الغسل للأمرين فلا تحتاج حاجة إلى التبعيض.
وعندي انه يحل وطئها ويحل لها أن تصلي به أيضاً تنوي استباحته ما لا يستباح إلا بالغسل، فصارت كالجنب تغتسل بنية الله في المسجد يجوز لها أن تصلي به.
ولعل القائل الأول أراد به إذا نوت استباحة الاستمتاع فقط وتفت استباحة غيره.
فإذا تقرر هذا فالكلام في النية في ثلاث فصول: في محلها، وموضعها، وصفتها.
فأما محلها فهو القلب، لقوله تعالى ﴿ومَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5] والإخلاص بالقلب، فإن نوى بقلبه وتلفظ بلسانه فهو الكمال.
وإن نوفي بقلبه ولم يتلفظ بلسانه جاز.
وإن تلفظ بلسانه ولم ينو بقلبه لم يجز؛ لأنه لم يأت بها في محلها، فصار كما لو نوى بقلبه قراءة الفاتحة ونفكرها ولم يتلفظ بها لا يجوز.
وإن نوى بقلبه وتلفظ بلسانه غير ما نواه فإنه يجوز ويلغي ما تلفظ به.
وقال أبو عبد الله الزبيري من أصحابنا: النية هي اعتقاد بالقلب وذكر باللسان ليظهر بلسانه ما اعتقده بقلبه، فيكون على كمال من نبتا وثقة من اعتقاده، فلا يجوز حتى ينوي ويتلفظ.
وأما موضعها: فلها موضعان: استحباب، ووجوب: [46 ب/ 1] فأما الاستحباب: فهو أن ينوي مع ابتداء طهارته عند غسل اليدين ويستديم ذكرها إلى آخرها حتى تشمل نيته الفرائض والسنن.
وقال أبو حامد يستدعها إلى أن يغسل شيئاً من محل الفرض، والأول أصح.
وقال القفال: النية أن ينوي مرتين؛ مرة عند غسل البدن، ومرة عند غسل الوجه وهذا أحسن.
وأما الوجوب: فهو أن ينوي مع غسل جزء من محل الفرض وهو الوجه.
فرع لو نوى في الابتداء واستدام إلى غسل الوجه، فقد أتى بالسنة، ولو عرّبت نيته قبل البدأة بغسل الوجه.
فإن عزيت قبل المضمضة والاستنشاق لا يجوز؛ لأن غسل اليدين ليس من أفعال الوضوء الراتبة، وإنما أمر بهما لخوف النجاسة على ما ورد في الخبر.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان، والأظهر أنه يجوز؛ لأن الصحيح أنه يحتسب ابتداء الوضوء من غسل اليدين، وهذا غير صحيح عندي.
وقال هذا القائل: لو نوى مع الاستنجاء أو السواك ثم غربت نيته قبل غسل اليدين، فيه وجهان بناء على أنه من جملة الوضوء أم لا؟ وهذا ليس بشيء.

فرع آخر لو كان ناوياً عند المضمضة ثم عزيت نيته، فإن غسل شيئاً من ظاهر الوجه عند المضمضة أجزأه؛ لأن نيته قارنت الواجب.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز؛ لأنه لم يقصد غسل الوجه.
ويلزمه غسل ذلك القدر مرة أخرى، وهذا ليس بشيء وإن لم يكن غسل... الوجه ففيه وجهان [47 أ/ 1] أحدها: لا يجوز وهو الصحيح؛ لأنه لم يقارن النية بعد الواجب.
والثاني: يجوز لأنها قارنت ما هو من وظائف الوضوء وروايته، وهذا اختيار القفال.
فرع آخر لو نوى عند غسل الوجه، هل يكون فاعلاً سنة المضمضة والاستنشاق؟ من أصحابنا من قال: لا يكون فاعلاً للسنة ولا يجوز فصلها؛ لأنها غربت عن النية.
ومن أصحابنا من قال: فيه وجهان: أحدهما هذا.
والثاني يكون فاعلاً للنية؛ لأنها من جملة طهارته وقد أتى بالنية لها في محلها.
وأما في غسل الجناية إذا نوى في أول جزء منه فغسله يجوز؛ لأن كل ما سرى منه يكون فرضاً.
وأما صفتها: فإن نوى رفع الحدث أو الطهارة من الحدث جاز.
ولو نوى استباحة فعل من الأفعال، فالأفعال هي على ثلاثة أضرب: عنها ما تجب له الطهارة.
ومنها ما لا تجب له الطهارة ولا تستحب.
ومنها ما يستحب له الطهارة ولا يجب.
فما يجب له الطهارة كصلاة الفرض، والنافلة، وصلاة الجنازة، وسجود التلاوة والشكر وحمل المصحف.
فإذا نوى بها فعل شيء من هذه الأشياء ارتفع حدثه وجاز له إذ جمع الصلوات بها؛ لأنه يتضمن ذلك رفع الحدث.
وأما ما لا يجب له الطهارة ولا يستحب كالأكل والشرب، واللباس والطيب، ولقاء السلطان وزيارة الوالدين.
فإذا نوى واحد منها لم يرتفع حدثه.
وأما ما يستحب له الطهارة ولا تجب كقراءة القرآن، والقعود [47 ب/ 1] في المسجد.
وسماع الفقه والحديث، والأذان، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفة وزيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فإذا نوى واحده منها هل يرتفع حدثه؟ فيه وجهان: أحدهما - وهو قول الأكثرين-:لا يرتفع حدثه، لأنه أمر يباح من غير طهارة.
والثاني: يرتفع حدثه؛ لأن الأفضل أن يكون على الطهارة.
فإذا قصد فقد نوى رفع الحدث، وهذا اختيار بعض مشايخ خراسان.
والأول أصح عندي.
وقول الشافعي: " أَوْ لِقِرَاءَةِ مُصْحَفِ" أراد مماساً للمصحف، وقيل: أراد حمل المصحف، فعبر عنه بالقراءة؛ لأن أكثر ما يحمل المصحف لقراءته.

وأما الغسل للجنابة فينقسم أيضاً هذه الأقسام الثلاثة، إلا أنه مما يستحب له الوضوء يجب له غسل الجنابة، مثل قراءة القرآن، والليث في المسجد، فإذا نواه بالغسل ضح وجهاً واحداً، وإن نوى غسل الجنابة أو رفع الحدث عن جميع بدنه أجزأه (0) ولو نوى في غسله الاحتباس في المسجد، أو نوى به الحدث في الوضوء هل يرتفع حدثه؟ وجهان؛ لأن الغسل والوضوء لهذا هو مستحب غير واجب.
فرع لو كان جنباً فاغتسل ينوي بنية الجمعة.
قال أكثر أصحابنا: لا يجزيه عن الوضوء؛ لأن قصد التنظف به لا ينافي حصول الطهارة به لصلاة الجمعة؛ لأن من لا يريده [48 أ/ 1] للصلاة فلا يستحب له.
وقد قال صلى الله عليه وسلم في يوم الجمعة: "من توضأ فيها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل".
فدل أن الغسل ينوب مناب الوضوء.
فرع لو نوى بوضوئه، طهارة مطلقة.
قال في "البويطي" يجوز، وهو اختيار القاضي الإمام أبى الحسن صاحب "الحاوي"، لأن الطهارة ترفع الحدث.
وقال سائر أصحابنا: لا يجوز، ومعناه نوى طهارة من الحدث، وقصده أن يبين أنه يجزيه وإن لم ينو به فعل الصلاة.
فرع أخر لو توضأ المحدث ينوي تجديد الطهارة، هل يرتفع حدثه؟ فيه وجهان: أحدها: يرتفع لأن نيته تضمنته.
والثاني: لا يرتفع، لأنه قصد به التطوع ولا يتضمن رفع الحدث، وهو المذهب.
فرع آخر لو نسي الجناية فاغتسل بنية رفع الحدث الأصغر أجزأه في أعضاء وضوئه، وهو الوجه، واليدين، والرجلان؛ لأن غسل هذه الأعضاء واجب فيهما.
وفيه وجه آخر لا يجزئه أصلاً؛ لأنه لم ينو الجناية.
فرع أخر لو نسي الجناية فنرى رفع الحدث مطلقاً، فالجواب ما ذكرنا وفيه وجه آخر يجوز غسله تاماً؛ لأن الجناية حدث.
وقال في "الحاوي": لو أصابته الجناية وحدها فنوى رفع الحدث ولم يقل الأكبر يجوز؛ لأن نيته تنصرف إلى حدثه الذي هو فيه.
ولو كان به حدثان أصغر وأكبر فاغتسل ونوى ذلك، فلو قلنا: يسقط الأصغر بالأكبر فيجزيه عن حدثه [48 ب/ 1] الأكبر.
وإن قلنا: لا يسقط لا يجزيه عن واحد منهما لامتيازها وإن إطلاق النية يقتضي التشريك بينهما.
ولو قيل: يجزيه عن الحدث الأصغر لأنه أخفهما كان مذهباً.

فرع آخر لو نوى المحدث رفع الحدث الأكبر يجوز؛ لأنه يجوز أن يرتفع الأدنى بالأعلى، وإن كان لا يرفع الأعلى بالأدنى.
وكذلك نوى رفع الجنابة وقيل: فيه هنا وجه آخر لا يجوز؛ لأنه نوى غير ما عليه وهو ضعيف.
فرع أخر لو نوى رفع حدث الغائط فكان حدثه بولاً يجوز.
ومن أصحابنا من قال: إن غلط فيه يجوز، وإن تعمد ذلك ففيه وجهان: أحدها: يصح كما لو كان غالطاً.
والثاني: لا يصح، لأنه نوى ما لبس عليه وهو غير معذور.
فرع آخر لو أحدث أحداثاً ونوى رفع واحد منها ولم ينو رفع الباقي، فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يرتفع جميعها وهو الأظهر؛ لأن الأحداث تتداخل، فإذا ارتفع واحداً ارتفع الكل.
والثاني: لا يرتفع؛ لأنه لا ينو رفع جميع الأحداث.
والثالث: على وجه آخر، وهو أنه إن نوى آخر الأحداث ارتفع جميعها؛ لأنها تداخلت فيها بعدها.
وإن كان أولها لم يرتفع ما بعده وهذا غريب.
[49 أ/ 1] فرع آخر لو نفي الباقي وقال: لا أرفع الأحداث الباقية يجئ فيه الأوجه الثلاثة، وعندي أنه لا يجوز وضوءه لأنه ناقص في النية، فصار كما لو قال: أرفع الحدث ولا أرفع.
فرع آخر لو نوى أن يستبح به صلاة الظهر دون غيرها، فيه ثلاثة أوجه: أحدها: وهو المذهب يصلي ما شاء من الصلوات؛ لأن الصلاة إلى عينها لا يستبحها إلا بعد رفع الحدث، فإذا ارتفع حدثه جاز أن يصلي ما شاء، ولأن هذا إبطال للطهارة بعد صحتها من غير حدث، وهذا لا يجوز.
والثاني: لا يصح وضوءه ونتيه باطلة؛ لأنه إذا لم يرتفع حدثه لغيرها لم يرتفع لها.
والثالث: يرتفع حدثه للظهر وحدها؛ لأن الطهارة قد تصح لصلاة واحدة، وهي طهارة المستحاضة.
ذكره ابن سريج، وهو أضعف الوجوه.
فرع آخر قال في "الأم" لو وضأه غيره وهو ناو يجوز؛ لأن الفعل لا يعتبر فيه، ولهذا لو جرى عليه المطر وهو ناوٍ فإنه يجوز.
وقال داود: لا يجوز، وهو غلط لما ذكرناه.

فرع آخر إذا فرق النية على أعضائه، مثل إن نوى رفع الحدث عند يديه ونحو ذلك، فيه وجهان: أحدها: لا يجوز لأنها جنابة واحدة فأشبهت الصلاة.
والثاني: يجوز لأن تغيير النية في أثنائها لا يبطل حكم ما فعل منها، ويكون فيه تبعيض النية.
فرع آخر لو نوى قطع الطهارة بعد الفراغ منها لم ينقطع؛ لأن الحدث قد ارتفع فلا تعود إلا بوجوب سبب [49 أ/ 1] وإن نوى قطعها في أثنائها ففيه وجهان: أحدهما: تبطل طهارته كما لو نوى قطع الصلاة في أثنائها.
والثاني: لا تبطل ما مضى، وهو الأصح.
كما لو نسي النية ونوى التبرد تنقطع النية ولا تبطل ما مضى، وتفارق الصلاة؛ لأنه متى انقطعت نيتها بطلت، فعلى هذا إذا عاد ونوى فإن لم يتطاول الفصل بنى على طهارته وأتمها، وإن تطاول الفصل كان على القولين في الموالاة هل تجب أم لا؟ فرع آخر لو توضأ رجل من حدث فأغفل مسح رأسه، ثم توضأ ثانياً وعنده أنه على طهر ونوى به نجز ذلك الوضوء، فلما فرغ منه ذكر أنه نسي من الوضوء الأول مسح الرأس، قال: من اتخذ أولًا يجزيه الوضوء الثاني، وعليه أن يعيد مسح رأسه وغسل رجليه وهو الصحيح، واختاره القاضي الطبري؛ لأن تجديد الوضوء يستحب مع زوال الحدث فهو لا يتضمن رفع الحدث، فإذا نواه لا يرتفع به الحدث، كما لو كان جنبًا فنسى الجنابة واغتسل للجمعة لم يجزه عن الجنابة.
ومن أصحابنا من قال: يجزيه مسح الرأس من الوضوء الثاني، ونية تجديد الوضوء تقوم مقام نية رفع الحدث؛ لأن معنى التجديد أنه مثل الأول، فإذا لم يرفع الحدث لا يكون تجديدًا، وهذا اختيار جماعة من أصحابنا.
قال هذا القائل: ولا يشبه هذا إذا نسي سجدة من الصلاة ثم سجد للقرآن لم يجزه عن سجدة [50 أ/ 1] في الصلاة في أصح الوجهين؛ لأنه واقع في موضعه هو التلاوة وبقاء سجود الصلاة لم يمنع من صحته بخلاف هذا.
فرع آخر لو أن جنبًا اغتسل فأغفل لمعة من جسده، ثم اغتسل بعده للجمعة، ثم تذكر أنه كان نسي لمعة في غسل الجنابة يلزمه إعادتها؛ لأن الغسل للجمعة لا يجوز عن غسل الجنابة.
فرع آخر لو ترك لمعة من وجهه في المرة الأولى من وضوء المفروض ولم يعلم، ثم غسلها بنية المرة الثانية أو الثالثة.
قال القفال: فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لأن النفل لا يغني عن.
الفرض.
والثاني: يجوز؛ لأن نيته اشتملت في الابتداء على أن ما يغسله أول

مرة فهو فرض، وما يغسله مرة ثانية فهو سنة، وغسله للموضع المتروك هو أول غسل يجزي عن الفرض بخلاف نية التجديد، فإنه لم يوجد نية الفرض أصلًا وهذا أصح.
فرع آخر لو شك هل احتلم أم أحدث؟ وكان من قبل على يقين الطهارة، فالأصل الطهارة، إلا أنه يؤمر بالتطهير، احتياطًا، فلو تطهر ثم بان أنه كان محدثًا هل يجزيه أم يجب الإعادة؟ وجهان.
ذكره القفال.
فرع آخر قال ابن الحداد: لو توضأ وترك لمعة بوجهة، ثم نسى أن يكون قد تطهر يتوضأ، وعنده أنه محدث، فصارت تلك اللمعة مغسولة في المرة الثانية صحت صلاته بلا خلاف.
وكذلك لو كان هذا في غسل الجنابة؛ لأنه نوى في الوضوء الثاني رفع الحدث، وهذا [51 أ/ 1] عندي إذا كان ذاكراً للنية وقت غسل تلك اللمعة.
فرع آخر قال ابن الحداد: لو غسل الجنب جميع بدنه بنية رفع الجنابة إلا قدميه، ثم غسل قدميه بنية رفع الحدث يصلح؛ لأن غسل القدمين في الحدث لا يجوز؛ لأن في غسل الحدث مسح، والمسح لا يجوز مع الجنابة.
فرع آخر لو نوى في ابتداء الوضوء رفع الحدث والتبرد والتنظف أجزأه، نص عليه في "البويطي".
ومن أصحابنا من قال: لا يجزيه؛ لأنه شرك بين الفرض وغيره، وهذا غلط؛ لأن كل معنى يقتضيه الفعل فنيته فيه لا تضره.
كما لو جمع بين الفرض وتحية المسجد لا يضره؛ لأنه يحصل بالفرض تحية المسجد وإن لم ينوها، وبمثله لو نوى في ركعتي الصبح ركعة سنة الصبح لم يجز؛ لأنه لو لم ينو ذلك لم يحصل له، ولذلك لو أدرك الإمام في الركوع فكبر ينوي به الافتتاح وتكبير الركوع لا يجوز.
فرع آخر قاله الإمام جدي: لو أجنبت امرأة من بنات تسع، فنوت في غسلها رفع حدث الحيض هل يجوز؟ وجهان، والأصح جوازه.
فرع آخر ذكره والدي الإمام - رحمه الله - لو توضأ ونوى أن يؤدي به صلاة لا يدركها بهذا الوضوء أصلًا، مثل إن توضأ في رجب لصلاة العيد هل يجوز أن يؤدي به سائر الصلوات؟ قياس المذهب أنه يجوز؛ [51 أ/ ا] لأنه نوى أداء ما لا يستباح إلا بالوضوء.

فرع آخر لو نوى رفع حدث يوجد بعد وضوء لا يجوز؛ لأن الوضوء يرفع الحدث السابق دون المتأخر.
وقال جدي الإمام - رحمه الله-: يجوز، وهو ظاهر النص؛ لأنه قال: "لو توضأ مع ريح ثم علم أن حدثه بول يجوز وضوءه" وهذا لا يصح عندي؛ لأن في هذا النص نوى رفع الحدث في الحال بخلاف ذاك.
فرع آخر لا يجوز في التيمم أن ينوي رفع الحدث؛ لأنه لا يرفع الحدث بل ينوي استباحة الصلاة.
وقال ابن سريج: يجوز أن ينوي به رفع الحدث؛ لأنه يرفع الحدث في حق هذه الصلاة.
فرع آخر المستحاضة لا تنوي رفع الحدث في طهارتها، بل تنوي استباحة الصلاة.
قال القفال: ويستحب أن تجمع فتنوي استباحة رفع الحدث.
وقال الإمام أبو عبد الله الخضري من أصحابنا: يجب أن تجمع بين نية رفع الحدث وبين استباحة الصلاة، فتكون رافعة للحدث السابق ومستبيحة للحدث اللاحق.
فر ع آخر قال الإصطخري: "لو أجنب الكافر ثم أسلم سقط حكم الجنابة بإسلامه، لأن الإسلام يجب ما قبله".
والمرتد لو أجنب ثم أسلم لا يسقط كالصلاة لا تسقط عنه بالردة، ولم يوافقه سائر أصحابنا على هذا.
مسألة: قال: "وَإِنْ نُوَى يَتَوَضَّأَ ثُمْ عَزَبَتْ نِيَتُه" الفصل وهذا كما قال: قوله: يتوضأ: أي توضأ بعض الوضوء؛ لأن الغروب بعد الكمال لا يضر، وأراد به أن [51 ب/ 1] استصحاب النية إلى آخر الطهارة لا يجب لأن فيه مشتقة، ولكن تجب استدامة حكمها، فلا يجوز له أن يغير نيته إلى شيء آخر، فإن غير نيته إلى التبرد أو التنظف عند غسل الرجلين مثلًا، فإن كان ذاكرًا للنية الأولى يحتسب غسل الرجلين، ويلزمه أن يعيد ذلك بنية رفع الحدث، فإن لم يطل الفصل من علته، وإن طال فيه قولان بناء على تفريق الوضوء.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان: أحدها: هذا والثاني: لا يضره.
كما لو كان ذاكرًا للنية الأولى؛ لأن النية العازبة كالمذكورة، وهذا لا يصح؛ لأن العقل من الفاعل لا يقع إلا لغرض، فإذا عزبت نيته لا يمكن إضافته إلا إلى الغرض

جارٍ التحميل